قُووِم في عصره، فكيف يقال خلف هؤلاء مع أنهم كان أمثالهم في عصرهم، ونقول: إن أولئك الأخلاف الذين خالفوا النبيين كانوا في أقوام من أتباعهم من حرفوا أقوال النبيين، وحرفوا القول عن مواضعه كبني إسرائيل، والذين حملوا إنجيل عيسى كان منهم من تخلف عن هدايته وتنكب عن سبيله.
وصف اللَّه تعالى الأخلاف الذين انحرفوا بسبب هذا الانحراف ونتيجته، فقال عز من قائل: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ)، وذكر أسباب انحرافهم فحصره في أمرين أو ذكر أن أكبر أسبابه أمران: الأمر الأول: أنهم (أَضَاعُوا الصَّلاةَ)، ومعنى إضاعة الصلاة إضاعة الدين، لأنها عمود كل دين، وكما قال النبي ﷺ ، " لا دين من غير صلاة "، فهي سمة الدين وشعاره، ومعنى إضاعتها إهمالها، أو الصلاة من غير إقامتها على وجهها، أو الصلاة التي فقدت الخشوع والخضوع، وهذا لبابها، أو الإتيان بصلاة لا تنهى عن الفحشاء والمنكر، بل تلابسها.
الأمر الثاني: هو اتباع الشهوات، فإنه إذا سيطرت الشهوات على النفس، وصارت سيدا مطاعا انحرف الاعتقاد تبعا لها، وحينئذ يتخذون إلههم هواهم وكان معبودهم وسرى ذلك إلى كل أعمالهم.
وقد نبه سبحانه إلى النتيجة من ذلك فقال تعالى: (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا)، الغي ضد الرشاد وهو الغواية، وهي تنكب الطريق المستقيم، إن اتباع الشهوات وجعل الأهواء لها السلطان الأكمل سبيل الفساد والغواية، وبها تنكب الرشاد؛ وذلك أن الهدى والعقل نقيضان لَا يجتمعان في قلب واحد، فإذا كان سلطان الهوى ذهب العقل وقوله: (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ) " سوف " هنا لتأكيد وقوع الفعل في المستقبل، وقوله تعالى: (يَلْقَوْنَ)، أي يجدون أمامهم وهو نتيجة طبيعية لترك الصلاة واتباع الشهوات.
وإن الله تعالى الكريم يستثني المتقين الأبرار؛ ولذا قال تعالى:
стр. 6757
(إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠)
الاستثناء هنا منقطع، وليس استثناء متصلا؛ فـ (مَن تَابَ وَآمَنَ) لا يدخل في عموم من اتبعوا الشهوات وأضاعوا الصلاة، فـ (إِلَّا) بمعنى " لكن "، وهي مقابلة بين المؤمن وغيره، فالأول يتبع الشهوات، والثاني مؤمن تواب إلى ربه راجع إليه طالب، وقوله تعالى: (إِلَّا من تَابَ) يشمل من غَوِي منهم الأهواء والشهوات ورجع إلى ربه، ومن لم يسيطر عليه هواه ابتداءً واتبع سبيل الحق، ويكون التعبير عنه بـ (تَابَ) إشارة إلى الإذعان الكامل؛ لأن المؤمن التواب وصل إلى أعلى درجات الإيمان، لأنه يستصغر أفعاله أمام اللَّه ويحسب نفسه مقصرا فلا يُدِلّ بالطاعة، بل يستشعر الخشية الدائمة ويغلب عليه الخوف ولا يغلب عليه رجاء الثواب، لأنه يستكثر خطأه، ويستقل طاعته.
(فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا)، الإشارة إلى التائبين الراجعين إلى اللَّه تعالى، والإشارة إلى الموصوفين بأوصاف تدل على أن هذه الأوصاف سبب الحكم، وهو أنهم (يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ) التي هي جزاء المتقين، (وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا)، أي لَا ينقصون أي شيء من النقص، بل يأخذون جزاءهم جزاء وفاقا لما عملوا من طيبات، ولتجردهم من شهوات الدنيا وخلاصهم من أهوائها المردية.
وذكر اللَّه تعالى في وصف الجنة أنها التي (وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ) للإشارة إلى أنها من فضل رحمته بعباده الذين يريد منهم الرشاد، ولا يرضى لهم الكفر والانحراف عن طريق الإيمان، ولذا قال:
стр. 6758
(جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١)
(جَنَّاتِ عَدْنٍ): هي جنة الإقامة الدائمة، كما قال تعالى: (. . . لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مقِيمٌ)، وقد وعد الرحمن عباده بالغيب، وذكر (الرَّحْمَن) هنا إشارة إلى أن ذلك من رحمة اللَّه تعالى، إذ كان منه الغفران وهو رحمة، وكان منه
стр. 6759
قبول التوبة، وهو رحمة وأن الحسنات يذهبن السيئات، وكان منه عفوه وغفرانه إلا أن يُشرك به.
وقوله تعالى: (بِالْغَيْبِ) متعلق بـ (وَعَدَ)؛ لأنه وعدهم سبحانه وهم غائبون عنه، وقد آمنوا بهذا الوعد واطمأنوا إليه، وهو غائب، فهم آمنوا بالبعث والجزاء والرحمة وهو غائب عنهم، فكانوا مؤمنين بالغيب وهو سبيل إدراك الحق، والإيمان بحقائق يوم القيامة، وقد أكد سبحانه صدق وعده وأنه لَا يخلف الميعاد بقوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا) الضمير في (إِنَّهُ) يعود على (الرَّحْمَنُ)، و (مَأتِيًّا) اسم مفعول، أي أنه يجعله آتيا لَا محالة، وذلك كقوله تعالى: (. . . إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ)، وبعض المفسرين فسر الوعد بأنه جنة عدن، وهو مأتي لَا محالة لمن وعدوا به، ونرى أن الوعد هو ما يتعلق بنعيم الجنة، واللَّه تعالى يمكِّن عباده من وعده، فيكون آتيا بالنسبة له، ومأتيا منهم إذ يمكنهم منه، و (جَنَّاتِ) بدل أو عطف بيان من قوله تعالى: (فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ)، وهنا يرد سؤال كيف يكون البدل جمعا، والمبدل منه مفردا؛ ونقول: إن اسم الجنس وهو (الجنة) عام يدخل في عمومه الكثير من الجنات فهو بدل جمع من جمع، وهناك قراءة " جنة عدن " (١) بالإفراد واللَّه تعالى أعلم.
وقد وصف اللَّه تعالى الحياة الفاضلة في الجنة فقال عز من قائل:
стр. 6760
(لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)
اللغو هو الكلام الذي لَا يكون له فائدة مذكورة عند العقلاء، وهو الذي يؤدي إلى المشاحنة والمنازعة، ومبادلة القول والجدال، وكل ذلك بعيد عن الحياة الفاضلة التي تكون في الجنة؛ ولذا قال تعالى في آية أخرى: (. . . لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثيمٌ)، وإن اللغو في الدنيا ليس من دأب الفضلاء، وسماعه ليس
стр. 6761
من شأن العقلاء. وقال في أوصاف الأبرار: (وَإذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ).
وقوله تعالى: (إِلَّا سَلَامًا) الاستثناء فيها منقطع، بمعنى لكن يسمعون سلاما، أي أمنا واطمئنانا وبعدا عن المشاحة والمنازعة والمخاصمة.
هذه هي الحياة المعنوية الطيبة الهادئة التي لَا لغو فيها ولا تأثيم، وقد ذكر أن الجسم فيها ينال حظه في مواقيته فقال تعالى: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا)، أي أن طعامهم يأتيهم في أوقات منتظمة مستمرة وهي تجيء في البكور، وفي العشية.
أي على عادة المتناولين لهذه الحياة من غير زهادة ولا إفراط في الأخذ منها ليترفوا فيها، وفي ذلك الاعتدال تكون استقامة الحياة من غير مرض ولا عناء.
وإن تلك الجنة الطيبة التي تحيا فيها الروح، ويحيا فيها الجسم من غير إسراف ولا تفريط تكون للمتقين؛ ولذا قال تعالى:
стр. 6762
(تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)
الإشارة هنا للبعيد إعلاء لشأنها وتشويفا وتكريما لها (نُورِثُ)، أي يجعلها ميراثا لمن كان تقيا، وسميت ميراثا أورث اللَّه تعالى به، لأنه خلف للعمل الصالح، ولأنه ترك الأهواء والشهوات فأخذ بديلا لها تلك الجنة وهي أغلى وأدوم، وسمى ذلك توريثا؛ لأنها خلف، كما يملك الوارث بالخلافة بيد أن ذلك ميراث عن عمل صالح بنعيم دائم فهو دائم بدوام المال الموروث، وقد قال في هذا الزمخشري ما نصه: " نورث: استعارة أي نبقي عليه الجنة كما نبقي على الوارث المال الموروث؛ ولأن الأتقياء يلقون ربهم يوم القيامة قد انقضت أعمالهم وثمرتها باقية، وهي الجنة، فإذا دخلوا الجنة أورثهم من تقواهم كما يورث الوارث المال ".
стр. 6763
وقوله تعالى: (نُورِث مِنْ عِبَادنَا مَن كَانَ تَقِيًّا) (مَنْ) مفعول، و (مِنْ) للتبعيض وقوله تعالى: (كَانَ تَقِيًّا) تفيد الملازمة للتقوى لَا يتحول عنها؛ لأن (كانَ) تدل على الدوام والاستمرار.
стр. 6764
(وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)
(وَمَا نَتَنَزَّلُ) هذا بيان من متكلم ما هو؟ أهو من الملائكة أم من المتقين؛ إن النص يحتملهما، وقد روي أن ذلك من الملائكة، وروى البخاري والترمذي أن الذي قال ذلك جبريل ﵇، فإنه قد روى الترمذي والبخاري عن ابن عباس أن النبي ﷺ ، قال لجبريل ﵇: " ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا "، فنزلت هذه الآية (١)، ومعناها على ذلك، (وَمَا نَتَنَزَّلُ)، أي نتنزل نحن الملائكة (إِلَّا بِأمْرِ رَبِّكَ) الذي خلقك، فلا ننزل من تلقاء أنفسنا بل بإرادة، وروي أنه قال النبي ﷺ : " أنا أشوق إليك ".
وقد قيل: إن المشركين قالوا: قلاه اللَّه وودعه، وقد قال تعالى في سورة الضحى: (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ ومَا قَلَى) هذا تخريج تؤيده الرواية الصحيحة، ونتنزل أي ننزل وقتا بعد آخر.
وهناك تخريج آخر وهو أن قائل ذلك هم المتقون الذين نزلوا الجنة، وأدخلهم الله تعالى فيها، ويكون معنى التنزل النزول إليها مترفقين، ويكون كلامهم إعلانا لشكرهم للَّه تعالى.
ونحن نميل إلى التخريج الأول ونرجحه؛ لأنه قد ورد فيه حديث صحيح، وهو معقول في ذاته؛ ولأن التعبير بالتنزل يدل على النزول وقتا بعد آخر، وذلك يتفق مع نزول جبريل، ولا يتفق مع دخول الجنة؛ لأنه يكون دفعة واحدة، ولأنه
стр. 6765
هو الذي يناسب نفي النسيان في قوله بعد ذلك: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) " فعيل " من " نسي "، أي ناسيا نسيانا شديدا حتى يترك نبيه، وقد أرسله لبيان شريعته، والدعوة بقرآنه الحكيم الذي هو تنزيل من حكيم حميد.
وقد ذكر الملائكة قدرة اللَّه تعالى، وأنه هو الملك للملائكة والإنس والجن، فقالوا كما حكى اللَّه تعالى عنهم: (لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْن ذَلِكَ)، له ما مضى من أمرنا لَا يعلمه سواه، وله ما بين أيدينا مما هو مبهما، وما خلفنا مما تركنا، وما بين ذلك هو حاضرنا، وملكيته سبحانه لحاضرنا، وهو ما بين ملك المتصرف العالم علما محيطا.
وقد بين ملكه للسماوات والأرض فقال:
стр. 6766
(رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)
(رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو رب السماوات والأرض الذي يملك كل شيء ما بين أيدينا وما خلفنا ويعلم كل خلقه، هو رب السماوات ورب الأرض ورب ما بينهما من فضاء، وإذا كان هو الرب الخالق لكل شيء ولا خالق سواه فإنه وحده الذي يستحق العبادة، ولذا قال تعالى: (فَاعْبُدْه وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ)، و " الفاء " لترتيب ما بعدها على ما قبلها؛ لأنه إذا كان الخالق القائم بحق الربوبية، الحي القيوم فهو وحده المستحق للعبادة، ولكن هذه العبادة لا يستقيم لها الإنسان وسط الأهواء والأوهام، وما يألف الناس من عبادة الأحجار والأشخاص ليس الطريق الإنساني إليها معبدا، ولذلك كان المؤمن يحتاج إلى صبر فقال تعالى: (وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ) أصل اصطبر " اصتبر " قلبت تاء الافتعال طاء لقرب التاء من الطاء، ومعنى الافتعال هنا الصبر، وتحمل ما يكلفه النفس من جهود، ونبه سبحانه إلى أنه لَا مشابه له من الحوادث، فقال: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا)، أي شبيها، والاستفهام للإنكار بمعنى النفي، أي لَا تعلم له شبيها فهو
стр. 6767
منزه عن الحوادث كقوله تعالى: (. . . لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).
وهذا النفي بالاستفهام الإنكاري دليل على استحقاقه وحده للعبادة لأنه لَا شبيه له.
* * *
إنكار الإنسان للبعث
قال اللَّه تعالى:
(وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤)
* * *
الإنسان ينظر دائما إلى حاضره ولا ينظر إلى قابله، وينكر القابل إذا لم يتفق مع حاضره إلا أن يكون ممن هداهم اللَّه وآمنوا بالغيب إيمانهم بالشاهد، ولم يحصروا علمهم في المحسوس لَا يخرجون عنه، وقد قال تعالى:
стр. 6768
(وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦)
الإنسان المأسور بالحسّ الذي لَا ينفذ عقله إلى ما وراء الحس من غيب ستره اللَّه تعالى، ولا يؤمن به إلا بنقل صادق، وعلى ذلك يكون المراد بعض الإنسان لا كل آحاده، وعبر عن هذا البعض باسم الكل؛ لأن ما يقوله بعضهم مساير لإحساس الكثيرين منهم، أو لحال الإنسان قبل أن يجيئه النقل القاطع الجازم، ولأنه مشتق من طبيعة الإنسان المأسور بالحاضر المحسوس، لَا القابل المغيب.
وبعضهم يقول: إن الجنس هو المتحدث عنه، فجنس الإنسان يدرك الحس وحده، إلا من رحم ربك.
ويقول تعالى: (وَيَقُولُ الإنسَانُ) عبر بالمضارع للإشارة إلى تكراره، وأنه يذكره مرارا، وللإشارة إلى صورة قوله المتكرر (أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَج حَيًّا) الاستفهام في ظاهر اللفظ ومدلوله داخل على (لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا) وتركيب القول، ولكلام اللَّه تعالى المثل الأعلى. لسوف أخرج حيا إذا ما مت، وتأخرت (لَسَوْفَ) على " إذا " الأمرين:
الأمر الأول: أن الاستفهام له الصدارة.
الأمر الثاني: أن موضع الإنكار ليس هو الإخراج إنما هو أن يكون بعد
الموت وأن يصير رميما، كقوله تعالى (. . . مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩).
والمعنى على هذا التخريج: أحقا مؤكدا سوف يخرج حيا مجتمع الأجزاء غير مفرق، و " اللام " لتأكيد الخروج، وسوف لتأكيد الوقوع في المستقبل، ولقد بين سبحانه أنه لَا غرابة في الإعادة بعد الموت فقال:
стр. 6769
(أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)
الواو عاطفة على فعل مذكور مشار إليه فيما سبق، وتقديره، أيقول ذلك ولا يذكر الإنسان. . .
стр. 6770
" أو " الواو عاطفة ومقامها التقديم وأُخرت، لأن الاستفهام له الصدارة، والاستفهام هنا إنكاري بمعنى إنكار الواقع، وإنكار الواقع توبيخ، أي: أيقول ذلك، ولا يذكر أنه خلق ولم يكُ شيئا، فهو توبيخ على هذا النسيان الذي ينسى أصله، وكيف تكوَّن، ولا ينسيه إلا الشيطان، وأظهر الإنسان، وكان مساق القول ألا يظهر، وذلك لانصباب التوبيخ عليه، ولتأكيد النسيان الذي هو طبيعة في الحياة الإنسانية، إذ هي تنسى ما يغيب عنها ولا تذكر، ولقد قال اللَّه تعالى في مساق التوبيخ: (أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا)، أي لَا وجود له، ولا شك أن الخلق من غير صورة وابتداء الإنشاء من طين وتصويره نطفة فعلقة فمضغة مخلقة وغير مخلقة. . أصعب من إعادته مصورا يمر على هذه الأدوار التكوينية، بل كان بمجرد قوله كن فيكون، وبمجرد النفخ في الصور، وقد قال تعالى: (. . . كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) وإن جمع الأجزاء المتناثرة أقل صعوبة من إنشائها وإبداعها، قال تعالى: (قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ. . .).
ولقد أكد اللَّه البعث بالقسم برب الوجود مضافا إلى سيد الوجود، فقال:
стр. 6771
(فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)
أقسم بذاته العلية الكريمة مضافا إلى نبيه، بيانا لإعزازه وإعلانه وتكريمه، وكان القسم بالذات العلية بعنوان الربوبية الكالئة الحامية المتصلة بالإنسان، وبأكرم إنسان وهو محمد ﷺ ، وفي ذلك إشارة إلى أن البعث من الربوبية، فهو كما أنشأكم وكلأكم ورباكم يبعثكم، فهو لم يخلقكم عبثا، و " الفاء " هنا للتعقيب على التوبيخ بتأكيد الأمر الذي قرره وقدره وأنكروه بل استنكروه، و " اللام " في قوله تعالى: (لَنَحْشُرَنَّهُمْ) لام القسم الواقعة في جوابه، ولذا أكد بنون التوكيد الثقيلة، و " الواو " واو المعية في قوله تعالى: (وَالشَّيَاطِينَ)، أي أنهم يحشرون معهم، وهم الذين أضلوهم، وجعلوهم بالأوهام التي بُثَّت فيهم يعبدون الأوثان.
стр. 6772
ثم ذكر تعالى ما يكوِن بعد الحشر وهو إحضارهم إلى جهنم، فقال تعالى مقسما: (ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا)، (ثُمَّ) عاطفة على جواب أقسم (لَنَحْشُرَنَّهُمْ) فهو سبحانه بعد أن يحشرهم مع شياطينهم الذين وسوسوا لهم بعبادة الأوثان يحضرون، وإن ذلك وإن كان خاصا بالكفرة؛ لأنهم الذين أغواهم الشياطين وأضلوهم، ولكن أضيفت إلى الجميع الأبرار والفجار؛ لأن الحشر للجميع، والجميع يرون جهنم كي تتلى الآيات من بعد.
والإحضار حول جهنم جاثين على ركبهم؛ ولذا قال تعالى: (ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا)، والجثي جمع جاث، وهم الجالسون على ركبهم.
فقال تعالى: (وَتَرَى كلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً. . .)، وذلك يكون في أحوال تناقلات القول، وذلك من تجاثي أهلها على ركبهم، وذلك يكون في حال الاستفزاز والقلق، وكأنهم لهول ما يرون يتجاثون على ركبهم فزعين قد أصابهم الهلع، ويكونون حول جهنم مترقبين ما يكون من أمرهم في جزع.
والعطف بـ (ثُمَّ) يقتضي فاصلا بأمد ليس قصيرا بين الحشر والإحضار، وذلك الأمد يكون فيه الحساب ويكون ما يقرره اللَّه لأهل البر، وما يقرره للفجار، فكل يحضر حول جهنم ثم يكون الأبرار بعد ذلك للجنة إذ يرون ما آل إليه أمر الكفار، كما سنتلو قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا).
ويقول في أحوال يوم القيامة وأهواله:
стр. 6773
(ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩)
(ثُمَّ) عاطفة للترتيب والتراخي، لأنه ترتيب أعمال يوم، فيكون الحشر ثم الإحضار إلى جهنم جثيا ثم نزع أشدهم عتوا من الشيع، من كل شيعة أعتاها وأجرؤها على الرحمن، وقوله تعالى: (لَنَنزِعَنَّ) " اللام " لام القسم التي تكون في جوابه وهي تنبئ عن قَسَم مقدَّر في القول، والنزع الاستخراج لَا اختيار
стр. 6774
للمنزوع فيه، بل متخيَّر مأخوذ أخذا لَا اختيار له فيه، الشيعة على وزن " فِعْلة "، وهي الطائفة المتشايعة في عنادها وكبريائها وعصيانها، والنزع من كل طائفة لها هذا التعاون على الشر، وقوله تعالى: (أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا) والعتي مصدر عتا يعتو عتيا بالضم وعِتيا بالكسر، وعتوا، وأشد شرا فيهم، و (أَيُّهُمْ) قد تكون في معنى الاستفهام، والجواب عنه، أي الذي يقال فيهم أيهم أشد على الرحمن، أي أجرأ في الباطل والظلم والاستكبار، وقيل: أشد على الرحمن عتيا؛ لأنه إذا كان عاتيا على الرحمن جريئا عليه، فهو ممعن في الشر إمعانا، إذ هو غير شاكر للرحمة؛ لأنه ممعن في الاستكبار على مصدرها ومرسلها، وهكذا ينزع اللَّه تعالى يوم القيامة من فئة متشايعة على الشر أشدهم عتوا وتجبرا ثم الذي يليه كل في طبقته من الشر، وهذا يشير إلى أن من دون هؤلاء عتوا وجحودا، قد يكون في موضع الغفران إذا تاب، وإن الحسنات يذهبن السيئات، وإنه بعد نزع أشدهم عتوا يكون الصليّ في نار جهنم، ولذا قال تعالى:
стр. 6775
(ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠)
أي أنه ينزع أشدهم عتوا من بين الأشرار فئة فئة، واللَّه تعالى أعلم بمن هم أولى بالنار صليا، و (صِلِيًّا) مصدر صلى يصلي صليا مثل مضى يمضي مضيا، وهوى يهوي هويا، ومعنى (أَوْلَى)، أي أحق بأن يصطلى هذه النار، والعطف بـ (ثُمَّ) يفيد التراخي المعنوي بين النزع من الشيع، وصليها بالنار فإنه يكون العرض، ثم يكون الإلقاء في النار إلقاءً، وهكذا يختار من الشيع المستغرقة في الشر المتشايعة فيه أعتاها، ثم يلقى أحقها بالصلي في النار، ويعفو اللَّه سبحانه عن بعض العصاة غير المشركين إذا تابوا أو كانت لهم حسنات تكافئ سيئاتهم؛ لأن اللَّه تعالى يقول: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ. . .)، ويقول: (. . . إِن الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَيِّئَاتِ. . .)، ويقول: (. . . وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ).
стр. 6776
وإن الناس جميعا يرون النار، ليعرف الأبرار مقدار إكرام اللَّه تعالى إذا دخلوا، فيرون الفرق بين الجنة والنار، وبين النعيم المقيم وعذاب الجحيم، ولذا قال تعالى:
стр. 6777
(وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)
(إن) هنا نافية، والمعنى ما منكم إلا واردها، وقد التفت من الغيبة إلى الخطاب؛ لمواجهة عباده بما قرر لهم وما قدره عليهم، والورود ليس معناه الدخول، بل إن المؤمن يرِدُها ولا يُلقى ولا يُعذب فيها، وبذلك يوفق بين قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا)، وقوله تعالى بالنسبة للمؤمنين: (. . . أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ)، أي مبعدون من عذابها ولا يلقون فيها ولا يدخلونها، وروي أن المؤمنين يوردون عليها وهي ضاورة (١)، أي خامدة بالنسبة إليهم لَا تمسهم ولا يلقون عذابها.
(كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا)، (كَانَ) ذلك الورود (عَلَى رَبِّكَ) الذي خلقك ورباك (حَتْمًا)، أي لازمًا، (مَّقْضِيًّا)، أي قضاه اللَّه تعالى وكتبه على نفسه، كما قال تعالى: (. . . كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نفْسِهِ الرَّحْمَةَ. . .)، وإن هذا الكلام لتأكيد الوقوع، وإنه قد كتبه على ذاته العلية، ولا إلزام عليه من أحد ولا يصح أن يستدل به الذين يقولون بوجوب الصلاح أو الأصلح، فإن هذا ليس من ذلك الباب في شيء، إنما لتأكيد الوقوع والقضاء منه، وهو الذي يقضي ويقدر وهو العزيز الحكيم.
وبعد أن يردها الجميع يصطفي اللَّه تعالى ممن وردها المؤمنين التقاة، فينجيهم منها؛ ولذا يقول تعالى:
стр. 6778
العطف بـ (ثُمَّ) هنا للتفاوت البعيد بين النجاة التي كتبها اللَّه للذين اتقوا، والصلي الذي كان لأولى الناس بالصلي في علم اللَّه تعالى، والنجاة تكون للذين اتقوا العذاب ولم يشركوا باللَّه شيئا فلم يعبدوا الأوثان، ولم يفتنوا أحدا في دينه، ولم يكفروا بآيات اللَّه تعالى ووحدانيته، وذكر الموصول يدل على أن الصلة وهي التقوى السبب في الإنجاء أو التنجية، والتنجية هي المبالغة في النجاة. هذا بالنسبة للمتقين، أما الكافرون فقال اللَّه تعالى فيهم: (وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا)، أي جاثين على ركبهم ذلا وفزعا ورعبا وألمًا، والجثي تصوير لحالهم بالحس الدال على أنهم في أشد الفزع والألم، و (وَنَذَرُ) معناها نتركهم، وعبر عن الكافرين بـ (الظَّالِمِينَ)؛ لأنهم ظلموا أنفسهم بكفرهم وإشراكهم، وظلموا الناس بفسادهم، وظلموهم بالفتنة والصد عن سبيل اللَّه في معاملتهم للمخالفين لهم، وظلموا الحق بجحودهم مع رؤية آياته:، (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلوًّا. . .).
стр. 6779
(وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣)
هذه أحوالهم في الآخرة، ولكنهم عنها عمون، فقد حسبوا أن الآخرة - إن كانت في زعمهم - ستكون لهم كما أن الدنيا تكون لهم؛ ولذا كانوا يستمرئون عنهم؛ ولذا قال اللَّه عنهم (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا).
(وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا)، أي يتلى عليهم القرآن المنزل من اللَّه تعالى، أي تقرأ آياته مرتلة واضحة بينة في ألفاظها وعباراتها المعجزة ومعانيها الواضحة الزاجرة الواعظة المبشرة المنذرة - أعرضوا عنها واستهزءوا بقراءتها وبالمؤمنين، وقالوا للذين آمنوا في شأنهم ساخرين منهم مستهزئين بهم ومستهينين بأمرهم: (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ) المؤمن والكافر، والبر والفاجر (خَيْرٌ مَقَامًا) ومنزلة (وَأَحْسَنُ
стр. 6780
نَدِيًّا)، أي منتدى يجتمعون فيه ويسمرون، فهذا للأقوياء الكبراء ذوو المال والجاه والسطوة. وذلك للضعفاء والأرقاء المستذلين. ومؤدى القول أن المؤمنين ضعفاء مسترذلون في ذات أنفسهم ومكانهم في هذه، والذين يخالفونهم في منتدى طيب ومال وفير وعزة في النفر، وإذا كانوا كذلك فلابد أن يكون بعد ذلك كذلك إن كان بعث ونشور، ولا يظنونه، وهذا كقول قوم نوح له: (. . . وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ. . .)، ولقد قال في شأن الكافرين: (وَقَالَ الَّذِينَ كفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ. . .)، فهم يتخذون من أن الذين آمنو ضعفاء دليلا على البطلان، وذلك لغرورهم وضلالهم، وتلك فتنة وقعوا فيها، وذلك أنهم يحكمون على الأمر بأنه باطل لضعف أتباعهم، وبأنهم على حق بقوتهم، وتلك فتنة لهم، ولذلك قال تعالى: (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣).
وقد رد اللَّه قولهم ببيان أن العبرة بالعاقبة، لَا بالأمر الحاضر، وإن كثيرين من القرون السابقة أهلكهم اللَّه بظلمهم، ونجا الذين استضعفوا، وكان منهم أئمة وكانوا الوارثين؛ ولذا قال تعالى:
стр. 6781
(وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤)
(كم) هي العددية، أي وكثير من الأمم أهلكناهم قبلكم، وكانوا أحسن أثاثا، فبيوتهم كانت مملوءة بالمتاع الطيب؛ لأن الأثاث هو متاع البيت، و (الرئى): المنظر الحسن، أي إذا كنتم تفاخرون المؤمنين بأنكم أهل نَدِي حسن فيه الطنافس (١)
والآرائك والذرابي المبثوثة، وأنهم فقراء يعيشون في شدة، وليس لهم ندي كنديكم، وأنكم بذلك أهل الحق، والمؤمنون هم أهل الباطل، فقد أنصفهم اللَّه منكم وكان هلاك اللَّه نازلا بكم، والقرن الجماعة أو الأمة من الناس التي تعيش في زمن من الأزمان، وإذا كان الهلاك لَا يكون إلا لأهل الباطل فليس الغنى
(قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥)
يقول تعالى ردا على المشركين في غرورهم بالمال والبنين ومتعة الجاه والسلطان: (قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا) الخطاب لمحمد ﷺ يأمره بأن يبين لهم الحق وسنة اللَّه تعالى في أمر الضلالة والهداية، فهو سبحانه يَمُدُّ الذين أرادوا الضلالة وسلكوا سبيلها وأخذوا في أسبابها، يمدهم فيها مدا حتى يحسبوا أن الأمر إليهم، كما قال تعالى: (وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ)، يمهلهم سبحانه ويتركهم في غيهم يعمهون، ويزيدهم بالمال ويعطيهم، حتى يفرقهم الغرور ويجعلهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. وقال تعالى بلفظ الأمر: (فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا) جاء الخبر على صيغة الأمر؛ لبيان أن ذلك بإرادة اللَّه وكأنه يأمره به أمرا، وهو استدراج من اللَّه تعالى لهم، كما قال تعالى: (. . . سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ)، كما تلونا من قبل.
وأكد سبحانه إمهالهم واستدراجهم بالعطاء بوفرة عليهم بالمصدر (مَدًّا)، وأسند المد إلى الرحمن؛ وذلك لإفادة أن من رحمة اللَّه بعباده أن يمكن كُلًّا ما يحب، ثم يحاسب كُلًّا على ما فعل من خير أو شر، فيكافئ كُلًّا بما فعل إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
ويستمر الضال في غيه (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا)، ومما يوعدون هو أحد أمرين إما العذاب في الدنيا بالقتال والجهاد واستئصال الشرك، وقد رأوه في جهاد النبي ﷺ وقد اجتث الشرك اجتثاثا، وإن لم يكن الجهاد وضرب الشرك وجعل كلمة اللَّه هي العليا، فإنها تكون الساعة تستقبلهم ويكون العذاب يوم القيامة.
وعند الوصول إلى هذه الغاية المحتومة (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا)، " الفاء " عاطفة على (مَا يُوعَدُونَ)، و " السين " لتأكيد الفعل في المستقبل
стр. 6784
(مَنْ هُوَ شَرٌّ مكَانًا) يوم القيامة حيث يكون في الجحيم، وضعفاء المؤمنين في جنات النعيم، وهو رد على قولهم: (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا)، وقوله تعالى: (وَأَضْعَفُ جُندًا)، إذا كان عذابهم في الدنيا فإن أولئك الضعفاء الذين سخروا منهم سيكونون جند اللَّه تعالى ويسحقونهم سحقا، هذا شأن أهل الضلال الذين اتخذوا أسبابه والذين مدوا في ضلالتهم، وأملى لهم استدراجا، أما الذين سلكوا سبيل الهداية فقال تعالى:
стр. 6785
(وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦)
(وَيَزِيدُ اللَّه الَّذِينَ اهْتَدَوْا) بأن سلكوا طريق الهداية وأزالوا كل غشاوة ونفذوا إلى نور الحق (هُدًى) بأن يستمسكوا بالحق ويهتدوا بهديه. والآيات التي تنزل تزيدهم إيمانا فوق إيمانهم، وكل سورة تنزل تزيد قوة في إيمانهم، كما قال تعالى: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥).
وإن الذين اهتدوا تشرب قلوبهم حب الإيمان ويستمرئون الطاعة فيسيرون في طريقها، ويصلون إلى الغاية، وما كان من أعمالهم فهو باق له أجره وثوابه ويرد عليهم يوم القيامة، وإن كل خير يبقى، وكل شر يزول فهو كالزبد يكون له مظهر الوجود ولا يبقى، ولقد قال تعالى: (. . . فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ. . .)، والأعمال الصالحة لهذا باقية؛ ولذا قال تعالى: (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ) وهي ما تكون ثمرة للإيمان القوي المثمر (خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوابًا)، أي خير جزاء وقبولا عند اللَّه، أما غيرها من الأعمال التي لَا تكون ثمرة للإيمان فلا خير فيها ولا تبقى، ولقد قال في مثل ما ينفق الكافرون: (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧).
стр. 6786
فالباقيات الصالحات من أهل الإيمان تكون خير جزاء من أعمال الكافرين، و (خَيْرٌ) أفعل تفضيل، ولكنه ليس على بابه؛ لأن مقابله لَا خير فيه قط، وقوله تعالى: (وَخَيْرٌ مَّرَدًّا)، أي خير ما يرد به المؤمن يوم القيامة فهو يرجع عاريا من كل حلية إلا حلية العمل الذي يكون به الثواب ويكون لغيره العقاب، والخيرية في أفعل التفضيل ليست على بابها إذ لَا خير في غيرها إذا كان أفعل التفضيل ليس على بابه، فالمراد به أنه بلغ من الخيرية أعلى درجاته فلا خير يعلوه قط.
وإن منشأ الضلالة هو الغرور بهذه الحياة والطمع، وقد صور هذا الغرور في قوله:
(أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨).
إن المشركين مغرورون بالدنيا غرتهم بغرورها، وحسبوا أنها لَا حياة بعدها، وقدروا لأنفسم مقاديرها فهم يستمتعون بحاضرهم، ويحسبون أن قابلهم من جنس حاضرهم بل ذهب بهم فرط غرورهم إلى أن حسبوا أن البعث إن كان يكونون فيه الأعلين كما هم في الدنيا.
وقوله تعالى:
стр. 6787
(أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)
" الفاء " للترتيب والتعقيب، وهي تصور كيف يمد للكافر حتى يصيبه الغرور، وهي مؤخرة عن تقديم وتقدير القول: فأريت، ولكن الاستفهام له الصدارة فقدم على الفاء، والاستفهام للإنكار، إنكار الواقع، وهو بمعنى التنديد لمن كانت حاله كذلك في غروره، وقوله تعالى: (الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا)، أي جحدها وأنكر دلالتها على وحدانية الواحد الأحد الفرد الصمد، وهذا من الاستنكار الذي أفاده الاستفهام، وقال مقسما قسما هو حانث فيه (لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا)، و " اللام " لام القسم الواقعة في جوابه، ولذا كان التوكيد بنون التوكيد الثقيلة، وما كان له أن يحلف تلك اليمين الفاجرة الآثمة بأن سيكون له مال وولد، وقال في قسمه الحانث (لأُوتَيَنَّ)، أي أنه بإرادته وقدرته الواهمة سيكون له مال قد اتخذه وأخذه
стр. 6788
لنفسه، وقد قال في بيان أنه مغرور، ولا يكون الغرور صادقا:
стр. 6789
(أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)
الاستفهام إنكاري بمعنى إنكار الوقوع، فهو بمعنى النفي لما دخل الاستفهام عليه ومقابله، فهو لم يطلع على الغيب ولم يتخذ عند اللَّه عهدا.
قال الزمخشري في قوله: (أَطَلَعَ الْغَيْبَ) معناه أرتقى علم الغيب، من قِبَل قولهم: اطلع الجيل ارتقاه. وأرى أن قوله: اطلع تتضمن الرؤية، وهنا همزة استفهام، وهمزة الفعل، والمعنى أراى الغيب عيانا، أم اتخذ عهدا عند اللَّه تعالى، وإن شيئا من ذلك لم يحدث، فهو لم ير الغيب عيانا؛ إذ هو مطموس الفكر والنفس والقلب، وهو لَا عهد له عند اللَّه، كما قال تعالى: (. . . لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ).
стр. 6790
(كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩)
ويذكر المحدثون جميعا أن سبب نزول هذه الآية أن خباب بن الأرت المؤمن الذي عُذب في سبيل الله كان قينا، أي حدادا فصنع للعاص بن وائل شيئا فطالبه بأجرته، فلم يعطه حتى يكفر بمحمد فقال: لَا، فقال: إنكم تقولون إنكم ستبعثون، وسيكون لي ذهب فإني معطيك منه، فنزلت هذه الآيات. وقد رد الله تعالى كلامه فقال سبحانه: (سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا) وإن ما يقوله مكتوب في علم اللَّه تعالى الذي لَا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا يحصيها فكيف يقال: (سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ) بالسين التي تؤكد الكتابة في المستقبل، واللَّه به عليم، وقد أجاب الزمخشري عن ذلك بأن معنى (سَنَكْتُبُ)، أي سنظهر المكتوب، وأحسب أن معنى (سَنَكْتُبُ)، أي سنكتبه في كتابه الذي يقرأ عليه والذي ينطق بسيئاته حجة عليه قائمة لَا يكون له سبيل لإنكاره، أي نسجِّله عليه في صكِّه المنشور يوم القيامة.
ونمد له في غروره مدا، وسمي ذلك عذابا؛ لأنه سبب لعذابه، فذكر المسبب وأريد السبب، وذلك جائز في المجاز المرسل واللَّه تعالى أعلم. ثم يقول تعالى:
стр. 6791
(وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠)
(وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ)، أي نجعل ما يقول خلفا يتركه في الدنيا ويأتينا يوم القيامة فردا: منفردا عن ماله وولده، (مَا يَقولُ): هو الذي تألّى أن يكون له مال وولد ليكونا زينته في الحياة الدنيا فهو يعطاهما، ولكن يخلفها من بعده ويتركهما حيث كانا في الدنيا، ويجيء منفردا، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُم أَوَّلَ مَرَّةٍ. . .)، فلا مالا ولا ولد يبقى، إنما الباقيات الصالحات كما قال تعالى. ويصح أن نقول: إن ما يقول هو دعاء الأنداد والإشراك باللَّه تعالى، وفتنة المؤمنين في دينهم، وادعاؤه أنه أولى بالنجاة من المؤمنين إن كانت، وإنكاره البدث، وقوله: (. . . أَئِذَا كنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ. . .).
وهذا الذي يقوله في الدنيا من افتراء على اللَّه وكذب، وكل هذا سيكون ميراثه يوم القيامة ينال عذابه ويدخل جهنم وبئس المهاد.
وإضافة الميراث للَّه سبحانه؛ لأنه سبحانه هو الذي يقوم بعمل التوريث في الدنيا، فيورثه أخلافه، على التفسير الأول، وهو الذي يورثه العقاب الأليم على المعنى الثاني وهو الذي نختاره، واللَّه - تعالى - أعلم بمراده.
وبعد ذلك بين اللَّه أنواع الكافرين، فبعضهم يتخذ آلهة من دون الله، وبعضهم قالوا اتخذ الرحمن ولدا، فأما الأولون فقال سبحانه فيهم:
стр. 6792
(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)
هذا فريق من الكافرين، وجعل الضمير يعود إلى جمعهم، لأنهم جميعا اتخذوا آلهة، فقوم اتخذوا أصناما آلهة، وآخرون عبدوا النجوم، وغيرهم عبدوا الملائكة وقالوا بنات اللَّه - تعالى - وبعضهم عبدوا الأشخاص، كالهنود الذين عبدوا كرشنه، والبوذيين الذين عبدوا بوذا. وكل يرى في معبوده نصيرا ينصره، وشفيعا يشفع له، وعبدة الأصنام كانوا يعبدونهم ليقربوهم إلى اللَّه
стр. 6793
زُلْفَى، وقالوا: (. . . مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى. . .)، وقد رد اللَّه ذلك ردا زاجرا، فقال سبحانه:
стр. 6794
(كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)
(كَلَّا) حرف للردع والزجر وبيان الغفلة وسوء التقدير والجهل؛ لأنهم في الوقت الذي يحتاجون إلى نصرتهم سيكفرون بعبادتهم، والضمير في قوله تعالى: (سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِم) يعود إلى العابدين، ويكون المعنى أنهم في يوم القيامة يوم يحتاجون إلى النصير، ويعتزون بالولي يكفرون بعبادة الأوثان التي كانوا يرجون منها النصرة والعزة في الدنيا؛ إذ تتبين حالهم ويتكشف أمرهم، ويرون أنها لَا تملك من أمرها شيئا، ويظهر الصبح، وينجلي الحق (وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا)، أي يكون العابدون ضدا عليهم ولا يكونون معهم.
هذا على أن الضمير يعود على العابدين الذين عبدوا آلهة من دون اللَّه
- تعالى -، بل يصل الأمر إلى أن ينكروا عبادتهم لهم، كقوله تعالى: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)، وكما قال تعالى:
(وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦).
ويصح أن يعود الضمير على الآلهة التي اتخذوها من دون اللَّه، بتنزيل الأوثان منزلة العقلاء في زعمهم، والمعنى أن الأصنام التي أرادوها عزا لهم ستكون ضدا عليهم، وتتبرأ منهم فلا يكونون عونا لهم بل يكونون عونا عليهِم، كما قال تعالى: (وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (٨٦). وقال تعالى في سورة إبراهيم: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١) وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ
стр. 6795
دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢).
وربما يكون من الممكن أن نقول: إن الضمير يعود إلى العابد والمعبود، فكِلا الفريقين يكفر بالآخر ويكون عليه ضدا، واللَّه أعلم بمراده، ويقول الله تعالى في إغراء الشياطين:
(أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)
هذا بيان لتمكين اللَّه الشياطين من الكافرين باستفزازهم وتهييجهم للشر،