(طه) قال أبو بكر الصديق: إنها من أسرار الله تعالى، أي أنها كغيرها من الحروف التي تبتدأ بها السور مثل (الم، المص، الر) وقد تكلمنا فيما تشير إليه في عدة سور مما سبق.
ولكن مع ذلك نسرد ما قيل في ذلك، قيل: إن (طه) اسم لله تعالى، وقيل:
إنها اسم للنبي ﷺ ، وربما يسوغ ذلك أن ما بعدها كان خطابا للنبي ﷺ ، فكأنه نودي بذلك، ثم ألقى القول والبيان المنبه إلى ما عليه في هذه الرسالة، فليس عليه أن يؤمنوا، وإنما عليه التذكرة فلهذا القول وجه من التوجيه.
وقيل: إنها فعل أمر أصله " طأ " قلبت الهمزة هاء، ويصح أن يقال: إنها قلبت ألفا ثم جاءت هاء السكت بدلا عنها، وقيل: إن معناه " يا رجل "؛ لأن طه في لغة عَكّ (١) معناها يا رجل. وقيل: هي بهذا المعنى في لغة الحبشة.
стр. 6828
وإني أراها كأخواتها من الحروف التي تبدأ بها السور، يقال: إنها أسماء للسور، وإذا كان ثمة احتمال لأن تكون بمعنى ندركه، فإنا نميل إلى أن يكون اسما للرسول ﷺ .
стр. 6829
(مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)
وهناك قراءة (ما نزلنا عليك القرآن)، وفي هذه القراءة إشارة إلى تنزيل القرآن منجما، ولم ينزل دفعة واحدة، بينا ذلك في مواضعه من القول، وقوله تعالى: (لِتَشْقَى) " اللام " لام التعليل، أي ما أنزلناه عليك لتتعب وتذهب نفسك عليهم حسرات إذا لم يؤمنوا، كما قال تعالى: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)، وقال تعالى: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نفْسَكَ عَلَى آثَارِهمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَديثِ. . .)، وقال تعالى: (وَلا يَحْزُنكَ الًّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ. . .)، فالنبي ﷺ -كان يحمل هَمَّ كفرهم، ويحسب أن ذلك قد يكون عن تقصير في دعوته، وذلك لقوة حِسِّه وشفافية روحه، ولحرصه على إيمانهم قال له ربه: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي منْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ. . .)، وقال تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ)، هذا تقريب لمعنى (لِتَشْقَى)، والكمال لله وحده.
وقال:
стр. 6830
(إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣)
الاستثناء منقطع بمعنى " لكن "، والمعنى ليس عليك أن تهديهم، وإنما عليك أن تذكر من يخشى ويتقي الله تعالى، ولكن لماذا خص من يخشى بالتذكرة مع أن التذكرة تكون لمن يخشى ولمن يعصى، فهو بشير ونذير، وذلك لبيان أنه يجب أن يرجو إيمان الذين يخشون، لَا الذين يعصون، فكان حذف إنذار العصاة لبيان أنه لَا ينبغي أن ينتظر منهم إيمانا. و (تَذْكِرَةً) مفعول لأجله، ويكون المعنى ولكن أنزلناه لأجل تذكرة من يخشى وحسبك هؤلاء أن يكونوا مؤمنين.
وكان المؤدى النهائي للآيتين: لَا تحزن، وحسبك من اتبعك من المؤمنين.
وقد بين شرف القرآن الإضافي قال:
للقرآن، وذلك فوق شرفه الذاتي بما اشتمل عليه من أسباب الإعجاز، وما اشتمل عليه من علوم، ولأنه سجل النبيين ومعجزاتهم، وقوله تعالى: (تَنزِيلًا) مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره، ونزل تنزيلا، ويلا حظ هنا أمران بيانيان:
أولهما: أنه ذكر " تنزيل " وفعله " نزَّل "، وهو التنزيل المقرر مجيء القرآن منجما آية بعد آية، أو سورة بعد سورة، حتى يمكن حفظه مرتلا محفوظا في الصدور، فلا يُحرَّف ولا يُنسى على مدى الأجيال، بينما قال : (مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لتَشْقَى) فذكر بفعل الإنزال لَا التنزيل؛ لأنه كانت العبرة في أنه أنزله كله لينذرَ به ويبشر، لَا ليشقى، فكان التعبير بالإنزال في موضعه من النزول في جملته لَا في تفضيله، أما هنا فإنه يحكي الواقع، وهو التنزيل شيئا فشيئا.
الأمر الثاني: أن في الكلام التفاتا من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب، وذلك لتصريف القول؛ ولأنه من قبيل الرفق بالنبي ﷺ ، وهو الذي يكون منه التكليف، فكأنه سبحانه يقول، ولكلامه المثل الأعلى، ما أنزلت القرآن وكلفتك ما فيه لتشقى، فهوِّن عليك، ولا تأس على القوم الكافرين، وأما في هذه الآية فهو يبين صفاته سبحانه وأفعاله، فيناسبها حديث الغائب.
وإن الله سبحانه بين علم ميزة القرآن وقدرته، وأنه جاء مناسبا لمن بعث النبي ﷺ إليهم فمهما تكن لهم من قوة فالله غالب عليهم، وهو القاهر فِوق عباده، وقد ابتدأ سبحانه بالأرض فقال عز من قائل: (. . . مِّمَّنْ خَلَقَ الأَرْض. . .) لأنه سبحانه في أكثر آي القرآن يقدم في الخلق السماوات على الأرض؛ لأنها أعظم خلقا، ولكن هنا قدم الأرض لأنها التي يدَّعي المشركون وغيرهم من الطغاة السلطان فيها، فبين الله تعالى أنه خالقها فهو لها أَملك، وسلطانه عليها، ثم ذكر سبحانه السماوات بصورة عالية في الفخامة، وهو سبحانه خالقها، وليس لهم أي مكان للسلطان فيها.
ثم قال تعالى:
стр. 6833
(الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)
العرش: هو المكان الذي يتجلى فيه سلطان الله، ولقد نسب لعلماء السلف أنهم قالوا: إن لله عرشا لَا يعرف كيفه، والله تعالى يستوي عليه، وهو أعلم باستوائه ولكنه غير مجسم، ولا مشابهة فيه للحوادث، وقد يقال: إن ذلك دليل على كمال سلطانه وإن الخالق الذي
стр. 6834
لا يخرج شيء مما خلق عن سلطانه، كما يقال: وضع الأمير يده على المدينة، وربما يكون مقطوع اليدين، وكما يقال عن البخيل: يده مغلولة، وعن الكريم: يده مبسوطة، وربما لَا يكون له يد بل تكون مقطوعة، والله أعلم، وليس الخوض في هذا مما يمكن الوصول فيه إلى حق جلي، ولذا روي عن الإمام مالك أنه قال: " الخوض فيه بدعة ".
بعد ذلك بين كمال سلطانه بكمال ملكه، فقال عز من قائل:
стр. 6835
(لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦)
في الآية السابقة بين سبحانه أن الرحمن هو الذي استوى على العرش، وعبر عن الذات العلية بالرحمن الذي هو اسم بالذات، وهو يوحي إلى أنه مدبر عرشه بمقتضى الرحمة التي تعم الوجود كله، فكل ما يكون هو الرحمة، حتى عذاب العصاة يكون رحمة ليستقيم ميزان الوجود كله فإنه في شريعة الخلاق العليم، لا يستوي الخير والشر، ولا يستوي الظل ولا الحرور.
وقد ذكر سبحانه أن له السماوات بأبراجها ونجومها، وكلها مسخرات بأمره وله الأرض بما فيها من نجاد له ووهاد، وجبال شامخات وبحار وما فيها من أسماك وسفن جاريات تمخر عبابه، وما بينهما من فضاء قد سُخِّر للإنسان، ثم قال تعالى: (وَمَا تَحْتَ الثَّرَى) من معادن وفلزات وغير فلزات وجواهر، وهذا كله من نعم الله على عباده يستخرجون من بحارها وترابها زينة، وهو العليم القدير.
وإذا كانت هذه الآية الكريمة قد بينت ملكه العظيم الذي لَا يخرج عنه شيء - بيَّن سبحانه علمه العظيم الذي لَا تخفى عليه خافية في السماء أو في الأرض، وخصوصا الإنسان فقال تعالى مخاطبا نبيه:
стр. 6836
(وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)
الخطاب للنبي ﷺ ، ولكن مضمونه يعم الناس أجمعين فهو سبحانه يعلم الجهر، ويعلم السر وهو ما يسره وينطق به في خفت، وما هو أخفى من السر، وهو ما تتحدث به الأنفس، يعلم الله تعالى كل ذلك، وقد يسأل سائل: ما مناسبة هذا في هذا الموضع؟ ونجيب عن ذلك، بأنه بيان لعموم علمه ودقته، وهو بعض نتائج ما تقدم (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)، وهو يناسب الحديث مع النبي الهادي الأمين، يبين له سبحانه أنه يعلم ما
стр. 6837
يجهر به من دعوته ويعلم ما يتمناه، ويعلم ما ينطق به سرا من غير إعلان، وهذا يشعره بأنه يعلم دعوته وجهاده في الدعوة، ويعلم ما يتمناه من إسلام قومه حتى يكاد يشقى بهذه التمنيات.
ثم بين صفات الكمال والجلال فقال سبحانه:
стр. 6838
(اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)
(اللَّهُ) بالرفع خبر لمبتدأ محذوف، وصدَّر القول بلفظ الجلالة؛ لأنه يربِي المهابة في النفوس فيملؤها خشوعا وخضوعا لله تعالى، وقال: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ)، لأنه خالق كل شيء ومالك كل شيء وهو العليم الخبير، وهو اللطيف بعباده، ولا يملك غيره نفعا ولا ضرا: (لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) التي كلها أحسن ما في الأسماء، ولقد كان المشركون يحسبون أن الرحمن إله غيرهم، فقال الله تعالى:
(قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى. . .)، وكل ما ذكر في القرآن الكريم من صفات للذات العلية هي أسماء له سبحانه، وهو واحد، وأسماؤه كثيرة.
* * *
من قصة موسى
(وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦)
* * *
стр. 6839
هذه قصة موسى كما جاءت في هذه السورة، وقد فصَّل فيها ما لم يفصِّله في السور الأخرى، وأجمل فيها ما فصله في السور الأخرى من غير تكرار في القرآن، كما يدل على ذلك الاستقراء والتتبع، فالمقصد مما يذكر في كل موضع يختلف عن المقصود في الموضع الآخر، والعبرة تختلف في موضع عن الآخر، والتفصيل يتبع العبرة، والإجمال يكون فيما يجيء تابعا لذلك.
قوله تعالى:
стр. 6840
(وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى) الاستفهام للتنبيه إلى الخبر الخطير الذي يقصه عن موسى ﵇، وكيف كلمه ربه، و (الحديث) ما يتحدث به، والمراد بـ (حَدِيتُ موسى) ما يتحدث به عن موسى، فالإضافة لأدنى ملابسة، والاستفهام كما قلنا للتنبيه إلى أمر خطير، وكان الاستفهام عن علمه ﷺ ، وإذا لم يكن على علم به فإنه سبحانه سيُعلمه. والحديث في الوقت الذي كان يطلب فيه نارا رآها يشير إلى ضوئها في ليلة قارة شديدة البرودة والظلام، وكان في ظلام حالك:
стр. 6841
(فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا ... (١٠)
أي اثبتوا في أماكنكم، (إِنِّي آنَسْتُ نَارًا)، أي رأيتها واستأنست بها في وحشة ذلك الظلام الحالك وذلك الليل البهيم (لَّعَلِّي آتِيكُم) في مكثكم وسعيي لها (بِقَبَسٍ) أي جذوة أو شعلة تصطلون بها من قركم وتشعلون بها مشعلا يضيء لكم، ويكشف لكم الظلمة الحالكة (أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) (عَلَى) بمعنى " عند "، والمعنى أو أجد عند النار هدى أعلم معالم الطريق، ونسير على هدى هذه النار، وهناك من قال: إن الهدى هو الهداية، لأن طالب الحق يكون في شاغل من أمره بطلب الهداية، وخصوصا مثل الكليم الذي ثار على ظلم فرعون. ولقد ذكرت القصة في سورة القصص بتفصيل في ذلك، فقد جاء في سورة القصص (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)، وهذه مشاق تحملها موسى كليم الله تعالى، وقد تربى منعما مرفها في بيت فرعون، ولكنه آثر حياة الجد على حياة اللهو والترف فلم يُرِد أن يكون من المترفين فكان من النبيين.
стр. 6842
ذهب ﵇ إلى النار فلم يجد الهداية إلى الطريق الحسي، ولا الخبر الذي يتعلق بعيشه في هذه الأرض، بل وجد الطريق إلى الهداية والحق، وجد ربه:
стр. 6843
(فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢)
أي فلما أتى النار نودي، والنداء كان (يَا موسَى)، وكان النداء بـ " يا " التي تكون نداء للبعيد، البعد بين صاحب النداء ﷻ ، وعبد من عباده هو موسى ﵇، وقد شرفه الله تعالى بهذا النداء الكريم من رب البرية، وشرفه بأن ذكر اسمه وفيه من المحبة، إذ هو نداء الله الرحمن الرحيم إلى حبيب من أصفيائه المخلصين
стр. 6844
(إِنِّي أَنَا رَبُّكَ ... (١٢)
قرئ بفتح الهمزة في (إِنِّي) وقرئ بالكسر (١)، ويكون بالفتح تفسيرًا للنداء أي النداء أنا ربك، وعلى قراءة الكسر يكون النداء متضمنا معنى القول، و " إن " تكسر بعد القول.
وقد أكد ضمير المتكلم، وهو ياء المتكلم بتأكيدين أولهما: " إنَّ " المؤكدة، وثانيهما الضمير الظاهر (أَنَا) المؤكِّد لياء المتكلم، وكان التأكيد لغرابة المؤكَّد في ذاته، ولغرابته على موسى ﵇، أما الغرابة في ذاتها فهو أنه من أغرب الغرائب أن يكلم اللَّه أحدا من عباده، فقد يوحى إليه، أما أن يكلمه فذلك أمر غريب لم يكن به عهد حتى عند الأنبياء، وأما الغرابة بالنسبة لموسى فهو أنه خرج من مصر هاربا من مظالم فرعون وقهره، وفرضه على الناس عبادته حتى يقول لهم ما لكم من إله غيري، وقد خرج محتاجا يقول: (. . . رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خيرٍ فَقِيرٌ)، ثم مأجور يزرع ويرعى الغنم، ولكنه يفاجأ بأن يخاطبه ربه من وراء حجاب، ولذا كان التأكيد في موضعه ليأنس بربه وتذهب عنه وحشة الاغتراب، و (رَبُّكَ) معناه الذي خلقك، وربك، وأقامك، وقام على رعايتك والعناية بك. (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ) " الفاء " فاء الإفصاح، وهي تفصح عن شرط مقدر، أو هي تفيد أن ما بعدها مترتب على ما قبلها، فإنه يترتب على أنه في الحضرة
стр. 6845
القدسية، أن يكون الأمر بخلع نعليه، وذلك الخلع للخشوع والخضوع، إذ هو في الحضرة الربانية، وهو بواد مقدس طاهر، وإن الناس إذا كانوا في حضرة ملوك الأرض خلعوا نعالهم، فكيف إذا كان موسى في حضرة ذي الجلال والإكرام وأضل والإنعام، وإن في هذا الفعل الحسي إشعار للنفس بأن تتفرغ لله تعالى، وأن يكون الله وحده هو شاغلها، فلا يشغلها شيء سواه، وقال تعالى: (إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ) المطهر من الأرجاس الحسية والمعنوية، وهو (طُوًى)، وهو اسم لواد في هذه الأرض المقدسة، وحسبه شرفا أنه قد تجلى الحق فيه وكلم موسى تكليما.
يقول تعالى مخاطبا نبيه موسى ﵇:
стр. 6846
(وَأَنَا اخْتَرْتُكَ ... (١٣)
كرر الضمير تأكيدا لخطابه ، ولإيناسه، وإزالة الاستغراب و (اخْتَرْتُكَ) معناه أنه اختاره لرسالته، كما قال تعالى في آية أخرى. . . (إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤).
وقوله تعالى: (فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى) الفاء للعطف وللترتيب والتعقيب، فالاستماع لما يوحى الأمر به مترتب على الاختيار له، أو هو موضوع الاختيار ذاته، وما يوحى إليه هو التوراة وما فيها من شرائع وأحكام وأساسها عقيدة صحيحة مستقيمة هي ما تضمنه قوله تعالى:
стр. 6847
(إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)
لهذه الجملة السامية بيان لمعنى ما يوحى الله به مما يجب الاستماع له والأخذ به وتبليغه، وأن يخاطب به فرعون، وما ذكره في هذا المقام، هو لب التدين، فلبُّ التدين هو عبادة الله وحده وإقامة الصلاة لذكر الله تعالى، والخشوع والركوع والسجود، فالصلاة كلها ذكر لله تعالى، وهي شرعت لتمتلئ القلوب بالله، ولتكون مطمئنة لذكر الله تعالى: (. . . أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، وذكر الله تعالى هو الذي ينقي القلوب من أدران الهوى، والقلوب التي تذكر الله تعالى لَا يدخلها الشيطان، ولا يسكن الشيطان إلا القلوب الفارغة من ذكر الله تعالى، ولقد قال الزمخشري في معنى (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكرِي)، " لذكري: أي
стр. 6848
لتذكرني فإن ذكري أن أعبد وليصلي لي، أو لتذكري فيها لاشتمال الصلاة على الأذكار. . . أو لذكري خاصة لَا تشوبه بذكر غيري أو لإخلاص ذكري، وطلب وجهي لَا ترائي بها، ولا تقصد بها غرضا آخر، أو لتكون لي ذاكرا غير ناسٍ، فعل المخلصين في جعلهم ذكر ربهم على بال منهم وتوكيل هممهم وأفكارهم به، كما قال تعالى: (. . . لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكرِ اللَّهِ. . .). هذه معان متوافقة غير متضاربة لكلمة (لِذِكْرِي) ولتوافقها صح أن تكون كلها داخلة في معنى هذه الكلمة السامية (لِذِكرِي).
بعد ذلك ذكر سبحانه لموسى ﵇ الإيمان بالقيامة والبعث، وما يتصل بالآخرة، وإن هذا فيصل التفرقة بين الإيمان والزندقة، فالإيمان بالبعث وما يعقبه هو قوام الشخصية المؤمنة وهو الإذعان، وبه يكون السير إلى الله، ولذا جعل من أركان الإيمان مع التوحيد والصلاة لامتلاء النفس بذكر الله تعالى.
стр. 6849
(إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا ... (١٥)
أي أنه أخفاها لأنه لَا يبين للناس متى تكون، ولم يعط علمها لنبي، ولا لأحد من الناس، مع تأكيد وقوعها من غير تعيين لزمانها، فكانه أخفاها، أخفى زمانها وأكد وقوعها، فهو لم يخفها، ولو كان أعلم الناس بها علمًا كاملا لأعلم متى تكون، ولكنه أكد مجيئها.
وقوله تعالى: (لِتُجْزَى كُلُّ نَفْس بِمَا تَسْعَى) " اللام " متعلقة بـ (آتِيَة)، أي أن مجيئها للجزاء فيجزى من عمل عملا صالحا جزاء صالحا، ومن عمل عملا سيئا يجزى جزاء وفاقا لما ارتكب، وهكذا يكون كل مجزيا بعمله إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. فما خلق الإنسان سدى يفعل ما يشاء من غيرِ حساب على ما فعل وجزاء للخير الذي أراده ونواه وفعله، وقوله تعالى: (بِمَا تَسعى)، أي تجزى جزاء بالذي تسعى، " الباء " للمقابلة أي مقابل ما تسعى، أو تجزى بذات ما تسعى وذلك لمساواة السعي مع الجزاء فكأنه هو هو.
ولقد أشار الله سبحانه لنبيه وكليمه موسى إلى أنه سيلقى عنتا من الذين لا يؤمنون بالبعث، وقد نهاه سبحانه عن مطاوعتهم وهو لكل أتباعه، فقال تعالى:
стр. 6850
(فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦)
" الفاء " للإفصاح، إذ تفصح عن شرط مقدر تقديره: إذا كانت آتية، وإن كان زمانها خافيا، فبين للناس وجوب الإيمان بها، ولا يصدنك عنها من لَا يؤمن بها فلا يؤمن بالبعث، ويقول: إن هي إلاحياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين، والسبب في عدم إيمانهم بالبعث هو سيطرة أهوائهم عليهم، ولذا قرن بعدم الإيمان باليوم الآخر اتباع الهوى.
وقوله تعالى: (فَتَرْدَى) الخطاب لموسى ﵇، والفاء للسببية، أي الصد عنها سبب الوقوع في الرَّدى، والنهي في " لا يصدنك "، نهى عن قبول أسباب الصد، وهو محاولة الكافرين، منع الإيمان باليوم الآخر، أي نهى عن تمكينهم من الإغراء به، فكن صلبا في بث روح الإيمان باليوم الآخر حتى لَا يطمع أحد من الكافرين في أن تصد عنه، والنهي عن ذلك بالنسبة لنبي الله تعالى ليس لاحتمال أن يقع، بل إن ذلك لمكان الإيمان بالبعث من الإيمان والله أعلم.
* * *
معجزته
(وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤)
* * *
خاطب الله موسى ﵇ بأنه اختاره رسولا نبيا، واصطفاه بكلامه، ولكن يظهر أنه كان يخاطب بكلام الله تعالى من وراء حجاب، وأنه كان يوحى إليه بتعليماته وأحكامه، ولذا قال له وهو يكلمه، فاستمع لما يوحى، فكان خطاب الله
стр. 6851
تعالى بكلامه من وراء حجاب، وخطابه له بالوحي كغيره من الرسل، خاطبه الله تعالى بالمعجزة وأعطاه ما يدل على صدقه، وهو العصا، وضم يده إلى جناحه وإخراجها من غير سوء، مع آيات أخرى كانت تجيء كل آية في مناسبتها.
قال تعالى لنبيه وكليمه:
стр. 6852
(وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى) الاستفهام للتنبيه إلى حالها التي عليها من أنها خشب شجر، أو نحوها، وإلى ما ستئول إليه بعد ذلك من أنها حية تسعى، و (بِيَمِينِكَ) صلة لموصول محذوف وقامت الصلة مشيرة إليه، أي: وما تلك التي بيمينك، وكان التنبيه والإشارة إلى كونها، ولكن موسى عدل عن بيان ما هي عليه، وعن مادتها إلى بيان ما يستخدمها، واكتفى في بيان ماهيتها بقوله (هِيَ عَصَايَ ... (١٨) والياء ياء المتكلم فُتِحَت لوقوعها بعد ألف " عصا "، وقرئ بكسرها تخلصا من التقاء الساكنين بالكسر، وهو الأصل في التخلص من التفاء الساكنين.
وخلاصة القول، أن الاستفهام توجيه لذهن موسى ﵇ إلى أن ينظر في حقيقتها لكي يدرك من بعد وجه الإعجاز إذا رأى حالها بعد ذلك في الحال التي تتحول إليها.
وقد أجاب موسى ﵇ إلى المنفعة التي ينتفع بها فيها وذكر أمرين وأمر ثالث فيه شتى المنافع، الأمر الأول مما ذكره عبر عنه ﵇ بقوله:
стр. 6853
(أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا)، أي أعتمد عليها في متابعتي للغنم، ومراقبتي لها عندما يحل بنا التعب، أو أعتمد عليها في كل الأحوال في مراقبتي لها، والأمر الثاني ذكره بقوله: (وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي)، أي أخبط على رأسه خبطا خفيفا، لأبعده عن مواطن تضره، وذلك من هش الورق إذا خبطه خبطا يسيرا لينظمه، وفي ذلك دلالة على الرفق بهذا الحيوان الضعيف وتوجيهه بأقل ما يكون من توجيه من غير ضرب ولا زجر، ولذا كان النببون يُعَوَّدون الرفق برعاية الغنم، فهذا نبي الله موسى قبل أن يبعثه الله رسولا نزعه من قصور فرعون إلى رعاية الغنم، وهو القوي الذي وكز الرجل من آل فرعون فقضى عليه، فكان لابد أن يذوق الفقر ويتعود الرفق في رعي الغنم. والأمر
стр. 6854
الثالث الذي أشار إليه هو قوله (وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى) والمآرب جمع مأربة بضم الراء وكسرها وفتحها، وهي الحوائج والمنافع، وقال (أُخْرَى)؛ لأن جمع ما لا يعقل يكون بالمفرد المؤنث كقوله تعالى: (. . . يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ. . .)، فقد خوطبت الجبال بالمفرد المؤنث، وقد روي عن ابن عباس أنه عدَّ هذه المآرب فقال: " إذا انتهيت إلى رأس بئر فقصُر الرشا وَصَلْتُه بالعصا، وإذا أصابني حر الشمس غرزتها في الأرض، وألقيت عليها ما يظلني، وإذا خفت شيئا من هوام الأرض قتلته بها، وإذا مشيت ألقيتها على عاتقي، وعلقت عليها القوس والكنانة والمخلاة، وأقاتل بها السباع عن الغنم ".
وقد أفاض الرسول في الرد بعض الإفاضة باتجاهه إلى بيان منافعها فبدل أن يقول في ماهيتها: عود من شجرة، ليستأنس بكلام ربه فهو كلام العلي الأعلى.
وكانت هذه العصا بعد ذلك أداة ظاهرة للمعجزات فبها ضرب البحر فافترق، وكان كل فرق كالطود العظيم، وضرب الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا.
ذكر موسى لربه ما ينتفع به من العصا، فصَّل ما فصَّل، وأجمل ما أجمل، وقد نبهه الله تعالى إلى منفعة للعصا فوق كل ما ذكر؛ لأنها تكون ليست لغيره، وقد نبهه ربه إلى الإعجاز فيها فقال:
стр. 6855
(أَلْقِهَا يَا مُوسَى (١٩)
الضمير يعود إلى العصا أي ألق ذات العصا التي بيدك، وهي العود من الخشب، فانظر كيف ينقلب ذلك العود إلى مخلوق آخر، وفي ندائه عند الإلقاء بكلمة (يَا مُوسى) إدناء إليه وتحبب له وتقريب،
стр. 6856
(فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) الضمير في قوله تعالى: (فَأَلْقَاهَا) يعود إلى العصا التي هي عود من شجر والتي كانت منها المنافع التي ذكرها ﵇، ولها تلك الخواص الخشبية تنقلب حية تسعى، أي تكون من لحم يتلوى يمينا وشمالا بعد أن كانت خشبا يتوكأ عليه وله فيها مآرب أخرى وحاجات تكون من الخشب لا من حَية، و " الفاء " و " إذا " للمفاجأة، وكانت المفاجأة في أنها تحولت من خشب جامد إلى حي متحرك، والحية هي الثعبان، ولكن لَا يقال لها ثعبان إلا إذا كانت كبيرة، ويقال لها جانٌّ، وهو الرفيع السريع الحركة من الحيات، وقد جاء في عبارة
стр. 6857
القرآن عن حية موسى التعبيرات الثلاثة، فقال تعالى: (فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مبِين)، وقال تعالى:. . . (فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ. . .)، ويظهر أنها كانت تكون على حسب المقامات، فعندما التقى بسحرة فرعون كانت ثعبانا كبيرا يلقف ما يأفكون، ويظهر أن المفاجأة التي اعترت موسى ﵇ إنما هي من انقلاب الخشب الجامد إلى حية تسعى، والسعي هو المشي السريع، ومن ذلك السعي بين الصفا والمروة، فكانت المفاجأة من الانقلاب حية، وأنها تسير سيرا سريعا شديدا، ويظهر أنه من فرط المفاجأة ولى مدبرا ولم يعقب، كما قال تعالى في آية أخرى قد تلوناها من قبل، وقد ناداه ربه (. . . يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ. . .)، وهنا قال له تعالى:
стр. 6858
(قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١)
ما كان لموسى وهو مضطرب بسبب المفاجأة، لهذا الانقلاب أن يمد يده إليها ليأخذها إلا بعد الاطمئنان، وقرار النفس، ولذا قرن الأمر بأخذها بالنهي عن الخوف لتقر نفسه وتطمئن، وبين له أن ما أزعجك من الانقلاب زائل، ولذا قال عز من قائل: (سَنُعِيدُهَا سِيرتَهَا الأُولَى)، حيث كنت تستخدمها في التوكؤ عليها والهش على غنمك والمآرب الأخرى التي كنت تنتفع بها، والسيرة اسم هيئة على وزن " فِعْلَة " بكسر الفاء، أي سنعيدها على الهيئة التي كنت تستخدمها فيها قارا مطمئنا، وقد ذكر الزمخشري ثلاثة وجوه " سيرة " أولها أنها ظرف، وثانيها أنها مفعول ثانٍ لـ " أعاد "، لأن عاد أصلها متعدية بنفسها من قولهم عاد المريض يعوده، فإذا جاءت همزة التعدية صار يتعدى لمفعولين، والثالث وهو الذي رجحه وقد ذكره بقوله: " ووجه ثالث حسن وهو أن (سَنعِيدُهَا)، مستقلا بنفسه غير متعلق بـ (سِيرَتَهَا) بمعنى أنها أنشئت أول ما أنشئت عصى، ثم ذهبت وبطلت بالقلب حية فسنعيدها بعد ذهابها كما أنشئت أولا، ونصب (سِيرَتَهَا) بفعل مضمر أي تسير سيرتها الأولى "، جملة هذا ما قاله الزمخشري وما كان لنا أن نسير في هذا التوجيه الإعرابي، ولتمام القول فيه أنه على هذا الإعراب الأخير تكون (سِيرَتَهَا) مع الفعل المحذوف جملة حالية، وقبل أن نترك القول في الآية الكريمة نقول: إن " سيرة " فعل
стр. 6859
هيئة من سار، وهي تطلق ابتداء على السير الحسي وهو هنا قريب من ذلك، ثم أطلقت على المعنويات فقيل: سيرة فلان. أي: مسلكه في الحياة، وقيل: سيرة النبيين، ثم أطلقت على المذهب والطريقة.
سلح الله - تعالى - رسوله وكليمه موسى بالأسلحة التي يدّرع بها لإقناع طاغية الدنيا في عصره بنبوّته، فأتى له بآية أخرى إيناسا لموسى وليطمئن في لقائه بهذا الطاغية بأن الله تعالى معه، فلا يخاف، ولا يضطرب عند لقائه؛ ولذا قال تعالى:
стр. 6860
(وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣)
" الجناح " هنا الجانب، وهو تشبيه جانبي الإنسان بجناح الطير لأنهما محسوسان في جانبيه، وسمي جناحي الطائر بذلك لأنهما يطويان عند الطير، ويميلان على جنبيه، والجناح الميل، وضم اليدين إلى الجانبين معناه وضع اليدين تحت الإبطين، وقوله تعالى:. (تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) والفعل مجزوم على جواب الأمر، وهما لَا يخرجان من تلقاء أنفسهما، بل يخرجهما موسى بإرادة الله تعالى، فليس الضم سبب الخروج، ولكنه شرطه. والسوء ما يسوء الإنسان عند النظر إليه، ولذا أطلق على العورة السوءة، قال الله تعالى عندما أكل آدم وحواء من الشجرة: (. . . فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ. . .).
وقالوا: كنى بهذا عن البرص، أي تخرج اليدان بيضاوان من غير ذلك المرض الذي يسوء النظر إليه، ويقول الزمخشري في ذلك: إن قوله تعالى: (مِنْ غَيْرِ سوء) كناية عن البَرَص، كما كنى عن العورة بالسوءة، والبرص أبغض شيء إلى العرب، وبهم عنه نفرة عظيمة، وأسماعهم لاسمه مَجَّاجة، فكان جديرا بأن يكنى عنه، ولا نرى أحسن ولا ألطف، ولا أحرى للمفاصل من كناية القرآن وآدابه.
وإن ذلك كلام قيم في ذاته، ولكن ذكر البرص في القرآن الكريم، فلقد ذكر في معجزات عيسى فقال تعالى: (وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ)، ولقد قال تعالى: (تَخْرجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) لتبين أن البياض
стр. 6861
إشراق وضياء منزهة عن أي مرض، فهو مدح للبياض، وهذه آية أخرى غير آية العصا، ولذا قال تعالى: (آيَةً أُخْرَى) والنصب لفعل محذوف مناسب للنص تقديره مثلا: أعطيناك آية أخرى لتذهب إلى من تُرسل إليه مسلحا بالحجة بحيث لَا يماري فيها إلا جاهل أو متجاهل ممن يستيقنون بالآيات، ولكن يجحدونها، وسترى فرعون من هذا النوع.
وإن الله تعالى قد أعطاه في لقائه الأول آيتين حسيتين قاطعتين في إثبات خطاب الله تعالى، وأشار إلى أنه سيزوده بكل آية ليتمكن من الوقوف أمام فرعون غير هيَّاب، ومتحملا لكل ما ينزل به من شدائد أمام طاغوته وجبروته، ولذا قال سبحانه:
стр. 6862
(لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣)
" اللام " لام التعليل، وهي متعلقة بفعل محذوف تقديره مثلا: جعلنا لك هاتين الآيتين لنريك من آياتنا الكبرى، و (مِن) للتبعيض، أي لنريك بعض آياتنا الكبرى التي تجابه بها فرعون الطاغي، وإن الله تعالى ممدك بعون من عنده ومزودك بكل الآيات التي تقيم بها الحق على فرعون، وكان ذلك تأييدا، ولإعطاء موسى الكليم قوة يحتمل بها طاغوت فرعون، ويكون حمولا صابرا يتلقى أذاه بقلب الصابر الحليم المُحِسّ إحساسا كاملا بأن الله مؤيده، ومعه الحجة والبرهان، وهما سلطان الأنبياء، بعد ذلك التأييد والإشعار بأن الله من ورائه، وسلطانه فوق سلطان الجبابرة، قال له ربه:
стр. 6863
(اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤)
وإن ما سبق من الآيات كان مقدمة، وهذا التكليف نتيجته اذهب إلى فرعون داعيا هاديا مرشدا مقاوما لظلمه بالحجة والبرهان، ولم يذكر ما يدعوه إليه، اكتفاء بوصفه الذي وصفه تعالى به.
(إِنَّهُ طَغَى) أي أنه تجاوز الحد، وهذا يتضمن أنه ظلم الناس فقال لهم: ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد، وذلك حَجر على العقول أن تفكر وترى، وطغى فظلم العباد وأكل أموالهم وحقوقهم، وطغى فلم يحسب للناس وجودًا إلا بوجوده، وطغى وبغى فحسب نفسه إلها، وأمر المصريين أن يعبدوه فعبدوه، وقال لهم، ليس لكم من الله غيري، وطغى وبغى فحسب أن البلاد ملكه، وقال طاغيا:
стр. 6864
(أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي) أرسل الله تعالى إليه موسى فكان العبء كبيرا.
* * *
موسى وهارون
(قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (٣٦)
* * *
استجاب موسى لله الذي أكرمه بالكلام معه، ولكنه أحس بالعبء الذي سيحمله، وإذا كان الله العزيز الكريم قد أمده بالآيات الدالة على الرسالة فهو في نفسه طلب من الله تعالى أن يمده في شخصه بالمعونة، وبأن يعطيه من ينصره ويؤيده، وإن العاقل الصافي النفس يعرف عيوبه من غير أن يعرِّفه غيره، ولقد أحس موسى ﵇ بأنه يضيق صدره أحيانا وبأن الأمر الذي بعثه الله به خطير عسير ليس بيسير، وأنه ليس فصيح اللسان بحيث يفقه الناس قوله، وبأنه يحتاج إلى من يؤازره، ولذا طلب أمورا أربعة ليسهل عليه التكليف الذي كلفه الله تعالى إياه، فطلب أمورا أربعة:
أولها - قوله:
стр. 6865
(قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي) شرح الصدر توسعته حسا، وما طلب توسعته حسا، إنما طلب أن يكون عنده قدرة على احتمال الرأي الذي يخالفه، وألا يكون صدره ضيقا حرجا بمن يخالفه، بل تكون عنده أناة الصابرين،