تأكيد لمعنى أنه يهدي، فهو يهدي إلى الخق وإلى صراط مستقيم، وكأنه الهداية ذاتها (وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)، أي هو بشرى للذين يسلمون وجوههم للَّه تعالى، ويخلصون للحق من غير مراء ولا جدال.
وهنا إشارات بيانية نشير إليها، فإنها تبين معاني التنزيل:
الإشارة الأولى - قوله تعالى: (مِن رَّبِّكَ)، أي من الخالق البارئ الذي ربك ورباك، وربَّى الوجود كله، وهو الحي القيوم.
الإشارة الثانية - في قوله تعالى: (بِالْحَقِّ)، أي متلبسا بالحق، فهو الحق، وما جاء به هو الحق من عند اللَّه، وكان في ذاته لَا يمكن أن تتمادى فيه العقول المستقيمة، فهو في ذاته حق، كما هو في ذاته هداية.
الإشارة الثالثة - الإشارة إلى أنه نازل من عند اللَّه تعالى، ونزل به أمين طهور صادق.
ولقد راعهم ما اشتمل عليه من قصص صادق للنبيين، وعظات مرشدة هادية، وتوجيه إلى الكون، وما اشتمل عليه من مكارم الأخلاق ونهيه عن ملائم الضلال، وأمره بالوفاء بالعهد، وغير ذلك.
راعهم ذلك، وبدل أن يذعنوا للحق إذ جاءهم ماروا فيه، فإن المبطل المماري لا تزيده الحجة إلا عنتا وإمعانا في الضلال؛ لذلك كذبوا وافتروا، وادعوا أمرًا غير معقول، فزادوا بعدا عن الحق، وزادوا ضلالا؛ ولذا قال عنهم، إذ رأوا القرآن واسترعاهم.
(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ... (١٠٣)
تحداهم أن يأتوا بمثله فعجزوا، ولكن لم يقولوا إنه من عند اللَّه، بل بالغوا في الكذب، وأوغلوا في الكفر، ولقد أكد اللَّه تعالى قولهم هذا لأن غرابته تسوغ تكذيبه بادئ ذي بدء، ولذا أكد علمه سبحانه بـ (اللام) وبـ (قد)، وتأكيدًا للمعلوم، والتأكيد حيث مظنة عدم التصديق.
стр. 6092
و (بَشَرٌ)، أي لم يجئ من عند اللَّه، فلم يعلمه اللَّه تعالى إياه، ولكن الذي علمه بشر، وعينوا ذلك البشر إنه رجل رومي كان غلاما لبعض العرب، وقيل رجلان كان يصنعان السيوف بمكة، ويقرءان الإنجيل والتوراة، وقيل غيرهما من أسماء سماها بعض المفسرين.
وقد رد الله تعالى قولهم بقوله تعالى: (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ)، و (يُلْحِدُونَ)، أي يشيرون إليه مائلين بكلام مضطرب نحوه، والمعنى لسان هذا الرجل أعجمي فكيف يأخذ منه النبي ﷺ علما؟! وإذا كان يأخذ منه علما فكيف يمكن أن يكون هذا الكلام المبين، أي البين في ذاته، والذي أعجزكم ببيانه حتى إنكم تقولونه فيه، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق.
إن دليلكم يلتوي عليكم بمقدار نتائجه، فلا يجديكم شيئا أي شيء.
وقد بين بعد ذلك لجاجتهم في الباطل وسببه، فقال عز من قائل:
стр. 6093
(إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)
آيات اللَّه تعالى ثلاثة أقسام:
القسم الأول - الآيات الكونية وهي الآيات الدالة على أنه وحده الخالق لكل شيء، وفي كل آية دلالة على الوحدانية فالسماء وبروجها، والقمر ونوره، والشمس وضياؤها، والليل والنهار، والنعم وما فيه خلق وتكوين، كل هذه آيات اللَّه الكبرى الدالة على أنه فعال لما يريد مختار.
والقسم الثاني - المعجزات التي تقترن بدعوى النبوة ويتحدى بها النبي من يكذبونه أن يأتوا بمثلها كعصا موسى، وبياض يده من غير سوء في تسع آيات أجراها اللَّه تعالى على يديه لقوم فرعون، فلم يؤمنوا إيمانا مستقرا، وإن كانوا في
стр. 6094
ضعفهم يقولون ادع لنا ربك، فيدعو اللَّه تعالى فيرفع عنهم المقت، ويذهب عنهم السوء، ولكن ما إن يرفعه عنهم ويؤمنهم حتى يعودوا إلى كفرهم المقيت. والقسم الثالث - الآيات القرآنية، والإيمان بها فرع الإيمان بمحمد ﷺ ، لأن الإيمان بها الإيمان بالقرآن، والإيمان بالآيات الذي نفاه القرآن عنهم، وترتب على نفيه نفي الإيمان والهداية هو الإيمان بالآيات الكونية، والإيمان بالمعجزة الكبرى معجزة النبي ﷺ ، وهي المعجزة التي تحداهم أن يأتوا بمثلها لعجزوا.
وإنما كان عدم الإيمان بآيات اللَّه مؤديا إلى ألا يهديهم؛ لأن الهداية إنما تكون لمن يفكرون في آيات اللَّه ونعمه، ومن لَا يفكر لَا يهتدي فلا يهديه، ولأن المعجزة الكبرى ضل من لَا يؤمن بها، وهي واضحة بينة، وهي وحدها تدل على أن من يبلغها يبلغ عن اللَّه فلا يهديه اللَّه إلى الحق؛ لأنه ضل سواء السبيل، ولم يبق إلا أن يسير في طريق الضلال إلى نهايته، ويكون له العذاب الأليم يوم القيامة، والأليم: المؤلم.
ولقد قالوا للرسول محمد ﷺ (إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ)، وهو المعروف بينم قبل البعثة بالصدق والأمانة، حتى إن اسم الأمين إذا أطلق لَا ينصرف إلا إليه، وكان لا ينادي إلا به، حتى بعث رسولا، ولما سأل هرقل أبا سفيان عن صفات النبي ﷺ : " هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، قال: لَا. قال هرقل: ما كان ليدع الكذب على الناس، ويكذب على اللَّه " (١).
فلما قال المشركون عن النبي ﷺ إنه مفتر رد اللَّه قولهم بقوله تعالت كلماته:
стр. 6095
(إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥)
حيثما كان إنكار الحقائق الثابتة كانت مظنة الكذب، فمن لَا يؤمن بالآيات الثابتة لَا يؤمن باللَّه ولا يكون صادقا أبدا؛ لأن الكذب مباهتة الواقع الثابت، ولا
стр. 6096
يسكن الكذب إلا حيث يكون إنكار بدهيات الأمور؛ ولذلك كان الكذوب بهاتا يبهت الناس بغير الواقع، ويكابر وتشتد مكابرته للواقع الثابت بالفطرة.
ولهذا يقول تعالى: (إِنَّمَا يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ)، و (إنما) أداة من أدوات القصر، فهي تتضمن نفيا وإثباتا، أي لَا يفترى الكذب إلا الذين لا يؤمنون بآيات اللَّه تعالى في الكون ومعجزات النبيين الذين يثبتون بها إرسال اللَّه تعالى لهم، وهي واضحة لائحة يراها المبصر ببصره، والمدرك بقلبه، فحيث كان الإنكار لما هو ثابت بالبرهان يكون الكذب؛ لأن الكذب إخفاء للحقائق، وإنكار الآيات إنكار للحقائق فهما ينسابان من نبع واحد، ويسيران في خط واحد.
وقد أكد كذب المشركين الذين لَا يؤمنون بآيات اللَّه بقوله: (وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ) بالإشارة إلى ما هم عليه من إنكار للبدهيات التي تومئ إليها الفطرة، والجملة تفيد القصر بأنه مقصور عليهم، ولا يمكن أن يكون الكذب في المؤمنين، فهذا نفي للافتراء عن النبي ﷺ وتأكيد الكذب عليهم، وإفادتها قصر الكذب عليهم بتعريف الطرفين وبضمير الفصل، وكذبهم أكده سبحانه بالجملة الاسمية، وبضمير الفصل، وبوصفهم الكذب، ولقد قال ﷺ : " إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب حتى يكتب عند الله كذابا " (١).
* * *
الإكراه لَا يمنع الإيمان، والردة كفر بعد إيمان قال اللَّه تعالى:
(مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا
(مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)
(مَن) في قوله تعالى: (مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ)، (من) هنا شرطية أو اسم موصول بمعنى الذي، دخلت الفاء في الحكم، والاستثناء هنا استثناء منقطع؛ لأن من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان لم يكفر، فلا يمنع في عموم المستثنى منه.
وجواب الشرط أو الحكم على الوصول هو قوله: (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ منَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).
وهنا تجد الاستثناء المنقطع المانع من يعد المكره كافرا، ما دام قلبه مطمئنا بالإيمان، وقد عطف عليه ما يدل على الكفر الحقيقي وهو (وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا)، أي فتح قلبه للكفر، (صَدْرًا)، تمييز محول عن الفاعل، وكأن الكلام، ولكن من شرح صدره بالكفر، وكان في الموضوع حقيقتان لشخصين مختلفين؛ أولهما اطمأن قلبه بالإيمان بأن استقر فيه وارتضاه واطمأنت نفسه، فقلبه ممتلئ بالإيمان، والآخر لم يعمر قلبه وضاق عنه، وشرح صدره وفتحه للكفر، فالأول يعد مؤمنا، لم يغادر الإيمان قلبه، بل هو قار فيه، وثابت لا يتزلزل.
стр. 6099
وإن المعركة بين الكفر والإيمان كانت قائمة بمجرد البعث المحمدي، فكان الإيمان بدلائله يغزو القلوب ويعمرها، وكان الشرك بإيذائه وفتنه، وتحويل الناس عن إيمانهم بالله ورسله والملائكة، والجنة والنار، فحذر اللَّه تعالى المؤمنين من أن يرتدوا بعد إيمان، وذلك ببيان عاقبة ردتهم وكفرهم بعد الإيمان.
ومن الناس من لم تكن لهم همة أهل الإيمان، ولا ثباتهم، ولا مروءتهم وقوة يقينهم فذلوا بعد أن استقاموا، وهانوا بعد أن اعتزوا باللَّه، وهؤلاء هم الذين ينطبق عليهم الحكم الصارم، وهو قوله تعالى: (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).
ومن الناس من استقاموا على الطريقة، وثبتوا وصبروا ولو أداهم ذلك إلى أن يموتوا في سبيل اللَّه تعالى بعذاب أليم - كما قتل آل ياسر - الذين استمروا على الآلام حتى ماتوا من شدة العذاب، ومنهم من نطق بكلمة الكفر تحت شدة العذاب، وهؤلاء هم الذين أخرجوا من زمرة الكافرين لأنهم، أُكرهوا، وقلبهم مطمئن بالإيمان.
ومنهم من صبروا تحت الآلام فلم ينطقوا بكلمة الكفر، كبلال رضي اللَّه تعالى عنه، فإنه كان يعذب بالوضع في الرمضاء في شدة الحر، ويضعون على صدره الصخرة العظيمة في شدة الحر، ليحملوه على الشرك وهو مصرّ على الإيمان مطمئن القلب معذب الجسم وهو في هذا العذاب المؤلم الممض لَا يني عن أن يقول: أحدٌ أحدٌ، ويصر عليها إغاظة لهم، ويقول ﵁ لهم وهم يعذبونه: لو كنت أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها، واستمر على هذه المغالبة وتحمل الشدة حتى اشتراه أبو بكر الصديق ﵁ وأعتقه فكان ذلك أغيظ لهم، وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري عذبه مسيلمة الكذاب لكفره به، وإيمانه بمحمد، فلم يزل يقطعه إربا إربا، وهو ثابت لَا يتزعزع.
وإن النبي ﷺ كان يبلغه من نطق بكلمة الكفر، وهو مطمئن بالإيمان، فبلغه خبر عمار، فقال: " إن قلب عمار مليء بالإيمان ولحمه ودمه ".
стр. 6100
وبلغه خبر من صبر حتى قتل، فأثنى عليهم، والحق أن النطق بالكفر مع اطمئنان القلب رخصة مع بقاء العزيمة قائمة، ومن لم ينطق فقد أخذ بالعزيمة، ولكل ثوابه، ولكن ثواب من صبر ثوابان: ثواب الصبر وثواب إغاظة الكفار.
وقد ذكر سبحانه عقاب من كفر بعد إيمان وقد شرح صدرًا للكفر، فذكر له عقابين:
العقاب الأول - (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ منَ اللَّهِ)، أي أن الغضب ينزل عليهم نزول الصاعقة؛ إذ إنهم شارفوا، فجذبهم الكفر، وولاهم الشيطان فنزل عليهم غضب اللَّه، وذكر الغضب في هذا المقام، فيه إثارة أي بإرضائهم للمشركين بعودتهم إلى الكفر، قد أغضبوا اللَّه، وشتان بين إرضائهم للكافرين، وإغضابهم لرب العالمين، ولا يرجى، ولا أحق بالرضوان غيره.
العقاب الثاني: أن لهم عذابًا عظيما فقال: (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) التنكير في عذاب ووصفه بأنه عظيم يفيد أنه عذاب عظيم جدير بأن يهدد به ويهول أمره، وقوله تعالى: (لهم) فيه إشارة إلى أنهم لَا يملكون بهذه الردة خيرا، بل يملكون عذابًا عظيما أكبر وأعظم مما كان ينزل بهم من عذاب لو استمروا على الإيمان.
وقد ذكر سبحانه سبب ذلك العذاب فقال:
стр. 6101
(ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧)
الإشارة إلى الغضب من اللَّه تعالى الذي ينزل بهم، والعذاب العظيم يحل بهم بسبب أنهم (اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) استحبوا إنما طلبوا حبها، فاستغرقت نفوسهم، ولم يفكروا في غيرها، وآثروها على الآخرة، فابتغوها بأي ثمن يقدم، ورضوا بأن يحطوا على هوى المشركين، ولو أغضبوا رب العالمين، وذكر اللَّه سببا ثانيا، غير استحباب الدنيا وإيثارها على الآخرة وذلك السبب أشار إليه بقوله: (وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) وذلك أنهم
стр. 6102
ساروا في طريق واستمروا في حياة اللهو والعبث وأغواهم الشيطان، حتى سد كل مسالك الهداية إلى قلبه، فكفر بأنعم اللَّه، وأنكرها بعد معرفتها، ولم يشكر، واللَّه لا يهدي القوم الكافرين، فقوله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) تومئ إلى كل هذا، ، وتقدست كلماته، وأعجز بيانه.
ذكر الله تعالى ما سجله عليهم، وهو عقاب في ذاته، وسبب لعقاب، فقال تعالى:
стр. 6103
(أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨)
إن أولئك هداهم اللَّه إلى الإيمان، ثم كفروا تمرد نفوسهم على الباطل وتلج فيه، فتفسد فيها مسالك الإدراك، ولذا قال تعالى فيهم: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧).
ولذا وصفهم الله تعالى بقوله.
(أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ).
الإشارة إلى هؤلاء الذين كفروا بعد إيمان، والإشارة إلى الموصوف بصفة إشارة إلى هذه الصفات، والإشارة إلى الصفات تفيد أن هذه الصفات هي علة الحكم، وإن الكفر بعد إيمان إذا تكرر تجعل النفس تمرض بفساد الإدراك لأن الكفر بعد الإيمان من شأنه أن يضعف في القلب معنى الإيمان، فيضعف إدراك الحق، ويصبح الشخص حائرا بائنا لَا يتحرك ضميره، ولا تستيقظ نفسه، ولا يستبصر بما تبصر، ولا يدرك حق الإدراك ما يسمع، فكأنه قد طبع على مداركه بطابع يمنع المدارك من أن يصل إليها شيء من الفهم والعلم فيبصر الكائنات ولا يعلم ما تدل عليه، ويستمع إلى القرآن، ولا يعلم ما يهدي إليه، ويحق عليهم قول اللَّه تعالى:
стр. 6104
(. . . لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ. . .).
وإن هذه عقوبة طبيعية لما أركسوا فيه، فهي نتيجة لما تردوا فيه من كفر بعد إيمان، وهي سبيل لعقاب دائم، وعذاب واصب، وهذا يؤدي إلى أن يكونوا في غفلة دائمة عن كل ما يعلو بالإنسان، فهم قد فقدوا معنى الإنسانية العاقلة المدركة التي تتحمل التبعات، وتعرف التكليفات التي هي ضريبة الإنسانية ومعناها، ولذا قال تعالى: (وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) حكم اللَّه تعالى عليهم بهذا النص، والإشارة إلى الموصوفين بالكفر بعد الإيمان، والصفة هي علة الحكم، وهو الحكم عليهم بالغفلة الدائمة التي تصير وصفا لهم منحصرا فيهم، وهم محصورون فيه، وقد أفاد القصر أي قصوهم في الغفلة، وقصر الغفلة عليهم، تعريف الطرفين، وتأكيد القول بضمير الفضل، مع تأكيد القصر.
وإنهم مع هذه الغفلة التي صارت وصمة لازمة قد خسروا كل شيء، ولذا قال تعالى:
стр. 6105
(لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩)
(لا جَرَمَ) ذكرنا أصل معناها، وأن تنتهي إلى أن معناها حقا، وهي تأكيد لهم بأنهم في الآخرة هم الخاسرون، والعبادة تفيد قصرهم على الخسارة، فهم إذا كانوا قد خسروا في الدنيا مداركهم فطمس عليهم فخسارهم في الآخرة أشد وأعظم، وهم مقصورون في الخسارة، والخسارة مقصورة عليهم. . . اللهم قنا عذاب النار.
* * *
стр. 6106
إِنَّ رَبَّكَ للمؤمنين يوم الحساب قال اللَّه تعالى:
(ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١١١) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣)
* * *
ذكر حال الذين كفروا بعد إيمانهم، وكيف نزل عليهم غضب وطبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم. بأنهم غفلوا واستغرقتهم الغفلة، وكانوا هم الخاسرين، وحدهم، بعد ذلك ذكر حال الذين آمنوا وفتنوا، وأوذوا وهاجروا في سبيل اللَّه، فقال تعالى:
стр. 6107
(ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) (ثُمَّ) هنا للعطف، والتباين بين فريقين شرح صدر الكفر آذي غيره، وفريق ثبت على الإيمان، وصبر على الأذى، وهاجر.
стр. 6108
و (إِن رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا)، فيها معنى الحماية الكاملة، والاعتماد على ركن لَا خلل فيه فقط، كما يقول القائل للسارقين ما سرقوا، ولذي المال ما ملكوا، ولكل إنسان ما يملك من مال ونسب، وأما المؤمنون الصادقون في إيمانهم فلهم الجنة، فمعنى هذه الجملة السابقة أن قوتهم وحمايتهم من الله فقط؛ ولذا قدم قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ) على الجار والمجرور، لبيان مكانة ناصرهم، وأنه فوق النصراء جميعا، فإذا كان الأقوياء قد آذوهم، وأعنتوهم، وحرموا الهناءة، إلا أن تكون قلوبهم عامرة بذكر الله وقوله: (لِلَّذِينَ) بـ (اللام) للاختصاص، أي أنهم مختصون به دون غيرهم.
وقال تعالى: (مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا) الفتن يكون للمعدن ليخرج ما خالطه من مواد مغايرة لجوهره، وفتن المؤمل تمحيصه، وأن تذهب كل ما عساه يعلق به من أدران الدنيا، والهجرة الواضحة هنا أنها هجرة الأولين إلى الحبشة، ويصح أن يراد الهجرة إلى الحبشة والمدينة وإذا كانت السورة مكية، فهي تتبئنا بالهجرة إلى المدينة التي كانت أول الجهاد ومن كان الجهاد، وقوله تعالى بعد ذلك: (ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا) إخبار أنه سيكون جهاد بحمل السيف، والغزوات المباركة، والسرايا التي كان يبعثها النبي ﷺ للجهاد والدعوة وإن عطف وصبروا على الجهاد مع أن الجهاد عدته الصبر أولا، وإعداد الأدوات بالمحل الثاني، إن هذا العطف يفيد أن المؤمن يختبر بأمرين الصبر، وهو مختبر به دائما، وقد كان قوة المؤمنين وهم بمكة، وثاني الأمرين الجهاد في سبيل الله بحمل السيف مدافعا، محاربا، وهذا يحتاج الصبر، كما قال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠).
وبعد أن ذكر أنه للمؤمنين، في مقابل أن الذين كفروا بعد إيمانهم للشيطان ذكر سبحانه أخص صفات الذات العلية وهو أنه غفور رحيم، (قال: (إنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفورٌ رَحِيمٌ) الضمير في (بَعْدِها) يعود إلى الهجرة، ذلك لأن الهجرة بعد صقل النفوس بالفتنة تتجه إلى الله، وقد سترت كل ذنوبها،
стр. 6109
فيكون الخلاص للَّه تعالى، ومن بعد ذلك يكون الغفران، وتكون الرحمة بالنصر في الدنيا، والجنة في الآخرة.
وفى قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رحِيمٌ) يفيد أمورًا أربعة:
الأمر الأول - تكرار الربوبية، وفي ذلك دلالة على أنه مع المؤمنين دائما ولا يتركهم، وهو ربهم والتولي أمورهم.
الأمر الثاني - تأكيد هذه الصلة بالعبودية والربوبية بعد الهجرة، كما كانت الأمر الثالث - تأكيد المغفرة والرحمة، فقد أكد بالجملة الاسمية، وإن واللام.
الأمر الرابع - دوام الرحمة والمغفرة؛ ولذا كان بصيغة المبالغة الدالة على دوام رحمة اللَّه بالمؤمنين، وذكر الغفران لما عساهم يكون منه من عبارات موهمة لمطاوعة المشركين وقد خص الغفران والرحمة بيوم لَا يجدي فيه غير غفران اللَّه تعالى ورحمته، ولذا قال:
стр. 6110
(يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١١١)
يوم منصوب على الظرفية، للوصفين السابقين، أي إن ربك غفور رحيم، في هذا اليوم الذي يحاسب كل إنسان على ما قدم في الدنيا من عمل، وكل إنسان يدافع عن نفسه؛ ولذا قال تعالى: (يوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا)، أي تدافع كل نفس أو تبين كل نفس، والمجادلة: المحاجة، أي تحاج كل نفس عن نفسها فيما نسب إليها فتحاج كل نفس بنفسها عن نفسها فلا يكون معها ولي ولا شفيع، ولا نصير، ولا فدية ولا عدل، بل تكون هي المسئولة عما فعلت وارتكبت، وأعمالها محصية ثابتة، كما جاء في قوله تعالى: (وَكُلَّ إِنسَانً أَلْزَمْنَاهُ
стр. 6111
طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤).
وقوله تعالى: (تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا)، أي يحضر الأنفس، وتسأل عما قدمت، وتنطق عليهم أيديهم وألسنتهم، فالحساب تكون أدلته مهيأة ثابتة، ولا يكون إلا الحكم، والحكم للَّه الواحد القهار فلا نقض لحكمه.
(وَتُوَفَى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ)، والمراد جزاء ما عملت، ولكن الأن الجزاء عدل وفاق للعمل، ويساويه تمام المساواة عبر بالعمل بدل الجزاء، إذ هي شيء واحد، أو متساويان تساويا مطلقا، وأكد الله سبحانه المساواة والوفاق بين العمل وجزائه فقال، (وَهُمْ لَا يُظْلَمُون)، أي لَا ينقص من عملهم شيء، فلا ظلم؛ لأن الحاكم هو اللَّه، وهو خير الفاصلين.
ولقد ضرب اللَّه تعالى المثل للكفران بالنعمة ومآلها والأمثال تضرب للناس لعلهم يعقلون، فقال:
стр. 6112
(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)
جعل حال قرية مثلا مصورا لمن يكون في رغد العيش والأمن والاستقرار، ثم يكفر بنعمة اللَّه لينزل عليه البلاء فيحرم نعمة الاطمئنان، ويستبدل بها خوفا، أو يحرم رغد العيش، ويستبدل به جورًا، وجعل المثل حال قرية - وهي المدينة الكبيرة لمكة - الدنيوي خسفا أو زلزالا، أو أمطار الحجارة فقط، بل قد يكون العقاب الدنيوي ضيقًا في الرزق بعد السعة، وخوفا بعد أمن، وهذا مجمل معاني النص القرآني؛ (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ) (وَضَرَب)، أي بين، (مَثَلًا)، أي حالا ثابتة، (قَرْيةً) وهي مفعول وأخرت عن (مَثَلًا)، وهي المفعول الأول؛ وذلك لأن الأوصاف التي تجيء بعد ذلك كانت أوصافا في القرية، وهو مورد المثل وموضعه، ولأن ذكر المثل بها ثم ذكر مورده وموضعه يكون بعد ترقب واستشراف فيكون أمكن في النفس والفؤاد.
стр. 6113
وهذه القرية وصفها اللَّه تعالى بأنها كانت آمنة كما كانت مكة، فقد كان فيها حرم آمن يتخطف الناس من حوله وكان يأتيها رزقها رغدا واسعا كثيرا إذ كان يجبى إليها من الثمرات استجابة لدعوة إبراهيم ﵇، وإذ قال سبحانه: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧).
وقال تعالى في هذه القرية: (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)، (الفاء) للترتيب والتعقيب، أي أنها بدل أن تشكر نعمة اللَّه إذ منحها الأمن والعيش الرغد الهنيء، وهذا أقصى ما يطلب لمثل هذه القرية، بدل هذا كفرت، أي رتبت على النعمة الكفر بها، وهذا عكس ما يترقب، ويتوقع منها. فكان هذا فيه معنى التوبيخ أو التهكم بأمرها، والأنعم جمع نعمة، أو جمع نعمى، والمعنى النعم العالية التي بلغت أقصاها.
وقوله تعالى: (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوع وَالْخَوْفِ)، في الكلام استعارتان:
الاستعارة الأولى: - أنه شبه الجوع والخوف باللباس السابغ الذي يغشى الداخل والخارج، وذلك بجامع اشتماله على الجسد والنفس، وكل الجوارح، فإن اللباس يغشى الجسم كله، والخوف والجوع يغشيان الجسم كله، فالخوف يغشى الجسم بالاضطراب والهلع والجزع، والجوع يغشاه بالضعف والحاجة، وهي كالعرى، أو كالثوب الذي لَا يستر.
والاستعارة الثانية - هي تشبيه الجوع والخوف بالشيء الذي يذاق جريًا على ما يجري على الألسنة من قول فلان ذاق مرارة الجوع، وقد قال في ذلك إمام البلاغة الزمخشري: " أما الإذاقة فقد جرت عندهم مجرى الحقيقة في البلايا والشدائد، وما يمس الناس منها، فيقولون: ذاق فلان البؤس والضر وأذاقه العذاب شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم بما يدرك من طعم المر.
стр. 6114
هذه خلاصة ما يقال في هذا المثل الرائع، وتلك الحكمة المباركة، وهو مثل يعطي صورة بيانية رائعة لمحكم القول.
وقد أسهب الزمخشري في بيان الاستعارة حتى قال الناصر أحمد بن المنير الذي يتعقبه بالنقد اللائم: قال أحمد: " وهذا الفصل من كلامه يستحق أن يكتبوه بذوب التبر، لَا بالحبر ".
وقد ذكر ابن كثير أن المثل ينطبق على أهل مكة، قد كانوا يعيشون آمنين في رغد، ولكنهم اضطهدوا المؤمنين وآذوهم واستعصوا على رسول اللَّه ﷺ فنزل بهم البلاء، وحق فيهم قول اللَّه تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّه كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ)، ودعا عليهم رسول الله ﷺ : " اللهم اشدد وطئك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف " (١)، وقد أصابهم الجوع الشديد - دع عنك أن النبي ﷺ قد سد عليهم مسالك تجارتهم حتى أحسوا بنعمة اللَّه عليهم، وذلك كله بين اللَّه بسببه بقوله تعالت كلماته: (بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)، أي بسبب الذي كانوا يصمنعونه من شرك وصد عن سبيل الله تعالى، ولعنتهم للمؤمنين، وحملهم على الردة بعد إيمان.
وإنهم مع هذه الحال أرسل إليهم رسولا من أنفسهم فكذبوه، وقد قال تعالى في ذلك:
стр. 6115
(وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣)
جاءهم رسول منهم عرفوا صدقه، وأمانته، إذا انشأ بينهم وليدا عفا لم يُزَنَّ بريبة، ولم يسجد لصنم حتى بُعث فيهم رسولا، هذا ما تتضمنه كلمة (مِّنْهُمْ)،
стр. 6116
فليس غريبا عنهم، وذلك كقوله تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨).
ولقد أكد سبحانه بعثه ﷺ فيهم بـ (اللام) وبـ (قد)، وقال: (جَاءَهُمْ)، أي بعث ابتداء فيهم، وتنكير (رَسُولٌ) للتعظيم، وإلى مكانته عند اللَّه، وعندهم لأمانته وعفته ولصدقه، ولكنهم بدل أن يعاجلوا بالإيمان عاجلوا بتكذيبه، فـ (الفاء) للترتيب والتعقيب، أي أن النتيجة جاءت على نقيض المقدمات؛ إذ أنه كان معروفا بالصدق والأمانة، فكان الواجب أن يبادروا بتصديقه، ولكنهم بادروا بتكذيبه، وعقب التكذيب أخذهم العذاب، إذ أخذوا في أسبابه، وهو التكذيب والصد عن سبيل اللَّه وإيذاء المؤمنين.
والعذاب هو عذاب الدنيا بالتقتيل فيهم وهزيمتهم، وذهاب سيطرتهم، وقيام الحق رغم أنوفهم، هذا في الدنيا، أما في الآخرة فبالعذاب الأليم، وإلقائهم في الجحيم.
ثم قال تعالى: (وَهُمْ ظَالِمُونَ)، الواو للحال، أي والحال أنهم ظالمون، فالعذاب نزل بهم، وهم أحق به، فهو بما كسبوه من تكذيب الحق، وتجاوزوا حد التكذيب إلى الظلم إذ صدوا عن سبيل اللَّه وفتتوا المؤمنين في إيمانهم وعذبوهم، وحاولوا أن يردوهم عن دينهم فارتدوا خاسئين.
* * *
الرزق الحلال الطيب
قال اللَّه تعالى:
(فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا
стр. 6117
أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥) وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨)
* * *
إذا كانت نعمة اللَّه لأهل القرى في الأمن ورغد العيش، فهي نعم لإباحتها، لا لمنعهم منها ولذا كان النص بإباحتها لتتم سبحانه نعمته على عباده، وكان ابتداء القول بالفاء، لأنه مترتب على النعمة، فقال سبانه:
стр. 6118
(فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا) الأمر للإباحة لَا للوجوب، إلا إذا كان الأمر يطلب الأكل بالكل لَا بالجزء فالأكل بالجزء مباح أي له أن يأكل من نوع كذا أو كذا أو في وقت كذا، دون وقت كذا فهذا مباح فيه أن يختار ما يشاء، أما ترك الأكل بالكل بألا يأكل قط فحرام، ولذا كان الأكل مباحا بالجزء أو النوع، ومطلوبا طلبا لأمر بالكل، كما أنه محرم أن يحرم صنفا معينا من الحلال على نفسه كالذين حرموا البحيرة والوصيلة والحام، وقد وصف الأكل الذي وصفه اللَّه تعالى وأعطاه ومكن منه بوصفين:
أعف الأول - أنه حلال، والثاني: أنه طيب، والحلال أن يكون كسبه لا خبث فيه، فالكسب بالربا أو الرشوة والميسر، أو التغرير، أو السرقة أو الاغتصاب، أو الخمر كل هذا ليس برزق حلال، لأنه كسب خبيث، وكذلك أكل ما سمي عليه اسم غير اللَّه من صنم أو صليب، أو معبود غير اللَّه أيا كان.
وأما الوصف الثاني - فهو أن يكون في ذاته طيبا لَا خبيثًا في ذاته، فلا يؤكل الخنزير ولا الميتة، ولا الدم ولا ما تعافه النفوس، ومن ذلك سباع الطير،
стр. 6119
وسباع البهائم، فإن لحم هذه وما يشبهه لحم خبيث، فكل ما حرمه سبحانه من مأكول خبيث الذات يضر الجسم وتعافه النفس.
وإن هذه النعم التي هيأها الله تعالى وأباحها توجب الشكر، ولذا جاء الأمر بالشكر بعد الإباحة، فقال تعالى: (وَاشْكُروا نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) وشكرها بالقيام بالواجبات، من عبادة وامتناع عن الشرك، والتصدق منها للَّه تعالى، وإطعام القانع والمعتر، وأن يكون كل ذلك لوجه اللَّه تعالى لَا يبتغي سواه، ولا يطلب إلا وجهه الكريم.
ولذا قال بعد ذلك: (إِن كنتُمْ إياهُ تَعْبُدُونَ) تقديم الضمير يفيد التخصيص فالمعنى إن كنتم لَا تعبدون إلا اللَّه . وذكر الوحدانية بعدها فيه إشارة إلى أن تناول هذه النعم من غير تحريم لبعضها، هو من عبادة اللَّه تعالى، ذلك أن الانتفاع بأي نعمة مع الشعور بعظمة المنعم واستحقاقه الشكر، والتناول طاعة لأمره، واستجابة لطلبه هذا في عباده، ففي الانتفاع بكل نعمة منحها للاستجابة للمنعم عبادة، حتى في بضع أحدكم صدقة.
وبين اللَّه تعالى المحرمات من الخبائث فقال:
стр. 6120
(إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥)
(إِنَّمَا) أداة قصر أي أن المحرم عليكم من النعم ونحوها الميتة والدم ولحم الخنزير، إذا أهل لغير اللَّه به، أصناف أربعة هي: الميتة وهي التي كانت قد حبس دمها فيها، ويدخل فيها الموقوذة والنطيحة، فإنها كالتي ماتت حنف أنفها، إذ لم تذكَّ التذكية الشرعية، وحبس الدم فيها ولم يرق، والدم، وهو الدم المسفوح، وقد ذكر هنا مطلقا، وذكر مقيدا في آية الأنعامِ في قوله تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ. . .).
ولحم الخنزير إذ إنه نجس بذاته، وما أهل به لغير الله وهو المذبوح لغير الله.
стр. 6121
ومن المقورات أنه إذا اتحد المسبب والحكم، وجاء اللفظ في أحد الموضعين مطلقا، وفي الآخر مقيدا حمل المطلق على المقيد.
وهذه الآية الأخيرة تفيد أن تحريم هذه الأشياء لأنه رجس، وفيها ضرر جسمي إذ هي قاذورات خبيثة، وما أهل لغير اللَّه كان تحريمه لأنه فسوق وخروج عن التوحيد؛ لأنه ذكر غير اسم اللَّه تعالى عليه.
وهذا التحريم في حال الاختيار، أما في حال الاضطرار فإنه يرخص فيه الأكل، ولذا قال تعالى (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رحِيمٌ)، أي فإنه يرخص الأكل، وإن اللَّه تعالى يغفر الإثم لأنَّ اللَّه يرفعه بمغفرته وبرحمته وقد اشترط للإباحة شرطان، أو ذكر الترخيص مقرونا بوصفين:
الوصف الأول - أن يكون (غَيْرَ بَاغٍ) طالب له يشتهيه، وهذا الوصف تحقيق للضرورة؛، لأنه إذا كان يبتغيه وهو في فسحة من العمل لَا يكون مضطرا، ولأنه إذا كان يبتغيه يتجاوز حد الضرورة.
والوصف الثاني - (وَلا عَادٍ)، أي متجاوز حد الضرورة.
وقد قالوا إن هذه رخصة إسقاط؛ لأنه قد سقط عنه التحريم بهذه الضرورة، وقالوا إن الأكل في هذه الحال واجب، وليس بمباح فقط؛ لأنه يتردد بين أمرين أحدهما أقوى تحريما من الآخر:
الأمر الأول - الأكل.
والأمر الثاني - تلف النفس ولا شك أن تلف النفس أقوى تحريما من الأكل.
وقال أهل الطب إن تحريم هذه الأشياء لما فيها من رجس وقذر، وذلك يضر الجسم، فإذا كان الجسم في حال جوع شديد ومخمصة كان هذا الجوع مخففا لأضرارها، وكان الأخذ منها لَا ضرر فيه لحال الجوع الشديد، فيأخذ من غير تعد ولا شهوة أكل، ولا تجاوز لحد الضرورة، فإن تجاوزها كان الضرر، وتحقق الرجس والقذر.
стр. 6122
وقد كان المشركون يحرمون على أنفسهم بعض المحللات من الأنعام فنهى اللَّه عن ذلك وقال:
стр. 6123
(وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)
كان المشركون يحرمون على أنفسهم بعض ما تخرجه الأرض وبعض النعم، وينسبون ذلك كذبا إلى اللَّه، ولنرجع إلى ما في سورة الأنعام إذ يقول اللَّه سبحانه: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦)، (وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩).
قد بين سبحانه ما أحله وما حرمه، ولكنهم كانوا يحرمون ما أحل اللَّه، وينسبون التحريم إليه سبحانه وقد كذبهم اللَّه تعالى في هذه الآية الكريمة: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ) نذكر أوجه التخريج النحوي في الآية الكريمة وننتهي إلى وجهين نذكرهما:
الوجه الأول - أن (الْكَذِبَ) مفعول لقوله تعالى: (وَلا تَقُولُوا)، أي لا تقولوا الكذب للذي تصفه ألسنتكم، وقوله تعالى: (هَذَا حلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ) و (هَذَا) بدل من (الْكَذِبَ)، ويكون المعنى ولا تقولوا الكذب للذي تصفه ألسنتكم بالحل والحرمة، وهذا حكم عليهم بالكذب في ادعائهم الحلال والحرام من غير حجة ولا علم.
стр. 6124
الوجه الثاني - أن يكون الكذب مفعولا للمصدر، ويكون المعنى ولا تقولوا لوصفكم الكذب هذا حلال وهذا حرام ومؤدى التوجيهين أنه لَا يصح أن تقولوا هذا حلال وهذا حرام، فإن ذلك الوصف هو الكذب بعينه ما دام لم يجئ من اللَّه بيان فيه، ولأنه قد ثبت ما أحل وما حرم، فما عدا ما قاله اللَّه باطل باطل، ولذا قال تعالى: (لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ)، (اللام) هنا هي لام الصيرورة أو لام العاقبة، والمعنى لَا تفعلوا ذلك؛ لأن العاقبة أن تفتروا على اللَّه الكذب. (افترى) أي قصد باهتا الكذب وتعمده وأزاد، وقد ختم اللَّه تعالى الآية بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ) أكد سبحانه بأنه لَا يفلح الذين يقصدون الكذب على اللَّه تعالى ويتعمدون ويبهتون الناس بالكذب عليه سبحانه، وذلك لأنهم يكونون قد مردوا على الكذب، وفسدت مداركهم إذ ماعت نفوسهم فصارت لَا تتجه إلى الحقائق ولا تستقر فيها الحقائق، ولا يؤمنون بحق، ولا يرفضون الباطل، إذ من تصل حاله إلى الكذب على اللَّه لَا يمكن أن يفوز في أمر من الأمور؛ ولذا قال: (لا يُفْلِحُونَ)، أي ليس من شأنهم أن يفوزوا.
وقد ذكر الموصول للدلالة على أن الصلة هي السبب في عدم الفوز، وأكد سبحانه عدم الفوز بالجملة الاسمية وإن المؤكدة، وإذا كنا نراهم قد مردوا على الكذب وصار شأنا من شئونهم فلا مانع يمنع من الكذب على اللَّه ، أي كذب أعظم من أن يحرموا ويدّعوا أن اللَّه هو الذي حرم عليهم.
وقد بين سبحانه في تأكيد عدم فوزهم أنهم يحسبون بريق الحياة ومتاعها هو المتاع، وبين اللَّه تعالى أن متاعها قليل؛ لأنه في ذاته قليل وزمانه قليل ومتاع الآخرة هو الأبقى ومن طلب متاع الدنيا بغير الحق فالآخرة تكون له عذابًا أليمًا؛ ولذا قال تعالت كلماته:
стр. 6125
(مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)
التنكير في (مَتَاعٌ) يدل على قلته في ذاته وقلته في زمانه وهو بجوار الكذب الذي يكذبونه لَا يعد متاعًا؛ لأن المتاع ما يقوم على متاع النفس، والنفس
стр. 6126
الكذوب تكون في اضطراب مستمر ولا تملك نفسها كما لَا تنضبط في ذاتها، ودأبها على الكذب يؤدي إلى ضلال الفكر فيها حتى يصيبها خرف الكذب وفساده.
(وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) بعد هذا المتاع الضئيل وهو عذاب دائم ليس له وقت محدود بل هو محدود بحدود اللَّه، وما من قارئ يقرأ هذه الهداية إلا امتنع عن الهجوم بقوله حلال وحرام إلا إذا كان النص على التحريم من قرآن أو أحاديث النبوة، ولقد كان إبراهيم النخعي، وهو من أئمة فقه الرأي كان إذا وصل برأيه إلى حكم يفيد التحريم لَا يقول: حرام، ولكن يقول أكره، وإذا وصل بقياسه إلى حكم يفيد الحل قال ليس من بأس، أو استحسن هذا متحرجا أن يقول حرامًا أو حلالاً لكي لَا يكون ممن دخلوا في حكم هذه الآية.
وقال ابن العربي: " كره مالك وقوم أن يقول المفتي: هذا حلال، وهذا حرام في المسائل الاجتهادية، فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومئ هذا "، وقد رأينا في هذا الزمان من يقول في أمور هي حرام بالنص إنها حلال، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلى العظيم.
بين اللَّه ما أحل وما حرم، ثم حرم اللَّه تعالى على اليهود بعض أمور، وكان التحريم خاصا بهم دون غيرهم فطْمًا لنفوسهم الشهوانية الظالمة، وقد أشار سبحانه إلى هذه المحرمات في قوله تعالى:
стр. 6127
(وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨)
وقوله تعالى: (مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبلُ)، أي ما أخبرناك بتحريمه من قبل، وهذا يدل على أن هذه الآية في سورة النحل متأخرة عن التحريم على اليهود في سورة الأنعام، وذلك النص في سورة الأنعام:
стр. 6128
(وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦).
وفى هذه الآية التي سبقت في سورة الأنعام ذكر سبحانه أن ذلك كان فَطْمًا لأهوائهم وشهواتهم وبغيهم، فكان التحريم تأديبا لهذه النفوس أو تقوية لإراداتهم ومنعا لأهوائهم وشهواتهم، ولذا قال في الآية الكريمة التي نتولى ذكر معانيها الحكيمة (ومَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)، أي وما ظلمنا بذلك المنع الجزئي، بل هم الذين بغوا، وأكثروا فيها الفساد، وأدى ذلك إلى ظلمهم؛ ولذا قال تعالى: (ولَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلمُونَ)، الاستدراك هنا لتأكيد نفي الظلم، وإثبات الظلم عليهم هم، وتقديم (أَنفُسَهُمْ) على (يَظْلِمُونَ) للدلالة على الاختصاص، أي لَا يظلمون أحدا غير أنفسهم.
* * *
التوبة بعد العصيان ومكانة إبراهيم
قال اللَّه تعالى:
(ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)
* * *
стр. 6129
إن اللَّه تعالى يغفر الذنوب جميعا لمن تاب وآمن وعمل صالحا؛ ذلك أن بتوبته في وقتها عبادة، وقد قال تعالى:
стр. 6130
(ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا).
(إِنَّ رَبَّكَ) الذي خلق الناس أجمعين ورباهم وهذبهم (لِلَّذِينَ عَمِلُوا)، أي هو لهم يمنعهم من الاسترسال في الشرور والفساد، كما تقول: السلطان لفلان هو ينصره، ويحميه من أعدائه ولا يسلمه لهم، وقد ذكر أنه سبحانه لهؤلاء الذين عملوا السوء، بشرطين:
الشرط الأول - أن يكون بجهالة.
والشرط الثاني - أن يتوبوا ويعملوا الصالح بأن يصلحوا في ذات أنفسهم، بأن يزول من نفوسهم، كل أدران السوء، وترحض عن قلوبهم كل ما عملوا من آثام مبطنة، وأن يذهب ما اربدت به نفوسهم، وتطهُر.
والسوء كل ما هو في ذاته ليس بطيب، ويسوء النفس وغيره، والجهالة هي عدم تدبير الأمر، وعدم تعرف عواقبه بأن يندفع تحت تأثير شهوة جامحة، أو هوى متبع، فإذا تدبر تاب من قريب، وهذا قوله تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨).
وقال تعالى في الشرط الثاني: (ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا)، أي قاموا بحق التوبة النصوح، وهي تقتضي أمورا ثلاثة:
الأمر الأول - الندم على ما حصل من سوء، وذلك علم بالحق بعد الجهالة، وثوب إلى اللَّه تعالى بعد الابتعاد.
والأمر الثاني - العزم على ألا يعود إلى ذنب أبدا، ذلك لأجل غسل ما اعترى القلب من أدران، وتنظيفه من السيئات وآثارها.