(إِذْ) متعلقة بـ (اذْكُرْ)، أي اذكر حال دعوته لأبيه تلك الدعوة الرفيقة المقربة الميسرة الهادية المرشدة، وأمر اللَّه تعالى نبيه محمدا ﷺ بأن يذكرها في الكتاب لتتلى على الناس ويأخذوها سُنة في الدعوة إلى الحق، وخصوصا الأقربين الأدنين لهم، والتاء في قوله تعالى: (يَا أَبَتِ) عوض عن ياء المتكلم، وذكرها بدل الياء مبالغة في التلطف والرفق، بل ربما يكون فيها من تدلل الأبناء على الآباء معنى محبب مقرب.
وابتدأ بأن قال غير موجه لوما ولكن ساق إرشاده مَساق الاستفهام المستدنى، لا مقام الآمر المستعلي سائلا له سؤال المستفهِم في سياقه، ولكن المنبه بأرفق تعبير: (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا)، لقد وصف معبوده وهو الصنم بثلاث صفات سلبية:
الوصف الأول: أنه لَا يسمع، وكيف يعبد من يسمع ما لَا يسمع، فهو أقل كمالا منه وهو عاجز، لأن عدم السماع عجز.
стр. 6722
الوصف الثاني: أنه لَا يبصر وأنت تبصر، ومن يبصر أكمل مما لَا يبصر، فكيف تعبد هذا الذي ينقص عنك، وأنت خير وأفضل منه.
الوصف الثالث: أنه لَا يدفع عنه ضرا ولا يجلب له نفعا، وهذا قوله تعالى: (وَلا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا)، أي لَا يدفع شيئا، ومجموع هذه الصفات السلبية تفيد أنه لَا يجلب له أي نفع؛ لأنه فاقد لصفات اللَّه التي يكون بها القدرة على وقد قال الزمخشري في ذلك: " انظر حين أراد أن ينصح أباه، ويعظه فيما كان متورطا فيه من الخطأ العظيم والارتكاب الشنيع الذي عصى فيه أمر العقلاء وانسلخ عن قضية التمييز من الغباوة التي ليس بعدها غباوة، كيف رتب الكلام معه في أحسن اتساق، وساقه أرشق مساق، مع استعمال المجاملة والرفق واللين والأدب الجميل والخلق الحسن منتصحا في ذلك بنصيحة ربه عز وعلا، حدث أبو هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : " أوحى الله إلى إبراهيم ﵇ إنك خليلي، حَسِّنْ خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار، فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أظله تحت عرشي وأسكنه حظيرة القدس وأدنيه جِواري " (١).
وإنه بعد أن نبه إلى أن الأوثان تتقاصر عن مقام الألوهية، بل حتى الإنسانية، بل الحيوانية أخذ يوجهه إلى الحق الكامل، فقال في رفق أيضا كما ابتدأ أولا مُصَدِّرًا القول بخطاب المحبة الراجية.
стр. 6723
(يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣)
يقول العلماء التحلية قبل التخلية، بين أن الأوثان عاجزة في ذاتها عن جلب النفع ودفع الضرر، وذلك كافٍ للامتناع عن عبادتها، فإنما يعبد العاقل من هو أعلى منه قدرة وفهما وإدراكا، وهذه دونه في الخلق والتكوين، فمن يعبد؟! أخذ يبين له المعبود فقال بنداء المتوسل المتحبب: (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ)
стр. 6724
لم يرم أباه بالجهل، وقد منعه الخُلُق الودود من ذلك، بل قال له (جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ)
والمعرفة (مَا لَمْ يَأْتِكَ) فتعفف عن أن يرميه بالجهل، وتعفف عن ادعاء العلم الكامل حتى لَا يكون مستطيلا بفضل علمه على أبيه ومستعليا عليه، بل قال: (مِنَ الْعِلْمِ)، أي بعض العلم، وذلك يجعلني أدعوك إلى الحق، وذكره العلم داع لأن يتبعه؛ لأن الأب الرفيق العاطف يحب لابنه العلم، ولو كان أعلى منه، وإذا كان له بعض العلم الذي يسره، ولا يضره، فإنه يتبعه، ولذا قال: (فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا) " الفاء " هنا تفصح عن شرط مقدر تقديره: إذا كنت قد أوتيت هذا العلم فاتبعني أهدك، كما يتبع السائر في طريق لَا يعلمه الرائد الخريت (١) العارف.
والصراط: الطريق كما ذكرنا، والسوي: المستوي الذي لَا عوج فيه ولا أمت، وقد قال الزمخشري في هذا النداء من ذلك الابن البار بأبيه: " ثنى ﵇ بدعوته إلى الحق مترفقا متلطفا، فلم يسم أباه بالجهل المفرط، ولا نفسه بالعلم الفائق، ولكنه قال إن معي طائفة من العلم وشيئا منه ليس معك، وذلك علم الدلالة على الطريق السوي فلا تستنكف، وهبني وإياك في سير وعندي معرفة بالهداية دونك، فاتبعني أنجيك من أن تضل وتتيه ".
وبعد أن نبه إلى أنه لَا يليق أن يعبد ما لَا يسمع ولا يبصر وأمره باتباعه؛ لأنه بين له أن هذه الضلالة وهي عبادة ما لَا ينفع ولا يضر عبادة للشيطان عدو آدم وذريته فقال:
стр. 6725
(يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤)
ناداه بالأبوة وكرره تعطيفا وتلطيفا وتقربا، وكان النهي (لا تَعْبُد الشَّيْطَانَ) وعبادة الشيطان في أنه أطاع غوايته التي توعد بها عباد اللَّه فقال: (. . . لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)، فطاعته في معنى عبادته، ولأن
стр. 6726
الأهواء والأوهام هي التي سهلت عبادة الأحجار وذلك كله من الشيطان، بل هو من غوايته، والشيطان عدو الله، وعدو آدم فهو عدو الإنسانية يرديها ويوقعها في أشد الضلال، ويبعد من الحق، ولذلك كان النهي، وهو في ذاته يكون بقوة لا تخلو من مساعدة، ثم وصف الشيطان بأنه عاص مبعد عن رحمة الرحمن فقال: (إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا)، عَصِي على وزن فعيل من عصى، أي أنه مبالغ في العصيان، وعبر عن الذات العلية بـ (الرحمن) للإشارة إلى أن عصيان الشيطان رحمة، وطاعته نقمة، فمن عصاه فقد رحم، ومن أطاعه ألقى بنفسه في وهدة الشقوة، وبعد عن السعادة ورحمة الرحمن.
ويقول الزمخشري في ذلك أيضا: " ثم ثلث بتثبيطه ونهيه كما كان عليه بأن الشيطان الذي استعصى على ربك الرحمن الذي جميع ما عندك من النعم من عنده، وهو عدوك الذي لَا يريد بك إلا كل هلاك وخزي ونكال. وعدو أبيك آدم، وجنسك كلهم هو الذي ورطك في هذه الضلالة، وأمرك بها وزينها لك فأنت إن حققت النظر عابد الشيطان، إلا أن إبراهيم ﵇ لإمعانه في الإخلاص ولارتقاء همته الربانية لم يذكر من جنايتي الشيطان التي تختص منهما برب العزة من عصيانه واستكباره ولم يلتفت إلى ذكر معاداته لآدم وذريته، كأن النظر في عظم ما ارتكب من ذلك غمر فكره وأطبق على ذهنه ".
ونقول إن الشرك هو أعظم ما وسوس به إبليس وألقى به الأوهام في نفس، وما دونه قد يناله الغفران، وقد قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِر أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ. . .).
بعد هذا النهي الصريح القاطع عن عبادة الأوثان، وذكره أن عبادتها عبادة للشيطان، لأنه هو الذي وسوس بها ذكر ما يخاف على أبيه، وذلك استمرار في الحنان والعطف على أبيه فقال تعالى عنه:
(يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥)
стр. 6727
ناداه أيضا نداء المتلطف المتحبب المدني ما بينهما (يَا أَبَتِ) قال مفرطا في شفقته وإن لم يكن في شفقة الابن على أبيه إفراط قط، وخصوصا في مقام الحرص على نجاته، قال: (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ)، هنا إشارات بيانية، إذ الظاهر إصابته بالعذاب المقرر للمشركين، وهو أن يدخل الجحيم، ولكنه أولا عبر بالمس، وكأنه لَا يريد التهويل على نفسه وعلى أبيه بأنه سيصيبه العذاب لذلك الشرك، والشرك ظلم عظيم، هذه هي الأولى، أما الثانية أنه ذكر أن العذاب كان من الرحمن. إنه كان ممن من شأنه الرحمة، ولكنه آثر الطريق المعوج فكان العذاب، والثالثة أنه يخشى عليه من أن ينهمك في المعاصي فيكون وليا للشيطان في الدنيا، ويكون قرينا له في الآخرة، وكأنه كان مخيرا بين ولاية الرحمن ورحمته، وشقوة الشيطان وولايته فاختار ولاية الشيطان وصار وليه وساء قرينا.
وكانت عبارته في التخويف في أدب، ولم يصرح بالعقاب الشديد، وإن نبه إليه في شدة، بأنه سيكون وليّ الشيطان وقرينه، وبئس ولايته، وأن يكون له قرينا.
أجاب أبوه إجابة المحنق المغيظ لمحاولته ترك عبادة الأوثان وملته وملة آبائه، فقال كما قال تعالى عنه:
стр. 6728
(قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)
(أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ)، هذا استفهام إنكاري توبيخي من ذلك الأب المخبط وكان موضوع التوبيخ هو انصرافه عن آلهته وبعد عنها، وكأنَّه كان يجب أن يكون مثله منغمرا في ضلال، وهو بذلك يضرب صفحا عن كل ما قاله، ويقول بلسان الحال: سمعنا وعصينا وينقلب عليه بالتوبيخِ عن تركه له ولملة آبائه المشركين، وقد أكد التوبيخ بالتأكيد بالضمير بقول: (أَنت) وفي ذلك تأكيد التوبيخ استصغارا لشأنه، وما كان صغيرا، بل كان الكبير بإدراكه وبدعوته إلى الوحدانية، وهو يستنكر أن يرغب عن آلهته، ولم يتعرض لما يدعو إليه ويرغب فيه، وكأنه معرض عنه وعن أدلته وآياته.
стр. 6729
وقد أعقب التوبيخ بالتهديد، والإنذار الشديد، في عبارة فيها معنى القسم والتأكيد بمؤكداته (لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ) الرجم: الرمي بالرجام والحجارة واللام هي الموطئة للقسم واللام في (لأَرْجُمَنَّكَ) اللام التي تكون في جواب القسم، وقد أكد بنون التوكيد الثقيلة وهو تهديد بالقتل بأقسى أنواعه، فهو الضرب بالحجارة حتى يموت إن لم ينته عن هذه الدعوة التي أصابت إيمانه بالأوثان فخيبت رجاءه فيه، وإن كان أمرا غير محمود في نظره المنحرف الضال.
هذا إيعاد إن عاد، ثم حسم الأمر بقوله: (وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) وقد تضمن التهديد التحذير، كأنه قال له فاحذرني ولذا عطف على الفعل الذي تضمنه التهديد بالرجم واهجرني مليا، فهي عطف على الفعل الذي تضمنه التهديد بالرجم.
(مَلِيًّا)، أي ملاوة من الزمن الطويل، ويدعوه أبوه إلى أن يهجره هجرا غير جميل، ولا يهتم بأمره ولا يجالسه ولا يقاربه، وهذه مبالغة في الاستنكار، وقد صم أذنيه عن الحق ولا يريد أن يسمعه.
وإنه إذ يعلن هذا النفور الجافي يعلن الابن البار الذي هو مَثَلٌ سامٍ كريم للأبناء يقول كما قال اللَّه تعالى عنه:
стр. 6730
(سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)
هو يقابل الإساءة بالحسنة، ويعذر أباه في إساءته؛ لأنه في ضلال بعيد وإفك أثيم قد استغرق نفسه وأعمى بصيرته، وأصابه بغشاوة على قلبه (سَلامٌ عَلَيْكَ)، معناه أَمْنٌ يفيض عليك وهو تحية له وهو يفارقه ويريد له السلامة في غيبته، وأن يكون في أَمْنٍ، فهو يفارقه على مودة، وإن كان يقول مقالة القطيعة، وقد قال بعض المفسرين أن ذلك من قبيل قوله تعالى: (. . . وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا).
стр. 6731
وربما نرى نحن أن سياق الآية لَا يدل على الابتعاد عنه، وليس كقوله تعالى: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ)، لَا نرى ذلك لأنه لَا ينسجم مع وعده باستغفار الله تعالى له، كما قال: (سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا).
وقد قال الزمخشري: إن استغفار إبراهيم لأبيه كان مشروطا فيه التوبة، ونحن نرى أن سياق الآية لَا يدل على اشتراط التوبة بل هو استغفار لمشرك، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤).
وهذا النص (سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي)، هو الموعدة التي وعد إبراهيم أباه بها، وقوله تعالى: (سَأَسْتَغْفِرُ) السين لتأكيد الاستغفار في المستقبل القريب، (إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا) الضمير يعود إلى (رَبِّي) الذي يكون في موضع عناية واستجابة لي، فمعنى (إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا)، أي كنت موضع رحمته وبره، وأنه لهذا يظن أنه سيجيب دعائي، ولكن تبين له من بعد أنه عدو لله فتبرأ منه.
كان لَا بد أن يخرج من بينهم نبي الله تعالى ﵇، فهو لَا يريد أن يبقى محكوما بالوثنية وأرجاسها؛ ولذا قال كما أخبر الله تعالى عنه:
стр. 6732
(وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨)
" الواو " عاطفة والمعطوف عليه (سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي)، أي إني أخرج عنكم سالما مستغفرا غير هاجر كما أردت، وفي الوقت أسألكم، (وَأَعْتَزِلُكُمْ)، أي أفارقكم مفارقة موادّ محب ولست هاجرا لكم ولا مجافيا، (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا
стр. 6733
تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ)، أي تعبدون، أعتزلكم وعبادتكم المشركة الآثمة لاجئا إلى اللَّه تعالى، ولذا قال: (وَأدْعُو رَبِّي)، أي أعبده لأنه ربي الذي خلقني القائم على كل أموري.
وإطلاق الدعاء بمعنى العبادة؛ لأنه التجاء إلى اللَّه تعالى، وهي ضراعة إليه، ولقد قال النبي ﷺ : " الدعاء مخ العبادة " (١)، وقد ذكر التصريح بالعبادة بعد ذلك في قوله تعالى: (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ) (عسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا)، أي خائبا ضائعا غير مقبول في دعائي وعبادتي، فإن ذلك هو الشقاء الأكبر، وهذا الرجاء كان لفرط إخلاصه للَّه تعالى، وخشيته من غضبه وطرده، فإن الحبيب دائما يخشى من غضب محبوبه، ويعمل على رضاه ويخشى من غضبه، وخليل اللَّه الذي اختاره اللَّه تعالى خيلا، وقال: (. . . وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيم خَلِيلًا)، كان أشد ما يخشاه غضب ربه، وأن يرد عبادته فيشقى بهذا الرد، وقال: (عَسَى) الدالة على الرجاء تواضعا للَّه واستصغارا لعبادته، وكان بهذا المخلص البر الحبيب المحبوب؛ إذ غلَّب الخوف ليصلح أمره وأنه إذ اعتزلهم حرم من أنس أهله، فوهبه البنين والذرية، ولذا قال تعالى:
стр. 6734
(فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩)
" الفاء " عاطفة على (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ)، فاللَّه عوضه عن الغربة الأنس بالولد والأحفاد، أما الولد فإسحاق، وأما الحفيد فيعقوب، وكانوا بذلك فئته التي اعتز بعد اللَّه تعالى بها، وكان أنسه في هذا الاعتزال، (وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا)، أي جعلنا كل واحد منهما نبيا، و " كُلًّا " مفعول مقدم لـ " جعلنا "، وقدم لأهميته، وللإشارة إلى أن بدَّله من أبيه المشرك الذي نهره وهدده بالرجم ثم طرده محروما من محبته، بدله من هذا أنبياء من ذريته استأنس بهم بعد وحشة الاعتزال.
стр. 6735
وقد يقال: لم يذكر سبحانه أنه وهب له إسماعيل وهو أكبر من إسحاق، ويظهر أن ذلك كان وهو مقيم وحده مع أمه هاجر في مكة، فلم يكن له أنس القرب، إلا بعد أن ذهب إليه وأخذا ببناء الكعبة كما قال تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
وقد ذكر كمال البيان في أسرته الموحدة، فقال تعالى:
стр. 6736
(وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)
الضمير في (لَهُم) يعود إلى إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ولم يذكر الموهوب إعلاء لشأنه ولفخامته، وحسبه أنه هبة اللَّه، وأنه من رحمته سبحانه، فكان العقل يذهب في تقديره أعلى المذاهب التي تليق بهبة اللَّه ورحمته، فهي تشمل النبوة، وتشمل الأموال، وتشمل الجاه والسلطان، وتشمل العزة والكرامة، والعلو في الأرض ووراثتها، والإمامة فيها وكل ذلك كان في ذرية إبراهيم، وفي إسحاق ويعقوب والأسباط.
النعمة الثانية التي أنعمها على إبراهيم وذريته هي قوله تعالى، (وَجَعَلْنَا لَهُمْ)، أي لإبراهيم وذريته (لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا)، (لِسَانَ صِدْقٍ) من إضافة الاسم إلى وصفه، أي لسانا صادقا عليا، رافعا لهم، وليس خافضا لمآثرهم، والمراد الكلام الطيب والذكر الطيب، من قبيل إطلاق الآلة على ما يكون، فأطلق اللسان وأريد الكلام، وهذا استجابة لدعوة إبراهيم ﵇ إذا قال في دعائه ﵇ (وَاجْعَل لِّي لسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ). وقد آتي اللَّه إبراهيم ذلك فقال تعالى: (. . . وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرج مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ. . .)، وقال تعالى: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتًّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
* * *
стр. 6737
أنبياء من ذرية إبراهيم ﵇
قال اللَّه تعالى:
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)
* * *
الأمر للنبي ﷺ ، أمره سبحانه أن يذكر من ذرية إسحاق ويعقوب موسى وهارون، ومن ذرية إبراهيم إسماعيل وهو أبو العرب ونبي العرب، ومن ذريته محمد ﷺ ، وذكر في البشارة به على أنه من أولاد عم بني إسرائيل لأنه أخو إسحاق وهو الكبير، والكتاب هو القرآن، وإذا أطلق الكتاب انصرف إليه؛ لأن المطلق ينصرف إلى الفرد الأكمل، والأكمل بين الكتب هو القرآن، لأنه كتاب اللَّه تعالى بلفظه ومعناه (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)، وإن الله أمر نبيه أن يذكره في القرآن؛ لأنه سجل الأنبياء ومعجزاتهم، وأخبارهم لَا تعرف بطريق متواتر من غير تغيير ولا تبديل إلا عن طريقه. وكذلك معجزاتهم، فإنها أحداث تقضت في وقتها وما عاينها من الأخلاف أحد، ولكنها سجلت في القرآن المتواتر المحفوظ بوعد اللَّه العظيم: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، وإن اللَّه لَا يخلف الميعاد وذكر موسى هنا في قوله تعالى:
ذكر موسى هنا لناحية معينة فيه وهي أنه من ذرية إبراهيم، وقد وعد اللَّه إبراهيم أن يؤنسه بأولاده وذريته عندما اعتزل أهله وما يعبدون فكافأه اللَّه تعالى بأنس الولد والذرية، واستجاب دعاءه أن يجعل له لسان صدق في الآخرين، وكان من هذا اللسان الصادق أن يكون له ذرية من الأنبياء فكان منهم من أولي العزم موسى وعيسى ومحمد ﷺ .
وفى هذا الجزء من قصص موسى ذكر ما لم يذكر في مواضع كثيرة من قصصه، وهو صفته التي كانت من أبرز صفاته أنه كان مخلصا، قرئ (مخلِصا) بكسر اللام، و (مخلَصا) بفتحها والقراءتان متلاقيتان، فقراءة الكسر معناها أنه أخلص نفسه للَّه، وبدا ذلك في حياته، فقد نشأ في بيت فرعون رافغا بعيشه مستمكنا بسلطان، ومع ذلك نفر من دينه وملته ورضي بأن يكون من بني إسرائيل المستزلين المستضعفين في أرض مصر (. . . يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيونَ نِسَاءَكُمْ. . .)، ثم هاجر ابن النعمة الفرعونية إلى حيث يستأجر زارعا كادحا، فأي شيء يدل على الإخلاص أكثر من هذا.
وعلى القراءة الثانية، وهي قراءة فتح اللام يكون المعنى أن اللَّه تعالى أخلصه له وجعله كليمه، وذلك ثابت من حياة موسى ﵇، فقد ولدته أمه في وقت فرعون وآله يذبحون أبناءهم، فألهم سبحانه أم موسى أن تضعه في تابوت وتلقيه في اليم، ويلتقطه آل فرعون ليكون في المستقبل عدوا لهم وحزنا، وقد أرادوه قرة عين لهم (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ)، أي أخته - (. . . هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحونَ)، وبذلك رجع إلى أمه وخلص لها فتربى في مهدها وكنف فرعون، وبذلك صنع على عين اللَّه، كما قال تعالى: (. . . وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)، فكيف بعدها لَا يكون مخلصا وخالصا للَّه، واختاره أن يكون له كليما.
وكلٌّ قراءة قرآن فيكون المعنيان مرادين بمجموع القراءتين، فهو مخلص في شخصه، وأخلصه اللَّه سبحانه لذاته العلية.
стр. 6740
الوصف الذي اصطفاه اللَّه تعالى به أن جعله رسولا نبيا، فقال تعالى:
(وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا)، الرسول - فيما يظهر من عبارات القرآن - من أُرسل بكتاب مشتمل على أحكام، والنبي من يُنَبَّأ بمخاطبة اللَّه له بالوحي أو يرسل رسولا، أو من وراء حجاب، وقد كان موسى كذلك، فقد أرسل بالتوراة فيها كل الشرائع المصلحة للإنسانية في رسالته وبعضها باقٍ سجله القرآن ولم ينسخه.
وقد ذكر المكان الذي نزل عليه الوحي ابتداء فيه، وهو في أرض مدين فقال تعالى:
стр. 6741
(وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)
كان خطاب اللَّه تعالى لموسى بالكلام، ولذا قال تعالى: (وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ)، أي الجهة اليمنى من الطور، أي أن مناجاة ربه كانت من جهة الطور اليمنى، واليمين ميمون، فهذه إشارة إلى اليُمن، وما هنا مجمل مذكور مفصلا في سورة القصص، فقد قال تعالى بعد أن أنهى الإجارة مع شعيب:
(فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١).
وهذا واضح في أنه تفصيل لبيان كيف كان النداء، ولم يكن تكرارًا، بل كان بيانا لما أجمل هنالك، وبيان المجمل ليس تكرارا، هذه منزلة عالية، وهو أنه كليم اللَّه، كلمه من وراء حجاب، ولذا قال تعالى: (وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا)، أي كان خطاب اللَّه تعالى تقريبا إذ ناجاه وخاطبه (نَجِيًّا)، وكأنها مُسارّة له، لأنه لم يسمع ذلك النداء غيره في ساعة هذا النداء، تعالى اللَّه سبحانه علوا كبيرا.
стр. 6742
ولم يكن ذلك التشريف والتكريم فقط لموسى ﵇ بل آتاه نعمة أخرى بأن أرسل معه أخاه هارون نبيا فقال تعالى:
стр. 6743
(وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)
أحس موسى ﵇ بعظم التكليف الذي كلفه، وهو أن يدعو إلى الإيمان طاغية الدنيا في عصره، وأنه مهما يكن عِظَم التكليف فهو راضٍ به قائم بحقه، ولكن طلب أن يكون معه أخوه هارون وزيرا له ومعاونا ليحمل العبء كاملا ويعاونه فإن له بيانا ليس لموسى، وقد طلب موسى ذلك فقد قال اللَّه تعالى: (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢)، فكان من نعمة اللَّه تعالى على موسى أن جعل له من رحمته أخاه هارون نبيا، والرحمة كانت في هبته له نبيا، ذهبا معا إلى فرعون وخاطباه قائلين: (إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧).
هؤلاء من ذرية إبراهيم الذين كانوا من إسحاق، وقد كان لإبراهيم ذرية أخرى - كان منهم خاتم النبيين - هو إسماعيل ﵇، وقد قال تعالى في ذكر إسماعيل:
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)
стр. 6744
وقد أفرد القرآن إسماعيل بالذكر؛ لأنه كان يقيم بالبلاد العربية، وأقام هو وأمه حول الكعبة، لسدانتها وحراستها، وإفراده بالذكر تشريف له وإكرام، فإذا كان أخوه إسحاق ﵇ أبا أنبياء بني إسرائيل الذين قاموا بتنفيذ التوراة وتفسيرها، فإن من ذرية إسماعيل ﵇ خاتم النبيين الذي جاء بالكتاب المهيمن على كل الكتب المنزلة، والذي فيه كل الأنبياء ومعجزاتهم.
стр. 6745
والكتاب كما ذكر هو القرآن وهو أكمل الكتب كما نوهنا، ولأن الخطاب للنبي ﷺ فالكتاب يكون هو الكتاب الذي نزل عليه وهو القرآن، وقد ذكرنا وجوه كماله، وأنه سجل الأنبياء وشرائعهم الباقية ومعجزاتهم، ولا ترى لها مصدرا متواترا صادقا سواه، كما ذكرنا.
وقد وصفه الله تعالى بأربعة أوصاف تدل على الكمال الإنساني الذي لا يعلو عليه كمال.
الوصف الأول: أنه كان (صَادِقَ الْوَعْدِ)، أي إذا وعد لَا يخيس، ولا يكذب بل ينفذه، وكل الأنبياء كذلك ولكن وصف اللَّه به إسماعيل، لأنه كان أخص أوصافه واشتهر به، فإن إبراهيم أباه عندما رأى الرؤيا بذبح إسماعيل لم يجبن إسماعيل بل قال: (. . . سَتجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّه مِنَ الصَّابِرِينَ)، وصدق وعده، فاستعد لأن يذبح، وقال اللَّه تعالى: (. . . يَا إِبْرَاهِيمُ (قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا. . .)، فهو الذبيح الأول، وصدق الوعد والوفاء به والرضا بتنفيذه وعدم الحيف فيه، وقد كان إسماعيل كذلك فيما وعد وأوفى.
الوصف الثاني: أنه كان (رَسُولًا نَّبِيًّا)، كما قال تعالى: (وَكَانَ رَسُولًا نَّبيًّا) فقد جاء بشرائع ومنحه اللَّه تعالى النبوة فقد كان ينزل عليه الوحي، ويكلمه اللَّه تعالى بإحدى طرق الكلام، كما قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسولًا. . .)، وقد يقال: إن شريعته كانت شريعة أبيه إبراهيم، ونقول إنه أرسل بها، ولا مانع من أن يخاطب بالشريعة الواحدة رسولان، وقد ذكر اللَّه تعالى أن إبراهيم كان رسولا وإسماعيل كان رسولا نبيا.
الوصف الثالث: وهو عملي لأنه
стр. 6746
(وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ... (٥٥) إن إسماعيل ﵇ كان حقا عليه أن يأمر قومه من العرب بالصلاة والزكاة، ولكن كان
стр. 6747
عليه أن يبدأ بأهله وذوي قرابته والمتصلين به، ثم ينتقل إلى غيرهم مبتدئا بالأقرب فالأقرب، كما ابتدأ النبي ﷺ لعشيرته الأقربين بأمر اللَّه تعالى في قوله: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥).
ومن العلماء من قال: إن أهله الذين اتبعوه أجمعون، وذلك القول له وجهه، وقد أمر نبي اللَّه إسماعيل ﵇ بأمرين: بالصلاة، وهذا رمز للتهذيب للجماعة التي يدعوها والتربية الروحية التي تكون بالصلاة، وما يشبهها في روحانياتها، وتكون الركن الأول في المقاصد الدينية، ثم يجيء الأمر الثاني وهو الأمر بالزكاة، فإنها تكون الركن الاجتماعي الذي يكون به التعاون بين الجماعة في تحقق الركن الإنساني في الصلات بين الناس، وهذا يمثل الركن الثاني من المقاصد الدينية، ولا بد للثاني من الأول فهو لَا يتحقق على وجهه الأكمل إلا بالأول، فالأول هو الرباط الروحي، والثاني رباط مادي لَا يؤدي مؤداه إلا بتربية الروح.
الوصف الرابع: وهو أعلى الأوصاف التي وصف بها إسماعيل ﵇ هو رضا اللَّه تعالى، فقد قال عز من قائل: (وَكَانَ عَندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا) " مرضيّ " اسم مفعول من رَضِي، وقد زكى اللَّه إسماعيل بأنه مرضي (عَندَ رَبِّهِ) فهو رَضِىٌ في ذاته ومرضي عند ربه الذي خلقه وكونه وقام على وجوده، وهذا أعلى ما يصل إليه المؤمن؛ ولذا قال تعالى بعد ذكر نعيم الجنة المقيم (. . . وَرِضْوَانٌ منَ اللَّهِ أَكبَرُ. . .)، فرضوان اللَّه أكبر من كل جزاء، ولذا قال: (وَكَانَ عَندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا) و " كان " في كل أوصاف الله تعالى للدوام والاستمرار، اللهم أدم علينا نعمتك وامنحنا رضاك.
* * *
стр. 6748
أنبياء ليسوا من ذرية إبراهيم
قال اللَّه تعالى:
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)
* * *
تلك أخبار النبيين تذكر لما فيها من عبرة، ولما فيها من دعوة إلى الاقتداء بهم وسلوك طريقهم، فهم أسوة الأبرار، وطريقهم هو طريق الأخيار، وإذا كان طريق إبليس طريق الأشرار، فطريقهم هو طريق الأخيار.
وابتدأ بذكر إدريس فقال عز من قائل:
стр. 6749
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)
الكتاب هو القرآن كما أشرنا من قبل، والخطاب للنبي ﷺ ، وإدريس قيل: إنه كان قبل نوح، ولا نجد ما يدل على ذلك من كتاب ولا سنة، وإنما هي أخبار كتاب قصص الأنبياء.
ورد في تفسير القرطبي " إدريس ﵇ أول من خط بالقلم، وأول من خاط الثياب ولبس المخيط، وأول من خط في علم النجوم والحساب، وإذا صح هذا فربما يكون أقدم من نوح، ولكنا في مثل هذا نقول علمه عند اللَّه، وإنه لا يزيل إبهاما في القرآن، ولا يأتي بعلم جديد، وإنه لمن أمر. فالظن لا يغني من الحق شيئا، ويؤكد الزمخشري أنه جد أبي نوح ﵇، ويقول بعض العلماء: إنه إلياس ﵇ المذكور في سورة الصافات، وقد قال عن إلياس ﵇ في سورة الصافات
стр. 6750
(وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩).
وإذا صح أن إدريس هو إلياس فتكون سورة الصافات قد بينت دعوته، وأن قومه أنكروا وكذبوا، وقد وصف اللَّه تعالى في هذه الآية إدريس بثلاث صفات:
الوصف الأول والثاني: (إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا)، فهو صديق لَا يقول إلا حقا، ويصدق الحق وينفذه ولا يتردد في تنفيذه ومعه الإذعان له من غير تململ، بل باطمئنان ورضا وقبول، وكان نبيا قد كلف بتبليغ رسالة ربه.
الوصف الثالث: أن اللَّه تعالى رفعه منزلة عالية، وقد عبر من ذلك بقوله:
стр. 6751
(وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)
والرفعة هنا معنوية، والمكان المراد به منزلة عليا، وقد زعم بعض المفسرين أن ذكر المكان يدل على أنها رفعة مادية، ولا نرى وجها لتخصيص ذكر المكان بالرفعة الحسية، فإن ذلك تخصيص من غير مخصِّص قام الدليل عليه، وإنما نقول: إنها نعمة من اللَّه تعالى على عبده ونبيه الصدِّيق الأمين لأمر اقتضى ذلك في علمه المكنون، ولم يبينه لنا فحق علينا أن نقول ما نعلمه، ونسلم بصدق ما لم نعلمه، والله هو العليم المحيط بكل شيء علما.
стр. 6752
(أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)
الإشارة إلى النبيين المذكورين في هذه السورة زكريا ويحيى وعيسى وإبراهيم وأولاده وموسى وهارون وإدريس، فهولاء جميعا قد ذكروا في هذه السورة، وكلهم من ذرية آدم، قوله: (مِّنَ النَّبِيِّينَ) " من " بيانية، وقوله: (مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ)، " من " هنا تبعيضية، فالمذكورون بعض هذه
стр. 6753
الذرية، فمن بعض من حمل اللَّه تعالى في سفينة نوح ﵇ إبراهيم وهود وصالح وشعيب، (وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ) إسماعيل وإسحاق ويعقوب، ومن ذرية إسرائيل موسى وداود وسليمان، وهكذا أنعم اللَّه تعالى على هؤلاء بنعمة التوحيد، ونعمة الوحي، ونعمة الاصطفاء على العالمين، ونعمة الجهاد في دعوة الحق وحرمته.
وقد ذكر اللَّه تعالى أن ممن أنعم اللَّه تعالى من هداهم اللَّه تعالى بهدْي الأنبياء والمرسلين؛ ولذا قال تعالى: (وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا)، " الواو " ساطفة على قوله تعالى: (مِّنَ النَّبيّينَ) فـ " من " بيانية، واللَّه أنعم على النبيين ومن تبعهم، فقوله: (وَمِمَّنْ هَدَيْنَا)، أي الذين اتبعوهم على صراط مستقيم، (وَاجْتَبَيْنَا) الذي اخترناهم لنبوة وجهاد كداود، وطالوت الذي جعله اللَّه تعالى رئيسا لبني إسرائيل قادهم إلى الحرية والعزة وإن لم يكن من أبناء كبرائهم.
وإن هؤلاء الأنبياء المصطفين الأخيار والتابعين الأبرار قد صفت نفوسهم واستقامت قلوبهم، وصغت إلى الحق أفئدتهم فكانوا إذا تليت عليهم آياته في كتبه الذي أنزلها الرحمن خروا ساجدين باكين؛ ولذا قال تعالى: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) سُجَّدًا: جمع ساجد، وبكيا جمع باك، أي أنهم لفرط تأثرهم بآيات الرحمة التي تنزل من عند الرحمن، ولذا اختير ذلك الوصف (الرَّحْمَنِ) في التعبير عن الذات، فهم يبكون لشعورهم برحمة اللَّه، ويسجدون شكرا للَّه تعالى على ما أنعم، وإن ذلك كان من شأن الصالحين، فكان أبو بكر بكَّاءً عند تلاوة القرآن الكريم، وكان الإمام الشافعي إذا صلى بالناس بكى وبكوا عند تلاوته حتى سمي القارئ البكَّاء، ومن كان من الصالحين لَا تدمع عيناه يبكي قلبه. وإن ذلك من الوعي الطيب، إذ يحمس السامع للتلاوة، بأنه يسمع اللَّه تعالى ينادي فيرتجف ويقشعر بدنه، ولقد قال الله تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ. . .).
قد ذكر اللَّه تعالى مَنْ خلف أولئك الأبرار من النبيين والصديقين.
* * *
(فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)
" الفاء " للترتيب والتعقيب، فهي تفيد أنه جاء عقب هؤلاء الأطهار من تنكبوا طريقهم، وخرجوا عن منهاجهم، وليس معنى ذلك أنه لم يكن فيهم من خالف المنهاج من أقوامهم، بل كان كل نبي من هؤلاء الأنبياء من لقي مقاومة من قومه، فمن قوم إدريس من قاومه، وقالوا: (. . . وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُم أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ. . .)، وهذا كان شأن كل المصطفين الأخيار من
стр. 6756
قُووِم في عصره، فكيف يقال خلف هؤلاء مع أنهم كان أمثالهم في عصرهم، ونقول: إن أولئك الأخلاف الذين خالفوا النبيين كانوا في أقوام من أتباعهم من حرفوا أقوال النبيين، وحرفوا القول عن مواضعه كبني إسرائيل، والذين حملوا إنجيل عيسى كان منهم من تخلف عن هدايته وتنكب عن سبيله.
وصف اللَّه تعالى الأخلاف الذين انحرفوا بسبب هذا الانحراف ونتيجته، فقال عز من قائل: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ)، وذكر أسباب انحرافهم فحصره في أمرين أو ذكر أن أكبر أسبابه أمران: الأمر الأول: أنهم (أَضَاعُوا الصَّلاةَ)، ومعنى إضاعة الصلاة إضاعة الدين، لأنها عمود كل دين، وكما قال النبي ﷺ ، " لا دين من غير صلاة "، فهي سمة الدين وشعاره، ومعنى إضاعتها إهمالها، أو الصلاة من غير إقامتها على وجهها، أو الصلاة التي فقدت الخشوع والخضوع، وهذا لبابها، أو الإتيان بصلاة لا تنهى عن الفحشاء والمنكر، بل تلابسها.
الأمر الثاني: هو اتباع الشهوات، فإنه إذا سيطرت الشهوات على النفس، وصارت سيدا مطاعا انحرف الاعتقاد تبعا لها، وحينئذ يتخذون إلههم هواهم وكان معبودهم وسرى ذلك إلى كل أعمالهم.
وقد نبه سبحانه إلى النتيجة من ذلك فقال تعالى: (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا)، الغي ضد الرشاد وهو الغواية، وهي تنكب الطريق المستقيم، إن اتباع الشهوات وجعل الأهواء لها السلطان الأكمل سبيل الفساد والغواية، وبها تنكب الرشاد؛ وذلك أن الهدى والعقل نقيضان لَا يجتمعان في قلب واحد، فإذا كان سلطان الهوى ذهب العقل وقوله: (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ) " سوف " هنا لتأكيد وقوع الفعل في المستقبل، وقوله تعالى: (يَلْقَوْنَ)، أي يجدون أمامهم وهو نتيجة طبيعية لترك الصلاة واتباع الشهوات.
وإن الله تعالى الكريم يستثني المتقين الأبرار؛ ولذا قال تعالى:
стр. 6757
(إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠)
الاستثناء هنا منقطع، وليس استثناء متصلا؛ فـ (مَن تَابَ وَآمَنَ) لا يدخل في عموم من اتبعوا الشهوات وأضاعوا الصلاة، فـ (إِلَّا) بمعنى " لكن "، وهي مقابلة بين المؤمن وغيره، فالأول يتبع الشهوات، والثاني مؤمن تواب إلى ربه راجع إليه طالب، وقوله تعالى: (إِلَّا من تَابَ) يشمل من غَوِي منهم الأهواء والشهوات ورجع إلى ربه، ومن لم يسيطر عليه هواه ابتداءً واتبع سبيل الحق، ويكون التعبير عنه بـ (تَابَ) إشارة إلى الإذعان الكامل؛ لأن المؤمن التواب وصل إلى أعلى درجات الإيمان، لأنه يستصغر أفعاله أمام اللَّه ويحسب نفسه مقصرا فلا يُدِلّ بالطاعة، بل يستشعر الخشية الدائمة ويغلب عليه الخوف ولا يغلب عليه رجاء الثواب، لأنه يستكثر خطأه، ويستقل طاعته.
(فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا)، الإشارة إلى التائبين الراجعين إلى اللَّه تعالى، والإشارة إلى الموصوفين بأوصاف تدل على أن هذه الأوصاف سبب الحكم، وهو أنهم (يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ) التي هي جزاء المتقين، (وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا)، أي لَا ينقصون أي شيء من النقص، بل يأخذون جزاءهم جزاء وفاقا لما عملوا من طيبات، ولتجردهم من شهوات الدنيا وخلاصهم من أهوائها المردية.
وذكر اللَّه تعالى في وصف الجنة أنها التي (وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ) للإشارة إلى أنها من فضل رحمته بعباده الذين يريد منهم الرشاد، ولا يرضى لهم الكفر والانحراف عن طريق الإيمان، ولذا قال:
стр. 6758
(جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١)
(جَنَّاتِ عَدْنٍ): هي جنة الإقامة الدائمة، كما قال تعالى: (. . . لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مقِيمٌ)، وقد وعد الرحمن عباده بالغيب، وذكر (الرَّحْمَن) هنا إشارة إلى أن ذلك من رحمة اللَّه تعالى، إذ كان منه الغفران وهو رحمة، وكان منه
стр. 6759
قبول التوبة، وهو رحمة وأن الحسنات يذهبن السيئات، وكان منه عفوه وغفرانه إلا أن يُشرك به.
وقوله تعالى: (بِالْغَيْبِ) متعلق بـ (وَعَدَ)؛ لأنه وعدهم سبحانه وهم غائبون عنه، وقد آمنوا بهذا الوعد واطمأنوا إليه، وهو غائب، فهم آمنوا بالبعث والجزاء والرحمة وهو غائب عنهم، فكانوا مؤمنين بالغيب وهو سبيل إدراك الحق، والإيمان بحقائق يوم القيامة، وقد أكد سبحانه صدق وعده وأنه لَا يخلف الميعاد بقوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا) الضمير في (إِنَّهُ) يعود على (الرَّحْمَنُ)، و (مَأتِيًّا) اسم مفعول، أي أنه يجعله آتيا لَا محالة، وذلك كقوله تعالى: (. . . إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ)، وبعض المفسرين فسر الوعد بأنه جنة عدن، وهو مأتي لَا محالة لمن وعدوا به، ونرى أن الوعد هو ما يتعلق بنعيم الجنة، واللَّه تعالى يمكِّن عباده من وعده، فيكون آتيا بالنسبة له، ومأتيا منهم إذ يمكنهم منه، و (جَنَّاتِ) بدل أو عطف بيان من قوله تعالى: (فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ)، وهنا يرد سؤال كيف يكون البدل جمعا، والمبدل منه مفردا؛ ونقول: إن اسم الجنس وهو (الجنة) عام يدخل في عمومه الكثير من الجنات فهو بدل جمع من جمع، وهناك قراءة " جنة عدن " (١) بالإفراد واللَّه تعالى أعلم.
وقد وصف اللَّه تعالى الحياة الفاضلة في الجنة فقال عز من قائل:
стр. 6760
(لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)
اللغو هو الكلام الذي لَا يكون له فائدة مذكورة عند العقلاء، وهو الذي يؤدي إلى المشاحنة والمنازعة، ومبادلة القول والجدال، وكل ذلك بعيد عن الحياة الفاضلة التي تكون في الجنة؛ ولذا قال تعالى في آية أخرى: (. . . لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثيمٌ)، وإن اللغو في الدنيا ليس من دأب الفضلاء، وسماعه ليس