إلى آخر القرن السادس تقريبا، وأنها في هذا الوقت كانت النصرانية قد ثلثت، ولم تعد ديانة توحيد، ولا مسيحية لأن المسيح بريء منها.
وكان حقا علينا أن نفهم، حيث أفهم القرآن مصدقين مذعنين، ولكن لا مانع أن نقول إنها ابتدأت من عهد الاضطهاد الروماني بعد أن انتهت حياة المسيح في الدنيا، واستمرت المدة التي ذكرها القرآن الذي (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ منْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ).
* * *
قال اللَّه تعالى:
(أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)
* * *
стр. 6442
(أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا).
(الْكَهْفِ) مكان متسع في الجبل، و (الرَّقِيمِ) اسم للجبل، أو لوح من رصاص رقمت فيه أسماؤهم، أو واد بالجبل، وأيا ما كان فهو تعريف بمكان كهفهم بجبله أو بواديه أو رصاص كتبت أسماؤهم عليه.
و (أَمْ) للاستفهام مع الإضراب لمن عجبته، وأنها ليست أكثر من عجائب الوجود والخلق بإرادة اللَّه، فليس بقاء أجسام إنسانية حية أمدا طويلا، كما أنه ليس وجودهم راقدين أكثر من ثلاثمائة سنة أمرا عجبا في ذاته من خلق السماوات والأرض وما فيها، أو من خلق الإنسان من طين، أو من أدوار خلق الإنسان من نطفة من ماء إلى علقة إلى مضغة، ليس بقاؤهم أحياء رقودا أعجب من هذا الخلق العظيم.
والاستفهام مقصود منه التنبيه وتوجيه الأنظار أولا إلى أن هذا كان عجابا، أي أحسبتم أن أصحاب الكهف والمقام الذي كان كهفهم على مقربة عجبا من آيات اللَّه، إنها ليست بعجب من آيات اللَّه تزيد على آياته في خلقه، إن كل خلق اللَّه تعالى آيات لأولي الألباب، وإذا كان في أهل الكهف شيء فهو في دلالته على قدرة اللَّه تعالى في الإحياء والرقود، وهو دال على البعث بعد الموت؛ لأنه إذا كان قادرا على الإبقاء فهو قادر على الإعادة، وإذا كان قادرا على الإنشاء والإبقاء فهو قادر على الإعادة.
стр. 6443
(إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠)
عرفهم القرآن الكريم بأوصافهم، وأول وصف من هذه الأوصاف أنهم فتية جمع فتى، أي أنهم شبان في باكورة أعمارهم، نفوسهم غضة لم ترهقها الأوهام، ولا العادات والتقاليد، وموروثات الآباء العتيقة التي عششت في رءوس من قبلهم، بل إنهم على الفطرة السليمة، والشباب دائما أسرع الناس إلى الحق إن لم يكن في توجيههم ما يعوق عنه أو يسد الحجاب دونه، وقد قال في ذلك الحافظ ابن كثير: الشباب هم أقبل للحق وأهدى للسبيل من الشيوخ الذين قد عتوا
стр. 6444
وانغمسوا في دين الباطل؛ ولهذا كان أكثر المستجيبين للَّه ورسوله ﷺ شبابا، وأما المشايخ من قريش فعامتهم بقوا على دينهم ولم يسلم منهم إلا القليل.
هذا هو الوصف الأول الذي وصف اللَّه به أهل الكهف، أما الوصف الثاني، وهي نتيجة لسلام الطوية أنهم اتجهوا إلى اللَّه تعالى بقلب محسّ بقدرة اللَّه ومعجزته، وبأنه المنعم الهادي دون غيره فقالوا: (رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) نادوا ربهم قائلين، (رَبَّنَا)، أي الذي خلقتنا وكونتنا وطهرت قلوبنا، وخلصت نفوسنا من الشرك وأوهامه، (آتِنَا مِن لَّدُنكَ)، من حضرتك القدسية، وخزائنك التي لَا تنفد، (رَحْمَةً) وإنعاما وتوفيقا، وسلوكا مستقيما، ودواما للتوفيق. ورحمة اللَّه وسعت كل شيء وهي تعم كل حياة الإنسان، والدعوة الثانية المنبعثة من إيمان عميق موجه، وإذعان صادق يملأ القلب نورا، (وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا)، أي الأمر الذي اخترناه لأنفسنا من الإيمان في وسط الوثنية، والرشد هو إدراك الأمور إدراكا مستقيما لَا عوج فيه، وهذا الطريق المستقيم يقتضي تجنب الشرك وطلب الحق، والابتعاد عن كل مهاوي الرذيلة، والاتجاه إلى طريق الفضيلة ومحاسن الأخلاق، وألا يكون شطط ولا إفراط، ولا تفريط، إلا أن يدفع إلى ذلك الحق وتجنب الهوى.
يظهر أن أولئك الفتية طوردوا حتى أووا إلى الكهف، فالإيواء لَا يكون إلا عن منازعة يحسون فيها بأنهم لَا قِبَل لهم بمن يريدون أن يفتنوهم عن دينهم، وقد كان ذلك واقعا في عهد اضطهاد النصارى، كما أشرنا وكما بينا في غير هذا الكتاب (١).
وإن النوم يكون فيه سكون النفس، ولقد أنامهم اللَّه سنين عددا لينجوا بدينهم، وليكونوا حجة حسية على البعث، وليكونوا من آيات اللَّه تعالى في الوجود.
(فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١)
стр. 6445
كان الإيواء إلى الكهف فرارا من أذى المشركين، ولهم في ذلك الوقت القوة والسلطان، والعذاب مسلط على رقاب المؤمنين، وخصوصا القلة الشابة منهم، ولكن النجاة قد وفرها اللَّه تعالى لهم فأبعدهم عن الأحياء المشركين - وإن كانوا أحياء - ولتتم لهم الطهارة التامة، وتتم بهم الحجة الكاملة، وهو صنيع اللَّه تعالى، فقال:
стр. 6446
(فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا).
(الفاء) لعطف ما بعدها على ما قبلها من غير تراخ، فهم أووا إلى الكهف فضرب اللَّه على آذانهم وقد عرَّف اللَّه الفتية فقال: (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ) وتعريفهم لأنهم معهودون في الذكر في قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا).
والضرب على الآذان مجاز، فإنه يقال ضرب الحجاب إذا أغلق البيت، ويقال بنى الخباء إذا سده، فكنى بقوله تعالى: (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ)، أي سددنا هذه الاذان بحجاب وضربنا عليه ضربا محكما لكيلا يصل إلى داخلها أي صوت ينبههم من رقادهم، ويصح أن يقال شبهت حالهم في عدم السماع لأي صوت مع حياتهم بمن سدت آذانهم بحجاب قد ضرب عليها، فلا يصل إليها صوت مهما يكن عاليا أو مزعجا، فهم أحياء لَا يحسون بالأحياء، وقوله تعالى: (فِي الْكَهْفِ) فيه إشارة إلى أن في الكهف ذاته يصعب عليهم فيه الإحساس بما عند الأحياء من عذاب وإيلام، وقد استمر ذلك أمدا طويلا، ليس يوما ولا شهرا، ولا سنة بل سنين عدة، ولذا قال تعالى: (سِنِينَ عَدَدًا) فجعل العدد وصفا للمعدود، أي سنين كثيرة بالنسبة لنا، أما بالنسبة للَّه تعالى فهي ليست شيئا مذكورا، ويقول الزمخشري ومن تبعه: إن معنى (عَدَدًا)، أي ذوات عدد، أي أنها تعد بالسنين عدا، وقد قالوا إنه إذا قلَّ العدد لَا تحتاج إلى عد، لأن الأصابع تحصيها، أما إذا كثر العدد، فإنه يحتاج إلى العد والحساب بعد هذه السنين الطوال التي لَا تحصى إلا بالعد والحساب أيقظهم اللَّه من رقادهم فقال تعالى:
(ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢)
стр. 6447
العطف بـ) (ثُمَّ) في موضعه، لأن الزمن تطاول بين دخولهم الكهف وضرب اللَّه تعالى على آذانهم فقد كانت سنين كثيرة لَا تعرف إلا بالعد والإحصاء، وسمى اللَّه تعالى سماعهم بعد أن ضرب على آذانهم بعثا، مع أنه ليس إلا أن يسمعوا بعد أن لم يسمعوا من غير أن يفقدوا حاسة السمع، ولكن كان هناك حجاب يمنع من السماع بإرادة اللَّه تعالى، وسمي ذلك بعثا؛ لأنه مظهر الحياة بعد أن اختفت، فمع أنهم أحياء واستمروا أحياء طول هذه المدة، وقد يقال في اللغة: بعثه، إذا أيقظه من نومه، ولقد قال النبي ﷺ في خطبته لأهله وعشيرته: " والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون " (١)، فبين البعث واليقظة بعد النوم مشابهة تجعل أحدهما كالآخر، وخصوصا أن البعث هنا مع بقاء الحياة، وإنما الذي غيَّب الكلام والسماع هو الرقاد.
وإنهم عندما استيقظوا بعد طول الرقاد، اختلفوا على فريقين ففريق منهم قال: (لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ)، وقالت كثرتهم: (رَبُّكُمْ أعْلَمُ بِمَا لَبِثتُمْ)، سمى اللَّه تعالى الفريقين حزبين، لأن الحزب ما ينحاز إلى أمر معين من دين أو حرب أو نصرة، وحزب اللَّه في دينه هم المفلحون، كما قال تعالى: (. . . أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
كانوا في رقادهم لَا يشعرون كم أمضوا من الوقت فقسم حدد وعيَّن، وقسم أكثر أربا، وأشد تفويضا لم يهتموا، فاللَّه تعالى بين أن البعث سيعرفهم الحقيقة، لأنهم يختبرون بالحياة، ويعلمون في أي زمن يعيشون وفي عهد أي حاكم يكونون بعد هذا الرقاد، ولذا قال تعالى: (لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا) إن اللَّه تعالى يعلم كل شيء يعلم ما كان وما يكون وما هو كائن، فاللَّه تعالى لَا يعلم جديدا، ولكن المراد أن يظهر ما يعلمه اللَّه تعالى واقعا يعلمونه، فمعنى (لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ)، أي ليظهر علم اللَّه تعالى واقعا محسوسًا يعلمه الناس، بعد أن كانوا يظنون ويحدسون.
стр. 6448
وإن ذلك تنبيه إلى طول الأمد حتى تظنن أهله، ولرقودهم الذي يشبه الموت اختلفوا فيه، وليعلم الناس أن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون، وأن الأزمان أمرها نسبي وهي بالنسبة للَّه تعالى ليست بشيء يحصى.
والاستفهام هنا جعل ما بعد (أَيُّ) يَسُدُ مَسَدَّ مفعولين، ومعنى الاستفهام التنبيه إلى أن الزمن طال حتى اختلفوا في قدره، وبعثوا من مراقدهم ليتعرفوا الزمان، وفي أي زمان هم، وبذلك يعرفون أي القائلين أصدق قيلا.
و (أَحْصَى) قيل: إنها أفعل تفضيل، ولكن أفعل التفضيل لَا يكون إلا من فعل ثلاثي مجرد، ولكنه جاز استثناء، والقرآن لَا يحاكم أمام قواعد النحو لأنه فوقها، وهو يوجهها، ولا توجهه، وقد كثر أفعل التفضيل في الرباعي كقولهم ما أعطاه للمال، وآتاه للخير، ويقال إن أفعل التفضيل يجوز بعد تجريده من الزوائد، إذ يصير ثلاثيا، وفيه معنى الإحصاء، وقوله تعالى: (أَمَدًا) معناه زمانا، أي أعلم بمقدار الزمن الذي أحصى أهذا الذي قال يوما أو بعض يوم، أم الذي فوض. وقد قص قصصهم بالحق فقال:
стр. 6449
(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣)
يقص الله سبحانه قصصهم بالحق من وقت أن نشئوا وخوطبوا بالوحدانية في وسط الوثنية بعد بعث عيسى ﵇ ومجيء بعض رجاله إليهم في الرومان داعين إلى التوحيد، والنبأ هو الخبر الخطير الشأن، وأي خطر وشأن أكبر من عدد من الناس ينام نحو ثلاثمائة سنة أو تزيد، وهو حي، ويتكفله اللَّه تعالى حتى يوقظه من مرقده، وهو لَا يدري على التعيين متى رقد، وقوله: (بِالْحَقِّ)، أي مصاحبا للحق لَا يغادر شيئا من الصدق، ولا يبعد، ثم أخذ سبحانه يقصص ذلك القصص الذي فيه أدل شيء على القدرة بعامة، والبعث بخاصة (إنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ) الجملة منفصلة بيانية عما قبلها؛ لأنها في مرتبة البيان فهي بيان للقصص الحكيم، (فِتْيَةٌ) كما ذكرنا جمع فتى، وهو الشاب القوي غض النفس التي كانت على الفطرة، وهؤلاء فيهم فتوة الشباب وفتوة الإيمان، وهي جماع مكارم
стр. 6450
الأخلاق، والابتعاد عن محارم اللَّه تعالى، وإطاعة أوامره، ففيهم فتوة الجسم وفتوة الإيمان، والسلوك القويم، وإن الاستقامة تسير بالمكلف في الخط المستقيم.
ولذا قال تعالى: (وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) ذلك أنهم سلكوا طريق الحق، وكلما وجدوا صعوبة في اعتناق الحق في وسط الوثنية رأوا ما هداهم اللَّه تعالى إليه، وما عليه غيرهم من عبادة الأوثان، فما اندغموا فيهم، بل أصروا إصرارا، فزادتهم المقارنة بين ما هم عليه وهدوا إليه، وما عليه الوثنيون من عبادة الأحجار، فكلما وازنوا ازدادوا إيمانا وكلما عُوِّقوا وفُتنوا صبروا، زادهم اللَّه قوة في دينهم، وإيمانا في صدورهم؛ ولهذا قال سبحانه: (وَزِدْنَاهُمْ هُدًى)، أي بسبب ما سلكوه وأصروا عليه، ومعاناتهم من الفتنة ما عانوا زدناهم هدى، لأن من دخل مكان النور ازدادت الأمور له وضوحا، وازداد ضلال الضالين انكشافا، فكانت الهداية على بينة، وازداد بها علما ووثوقا وجاهروا بالحق، ورضوا بترك الأهل وترك العمران والإقامة في الكهوف والمغاور.
وإن اللَّه ثبَّت قلوبهم وجعلهم يقفون أمام جبابرة الأرض؛ ولذا قال سبحانه:
стр. 6451
(وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤)
أي زدناهم هدى، وثبَّتناهم وربطنا على قلوبهم إذ قاموا، أي وقت أن قاموا مجاهرين بإيمانهم مجابهين طاغية من طواغيت الدنيا، (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا) قالوا للطاغية لست ربنا، ولا حَجَرُك إلهنا، إنما ربنا الذي خلقنا وكوننا عقولا ونفوسا ومدارك، وهو رب هذا الوجود كله، (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)، (لَن نَّدْعُوَ)، أي لن نعبد إلها غيره؛ لأنه لَا إله غيره، هو الواحد الأحد الحي القيوم، ونراهم بهذا يربطون بين الخلق والتكوين والربوبية والعبادة، فالخالق هو المعبود، ولم يكونوا كالعرب يؤمنون بأن اللَّه خالق السماوات والأرض ولكن يعبدون معه أحجارا وأوثانا، أما هؤلاء الفتية، فهم يقولون جازمين
стр. 6452
لن ندعو من دونه إلها، أي لن نعبد غيره إلها قط فلا نقر بالعبودية لغيره، ويفرضون أنه وقع منهم ذلك، فيقولون مؤكدين بما يشبه القسم: (لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا)، أي قولا شططا، والشطط الإفراط في الظلم والإمعان فيه، من قولهم شطَّ في القول إذا بعد عن حد العقول. وهنا ملاحظتان بيانيتان:
الملاحظة الأولى - أن قوله تعالى: (وَرَبَطْنَا) تدل على قوة ما أودعهم اللَّه تعالى من إيمان لَا يتزعزع فقد شبه قلوبهم بالحقبة الممتلئة إيمانا، وقد ربط عليها رباطا محكما كالوكاد (١) يشد عليهم فلا تضطرب أمام جبار كائنا من كان، لأنه عامر بالإيمان لَا يضطرب.
الملاحظة الثانية - أنهم أكدوا قولهم، وأصروا على إيمانهم بقولهم: (لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا)، فإن هذا الكلام يشير إلى أمرين:
الأمر الأول - تأكيد القول باللام الموطئة للقسم وقد الدالة على التحقق.
الأمر الثاني - أنهم أكدوا نفي الألوهية عن غير اللَّه نفيا مؤكدا، فقالوا: (لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا).
وأنهم لم يكتفوا بمجابهة الجبار بعقيدتهم، بل ذكروا بطلان عقيدة غيرهم فقالوا مبطلين الشرك:
стр. 6453
(هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥)
(هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا)، الإشارة إلى الذين عاصروهم ممن كانوا على دين الجبابرة في عصرهم الذين يعبدون التماثيل ويعددون الآلهة بتعدد التماثيل، فيقولون إله الحب، وآلهة العدالة، وغير ذلك من أسماء سموها ما أنزل اللَّه تعالى بها من سلطان، وذكروا قومهم للإشارة إلى ما يربطهم بهم من صلات الجوار والنسب
стр. 6454
أحيانا، وفي ذلك إشارة إلى أن واجب هذه الصلات أن يرشدوهم ويهدوهم، وقالوا: ما يفعل هؤلاء، (اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ)، أي من غيره (آلِهَةً)، يشيرون بذلك إلى أنها ليست آلهة، ولكنهم عدُّوها كذلك وليس لها أي قدرة على الخلق والتكوين، ولا تنفع ولا تضر، إنما هي أوهامهم التي زينت لهم أن لهم ألوهية على ما تصوره خيالاتهم، والخالق المستحق للعبودية وحده هو اللَّه الواحد القهار.
وليس عندهم برهان يدل على استحقاقهم للألوهية؛ ولذا قالوا: (لَّوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ)، أي هلا يأتون ببرهان قاطع منتج يدل على ألوهيتهم، فالسلطان معناه البرهان الدال على هذه الألوهية الىْ ادعوها، وعبدوها، وهي لا تنفع ولا تضر، فقام الدليل لمنع عبادتها، ولم يقم برهان على جواز عبادتها إنما هي أوهام توهموها.
ولقد أكدوا نفي الدليل بقولهم: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) الفاء للإفصاح؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، وتقدير الكلام: إذا كانوا قد اتخذوها من غير برهان صحيح، فقد ظلموا، والاستفهام للنفي، أي لَا أحد أظلم ممن تعمد الكذب على اللَّه، بنسبة الشريك إليه سبحانه، و (كَذِبًا) مفعول افترى، بمعنى قصد إلى الكذب، أو نقول إن (كَذِبًا) حال موكدة لمعنى الافتراء.
وإنه إذا كان من كلام هؤلاء الفتية فهو تبكيت مقولهم؛ لأنه لَا دليل على الباطل المحال، فهو لوم وتأنيب لهم، ويقول تعالى: (. . . أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ. . .) فهي أسماء لا مسميات لها.
وقد خاطبهم اللَّه بالوحي والإلهام عندما كانت المفارقة الفكرية بينهم وبين قومهم، واعتزالهم لهؤلاء الأقوام أن يجعلهم آية لمن بعدهم فألهمهم أن يأووا إلى الكهف؛ ولذا قال تعالى:
(وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)
стр. 6455
لقد صاروا في عزلة فكرية، ويُخشى أن يغيروا تفكيرهم وقد أصرُّوا على الإيمان إصرارا، كما أصرَّ قومهم على الشرك، و (إِذِ) ظرف متعلق بـ أووا، وهو في معنى السببية لذلك الاقتران الزمني بجواب الأمر (ينشُرْ).
هذا حديث نفوسهم، وهو إلهام من اللَّه بثلاثة أمور:
الأمر الأول - الإيواء إلى الكهف حيث يبتعدون عن أذى الجبارين.
الأمر الثاني - أنهم لقوة إيمانهم باللَّه أحسوا بأن اللَّه تعالى لن يضيعهم أبدا، بل إنه ينشر لهم من رحمته، إذ يبسط لهم.
الأمر الثالث - أن قوة إيمانهم باللَّه جعلتهم يحسون بأنه سيجعل لهم مرفقا يرتفقون به في وسط الكهف الذي لَا يأوي إليه الآدميون إلا فرارا من أقوامهم.
قال تعالى:
стр. 6456
(وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ)، أي اعتزلتموهم واعتزلتم عبادتهم، بل إن اعتزالكم عبادتهم هو السبب الجوهري، والباعث على اعتزالهم فإيمانكم قدمتموه على القرابة والقومية، وقوله: (إِلَّا اللَّهَ)، قال الزمخشري: استثناء متصل؛ لأنهم كانوا يعبدون اللَّه وغيره، فالاعتزال كان لعبادتهم غير اللَّه، ويحتمل عنده أن يكون الاستثناء منقطعا، وعندي أن خيرا من هذا ما قاله قتادة أن (إِلَّا) بمعنى (غير)، من غير تقحم في المتصل أو المنقطع، ومن غير ادعاء لا دليل عليه، وهو أنهم كانوا يعبدون مع اللَّه غيره، فإن ذلك يحتاج إلى سند تاريخي، كما هو ثابت عند العرب.
وقوله تعالى: (يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِن رَّحْمَتِهِ)، مجزوم بجواب الأمر، أي إن تأووا إلى الكهف فلا تخافوا جوعا ولا عطشا ولا عريا، فإن اللَّه واسع الرحمة، يبسط لكم من رحمته وينشرها عليكم، وشبه في هذه الرحمة السالفة بالثوب المبسوط، التي ينشر عليكم فيعمكم ويحفظكم ويستركم، ويقول تعالى: (لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ)، أي ينشره لأجلكم وهو من رحمته التي وسعت كل شيء.
стр. 6457
(وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا)، أي مكانا ترتفقون، وتجدون فيه كل مرافقكم وحاجاتكم، ويكون مطمئنا لكم، ذلك ما جاشت به نفوسهم، وقد كان لهم ما تصوروا وتمنوا، فقد استراحوا من ملاحاة أقوامهم وطغيان حكامهم، وكفل لهم نوما هادئا اطمأنوا واستغنوا عن حاجات الدنيا وأهلها، وكان خير اللَّه يمد به أولياءه ولا يضيعهم أبدا.
* * *
عناية الله بهم في رقودهم
قال اللَّه تعالى:
(وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨) وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)
* * *
стр. 6458
إن اللَّه الذي ألهمهم أن يأووا إلى الكهف فرارا بدينهم، وخضوعا لأمره ألهمهم أيضا أن ينزلوا في كهف يحفظ أبدانهم من أن تمزق جلودهم الشمس أو تغير ألوانهم، ألهمهم أن ينزلوا وفتحته إلى الشمال فيجيء إليهم هواء الشمال العليل، وينعش أجسامهم ويرطب أنفاسهم، ولا تمسهم الشمس ولكن تدفئ الكهف من ورائه بمرورها من الشرق إلى الجنوب، حتى تعود إلى الغرب، وقد اجتازت ما وراء الكهف، وإن الشمس تصيبهم بأشعتها الحمراء في الصباح في طرف من الكهف، وتصيبهم بأشعتها الصفراء في طرف من الكهف أيضا في الغروب، وخير الأشعة المنعشة للأجسام الحية تكون في حمرتها في الصباح، واصفرارها في الغروب، وهكذا هو قوله تعالى:
стр. 6459
(وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)
أي أنها إذا طلعت تميل عن الكهف متجهة ناحية اليمين فلا تمسهم الشمس بل تميل عن الكهف، لَا ينالهم إلا شعاع قليل منها، لَا تلفحهم بسخونة، بل يكون هادئا منيرا، وتسير الشمس من وراء الكهف من جنوبه، حتى تصل نازلة إلى الغروب، مائلة إليه، فتقرضهم على شمائلهم، كما تزاورت لهم عن أيمانهم في الصباح، ومعنى (تَقْرِضُهُمْ)، أنها تتجاوز بهم قاطعة حتى تصل إلى شمالهم في الغروب، وتقرضهم من القرض بمعنى القطع، أي أنها تقطع جنوب الكهف حتى تصل إلى شماله، والفارسي يقول: إنه مِن قرض الدراهم والدنانير، والمعنى أنها تعطيهم من تسخينها شيئا ثم يزول بسرعة كالقرض المسترد، ونرى في هذا تكلفا، وخير القول أن تقول: إن معنى تقرضهم تعدل بهم وتتجاوزهم شيئا فشيئا فشيئا حتى يتم الغروب، (وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ) أي مكان متسع (مِّنْه).
(ذَلكَ منْ آيَاتِ اللَّهِ)، أي إن ذلك كله من آيات اللَّه، فإلهامهم الالتجاء إلى الكهف، وإلى كهف مفتوح من الشمال، وكون الشمس تميل إليه ولا تدخله ليحفظ اللَّه أجسامهم من البلى والعفونة، وكونهم أحياء ليكونوا حجة على أن
стр. 6460
الحياة بيد اللَّه تعالى، وهو مانحها، يهبها لمن يشاء، كل هذا من آيات اللَّه، وهي تبصِّر الناس بالحق وتهدي إليه، وإن الآيات البينات كثيرة هادية، ولكن الناس عنها منصرفون (مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ)، أي من يسلك سبيل الحق يأخذ اللَّه بيده، ويهديه سواء الصراط، وهو المهتدي حقا وصدقا ولا أحد يضله، (وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا) ومن يسلك طريق الضلالة فإن اللَّه تعالى يكتبه من الضالين، ولن تجد له من يتولى أمره ويرشده إلى الصراط السوي.
وإنهم في الكهف يبدون أيقاظا وهم نائمون، ولذا قال تعالى:
стр. 6461
(وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)
من يراهم بادي النظر يحسبهم أيقاظا، أي يظنهم أيقاظا، والحقيقة أنهم رقود، والأيقاظ جمع يقظ، والرقود جمع راقد، أو هو مصدر وصف به والمصدر الذي يوصف به يلتزم المصدرية، فلا يثنى ولا يجمع، وإن هؤلاء الفتية عندما أصابهم الرقود كانت عيونهم مفتوحة فيظنهم الناظر أنهم أيقاظ ليسوا نائمين، ولأنهم بإرادة اللَّه يتقلبون ذات اليمين وذات الشمال، ويقول تعالى: (وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ)، أي يتقلبون بإرادة اللَّه تعالى إلى اليمين وإلى الشمال، وتلك حال من يكونون بين اليقظة والنوم، ويقلبهم اللَّه ذات اليمين وذات الشمال لكيلا تتعفن أجسامهم إذا بقوا على حال واحدة، ولأن أحسن الأحوال للنائم ألا ينام مضطجعا ولا يلتزم جانبا واحدا يمينا أو شمالا، بل يتقلب بينهما، لكيلا تكون الأعضاء الداخلية من كبد وقلب ومعدة على ثقل واحد، بل تتغير أثقالها.
وهم في هذا التقلب الذي يكون كالنائم المعتاد، وما يقوله بعض المفسرين من أنهم كانوا يتقلبون كل سنة أو سنتين أو سنين رجم بالغيب، ولا أساس له من رواية صحيحة ولا نقل عن معصوم.
(وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) و (كَلْبُهُم) بفناء الكهف أو على عتبته باسط ذراعيه، يحس الرائي أنه يحرس قوما أيقاظا، وهكذا كل مظاهر الحياة كانت بادية
стр. 6462
أمام الناظرين، والوصيد هو فناء الكهف، أو عتبته، أو على مقربة منه، وهذا الكلب يقال إنه كليب صيد لهم فكان مثلهم، ولقد كان ما يقرب من الكرام يكرم مثلهم، فكرم كما كرموا.
(لَوِ اطَلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا) هذه مظاهرهم، ولوِ اطلعت أيها المخاطب المعرف بأمرهم، وفحصت حالهم (لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا)، أي لآثار الاستغراب في نفسك ما يبعدك عن أحياء ليس فيهم مظاهر الحياة بل فيهم رهبة وهيبة، وما يثير العجب لأنه غير مألوف أن ترى أشخاصا يمكثون مئين من السنين على حال لَا هي حياة فيها كل مظاهر الحياة من حركة وكلام، ولكنك لَا ترى إلا سكونا، ومظاهر الحياة موجودة من عيون يقظة هذه تجعل الناظرين يجعلهم يحسبون أنهم ليسوا أمواتا ولا أحياء وما لَا يألفه الإنسان يفر منه فرارا، والخلاصة أنهم لو علموا حالهم، واطلعوا على أمورهم لولوا هاربين فارين منهم يحسبون أنهم ليسوا أناسِيَّ.
(وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا) والخطاب للقارئ أو السامع بأخبارهم المعرَّف لأحوالهم، هذه حالهم التي لبثوا عليها حتى بعثهم اللَّه تعالى، ولنقرأ خبر بعثهم، قال تعالى:
стр. 6463
(وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩)
إن اللَّه تعالى ضرب على آذانهم فلم يسمعوا، وربط على قلوبهم عندما خاطبوا جبار عصرهم، وحماهم من البلى سنين تجاوزت ثلاثمائة أو يزيد، كما جعلهم كذلك أحياء وإن كانوا من غير حركة إلا أن يتقلبوا يمينا وشمالا حفظا لأجسامهم، كما منَّ عليهم بكل ذلك وبعثهم من رقودهم، أو كما ظهرت آياته في كل هذا بعثهم من رقودهم فهي آيات تتراءى آية بعد آية، والبعث ليس هو البعث من موت، إنما هو اليقظة من منام، وإن طال أمدا، ويقول سبحانه:
стр. 6464
(وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ) يجوز أن تكون اللام للتعليل، أي أننا بعثناهم لكي يتساءلوا بينهم، وليتناقشوا في مدة لبثهم، فما كانوا ليتساءلوا لو استمروا في رقودهم، وقد ضربنا على آذانهم، ولكن الأولى ما قاله الأكثرون من المفسرين أن اللام لام العاقبة كاللام في قوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا. . .)، فالمعنى بعثناهم لتكون العاقبة أن يتساءلوا فيما بينهم عن المدة التي لبثوها، (قَالَ قَائِلٌ منْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ)، كم من الزمن لبثتم، لقد قالت الأخبار التي لَا وجه للظن فيها أنهم ناموا غدوة يوم، وصحوا في عشية يوم آخر عندما كانت إرادة اللَّه تعالى أن يستيقظوا، (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ)، إذا لم يحسب الليل يكون نهارا، وقد يعد يوما، وإن حسب الليل يكون بعض يوم، ونسب هذا القول إلى كلهم، فقال: (قَالُوا)، ويظهر أنه قاله بعضهم، ورضيه كلهم ظنا منهم، ولكن الريب كان يحيط بهم فاختاروا التفويض لعلم اللَّه تعالى بدل الجزم بقول، ويظهر أن حسهم قد جعلهم يرون تغييرا فيما يحيط بهم، أو أن حرص المؤمن بقدرة اللَّه تعالى جعلهم يعتقدون أن التفويض أولى؛ ولذا قالوا: (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتمْ) فوضوا أمر علم الزمن إلى اللَّه تعالى، واللَّه قادر على كل شيء ولكنهم أحسوا بالجوع، بعد هذا اللبث الذي يحتمل أن يكون طويلا، واللَّه به عليم.
ونسب القول إليهم جميعا، ويظهر أن بعضهم قاله ووافق عليه الجميع؛ لأنهم كانوا غير جازمين بزمن معين، والتسليم في هذه الحال أحوط وأسلم، وأشد إيمانا وتثبيتا، وقد أرادوا أن يتركوا الخوض فيما لَا علم لهم به، وأن يشغلوا بأنفسهم، فقال تعالى عنهم قالوا: (فَابْعَثُوا أَحَدَكم بِورِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ) اجتمعوا على أن يسدوا غلة الجوع، والورق هي الفضة، والمراد النقود المسكوكة منها، و (الفاء) للإفصاح عن شرط مقدر تقديره إن كنتم لَا تعلمون كم لبثتم، فاشغلوا أنفسكم بأنفسكم، واطلبوا غذاء لكم.
стр. 6465
هذه صلة بعث أحدهم بالورق بالمدة التي لبثوها وتناقشوا حولها، وقال بعض المفسرين: إن بعث أحدهم بالورق له صلة بالأمر الذي كانوا يناقشون فيه، إذ كان سبيلا لفحص مدة الزمان وموقته عن طريق النقود المضروب عليها صورة الملك الذي ضربت في عهده، بدليل الفاء التي تفيد ترتب ما بعدها على ما قبلها، وعلى هذا الرأي لَا تكون الفاء للإفصاح، إنما تكون لمعنى السببية.
بعثوا أحدهم ليبحث لهم عن غذاء يشتريه بهذا الورق الذي أعطوه ولينظر في غذاء طيب أزكى وأنمى لهم؛ ولذا قال تعالى: (فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا)، أي ليتخير ما هو أزكى نماء وأطيب طعاما، والفاء عاطفة، وكذلك الفاء في قوله تعالى: (فَلْيَأتكُم بِرِزْقٍ مِّنْه) والرزق القدر الذي يتبلغون به أو يكفيهم، وقوله تعالى: (أَيُّهَا) الإشارة إلى المدينة، والمعنى أي شيء في المدينة (أَزْكَى طَعَامًا)، وأكثر مواد زكية نامية.
وإنه يتعرف أطيب الأطعمة، ويأتي بمقدار منها، يكون فيه سد الرمق، ويكون طيبا، (وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا)، أي ليجتهد في أن يتلطف في القول، ولا يغلظ في المساومة حتى لَا تعرفوا، أو تفضحوا؛ ولذا قالوا: (وَلا يُشعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا)، أي لَا يأتي عملا من شأنه أن يجعلهم يشعرون بكم وقد فررتم خيفة من طغيانهم.
وقد عللوا عدم شعور أحد بهم بقولهم:
стр. 6466
(إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)
هذه الجملة السامية مفصولة في البيان عن السابقة؛ لأنها في مقام التعليل، والتعليل بين جملتين من أسباب الفصل البياني بينهما، وإلا فهما منفصلتان في المعنى، إذ العلة متصلة بالمعلول، (إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ)، أي يطلعوا عليكم مستظهرين عليكم مستعلين بما معهم من قوة الحاكم الغاشم وجند وغيرهم،
стр. 6467
(يَرْجُمُوكُمْ)، أي يقتلوكم بالحجارة، وهي أشد أنواع القتل، وأقساها، (أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ) في وثنيتهم، و (أَوْ) هنا في معنى (إلا)، أي يرجموكم، ولن ينجيكم من الرجم إلا أن تعودوا طوعا أو كرها إلى الوثنية التي فررتم منها فرار السليم من الجرب، وفي هذه الحال تكون الخسارة الدائمة إلى يوم القيامة، وقد قالوا في ذلك: (وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا)، و (لَن) للنفي المؤكد، ويقول الزمخشري للنفي المؤبد: ومهما يكن معنى (لَن) فإن النفي مؤبد بقوله تعالى: (أَبَدًا) وفي التعبير بـ (إِذًا) أي أن عدم الفوز سبب عن عودتكم في ملتهم، فهو حرمان اقترن به سببه، بعثهم اللَّه تعالى بأن أيقظهم منه كما يبعث الموتى وإن لم يموتوا، وقد تعوفوا العصر الذي بعثوا فيه.
* * *
أعثر الله عليهم وعددهم
قال اللَّه تعالى:
(وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١) سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢) وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)
* * *
стр. 6468
بعثهم اللَّه تعالى من منامهم، وما كان يعلم أحد برقودهم، ولا ببعثهم حتى عثروا عليهم فعلموا ما كان منهم وما آل إليه أمرهم، فلما بعثوا أحدهم بورقهم إلى المدينة يلتمس لهم طعاما هو أزكى وأطيب وأنمى لهم، وعرضوا ورقهم ويظهر أنه كان نقدا مضروبا على اسم ملك يومئ إلى العهد الذي أووا فيه إلى الكهف، وضرب اللَّه على آذانهم بعد أن ربط على قلوبهم أمام جبروت الطاغوت الذي كان يضطهد أتباع عيسى في عهدهم، فلما اطلع الناس على هذا الورق فيقال إنه أُخذ إلى الملك، ويقولون إن الملك كان نصرانيا مسيحيا يؤمن بالوحدانية، وبأن عيسى عبد اللَّه ورسوله، وكانت أخبار فتية الكهف كما يبدو تتوارث في الأوساط النصرانية المسيحية الموحدة، لأن أخبار اضطهاد الملوك والمضطهدين تتوارثها الأجيال جيلا بعد جيل، وإن أخبار أهل الكهف معروفة في الأوساط النصرانية على أنها أخبار لشهداء وصديقين، وقد رأينا ذلك في كتاب الكنز الثمين، ويقال إن الملك ذهب مع أحدهم الذي كان يشتري لهم الطعام، فأخذه إلى الكهف وذهب إلى الذين كانوا معه ولكنه لم يدخله بينهم.
بهذه الطريقة أعثر اللَّه تعالى عليهم، أي أطلعهم عفوا من غير قصد للاطلاع، ذلك أن أحدهم هو الذي عرفهم مصادفة بما معه من نقود تدل على تاريخها، والتاريخ النصراني العام عرفهم بأمرهم. قال تعالى:
стр. 6469
(وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)
وقوله تعالى: (لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا)، أي أن الإعثار عليهم بعد أن غيبوا وبعثوا ليعلموا بهذه الأدوار أمرين:
الأمر الأول - أن وعد اللَّه تعالى بالبعث والنشور، وأن الناس ينامون كما يموتون وأنهم يبعثون كما يستيقظون، وأنهم للجنة أبدا، أو للنار - أبدا - هو وعد حق.
стр. 6470
الأمر الثاني - أن الناس لم يخلقوا سدى، وأن الساعة وهي القيامة آتية لا ريب فيها، فلا يرتاب فيها مرتاب يدرك الحياة وغايتها ونهايتها.
ويظهر أنهم لم يعيشوا طويلا، بعد أن أعثر عليهم، بل ماتوا ولم يضرب على آذانهم فقط، وأنهم من بعدهم تنازعوا في أمرهم، ماذا يصنعون لهم تكريما لشأنهم، وثباتهم في الحق والبلاء.
ولذا قال: (إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ)، (إِذْ) ظرف زمان للماضي متعلق في الظاهر بقوله تعالى: (أَعْثَرْنَا)، أي أن النزاع في أمرهم يبنون عليهم بنيانا أو مسجدا، إنما كان في وقت العثور، وهذا يدل على أنهم لم يعيشوا إلا بقدر بعثهم والعثؤر عليهم ليكونوا حجة قائمة شاهدة حسية بعلمه، وماتوا فور هذا؛ ولذا كان زمن العثور هو زمن التنازع في أمرهم مما يدل على اتحادهما أو على قربهما قربا يشبه الوحدة الزمنية.
والتنازع هنا هو الاختلاف الذي يتضمن تعصب كل صاحب رأي لرأيه، حتى وصل إلى درجة التنازع، وقد اتفق الطرفان المتنازعان على ضرورة تكريمهم بإظهار علامة تشير إلى مكانهم ليكون ذلك حافزا على الثبات في اليقين والفداء للدين، فالتكريم كان لمعنى الصبر في البلاء مع قلتهم، فإنه كلما قل النصير كان الجهاد والصبر والبلاء المبين.
تنازعوا أمرهم علِى جانبين، فريق رأى أن يكون بنيانا يقام على قبورهم، (فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بنْيَانًا) كقاب أو نحو ذلك من الأبنية المعلمة، وإذا كانوا قد تنازعوا في تكريمهم فهم ليسوا بأعلم بأمرهم من اللَّه الذي حفظ أجسامهم فيها الحياة مع السكون على مر العصور، ويظهر أن الذين اتجهوا إلى بقاء ذكرهم بالبناء كانوا ممن يتأثرون بالرومان في تخليد موتاهم بالبنيان والأحجار؛ ولذلك اعترض القرآن الكريم على كلامهم بجملة معترضة، فقال عز من قائل: (رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ)، أي أن ربهم الذي خلقهم ورباهم على التقوى والإيمان وأفرغ في قلوبهم الصبر أعلم بأمرهم من هؤلاء الذين يريدون أن يبنوا عليهم بنيانا فهو وحده العليم بما هو خليق، وليسوا يكرمون بالبنيان إنما يكرمون بالجزاء الأوفى في الآخرة.
стр. 6471
(قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا)، الضمير في (أَمْرِهِمْ) يعود إلى المتنازعين، أي أن المتنازعين غلبوا على أمرهم، أن يبنوا مسجدا، وأكدوا بناء المسجد فقالوا: (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا)، أي فوق الأرض التي دفنوا فيها وأكدوا اتخاذ المسجد بلام القسم، وبالقسم، وبنون التوكيد الثقيلة، أي أنه رأى انتهوا إليه وجزموا به، وحسم النزاع عنده، واتخاذ المسجد منهي عنه إذا اتخذوا قبر النبي أو الرجل الصالح وثنا يعبد، أما إذا كان مجرد مكان للسجود، وإقامة الصلاة فذلك لَا يوجد فيه نهي قاطع.
وما عددهم؟. . قال اللَّه تعالى في عددهم:
стр. 6472
(سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)
من هم الذين سيقولون عن عددهم أنه ثلاثة أو خمسة أو سبعة، قالوا إنهم النصارى الذين يعرفون أخبارا من أخبار أهل الكهف، ونستبعد ما قالوه من أن اليهود قالوا أو لم يقولوا لأنهم كانوا بعد التوراة وهم لَا يعترفون بأهل الإنجيل، والنصارى الذين كانوا معروفين عند العرب اليعقوبيين، والنساطرة، فقالوا: إن اليعقوبيين قالوا: ثلاثة رابعهم كلبهم، وقالوا: إن النسطوريين قالوا: خمسة سادسهم كلبهم، وتطرح نسبة القول إلى هؤلاء أو هؤلاء، ولكن نقول إن القول قيل من هؤلاء أو هؤلاء أو غيرهم، وقد وصف القولين ثلاثة وخمسة بأنه رجم بالغيب، أي ظن في أمر مغيب عنهم لَا يعرفون له مصدرا ولا علما، وقد شبهت حال من يقول بغير علم بحال من يرمي سهما أو حجرا في ضلال من غير هدفٍ مقصود ولا غاية منشودة، (وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم)، ويلاحظ عند ذكر السبعة ثلاثة أمور:
الأمر الأول - أنه لم يذكر السين، فلم يقل وسيقولون سبعة، وحذفت السين اكتفاء بذكرها في الأمرين السابقين، أو لعدم التخمين والحدس فيها، ولأن
стр. 6473
القول فيها لم يكن كالقول في الأمرين السابقين، بل كان أقرب إلى الصدق، وإن لم يكن قطعا.
الأمر الثاني - أنه لم يذكر فيه أنه رجم بالغيب، بل هو نوع آخر، ربما كان أقرب إلى الصدق، أو على الأقل ليس فيه قطع بالكذب، ولا بالظن، وما دام لم يحكم بأنه رجم بالغيب، فاحتمال أن يكون له أساس قائم.
الأمر الثالث - أنه لم يذكر الواو في الأمرين الأولين فكان النص (سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ)، فكان ذكر الكلب على أنه في العدد وصف، فهو ليس منفصلا عنهم في العدد، أما في السبعة، فقد ذكر مغايرا لهم؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، وعبارات القرآن فيها الدقة والإحكام وأن تكون حروفه وكلماته كل في موضعه قد كان لغاية مؤداة ولم يكن عبثا.
وقد استنبط من هذا بعض المفسرين أن العدد الصادق هو سبعة، ونسب ذلك الرأي لعبد اللَّه بن عباس ﵄ الذي كان يقال عنه إنه ترجمان القرآن فقد روي عنه، وهو العربي القرشى الهاشمى أنه قال: حين وقعت الواٍ وانتهت المدة، ولأنه في العددين السابقين كان الاقتران بقوله تعالى: (رَجْما بِالْغَيْبِ) فاستأنس بذلك المفسرون وإن قول ابن عباس لَا يجوز أن يهمل في هذا؛ لأنه ليس كغيره من الأقوال إذ هو قول صحابي، وقول الصحابي إذا كان في أمر لا يُعلم بالاجتهاد المجرد فيحتمل على أنه سمعه من النبي ﷺ ويكون كالمرفوع تماما، وإن الأمر في هذا ليس للاجتهاد فيه موضع فيحتمل على أنه مرفوع.
وإنه قد جاء في كتاب " طبقات شهداء المسيحيين " أن عدتهم سبعة، ونذكر ذلك لَا لتقوية ما نقل عن ابن عباس، أو تزكيته ولكن لأنه عندهم؛ لأن علم النصارى الذين ثلثوا ليس علما متواترا، وليس له سند صحيح يعد ثقة من كل الوجوه، فضلا عن أن يكون متواترا كما ادعى بعض المفسرين في السنين الأخيرة، وأقرب الظن أنهم نقلوه من كتاب المسلمين، فبضاعتنا ردت إلينا، ويقول سبحانه آمرًا نبيه: (قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم)، أي قل يا رسولي لَا تخوضوا في هذا خوض
стр. 6474
المستيقن المذعن، فاللَّه وحده هو الذي يعلم عدتهم بعد مرور هذه القرون على بعثهم من الكهف، وموتهم الموتة الأخيرة التي يكون بعدها البعث والقيامة، والجزاء، (مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ)، أي مما كانت حالهم يعلمها عدد كبير تتناقله الأجيال تناقل جمع عن جمع حتى يبلغ حد التواتر المقطوع به، بل كانوا وجهادهم الأول عددا قليلا، وفي انبعاثهم لم يعلمهم إلا عدد قليل؛ الملك ومن يحيط به من حاشية، إن كان الملك قد علم، أو من تولوا إقامة المسجد حول قبورهم.
وإذا كان الذين تحملوا العلم بأمورهم عددا قليلا (فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا)، " الفاء " للإفصاح كما رأيت؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، المراء المجادلة برد ما يقول الخصم، والمراء منهي عنه لأنه يجر إلى قول الباطل ومجاراة الخصم، وكل مراء يجعل كل متكلم متعصبا لَا يقول؛ لأنه يستمسك برؤيته هو من غير التفات إلى رؤية غيره، وقد تكون هي الحق، فهو عماية عن النظر الكامل بمعرفة الأمر من كل وجوهه ولكن استثنى المراء الظاهر، وأميل إلى أنه استثناء منقطع، ولكن سمي مراء من قبيل المشاكلة اللفظية، ومعنى المراء الظاهر ألا يحاول تعرف مقدمات قوله، أو الأدلة عليه؛ لأن أسباب العلم غير متوافرة، فليكتف بما ذكر القرآن وهو الصادق الذي لَا ريب (وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهمْ أَحَدًا)، الضمير في (مِّنْهُمْ) يعود على ما يعود إليه الضمير في قوله تعالى: (سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ. . .) والظاهر أنهم أهل الكتاب من نصارى نجران، وغيرهم من أهل الإنجيل.
والاستفتاء معرفة الفتوى، أو الحكم، أو القول الصادق، أي لَا تحاول معرفة أحوال أهل الكهف من هؤلاء النصارى الذين يعاصرونك؛ لأنه بعد أن حرفوا ما حرفوا، صارت أخبارهم غير موثوق بها.
وإن أحوال أهل الكهف، وأخبارهم من شأنها أن تربى الإيمان في قلوب المؤمنين؛ ولذا ناسب هذا أن يأمر اللَّه تعالى بالتفويض، وأن يعلم المؤمن أن الأمور لا تسير إلا بإرادة اللَّه تعالى ومشيئته، وأن يذكر اللَّه دائما فقال تعالى:
стр. 6475
(وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)
هذا تأديب من اللَّه تعالى، ولكيلا يفتات إنسان على اللَّه تعالى فيتوَّهم أنه قادر مسيطر على ما يفعل، وأنه يفعل ما يريد شاءه أو لم يشأه سبحانه، وهو المالك لكل شيء الذي يشاء ويختار وحده، ولا خيرة لغيرِه في أمر خيرة مطلقة، إنما هي مقيدة دائما في حدود ما يشاء اللَّه سبحانه قال: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) النهي موجه للنبي ﷺ ، وموجه من بعده للمؤمنين بالأولى، لأن النهي له نهي لغيره، ولأن النهي له حيث لَا يترقب منه الافتيات على اللَّه يكون نهيا لغيره بالأولى، إذ النهي عن أمر مترقب الوقوع يكون أقوى من النهي غير المتوقع، وقد أكد سبحانه النهي بنون التوكيد الثقيلة، والنهي عن القول أي الاعتزام على العمل من غير تفويض، والإصرار من غير تعليق على مشيئة اللَّه.
وذكر الغد للإشارة إلى الإصرار، لأن تعيين الزمان دليل على العزم والإصرار، فإن الغيب في علم اللَّه وقدرته، وقد يكون فيه ما لَا يمكن معه العمل، وليست إرادة اللَّه في إرادته إنما إرادته هو في إرادة اللَّه تعالى، فما لَا يريده اللَّه لَا يقع أبدا، ولذا كان لَا بد من تعليق التنفيذ على مشيئة اللَّه تعالى والتوكل عليه، ولذلك كان الاستثناء
стр. 6476
(إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ... (٢٤)
(أن) وما بعدها مصدر منسبك، وهو في موضع الجر بالباء، وتحذف كثيرا قبل المصدر المنسبك منها ومما بعدها، ويكون التخريج على ذلك، ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا بمشيئة اللَّه بأن تقول معلقا عزمتك على قولك إن شاء اللَّه.
وهنا أمران بيانيان:
الأمر الأول - أن اللام في قوله تعالى: (لِشَيْءٍ) معناها لعمل شيء وبعض المفسرين قال إن (اللام) بمعنى في.
стр. 6477
الأمر الثاني - أن قوله تعالىْ (إِلَّا أَن يَشَاءَ) ذكر الفعل المستقبل دون الماضي للإشارة إلى أنه متعلق بالمستقبل، والمستقبل بيد اللَّه وحده وهو علام الغيوب فلا يعلم ما سيكون إنما يعلمه علام الغيوب.
وإن المؤمن يجب أن يكون ذاكرا للَّه دائما، لتستقيم حياته، ويستقيم أمره مع الناس ويكون مصدر نفع وخير لهم دائما، ولذا قال عز من قائل: (وَاذْكُرْ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ)، أي اجعل ذكر اللَّه تعالى ملء قلبك دائما، فلا تغفل عن ذكره، فإن بذكره تطمئن القلوب به، وتطب من أدوائها، ومن كان اللَّه تعالى في نفسه لا يغيب عنه لَا يضل ولا يشقى، وإذا غاب عنك أمر أو لم تتمكن من شيء فعسى أن يكون المغيب خيرا مما فات، وعسى أن المدخر له أغنى وأقنى؛ ولذا قال تعالى: (وَقلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا)، (الواو) عاطفة (قلْ) على (وَلا تَقُولَنَّ) فهو عطف الأمر على النهي، أي أنه نهاه سبحانه عن أن يعزم الأمر غدا، بل يعلقه على مشيئة اللَّه تعالى مفوضا إليه سبحانه راجيا الخير، متوقعا له، ويقوله في إرادته ورغبته.
واستثناؤه بالمشيئة رجاء أن يجعل اللَّه خيرا منه إذا فاته، فالأمور كلها بإرادته سبحانه ومشيئته العليا، ولن يكون شيء في الوجود إلا بمشيئته، فمعنى (وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي. . .) املأ نفسك رجاء بأن يحقق لك أمرا خيرا مما كنت اعتزمته من ناحيتين:
الناحية الأولى - أنه يكون أقرب منالا، وأسهل تحصيلا.
الناحية الثانية - أنه يكون خيرا رشدا وعاقبة، واللَّه تعالى عليم.
* * *
стр. 6478
مدة لبثهم في الكهف
قال اللَّه تعالى:
(وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦) وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)
* * *
الكلام في قصة أهل الكهف موصول بنور الرحمة، وفي الآية الأولى يتكلم عن مدة لبثهم في الكهف قد ضرب اللَّه تعالى على آذانهم سنين عدة، ذكرها أولا مجملة، وفي هذه الآية ذكرها سبحانه مبينة بالعدد من السنين، فقال سبحانه:
стр. 6479
(وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا).
وقد قالوا إن هذه السنين كانت بالسنين التي هي أصل العدد في الإسلام وقد قدروها بثلاثمائة سنة شمسية - بين بسيطة وكبيسة - ولنا أن نقول: إنه سبحانه ذكر الثلاثمائة، ثم زاد التسعة للتفرقة بين الشمسية والقمرية، وإنك لو أحصيت على أساس أنه كل ثلاث وثلاثين سنة وثلث تقريبا يزداد العدد سنة قمرية، فإن
стр. 6480
الفرق يكون تسع سنين، انظر إلى إشارات القرآن البيانية التي تدل على الإعجاز خصوصا في أمة أمية لَا تعرف الكتابة والحساب، وإن أمر اللَّه يؤكد هذا العدد، وأنه لَا يزيد ولا ينقص فقال تعالى: