← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.

стр. 6231

وبعد أن بين سبحانه حق الأبوين، وهو الإحسان في أعلى درجات الإحسان بين حق ذوي القربى فقال:

стр. 6232

(وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧) وذو القربى هو ذو القرابة؛ لأن القربى مؤنث الأقرب، أي يعطى ذا القربى الأقرب فالأقرب حقه، وحق ذي القربى نوعان: حق العطاء إن كان فقيرا فإن عليه نفقته إذا احتاج، كما أنه يرثه إذا مات غنيا، وقد قال تعالى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١). ولا يقتصر العطاء على المحارم، بل ذوو الأرحام جميعا لهم حق في ماله إذا احتاجوا، وقد قال تعالى: (. . . وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبعضٍ فِي كتَابِ اللَّهِ. . .). والنوع الثاني من حقهم أن يصلهم بالمودة الواصلة فيزورهم ويعودهم، ويتعرف أحوالهم، ولو كانوا لَا يصلونه، كما قال النبي ﷺ : " ليس الواصل بالمكافئ إنما الواصل من يصل رحمه عند القطيعة " (١)، ولقد قرر النبي ﷺ أن صلة الرحم تبارك في الرزق، وتبقي الأثر بعد الموت، وقد قال ﷺ : " من أراد منكم أن يبارك له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه " (٢). وذكر الزمخشري

стр. 6233

حقهم غير المالي فقال: (حقهم صلتهم بالمودة والزيارة وحسن المعاشرة والمؤالفة على السراء والضراء والمعاضدة ونحو ذلك). هذه إشارات إلى حق ذي القربى، وأما حق المساكين وابن السبيل، فهو إطعامهم، وكسوتهم، وإيواؤهم، وذلك بالصدقات يعطيهم، وألا يبت شبعان وغيره جوعان. ونجد أن النص القرآني يشير إلى أن الأسرة ممتدة، وإلى أن الضعاف لهم حق في المال، وهو حق السائل والمحروم وأي مال في سبيلهم لَا يعد تبذيرا ولا إسرافا، إنما التبذير والإسراف في غير هذه الحقوق التي يجب سدها، وإن الحق الذي يلي حق الأسرة في المال حق المساكين وأبناء السبيل والفقراء بشكل عام، سواء أكانوا مساكين أم كانوا متجملين لَا يسألون الناس إلحافا. وقد نهى سبحانه عن التبذير فقال عز من قائل: (وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا)، وتبذير المال ليس هو صرفه في حقه، بل هو تفريق المال فيما لَا ينبغي وبالأولى إنفاقه في الحرام، ومما لَا ينبغي ويعد تبذيرا إنفاقه في المفاخرات، وكل إنفاق في حرام أو ما لا يحسن للفخر ولو قليلا يعد تبذيرا وإسرافا، ولقد روي عن مجاهد أنه قال: (لو أنفق إنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذرا، ولو أنفق درهما في غير حق كان مبذرًا). وإن التبذير، وهو كما ذكر: الإنفاق في غير ما يكون: من سيطرة هوى المفاخرة، والمباهاة، وعدم احترام حق غيره، فلا يسرف من يعرف حق غيره عنده، ولذا قال تعالى:

стр. 6234

(إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧) والأخوة التي تعقد بين المبذرين والشياطين تكون من وجوه: الوجه الأول: أن الإسراف يضيع الحقوق، والشياطين يحرضون على ذلك ويرضونه، كما روي عن ابن عباس أنه قال: ما من مسرف إلا وراءه حق مضيع.

стр. 6235

الوجه الثاني: أن التبذير إضاعة رزق اللَّه تعالى، في غير نفع، بل في ضرر مؤكد، وهذا يرضي الشيطان، ويقرب المبذر إليه. الوجه الثالث: أن التبذير كفر للنعمة والشيطان يحث على المعاصي، والمعاصي كلها كفر للنعم، وختم اللَّه سبحانه الآية بقوله: (وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا)، أي أنه كافر بنعمة اللَّه كفرا بلغ فيه أقصاه فلعنه اللَّه. وإذا كان الإسراف منهيا عنه، فالبخل أيضا منهي عنه، والاعتدال هو المطلوب ولا يكلف إنسان ما لَا يقدر عليه، ولذا قال تعالى:

стр. 6236

(وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨) الإعراض عن العطاء ألا يعطي، ولا يمنع بل يسكت كأنه المعرض، ولا يستحسن المنع؛ لأن المنع فيه إيئاس من العطاء، ولا يريد ذو المروءة ألا يلقى اليأس والرد القاطع المؤيس في نفمص طالب، ولكنه لَا يعطي عجزا، أو لعدم استحقاق الطالب، والخطاب للنبي ﷺ ، ومن وراء خطابه خطاب أمته، والآية تأديب كريم وتوجيه إلى ما يكون عندما لَا يكون مال يجب العطاء منه، أو عندما لَا يكون موجب للعطاء. و (إِمَّا) هي (إن) المدغمة في (ما) التي تفيد توكيد الإعراض بتوكيد حاله أو توكيد موجبه، ولذلك كانت نون التوكيد الثقيلة، كما تكون عند القسم. وفى قوله تعالى: (ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ من رَّبِّكَ تَرْجُوهَا) تخريجات ثلاثة، وكلها يؤدي إلى معنى سليم في ذاته: التخريج الأول: أن يكون (ابْتِغَاءَ) تعليلا للإعراض أي أن الإعراض لتبتغي رحمة بهم من ربك ترجوها؛ كأن ينفقوها في معصية أو خمر، فالرحمة التي يبتغيها بالإعراض هي منعهم من المعاصي أو عدم تسهيلها لهم، بعدم المعاونة عليها، وهذا حسن في ذاته، وربما يكون بعيدا بالنسبة للمسكين وابن السبيل، وهو القريب المنقطع عن ماله، وقد يكون مقصودا بالنسبة للقريب، وأولئك هم موضوع الإعراض، - لأن الضمير في قوله تعالى: (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ) يعود إلى هؤلاء.

стр. 6237

التخريج الثاني: أن يكون قوله تعالى: (ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا) متعلقا بجواب الشرط، أي فقل لهم قولا ميسورا طلبا لرحمة من ربك ترجوها، برجاء يسر بعد عسر، أو لأن الجواب الجميل عند الإعراض فيه رحمة بهم لَا تقل عن رحمة العطاء. والتخريج الثالت: أن يكون قوله تعالى (ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ من رَّبِّكَ تَرْجُوهَا) متعلقا بالشرط لَا بالجواب، على أن يكون المعنى هكذا: إما تعرضن عنهم لفقد القدرة على العطاء مع رجاء رزق هو رحمة من ربك ترجوها، لتعطيهم عند تحقيق الرجاء وهذا هو أقربها؛ إذ مؤداها أنك ترجو رزقا، وقد طلب منك العطاء في وقت لَا مال معك، فلا تردهم ردا قاطعا مانعا، رجاء الرزق. وجواب الشرط (فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا)، أي قولا سهلا لينا من غير جفوة، بل في عطف يدنيهم ولا يبعدهم، والميسور بوصف اسم المفعول من يُسر، بالبناء للمجهول كُسعَدَ في قوله: (وَأَمَّا الَّذِين سُعِدُوا ففِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا. . .)، وَالقول الميسور لَا يكون فيه قطع عن العطاء بل فيه رجاء لهم، كقوله يسر اللَّه لي ولكم، أو أعطاني اللَّه وأعطاكم. وبعد أن نهى سبحانه عن التبذير، وأمر بالعطاء أمر بالاعتدال فقال:

стр. 6238

(وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) معنى النهي في قوله تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ)، نهى عن البخل بأبلغ تعبير، وفيه استعارة، وهو تشبيه البخيل بمن شد يده بغل من حديد إلى عنقه، فلا تمتد بعطاء قط، ولا تستطيع سد حاجة معوز، ولا إمداد مستغيث بقوت، والجامع في التشبيه هو عدم العطاء؛ لأن البخيل غله بخله فلم يعط، والمشدود شدت يده فلا تتحرك، والبخل يؤدي إلى الذم من الناس. وقوله تعالى: (وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ) ومعنى بسط اليد فتحها بحيث لا تقبض شيئا يستولي على ما فيها من يستحق ومن لَا يستحق فلا ينضبط عطاؤه،

стр. 6239

بل ينفق من غير ضابط يضبط، وقد شبه المسرف بمن تبسط يده يؤخذ ما فيها من غير إرادة صاحبها ومن غير تقديره، ومن غير تعرف من يستحق فيعطيه، ومن لا يستحق فيمتعها، بجامع ضياع المال من غير إرادة حكيمة مقدرة، تضع الندى في موضع المندى، وتمنع من يستحق المنع. وقد بينِ اللَّه تعالى نتيجة البخل والإسراف، فقال تعالت كلماته، (فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، وما قبلها هو البخل والإسراف، فقوله تعالى: (فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا)، و (تَقْعُدَ) هنا أي تصير في حال قاعدا فيها ملوما على بخلك، محسورا بضياع مالك في غير حقه، ففي الكلام لف ونشر مرتب، كما قال ابن كثير: أي فيكون ملوما في حال البخل، ومحسورا في حال الإسراف، ومحسورا، أي أصابته الحسرة على ضياع ما في يده، وصيرورته فقيرا بعد أن كان غنيا، ونقول محسورا من حسر في السفر لا يستطيع الحركة، ويكون في الكلام تشبيه حال من أصبح لَا مال له بحال المحسور في السفر، الذي انقطع عن أهله، كما انقطع هذا عن ماله. أو نقول إنه محسور، أي كليل عاجز كالدابة المحسورة العاجزة، كما في قوله تعالى: (ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ)، أي كليل. والواقع أن الإسراف يجعل المسرف في حسرة على ماله الذي أضاعه ويجعله مقطوعا عما كان له من مال كالمسرف المحسور ويجعله كليلا متعبا، لأن اللَّه أعطاه رزقا فأضاعه. روى في الصحيحين أن رسول اللَّه ﷺ قال: " ما من يوم يصبح العباد إلا وملكان ينزلان من السماء يقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا " (١).

стр. 6240

وإن بخل البخيل سببه حرصه على المال، وأنه يضيع إن ذهب، وإسراف المسرف سببه عدم احترامه لحق المال، فبين الله تعالى خطأ البخيل في تقديره، وخطأ المبذر في تبذيره، فقال تعالى:

стр. 6241

(إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠) إن اللَّه هو مانح من يرزقه، وهو مقدر الرزق، وإذا كان الأمر كذلك فلا محل للبخل؛ لأنه يعطي الرزق فربما يعطي خلفا لما ينفق ولا محل للإسراف؛ لأن الإسراف ينافي شكر النعمة، ومعنى يبسط يوسع أي يجعله موسعا مبسوطا، (وَيَقْدِرُ)، أي يجعله محدودا ليس بكثير، وقد قال في شأن الإنفاق: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ. . .). إن الأرزاق بيد اللَّه يعطي من يشاء عن سعة، وهو له مختبر، فإن أنفقها في خير كان شكرا لها، واللَّه يقول: (. . . لَئِن شَكَرْتُم لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)، وإذا كان كله من اللَّه السعة والفقر، فإن ذا السعة لَا يغتر فيسرف، أو يبخل، والذي قدر عليه رزقه فليعلم أنه عطاء اللَّه أعطاه لحكمة أرادها، والشكر حينئذ هو الرضا بها، والصبر، وقد وصف اللَّه تعالى المؤِمنين فقال تعالت كلماته: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُروا وَكَانَ بَيْن ذَلِكَ قَوَامًا) وإن ذلك لحكمة أرادها، فربما يعطي ليظهر طغيان من أعطاه، أو شكره، ولذا ختم الآية بقوله: (إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) الضمير يعود في (إنه) إلى اللَّه العليم علم الخبير الذي أنشأ، علم من يرى ويبصر، فهو الذي قدر وأعطى، وهو الذي قدر وقلل، وللغني الشاكر فضله عند الله، وللفقير الصابر قدره. وقد صدر الآية الكريمة بقوله سبحانه: (إِنَّ رَبَّكَ يَبسُطُ. . .) فذكر الرب المنشئ القائم على كل شيء الذي يعطي كل إنسان قدره من هذه الحياة ويهديه. * * *

стр. 6242

نواهي الله لتطهير الجماعة قال اللَّه تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥) * * * بين الله أنه لَا يصح أن يبخل خوفا على المال وشحا به، وإنه لَا يصح أن يسرف، فالإسراف تفريق للمال في غير مصارفه، ثم بين أن اللَّه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وأن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وأشد أنواع الحرص والخوف من الفقر قتل الولد خشية الفقر، ولذا جاء النهي عن قتل الأولاد خشية الإملاق وتلك مناسبة واضحة بين الآيات، وترى أن الآيات غير مقطعة بعضها عن بعض، بل هي موصولة يأخذ بعضها بحجز بعض، وهنا أمر آخر، وهي أن الآيات السابقة كان فيها بناء الأسرة على المودة والمحبة، وبناء المجتمع على رعاية الضعفاء كما قال ﷺ : " ابغوني في ضععفائكم، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم " (١) وبعد بيان

стр. 6243

الأسرة وحماية الضعفاء، وفي ذلك بناء المجتمع بناء صالحا ثابتا، أخذ ينهى عن آفاته، وابتدأ بأشدها نكرا، وهو قتل الأولاد خشية الإملاق، فقال:

стр. 6244

(وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا). الإملاق هو الفاقة، وشدة الفقر، وأصلها اللغوي أملق الرجل إذا لم يبق له مما يملك إلا الملقات، وهي جمع ملقة، وهي الحجر الأملس الذي لَا يقف الماء عليه، ولا ينبت زرعا، وذلك كناية عن أنه لَا يملك ما يقوتهم به. أي لَا تقتلوا أولادكم خشية الفاقة، وألا تملكوا لهم ما لا تنفقون عليهم منه، و (خَشيَةَ إِمْلاقٍ) تفيد أنهم الآن مالكون ما ينفقون منه، ولا يقتلونهم لذلك بل يقتلونهم خشية أن يتكاثروا فيكون الإملاق، ولذا قال تعالى: (نَّحْنُ نَرْزُقُهُم وَإِيَّاكُمْ) بتقديم رزقهم عليهم؛ لأنهم يخافون موتهم من جوع، فيسارعون بقتلهم، فاللَّه تعالى أمنهم على رزق هؤلاء الأولاد، وفي تقديم رزق الأولاد إشارة إلى أمرين: أن رزقهم يتبع رزق الأولاد، فإن قتلوهم فقد حرموا هم أيضا الرزق ثم إن الأولاد ذاتهم رزق من اللَّه. وبعد هذا الترغيب، وتسهيل الأمر عليهم، بين أثر ذلك القتل أو أشار إليه فقال تعالى: (إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا) أي إثما، فالخطأ: الإثم والوزر، وقرئ بفتح الخاء (١) على أنه من الوزر أيضا، لأنه من خطئ يخطَأ خطأ، كأثم يأثم إثما يقال: إثما، ويقال خِطأ بمعنى الوزر، كما يقال حَذِرَا وحِذرا بفتح الحاء والكسر. ووصفه سبحانه بالكبر منكرا، دليل أنه خطأ عظيم أشد ما يكون الإثم إذ إنه يؤدي إلى فناء الأمة أو ضعف نسلها، وفي ضعف النسل ذهاب ريحها وقوتها. والقتل المنهي عنه في الآية يشمل ما كان في عصر نزول القرآن وما قبله من أعمال الجاهلين، من وأد البنات، وما يقوم به الآن بعض المنحرفين المعاندين الذين

стр. 6245

يمنعون النسل، أو يحددونه، أو يضبطونه، أو ينظمونه، أو غير ذلك من العبارات المقلدة التي يدعون إليها المسلمين ولا يدعون إليها النصارى واليهود. روي في الصحيحين عن عبد اللَّه بن مسعود: " قلت يا رسول اللَّه: أي الذنب أعظم قال: " أن تجعل لله ندا وهو خلقك "، قلت: ثم أي؟ قال: " أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك "، قلت: ثم أي؟ قال: " أن تزاني بحليلة جارك " (١). وقد قال تعالى: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩). قالوا إن في الآية نهى عن القتل، وضبط النسل أو تحديده أو تنظيمه، هو بمنع الحمل، لَا بالقتل بعد أن يولد حيا، ونقول في الجواب عن ذلك إن ذلك وأد، لأن النبي ﷺ في آخر أخبار العزل: " العزل هو الوأد الخفي " (٢) ومهما يكن فإنه محاربة لإرادة اللَّه وتحد؛ لأن اللَّه هو الرزاق، ومعاندة لصريح الآية (نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ). ولقد رخص الإمام الغزالي في العزل لأسباب كثيرة، ولكنه قرر أمرين: الأمر الأول: أنه لَا يجوز العزل لحال الخوف والفقر؛ لأن ذلك يكون مصادمة صريحة للنص القرآني، وإن الأرض لم تضق بسكانها، فلم ينل من خيرات إلا بعضها القليل، وأرض المسلمين واسعة. الأمر الثاني: أن العزل في أي حال رخص فيها مما لَا ينبغي أي أنه لَا ينبغي بالجزء فلا يجوز بالكل، واللَّه أعلم. بعد النهي عن قتل الأولاد رجاء ما يؤدي إلى قتل الأولاد أو ضياعها أو فيه بشكل عام إضعاف للنسل فقال تعالى:

стр. 6246

النهي عن قرب الزنى، وهو يتضمن النهي، فلم يقل سبحانه: لَا تزنوا، بل قال: لَا تقربوا، وهذا يتضمن النهي عن الزنى وعن كل ما يؤدي - أو يظن أنه يؤدي - إليه، كالقبلة والملامسة، ورؤية الأجزاء المغرية من جسم المرأة، والرقص الذي يثير الغريزة الجنسية، وأصوات النساء المغرية التي تتلوى فيها المرأة بما يثير ويدفع، ونشر الصور العارية، وغير ذلك مما نراه ونسمعه كل يوم، فكل هذا منهي عنه، وهو حرام، لأنه قرب من الزنى أو ذريعة إليه، وكل ما كان حراما في ذاته فذريعته ممنوعة، وهذا باب يسمى في الفقه سد الذرائع، فكل ما يؤدي إلى حرام لذاته يكون حراما لأنه يؤدي إليه. والزنى يؤدي إلى ضياع النسل، فإذا كان وأد الأولاد محرما؛ لأنه يضعف النسل، فالزنى يضيع النسل، ويذهب بقوة الأمة، وما كثر الزنى في أمة إلا عمها الخراب، وضاعت فيها الأنساب بل ضاع نسلها، واعتبر ذلك بالأمم التي تنحل بشيوع الزنى فيها، فإنه يقل عددها، ويضيع نسلها، ويكثر فيها الأولاد الذين لا آباء لهم، وإن البلاد الأمريكية والأوربية لكثرة الزنى فيها، وانحلالها قل نسلها، والمسلمون مهما تكن حالهم في القرب من الإسلام أو البعد لَا تزال هذه الفاحشة ليست كثيرة فيهم ولكثرتها عند الأمريكان والأوربيين يعملون على إضعاف النسل بين الذين تغيظهم كثرتهم بأمرين: الأمر الأول: إشاعة اللهو والمجون لتفرغ من الحقائق الإسلامية ولتميع نفوسهم كما ماعوا. الأمر الثاني: العمل على منع النسل أو منع كثرتهم بدعايات منظمة وأموال يبذرونها في المسلمين لتعم هذه الدعاية فيهم. وقد وصف اللَّه الزنى بقوله تعالت كلماته: (إِنَّه كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) وصفه اللَّه سبحانه بأنه فاحشة، أي أنه حال قبيحة مفرطة في القبح زائدة زيادة زيارة، (وَسَاءَ سَبِيلًا)، ساء تستعمل بمعنى أفعل التعجب أي ما أسوأه سبيلا وطريقا في الحياة؛ لأنه اعتداء على الفضيلة، ويؤدي إلى انحلال الأسرة،

стр. 6247

وانحلالها انحلال للمجتمع. وبعد بيان أسباب قتل الأمة نهى سبحانه عن القتل المباشر فقال سبحانه:

стр. 6248

(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣) تدرج في النهي، فالنهي الأول كان عن قتل الأولاد، ثم حرم ما يؤدي إلى ضياع الأولاد وموتهم، وضياع النسل وانحلال الجماعة ثم نهى النهي الصريح، (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ) وعبر بالنفس؛ لأن القتل، وإن اتجه إلى الجسم، غاية الاعتداء عليه، وإزالتها من الوجود، وقد صرح اللَّه تعالى بأنه محرم قتلها، فهو وصف كاشف مبين دل على التحريم القاطع الذي لَا مسوغ له، وقوله تعالى: (إِلَّا بِالْحَقِّ)، استثناء من النهي، وقد صرح اللَّه تعالى ببعض المسوغات أو الحال التي يكون فيها القتل فقال: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا. . .). وقد ذكر النبي ﷺ معنى القتل بالحق فقال: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، وزنية ثيب، وردة بعد إيمان " (١). وإن القتل أشد الجرائم، فقد قال: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣). والنبي ﷺ فيما رواه الشافعي: " لزوال السماوات والأرض أهون عند الله من قتل امرئ مسلم بغير حق " (٢). ولذلك سوغ اللَّه تعالى لولي المقتول أن يطالب بدمه، (وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا) ووليه هو قريبه بالعصبة، ويكون ولي الأمر وليا في المطالبة

стр. 6249

بدمه إذا لم يكن له ولي عاصب، وإذا كان قاتله هو ولي الأمر الأكبر وعجز وليه العاصب عن المطالبة بدمه فإن المسلمين جميعا عليهم أن يطالبوا بالدم، لأنهم أولياؤه؛ ويكونون عصاة مذنبين إذا لم يطالبوا بدم من قتل مظلوما، ولو كان القاتل هو الخليفة الأعظم، ولو خذلوه، ولم يطالبوا بدمه يكونون آثمين وعصاة، وبترك ذلك الواجب المقدس ذهبت قوة المسلمين. وقد روى التاريخ الكثير عن قتل الحكام الظالمين لبعض أهل الإيمان، وسكوت المؤمنين، ورأينا في عصرنا من قتل المؤمنين قتلة فاجرة والمسلمون ساكتون ينظرون، ومن يتسربلون بسربال الدين يبررون ويحثون، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم، وإنه من مقررات الإسلام أنه لَا يهدر دم في الإسلام، كما روي عن علي كرم اللَّه وجهه أنه لَا يُطَلّ دم في الإسلام. وقوله تعالى: (فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّه سُلْطَانًا)، أي تسلطا على القاتل، يتتبعه حتى يقتضي الحاكم منه، وقوله تعالي: (فَلا يُسْرِف فِي الْقَتْلِ) بقتل غير القاتل أو بقتلِ كثيرين في واحد، كما كان يفعل أهل الجاهلية، ومن الإسراف المُثلة، (إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا)، أي إن اللَّه ناصره، وقد خذله حقه فلا يتجاوزه، وقد خيره النبي ﷺ بين القود أو العفو أو الدية فإن زاد عن الثالثة فخذوا على يديه. وإن اللَّه سبحانه بين حق القرابة، وحق الضعفاء من المساكين وأبناء السبيل، ثم بين بعد ذلك من يجتمع فيهم أحيانا حق القرابة والضعف، وأحيانا لَا تكون لهم قرابة راحمة، بل يكونون في رحمة اللَّه، والجماعة تكنفهم، فقال تعالى:

стр. 6250

(وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤) اليتيم إما أن يكون قوة بانية في الجماعات أو قوة هادمة، فإن روعي حق رعاية، وحوفظ عليه بالصيانة والتربية والتنشئة نشأة صالحة يحس بأن من حوله يرعاه، ويكلؤه ويحميه نشأ محبا رحيما بغيره، لأنه عاش برحمة غيره، وإن نشأ

стр. 6251

في بيت لا يؤنسه ولا يكرمه، ولا يعطيه محبة ورفقة نشأ عدوا للجماعة، وكان فيه ما يسمى عقدة النفس، أو مركب النقص، ولذا عني به الإسلام أبلغ عناية بنصوص القرآن الكريم مثل قوله تعالى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ)، وقوله تعالى: (. . . وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ. . .)، وترى القرآن الكريم قد حث على المخالطة لأن المخالطة مع الإكرام تؤنسهم وتبعد عنهم الوحشة، ولقد قال النبي ﷺ : " خير البيوت بيت يكرم فيه يتيم وشر البيوت بيت يقهر فيه يتيم " (١). وإن اليتيم إن كان فقيرا كان في رحمة المجتمع بأمر اللَّه تعالى، ولقد قال تعالى: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧). وإذا كان اليتيم ذا مال، تهافت عليه الطامعون، كما يتهافت الذباب على الطعام الحلو الذي لَا حامي له، فتعقد نفس اليتيم بما يحص به من طمع الناس، وأكلهم ماله أَكْلًا لَمًّا، ويحس كأنه في مذأبة لئام، ولأنه يناله الحرمان والقهر، وهو ذو مال، ولذا نهى اللَّه تعالى عن أخذ ماله ووجوب رعايته، والمحافظة عليه، ولذا قال تعالى: (وَلا تَقْرَبوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) ونهى سبحانه عن القرب من ماله إلا بالتي هي أحسن، وذلك يتضمن ثلاثة أمور: الأمر الأول: ألا يأكله أو ينهبه أو يأخذه بغير حق، وإنه لضعيف يسهل أخذ ماله من غير حسيب إلا اللَّه. الأمر الثاني: أنه إذا قربه يقربه بالتي هي أحسن أي بالطريقة التي أحسن، وأدعى لحفظه، وذلك بالمحافظة عليها وإعطائها اليتامى في وقت قدرتهم على

стр. 6252

إدارتهم، كما قال تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ. . .). الأمر الثالث: أن يعمل على تنميتها، فإن ذلك من الطريقة التي هي أحسن، وأن يدفع زكاة أمواله، ولقد قال النبي ﷺ : " اتجروا في مال اليم حتى لا تأكله الصدقة " (١). نهايته أن يبلغ أشده، ويؤنس رشده، ويختلف ذلك باختلاف العصور والمعاملات، فيبلغ الرشد حيث لَا تكون المعاملات، معقدة بحجر كبلوغ النكاحِ، ثم تعلو سن الرشد كلما تعقدت المعاملات وهذا ما يرمي إليه قوله تعالى: (حتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ)، أي أعلى قواه العقلية والبدنية ويستطيع أن يدير ماله بنفسه من غير رقابة، والأشد هو القوة العالية على صيغة الجمع من غير مفرد وقيل له مفرد وهو شدة بمعنى قوة ولكن لم يعهد جمع فعلة على أفعل، وقيل جمع شد يجمع على أشد مثل كلب وأكلب. وأطلقت كلمة أشد على بلوغ الأربعين، كما في قوله تعالى: (. . . حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. . .)، وهي التي تجمد فيها العادات والتقاليد ويعلو صاحبها عن الردع، ولذا قال بعده: (. . . وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ. . .). ولقد قال في ذلك الأصفهاني: " إن الإنسان إذا بلغ هذا القدر يتقوى خلقه الذي هو عليه، فلا يكاد يزايله بعد ذلك ". وما أحسن ما قاله الشاعر: إذا المرء في الأربعين ولم يكن ... له دون ما يهوى حياء ولا ستر فدعه ولا تنفِس عليه الذي مضى ... وإن جر أسباب الحياة له العمر وقد قرن سبحانه أنهى عن القرب من مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن بالأمر بالوفاء بالعهد فقال تعالى: (وَأَوْفُوا يِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْئولًا)، العهد هو عهد

стр. 6253

اللَّه تعالى بالإيمان به والقيام بحق التكليف، والعهد الذي يعاهد الناس عليه في معاهدة أو عقد أو غير ذلك مما يرتبط به أمام الناس موثقا العهد بيمين اللَّه تعالى أو غير موثق، وعلل الأمر بقوله تعالى: (إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئولًا)، أي أنه يسأل إذا نكث فيه، ويسأل إذا لم يوف به على الوجه الكامل وهو تحت رقابة اللَّه تعالى وكفالته، فلا يصح التفريط فيه، وقد بينا طلب الإسلام للوفاء بالعهد في قوله: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١). وقد يسأل سائل لماذا اجتمع الأمر بالوفاء بالعهد مع النهي عن قرب مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن في آية واحدة؟ ونقول: إن ذلك يشير أولا أن اليتيم مع كافله كأنه في عهد أمانة عاهد اللَّه تعالى عليه فلا يضيع ذلك العهد، ويشير ثانيا إلى أن العقد في مال اليتيم يجب الوفاء به كما يجب الوفاء في مال غيره، ويشير ثالثا إلى أنه مسئول أمام اللَّه عما فعل في مال اليتيم، واللَّه أعلم. بعد أن بين اللَّه تعالى ما يقوم عليه بناء الأسرة، والمجتمع وما يحفظه من الآفات بين ما ينميه وهو العدالة في التعامل فقال:

стр. 6254

(وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥) أوفوا الكيل: قدموه وافيا إذا كلتم، وزنوا بالقسطاس المستقيم، القسطاس هو الميزان، والقسطاس كلمة في أصلها رومي، ولكنها عربت وما يعرب يكون عربيا، وإن اللغات تنمو بزيادة ألفاظ فيها ولو كانت مستعارة من غيرها، ولا يطعن في القرآن بأن فيه عربيا على ذلك النحو؛ لأنها صارت عربية بتعريبها ما دام النحو سليما والبناء قويما. والقسطاس المستقيم أي السوي الذي لَا يميل ميلا غير سليم، فيزن بالباطل و (ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأوِيلًا)، أي ذلك خير في ذاته لأنه عدل في المعاملة، وبه

стр. 6255

تستقيم أمور الناس، ويطمئنون (وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا)، أي أحسن مآلا، فإن العدل والتساوي في المعاملة مآله في الأمم حسن دائما. وإن ذكر الكيل والميزان لأنهما حسيان، ولكنهما رمز لكل المعاملات التي تكون بين الجماعة، فالمعاملة العادلة تربط الناس برباط من القوة لَا تنفصم، ولقد قال النبي ﷺ : " عامل الناس بما تحب أن يعاملوك " (١)، فذلك هو القانون العادل الذي يصلح الناس في هذه الحياة. * * * طلب الحق هو السبيل إلى الخير قال اللَّه تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦) وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨) ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩) * * * هذا بيان للطريق السوي الذي يسلكه المؤمن للوصول إلى الحق، وهو ألا يتبع الأوهام، فما ضل الناس إلا باتباع الأوهام، ووراء الأوهام ودأب العقول غير المدركة تكون الأهواء والشهوات وضلال الأفهام، ووراء ضلال الأفهام عبادة الأوثان، ولذا قال تعالى:

стр. 6256

القفو معناه التتبع، وأصله ما يؤدي إلى الكذب أو القذف أو البهتان، ومنه القائف وهو المتتبع للآثار، وأصله القياس وهو العلم بالحدس والتخمين وإلا كان كما يعبر الشافعي، الظن الذي لَا يبنى على أساس علمي، وقد قال تعالى: (. . . وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا). والآية تنهى عن أن يتبع ما ليس عنده أسباب للعلم به، أو ما ينافيه العلم الصحيح والوقائع البينة كشهادة الزور، وقذف المحصنات وتتبع عورات المؤمنين ليعلنها، وقد سترها الله تعالى عليهم، ولقد قال ﷺ : " من قفا مؤمنا بما ليس فيه حبسه الله تعالى في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج " (١). ويقول ابن كثير بعد أن روى أقوال الصحابة في قفو ما ليس له به علم، ومضمون ما ذكره: أن الله تعالى نهى عن القول بلا علم بل بالظن الذي هو التوهم والخبال، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ. . .)، وإن تتبع الأمور من آخذ العلم من غير مظانه يحل عرى العقل، حتى يتوهم ما ليس بحق، ويفتري ما لم ير، ولم يسمع، ولقد قال ﷺ : " إن أفرى الفرى أن يُرى الرجل عينيه ما لم تريا " (٢)، وإن نتيجة قفو الإنسان والحكم بغير علم يؤدي إلى ما ذكره النبي ﷺ من أن يرى عينيه ما لم تريا بعين خياله، وإن ذلك هو الخبال، وقد سمعنا في مصر منذ بضع سنين شائعة بين الناس أشاعها النصارى أنهم رأوا صورة العذارء، وادعوا أنهم رأوها، وما رأوها. وإن اتباع الأوهام يجيء دائما من أن يقفو الرجل ما لم يكن عنده أسباب العلم به، فيتخيل ثم يخال، وذلك هو الخبال، وكذلك تنشأ العقائد الباطلة من عبادة الأوثان، والتثليث، وغير ذلك من العقائد الباطلة التي تنشأ من الأوهام وأن يرى العين ما لم تر، فذلك هو الضلال المبين.

стр. 6257

وقد بين اللَّه طريق العلم الهادي المرشد، وهي هبات اللَّه تعالى التي وهبها للإنسان فقال: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)، هذه طرائق؛ فالسمع ينقل العلم الغيبي وينقل العلم الحسي، والفؤاد وهو هنا العقل يربط بين ما سمع وأبصر من آيات، ويكون حكمه القطعي الرشيد. وإنها مسئولة فيسأل السمع لماذا لم يسمع الحق وينصت إليه، ويسأل البصر لماذا لم ير الآيات وينظرها نظرة إدراك وتعرف، والعقل لماذا لم يفكر فيما تنقله إليه الحواس، ولماذا لم يأخذ بأسباب العلم ويتبع الأوهام فيكون الخبال ووراءه الضلال. وقوله: (كُلُّ أوْلَئِكَ) الإشارة إلى السمع والبصر والفؤاد، وكل واحد منها كان مسئولا بمفرده، ومسئولا في جماعته و (أولئك) يشار بها إلى الجمع مذكرا كان أو مؤنثا، أو كان خليطا واللَّه تعالى أعلم. ونهى الله تعالى بعد ذلك عن العُجْب والخيلاء، وهو سبيل الضلال كالأوهام:

стр. 6258

(وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨) " المرح " الخيلاء والعُجْب، والفرح بما أوتي من صحة أو كل مال أو جاه أو سلطان، ومرَحا مصدر أي ذا مرح، وهناك قراءة بالكسر (١)، وتكون حالا أي مَرِحا معجبا مختالا متزينا معتزا بما أعطيه. قال تعالى: (إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ)، أي تخترقها بوطائك مهما تكن قوتك، (وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا)، أي لن تتناهد السماء وتناصبها، حتى تبلغ طولها، وتعلو عليها، أي إنك مهما تكن في قوتك لن تكون قادرا على خرق الأرض أو التطاول إلى السماء، وهذا يدل على عجزه مهها زعم نفسه قويا، وأنه

стр. 6259

مهما يتفاخر فهو قمىء (١) لَا يقدر على شيء مهما يعط نفسه من فخار، وكأن في الكلام تشبيها لحاله بحالة من يحاول أن يخرق الأرض بقوته أو يعلو إلى السماء بغروره، وإن ذلك مستحيل فكذلك ما يزعمه لنفسه مستحيل. وإن هذا من الكبر والخيلاء، وهما يؤذيان الناس ولا ينفعان صاحبهما، ولقد قال النبي محمد ﷺ : " من تواضع لله رفعه " (٢) فهو في نفسه حقير وعند اللَّه كبير، ومن استكبر وضعه اللَّه فهو في نفسه كبير وهو عند اللَّه حقير. وإن الكبر يسيء إلى الناس؛ لأن المتكبر يستعلي عليهم ويضيع حقوقهم، ولا يباليهم ولا يحس بإحساسهم ويشمخ بنفسه كأنه فوق التبعة، ولا يسأل عن فعله وحاله، ولذا قال ﷺ : " الكبر بطر الحق، وغمط الناس " (٣).

стр. 6260

(كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨) الإشارة إلى المذكور قريبا هو المشي مختالا مرحا معجبا بنفسه، (سَيِّئُهُ) يقرأ بالضمير أي يسوء في ذات نفسه ويسيء لغيره وهو عند اللَّه مكروه مبغوض، فيلتقي فيه أمران مذمومان: الأمر الأول: أنه في ذاته عمل سيئ ويسوء الناس. والأمر الثاني: وهو الأهم: مكروه مبغوض عند اللَّه تعالى. إن الكبر ينبعث من إحساس بأنه أوتي ما لم يؤت غيره. وإننا نشاهد ذلك في بعض المنتسبين للعلم، إذ أعطوا لأنفسهم مكانا ليس لهم أو اتصلوا بالحكام الظالمين، وقد رأينا ذلك في عصرنا، ورأيناه يذكر عمن كانوا قبلنا، قاك الناصر أحمد الذي مات في القرن السابع، فقد قال في قوله

стр. 6261

تعالى: (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا): وفي هذا من التهكم والتقريع لمن يمشي هذه المشية كفاية في الزجر عنها، وقد حفظ الله عوام زماننا عن هذه المشية، وتورط فيها بعض قراؤنا وفقهاؤنا، فبينما أحدهم قد عرف مائتين أو أجلس بين يديه طالبين، أو شد طرفا من رياسة الدنيا، إذ هو يتبختر في مشيته، ويترفع ولا يرى أنه يطاول الجبال، ولكن يحك بيافوخه عنان السماء، واللَّه ولي التوفيق:

стр. 6262

(ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩) الإشارة في (ذَلِكَ) إلى المذكور من الآيات من قوله تعالى: (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ. . .)، إلى قوله تعالى: (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا) وإن اللَّه تعالى ذكر ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة، والحكمة هي العلم النافع، وفي هذا أعلم نفع كبير، فقد ابتدأ بتطهير العقل والنفس من أدران الشرك، ورجس الأوثان ثم بين بناء المجتمع على دعائم الأسرة، وعلى ألا يجعل يده مغلولة إلى عنقه ولا يبسطها كل البسط ونهى عن الإسراف وما من إسراف إلا ووراءه حق مضيع، ثم طهر المجتمع من أوزاره فنهى عن الفحشاء، وقتل النفس أو قرب مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، وأمر بأن تقوم العلاقة بين الناس على أساس الوفاء بالعهد، وعلى أن يجب الإنسان لنفسه ما يحب لغيره، وأن العلاقة على أساس المقام الذي لَا اعتداء فيه هي خير وأحسن، ونهى عن السير وراء الأوهام، وهذه كلها علوم نافعة، لأن فيها نفع الإنسان وإقامة مجتمع صالح قد حُلِّي بمكارم الأخلاق وخلي من ملائم الناس. وعن ابن عباس هذه الثماني عشرة كانت في ألواح، أولها (وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ. . .) إلى هذه الآية. ويقول الزمخشري في الكشاف: " وسماها حكمة، لأنها كلام محكم لا مدخل فيه للفساد بوجه " وأقول: لأنها معان محكمة لَا تقبل النسخ، بحال من الأحوال، وقال الزمخشري أيضا: " ولقد جعل الله فاتحتها وخاتمتها النهي عن

стр. 6263

الشرك؛ لأن التوحيد هو رأس كل حكمة وملاكها ومن عدمه لم تنفعه حِكَمُه وعلومه وأن بذَّ فيها الحكماء، وبلغ بيافوخه السماء، وما أغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم، وهم عن دين اللَّه أضل من النعم ". وختم اللَّه الآيات بقوله: (وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا)، أي يجتمع عليك عذابان: العذاب الأول: أنك ملوم لأن فعلت فعلا لَا يليق بالعقلاء وهو في ذاته مذموم عند من يدرك الحقائق. العذاب الثاني: أن تدحر أي تهلك بالإبقاء في نار جهنم، وقد ابتدأ سبحانه ببيان أن الشرك يقعد به عن الوصول إلى الحق ويقعد مذموما مخذولا، لَا ينصره أحد، وختم الآيات بأنه يلقى في جهنم هالكا مذموما ملوما لَا يبرر كفره أحد. * * * آثار الشرك ضلال العقول قال اللَّه تعالى: (أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤١) قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤) * * * إنهم يجرون وراء الأوهام ويقفون ما ليس لهم به علم، فيدعون ما لَا دليل عليه من نقل ولا من عقل، ومن ذلك أن جعلوا الملائكة الذين هم عباد اللَّه إناثا،

стр. 6264

وكان ذلك غريبا لأن مؤداه أنه سبحانه اصطفى لهم البنين، وجعل له الإناث وهذا غير معقول في ذاته، لأن الناس في شئونهم العادية يؤثرون أنفسهم بالخير ويختارون لغيرهم دونه، وكذلك قال في استفهام إنكاري:

стр. 6265

(أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠) . (الفاء) لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي ترتب على أنهم يقولون ما ليس لهم به علم أن ساروا وراء أوهام لم يبنوا علمهم على علم علموه، ولكن على أوهام توهموها. و (الفاء) مؤخرة عن تقديها، لأن الاستفهام له الصدارة، والاستفهام هنا إنكاري بمعنى النفي مع التوبيخ) (أَفَأَصْفَاكُمْ)، أي اختار لكم الصفو الخالي من الشوب، الذي لَا يخالطه ضعف، أي هل اختار لكم البنين واتخذ الملائكة إناثا، وهذا يتضمن ادعاءين ادعوهما بأوهامهم: الادعاء الأول: أنهم قالوا: إن الملائكة إناثا. والادعاء الثاني: أنهم بنات اللَّه تعالى، وإنهم بذلك قد افتروا على اللَّه تعالى أعظم الفرية، وزينت لهم أوهامهم أعظم الباطل، إذ جعلتهم في خبال، ولذا قال تعالى: (إِنَّكُمْ لَتَقُولُون قَوْلًا عَظِيما)، أي عظيم في أنه بهتان عظيم، لأن الله تعالى ليس من جنس الحوادث، (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ. . .)، وإن الولد من صفة الحوادث، واللَّه منزه عن المشابهة بالحوادث، (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤). وقد أكد سبحانه أن هذا القول منهم عظيم أولا بـ (إن) التي للتوكيد، وثانيا بـ (لام) التوكيد. ولقد أشار إلى معجزته الكبرى وهو القرآن فقال تعالى: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤١)

стр. 6266

أكد اللَّه تعالى أنه يصرف القول في القرآن، فقال: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ)، أي صدقنا عباراته ومعانيه، فأحيانا تكون قصصا فيها العبر، وأحيانا تكون بالأمثال يضربها، وأحيانا يقرر الحقائق بطريق الاستفهام، وأحيانا ينفيها، ويستنكرها، وهو في كل ذلك ينتقل من إقرار حكيم معجز إلى مثله، وقد قال بعض العلماء في تصريف القرآن: لم يجعله نوعا واحدا بل وعدا ووعيدا ومحكما ومتشابها وأخبارا وأمثالا، مثل تصريف الرياح من صبا ودبور وجنوب وشمال، وهكذا كان التصريف من أسرار الإعجاز وهو أعلى درجات البلاغة وأسرارها. وإنك وأنت تقرأ القرآن وهو مأدبة اللَّه تعالى تنتقل فيها من طيب سائغ إلى طيب سائغ، في حلاوة طعم، وجمال منظر وكله هنيء مريء، لأنه مائدة رب العالمين. وقد صرف الله سبحانه في القرآن ذلك التصريف (لِيَذَّكَّرُوا)، أي ليملأوا قلوبهم بذكر اللَّه وليعتبروا بعبره، وليروا فيه الكلام المعجز الذي يذكرهم برسالة النبي ليؤمنوا. ولكن المتعنت المعاند لَا يقنعه الدليل ولا يزيده إيمانا بل إن عناده وطغيانه يزيده استمساكا بضلاله وإصرارا على كفره، ولذا قال: (وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا)، أي إلا بعدا عن الحق نافرين منه. والتذكر هنا هو التدبر كما قال تعالى: (. . . قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ)، والنفور كما أشرنا الإيغال في الضلال والإمعان فيه، وأي ضلال أشد من النفور من الحق واجتنابه. ولقد قال تعالى موجها القول إلى النبي ﷺ لإبطال شركهم: (قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣)

стр. 6267

هذه الآية الكريمة متصلة بقوله تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا) وتوسط بينهما وهم أن الملائكة بنات، وتصريف القرآن ليتذكرون وذلك للإشارة إلى أن الذين يجعلون مع اللَّه آلهة أخرى يتبعون الأوهام ويصيبهم الخبال بهذه الأوهام، ولا يجد الدليل الإيجابي مجازا إلى قلوبهم، فصرف اللَّه تعالى القرآن ليتذكروا فأبوا إلا نفورا كشأن أعداء الحق، ويبين اللَّه تعالى على لسان نبيه بطلان ما يعبدون، فيقول سبحانه:

стр. 6268

(قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) ذو العرش هو اللَّه تعالى، وعبر بهذا التعبير لبيان كمال سلطانه في ملكه وأنه لَا شريك له، فأظهر بعد الإضمار لذلك، والمعنى كما يقرر ابن عباس: لو كان مع الله تعالى آلهة غيره كما يدعون لنازعوه السلطان في الوجود، ولعاندوه في خلقه، ولكن لَا يمكن ذلك، وإلا فسد الكون، كما قال تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢). ويكون هذا الكلام لإبطال زعمهم بدليل يؤدي إليه من نزاع وذلك باطل، وقد خرج الآية آخرون تخريجا فيه مثل هذه من حيث إنه إبطال الدعوة التي يدعونها، وذلك التخريج الآخر أنهم قالوا: إن المعنى أنه لو كان هناك آلهة كما يقولون (لَابْتَغَوْا)، أي لطلبوا سبيلا لذي العرش ليعبدوه، كما قال تعالى في آية (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِم الْوَسِيلَةَ. .. ) فأتى سبحانه ببرهان التوحيد من دعواهم، أي أن التي يدعون لها الألوهية خاضعة للَّه؛ لأن كل من في الوجود خاضع للَّه تعالى؛ لأن له السلطان الأعلى في ملكوت السماوات، والأرض. ومهما يكن التخريج فإن الآية إبطال لعبادة الأوثان وأنها من الأوهام وأنها من أنهم يقفون ما ليس لهم به علم، فيقعون في الباطل وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. ولقد قال تعالى منزها ذاته العلية عن هذه الأوهام:

стр. 6269

(سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) أي تقدست ذاته العلية عن أن له شريكا، وتعالت وسمت. (عُلُوًّا كَبِيرًا)، أي علوا بعيدا في علوه، كبيرا في ذاته بحيث لَا يكون ثمة علاقة بأي نوع من أنواع العلاقة بينه وبين رب البرية، لأن الوجود كله يخضع له، ويسبح بحمده، ولذا قال تعالى:

стр. 6270

(تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤) (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ)، أي طبقات النجوم وبروجها، وكل سماء زينت بمصابيح هي نجومها، والتسبيح الخضوع له ، وكونها طائعة له سبحانه فكل الوجود في قبضته، وإن هذا التسبيح يرشح للتفسير الثاني، لقوله تعالى: (إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا)، أي الذي يقول: إن المعنى أن آلهتهم خاضعة للَّه يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة. والتسبيح هو بمعنى الخضوع الكامل للَّه تعالى، لَا يخرج شيء مما في الوجود أو أحد عن طاعته سبحانه، ويصح أن يراد بهذا الخضوع مع ذكر اللَّه تعالى بالتنزيه عن الشريك وأنه الواحد الأحد الفرد الصمد، وإنه يكون خاشعا مسبحا عابدا، وإن كان غير مكلف كما يكلف العقلاء وإن الحجارة طوع يمينه سبحانه، ولقد قال تعالى: (. . . وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. . .). وإذا كانت هذه حال الوجود كله من أنه يسبح اللَّه تعالى، وإن كنا لَا ندرك تسبيحه فكان ذلك دليل وجوب عبادته وحده لَا يعبد سواه، وقد استدرك اللَّه تعالى على حكمه سبحانه بتسبيح الوجود بقوله: (وَلَكِن لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)، أي لَا تنفد بصائركم ومدارككم إلى إدراك تسبيحه، لأنه لَا يعلمه إلا اللطيف الخبير (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)، .
следующие страницы →