Полный текст (8 373 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.
стр. 6476
(إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ... (٢٤)
(أن) وما بعدها مصدر منسبك، وهو في موضع الجر بالباء، وتحذف كثيرا قبل المصدر المنسبك منها ومما بعدها، ويكون التخريج على ذلك، ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا بمشيئة اللَّه بأن تقول معلقا عزمتك على قولك إن شاء اللَّه.
وهنا أمران بيانيان:
الأمر الأول - أن اللام في قوله تعالى: (لِشَيْءٍ) معناها لعمل شيء وبعض المفسرين قال إن (اللام) بمعنى في.
стр. 6477
الأمر الثاني - أن قوله تعالىْ (إِلَّا أَن يَشَاءَ) ذكر الفعل المستقبل دون الماضي للإشارة إلى أنه متعلق بالمستقبل، والمستقبل بيد اللَّه وحده وهو علام الغيوب فلا يعلم ما سيكون إنما يعلمه علام الغيوب.
وإن المؤمن يجب أن يكون ذاكرا للَّه دائما، لتستقيم حياته، ويستقيم أمره مع الناس ويكون مصدر نفع وخير لهم دائما، ولذا قال عز من قائل: (وَاذْكُرْ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ)، أي اجعل ذكر اللَّه تعالى ملء قلبك دائما، فلا تغفل عن ذكره، فإن بذكره تطمئن القلوب به، وتطب من أدوائها، ومن كان اللَّه تعالى في نفسه لا يغيب عنه لَا يضل ولا يشقى، وإذا غاب عنك أمر أو لم تتمكن من شيء فعسى أن يكون المغيب خيرا مما فات، وعسى أن المدخر له أغنى وأقنى؛ ولذا قال تعالى: (وَقلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا)، (الواو) عاطفة (قلْ) على (وَلا تَقُولَنَّ) فهو عطف الأمر على النهي، أي أنه نهاه سبحانه عن أن يعزم الأمر غدا، بل يعلقه على مشيئة اللَّه تعالى مفوضا إليه سبحانه راجيا الخير، متوقعا له، ويقوله في إرادته ورغبته.
واستثناؤه بالمشيئة رجاء أن يجعل اللَّه خيرا منه إذا فاته، فالأمور كلها بإرادته سبحانه ومشيئته العليا، ولن يكون شيء في الوجود إلا بمشيئته، فمعنى (وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي. . .) املأ نفسك رجاء بأن يحقق لك أمرا خيرا مما كنت اعتزمته من ناحيتين:
الناحية الأولى - أنه يكون أقرب منالا، وأسهل تحصيلا.
الناحية الثانية - أنه يكون خيرا رشدا وعاقبة، واللَّه تعالى عليم.
* * *
стр. 6478
مدة لبثهم في الكهف
قال اللَّه تعالى:
(وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦) وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)
* * *
الكلام في قصة أهل الكهف موصول بنور الرحمة، وفي الآية الأولى يتكلم عن مدة لبثهم في الكهف قد ضرب اللَّه تعالى على آذانهم سنين عدة، ذكرها أولا مجملة، وفي هذه الآية ذكرها سبحانه مبينة بالعدد من السنين، فقال سبحانه:
стр. 6479
(وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا).
وقد قالوا إن هذه السنين كانت بالسنين التي هي أصل العدد في الإسلام وقد قدروها بثلاثمائة سنة شمسية - بين بسيطة وكبيسة - ولنا أن نقول: إنه سبحانه ذكر الثلاثمائة، ثم زاد التسعة للتفرقة بين الشمسية والقمرية، وإنك لو أحصيت على أساس أنه كل ثلاث وثلاثين سنة وثلث تقريبا يزداد العدد سنة قمرية، فإن
стр. 6480
الفرق يكون تسع سنين، انظر إلى إشارات القرآن البيانية التي تدل على الإعجاز خصوصا في أمة أمية لَا تعرف الكتابة والحساب، وإن أمر اللَّه يؤكد هذا العدد، وأنه لَا يزيد ولا ينقص فقال تعالى:
стр. 6481
(قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)
الخطاب للنبي ﷺ ليعلم به المؤمنين، ويستوثقوا من أنه الحق الذي لَا ريب فيه، وأفعل التفضيل في قوله: (قُلِ اللَّه أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا) ليس على بابه؛ لأنه لا يوازن بين علم اللَّه تعالى وعلم أحد، فهو العلم الكامل، والمراد من أفعل التفضيل أن اللَّه تعالى يعلم ذلك علما ليس فوقه علم؛ لأنه علم اللَّه تعالى، وهو بكل شيء عليم، وإن علم الغيبيات لَا يعلمه إلا خالق لكل شيء؛ ولذا قال تعالى: (لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ) وحده الغيب في السماوات، فكل مغيب يعلمه اللَّه تعالى؛ لأنه الخالق، كما قال تعالى: (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)، ثم أكد علمه الدقيق الذي هو أعلى درجات العلم كعلم البصر، وكأعلى درجات العلم بالسمع، فقال تعالى: (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) هاتان الصيغتان من صيغ التعجب، فما مؤداهما بالنسبة للَّه تعالى؟ الجواب عن ذلك أن معناهما أن علم اللَّه تعالى بلغ أقصى درجات العلم الدقيق بالبصر، حتى إنه يرى ما لَا يراه الخلق، وأعلى درجات العلم بالسمع حتى إنه يسمع دبيب النمل الذي لَا يُسمع، وإن نتيجة ذلك علمه سبحانه بالغيب كأنه مرئي مسموع فهو سبحانه لَا تخفى عليه خافية في الأرض والسماء (مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ)، الضمير في (لَهُم) يعود إلى أهل الكهف؛ لأنهم المتحدث عنهم، و (مِن) لاستغراق النفي، والمعنى ما لهم بدله من ولي تولى أمورهم وعلم أحوالهم وحاطهم في غيهم أي ولي كان، (وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا)، أي لَا يشرك سبحانه أحدا في سلطانه وملكه وحكمه.
وقبل أن ننتهي من الكلام عن أهل الكهف نذكر كلمة في مدة لبثهم في الكهف، فنقول: إن القرآن عين المدة بالسنة الشمسية، وأشار إلى الزيادة التي تزيدها السنة القمرية، وهي تسع سنين، وقد ذكرنا أنه بحساب السنين يتبين أن
стр. 6482
الفرق بينهما تسع سنين على أساس أن كل ثلاث وثلاثين سنة وثلث يزاد سنة واحدة، وبهذا يكون العدد ما ذكره القرآن الكريم بعبارته وإشارته.
متى ابتدأت هذه المدة؟ المتفق عليه أنها ابتدأت بعد المسيح ﵇، وإنها ابتدأت عندما أخذ الوثنيون يضطهدون أتباع المسيح ﵇، وأن اللَّه تعالى كشف الغمة التي كان ضربها على آذانهم في عصر زال فيه الاضطهاد، أو كان الحاكم أو الجمع الذي حضر يقظتهم من رقودهم كان الاضطهاد لم يكن فيه قائما بدليل العمل على تكريمهم وبناء مسجد على مدافنهم، مع التأكد من المدة تسع وثلاثمائة، أو ثلاثمائة فقط إذا كانت شمسية، وإنه لهذا يجب أن تمضي هذه المدة بين عصر الاضطهاد، وعصر الأمان مع بقاء المسيحية على ما كانت عليه.
ولقد يقول بعض المفسرين إن اختفاءهم كان في عهد دقلديانوس، وقالت كتابات النصارى في أخبار شهداء النصرانية وفي كتاب الكنز الثمين: إن اختفاءهم في الكهف كان سنة ٢٥٢ ميلادية، وظهورهم كان سنة ٤٤٧، ولا شك أن القرآن يكذِّب هذا، وهو أصدق قيلا؛ لأنه في سنة ٤٤٧ كانت النصرانية قد سادها التثليث، وإن لم يكن استغرق كل أهلها، بل لَا تزال منهم أمة كمقتصدة.
وقول المفسرين إن التزامهم الكهف كان في عهد دقلديانوس فيه كلام؛ لأن دقلديانوس كان في القرن الثالث في آخره، والواقعة التي أنزلها بنصارى مصر كانت سنة ٢٨٤، فإذا كان الاختفاء في آخر القرن الثالث فيجب أن يكون الظهور في آخر القرن السادس وكانت قد عمت ديانة التثليث، اللهم إلا أن يكون صادف ظهورهم ملك لَا يزال على دين المسيح، ولا يؤمن إلا بأنه عبد اللَّه ورسوله، ولهذا نحن نميل إلى أن أهل الكهف كانوا على مقربة من عصر المسيح، وأنهم ظهروا قبل أن يسود النصرانية التثليث، ومهما يكن الأمر فإننا لَا نؤمن في أخبارهم إلا بالقرآن وحده؛ ولذلك لَا نتلو إلا القرآن، كما قال تعالى:
стр. 6483
(وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧)
قال بعض المفسرين إن هذه الآية آخر ما يتعلق بقصة أهل الكهف، وإنا وإن كنا لَا نقول إنها جزء منها، وليست متممة لها، ولكن لها صلة بها من حيث إن
стр. 6484
الصدر الصادق الثابت لها هو القرآن فليس ثمة مصدر حق سواه؛ ولذا جاء بعده ما يدل على كمال صدقه وكمال العناية به، وهذه الآية تدعو رسول اللَّه ﷺ ومن تبعه إلى مدارسته، وتلاوته والعكوف عليه وتعرف أحكامه، والأخذ بها أمرا ونهيا، وطاعته في ظاهر نفوسهم وباطنها.
قال تعالى: (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ) منْ هنا بيانية، (وَاتْلُ) معناه اقرأه مرتلا متلوا متفهما لمعانيه متيقظا له ذكر (مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ) قبل (كتَابِ رَبِّكَ) للإشارة إلى أن السبب في هذه العناية والدراسة والتلاوة أنه أوحي إليك فهي رسالتك التي حملتها، ووجب عليك تبليغها، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ. . .).
وذكر أن الموحى به المتلو هو (كِتَابِ رَبِّكَ)، و (مِن) كما قلنا بيانية، وأنه ثابت قائم كل ما فيه من أحكام حق وكل ما فيه من أخبار صدق (لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ)، أي لَا مغير لكلمات الله، ولا بدل لها يماثلها صدقا وحقا، فلا يوجد مبدل ولا بديل، وهي المعتصم للمؤمن، والحجة الخالدة إلى يوم القيامة، وهو معتصمك يا محمد، وحجتك، وملجؤك الذي تعتمد عليه والله مؤيدك عليه، (وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا)، أي لن تجد من غيره ملجأ أو موئلا، فهو سنادك الذي جعله اللَّه تعالى لك عمادا وملجأ وحجة تحتج بها، وهي في ذاته عماد؛ لأنه الذي اشتمل على كل الدين.
وإن ذلك يوجب أن تعتمد عليه وحده، وعلى من آمن، ولا تستبدل بهم غيرهم، ولا تطع من يحاولون أن يفصلوك عن أهل القرآن أهل الإيمان؛ ولذا قال تعالى:
(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)
стр. 6485
كان المشركون يتبرمون بضعاف المؤمنين، ويقولون كما قال أسلافهم لنوح ﵇: (. . . وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ. . .)، وكانوا في عنجهية الشرك وطغوائهم، قالوا عن أتباع محمد ﷺ من الموالي والضعفاء متقززين: إن هؤلاء تفيح منهم رائحة الضأن، فبين اللَّه تعالى فضل هؤلاء وأنهم أتباع النبيين الذين بهم يقوم عمود الدين، ويكونون العصابة الأولى التي تكون قوته، وأنه يجب على النبي ﷺ أن يحبس نفسه عليهم، ويصبر نفسه عليهم محتسبا ذلك عند اللَّه؛ ولأنهم القوة والدعامة، فقال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِي)، أي احبس نفسك، واجعلها تصبر على معاشرتهم، وملازمتهم فإنهم قوة الحق وقوة الإيمان، وسيكون منهم الدعامة، والنصرة، وسيركبون بالحق على رقاب هؤلاء، كما سيكون في بدر ويركب عبد اللَّه بن مسعود على رقبة أبي جهل يحتزها.
وعبر بالموصول؛ لأن الصلة وهي قوله تعالى: (يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِي)؛ لأن هذا السبب في التزامهم وحبس نفسه عليهم؛ لأنهم بهذا هم الذين أجابوا الدعوة وهم يعبدون اللَّه بالغداة والعشي، وهم لَا يريدون جاها ولا مالا ولا سلطانا، ولكن يريدون وجه اللَّه لَا يريدون سواه، فهم قد انصرفوا إليه سبحانه، وهم بذلك قد صاروا ربانيين خالصين للَّه تعالى، ثم قال سبحانه بعد أن أمره بأن يكون قريبا منهم: (وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدنيَا)، أي لا تقتحمهم عنك، وتجاوزهم معرضا عنهم تريد الذين يتزينون بزينة الحياة الدنيا، أي تعدوهم عيناك بأسمالهم وفقرهم تريد مَن عندهم زينة الحياة الدنيا، وهذا النهي يتضمن أمرين:
الأمر الأول - الحض على تكريم هؤلاء الضعفاء ومعاونتهم وإعزازهم والاعتزاز بهم.
الأمر الثاني - أن يجعل عينيه تظهر فيها مظاهر الإكبار لَا مظاهر الازدراء، (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ).
стр. 6486
إذا كان قد أمره بأن يتطامن لأولئك الذين يعبدون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، وأن يقبل عليهم إقبال المقرب المدنى فقد نهاه عن الذين يغفلون عن ذكر اللَّه، نهاه عن طاعتهم بطرد الأطهار الأبرياء الذين لَا يعبدون الأوثان وقوله تعالى: (أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا)، أي أنه لغروره وفساد نفسه شغل قلبه بالدنيا وما فيه وأغفله اللَّه تعالى عن ذكره، وإذا فرغ القلب من ذكر اللَّه تعالى سكنه الشيطان؛ ولذا قال تعالى بعد إغفال ذكر اللَّه، (وَاتَّبَعَ هَوَاهُ)، أي غلبه هواه وصار عبدا لشهواته، ومن كان كذلك انحلت نفسه؛ ولذا وصفه سبحانه وصفا يفيد الانحلال النفسي فقال: (وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)، أي أنه كان أمره منحلا مضطربا لا ضابط يضبطه، ولا خلق يكبح جماحه، فهو مهمل مضيع مسرف في كل أحواله.
* * *
الحق بيِّنٌ وكلٌّ له جزاؤه
قال اللَّه تعالى:
(وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)
* * *
стр. 6487
أمر اللَّه تعالى نبيه أن يعلن أنه قد تبين الرشد من الغي، وبانَ الحق بأدلته، فلابد أن يعرف كل إنسان ما يختار لنفسه فقال:
стр. 6488
(وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)
أي (وَقُلِ) يا رسول اللَّه مبلغا صادعا بالحق (وَقُلِ الحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ)، قد ثبت وقام الدليل عليه من ربكم الذي خلقكم ورباكم ويعرف ما فيه خيركم وصلاحكم، وما فيه ضلالكم وفسادكم، وقد بين الحق، وما بقي إلا أن تتبعوا أو تنحرفوا، (فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن) باتباع الطريق السوي، (وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) بالابتعاد عن الطريق الأمثل، وإن اللَّه أعد لكل جزاء، ثم ذكر ما أعده للمشركين، فقال: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارَا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا) وصفهم سبحانه بأنهم ظالمون؛ لأن الشرك ظلم للنفس وظلم للعقل، مع ظلمات متراكمة من فساد وصد عن سبيل اللَّه تعالى، و (أَعْتَدْنَا) يعني هيأنا وأعددنا (نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا) شبه حال الذين يدخلون النار، وتحيط بهم من كل جانب يكونون في سرادق ويحيط بهم إحاطة الدائرة بقطرها، أو شبهت النار بسرادق أحاطهم، وكله نار لَا يخرجون من قطر إلا إلى قطر، وإنهم يكونون في شدة، والعطش يكوي بطونهم كيا، (وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ)، والمهل هو المصهور من الفلزات، فإنه شديد الحرارة، وهو (يَشْوِي الْوُجُوهَ) شيا، فهو في حرارة تبلغ درجتها الألوف من أرقام الحرارة، وروي أن منه غليظا كرديء الزيت.
هذه جهنم التي تستقبلهم بسبب مجانبتهم الحق، وانغمارهم في الباطل انغمارا، وإنها بئس المقام، وبئس شرابها شرابا؛ ولذا قال تعالى: (بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرتَفَقًا)، أي هذا شراب مذموم أشد الذم لأنه يشوي الوجوه إن سكب على الوجوه، لَا يستبرد به ولكن تشوى به، ويقطع أمعاءهم، وجهنم ساءت مرتفقا أي ما أسوأها مكانا يرتفق، فلا اطمئنان، ولكن نيران ولظى، هذا جزاء
стр. 6489
العصاة عبدة الأوثان فهم حقراء الفكر في الدنيا، ويصلون النار في الآخرة، وأصل ارتفق اتكأ على المرتفق، وهو علامة الاطمئنان ولا اطمئنان أبدا.
وأما جزاء المؤمنين الذين اختاروا الحق سبيلا، فهم في روح وريحان، وقد ذكر اللَّه تعالى جزاءهم فقال:
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)
بعد أن بين اللَّه تعالى جزاء العصاة عبدة الأوثان ذكر ما يستقبل المؤمنين المطيعين الذين يعملون الصالحات، فقال عز من قائل:
стр. 6490
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا)، جعل اللَّه تعالى سبب ما يستقبلهم من النعيم أمران:
الأمر الأول - إيمان صادق وإخلاص يعمر القلوب فإنه لَا ثواب من غير قلب منيب.
الأمر الثاني - عمل صالح نافع بأداء ما أمر اللَّه به واجتناب ما نهى اللَّه عنه في استقامة قلب، وكمال قصد واتجاه إلى النفع.
ويلاحظ هنا أنه أظهر في موضع الإضمار فلم يقل إنا لَا نضيع أجرهم، بذكر الضمير الذي يربط بين المبتدأ والخبر، بل أظهر بالوصول، فقال: (إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا)، لبيان أن استحقاقه الأجر بسبب إحسان العمل وإتقانه، وقد أكد الجزاء وأنه لَا يضيع عملا، ولا يظلم الناس أشياءهم في قوله: (إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا) أكد الكلام بـ (إن) وبإضافة الجزاء إليه ﷻ .
هنا ذكر الجزاء مبهما، أو ذكره سلبيا، بأنه لَا يحرمهم من حقوقهم، ولا يضيع عليهم أجورهم، ثم ذكره سبحانه بعد ذلك إيجابيا عطاء
стр. 6491
مفصلا، فقال ما يدل على نعيمهم من ثيابهم، واطمئنانهم، فقال:
стр. 6492
(أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ ... (٣١)
(أُوْلَئِكَ) إشارة إلى هؤلاء المتصفين بهاتين الصفتين الإيمان والعمل الصالح، والإشارة إلى الموصوف تدل على أن الصفة سبب الحكم، وفي هذا تأكيد بأن العمل الصالح والإيمان سبب الجزاء، كما أشار في الآية السابقة، وفي هذا النص جزاءان:
الجزاء الأول - الاستقرار والإقامة الدائمة، وذلك بذكر جنات عدن.
والجزاء الثاني - طيب النظر وما يكون به ارتياح النفس، وطيب المجلس وهو أن الأنهار تجري من تحتهم في ظلال أشجارها فتجري الأنهار من تحت الأشجار الملتفة المتصلة، فتلتقي راحة النفس مع جمال المنظر ومع الاستقرار والاطمئنان، وقد أضاف اللَّه تعالى إلى هذا النعيم، نعيم الثياب الذي يكون دليلا على العز والترف لمن حرموا منه في الدنيا، فقال تعالى: (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ)، وأحسب أن (مِنْ) الأولى والثانية للبيان، أي يُحَلَّون أساور هي ذهب، ويلبسون ثيابا خضرا، والثياب الخضر تكون فيها نضرة، وتطمئن لها النفس وهي لون الزروع النضرة (مِّن سُندُسٍ)، أي حرير خفيف (وَإِسْتَبْرَقٍ)، أي حرير كثيف، (مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ)، أي الفراش اللين المبثوث في حجراتهم، وقد مدح اللَّه تعالى ذلك الجزاء، فقال: (نِعْمَ الثَّوَابُ)، أي أن هذا الثواب ممدوح بالغ أقصى درجات حسن المنظر والرئى، (وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا)، أي ما أحسنها مرتفقا، والضمير في حسنت يعود إلى جنات عدن، والمرتفق أصله من الاتكاء على المرفق، وهو دليل الاطمئنان والراحة والنعيم.
ويذكر أن الجزاء في هذه الآية الذي اختص بالحلي، والثياب النضرة الحرير، رقيقها وكثيفها هو أخص متع النساء وخصوصا حلي الذهب والأساور منه، فلم يعهد ذلك حليا للرجال، ولكنه متعة للنساء في الدنيا فيكون متعة المؤمنات الصالحات في الآخرة، (إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا).
* * *
стр. 6493
مثل رجلين أحدهما عاص والآخر صالح
قال اللَّه تعالى:
(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ
стр. 6494
فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)
* * *
وتلك الأمثال يضربها اللَّه تعالى لذي الألباب الذين يعتبرون ويتعظون ويدركون أنفسهم من صورة غيرهم، ويؤدبوها ويصلحوها لرؤية المحاسن وأضدادها في غيرهم.
وهذا مثل ضربه اللَّه تعالى وبينه للفاجر والبار، أعطى كل واحد خيرا ربما يقل أحدهما عن الآخر خيرا، أو لَا يقل ولكن أحدهما يستكثر ما أعطاه لا ليشكره، بل ليغتر ويحسب أنه أخذه أخذا ويذهب فرط غروره إلى أنه أخذ بفضل عقله، وأنه لن يضيع أبدا، ثم يذهب ليقمع غروره أو تنطفئ شعلة اغتراره، وتبدو له الحقيقة واضحة، وهي أنه لَا يملك من الأمر شيئا، أما الثاني صاحبه، يذكره بأصل خلقه وأنه لم يكن شيئا مذكورا، ويوجهه إلى الحمد والشكر على ما أعطى، ولنترك القول لرب العالمين فهو البليغ الذي أعجز بكتابه الناس أجمعين.
قال تعالى:
(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)
стр. 6495
(وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا) بين حالا تكون فيها العبرة، وهي حال رجلين مختلفين طاعة وعصيانا (جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا)، أي جعل اللَّه لأحدهما جنتين من كروم، وأحاطهما بنخل فعل كبار الملاك الذين يجعلون مزارعهم ذات جنات وعيون ونخل يحوطها كأنه سور يطوف بها، فتكون مثمرة، ويكون سورها مثمرا لَا يكون حديدا ولا خشبا، ولا بناء بل يكون نخلا حيا مثمرا يؤتي جناه، وجعلنا بينهما زرعا، ينتج بقولا وقمحا وأرزا
стр. 6496
وذرة، فحيثما نظرت إلى الجنتين وجدت طعاما طيبا، فاكهة وتمرا وبقولا وغيره، مما هو غذاء ومتعة، و
стр. 6497
(كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا)، أي ثمرها كاملا موفورا وبانتظام لم تتخلف سنة عن أخرى بل آتت به رتيبا تباعا، ولم تظلم منه شيئا، أي لم تنقص منه شيئا (وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا)، أي شققنا خلالهما نهرا يجري فيكون السقي يسبح لَا بآلة، والماء موفور، لَا تصاب الزروع بحرمان من الماء، ولا الأرض بجفاف منه، بل كل شيء ممهد، ولم تكن كلتا الجنتين هما كل ماله، بل له مال آخر وهو مال مثمر من تجارة ونحوها، وكان لهذا المال ثمر إذ كان يثمره وينتج به كنعم ومتاجر كما ذكرنا؛ ولذا قال تعالى:
стр. 6498
(وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ ... (٣٤)
مع الجنات والزروع والنخيل ثمار لأموال أخرى.
وكان حقا عليه أن يشكر هذه، وأن يشعر صاحبه بأن له حق الأخوة والصحبة فيها، ولكنه تكبر وافتخر بها، وإذا دخل الفخار في نفس من أنعم اللَّه تعالى عليه بنعمة، فإن الفخار وراء الغرور والكبر، إذ الكبر بطر النعمة وغمط الناس؛ وٍ لذا كان صاحبه أول من بادره بالمفاخرة (فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا)، (الفاء) للعطف مع التورية والترتيب، أي قال عقب أن حالت حاله إلى هذه الحال، (أَنَا أَكْثَرُ مِنك مَالًا)، وكأنه يقول له أنا أعلى منك منزلة لأنى أكثر منك مالا، ومنازل أهل الدنيا بنيت على المال، وإنه فوق كثرة ماله يحسب أنه أعز، إذ قال: (وَأَعَزُّ نَفَرًا)، أي أنه عزيز بعزة الذين تبعوه في أمواله ولكثرة نسبه، وأكثر أولادا، يعتز بهم وبقوتهم وذهب غروره بهذه الحال التي هو عليها ولم يحسبها فانية، لأن الكافر حسي لَا يؤمن إلا بالمادة المحسوسة ومن علمت عليهم وجعلها هما، لَا يكون تفكيره إلا من الحال القائمة والأمر الوجود أو حكم الواقع كما يقال في هذا الزمان.
стр. 6499
(وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ... (٣٥)
أي دخل الجنة في هذه الحال التي استولت عليه حال الغرور، وحال التعالي الكاذب وعدم المبالاة إلا بالساعة التي هو فيها، واندفع بها إلى الشرك، وهو بذلك الغرور والكبر وغمط الناس ظالم لنفسه، فظلمه لنفسه بهذا الذي هو محيط به، وقد أداه إلى الشرك كما ذكرنا وذلك ظلم عظيم، وقد أداه ذلك إلى أن يقول: (مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا)، فهو حكم بالحاضر على المستقبل، وذلك شأن المادي الذي يأسر
стр. 6500
الحاضر تفكيره، حتى لَا يفكر إلا في محيطه، وقد أكد بقاءها بالنفي بـ (ما)، وبـ (أبدا)، وكأنه يحكم على اللَّه، ويتحكم في المقادير وما هو بشيء.
ثم يتطاول فينكر البعث، ويفتات في تقديره، فيقول:
стр. 6501
(وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً ... (٣٦)
ينفي إيمانه بالساعة، ويقول مستهينا، غير عابئ كأن الأمر لا يوجب اهتمامه (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً)، والساعة هي ساعة الحساب وهي التي تكون يوم القيامة، وإذا أطلقت الساعة في القرآن لَا يراد بها إلا ساعة الحساب والجزاء، وكأنه ليس بجدير بأن يسمى ساعة غيرها.
ويفرض أنه إذا صحت الساعة فإنه سينال ما ينال في الدنيا وأكثر منها، فيقول مغترا: (وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا) مرجعا أنقلب إليه، بدلا مما كنت فيه، وهو في هذا يقسم مطمئنا، فاللام الأولى الممهدة للقسم أو المومئة إليه، واللام الثانية جواب القسم، وقد أكد القول كما رأيت بالقسم، وبنون التوكيد في جوابه، وهو بهذا يقيس الحال المقبلة على الحال الحاضرة، وكأن جنات الدنيا ممتدة إلى الآخرة بل تزيد عليها، وإن هذا أقصى درجات الغرور، فهو يفتات على ربه أو يقسم عليه، وليس من المقربين إليه الذين إذا دلفوا بأعمالهم إليه، وأحبوا عباده، وعادوا بما آتاهم من خير على المحتاجين من اليتامى والمساكين وأبناء السبيل.
وإنه يلاحظ مما قصه القرآن الكريم من حال الرجل الذي أوتي الجنتين، وكيف هذا الإيتاء تأدى به إلى الكفر والطغيان أن النفس غير المؤمنة ما تعطاه تحسبه حقا لها، ويدفعها غرورها إلى اعتقاد أنها نالته بكفايتها، أو لمزية اختصت بها، فلا تحسبه عطاء من اللَّه، وكان يمكن أن يكون لغيره بأوفر منه، ولا أن الأسباب لا تؤدي إلى نتائجها إلا بإذن اللَّه ثم يندفع بها الغرور فتحسبه من فضلها على غيرها، وحرمان غيرها من نقصانها الذي لم تبلغ مواهبها ما عندها هي ثم تسترسل في غلوائها، فتحسب أن ذلك من دواعي تفاخرها، وتطاولها على غيرها، وتسترسل في غرورها أكثر فتحسب أن ذلك دائم لَا يبيد، وأنها تنتقل من ظفر بالخير إلى مثله غير عابئة بشيء، ولا مقدرة لمستقبل، ثم تدفعها غلواؤها في
стр. 6502
التقدير فتنكر البعث أو لَا تهتم به، وتظن ظنا من الإثم والبهتان على اللَّه أنه إن كان بعث فستنال من اللَّه خيرا من هذا.
وإن هذا الغرور النفسي، والطغيان على الناس هو الذي أدى إلى الكفر والإيغال فيه من غير حساب، هذه هي النفس الطاغية التي تسير في طريق الكفر.
أما النفس المؤمنة وهي التي تتمثل في الرجل الآخر الذي هو أحد الرجلين اللذين ضرب بهما المثل، فإنه يتمثل فيها الرجل المؤمن فهي تحس:
أولا - بأن اللَّه هو الخالق، وأنه خلق الإنسان من تراب وأنه الواحد الأحد.
ثانيا - وأنه هو المعطي، والمعطي يستحق الشكر.
ثالثا - والتفويض إلى اللَّه، والإحساس بأن كل شيء عطاء منه بعد اتخاذ الأسباب.
رابعا: وبأنه موضع الرجاء على أن يفوض الأمر إليه، وأن من أعطى يمنع إذا اغتر من أعطاه، ورغب عن طاعته، وأن عليه أن يتذكر المنع عند العطاء، وأن يتذكر حاله إذا فقد النصير وهذا جوابه لما حاوره صاحبه مفاخرا.
стр. 6503
(قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧)
هذا هو التأكيد الأول يقول له: إنك نسيت خلقك الأول أنشئت من تراب ثم من ماء مهين، ثم كانت أدوارك من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات نطفة في قرار مكين، ثم مضغة ثم عظاما ثم كسونا العظام لحما ثم صرت رجلا سويا، وخلقت ضعيفا في كل أدوارك ثم صرت رجلا غرك الغرور، أشار إلى كل هذا في كلماته الموجزة المشيرة والموضحة، ونبهه إلى أنه كفر بكل هذا في استفهام إنكاري توبيخي، لأنه لإنكار ما وقع منه من كفر بربه الذي خلقه فسواه في أحسن تقويم.
فحاله حال كفر وإنكار للنعمة، وجهل لحقيقة أمره فذكره بذلك كله وأنه بهذا الطغيان والغرور ونسيان البعث وإهماله لطاعات اللَّه تعالى قد كفر باللَّه أشد الكفر.
стр. 6504
أما حاله هو، وهي حال الإيمان، فقد قال فيها:
стр. 6505
(لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨)
(لكن) تفيد الاستدراك على ما قاله صاحبه، وبيان أن حاله ليست كحاله، إنما حاله حال إذعان للَّه تعالى وحده على خلاف حال صاحبه من إشراك باللَّه، واستهانة بالبعث، ونلاحظ في المصحف أن ألفا بعد النون في (لَكِنَّا)، وهو يتحدث وحده ونحسب أن كتابته ليست عبثا، أو لغير معنى، بل إن كتابته تنبيه على بعد الحال المستدركة بين الرجلين، فبينا الأول كان طاغيا مفاخرا مغرورا، فهذا موحد متطامن شاكر للَّه تعالى أنعمه، في سرَّائه وضرَّائه فأمره كله إليه سبحانه، لَا يملك من أمره شيئا أبدا.
وقوله: (هُوَ اللَّهُ رَبِّي) تفويض مطلق لذي الجلال والإكرام؛ لأنه ربه الذي خلقه وقام عليه حتى بلغ ما بلغ بين الأحياء؛ لأنه الحي القيوم، وأكد الوحدانية بقوله: (وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا)، وهذا تعريض بالذين يؤمنون بأن اللَّه تعالى خالق السماوات والأرض وأنه لَا خالق سواه، ومع ذلك عند العبادة يشركون به، وقوله تعالى: (بِرَبِّي) يفيد مع ما سبق علة العبادة وعدم الإشراك فيها، ويقولون هو خبر لمبتدأ محذوف تقديره لكن الأمر هو اللَّه ربى ولا أشرك بربي أحدا، وينتقل إلى توبيخ صاحبه، وتنبيهه إلى وجوب الشكر فيقول كما حكاه اللَّه تعالى:
(وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠)
стр. 6506
(لَوْلَا) للحض، والمبالغة في الإنكار بمعنى هلا، أي هلا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء اللَّه لَا قوة إلا باللَّه و (إِذْ) بمعنى وقت، المعنى هلا وقت دخولك جنتك ورؤيتك هذه النعمة قلت ما شاء اللَّه، أي هذا ما شاء اللَّه، وأنه بإرادته ومشيئته ولولا مشيئته ما نلتها، وأنه لَا قوة لك إنما القوة كلها للَّه، فهو الذي
стр. 6507
أعطاك وإن حق النعمة شكرها لَا كفرها ولا التطاول بها، والمفاخرة على غيرك والاعتزاز بها من غير عزة اللَّه .
ثم أخذ بعد ذلك برد على مفاخرته راضيا راجيا، (إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ)، (إِن تَرَنِ) حرف شرط وفعله وجوابه، (فَعَسَى) والفاء داخلة فيه، لأنه فعل طلب للرجاء، و (أَنَا) ضمير الفصل فيه تأكيد لحديث المتكلم عن نفسه، وكان التأكيد لبيان أنه أقل منه في نظره، أي إن ترني أنا في نظرك أقل منك، فإن اللَّه هو الرزاق ذو القوة المتين، لا يمنعه أحد من عطاء يشاؤه، فعسى ربي الذي خلقني وكفلني وقام على شئوني أن يؤتيني خيرا من جنتك التي تفاخر بها وتغتر بها، إني أرجو اللَّه وأرجو ما عنده مؤمنا بأنه هو الذي يعطي ويمنع فإن أعطانا شكرنا، وإن منعنا صبرنا، وهو خير لنا.
وقال: (وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ)، الضمير في (عَلَيْهَا) يرِجع إلى الجنة؛ لأنها المذكورة وحدها في قوله تعالى:
стр. 6508
(فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ) والحسبان هو العواصف من السماء التي يطلق عليها مرامي السماء والحسبان الصاعقة، ويطلق على العذاب، ولعل أقرب المعاني هو الصاعقة المحرقة للزرع والشجر والنخيل وغيرهما من أنواع الأشجار المثمرة وغير المثمرة، ويكون المعنى عسى أن يعطيني اللَّه منه خيرا من جنتك، ويرسل على جنتك صواعق من السماء (فَتُصْبِحَ) الجنة خالية من الأشجار (صَعِيدًا زَلَقًا)، أي صعيد أملس لا شجر فيه، ولا ينبت شجرا، ولا كلأ، و (زَلَقًا) هو الذي لَا يثبت عليه قدم وهو كناية عن أنه خال من كل نبات وشجر وهو بلقع لَا ثمر فيه.
هذا هو حسبان السماء لَا يبقي ولا يذر، وعسى أن يجف الماء فلا تنزل صاعقة ماحقة، ولكن يجف الماء، وهو مادة الحياة للنبات، ولذا قال تعالى عن الرجل المؤمن:
(أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)
стр. 6509
أى أن ماءها يغور في الأرض ويختفي من سطح الأرض إن كان ماء عيون وآبار، أي على أعماق بعيدة من باطن الأرض فلن تستطيع الحصول عليه، وهذا معنى قوله تعالى: (فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا)، أي يتعذر عليك طلبه ولا تجده ولا تجد عوضا عنه، لَا تجد لها سقيا ولا رعيا وحينئذ يجف لك الشجر والزرع ويصير حطاما.
وقد بين سبحانه أن ما توقعه المؤمن صدق، ونزل الدمار بالجنتين فقال تعالى:
стр. 6510
(وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢)
قوله تعالى: (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ) يقال أحاط الجيش بالعدو حتى سد عليه مسالك النجاة، ثم صارت تطلق في اللغة بمعنى الهلاك مجازا مشهورا وأصبح البعير يحاط به بمعنى تعرضه، ولقد قال تعالى في الذين يتعرضون للهلاك، (. . . إِلَّا أَن يُحَاطَ بِكُمْ. . .)، ويكون في الكلام مجاز بالاستعارة شبه
هلاك الزرع هلاكا مستغرقا لم يدع فيه شيئا قائما بذاته بإحاطة الجيش بعدوه واستئصاله بحيث لم يفلت منهم بالنجاة أحد، والجامع في المجاز هو الإحاطة والشمول، وفي هذا المجاز إشارة إلى المغرور بهذه المعاندة كأنه في حرب مع اللَّه سبحانه، وبعد هذه الإحاطة الهلكة المستغرقة لكل الزرع أخذ يعض بنان الندم، وقال اللَّه تعالى في ذلك: (فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا) الفاء فاء السببية والعطف المفيد للترتيب والتعقيب، وتقليب الكف كناية عن الإحساس بالندم، وعن الإحساس بالخسارة فهو يقلب كفيه نادما، ويحس بالخسارة في النفقة التي أنفقها، وهكذا المغتر من غير مبرر للغرور يكون في ندم على غروره، وفي حسرة على ما أنفق من مال ذهب هباء منثورا، أو أدراج الرياح، ويتمنى الأماني ويقول: (يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا)، ليت للتمني، فهو يتمنى أن لم يكن قد أشرك، ونادى (يَا لَيْتَنِي) كأنه ينادي ليت، كأنه يقول: يا (ليت) تعالى فهذا وقتك الذي
стр. 6511
أناديك فيه (لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا)، كأنه أحس بأن الشرك هو الذي ربَّى في نفسه الغرور، وأن الغرور الذي دلاه إلى هذه الحال من الهلاك.
أهذا التمني في الدنيا أم في الآخرة؟ الأقرب إلى السياق أنه في الدنيا، وأنه سبيل التوبة، وقد يكون في الآخرة كما تدل الآية الآتية، وقوله: (وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) الضمير يعود إلى الجنة، وذلك من خوت الدار خواء إذا أقعرت وتهدم بناؤها وسقطت عروشها، فخاوية على عروشها معناها ساقطة الكروم على عروشها، أي أن كل ما فيها سقط بعضها على بعضها، فالأشجار جفت، والزرع صار حطاما، وصارت كلها خواء.
كان الغرور المفتون بجنته يعتز بماله، فيقول أنا أكثر منك مالا، وكان يعتز بنفره، ويقول أنا أكثر منك مالا وولدا، وهذا مآله قد آل إلى فناء وخراب، وذهب نفره فلم يكن له نصراء ينصرونه من دون اللَّه، ولذا قال سبحانه مبينا عزلته.
стр. 6512
(وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣)
الفئة الجماعة المناصرة، أو العصبة التي تناصره، اعتز بها، ولقد قال: (أَنَا أَكثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا) فأبعد اللَّه عنه عزة النفر عند إبعاد المال، فلم يكن هناك فئة تنصره على كل حال، بل كانوا فئة تناصر ماله، ولا تناصر شخصه فلا نصير له من دون اللَّه، وقد تخلى اللَّه تعالى عنه لعصيانه فلم يكن له نصير من غيره، ولم يكن هو منتصرا بذاته، فليس قويا في ذاته ينتصر لنفسه، وليست قوة من خارجه وما كان ممتنعا بقوة شبه ذلك، وقال قتادة ما كان مستردا بدل ما فقد منه، والفئة مشتقة من الفيء، أي يفيء إليها لتنصره، فهي العشيرة ويظهر أن ذلك يوم القيامة، ولذا قال تعالى:
стр. 6513
(هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)
الإشارة إلى البعيد في الآخرة، ولذا كانت الإشارة بالبعيد باللام والكاف معا، وكلاهما تنبيه للبعيد، أي السلطان الكامل، كما قال تعالى: (. . . لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)، (هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا) والضمير (هُوَ)
стр. 6514
يعود للَّه تعالى، أي خير ثوابا في الدنيا والآخرة لمن آمن واتقى، (وَخَيْرٌ عُقْبًا)، أي خير عاقبة في الآخرة وهو النعيم المقيم، هذا وإنا نقول إن هذا كله في الدنيا والآخرة.
ولكن يجب بحث خبر المثل أهو تصوير لحال المستقيم، وحال المنحرف المغرور، وعاقبة كل، وهو تقدير، أم له واقع تاريخي، وإنه كيفما كان مصور لحال المغرور الجاهل المشرك، وحال المستقيم ويقول الزمخشري: إن المثل يصور قصة واقعة فيقول: (وقيل هما مثل لأخوين من بني مخزوم، مؤمن وهو أبو سلمة عبد اللَّه بن عبد الأشد، وكان زوج أم سلمة قبل رسول اللَّه ﷺ ، وكافر وهو الأسود ابن عبد الأشد).
وسواء أكان المثل تقديرا صادقا وتصويرا للنفس الكافرة، أم كان قصة وقعت فهو مبين لنفس الكافر وهي يسودها الاغترار بالعطاء، ووراء الاغترار الضلال والاستكبار، والمفاخرة ونسيان الواجب لحق النعمة، والبطر والكبر وغمط الناس وأن المؤمن من صفاته الرضا والقناعة والاتجاه إلى اللَّه تعالى وشكر النعمة (. . . لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ).
* * *
مثل الدنيا والآخرة والبعث
قال اللَّه تعالى:
(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦) وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى
стр. 6515
الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)
* * *
следующие страницы →