فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤)
* * *
قص اللَّه تعالى في سورة الكهف ثلاث قصص تدل على قدرة اللَّه تعالى في أن يودع الإنسان من القوي ما يكون خارقا، وما يكون دالا على أن اللَّه يبدع ما لا يعرفه الناس في أعرافهم وبمقتضى سنة الوجود الإنساني التي سنها اللَّه تعالى له في هذه الأرض.
أولى القصص الثلاث - قصة أهل الكتاب الذين ناموا لتسع سنين وثلاث مائة، وتراهم أيقاظا وهم رقود، ويقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد، وقد تلونا من قبل الآيات الخاصة بهم، وذكرنا ما أدركنا من معانيها.
والقصة الثانية - قصة عبد صالح آتاه اللَّه من لدنه رحمة، وآتاه بعض العلم بالأسباب فيما يقدره اللَّه وصاحب نبيا من أولي العزم من الرسل، وهو موسى ﵇، ونتلو بين يدي القارئ قصصها إن شاء اللَّه تعالى.
والقصة الثالثة - قصة رجل آتاه اللَّه علما وحكمة وإذا كان لم يؤته علم الغيب فقد آتاه اللَّه تعالى علم الأشياء وما في الأرض وبه ختمت السورة.
وإذا كانت القصة الأولى تنبئ عن قدرة اللَّه تعالى في الإحياء، وفي بقاء الحياة مع اختفاء الحركة، والقصة الثانية تنبئ عن أن لكل شيء سببا، وإن كنا لا نعلمه فآتى اللَّه عبده الصالح علم بعضه، ففي القصة كيف يمكن أن تكون الأرض وما فيها علما للإنسان يأتيه بعقله واختياره فيأتي بالعجائب، بعد هذه المقدمة القصيرة نتناول آيات العبد الصالح.
كان موسى يسير مع فتاه على سيف البحر، يبدو أنه سيف البحر الأحمر من جهة الشرق، وجد العبد الصالح أنه وفتاه يسيران حتى بلغ مجمع البحرين، وإليك الآية الأولى قبل اللقاء بالعبد الصالح:
стр. 6547
(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠)
موسى ﵇ هو موسى بن عمران المذكور في القرآن، لأنه لم يذكر علم اسمه موسى سوى هذا الرسول الكريم، ومن يقول إنه موسى غيره، فهي دعوى بلا دليل ولا مصدر لها إلا ممن يشكك في القرآن بخلق أشياء لَا أصل لها حول عباراته، إبعادا لمعانيه عن المراد منها، وقوله (لا أَبْرَحُ)، أي لَا أترك السير (حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا)، وهذا يفيد أن المقصد الأول له أن يبلغ مجمع البحرين أو يسير حُقُبا، أي زمنا طويلا، أي ما شاء اللَّه تعالى أن يسير، ويظهر أن ذلك كان من موسى ﵇ لتعرف الأراضي والناس في مرتحله، أو ليرتاد لبني إسرائيل مقاما، وقد سبقهم للارتياد ليكفيهم مئونته أولا، ولينقلهم إليه بعد الاهتداء إليه وتعرفه، وقد وصل إلى مقصده وهو بلوغ مجمع البحرين، ولذا قال تعالى:
стр. 6548
(فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١)
ومجمع البحرين الذي بلغه نبي اللَّه تعالى موسى - عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم - يكون في المكان الذي خرج إليه موسى من أرض مصر، وقد خرج إلى سينا، والأردن، فهذه الأرض كانت المسار الذي يسير فيه، وهنا مجمعان كانا في ذلك الزمان، فكان هنا مجمع يلتقي فيه الخليج الفارسي بالمحيط الهندي وهنا مجمع يلتقى فيه البحر الأحمر أو بحر القلزم ببحر الأردن، وهو خليج العقبة ولا يهمنا أيهما، إنما يهمنا أن موسى ﵇ كان هدفه الوصول إلى مجمع البحرين أيهما في هذه المنطقة، وقد يكون قد سار إلى كل واحد منهما في نوبة من نوبات سيره، ويظهر أنهما في هذه الرحلة المتعرفة الباحثة التي يرتادها قد أعد للرحلة عدتها، فأخذ معه حوتا، يشويانه هو وفتاه في رحلتهما سدًّا للجوع، ولما بلغا مجمع البحرين تبين لهما أنهما تركا الحوت نسيانا له ولاشتغالهما بأمر الرحلة، وتعرف طرائقها المعبدة، ولذا قال تعالى: (فَلَمَّا بَلَغَا مجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا) والنسيان لم يكن وقت البلوغ ولكن تبين النسيان في ذلك، لأنهما بحثا
стр. 6549
عنه، فلم يجداه، ولم يكن الحوت ميتا، بل كان حيا؛ ولذا لما نسياه اتخذ طريقه فى البحر سربا، أي أنه أخذ يتقلب حتى وصل إلى البحر (فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا)، والسرب المسلك، وهو من سرب بمعنى سلك، ويظهر أنه لم يقف عند مجمع البحرين، بل اجتازه.
ولذا قال تعالى:
стр. 6550
(فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢)
كأنهما استمرا في سيرهما حتى جاوزا مجمع البحرين سارا برا؛ حتى وصلا إليه، ثم اجتازاه بعبوره في قارب حتى وصلا إلى البر الثاني دارسا متعرفا مرتادا.
عندئذ أحس بالنصَب، والنصب جعلهما يحسان بالجوع، والنصب هو التعب من الجهد المبذول، وأضاف اللقاء إليهما ولم يقل نزل بهما التعب؛ لأنه نصب مختار لهما ولطلبهما.
والفتى هنا هو الخادم أو التابع، والتعبير القرآني عن التابع أو الخادم بفتى، ولقد قال النبي ﷺ : " لا تقل عبدي وأمَتي، بل قل فتاي وفتاتي ".
قال ذلك موسى لفتاه، ويظهر أنه قد علم غياب الحوت قبل أن يعلم موسى، ولذا هو الذي أخبر بغيابه، ولعله باشر حاله وهو يتخذ سبيله في البحر سربا، ولذلك كان يعلم من بعد مكان غيابه، وهو مكان بجوار صخرة، فقال:
стр. 6551
(قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣)
تبين أنه كان يعلم غيابه وتركه، إذ أوى موسى إلى صخرة، رقد عندها من التعب كما أرهق التعب الفتى أيضا، فترك الحوت (وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا)، أي أنه تركه فالنسيان هنا بمعنى الترك والذهول، وما كان يحسب أنه سيتخذ طريقه إلى البحر بطريق (عَجَبًا)، فعجبا مفعول مطلق وصف لمصدر، فاتخذ طريقه إلى البحر اتخاذا عجبا، وما كان يحسب أنه سيفعل ذلك، إذ كان في مكتل فخرج منه وأخذ طريقه إلى البحر.
стр. 6552
وقد اعتذر الفتى اعتذارا كاملا، فقال: (نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ) فاعترف بأنه يتحمل خطأ ذهاب الحوت؛ لأنه ترك الاحتياط وكان يجب أن يكون يقظا.
ويظهر أن موسى ﵇ كان قد علم من ربه أن العبد الصالح سيلقاه عند الصخرة، ولكنه تركها وهو مار ورقد عندها ولم يتنبه بسبب الرقود عندها أنها الملتقى، ولكن اللَّه تعالى رده إليها، بعد أن تنبه إلى أن الحوت ترك عند الصخرة فكان لَا بد من العودة؛ ولذلك قال:
لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤)
* * *
التقى موسى بالخضر ﵉، وجاء في البخاري عند لقاء موسى وصحبه بالخضر. وجدا الخضر على طنْفِسة خضراء على كبد البحر مسجى بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه، فَسَلَّم عليه موسى فكشف عن وجهه، وقال: هل بأرضك من سلام!! من أنت؟ فقال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؛ قال: نعم، قال: فما شأنك؟، قال جئت لتعلمني مما عُلِّمت رشدا (١).
وقال الثعلبي في كتاب العرائس، أنه قال عند رد السلام " وأنى بأرضنا السلام، ثم رفع رأسه واستوى قائما، ثم قال: وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل، فقال موسى ﵇: وما أدراك بي؟، ومن أخبرك أني من بني إسرائيل؟ قال: الذي أدراك بي ودلك عليَّ، ثم قال: يا موسى لقد كان لك في بني إسرائيل شغل، قال موسى: إن ربي أرسلني إليك لأتَّبِعك وأتعلم من علمك.
هذا هو اللقاء، بين علم النبوة وعلم القدر الذي آتاه اللَّه بعض أسباب عمله سبحانه وهو الحكيم، وقد اعتمدنا في خبر اللقاء على المروي لأنه لَا تَزَيُّدَ فيه، ولأنه متلاق مع النص القرآني أشار إليه، ونبه عليه.
الفاء في قوله تعالى:
стр. 6555
(فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا) هي فاء العطف التي للتعقيب والترتيب، أي أنه عقب الوصول إلى الصخرة وجدا عبدا من عبادنا، وجعل سبحانه اللقاء مع موسى وغلامه لتسوية الصحبة وإعطاء الغلام حقه من
стр. 6556
الكرامة، ووصف اللَّه العبد الصالح قال: (آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) الرحمة النعمة، والرحمة بالناس إذ يفعل ما يكون فيه صالحهم قابلا، وإن لم يعلموه عاجلا، والعلم الذي من لدن اللَّه تعالى العلم بعواقب الأمور، بالإدراك الباطني، وقد وازن بعض المفسرين بين علم موسى، وعلم العبد الصالح الخضر، فقال: علم الخضر علم معرفة بواطن قد أوحيت إليه لَا تعطى ظواهر الأحكام أفعاله بحسبها، وكان علم موسى علم الأحكام والفتيا بظاهر أقوال الناس وأفعالهم.
والحق أنه يضاف إلى ذلك أن علم الخضر علم الأسباب في بواعثها، وعلم موسى علم الأسباب في واقعها، كما سنرى ذلك في المجاوبة التي كانت بينهما.
طلب موسى ﵇ من أن يأذن له باتباعه، فقال:
стр. 6557
(قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)
سأل موسى ﵇ الخضر سؤال التلطف المستأذن في الاتِّباع، فلم يرد أن يظهر بمظهر المقحم لنفسم المتهجم بها، وقد قال القرطبي: " هذا سؤال الملاطف، والمخاطب المستنزل المبالغ في حسن الأدب، المعنى: هل يتفق لك، ويخف عليك " وهذا بلا ريب تعليم لآداب الصحبة أنها تكون باتفاق النفوس، وتلاقي القلوب، والاستفهام لبيان إرادة الاتباع في أبلغ أدب، وبين سبب ذلك الطلب، فقال: (عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا)، و (رُشْدًا) مفعول لـ (تُعَلِّمَنِ)، أي أتبعك على أن تعلمني رشدا مما علمت، و (عَلَى) تفيد الشرط، أي أن هذا الاتباع لغاية؛ ولذا كان شرطها أن تعلمني رشدا مما علمك الله تعالى، وبني الفعل للمجهول؛ لأن المجهول في اللفظ معلوم في الحقيقة، فقد سبق قوله تعالى: (وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) وتوقع الخضر ﵇ ألا يصبر؛ لأنه ستقع منه أمور غريبة في ظاهرها، ولا يصبر أحمد على الغريب من غير أن يتعرفه، فقال تعالى:
стр. 6558
(قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨)
أكد أنه لَا يستطيع صبرا على ما يقع منه؛ لأنه أوتي علم الوقائع في صورها الظاهرة، ونتائجها المعروفة، وأكد أنه لَا يستطيع الصبر، بـ " إنْ "، و " لن "، والآية بعدها:
стр. 6559
(وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا).
وقوله: (لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)، أي في صحبتي صبرا؛ لأنك ستجد غرائب بالنسبة لك، ولا تصبر على أمر لم تحط به خبرا، الإحاطة بالخبر العلم به في واقعه ونتائجه، وأنت ستعلم الواقع. ولا تعلم نتيجة هذا الواقع التي لَا يعلمها إلا اللَّه تعالى وقد علمني بعضه سبحانه، وأحاط بالأمر، أي كان عالما به، كقوله تعالى: (. . . أَحَاطَ بِكل شَيْءٍ عِلْمًا)، وأحاط به خُبْرًا معناه أحاط متصلا به خبرا، بالاختبار والمعاينة، ومؤدى هذا الكلام أنه يقول لموسى ﵉ إنك لَا تعلم إلا ما تختبره وتعاينه، ولا تعلم نتائج الأعمال الظاهرة التي يقدرها اللَّه في علمه المكنون.
وعَدَه موسى ﵇ بالصبر تعليما لكل ذي حاجة أن يكون في طاعة من يحتاج إليه إذا كان في الخير:
стр. 6560
(قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩)
السين لتأكيد ما يقع في المستقبل، وهنا نجد كلام كليم اللَّه موسى اشتمل على ثلاثة أمور: أمران فيهما الطاعة، وأمر فيه التعليق على مشيئة اللَّه:
الأمر الأول - وعده بالصبر، فقال: (سَتَجِدُنِي)، أي إني منفذ ما طلبت، وستجد ما طلبت وهو الصبر قائما، على أنه وصف مستمر، ولذا قال: (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا).
الأمر الثاني - أنه تأدب بتأدب تعلق على المشيئة، كما أمر اللَّه نبيه محمدا فقال: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ) فهذا تأديب اللَّه تعالى لأنبيائه وعباده الصالحين.
стр. 6561
الأمر الثالث - أنه قال: (وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا) وذلك أدب الاتباع، فالاتباع يقتضي الطاعة، والصحبة تقتضي عدم المنافرة والمخالفة.
أخذ العبد الصالح يبين حدود الصبر، وأنه صبر على الامتناع عن السؤال عن سبب الفعل مع غرابة الفعل في ذاته، وهذه طاقة عالية في الصبر، فإن العقل طُلَعَة يريد تعرف سبب كل واقع، وسر كل مجهول، فقال:
стр. 6562
(قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠)
قال العبد الصالح لموسى وقد وعده بالصبر، والفاء للإفصاح عن الاتباع المشروط بالصبر، أي إن صبرت فاتبعتني فمقتضى ذلك ألا تسألني عن شيء تستغربه، (حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا) لعلته، أي لَا تسألني حتى أبادئك بالبيان، وذلك من مقتضيات الصبر، ومن آداب المتعلم أمام المعلم، والتابع للمتبوع لا يبادره حتى يبين هو ما عنده، والتعبير بالذكر يشير إلى أن ما يخبر به من بعد هو تذكير بقدرة اللَّه تعالى.
بعد هذه المواثيق بين موسى كليم اللَّه تعالى والعبد الصالح ﵉ أخَذَا في السير؛ ولذا قال تعالى:
стр. 6563
(فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١)
(الفاء) في (فَانطَلَقَا) للترتيب والتعقيب، أي أنهما عقب أخذ هذه المواثيق، انطلقا فور ذلك الاتفاق، والتعبير بـ (انطلقا) يومئ إلى أن كليهما فرح بهذه الصحبة وسارا ما شاء الله أن يسيرا إلى أن وجدا سفينة، وكان السير على سيف البحر، (حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا)، أي أنه خرقها وقت أن ركبها، وفى الصحيحين أنهما لم يدفعا أجرا، وخلع لوحا منها، لم يدرك موسى ﵇ الذي أوتي علم المباح والممنوع، ولم يعط من علم الغيب شيئا، لم يدرك، فقال: (أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا) اللام في (لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا) لام العاقبة،
стр. 6564
أي لتكون النتيجة أن يغرق أهلها، والأمر الإمر هو الأمر الخطير العظيم في ذاته من قولهم أَمِرَ الأمر إذا عظم، كما قال أبو سفيان متهكما: لقد أمِرَ أمْرُ ابن أبي كبشة، عندما رأى هرقل يهتم بأمر النبي ﷺ ويسأل عنه.
لم يسأل موسى ﵇ عن السر، ولكنه أبدى استغرابه، ولم يستطع الصبر، ولذا قال العبد الصالح:
стр. 6565
(قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢)
الاستفهام بمعنى النفي، ونفي النفي إثبات وهو هنا يفيد الاستنكار والتوبيخ، والمعنى لقد قلت لك إنك لن تستطيع معي صبرا؛ أي في صحبتي صبرا، لأنك تسير مع ما يحكم به على الأشياء والأعمال في الحياة، والعبد الصالح يعلم علم الحقيقة، وهو نتائج الأعمال في العلم المغيب عن الناس جميعا في هذه، فهو يخالف بين العلم بالأحكام التي تحكم بين الناس، والعلم بالحقائق التي يقررها اللَّه تعالى، ونتائجها، فالفرق بين العلمين، العلم بما ينظم الناس عليه أمورهم والعلم برب الوجود، وما قدره الله تعالى.
أدرك كليم اللَّه تعالى خطأه، واستدرك أمره، فقال معتذرا:
стр. 6566
(قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)
لا تؤاخذني بطلب رفع المؤاخذة بسبب النسيان، فـ " ما " وما بعدها مصدر، والنسيان يرفع المؤاخذة ويسقط التبعة، وما تركت من وصيتك من ألا أسألك عن شيء قبل أن تحدث أنت منه ذكرا - إلا للنسيان (وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا)، أي لا تشتد على في التعنيف فيكون الإرهاق الشديد، والمعنى اللفظي لَا ترهقني عسرا من أمري فتغلظ على الصحبة التي أريدها.
ولكنهما سارا مصطحبين، فكان أمر أشد غرابة، وأعنف مظهرا من خرق السفينة، وهو قتل غلام، ولقد قال تعالى:
стр. 6567
(فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤)
انطلقا سائرين على سيف البحر، ولكن حدث ما أثار استغراب موسى بل استنكاره (حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ)، أي أن السير استمر إلى غاية، وهو لقاء غلام، والفاء في قوله تعالى: (فَقَتَلَهُ) للتعقيب، أي أنه قتله فور لقائه، وهذا يدل على أنه لم يرتكَب ما يسوغ القتل؛ إذ إن القتل كان فور اللقاء.
وهنا يتخالف مع علم الحلال والحرام، وعلم الحقيقة الغيبية فيكون الاستغراب، ويقول موسى الكليم مستغربا لائما (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكيَّةً)، أي طاهرة غير معتدية نامية، لأنها في باكورة حياتها، إذ التزكية التنمية، بغير مسوغ يسوغ لك هذا الفعل؛ ولذا قال بغير نفس، أي حتى يكون القتل قصاصا لَا اعتداء فيه (لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا) أي أمرا منكرا في ذاته تستنكره العقول، ويخالف كل معقول.
وقد كان الفعل شديدا، والاستنكار شديدا، وهو أيضا من التخالف بين علم الحلال والحرام، وعلم الحقيقة الغيبية، وقد وصفه كما ذكرنا بأنه شيء نكر، تنكره العقول وكل عرف إنساني، وقد كان اللوم على الاستغراب أشد.
ولقد قال تعالى في بقية القصة الصادقة:
* * *
(قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي
стр. 6568
وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)
* * *
كان استغراب موسى شديدا، وكان معه استنكار ووصف له بالنكر، ولذلك كان التذكير بأنه لم يستطع صبرا بأسلوب قوي فيه لوم أشد، فقال تعالى:
стр. 6569
(قَالَ أَلَمْ أَقل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا).
فقد زيد (لَكَ) عن اللوم السابق الخاص بخرق السفينة، وهي تفيد مزيد اللوم، إذ إنه يذكره بأن الخطاب كان له، وفي ذلك فضل توكيد للوم، لأنه لم يكن الخطاب لغيره، بل كان له ابتداء، والاستفهام للإنكار بمعنى إنكار الوقوع مع اللوم وتحقيق القول، والمعنى لقد قلت لك إنك لن تستطيع معي صبرا، وفيه تأكيد لعدم الاستطاعة بالجملة الاسمية و " إن " الدالة على التوكيد، و " لن " المؤكدة للنفي، وتنكير الصبر، أي صبرا كان قليلا أو كثيرا.
لقد قال موسى لصاحبه في المرة الأولى: (وَلا ترْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا)، أي لَا ترهقني عسرا من أمري، فتجعلني في عسر من صحبتك بل تغاض، وسهِّل
стр. 6570
الصحبة وقرِّبها، أما في هذه المرة فقد أحس بشدته هو على العبد الصالح، إذ قال إن ما فعلته نكر.
أحس موسى - كليم اللَّه تعالى - بشدة اللوم، وأحس بأنه كان منه ما أوجبه، ولذا قال في حال تشبه الاعتذار:
стр. 6571
(قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦)
اعتزم موسى ﵇ ألا يسأله عن شيء بعد هذه المسألة، وفي الواقع إن ما كان منه اعتراض وليس بسؤال؛ لأن السؤال استفسار، وليس فيه حكم على الفعل بأنه خير أو شر، أو بأنه موضع ملام أم ليس بموضع، وكلام موسى ﵇ كان يحمل معنى اللوم لَا الاستفسار ولكنه سماه سؤالا؛ لأنه أمره بالصبر وخالفه، وتأدبا معه في القول فأراد أن يحمل كلامه على أنه استفسار، وليس باعتراض، وقوله تعالى: (بَعْدَهَا) الضمير يعود إلى مفهوم القول، وهو المنكرة التي أنكرها على العبد الصالح؛ إذ رماها بأنها نُكْرٌ تستنكره العقول والأفهام، وفي هذا ترشيح للاعتذار عن العبد الصالح، وتمهيد لقوله تعالى: (قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا)، أي فقد كان بلغت عذرا في لومك لي، والمعنى أعذرت لنفسك عندي، و (لَّدُنِّي) يعني عندي، ولا تكون إلا للعندية في أمر خطير، وأكثر ما تكون للعندية عند اللَّه تعالى كقوله تعالى: (. . . مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ).
استمرا في سيرهما مراقبين لأعمال العباد، فقال تعالى:
стр. 6572
(فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧)
سارا منطلقين إلى الغاية التي أرادها موسى من العبد الصالح؛ لأن اللَّه آتاه رحمة من عنده وعلمه من لدنه علما، (حَتَى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ)، وإن الذي يسير لا يأتي أهل القرية أولا، أنما يأتي القرية أولا بمبانيها، وطرقها، ويتعرف أهلها،
стр. 6573
ولكنه ذكر الأهل أولا - لأنهم لهم شأن في هذا اللقاء وهو اللؤم، وفساد النفس كما يبدو مما يأتي: (اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا)، أي فور اللقاء معهم طلبوا الطعام، فالسين والتاء للطلب، طلبا الطعام، لأنهما كانا في جوع شديد، وألأم القرى الذين لا يقرون الضيف ولا يطعمون ابن السبيل الذي يكون في مكان قد انقطع عنه زاده، وإن كان غنيا في مكانه، فأجابوهما عن الاستطعام بالامتناع؛ ولذا قال تعالى: (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا) والتضَيُّف طلب الضيافة بشدة الحاجة، وردها بشدة مع ظهور الحاجة، وهل يكون ظهورا أشد من الاستطعام وكان تكرار ذكر أهلها؛ للدلالة على لؤم القوم، وفساد المروءة.
ومع ما بدا عليه أهل القرية من بخل رأى جدارا آيلا للسقوط فأقامه؛ ولذا قال تعالى: (فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ)، أي أن موسى والعبد الصالح وجدا جدارا قد تداعي للانهيار أو آل للسقوط فأقامه مع أهلها، وقد عبر اللَّه تعالى عن الأيلولة للسقوط بقوله سبحانه: (يُرِيدُ أَن ينقَضَّ)، أي ينهار والإرادة هنا تعبير مجازي، فقد شبه الجدار الذي مال للسقوط بإنسان له إرادة، وأراد أن يقع، وينقض تجريد للإجازة؛ لأنه وصف يناسب المشبه، ولقد أفاض الزمخشري بباعه الطويل في البلاغة في هذا المجار فقال: (يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ) استعيرت الإرادة للمداناه والمشارفة، كما استعير الهم والعزم. . . . قال حسان:
إن دهراي لف شملى بِحُمْل ... لزمان يهم بالإحسان
وسمعت من يقول: عزم السراج أن يطفأ، وقول اللَّه تعالى: (. . . قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ).
وقد ضرب على ذلك أمثلة كثيرة، لقد أخبرنا اللَّه تعالى أنه أقامه، ولكن لم يبين لنا سبحانه كيف أقامه، أهدمه ثم أقامه من جديد؛ أم أقام أعمدة سندته أم رمَّ ما فيه من ثغرات؟، لم يبين القرآن ذلك، ولا تستطيع معرفته بروايات من غير القرآن إلا أن تكون سنة نبوية ثبتت بسند صحيح، لَا مرية فيه، ولا وهن، وإن كنا
стр. 6574
نميل إلى أنه هدمه وبناه، كما سيبين في أنه كان لغلامين يتيمين، وكان تحته كنز والأمر أثار استغراب كليم اللَّه تعالى موسى لأنهم أنذال، وكلف نفسه إقامة جدار أراد أن ينقض؛ ولذا قال لصاحبه: (لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا)، أي أنه عمل نافع لقوم لئام يستحق أجرة وهما في حاجة إليها، وقوله تعالى: (لَوْ شِئتَ)، أي يمكنك أن تأخذ عليه أجرا لو أردت، وهذا بلا ريب اعتراض وإن كان خفيفا؛ لأنه لم يقل أنه أَمْر إِمْر، ولا أَمْر نُكر، ومهما يكن فإنه لَا يخلو من اعتراض ولوم ورغبة في أن يأخذ أجرا، ولقد أنهى بعدها الصحبة العبد الصالح، فقال:
стр. 6575
(قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨)
الإشارة إلى الأمر الأخير، وهو قوله: (لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا)، أي أنه ترك الأجر لقوم غير كرام، بل هم لئام وذلك يدل على أن مغبة عدم الأجر ترجع إليه لأنه لم يشأ أن يطلبه.
كانه بهذا يشير إلى أن كثرة المجاوبات وعدم الصبر هو الذي كان سبب الفراق بيني وبينك، أي أن هذا هو الحد الفاصل بيتنا، ويصح أن تكون الإشارة، إلى النهي عن المصاحبة، إذا سأله فقد قال موسى: (إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي).
ومهما يكن ما يشير إليه اسم الإشارة، فالمعنى أن ذلك هو الحد الفاصل الذي فرق بينهما في هذه الصحبة، فهو إيذان بانتهاء المصاحبة التي كان منها ذلك التعليم مما علمه اللَّه تعالى.
وبعد أن أنهى المكالمات بينهما، أخبره بسبب ما فعل، أو الغاية والمآل من فعله فقال: (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا) الإنجاء: الإخبار بالأخبار الخطيرة والتأويل معناه معرفة المآل، والسين للإخبار المؤكد في المستقبل، وقوله
стр. 6576
تعالى: (مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا) قدم (عَلَيْهِ) على (صَبْرًا)؛ لأن ذلك أدعى للاهتمام.
أخذ بعد ذلك ينبه بالسفينة، ثم بقتل الغلام، ثم بإقامة الجدار، فقال تعالى:
стр. 6577
(أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)
بعد ذلك أخذ في تفصيل أو تفسير ما فعل وغايته الغيبية أو المال العيني، (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ)، المساكين هنا جمع مسكين، وليس هو المسكين القسيم للفقير الذي هو أدنى حالا من الفقير، عند بعض الفقهاء، - أو أعلى حالا من الفقير على قول آخرين، إنما المراد الضعيف الذي لا قوة ولا سطوة لقلة في العدد، أو لاستخذاء أمام قوي غالب، والمراد لقوم ضعفاء، كانوا يعملون في البحر بحارة أو تجارا، ولم يكونوا ذوي قوة تغلب أو تقهر، وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا وراءهم في السير، أي أنهم يسيرون ويسبقونه، ويكون هو بعد سيرهم، فهو يستقبلهم، ويغتصب سفينتهم لضعفهم واستكانتهم، وقوله تعالى: (فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا) فهي مقدمة عن تأخير؛ لأن سبب إرادة عيبها أن وراءهم ملكا إلى آخره، والسبب مقدم على المسبب، ولكنه قدم هنا إرادة العيب على سببها؛ لأن إرادة العيب هي سبب لمنع الغصب قدمت عليه، إذ هذا العيب يحمى هؤلاء المساكين وسفينتهم من الغصب، إذ يراها ليست مما يرغب فيه، فيمتنع عن غصبها لَا كراهية للغصب في ذاته ولكن استحقارا لها بعد هذا العيب.
والعيب يمكن إصلاحه، والمهم إنقاذ السفينة من اغتصاب المغتصب.
وإن هذا التأويل يدل على أن ظواهر الأمور قد تكون ضارة بادي النظر، ولكنها في غايتها، خير وفير، (. . . وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لكُمْ. . .).
هذا هو تأويل خرق السفينة أو بيان مآله، أما قتل الغلام فقد قال فيه كما حكى اللَّه تعالى عنه:
стр. 6578
(وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١)
والغلام يطلق على الصبي المراهق الذي لم يبلغ الرشد، وقد قتله كما تلونا، واستنكر موسى - كليم اللَّه تعالى - بعلم الحلال والحرام تلك القتلة، ووصفها بأنها أمر نكر، وهذا تأويل تلك الفعلة، أي معرفة مآلها، ونتيجتها، يقول العبد الصالح الذي آتاه اللَّه تعالى علما من لدنه (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ)، أي ولم يكن يرجو أن يكون ولدا صالحا تَقَر به أعينهما بتقواه واستقامته، بل توقع منه الشر أو علمه مما علمه اللَّه تعالى، ولذا قال: (فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وكُفْرًا)، أي علمنا مما علمنا اللَّه أنه سيكون منه شر كبير، فبسبب ذلك خشينا أن يكون منه إرهاق نفسي ومادي لهما ويطغى عليهما ويكفر، فمعنى (أَن يُرْهِقَهُمَا)، أي ينزل بهما رهقا (طُغْيَانًا) يطغى به عليهما فلا يكون بارا بهما، بل يكون عاقا لهما يؤذيهما، (وكفْرًا) يكون سبة لهما، ومصدر إيذاء.
قتله لذلك، ولأنه أراد لهما ذرية طيبة طاهرة تقر به أعينهما؛ ولذا قال:
стр. 6579
(فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١)
يتكلم بلغة المتكلم ومعه غيره، وهذا يسير إلى أن اللَّه معه فهي ليست إرادته وحده، إنما هي إرادة اللَّه ، وهو لها منفذ، فلم يجعلها له وحده لأنها ليست إرادته وحده، ولم يجعلها للَّه تعالى؛ لأنه لم يجد من الأدب أن ينسب القتل للَّه تعالى.
وهنا يسأل سائل: لماذا قال في السفينة (فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا) ولم يقل بلسان المتكلم ومعه غيره؛ لأن خرق السفينة ليس في حظ القتل فصح أن ينسبه لنفسه، وإن كان بأمر اللَّه، أما القتل فأشار إلى أنه بأمر اللَّه تعالى لخطورته، وأسند التبديل إلى اللَّه؛ لأنه لَا يكون إلا منه، (الفاء) هنا تفيد السببية الظاهرة، أي أنه بسبب ما يخشاه منه من الكفر والطغيان كانت إرادة التبديل، وقوله تعالى: (أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ)، أي أن يجعل بدلا منه يحل محله خيرا منه زكاة، أي طاهرا ناميا، وأقرب رحما، الرُّحم بضم الراء تطلق ويراد منها الرَّحمة، وتطلق ويراد
стр. 6580
منها الرَّحِم، وعلى الأول يكون المعنى خيرا منه طهارة، وأقرب رحمة، أي أدنى إلى الرحمة والبر من هذا الذي يرهقهما طغيانا وكفرا، وعلى الثاني أقرب رحما، أي أوصل لرحمه، وأحفظ لحق الأبوة، فيكون منه الطهارة والبر بهما، فلا يكون كفر وشرك، ولا طغيان عليهما، ويكون قد دبر لهما اللَّه بالولد الذي لَا يرجى منه خير من يرجى خيره وبره وصلته الرحم، ويلاحظ أن الأوصل رحما لَا يكون بره لأبويه فقط، بل يكون لأسرته كلها لهما، ولمن يتفرع منهما أو من أجدادهما.
بعد ذلك أجاب عن الجدار، ولماذا أقامه؟
стр. 6581
(وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)
الغلامان كانا صغيرين كما يدل على ذلك وصفهما باليتم، فإنه لَا يُتم بعد البلوغ إلا أن تكون آفة في العقل أو النفس، واللفظ يطلق على ظاهر ما لم يقم دليل يوجب تحويله عن الحقيقة إلى المجاز، وإطلاق اليتم على البالغ مجاز، ولقد قال ابن عباس في هذا المجاز الرجل يتيم ما لم يرشد ولو بلغ الأربعين، ولكن ذلك مجاز لَا حقيقة.
(وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) الأب هو الأب القريب؛ لأنه لَا يكون يتيما إلا إذا كان قد فقد الأب القريب، ولا يكون الصلاح ممتدا إلى الأبناء كما تشير الآية إلا إذا كان الولد صبيا، كما قال النبي ﷺ : " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له " (١) فصلاح الأبناء ينسحب خيرا للآباء، وكذلك صلاح الآباء.
وكان تحت هذا الجدار كنز لهما، وَرثَاه عن أبيهما الصالح فيما يظهر، والكنز المال الكثير المدفون في باطن الأرض بدفن الإنسان، وهذا الكنز مضيع إن
стр. 6582
لم يستخرج، وقد أراد الله تعالى أن يستخرج كنزهما، وهذا قوله تعالى: (فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا)، والأشد هو القوة، وقد شرحنا اشتقاقه، أي أن يبلغا قوتهما في الجسم والعقل، والرشد في التعامل (وَيَسْتَخْرِجَا كنزَهُمَا)، واستخراج الكنز طلب إخراجه، والعمل على ذلك منهما أو من غيرهما ممن له صلة بهما، فالسين والتاء للطلب، وذكر إرادة اللَّه دون إرادته هو، وإن كانت إرادته تابعة لإرادة اللَّه ؛ لأن هذه الإرادة الإلهية متعلقة بأمر في المستقبل يتصل بالتكوين وهو بلوغ الأشد، وأن يحصلا على كنزهما بعد محاولة استخراجه ببذل ما يبذل في سبيل ذلك عادة (رَحْمَةً مِن رَّبِّكَ)، أي لأجل الرحمة من ربك الذي هو الحي القيوم الذي يرب الوجود جميعا، أحياء وغير أحياء.
وهنا نجد أن إقامة الجدار كان لأجل استخراج الكنز، وإن ذلك لَا يتم فيما يظهر إلا بهدم الجدار أولا ليظهر ما تحته من كنز، ثم إقامته من جديد بعد كشف ما تحته.
ثم أشار العبد الصالح إلى أن ذلك بأمر الله وتكليفه فقال: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي)، أي ما فعلته صادرا عن أمري، بل منفذا أمر الله، وليس لأحد أن يعترض على أمر اللَّه تعالى: (ذَلِكَ تَاوِيل مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا)، أصلها ما لم تستطع صبرا عليه، حذفت التاء تخفيفا في النطق إذ يصعب النطق بالتاء التي يعقبها الطاء لتقاربهما في المخرج، ولم تحذف في (لَن تَسْتَطِيعَ)؛ لأنها متحركات بخلافها هنا فالأولى مفتوحة والثانية ساكنة، الإشارة إلى معرفة المآل في سر خرق السفينة وقتل الغلام، وإقامة الجدار، وإن ذلك من أمر اللَّه تعالى؛ لأنه يتعلق بالغيب، ولا يعلم الغيب إلا اللَّه ومن يتكلم عن الغيب إنما يأخذ من علم اللَّه الذي علمه بعض عباده الصالحين.
стр. 6583
العبرة في هذه القصمة
أجمعت كل الصحاح على أن العبد الصالح هو الخضر، ويلاحظ أن القرآن الكريم ذكر أقواله ومجاوباته مع كليم الله موسى ﵉ ولم يذكر عن شخصه إلا أنه عبد من عباد اللَّه آتاه رحمة، وعلمه من لدنه علما، فإذا ثبت في الصحاح أن اسمه الخضر، وهو من الخضرة والنضرة نقبله غير معترضين، ولكن راضين خاضعين مذعنين، والعبرة في القصة بمعانيها، ولا مشادة في الاسم بالنسبة لها.
وإن القرآن الكريم ذكرت فيه على أنها قصة قد وقعت ومجاوبات قد قامت بين موسى، والعبد الصالح فهي واقعة صادقة، ولا مساغ لتفسيرٍ بغير أنها خبر قد وقع وثبت.
ولكن قد أثير كلام حول رؤية الخضر أكان مرئيا بالعيان كما ترى الأشخاص، أم أنه كان مرئيا فقط لموسى ﵇، وأنه لم يُر وهو يخرق السفينة إلا لموسى فقط، ولم ير وهو يقتل الغلام إلا لموسى، وكذلك عندما أقام الجدار، ولو أنه رؤي وهو يقتل الغلام لطارده الناس وما تركوه، وكذلك الجدار فإنه يحتاج إلى هدم وإقامة، وينظر الناس إليه وهو يهدم ويبني، ويظهر الكنز، وكل هذا يحتاج إلى زمن طويل يكون مرئيا فيه للناس.
وإني أميل إلى أن الرؤية كانت خاصة بموسى ﵇، كما يشاهد الأنبياء الملائكة، ومع ميلنا لهذا نقول: " إن اللقاء الأول كان مرئيا فيه لموسى ولغيره؛ لأن اللَّه يسند فيه الرؤية لموسى ولفتاه "، فيقول اللَّه تعالى: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا).
ولعل السبب في أن الفتى لم يذكر له خبر في مسألة السفينة والغلام والجدار وكان يذكر الحديث عن اثنين فقط هما موسى والخضر، ولا يهمنا أين تركه وفي أي مكان افترق عنه فتاه.
стр. 6584
وإن القصة تضمن معنى جليلا، وهو أن علم الغيب هو علم اللَّه الذي اختص به سبحانه يعلِّمه من يشاء، وأن طاقة الإنسان الفكرية لَا تكون إلا في ظواهر الأعمال، والنتائج التي تكون ثمرة الأسباب الظاهرة، فعلينا أن نسير فيها على مقتضاها، ونبني أعمالنا عليها، ولكن مع ذلك نفرض أن الأسباب لَا تنتج بذاتها، إنما ينتج بإرادة اللَّه تعالى، وبمقتضى علمه المكنون الذي أحاط بكل شيء علما؛ ولذا أمرنا بعد اتخاذ الأسباب أن نتوكل على اللَّه تعالى، مفوضين الأمور إليه، ولذا يقول اللَّه تعالى: (. . . وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْت فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ. . .).
وأن ما يجريه اللَّه تعالى معنا ربما لَا يتفق مع ما نرغب، ولكن قد يكون ما غيبه اللَّه تعالى خيرا لنا، كما رأينا في خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار فإنه في هذه الأمور كان خرق السفينة الذي هو عمل اللَّه تعالى سخر له عبدا صالحا من عباده خفي أمره على الناس.
ومن الفوائد التي اشتملت عليها الآيات أن رحمة اللَّه تعالى تعم دائما ولا تخص، وأن رحمته تكون على الضعفاء، فقد قدر أن السفينة كانت لمساكين يعملون في البحر، فقرر أن تخرق لتكون معيبة، فلا يأخذها الذي يأخذ كل سفينة غصبا، وهذه من رحمة اللَّه تعالى بالمساكين الذين يعملون في البحر صائدين أو ناقلين لما ينفع الناس.
وإن قدر اللَّه تعالى يجري على بقاء الصالح، وفناء غير الصالح، ولذا قتل الخضر الغلام الذي خشي أن يرهق أبويه الصالحين طغيانا ويبدلهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما.
وفى القصة من الآداب الإنسانية، والأخلاق العالية الكثير، فنرى أنه يجب على الإنسان أن يطلب العلم، وأن يبذل الجهد في طلبه غير مدخر في ذلك جهدا؛ فهذا موسى ﵇ يسير في طلب العلم حتى يلقى النصب.
стр. 6585
وفى القصة أيضا ما يجب من ألا يجعل الاستغراب أساسا للحكم على الأشياء فقد يكون الأمر المستغرب أصدق الأمور، وأقربها إلى الحق وأحسنها مآلا، كما رأينا في السفينة وفي الجدار فلا يُردّ الأمر لأنه غريب، ولكن يرد لضرره، أو لأن مآله ضر. وفيها أيضا، ما يجب من تطامن طالب العلم لمن يعلِّمه، كما رأينا في تطامن موسى ﵇ للعبد الصالح.
وإن السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار لوحظ فيها احتمال الضررين بدفع أخفهما، وقد لوحظ ذلك في السفينة وقتل الغلام فقد خرقت السفينة لمصلحة العاملين في البحر، ودفع الاغتصاب، وكذلك قتل الغلام لنفع أشمل، وإقامة الجدار فيه نفع كثير بتحمل ضرر قليل، وذلك أصل مقرر في الشرع يؤخذ به إذا لم يكن نص.
* * *
قصة ذي القرنين
قال اللَّه تعالى:
(وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩)
* * *