← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.

стр. 6196

والخلقي فيهما إلى النية المحتسبة، كما قال ﷺ في الحديث المتواتر المعنى: " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته لله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته لما هاجر إليه " (١). ونتكلم في معنى يدعو، أهي من الدعاء، أم من الدعوة. فإذا كانت من الدعاء تكون بمعنى دعاء اللَّه بالشر كدعائه بالخير لَا يتروى فيه، ففي الخير المسارعة فيه خير؛ لأنها مبادرة إليه، والمسارعة إليه مطلوبة، لقوله تعالى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ. . .)، وأما المسارعة بالدعاء إلى الشر فذلك ممقوت، كالدعوة على النفس بالهلاك عند الغضب، وكدعاء إنزال العذاب، كقول الله على لسان المشركين (. . . فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)، وقد قال تعالى لائما على ذلك، (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١). هذا إذا كان يدعو من الدعاء، أما إذا قلنا إنها من الدعوة وتجيء بمعنى الدعاء فالمعنى أن الإنسان يدعو نفسه وغيره متلبسا بالشر، كدعوته إلى الخير، وإذا كانت الدعوة إلى الخير محمودة العاقبة في ذاتها لأنها خير مآلا، ولأنها مرئية في ذاتها فالدعوة المتلبسة بالشر تحتاج إلى تعرف عواقبها ونهايتها، والتروي والتدبر في دواعيها، وإذا فكر وتدبر لَا يفعل إلا ما يؤدي إلى النفع، ولكنه لَا يفعل، ولذلك قال تعالى بعد ذلك: (وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا) وذلك كقوله تعالى: (خُلِقَ الإِنسَان مِن عَجَلٍ. . .)، فهو في طبعه التعجل إلى الأمور، والعاقل من يتأنى ويتدبر ويصبر، ويدرس الأمور، فإذا كانت العجلة من غرائزه، فالإدراك يهذب هذه الغريزة، ويجعلها متناسقة مع مواهبه، وكذلك كل غريزة تشذب

стр. 6197

بغيرها من الغرائز، فإذا كانتا فيه الغريزة الجنسية، فالعقل يجعلها في الحلال، وإذا كانت غريزة العجلة، فالعقل يضبطها بالصبر. هذا مقام القرآن، وهذا هو الإنسان، وقد انتقل سبحانه من الإنسان إلى الكون وفيه آيات الوحدانية، وبرهان الألوهية، فقال عز من قائل:

стр. 6198

(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢) ابتدأ سبحانه من الكون بما يمس الإنسان من أوقات فذكر الليل والنهار، وقال تعالى: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَآيَتَيْنِ)، أي هما في ذاتهما آيتان، إذ يقبلان بأمبر اللَّه ويذهبان، وإذا كانا يرمزان إلى دوران الشمس حول الأرض، وأن القمر يستمد نوره من انعكاس ضوء الشمس على الأرض، كما قال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدِّرَهُ مَنَازِلَ. . .)، فإن هذا أبين في أن الليل والنهار آيتان؛ لأنهما مظهران للفلك السماوي، وهو يسير بقدرة اللَّه تعالى وإرادته، وكل شيء عنده بمقدار، ثم هما يقصران ويطولان، فإذا قصر أحدهما طال الآخر، فإذا طال الليل في الشتاء قصر النهار، والعكس بالعكس. هذا على أن الليل والنهار ذاتهما آيتان وترمزان إلى آية كونية هي دوران الأرض حول الشمس، وانعكاس ضوء الشمس على الأرض فتجعله منيرا من غير ضياء كالشمس. وقد يراد بآيتي الليل ما يظهر بالحس في كل منهما، فالشمس تكون بالنهار، وهي آية، والقمر يكون بالليل، وهو آية، والقمر قدره اللَّه تعالى منازل. ومعنى محو آية اللمل ما قاله الزمخشري: (فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ) أي جعلنا الليل ممحو الضوء مطموسه مظلما لَا يستبين فيه شيء، كما لَا يستبان ما في اللوح الممحو.

стр. 6199

وقوله تعالى: (فَمَحَوْنَا آيَةَ اللًيْلِ) في الكلام مجاز على تخريج الزمخشري مؤداه أنه شبه الليل الممحو نوره بالكتاب المطموس كتابته لعدم الوضوح والاستبانة فيهما. وقوله تعالى: (وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً)، أي يبصر الناس فيها، فيكون في الكلام مجاز أيضا فأسند الإبصار إلى الآية باعتبارها منها الإبصار، وذلك مجاز في الاشتقاقات، فأطلق اسم السبب على المسبب، وهو ما يكون فيه من استبانة. (لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ)، أي لتطلبوا فيه أسباب رزقكم، ولتقيموا الصناعات، وتسيروا في الأرض وتفلحوا الأرض فتمتلئ بالنبات، والغرس، وتكون منافع هذه الدنيا إذ تتولون أسبابا وفضلا من اللَّه، ولتعلموا عدد السنين والحساب، وذلك بتجدد الأيام، فيعرف اليوم، ويعرف الشهر، ويعلم عدد السنين وما يجري في حساب الناس. فبتجدد الليل والنهار يكون السكون وتكون الحركة، وطلب المعاش، والسعي في الأرض، وذلك كله يدل على الفاعل المختار ووحدانيته، قال تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢). وقال تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥). بعد أن بين اللَّه طبيعة الإنسان، وأشار إلى ما يحيط به أخذ يشير سبحانه إلى الحساب. * * *

стр. 6200

الحساب يوم القيامة قال اللَّه تعالى: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤) مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥) * * * لم يخلق الله تعالى الإنسان سدى، ولم يخرج الحياة لتكون عبثا من غير حساب، بل إن اللَّه تعالى خلق الإنسان مسئولا عما يعمل، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، ومن فاته حظ الحياة الدنيا مظلوما، فينال في الآخرة حظا موفورا، ومن اكتسب الإثم وأحاطت به خطيئته، فإن له جهنم، إن صلاح الإنسان لَا يكون إلا بالثواب والعقاب في الآخرة، كذلك قدر الله تعالى ولذا كان الحساب، وقال تعالى:

стр. 6201

(وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) الطائر هنا كناية أو مجاز عن العمل، فالمعنى وكل إنسان ألزمناه عمله الذي عمله وطوقنا به عنقه، بحيث لَا يمكن الخلاص منه، كما يطوق العنق بأي شيء لا يمكنه الفكاك، بل يلازمه ملازمة الطوق للعنق، وقد شبهت ملازمة العمل للنفس حتى تنال جزاءها خيرا أو شرا بملازمة الفوق للعنق حلية أو قيدا. هذا هو المعنى الإجمالي للآية الكريمة.

стр. 6202

وفى التعبير عن العمل بالطائر إشارة إلى ما كان عند العرب من التشاؤم والتفاؤل، فاللَّه يبين أن العمل كهذا الذي كنتم تتخذونه للتشاؤم والتفاؤل، ولكنه عمل هو خير لكم أو شر عليكم، وعبر عنه بملازمته الأعناق؛ لأن العنق هو الذي تكون به القلائد، فكان ذلك ترشيحا للاستعارة، ولنستعر توضيح هذا المعنى من شيخ المفسرين الطبري، فهو يقول: إذ أعلمهم جل ثناؤه أن كل إنسان منهم ألزمه ربه طائره في عنقه نحسا كان الذي ألزمه وشقاء يورده سعيرا، أو كان سعدا يورده جنات عدن، وإنما أضيف إلى العنق، ولم يضف إلى اليد أو غيرها من أعضاء الجسد، قيل لأن العنق هو موضع السمات، وهو موضع القلادة والأطوقة ونحو ذلك مما يزين به أو يشين، فجرى كلام العرب على نسبة الأشياء الملازمة سائر الأبدان إلى الأعناق، كما أضافوا جنايات أعضاء الأبدان إلى اليد، فقالوا: ذلك بما كسبت يداك، وإن كان الذي يجري عليه لسانه أو فرجه، فكذلك قوله تعالى: (أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) اهـ بتصرف قليل. وخلاصته، أن قوله تعالى: (أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) كناية عن ملازمة أعماله له لَا تزايله ولا تفارقه يوم القيامة، وقد أكد سبحانه ذلك المعنى بأن أعماله الملازمة له ملازمة القلادة للعنق محصية عليه إحصاء دقيقا في كتاب لَا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فقال: (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا) فيه قراءات لـ (يلقاه) أولها بنون المتكلم العظيم في نفسه وذاته العلية، وهو اللَّه ، وثانيها بالياء، ويعود بالضمير على اللَّه تعالى، وهو حاضر في النفس دائما، وهناك قراءة بالقاف المشددة (يلقَّاه)، فيه مبالغة في لقائه أو حمل له على التلقي، وهذا الكتاب هو صحيفة أعماله التي يحاسب على خيرها، بالجزاء الأوفى، وعلى شرها بالعذاب الأليم، ويفهم من كلام البيضاوي أن هذا الكتاب هو ما ينقش على نفسه من الأعمال التي تتكرر، فتكون بتكرارها خطوطا منتقشة، وتعرض هذه النُّقُش صحيفة منشورة مكشوفة، ولننقل عبارته: " هى أي الكتاب صحيفة عمله أو نفسه، المنتقشة بآثار أعماله، فإن الأعمال الاختيارية تحدث في

стр. 6203

النفس أحوالا، ولذلك يفيد تكريرها لها ملكات " (١)، أي أن الأعمال بتكررها تحدث نقوشا بهذه الأعمال فتكون كتابا يكشفه اللَّه، فتكون كتابا منشورا ظاهرا معلوما مكشوفا.

стр. 6204

(اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤) مقول لقول محذوف، أي يقول اللَّه تعالى أو الملائكة المطهرون: اقرأ كتابك المسجل عليك، الذي هو صادر عن نفسك أو منقوش عليها، فإنه دليل لك أو عليك، ففيه حسناتك وفيه سيئاتك، وحاسب نفسك بمقتضى هذا الكتاب الذي هو صورة منها، قد حفظت وبقيت حتى ظهرت، " كتابا منشورا " أي معروفا، وإنه يكفي حساب نفسك؛ فإنها وحدها كاشفة، وقوله تعالى: (كَفَى بِنَفْسكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا)، أي كفى بنفسك حسيبا عليك يحصي عليك ما عملت إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وحسيبا؛ تتضمن الإحصاء والحساب والرقابة، فضميرك شاهد عليك، ونفسك بما نقش عليها وحفظ أقوى برهان على عملك، واللَّه بعد ذلك يتولى الجزاء، مع قيام الدليل من نفسك أنت. وقد بين بعد ذلك أن الجزاء من جنس العمل، فقال:

стр. 6205

(مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥) حقائق تؤكدها هذه الآية الكريمة: الحقيقة الأولى: أن الإنسان في الأعمال الدنيوية إن اهتدى فهدايته عائدة بالخير عليه، وإن ضل فضلاله مغبته عليه. الحقيقة الثانية: أن الإنسان ليس له إلا ما سعى، فوزره هو الذي يتحمله، ولا يتحمل وزر غيره. الحقيقة الثالثة: أنه لَا عذاب إلا بعد الإنذار، (. . . وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِير).

стр. 6206

ولنتكلم في استخراج هذه الحقائق من نصوص الآية. الحقيقة الأولى: (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ) الفاء هنا مترتبة على ما ذكر قبلها، ذلك أنه إذا كان الحساب بكتاب منشور لَا يغادر صغيرة ولا كبيرة من أعمال الدنيا، إنه من يهتدي فهدايته لنفسه فلا يعذب، وينال الجزاء من عند اللَّه جنات تجري من تحتها الأنهار، ورضوان من اللَّه أكبر، ومن سلك طريق الضلالة وكتبت عليه دونت في كتابه فإن عاقبة ضلاله تكون على نفسه جزاء لما قدمت يداه من عذاب عسير، ولا ينظر اللَّه إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب مقيم دائم، لهم جهنم خالدين فيها أبدا بما كانوا يكسبون. الحقيقة الثانية: هي كما أشرنا ما دل عليه بقوله تعالى: (وَلا تَزِر وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، أي لا يحمل إنسان وزر غيره، و (وَازِرَةٌ) وصف لنفس، أي لَا تحمل نفس وازرة إثم نفس أخرى، وعبر سبحانه عن حمل الوزر بالوزر، فقال: (وَلا تَزِرُ) لأن الوزر سبب حمله، فأطلق السبب وأريد المسبب، ألا يقال كيف ذلك واللَّه تعالى يقول: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)، ونقول في الجواب عن ذلك، إنما يحملون أثقال غيرهم إذا كانوا سببا فيها كالذين يصدون عن سبيل الله يحملون أثقال من صدوهم؛ لأن نوعا من السببية في كفرهم بصدهم عن سبيل اللَّه وضلالهم. ويلاحظ في النص السامي أمران: الأمر الأول: قوله تعالى: (فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) أي وزر ضلاله عليها. الأمر الثاني: أنه سبحانه يقول: (فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) فذكر هنا القصر والاختصاص، للإشارة إلى أن الضلال لهم وحدهم، فلا يجديهم أن يقولوا (إِنَّا

стр. 6207

وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونْ)، فعليهم أن يتحملوا تبعة أعمالهم، وأن يقدموا على ما يقدمون عليه بتفكير من غير تقليد، فلا يتحمل من يقلدونهم شيئا من أوزارهم. والحقيقة الثالثة: أنه لَا عذاب من غير إنذار، ودل على ذلك قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) إن العقل يدرك الخير والشر، ولكن لأن الغرائز البشرية متشابكة يؤثر بعضها على بعض، فالغريزة الجنسية توجد الهوى، والهوى يجعل غشاء على القلوب فلا تفقه، وعلى الآذان فلا تسمع سماع هداية، ولا يبصر بصر اعتبار، يكون ذلك، فلا بد من منبه يزيل غشاوة الأعين وضلال القلوب، ووقر الآذان، وهذا هو النذير، والعذاب من غير النذير لَا يكون من رحمة اللَّه تعالى بعباده، (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ) نفي مؤكد حتى تكون الغاية، أي ما كان من شأننا ولا من رحمتنا أن نعذب إلى أن نبعث رسولا يعلم الحق ويبينه، والباطل ويزهقه، وقال تعالى: (. . وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤). * * * الترف مآله الدمار قال اللَّه تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ

стр. 6208

سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١) * * * الترف أن يسترخي الإنسان في إرادته وعزيمته وصبره، فيكون كل شيء فيه مسترخيا، فإرادته مسترخية، وعزيمته لَا قوة فيها ونفسه غير منضبطة، والشهوات حاكمة، والأهواء جامحة، والمترف يختص بثلاث خصال: ضعف في الإرادة، واندفاع وراء الأهواء والشهوات، وأثرة تجعله يعيش في محيط نفسه ولا يخرج عن دائرتها، ولذا كان المترفون دائما هم أعداء الأنبياء، لأنهم أوتوا أثرة مقيتة، وكل حق يحتاج إلى فداء، وجهاد وبلاء وجلاد، وكان أتباع النبيين من الفقراء الذين لا يعيشون عيشة راضية، وكان أعداء النبيين من المترفين يقولون: (. . . وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ. . .). وهذه الآية الكريمة:

стр. 6209

(وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦) إن إرادة اللَّه تعالى لهلاك الأمة تكون إذا سارت الأمة في أسباب الهلاك، وانتهت إليه، فيريد اللَّه تعالى لها ما أخذت في أسبابه وسارت في طريقه قاصدة الغاية مريدة لها، فمعنى إرادة اللَّه تعالى سيرها في طريق الهلاك حتى ترد موارد الهلكة، وذهبت أسباب قوتها، وحلت محلها أسباب انهيارها. والقرية المدينة العظيمة، ويصح أن يراد بها الدولة أو الأمة، أو الجماعة أيا كان عددها، وقوله تعالى: (أَمَرْنَا مُترفِيهَا) فيها قراءات ثلاث، وكلها متواترة، وكلها ذات معنى صادق مستقيم: القراءة الأولى: (أمَرنا) بفتح الميم وهمزة من غير مد، والأمر هنا مجازي، ليس المقصود به الطلب، وإنما المقصود تسهيل أسباب الترف، وأسباب الاسترخاء

стр. 6210

الذي يلازمه، ولا يفترقان، ويتبعهما سيطرة الأهواء والشهوات، وغمر العقل والإدراك بهما حتى لَا يدرك إلا من ورائهما، فإن تسهيل ذلك يكون كالأمر؛ لأنه يؤدي مؤدى الطلب، وقد قال في ذلك الزمخشري كلمة حكيمة، قال: والأمر مجازي، حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم افسقوا، وهذا لَا يكون فبقي أن يكون مجازا، ووجه المجاز أنه سبحانه صب عليهم النعمة صبا فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات فكأنهم مأمورون بذلك لتسبب إملاء النعمة فيه وإنما خولهم إياها ليشكروا ويعملوا فيها الخير، ويتمكنوا من الإحسان والبر، كما خلقهم أصحاء أقوياء وأقدرهم على الخير والشر، وطلب منهم إيثار الطاعة على المعصية فآثروا الفسوق، فلما فسقوا حق عليهم القول، وهو كلمة العذاب فدمرهم. هذا هو المعنى على قراءة الفتح بتخفيف الميم. والقراءة الثانية: هي تشديد الميم، أي (أَمَّرْنَا) مترفيها بأن جعلناهم أمراءها، وحكامها فكانوا أمراء أشرارا؛ لأن الترف كما بينا يؤدي إلى الشر والأثرة، وحيثما كانت الأثرة بَعُدَ الخير، والأمراء الأشرار هم أساس الفساد، ولقد قال النبي محمد ﷺ : " إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم أسخياءكم، وأمركم شورى بينكم فظهر الأرض خير لكم من باطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأموركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها " (١). والمترفون الذين أترفوا في ذات أنفسهم، وعمتهم الأثرة، والرخاوة، وحب الشهوات إن كانوا أمراء كانوا، ولقد روى أن النبي ﷺ قال: " إن لكل شيءآفة، وآفة هذا الدين حكامه " (٢). القراءة الثالثة: أن الميم مفتوحة بالتخفيف ومد الهمزة أي (آمَرْنَا) ويكون المعنى كَثُر أي إذا أكثر اللَّه تعالى المترفين في الأمة عمها الفساد والفسق فدمرها اللَّه تعالى تدميرا.

стр. 6211

وهنا أمران بيانيان نشير إليهما: الأمر الأول: في قوله تعالى: مترفيها - فيه إشارة إلى أن السبب في التدمير هو الترف والاسترخاء، ولذا قال تعالى: " ففسقوا " والفاء هنا لبيان أن ما قبلها سبب لما بعدها، أي أن تمكين المترفين مؤد إلى الفسق لَا محاله. الأمر الثاني: أن التدمير: الهلاك وهو نوعان: النوع الأول ذهاب قوتها، وأن تكون طُعْمة سهلة لغيرها، فذلك فناء لشخصية الأمة وضياع لقوتها، وصيرورتها تابعة لغيرها، فتفقد عزتها، والنوع الثاني: أن ينزل اللَّه تعالى عليها عذابا من عنده، كريح حاصب صرصر عاتية، أو يجعل عاليها سافلها، ويمطرهم حجارة من سجيل، كما فعل بقوم لوط، إذ فسقوا عن أمر ربهم. وأيا كان نوع التدمير، فقد رتبه سبحانه على الفسق، وأكده بالمصدر الذي هو مفعول مطلق، فقال سبحانه: (فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا)، وقوله تعالى: (فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ)، أي فوجب عليها القول أي أمر اللَّه تعالى بتدميرها، إما بسبب عادى أدى إليه الترف، وإما بعذاب من عنده، واللَّه تعالى أعلم. وقد أشار سبحانه إلى أن ذلك كان السبب في هلاك القرون من قبل، فقال تعالى:

стр. 6212

(وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧) اللَّه يضرب الأمثال بالأمم السابقة من نوح إلى البعث المحمدي، فإن الترف هو الذي دفع المترفين إلى معاندة الأنبياء، واندفاعهم في الأهواء والشهوات، ثم دفعهم ذلك إلى أن غشى قلوبهم فاهلكوا بما أترفوا وبما فسقوا و " كم " في قوله تعالى: (وَكمْ أَهْلَكْنَا) دالة على الكثرة، فهي ليست استفهامية، والمعنى كثيرا أهلكنا من القرون، وموضع (كم) النصب بأهلكنا، و (من) بيانية، والقرون جمع قرن، وهو الجيل من الناس، والمعنى كثيرا أهلكنا من الأجيال التي بعد نوح. في أمم الأنبياء الذين أترفوا وفسقوا وعاندوا الأنبياء

стр. 6213

وكفروا بهم وبأمر ربهم، وذكرت الأجيال من بعد نوح؛ لأن نوحا الأب الثاني بعد آدم ﵉، كما قال تعالى: (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣). ولقد أهلكهم على علم بحالهم، واستحقاقهم للهلاك، ولذا قال تعالى: (وَكفَى بِرَبِّكَ بِذنُوب عبَاده خَبيرًا بَصِيرًا) الباء في (بِرَبِّكَ) لتأكيد كفاية علم اللَّه تعالى كقوله تعالى (. . . وَكفَى بِاللَّه شًهِيدًا)، والباء في قوله تعالى: (بِذنوبِ) متعلقة بقوله تعالى: (خَبِيرًا بَصِيرًا) وقدمت هي ومجرورها على خبيرا بصيرا، لكمال العناية، وللإشارة إلى أن العلم بالذنوب كان دقيقا مبصرا، وذلك لبيان أنه لَا ظلم، (. . . وَمَا ظَلَمَهُم اللَّهُ وَلَكِن كانُوا أَنفسَهُمْ يَظْلِمُونَ). والخبرة: العلم الدقيق الذي لَا يغيب، وهو علم واضح بيِّن عنده، كالعلم بالأشياء المبصرة عند الناس، وللَّه المثل الأعلى في السماوات والأرض. وإن اللَّه تعالى هو المعطي الوهاب يعطي عباده ما يريدون من حظوظ الدنيا والآخرة، ولذا قال سبحانه:

стр. 6214

(مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) (كانَ) هنا للدلالة على الرغبة المستمرة، والإرادة الدائمة ما دام على قيد الحياة، والعاجلة وصف للدنيا أي الدنيا العاجلة ومتعها، وجعلها غايته، ومرمى همته، ومطرح نظره، ولم يكن له هَمٌّ سواها، وذكر الوصف دون الموصوف للإشارة إلى سبب الرغبة، وهو كونها قريبة دانية، فصاحب هذه الإرادة لَا يريد إلا المنافع العاجلة، وإن كانت زائلة، ولا يريد المنافع الآجلة، وإن كانت هي الباقية، وقد كان جواب الشرط (عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ)، وفي الكلام جناس بين (عاجلة)، و (عجلنا)، وإنه يتلهف للعاجلة، فيشبع اللَّه تعالى نهمته

стр. 6215

بالتعجيل بما أراد، ولكنه سبحانه يُستتر خلقه بحكمة؛ فهو يعطي بحكمة، ويمنع لحكمة، ولذا لم يقل سبحانه إنه يعطيهم من العاجلة بما يشاءون، ولا أنه يعطي الجميع، بل يعطي من يريد تسجيلا لمشيئته ولحكمته، وتثبيتا لإرادته واختياره، ولذا قال (عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ)، فقيد العطاء بمشيئته، بالنسبة للعطاء فقد يعطي هذا المال، ولا يعطيه الصحة، وقد يعطيه السلطان، ولا يعطيه العزة، وقد يعطي هذا الجاه، ولا يعطيه إلا الذل والهوان، والعيش الدون في ذلة، وفي الجملة يعطي العاجلة، ولكن ليست كلها، ولا يعطي العاجلة كل من يريدها بل يعطيها من اتخذ أسبابها، ولم يتنكب طريقه فيجتمع له مع كفره ذل الدنيا وعذاب الآخرة. فيعطي طالب الدنيا هذا، وينال ما يشاء اللَّه وبعض كما يتمناه، وهو في الآخرة ينال الحسرة والعذاب، ولذا قال تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمومَا مَّدْحُورًا)، أي جعلنا له ومن اختصاصه بشكل دائم جهنم يتخذها مثوى دائما ومستقرا، ويصلى نارها، ويقال له (ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِير الْكَرِيمُ)، حال كونه (مَذْمُومًا) لَا يمدح أبدا، و (مَّدْحُورًا)، أي مطرودا من رحمة اللَّه، ورضاه فلا ينظر الله إليهم، ولا يكلمهم. . هذا من أراد الدنيا، ومن أراد الآخرة قال تعالى فيه:

стр. 6216

(وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) من أراد الآخرة، وكان التعبير بالآخرة في مقابل التعبير بالعاجلة لفرق ما بين الاثنين؛ ذلك يريد أمرا عاجلا لَا يصبر ولا يضبط نفسه، وهذا يريد الآخر، ولو كان مؤجلا، فينال فضيلة الصبر والعمل، ويترقب الآجل ترقب المدرك العامل. ولم يكتف بالترقب والانتظار، بل سعى لها سعيِها، أي عمل لها العمل المقرب لنعيمها والمبعد عن جحيمها، وفي التعبير بـ (وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا)، إشارة

стр. 6217

إلى أنه يسير لها، ويعمل ما يطلبه من بر وصدق وأمانة، وحسن معاملة، واستقامة نفس، وسير على صراط مستقيم، وقال تعالى: (وَهُوَ مُؤْمِن) فالإيمان أصل الأعمال الصالحة ولبها وذروتها وسنام الحق، وقد بين اللِّه تعالى جزاءهم فقال: (فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا) الفاء في جواب الشرط، والإشارة في أولئك إلى السابقين الموصوفين بإرادة الآخرة بالسعي بالعمل الصالح، وبالإيمان الذاعن الصادق، والإشارة إلى الأوصاف بيان أنها سبب الجزاء، والجزاء هو شكر ذلك السعي الظاهر الفاضل، وشكره من اللَّه تعالى بالجزاء عنه، وهو النعيم المقيم، وبالرضا، وهو أعظم ما يثاب به العبد، وعبَّر سبحانه بِأنه شكور، أي أنه في ذاته يستحق الشكر، وهاتان الآيتان في معنى قوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠). وإن اللَّه خالق الناس ورب الناس يمدهم بما يريدون من رغبات بما يشاء، ولمن يريد، ولذا قال عز من قائل:

стр. 6218

(كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) أي كل فريق من هؤلاء وهؤلاء، وقالوا: إن التنوين هنا عوض عن المضاف إليه، ونمد نعطي المد، كمدد الجيش، لَا تذهب نعمة إلا أمدهم اللَّه تعالى بنعمة أخرى، والإشارة في (هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ) إلى الذين أرادوا العاجلة وتعجيل اللِّه لهم بمشيئته ومن يريد اللَّه أن يعجل له فهؤلاء هم الأولون، والآخرون يعطيهم اللَّه حرث الآخرة إذا قصدوا ما عند اللَّه وسعوا سعيها بالبر والعمل الصالح، وكان الإيمان يظلهم، فالإشارة في الحالين إلى صفات كل منهما في طلبه، وثنى هؤلاء، فقال: (هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ)، لأنهما نوعان مختلفان في الطلب والجزاء والأوصاف، وما ترتب على هذه الأوصاف. وقال: (مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ) والإضافة إلى الرب فيه إشارة إلى أنه عطاء لا ينفد ولا ينتهي، فاللَّه هو رب الوجود وهو الذي يمده بالحياة، ويمده بالمدد المستمر

стр. 6219

الذي لَا ينقطع، (وَمَا كانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا)، أي ممنوعا؛ لأنه ليس فوقه أحد يمنعه، وهو مُعْطٍ لَا يمنع، ولكن يجازي كلا بجزائه، فإن شكر كان له النعيم المقيم، وإن كفر بنعمته وأنكرها فإن له عذاب الجحيم. ونرى من هذا أن اللَّه تعالى فضل بعض الناس بما سلكوا من سبل الخير، وعاقب بعض الناس بما سلكوا من الشر، وكيف من طلب العاجلة أخذ منها بما يشاء ولمن يشاء، ومن طلب الآخرة زاده في حرثه إن قصد الآخرة، وسعى لها وآمن، ولذا قال بعد ذلك:

стр. 6220

(انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١) أمر من اللَّه تعالى بأن ننظر نظرة تأمل في الحال التي فضل فيها بعض الناس على بعض في الرزق والمال، وأن اللَّه سبحانه يعطي في الدنيا كلا على حسب رغبته مع أن مشيئة اللَّه فوق هذه الرغبة، وأنه بهذا التمكين الرباني يكون من أعطاهم أفضل حالا من غيرهم فيكون من الناس الأغنياء والفقراء، ويفضل بعضهم على بعض في الرزق من غير أن يتبع تفضيل في الشرف أمر أو أية تفرقة طبقية، فالناس عند اللَّه سواء وأمام شرعه سواء، ولا فضل لغني على فقير، (فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ. . .). وإن ذلك الذي أشار إليه في الدنيا فقط، أما في الآخرة فطالبوها (أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) والمعنى أن الذين أرادوا حرث الآخرة، فقصدوها مخلصين، وسعوا لها سعيها مؤمنين أكبر درجات أي أعلى وأسبق وهم في درجات عليا، وكلمة درجات لَا تكون إلا في العلو والشرف الرباني، وكذلك كان التعبير في قوله تعالى: (. . نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا. . .)، أي في الحياة الآخرة. وقال (أَكْبَرُ تَفْضِيلًا) أفعل التفضيل ليس على بابه فلا موازنة في كثرة الفضل، بل المراد أنهم يلقون من الفضل كثرة ليس وراءه فضل لمستزيد، ونفينا

стр. 6221

المقابلة؛ لأن طلاب العاجلة لَا فضل عندهم، لَا بقدر قليل، ولا بقدر كبير، بل هم يوم القيامة في العذاب الهون، والمنزلة الدون. والاستفهام في (كَيْفَ) للتنبيه، وتقرير تلك الحقائق الثابتة. * * * وصايا الله وأوامره قال اللَّه تعالى: (لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢) وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥) وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨) وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠) * * *

стр. 6222

إنه بلا شك كانت أكثر الأحكام بالمدينة حيث اقتضت العدالة وتنظيم الجماعة، وإقامة بنائها على أحكام اللَّه تعالى، وعلى الفضيلة، والخلق العظيم، وكان بمكة أحكام قليلة كلها تمليها خصال المروءة والفضيلة، وإن لم تكن تنظيما لأحكام مفصلة تقوم عليها المدينة الفاضلة إلا أنها بمقتضى الفطرة الإنسانية في مبادئها الأولى، وأولها إفراد اللَّه تعالى بالعبودية، وقد ابتدأها بها لأنه كانت البعثة ابتداء لأجلها، ثم ثنى بالإحسان إلى الوالدين، وإيتاء ذي القربى، وإقامة الأسرة بالبر والمودة وصلة الرحم؛ لأن الأسرة أصل بناء المجتمع، والأسرة في الإسلام هي الممتدة لَا المقصورة على الزوجين والأولاد كما هو الشأن عند من لَا يعرفون الرحمة والبر بهما، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، وقد ابتدأ سبحانه بالوحدانية فقال:

стр. 6223

(لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا) الخطاب للنبي ﷺ ، ونبي الوحدانية كيف يخاطب بهذا، وهو بعث له ابتداء، والوحدانية أولى دعوته، ولها أوذي، ولها حورب، ولها جاهد، والجواب عن ذلك أنه خطاب له أولا ولمن بعث فيهم ثانيا، وذكر هو في القول ليكون مع من يدعوهم على سواء، وأنه مطالب بما تطالبون به، وأنه ما جاء ليكون مسيطرا، فذاته مصونة، لَا بل هو مطبق عليه ما يطبق على كل مؤمن، وينذِر كما ينذَر، ويخاف ويخوف، وهو مستقيم على الطريقة، وفي هذه التسوية التي يطويها الكلام دعوة إلى التوحيد بأقصى البلاغة وتحريض عليها، وقوله: (فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا)، أي فتقعد عن السمو إلى المكارم مذموما، لأنك لم تسم إلى علو الوحدانية، ويخذلك اللَّه تعالى يوم لَا تجد نصيرا سواه. قد أمر اللَّه تعالى بعبادته سبحانه وحده، وهو مقتضى ألا يجعل مع اللَّه إلها آخر، فإذا كان النهي سلبيا في الآية السابقة فالأمر هنا إيجابي،

стр. 6224

(وقَضى ... (٢٣) هنا بمعنى حكم، وحكم اللَّه تعالى لَا يحتاج إلى إبرام مبرم، ولا يتطاول إليه نقض ناقض ،

стр. 6225

(أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) هنا باء محذوفة، دل عليها دخولها بعد ذلك في قوله تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) وهي معطوفة على (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) والمعنى حكم الله تعالى حكما دائما ثابتا بأدلته القاطعة، وآياته البينة بألا تعبدوا إلا إياه فلا يصح عبادة غيره، وهي إذا كان الخطاب للنبي ﷺ فالحكم عام خوطب به الناس أجمعون، وأسند الحكم إلى (رَبُّكَ)؛ لأنه الخالق المنشئ المربي الذي خلقه وربه، وهو الذي أنزل الآيات، فذكر الرب ليكون الحكم مشتملا على أسبابه، وبعد أن حكم حكما تسجله كل الآيات في الوجود بألا يعبد إلا الله أعقبه بما يدخل في مضمونه، وهو الإحسان إلى الوالدين، ونجد دائما النهي عن الإشراك يقترن به دائما الإحسان إلى الوالدين فيقول مثلا: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا. . .)،، وقوله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا. . .)، وذلك كثير والحمد لله. وكأنه في هذا يقرن حق الله تعالى الخالق بديع السماوات والأرض، بالمنشئ نسبيا بإذن الله، وهما الأبوان، والإحسان إلى الأبوين ليس هو كفالتهما، وإمدادهما بما يحتاجان إليه فقط، بل هو أعمق من ذلك في القول والعمل والحيطة بهما، ولعل أجمع تعبير عن ذلك هو تعبير النبي ﷺ بحسن الصحبة، فقد سأله بعض الصحابة من أحق الناس بحسن صحبتي يا رسول الله؟ قال: " أمك " قال: ثم من؟ قال: " أمك " قال: ثم من؟، قال: " أمك "، قال: ثم من؟ قال: " أبوك " (١) وتقديم الجار والمجرور في قوله تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) لمزيد الاهتمام بهما ولإثبات أنهما أولى من دون الناس بالإحسان، فلا يكون الرجل كريما مفاخرا بالعطاء بين الناس، ولا يحسن إلى أبويه. وقوله: (إِمَّا يَبْلُغَن عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا) (إما) هي إن المؤكدة بما، والتي يبلغ في تأكيد التعليق مبلغ القسم، ولذا تدخل معها نون التوكيد الثقيلة،

стр. 6226

ولا تكون كذلك من غيرها، و (أَحَدُهُمَا) فاعل يبلغن، أو كلاهما معطوفة على أحدهما، والمعنى إن يبلغن عندك الكبر واحد منهما أو الاثنان فلا تقل لهما أُفٍّ. والتوكيد في بلوغ الكبر، ذكو لحالهما الضعيفة التي تقتضي الرعاية والإكرام في القول والعمل، وقوله تعالى: (عِندَكَ) للدلالة على أنهما لجآ إليه لضعفهما ولشيخوختهما يعيشان في كنفه وظل قوته، ونعمته يرعاهما، ولا ظل لهما غير ظله، وقد تكون هذه الحياة المستمرة، مع ضعف الشيخوخة، واستقذار بعض ما يكون منهما أو من أحدهما داعيا لبعض الضجر، فتتفلت منه عبارة تضجر أو تأفف، فنهاه عن مثل هذا فقال: (فَلا تَقُل لَّهمَا أُفٍّ) وهو صوت يصدر عن الإنسان في حالة ضجره، فنهى حتى عن ذلك، وإذا كان صوت التأفف أو التضجر منهيا عنه، فغيره أولى، ولذا أردفه بقوله: (وَلا تَنْهَرْهُمَا) بأن يلومهما عن بعض ما يقع منهما، فإن ذلك منهي عنه، وذلك لأنهما تضعف مسئوليتهما لضعفهما في كل قواهما، وقال بعض العلماء: إن معنى النهر هو النهي، فهما من مادة واحدة، وكأنه لَا يتضجر منهما ولا ينهاهما؛ لأن النهر فيه منافاة لحسن الصحبة، فإن كان منهما ما يوجب النهي لَا ينهى، بل يتلطف في القول منبها إلى ما يريد من غير مصارحة بالنهي، ولذا قال: (وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) بدل التأفف والنهي والنهر، والقول الكريم: هو القول الجميل الذي يكون فيه تنبيه إلى ما يجب من غير أن يظهر من التضجر أو التأفف أو النهر أو النهي، أو اللوم فإنهما قد بلغا سنا علت بهما عن التأديب والنهي. والنهر واللوم من أعمال التربية والتهذيب، ولا يليق بهما ذلك، بل يوطئ كنفه في الفعل والقول، ويصح الاستعاضة في التنبيه بالإشارة عن العبارة، وألا يتكلم إلا بما يرضيهما. وإن الحياة واستمرارها في بيته قد توقعهما في شيء من ذلك، فلا بد أن يدَّرع بدرع يكون وقاية له من أن يقع في شيء من هذا، والدرع هو أن يملأ نفسه برحمتهما، وعين الرحمة عاطفة، ولا تكون لائمة أبدًا ولا تكون متأففة، ولا متضجرة أبدا، ولذا قال نعالى:

стр. 6227

(وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤) الجناح هنا هو الحياطة والرعاية، وشبهت هذه المعاني بالجناح الذي يكون به قوة الطائر، وإضافة الذل إليه لتكون الرعاية ذلا لهما، وتواضعا من غير استكبار، وإن ذلك التطامن والانكسار من الرحمة لَا من الذلة، وكان خفض جناح من ذل، لا من الذلة، بل من الرحمة، وفوق بين ذل الرحمة، فهو عطف ورفق وتطامن، وذل الاستخذاء والمذلة، فهو ذل خنوع، وضعف من غير قوة، وإن هذا التعبير أعلى ما يمكن من تعبير العطف والرحمة، ولكنه كلام الرحمن الرحيم، وإن اللَّه تعالى طلب من عبده أن يقول داعيا لهما بالرحمة في كبرهما، فيقول تعالى: (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)، أي إنك لَا تملك أن تصنع لهما ما صنعاه وأنت صغير، فقد حدبا عليك في محبة يريدان بقاءك وأنت لَا تملك هذا فتملك ما يقبله اللَّه منك، وهو الكريم اللطيف الخبير، وهو الدعاء لهما بالرحمة مخلصا طيب النفس راضيا لعشرتهما مهما تكن حالهما من ضعف. ولقد كتب الزمخشري صفحة في إكرام الأبوين ننقلها بحروفها لجمال لفظها، وكريم معناها - يقول ﵁: " ولقد كرر اللَّه تعالى في كتابه الوصية بالوالدين، وعن النبي ﷺ " رضا الله في رضا الوالدين وسخطه في سحْطهما " (١)، وروي " يفعل البار بوالديه ما يشاء أن يفعل فلن يدخل النار، ويفعل العاق ما يشاء أن يفعل فلن يدخل الجنة " (٢)، وروي سعيد بن المسيب أن البار لَا يموت ميتة سوء، وقال رجل للنبي ﷺ : " إن أبوي بلغا من الكبر أن ألي منهما ما توليا مني في الصغر فهل قضيتهما؟ " قال: " لا، إنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك، وأنت تفعل ذلك وأنت تريد موتهما " (٣).

стр. 6228

وشكا رجل إلى رسول اللَّه ﷺ أباه وأنه يأخذ ماله فدعا به، فإذا شيخ يتوكأ على عصا، فسأله فقال: إنه كان ضعيفا وأنا قوي، وفقيرا وأنا غني فكنت لَا أمنعه شيئا من مالي، واليوم أنا ضعيف وهو قوي، وأنا فقير وهو غني، ويبخلُ عليَّ بماله، فبكى رسول اللَّه ﷺ ، وقال: " ما من حجر ولا مدر يسمع هذا إلا بكى "، ثم قال للولد: " أنت ومالك لأبيك، أنت ومالك لأبيك " (١)، وشكا إليه آخر سوء خلق أمه فقال ﷺ : " لم تكن سيئة الخلق حيث حملتك تسعة أشهر "، قال: إنها سيئة الخلق، قال الرسول الكريم: " لم تكن كذلك حتى أرضعتك حولين "، قال: إنها سيئة الخلق، قال ﷺ : " لم تكن كذلك حين سهرت لك ليلها، وأظمأت نهارها "، قال: لقد جازيتها. قال: " ما فعلت؟ "، قال: حججت بها على عاتقي، قال ﷺ : " ما جزيتها ". انتهى كلام الزمخشري في الكشاف. وقال ﷺ : " إياكم وعقوق الوالدين، فإن الجنة توجد ريحها مسيرة ألف عام، ولا يجد ريحها، لَا عاق ولا قاطع وحم ولا شيخ زانٍ، ولا جار إزاره. . . " (٢). وأن بر الأبوين أمر مستتر خفي يظهر في العمل، فهو إخلاص وفاء وإيمان بالحق، ووفاء وإكرام، وهو دليل على صلاح النفوس، وقد قال تعالى:

стр. 6229

(رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥) إن اللَّه نهى عن أمور، نهى عن التضجر، وعن النهي لهما عن أي عمل، وأمر بأن يقول لهما قولا كريما وربما يكون فيهما المسيء وربما يكون منهما الظالم، فبين اللَّه سبحانه في هذا المقام وغيره مما يشابهه، فقال : إن الاعتماد على النفوس، وصلاحها، واللَّه تعالى يغفر هنات الأفعال،

стр. 6230

وما لَا تقصد فيه، ولا يعمد فيه إلى الشر مقصودا، وإنما يحاسب على ما تكسبه النفس ويربد به القلب، ولذا قال: (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكمْ) وأفعل التفضيل ليس على بابه، لأنه لَا مفاضلة بين علمه سبحانه وعلم غيره، فلا يعلم خفي النفوس إلا خالقها الرقيب على كل شيء، العالم بكل شيء، وإنما المراد من أفعل التفضيل أنه سبحانه عالم بالنقوس علما لَا يصل إليه علم قط. وإذا كان يعلم النفوس، فهو يعلم ما تكسبه النفس، وتسوء به النية ويسود به القلب، ويعلم ما لَا يقصد سوءا، وليس فيه إساءة إلا أن تجيء عفوا من إيراد الشر، ولا نية. وصدَّر الكلام بقوله: (رَبُّكُمْ) للدلالة على علمه الدقيق، لأنه هو الذي خلق وأبدع، وربى ونمى، (إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ) إن تكونوا في ذات أنفسكم صالحين بقلوبكم وأنفسكم، فإن اللَّه كان للأوابين غفورا، والصالح هو المستقيم النفس، المملوءة نفسه بالإخلاص، والطاهر القلب، فالاستقامة هي الصلاح كله والاستقامة تقتضي النية المخلصة والنفس النيرة، سأل بعض الصحابة النبي ﷺ أن يرشده إلى كلمة يقولها فتهديه، فقال له ﷺ : " قل آمنت بالله ثم استقم " (١). وجواب الشرط (إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ) هو كما أشرنا قوله تعالى: (فَإِنَّهُ كانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا) الأواب هو الذي يرجع إلى الحق دائما، فإذا ضل عن الطريق آب إليه، وإذا ابتعد قليلا عن العمل الصالح آب إليه، لَا يركس نفسه في شر أبدا، وبذلك يكون سريع التوبة لَا يعصي، ولا تريد نفسه معصية، فإن المعصية إذا عرضت على النفس نكتت نكتة سوداء، فإذا تكررت أربد القلب، فالأواب التواب لا تنكت في قلبه نكته سوداء، فيتوب، فيغفر له اللَّه، وقد وصف اللَّه تعالى ذاته الكريمة، فقال: (فَإِنَّهُ كَان لِلأَوّابِينَ غَفُورًا) وقد أكد ذلك سبحانه بـ إن وبـ كان، وبصيغة المبالغة، كما قال تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى).

стр. 6231

وبعد أن بين سبحانه حق الأبوين، وهو الإحسان في أعلى درجات الإحسان بين حق ذوي القربى فقال:

стр. 6232

(وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧) وذو القربى هو ذو القرابة؛ لأن القربى مؤنث الأقرب، أي يعطى ذا القربى الأقرب فالأقرب حقه، وحق ذي القربى نوعان: حق العطاء إن كان فقيرا فإن عليه نفقته إذا احتاج، كما أنه يرثه إذا مات غنيا، وقد قال تعالى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١). ولا يقتصر العطاء على المحارم، بل ذوو الأرحام جميعا لهم حق في ماله إذا احتاجوا، وقد قال تعالى: (. . . وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبعضٍ فِي كتَابِ اللَّهِ. . .). والنوع الثاني من حقهم أن يصلهم بالمودة الواصلة فيزورهم ويعودهم، ويتعرف أحوالهم، ولو كانوا لَا يصلونه، كما قال النبي ﷺ : " ليس الواصل بالمكافئ إنما الواصل من يصل رحمه عند القطيعة " (١)، ولقد قرر النبي ﷺ أن صلة الرحم تبارك في الرزق، وتبقي الأثر بعد الموت، وقد قال ﷺ : " من أراد منكم أن يبارك له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه " (٢). وذكر الزمخشري

стр. 6233

حقهم غير المالي فقال: (حقهم صلتهم بالمودة والزيارة وحسن المعاشرة والمؤالفة على السراء والضراء والمعاضدة ونحو ذلك). هذه إشارات إلى حق ذي القربى، وأما حق المساكين وابن السبيل، فهو إطعامهم، وكسوتهم، وإيواؤهم، وذلك بالصدقات يعطيهم، وألا يبت شبعان وغيره جوعان. ونجد أن النص القرآني يشير إلى أن الأسرة ممتدة، وإلى أن الضعاف لهم حق في المال، وهو حق السائل والمحروم وأي مال في سبيلهم لَا يعد تبذيرا ولا إسرافا، إنما التبذير والإسراف في غير هذه الحقوق التي يجب سدها، وإن الحق الذي يلي حق الأسرة في المال حق المساكين وأبناء السبيل والفقراء بشكل عام، سواء أكانوا مساكين أم كانوا متجملين لَا يسألون الناس إلحافا. وقد نهى سبحانه عن التبذير فقال عز من قائل: (وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا)، وتبذير المال ليس هو صرفه في حقه، بل هو تفريق المال فيما لَا ينبغي وبالأولى إنفاقه في الحرام، ومما لَا ينبغي ويعد تبذيرا إنفاقه في المفاخرات، وكل إنفاق في حرام أو ما لا يحسن للفخر ولو قليلا يعد تبذيرا وإسرافا، ولقد روي عن مجاهد أنه قال: (لو أنفق إنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذرا، ولو أنفق درهما في غير حق كان مبذرًا). وإن التبذير، وهو كما ذكر: الإنفاق في غير ما يكون: من سيطرة هوى المفاخرة، والمباهاة، وعدم احترام حق غيره، فلا يسرف من يعرف حق غيره عنده، ولذا قال تعالى:

стр. 6234

(إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧) والأخوة التي تعقد بين المبذرين والشياطين تكون من وجوه: الوجه الأول: أن الإسراف يضيع الحقوق، والشياطين يحرضون على ذلك ويرضونه، كما روي عن ابن عباس أنه قال: ما من مسرف إلا وراءه حق مضيع.

стр. 6235

الوجه الثاني: أن التبذير إضاعة رزق اللَّه تعالى، في غير نفع، بل في ضرر مؤكد، وهذا يرضي الشيطان، ويقرب المبذر إليه. الوجه الثالث: أن التبذير كفر للنعمة والشيطان يحث على المعاصي، والمعاصي كلها كفر للنعم، وختم اللَّه سبحانه الآية بقوله: (وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا)، أي أنه كافر بنعمة اللَّه كفرا بلغ فيه أقصاه فلعنه اللَّه. وإذا كان الإسراف منهيا عنه، فالبخل أيضا منهي عنه، والاعتدال هو المطلوب ولا يكلف إنسان ما لَا يقدر عليه، ولذا قال تعالى:
следующие страницы →