← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.

стр. 6581

(وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢) الغلامان كانا صغيرين كما يدل على ذلك وصفهما باليتم، فإنه لَا يُتم بعد البلوغ إلا أن تكون آفة في العقل أو النفس، واللفظ يطلق على ظاهر ما لم يقم دليل يوجب تحويله عن الحقيقة إلى المجاز، وإطلاق اليتم على البالغ مجاز، ولقد قال ابن عباس في هذا المجاز الرجل يتيم ما لم يرشد ولو بلغ الأربعين، ولكن ذلك مجاز لَا حقيقة. (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) الأب هو الأب القريب؛ لأنه لَا يكون يتيما إلا إذا كان قد فقد الأب القريب، ولا يكون الصلاح ممتدا إلى الأبناء كما تشير الآية إلا إذا كان الولد صبيا، كما قال النبي ﷺ : " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له " (١) فصلاح الأبناء ينسحب خيرا للآباء، وكذلك صلاح الآباء. وكان تحت هذا الجدار كنز لهما، وَرثَاه عن أبيهما الصالح فيما يظهر، والكنز المال الكثير المدفون في باطن الأرض بدفن الإنسان، وهذا الكنز مضيع إن

стр. 6582

لم يستخرج، وقد أراد الله تعالى أن يستخرج كنزهما، وهذا قوله تعالى: (فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا)، والأشد هو القوة، وقد شرحنا اشتقاقه، أي أن يبلغا قوتهما في الجسم والعقل، والرشد في التعامل (وَيَسْتَخْرِجَا كنزَهُمَا)، واستخراج الكنز طلب إخراجه، والعمل على ذلك منهما أو من غيرهما ممن له صلة بهما، فالسين والتاء للطلب، وذكر إرادة اللَّه دون إرادته هو، وإن كانت إرادته تابعة لإرادة اللَّه ؛ لأن هذه الإرادة الإلهية متعلقة بأمر في المستقبل يتصل بالتكوين وهو بلوغ الأشد، وأن يحصلا على كنزهما بعد محاولة استخراجه ببذل ما يبذل في سبيل ذلك عادة (رَحْمَةً مِن رَّبِّكَ)، أي لأجل الرحمة من ربك الذي هو الحي القيوم الذي يرب الوجود جميعا، أحياء وغير أحياء. وهنا نجد أن إقامة الجدار كان لأجل استخراج الكنز، وإن ذلك لَا يتم فيما يظهر إلا بهدم الجدار أولا ليظهر ما تحته من كنز، ثم إقامته من جديد بعد كشف ما تحته. ثم أشار العبد الصالح إلى أن ذلك بأمر الله وتكليفه فقال: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي)، أي ما فعلته صادرا عن أمري، بل منفذا أمر الله، وليس لأحد أن يعترض على أمر اللَّه تعالى: (ذَلِكَ تَاوِيل مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا)، أصلها ما لم تستطع صبرا عليه، حذفت التاء تخفيفا في النطق إذ يصعب النطق بالتاء التي يعقبها الطاء لتقاربهما في المخرج، ولم تحذف في (لَن تَسْتَطِيعَ)؛ لأنها متحركات بخلافها هنا فالأولى مفتوحة والثانية ساكنة، الإشارة إلى معرفة المآل في سر خرق السفينة وقتل الغلام، وإقامة الجدار، وإن ذلك من أمر اللَّه تعالى؛ لأنه يتعلق بالغيب، ولا يعلم الغيب إلا اللَّه ومن يتكلم عن الغيب إنما يأخذ من علم اللَّه الذي علمه بعض عباده الصالحين.

стр. 6583

العبرة في هذه القصمة أجمعت كل الصحاح على أن العبد الصالح هو الخضر، ويلاحظ أن القرآن الكريم ذكر أقواله ومجاوباته مع كليم الله موسى ﵉ ولم يذكر عن شخصه إلا أنه عبد من عباد اللَّه آتاه رحمة، وعلمه من لدنه علما، فإذا ثبت في الصحاح أن اسمه الخضر، وهو من الخضرة والنضرة نقبله غير معترضين، ولكن راضين خاضعين مذعنين، والعبرة في القصة بمعانيها، ولا مشادة في الاسم بالنسبة لها. وإن القرآن الكريم ذكرت فيه على أنها قصة قد وقعت ومجاوبات قد قامت بين موسى، والعبد الصالح فهي واقعة صادقة، ولا مساغ لتفسيرٍ بغير أنها خبر قد وقع وثبت. ولكن قد أثير كلام حول رؤية الخضر أكان مرئيا بالعيان كما ترى الأشخاص، أم أنه كان مرئيا فقط لموسى ﵇، وأنه لم يُر وهو يخرق السفينة إلا لموسى فقط، ولم ير وهو يقتل الغلام إلا لموسى، وكذلك عندما أقام الجدار، ولو أنه رؤي وهو يقتل الغلام لطارده الناس وما تركوه، وكذلك الجدار فإنه يحتاج إلى هدم وإقامة، وينظر الناس إليه وهو يهدم ويبني، ويظهر الكنز، وكل هذا يحتاج إلى زمن طويل يكون مرئيا فيه للناس. وإني أميل إلى أن الرؤية كانت خاصة بموسى ﵇، كما يشاهد الأنبياء الملائكة، ومع ميلنا لهذا نقول: " إن اللقاء الأول كان مرئيا فيه لموسى ولغيره؛ لأن اللَّه يسند فيه الرؤية لموسى ولفتاه "، فيقول اللَّه تعالى: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا). ولعل السبب في أن الفتى لم يذكر له خبر في مسألة السفينة والغلام والجدار وكان يذكر الحديث عن اثنين فقط هما موسى والخضر، ولا يهمنا أين تركه وفي أي مكان افترق عنه فتاه.

стр. 6584

وإن القصة تضمن معنى جليلا، وهو أن علم الغيب هو علم اللَّه الذي اختص به سبحانه يعلِّمه من يشاء، وأن طاقة الإنسان الفكرية لَا تكون إلا في ظواهر الأعمال، والنتائج التي تكون ثمرة الأسباب الظاهرة، فعلينا أن نسير فيها على مقتضاها، ونبني أعمالنا عليها، ولكن مع ذلك نفرض أن الأسباب لَا تنتج بذاتها، إنما ينتج بإرادة اللَّه تعالى، وبمقتضى علمه المكنون الذي أحاط بكل شيء علما؛ ولذا أمرنا بعد اتخاذ الأسباب أن نتوكل على اللَّه تعالى، مفوضين الأمور إليه، ولذا يقول اللَّه تعالى: (. . . وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْت فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ. . .). وأن ما يجريه اللَّه تعالى معنا ربما لَا يتفق مع ما نرغب، ولكن قد يكون ما غيبه اللَّه تعالى خيرا لنا، كما رأينا في خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار فإنه في هذه الأمور كان خرق السفينة الذي هو عمل اللَّه تعالى سخر له عبدا صالحا من عباده خفي أمره على الناس. ومن الفوائد التي اشتملت عليها الآيات أن رحمة اللَّه تعالى تعم دائما ولا تخص، وأن رحمته تكون على الضعفاء، فقد قدر أن السفينة كانت لمساكين يعملون في البحر، فقرر أن تخرق لتكون معيبة، فلا يأخذها الذي يأخذ كل سفينة غصبا، وهذه من رحمة اللَّه تعالى بالمساكين الذين يعملون في البحر صائدين أو ناقلين لما ينفع الناس. وإن قدر اللَّه تعالى يجري على بقاء الصالح، وفناء غير الصالح، ولذا قتل الخضر الغلام الذي خشي أن يرهق أبويه الصالحين طغيانا ويبدلهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما. وفى القصة من الآداب الإنسانية، والأخلاق العالية الكثير، فنرى أنه يجب على الإنسان أن يطلب العلم، وأن يبذل الجهد في طلبه غير مدخر في ذلك جهدا؛ فهذا موسى ﵇ يسير في طلب العلم حتى يلقى النصب.

стр. 6585

وفى القصة أيضا ما يجب من ألا يجعل الاستغراب أساسا للحكم على الأشياء فقد يكون الأمر المستغرب أصدق الأمور، وأقربها إلى الحق وأحسنها مآلا، كما رأينا في السفينة وفي الجدار فلا يُردّ الأمر لأنه غريب، ولكن يرد لضرره، أو لأن مآله ضر. وفيها أيضا، ما يجب من تطامن طالب العلم لمن يعلِّمه، كما رأينا في تطامن موسى ﵇ للعبد الصالح. وإن السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار لوحظ فيها احتمال الضررين بدفع أخفهما، وقد لوحظ ذلك في السفينة وقتل الغلام فقد خرقت السفينة لمصلحة العاملين في البحر، ودفع الاغتصاب، وكذلك قتل الغلام لنفع أشمل، وإقامة الجدار فيه نفع كثير بتحمل ضرر قليل، وذلك أصل مقرر في الشرع يؤخذ به إذا لم يكن نص. * * * قصة ذي القرنين قال اللَّه تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) * * *

стр. 6586

ذكر اللَّه تعالى في هذه السورة ثلاثة أمور غريبة: الأمر الأول - أمر أهل الكهف، وهو رؤية حسية يراها الناس كيف يجعل بعض الناس بين الموت والحياة إكراما لجهادهم، وهو تصوير لشهداء الحق كيف يكونون بين الحياة والموت، حتى ينالوا جزاءهم جزاء موفورا. الأمر الثاني - كما ذكرنا قصة عبد صالح آتاه اللَّه بعض العلم بالغيب الذي لا يعلمه إلا اللَّه تعالى، وما يشاء أن يعطيه بعض ما يعلم من عباده الأطهار فأعطى عبده الصالح بعض ذلك، وفي ذلك بيان أن قدر اللَّه تعالى بني على الحكمة الكاملة فقد يحسبه أهل العلم بالظاهر شرا، وهو عند اللَّه تعالى له عواقب كلها خير. الأمر الثالث - قصة رجل صالح من نوع غير نوع رجل موسى ﵇، وهو رجل خير تهيأت له الأسباب فاختار طريق الخير، وألهم العمل الصالح من غير تعليم من لدن اللَّه، بل بتوفيق اللَّه تعالى وتيسيره، وجهاده وإرادته الخير، ومثل من كان صالحا بهذا العمل الإرادى، والعبد الصالح كمثل اثنين أحدهما أوتي علما من علم القدر يسجل نتائج الأعمال، كما قدرها اللَّه مرتبة على ما فعل، والثاني أوتي قدرة بتوفيق اللَّه تعالى وإذنه على أن يقوم بعمل فيه مصلحة مؤكدة ونفع مؤكد يفعله قاصدا إليه، وهو في هذا يكافح أهواءه، ويقصد الخير قصدا واضحا بينا، والكل بفضل اللَّه وإذنه وتيسيره وتوفيقه.

стр. 6587

(وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) السائلون هم المشركون بتعليم من اليهود، أو من اليهود مباشرة، فقد جاء في كتب السيرة أن اليهود قالوا للمشركين، سلوه عن الروح وعن العبد الصالح، وعن رجل ملك وكان صالحا، وجاء أن اليهود سالوا النبي ﷺ عن ذلك وهو بالمدينة. ونحن نرجح أن المشركين سألوا بتحريض من اليهود؛ لأن السورة مكية فالأقرب أن تكون المجادلة بينه وبين المشركين في مكة وهم قد يستعينون في مجادلتهم النبي ﷺ بأهل الكتاب.

стр. 6588

ومهما يكن فالسؤال وقع، وسئل النبي ﷺ عن ذلك الملك الصالح المعروف باسم ذي القرنين، فالسؤال كان عن شخص بعينه، وكان من أوصافه كما يدل سياق الآيات على أنه كان ممكَّنا، وأنه حكم في مشرق الأرض ومغربها، وأنه ابتدأ في حكمه بالمغرب، وأنه كان عادلا يجزي المسيء جزاء إساءته، ويجزي المحسن جزاء وفاقا لإحسانه، وأنه كان مرجع الذين يُؤذَوْنَ من بعض بني الإنسان، وأنه أقام سدا بين الأشرار ومن يتأذون منهم. وكان من حقنا أن نكتفي بمعرفة صفاته وأفعاله ولا نحتاج في فهم ذلك إلى معرفة شخصه أو من أي قبيل هو، فإن ذلك لَا يزيد علما بالقرآن ومعانيه، كما لا يهمنا شخصية فرعون موسى، ولا في أي قرن من الزمان كان بعثه. ولكن المفسرين تعرضوا لمعرفة شخصه، فقال قائل: إنه كان في عصر إبراهيم ولا مستند لهذا القول، وقال آخرون مستندين إلى بعض آثار منسوبة للنبي ﷺ : إنه الإسكندر المقدوني باني الإسكندرية حوالي سنة ٣٠٠ قبل ميلاد المسيح ﵇، وعلى هذا الرأي أكثر المفسرين الذين تصدوا لذلك، ولكن قام على هذا الرأي ثلاثة اعتراضات: الاعتراض الأول - أن هذه الآثار لم تصح عن النبي ﷺ ذكرها ابن جرير، وكذبها الحافظ ابن كثير. الاعتراض الثاني - أنه كما ذكر في عبارات القرآن كان موحِّدًا، حتى ادعى أنه نبي، والإسكندر المقدوني المعروف عنه أنه كان يدين بوثنية اليونان والرومان. الاعتراض الثالث - أنه سمي في القرآن بأنه ذو القرنين، ولم يكن المقدوني ذا قرنين، ولم يسم ذا القرنين. وقد أجيب عن الثاني بأن كونه كان في قوم وثنيين لَا يقتضي أن يكون وثنيا، فالنجاشي كان في النصارى، وكان مؤمنا موحدا، فإذا كان القرآن ذكر ذا القرنين مشيرا إلى أنه موحد، فليس في أخبار المقدوني ما ينفي وحدانيته.

стр. 6589

وكون المقدوني لم يكن ذا قرنين لَا يدعى أنه كان ذا قرنين، وإن كان اسمه كذلك، على أن المقدوني كان يجوز أن يسمى ذا القرنين، وكان يلقب بذلك، لأنه اتخذ شعارا ذا تاجين، إذ إنه عندما فتح مصر لبس تاج الشمال وتاج الجنوب رمزا لاجتماع الإقليمين تحت سلطانه، فكان شبه قرنين. وفى الحق أنه لو صدقت الرواية عن النبي ﷺ بأنه باني الإسكندرية ما عدلنا عن هذا القول، لأنه يكون تفسيرا للقرآن بالسنة وهي المبينة للقرآن. وهناك قول قاله العلامة الهندي أبو الكلام زاده وهو أنه غورش الفارسي الذي أنقذ بني إسرائيل من أسرهم في بابل، فقد وصف في التوراة التي بأيدينا في سفر دنيال وغيره بأنه لقب " ذو القرنين " لعظيم قوته واتساع ملكه وقوة سلطانه. ويقرب هذا أنه ينطبق عليه الوصف المذكور في القرآن، وأن السؤال كما جاء في القرآن الكريم منبعث من اليهود، سواء وجهه اليهود إلى النبي ﷺ مباشرة، أم وجهوه عن طريق المشركين كما اخترنا ورجحنا، وأما ملكه فقد كان في وسط بين غرب آسيا وشرقها وأنه اتجه بسلطانه إلى الغرب، ثم اتجه من بعد ذلك إلى الشرق، كما يومئ القرآن الكريم، إذ إنه ابتدأ بذكر عمله في الغرب ثم في الشرق، وإنا لَا نختار رأيا لأننا لَا نحتاج إليه في تفسير القرآن الكريم لأنه واضح المعنى ولو لم يعرف قبيل ذي القرنين. ْهذه هي النظرة إلى شخص ذي القرنين، وإن كانت معرفة شخصه لَا تزيد القرآن بيانا، بل العبرة في خبره ثابتة ولو لم يعلم جنسه وقبيله. وقوله: (قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا) الخطاب للنبي ﷺ في (قُلْ)، والخطاب في (عَلَيْكُم) للمشركين السائلين، للاعتبار؛ لأف خبر رجل صالح، ممكَّن فأقام العدل، وأقام المصلحة، ونفع الناس. قوله تعالى: (سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ)، أي من خبره (ذِكْرًا)، أي خبرا يكون فيه تذكير لكم بوجوب التوحيد، وترك عبادة الأوثان، وإقامة العدل، ونفع الناس بدل إيذائهم، والتعبير

стр. 6590

بـ (سَأَتْلُو)، أي سأخبركم بخبره وأقص عليكم قصصه، والتعبير بـ (أتلو) يشير إلى أنه قد نزل فيه قرآن وما أقص هو قرآن صادق لَا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لأنه تنزيل من حكيم حميد.

стр. 6591

(إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) أي جعلناه ممكنا في الأرض آتيناه حكما ثابت الدعائم قائما على عُمُد ثابتة ممكَّنة، وآتيناه سببا من كل شيء، السبب هو الطريق الموصل والحبل المربوط الذي يصل بين الأشياء، أي آتيناه سببا من كل شيء، بأن آتيناه علما يوصل لأي شيء يختاره، فآتيناه من السلطان أسبابا، ومن العلم أسبابا، ومن الإصلاح الزراعي والتجاري. والسبب في الأصل الحبل، فالمعنى آتيناه علما يتخذه سببا لكل ما يرى.

стр. 6592

(فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) أي أنه يردف السبب سببا لشيء آخر، وهكذا تتوارد أسباب العمل سببا يتبع سببا، أي يجيء من بعده تابعا له، وهكذا مُكِّن في الدنيا، إذ اتخذ سبيل الحق والعدل، يسلك الأسباب الموصلة بما آتاه اللَّه من العلم والإدراك فإذا كان عادلا منصفا استقر حكمه، وانتظمت الأمور، وإذا انتظمت الأمور قويت الجماعة واستقامت الأخلاق وسادت الفضيلة وانتصرت في الحروب وإذا انتصرت أنصفت، وجلبت المصالح، ودفعت المضار، وهكذا تترادف الأسباب وتستقيم الأمور، وإنه بتوافر الخير واتخاذ الأسباب المكونة لدولة قوية عادلة، سار في الأقاليم فاتحا ناشرا لواء والعدل. ولذا سار يجوس خلال الدول فاتحا مظلا الجماعات بلواء العدل.

стр. 6593

(حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦) اتجه في سيره إلى غرب بلاده أولا، لأنها الأقاليم التي تصاقبه، وإن الحاكم العادل يؤمِّن أرضه من جيرانه أولا، ثم يتجه إلى ما بعدها شيئا فشيئا حتى يصل

стр. 6594

إلى أقصاها، وكذلك فعل، ولذا قال تعالى عنه: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ). " الحمئة " أي ذات حمأة، والحمأ الطين، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَأٍ مسْنُونٍ). أي أن الشمس تغرب لترى في عين من الماء حمئة، أي فيها طين. وقرى (حامية)، أي أن هذه العين من الماء حارة شديدة الحرارة، أو حامية أصلها حامئة، أي كثيرة الطين وتتلاقى مع قراءة (حَمِئَةٍ) إذ اللفظ واحد في جملته وإن جرى فيه قلب. والمراد أن الشمس ترى كأنها غاربة في عين ماء فيها طين، حمأ، وما المراد من هذه العين؛ المراد منها الماء، ولكن أهو ماء المحيط، أم البحر، أم هو ماء نهر؟ الظاهر لدي أنه ماء نهر، لَا ماء محيط، لأنه ذكر أنه عين، وماء العيون في أكثر أحواله ليس ماء ملحا، وإن كان فهو معدني إلى العذوبة أميل، ولأنه ذكر أنها عين حمئة، أي التي اختلط ماؤها بطين، وتلك تكون في الأنهار لَا في البحار. ومهما يكن فقد كان اتجاهه ونهايته إلى الغرب من آسيا وأصقابها كبلاد البلغار، ونحوها. هذا كان اتجاهها إلى الغرب، (وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا) وجد ناسا قد تهيأ لحكمهم فعلمه اللَّه تعالى بإلهام الحكمة نوع الحكم الذي يحكم، وردد في عقله وقلبه كيف يحكم، (قلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا)، تردد في قلبه أيحكمهم بالعنف والقسوة، أو يحكمهم بالرفق، فمعنى قول اللَّه تعالى بهذا التردد أنه ردد في نفسه وعقله وقلبه بنور اللَّه تعالى أن يكون عمله أحد أمرين، إما العذاب وإما الإحسان بالتهذيب والإرشاد والتوجيه، وهذا معنى (وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا)، أي إحسانا بالعدل دماقامة القسطاس وسن الشرائع الهادية الموجهة وغير المردية، والحَسَن هو ضد القبيح، واتخاذ الحُسْن معناه اتخاذ ما ليس

стр. 6595

بقبيح في ذاته ولا يستنكره عرف ولا عقل، وهذا هو معنى الإحسان وهو الإتقان وفضل العدل وزيادته. بعد هذا التردد في النفس الصافية المهدية بهدى اللَّه انتهى إلى القرار العدلى الذي تهتدي إليه كل نفس بَرَّة تقية، وقد ذكره اللَّه تعالى بقوله سبحانه: (قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨) هذا قانون العدل وهو أن يجازي المسيء على إساءته، والمحسن بإحسانه، هذا ما استقر عليه أمره واعتزمه؛ ولذا قال معتزما تنفيذه:

стр. 6596

(أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا)، أي عذابا شديدا بالغا أقصى أحوال الشدة حتى ينزل بهم ولم يتوقعوه وينكروه لغرابته عليهم، فالنكر هو الأمر المستنكر مما وقع عليه، وقد أكد في القول وقوعه في المستقبل بـ (سوف) الدالة على توكيد وقوع الفعل في المستقبل. والظلم يقع على كل المنكرات؛ لأن الظلم يكون بنقص الحقوق، والتفريط فيها، ويكون بمجاوزة حد المعقول، فيقع على الشرك، وإن الشرك لظلم عظيم ويقع على كل المنهيات من المعاصي كالقتل وشرب الخمر والزنى، ورمي المحصنات، والعذاب النكر يكون بالجزاء الذي يملكه ملك عادل جزاء دنيوي. هذا هو جزاء المسيء في قانون العدل الذي سنه ذو القرنين لنفسه، لَا يفلت المسيء، وكذلك لَا ينقص المحسن من جزاء حسن؛ ولذا قال:

стр. 6597

(وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨) الحسنى مبتدأ خبره الجار والمجرور، أي فالحسنى له جزاء، فـ (جَزَاءً) تمييز محول عن الخبر، وكان التمييز متضمنا البيان بعد الإبهام أو الإجمال، وفي ذلك فضل بيان وبلاغة، وقال: (فَلَهُ) (اللام) للاختصاص، وكان من كرم اللَّه أن جعله حقا للمحسن وليس عطاء يعطي أُعطية، وكان ذلك منًّا وفضلا.

стр. 6598

وإن هذا الجزاء الذي هو الحسنى في أعلى درجات الجنة؛ لأنه مؤنث أحسن، لمن قامت به حالان: الحال الأولى - إيمان صادق تتطهر فيه النفس والعقل والقلب من شرك الجاهلية وأوهامه. والحال الثانية - عمل صالح يزكي النفس، وينفع الجمع، ويكون فيه خير للناس. وذكر جزاء ثانيا فوق الحسنى، وهي نِعْم الجزاء، وهو ما جاء في قوله: (وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا) القول اليسر هو هذا القول الذي ييسر الأمور ويسهلها، وذلك بأن يقربه إليه، ويسهل له أسباب الوصول والتمكين والحكم، والقول المشجع على الخير من ملك عادل يدني المصلح الصالح، ويبعد المفسد الفاسد. ولقد أقام العدل في أقوام الغرب، وأقام ما شاء أن يقيم لتثبيت العدل ودعم أركانه، بعد إقامة بنيانه ثم اتجه المصلح العادل من ذلك إلى الشرق؛ ولذا قال تعالى:

стр. 6599

(ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) (ثُمَّ) هنا في موضعها؛ لأنها تدل على التراخي إذ إنه حكم أمدا ليس بقصير في المغرب، وإنه أدنى منه مقاما فإن تثبيت دعائم العدل في النفوس يحتاج إلى زمن ليستقر ويبقى، ويصبح عادة طيبة في الأقوام، و (أَتْبَعَ)، أي أردف إلى الأسباب التي مكنه اللَّه تعالى بها سببا آخر، وهو الذهاب إلى مشرق الأرض، وهكذا أضاف سبحانه إلى تمكينه في الغرب تمكينه في الشرق، فسار متجها إليه، ولقد كان ما يستقبله في المغرب أصعب علاجا، وأقوى مراسا، لأن عمله يتكون من أمور ثلاثة: الأمر الأول - إقامة العدل.

стр. 6600

والأمر الثاني - دفع الفساد. والأمر الثالث - حماية البلاد من المغيرين عليها. ولقد قال تعالى في عمله: * * * (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (٩٠) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) * * *

стр. 6601

مطلع الشمس هو مكان طلوعها، فهو اسم مكان، ومطلع الشمس مكان نسبي، فهو ربما يكون موضع طلوع بالنسبة لمن يكونون في غربها، ثم هذا المطلع يكون موضع غروب لمن وراءه من المطالع، والنسبية هنا بين المغرب والمطلع بالنسبة للوسط بينهما فقد اتجه ذو القرنين إلى المغرب بالنسبة له، ثم بعد أن أقام العدل

стр. 6602

بين الناس كشأن الحاكم العادل تأداه إلى المطلع بالنسبة له فأتبع سببا، واتجه إلى المطلع، حتى إذا بلغه، (وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَل لَهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْرًا)، الضمير يعود إلى الشمس، أي وجد الشمس تطلع على ناس تشرق عليهم لافحة لهم أو غير لافحة، لم يجعل اللَّه لهم من دونها مقاوما لها سترا، يسترهم عنها فلم تكن لهم ظلال تظلهم، وظاهر القول أنهم لم تكن لهم ثياب تسترهم منها في ظلها وحرورها، وهذا أنهم بدائيون ليسوا متحضرين وليست لهم أي حضارة إنسانية، بل هم على البداوة الأولى، وإن كان لهم بعض القوة أو المصادر المالية، وقد وصف هؤلاء الأقوام بوصف فيهم وفي أرضهم، أما أرضهم فهي أنها ليس فيها بناء يظل، ولا شجر يثمر، وأما أنفسهم، فهو أنهم على البداوة الأولى وقد أفادت الوصفين، الكلمة السامية (لِمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْرًا)، أي ساترا يسترهم من حر لافح أو برد قارس. وجه اللَّه تعالى ذا القرنين إلى هؤلاء الأقوام، كما وجهه إلى المغرب لينشر العدل والأمان والاطمئنان فيهم، وإن هذا التوجه، يكون منه ما كان أولا، ويحمل متاعب؛ ولذلك قال تعالى:

стр. 6603

(كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١) الإشارة إلى ما كان منه أولا من إقامة العدل، ووضع الموازين العادلة بينهما، والتشبيه هو بين ما قام أولا في المغرب وبين ما يقوم الآن أو ما يجب أن يقوم به الآن في المشرق، أي أنه بمقتضى ما وهبه اللَّه تعالى من مواهب القوة والقدرة على التنفيذ والشعور بالعدالة الواجبة، ووضع موازين قد كلفه مرة ثانية في المشرق أن يصلح ويدفع الفساد في المشرق، كما أصلح في المغرب، وهكذا يهب اللَّه البشرية في بعض الأزمان رجلا صالحا ينشر العدل والإصلاح ويمنع الفساد، وفي بعض الأزمان يختبر اللَّه تعالى الناس ليظهر الخبيث من الطيب ببعض رجال الفساد - أو دول الفساد - يسيطر، فيضل ويفسد كما نرى في عصرنا ولا حول ولا قوة إلا باللَّه تعالى.

стр. 6604

وإن ما يستقبل ذا القرنين في مطلع الشمس أقوى وأشد مما استقبله في مغربها، وذلك لجهلهم، وعدم درايتهم وبداوتهم؛ ولذا قال تعالى: (وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا)، أي أحطنا بحاله والواجبات عليه وكفايته لها وما تستلزمه حال الأقوام من واجبات على الحاكم يقوم بها، ولا يتوانى عنها، أحطنا علما دقيقا بذلك، وهو علم الخبير العليم، وفي الكلام في مثل قوله: (. . . وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْء عِلْمًا)، و (أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا)، مجاز بالاستعارة، إذ يشبه علم الله تعالى في استقرائه للمعلوم بمن يحيط بمكان فيعرف كل ما في داخله لا يغيب شيء عن علمه بجامع الإحاطة الكاملة، وقد أحاط علمه كل ما في السماوات والأرض. والمقصود الظاهر من النص أن اللَّه إذ كلف ذا القرنين ذلك التكليف هو محيط علما دقيقا بما لديه من قوى عقلية ونفسية وطاقة قادرة على ما كلف ومحيط بما يحتاج إليه ما كلفه من جهد في علاج هذه التكليفات. وقد بين أنه سار في طريقه متحملا أعباء ما حمله: عبء العدالة والإصلاح، فقال تعالى:

стр. 6605

(ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) أي أردف إلى الأمور السابقة التي كانت سببا في تحمل ما تحمل سببا آخر وسلك طريقا آخر، و (ثُمَّ) هنا للترتيب والتراخي، والتراخي كان فيما بذله من زمن في تبين حال أولئك الذين يعيشون على الفطرة لم يجعل اللَّه بينهم وبين الشمس سترا في ظل ولا حرور، وبعد مضي زمن في هذه الإصلاحات التي تجعلهم أناسا يعرفون ما لهم وما عليهم، بعد ذلك أردف سببا لواجبات أخرى، فقال:

стр. 6606

(حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣) السدَّان المذكوران في الآية جبلان، قال عطاء أنهما بين أذربيجان وأرمينيا، وقد ذكر أنه وجد بين الجبلين قوما (لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا) هذا

стр. 6607

وصف لهؤلاء القوم، وهم كما يبدو أعلى درجة في الإنسانية من الذين وجدهم في مطلع الشمس الذين لم يُجعَل بينهم وبينها ستر، ومعنى (مِن دُونِهِمَا)، أي من وراء الجبلين، فهم لم يكونوا بينهم، بل كانوا وراء هذين الجبلين، أو وراء هذه البلاد التي فيها هذان الجبلان، فهم في مقام أوغر منهما، وهم إلى الشمال أبعد وأعلى. وقد وصفهم كما أشرنا إلى أنهم (لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا)، أي يقاربون ألا يفقهوا قولا، وهذا يدل على أنهم يفقهون بعض القول ولا يفقهونه كله. وقال بعض المفسرين: إن ذلك سببه أنهم لَا يعرفون لغة ذي القرنين ومن معه، ولا يعرف لغتهم، ولكن ذلك لَا يعبر عنه بنفي فقه القول؛ لأن فقه القول معرفة أسراره ومراميه، فلا ينفي بجهل معرفة اللغة، على أن المترجمين يغنون في ذلك غناء كبيرا، وذلك إن صح يكون عيبا فيهم، وعيبا في الذين يخاطبونهم، فلا يختصون بالوصف، والظاهر عندي أن المراد أنهم لَا يدركون مرامي الأقوال وأسرارها والأحكام التي تنظم العلاقات بينهم، وهذا الذي يتفق مع (لَا يَكَادُونَ يَفْقَهونَ)؛ لأن الفقه ليس مجرد المعرفة، إنما المعرفة التي يشق فيها غلاف الأمور لإدراك الحقائق، وما وراء الألفاظ، وذلك إلى العلم بالواجبات، وفقه الأقوال أقرب، ويكون المراد ليس عندهم علم بالعدل ونظام الحكم، وما يجب لجلب المنافع ودفع المضار. ولكنهم مع أنهم لَا يعرفون الشرائع، ولا نظم الأحكام يرون المضار تتوالى عليهم من جيران أشد جهالة، ولا يخضعون لنظام، ولا يقرون حقوقا، ولا يخضعون لواجب، وهم يأجوج ومأجوج، وهم يسكنون في مناطق منغوليا ومنشوريا، أو هم منهم؛ ولذا لما وجدوا ذا القرنين وما يحمل معه من نظم إصلاحية مانعة من الظلم دافعة للفساد. (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤)

стр. 6608

نادوا ذا القرنين بهذا اللقب مما يدل على أنه كان مشهورا بينهم، وعلى أنه كان متطامنا قريبا، وذلك أول أمارات الحاكم الصالح بأن يكون قريبا منهم يألفهم، ويألفونه لَا يكون متحجبا دونهم، حتى لَا يصعب على صاحب الحق الوصول إليه. و (يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ) قبائل مما وراء جبال أرمينية، وهما اسمان ليسا عربيان، وقد كانوا يندفعون من وقت لآخر يفسدون الحرث، ويعبثون بكل قائم ولا يضبطهم أحد ولا قبل لأحد بدفعهم، وقد ذكر مولانا أبو الكلام زاده في رسالته عن ذي القرنين أن لهم غارات متتالية عبر التاريخ فقال بعنوان: الأدوار السبعة لخروج يأجوج ومأجوج. سهل علينا خروج هذه القبائل إلى سبعة أدوار: الدور الأول منها كان قبل العصر التاريخي عندما بدأت هذه القبائل تهاجر من الشمال الشرقي وتنتشر في آسيا الوسطى. وكان الدور الثاني في فجر التاريخ فترى في ضوئه معالم عبارتين مختلفتين: حياة البداوة، وحياة الاستقرار، فتخلد القبائل المهاجرة إلى السكينة، ومباشرة الحياة الزراعية، إلا أن سيولا جديدة لَا تزال تتدفق من الشرق، ومدى هذا الدور من ١٥٠٠ إلى ١٠٠٠ قبل الميلاد. ويبتدئ الدور الثالث، من سنة ألف قبل الميلاد، فتجد قوما همجا من البدو في بلاد بحر الخزر والبحر الأسود، ثم لَا تلبث أن تظهر بأسماء مختلفة من جهات مختلفة، وأخذ بعضها يظهر على مسرح التاريخ من سنة ٧٠٠ قبل الميلاد. . . أما الدور الرابع فينبغي أن نجعله في سنة ٥٠٠ قبل الميلاد الزمن الذي ظهر فيه عوزوش.

стр. 6609

وكان الدور الخامس في القرن الثالث قبل الميلاد، وقد تدفق فيه سيل من القبائل المنغولية، وانصب على الصين، وفي هذا العصر بني الجدار العظيم الذي اشتهر بجدار الصين، وقد بدأوا بنائه في سنة ٢٩٤ ق م وأتموه في مدة عشر سنين. . وعاصر هذا الجدار حملات المغول في الشمال والغرب توجهوا إلى آسيا الوسطى من جديد. ثم ذكر الدور السادس والسابع وكان ذلك بعد الميلاد، ولا يهمنا ذكرهما في مقامنا وإن كان ذلك يهم المؤرخ المتقصي للحقائق المتعرف للأدوار الإنسانية في عصورها المختلفة. وإنه باستعراض هذه الأدوار نرى وجها تاريخيا، لمن قال إنه الإسكندر المقدوني: أولا - لأنه بنى جدار الصين في القرن الثالث قبل الميلاد وهو العصر الذي ظهر فيه الإسكندر؛ إذ كانت حياته في القرن الثالث قبل الميلاد، وكون البناء منسوبا إلى ملك من ملوك الصين لَا يمنع الاستعانة بالإسكندر. وثانيا - ما تضافر عليه المؤرخون العرب من أن باني السد اسمه إسكندر ذو القرنين، وليس ذا القرنين فقط. وثالثا - ما جاء من آثار من أن منشئ السد هو منشئ الإسكندرية. ورابعا - أن وصفه بذي القرنين سائغ لأنه جمع بين تاج الجنوب وتاج الشمال لما جاء إلى - مصر. ننتهي من هذا إلى أن يأجوج ومأجوج قبائل من المغول، وأنه اشتد سيل فسادهم في القرن الثالث قبل الميلاد عصر ظهور الإسكندر المقدوني، واللَّه أعلم. ونعود فنكرر أن معرفة شخص الإسكندر لَا يقدمنا في ذكر معاني ولا يؤخرنا، ما دامت ألفاظه واضحة في معانيها بينة في أسلوبها وبيانها.

стр. 6610

لقد عرض أولئك القوم الذين كانوا بين السدين على ذي القرنين أو طلبوا منه أن يبني لهم سدًّا بعد أن شكوا له أن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض، وعرضوا عليه أن يجعلوا له خرجا على أن يبني لهم سدا (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا)، الخرج قالوا إنه ضرائب يفرضونها على أنفسهم، وعبروا عن الضرائب بالخرج لأنها تخرج من أيديهم إليه، ولأنه يكون كخراج الأرض أو الأنفس على حسب ما يراه هو، إما أن يأخذ الضرائب على النفوس أو المال أو العقار، وقد عرضوا ذلك في عبارات مقربة مُدْنية، فجعلوها على صورة استفهام، فقالوا كما حكى القرآن: (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرجًا)، أي هل يسوغ أن تجعل لك خرجا، والفاء للإفصاح عن شرط مقدر، أي إذا كانوا مفسدين فاجعل لك خرجا على أن تبني لنا سدًّا. ولكن ذا القرنين العادل وجد أن من قوانين الحكم العادل أن يقوم بالإصلاح ودفع الفساد من غير أجر يدفع، بل إن عمل الخير ضريبة الحكم الصالح؛ ولذا قال:

стр. 6611

(قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥) الردم أقوى من السد، وقد قال في ذلك الزمخشري: (رَدْمًا)، أي حاجزا حصينا موثقا، والردم أكبر من السد من قولهم ثوب مردم، أي رقاع فوق رقاع، أي أني أبني لكم سدا وثيقا قويًّا. والمعنى ما مكنِّي فيه ربي ووسع عليَّ فيه وبسط لي خير من خَرْجِكم، فلست مستعينا بخرج، ولكني مستعين بقوة منكم، فأعينوني بقوة تحتمل العمل من رجالكم، أي فلست أحتاج إلى المال، ولكن أحتاج إلى أيد عاملة تعمل، ولقد قال القرطبي في معنى هذه الآية الكريمة: " ما بسطه اللَّه لي من القدرة والملك خير من خرجكم وأموالكم، ولكن أعينوني بقوة الأبدان، أي برجال وعمل منكم بالأبدان والآلة التي أبني بها الردم وهو السد ".

стр. 6612

ولقد استنبط من هذا القصص عن ذي القرنين أنه لَا يجوز للملك ما دام في قدرة وسعة أن يفرض ضرائب ترهق، ويقول في ذلك: " إن الملك فرض عليه أن يقوم بحماية الخلق في حفظ بيضتهم، وسد فرجتهم، وإصلاح ثغورهم من أموالهم التي تفيء عليهم، وحقوقهم التي يجمعها في خزائنهم حتى لو أكلتها وأنفذتها المؤن فكان عليهم جبر ذلك من أموالهم وعليه حسن النظر وذلك بشروط ثلاثة: الشرط الأول - ألا يستأثر عليهم بشيء. والشرط الثاني - أن يبدأ بأهل الحاجة. والشرط الثالث - أن يسوي في العطاء (١). أخذ بعد ذلك ذو القرنين يبني السد محكما لَا يتفلت منه أحد إليهم.

стр. 6613

(آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦) (زُبَرَ الْحَدِيدِ) قطع الحديد الكبيرة، (حَتَى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ) الصدفان: جبلان جعل السد بينهما، وبعد أن وضع الحديد من قطع كبير علا بها حتى تساوى مع أعلى الجبلين وتنضد الحديد بينهما تنضيدا، جمع الأحطاب، وأشعل فيها النار ليصهر الحديد، (قَالَ انفُخُوا)، أي في الحديد الذي ساوى فيه بين الصدفين، وساماهما، أي انفخوا في مشعل الأحطاب، (حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا) صهره واحمر انصهر، وصار نارا باحمراره بارتفاع درجة حرارته ارتفاعا شديدا، وصار لونه أحمر شديدا يتلظى بعد هذا العمل، (قَالَ آتُونِي) النداء للعمال الذين قاموا بِزَبْر الحديد وصهروها، (أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا)، وهو النحاس المصهور المذاب. ولعله جعل النحاس طبقة فوق الحديد تربط أجزاءه وتسوى جدار سطحه.

стр. 6614

ونراه صار مكونا من حديد ممسوكا بالنحاس، فصار قويا سادًّا كل الثغرات، وبذلك صار مرتفعا عاليا فوق طاقتهم أن يرتفعوا إلى أعلاه، وينزلوا إلى أسفله عند الذين استغاثوا منهم؛ ولذا قال تعالى:

стр. 6615

(فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧) إذا كان قد بني ذلك البناء المحكم، وبأدوات قوية لَا تنقض، وبهندسة نضدت زبر الحديد، وأسكب ذَوْبَ النحاس، فإن يأجوج ومأجوج لَا قبل لهم بالوصول إلى أرضهم يبيدون فيها الحرث والنسل. (فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ)، أي أن يعلو إلى ظهرِه، لأنه بني مرتفعا ارتفاعا فوق طاقتهم أن يصعدوا إليه، (وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا) وما استطاعوا أن ينقبوه في جانب من جوانبه؛ لأنه حديد مصهر ثم تجمد مستقا. وبعد أن وفق ذو القرنين ذلك التوفيق.

стр. 6616

(قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) بعد أن عمل ذلك العمل - الذي لَا مثيل له في تاريخ البشر إلى عصر من عمله - لم ينسبه إلى نفسه، بل جعله من ربه، والإشارة في (هَذَا رَحْمَةٌ من رَّبِّي) إلى أن البناء وتدبيره، ومادته، ليس من قدرة الإنسان إنما هو من توفيق الديان وقال: إنه من رحمة اللَّه بعباده؛ لأن من رحمته تعالت قدرته أن الفساد وأهله يُدفع بأهل الخير والصلاح (. . . وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ). ولم ينس اليوم الآخر، والبعث فجعل الحد لزمانه هو يوم البعث، فقال: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ)، أي يَتَدكْدَك ويجعله أرضا مستوية، لَا علو فيها، ولو كان من حديد ونحاس. ثم أكد البعث فقال: (وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) لَا يرتاب فيه عاقل، واللَّه أعلم.

стр. 6617

* * * ترك المفسدين إلى يوم الحشر قال اللَّه تعالى: (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩) وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦) * * * انتهت الآيات السابقة ببناء إسكندر ذي القرنين للسد، وكان ذو القرنين صورة للحاكم المجاهد الذي يعمل لمصلحة من يحكمهم يجلب الخير لهم، ويعمل ما يصلحهم، ويدفع الفساد والمفسدين، وقد دفعه - وترك يأجوج ومأجوج يفسدون فيما بينهم.). ولقد قال تعالى بعد أن ذكر بناء الحاكم الصالح للسد، وإحكام بنيانه:

стр. 6618

(وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا). الضمير في (بَعْضَهُمْ) يعود إلى يأجوج ومأجوج، فانحصر شرهم، ولم يتعد فسادهم إلى غيرهم، فالجماعة الشريرة إذا لم يمكن إصلاحها يكون علاج الناس بالوقاية منها وإبعادهم عنها.

стр. 6619

ويصح أن يكون الضمير في بعضهم يعود إلى الخلق على أساس أنه حاضر في العقل معنى المخلوقات، وقد ساق ذلك الرأي الزمخشري على أنه هو الظاهر المتبادر، وغيره هو غير الظاهر وغير المتبادر. ويكون المعنى على أن الضمير يعود إلى الخلق أن اللَّه تعالى خلق الناس بغرائز قد تتعارض رغباتها، فيكون منهم المسيء ويكون المحسن وبتنازعون أو يتخالفون، أو يعتدى بعضهم على بعض حتى يكون يوم الفصل، ودعوة الجميع إلى الحشر. وقوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ)، أي في الدنيا، حيث الاختبار، والتدافع بين الحق والباطل والخير والشر، والصلاح والفساد، وقوله: (يَمُوجُ فِي بَعْضٍ)، أي أن بعضهم يتدافع مع البعض تدافع الأمواج وهي مصطحبة فيتدافع الأخيار مع الأشرار تدافع الأمواج يدفع بعضها بعضا، وهي تعلو وتنخفض. حتى يُدعوا جميعا إلى اللَّه تعالى، وعبر عن ذلك بقوله: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا)، أي ناديناهم كما ينادي القائد الجند فينفخ في الصور فيجمعهم جمعا، لَا يتخلف منهم أحد، وقد شبه في هذا إعادة الناس والبعث والنشور وخروجهم من فورهم من كل حدب ينسلون بالقائد، عندما ينفخ في البوق للجند، وفي هذا إشعار بأن البعث لَا يكون بأكثر من قول اللَّه تعالى: (. . . كُن فَيَكُونُ)، وقوله تعالى: (فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا) فيه أمران بيانيان: الأمر الأول - أنه عبر بالماضي وهو للمستقبل، لتأكيد الوقوع. الأمر الثاني - أنه ذكر المصدر لتأكيد أن البعث يعم الجميع، ولا يتخلف عنه أحد. تعالى: وإنه عقب البعث تكون القيامة وتكون الحقائق مرئية لهم بالعيان؛ ولذا قال: (وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠)

стр. 6620

و (يَوْمَئِذٍ) هو يوم القيامة، أي عرضنا جهنم للكافرين بسبب كفرهم عرضا، أي يرونها رأي العين من غير غشاوة تحول بينهم وبين رؤيتها، والإتيان بالمصدر لتأكيد أنهم يرون ذلك رأي العين، ولا يخفى عليهم من نتائج أعمالهم شيء من الخفاء. وخص الكافرين بذكر العرض مع أنها تكون معلومة للجميع لأنهم أهلها، ولأنهم الذين كانوا يتغافلون، وهم الذين كانوا ينكرون البعث وما وراءه. ولقد قال تعالى كيف كانت حالهم بالنسبة لذكر اللَّه للعذاب والثواب والبعث، فقال عز من قائل:
следующие страницы →