← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 6861–6900 · переход к 6866.

стр. 6861

إشراق وضياء منزهة عن أي مرض، فهو مدح للبياض، وهذه آية أخرى غير آية العصا، ولذا قال تعالى: (آيَةً أُخْرَى) والنصب لفعل محذوف مناسب للنص تقديره مثلا: أعطيناك آية أخرى لتذهب إلى من تُرسل إليه مسلحا بالحجة بحيث لَا يماري فيها إلا جاهل أو متجاهل ممن يستيقنون بالآيات، ولكن يجحدونها، وسترى فرعون من هذا النوع. وإن الله تعالى قد أعطاه في لقائه الأول آيتين حسيتين قاطعتين في إثبات خطاب الله تعالى، وأشار إلى أنه سيزوده بكل آية ليتمكن من الوقوف أمام فرعون غير هيَّاب، ومتحملا لكل ما ينزل به من شدائد أمام طاغوته وجبروته، ولذا قال سبحانه:

стр. 6862

(لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣) " اللام " لام التعليل، وهي متعلقة بفعل محذوف تقديره مثلا: جعلنا لك هاتين الآيتين لنريك من آياتنا الكبرى، و (مِن) للتبعيض، أي لنريك بعض آياتنا الكبرى التي تجابه بها فرعون الطاغي، وإن الله تعالى ممدك بعون من عنده ومزودك بكل الآيات التي تقيم بها الحق على فرعون، وكان ذلك تأييدا، ولإعطاء موسى الكليم قوة يحتمل بها طاغوت فرعون، ويكون حمولا صابرا يتلقى أذاه بقلب الصابر الحليم المُحِسّ إحساسا كاملا بأن الله مؤيده، ومعه الحجة والبرهان، وهما سلطان الأنبياء، بعد ذلك التأييد والإشعار بأن الله من ورائه، وسلطانه فوق سلطان الجبابرة، قال له ربه:

стр. 6863

(اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤) وإن ما سبق من الآيات كان مقدمة، وهذا التكليف نتيجته اذهب إلى فرعون داعيا هاديا مرشدا مقاوما لظلمه بالحجة والبرهان، ولم يذكر ما يدعوه إليه، اكتفاء بوصفه الذي وصفه تعالى به. (إِنَّهُ طَغَى) أي أنه تجاوز الحد، وهذا يتضمن أنه ظلم الناس فقال لهم: ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد، وذلك حَجر على العقول أن تفكر وترى، وطغى فظلم العباد وأكل أموالهم وحقوقهم، وطغى فلم يحسب للناس وجودًا إلا بوجوده، وطغى وبغى فحسب نفسه إلها، وأمر المصريين أن يعبدوه فعبدوه، وقال لهم، ليس لكم من الله غيري، وطغى وبغى فحسب أن البلاد ملكه، وقال طاغيا:

стр. 6864

(أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي) أرسل الله تعالى إليه موسى فكان العبء كبيرا. * * * موسى وهارون (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (٣٦) * * * استجاب موسى لله الذي أكرمه بالكلام معه، ولكنه أحس بالعبء الذي سيحمله، وإذا كان الله العزيز الكريم قد أمده بالآيات الدالة على الرسالة فهو في نفسه طلب من الله تعالى أن يمده في شخصه بالمعونة، وبأن يعطيه من ينصره ويؤيده، وإن العاقل الصافي النفس يعرف عيوبه من غير أن يعرِّفه غيره، ولقد أحس موسى ﵇ بأنه يضيق صدره أحيانا وبأن الأمر الذي بعثه الله به خطير عسير ليس بيسير، وأنه ليس فصيح اللسان بحيث يفقه الناس قوله، وبأنه يحتاج إلى من يؤازره، ولذا طلب أمورا أربعة ليسهل عليه التكليف الذي كلفه الله تعالى إياه، فطلب أمورا أربعة: أولها - قوله:

стр. 6865

(قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي) شرح الصدر توسعته حسا، وما طلب توسعته حسا، إنما طلب أن يكون عنده قدرة على احتمال الرأي الذي يخالفه، وألا يكون صدره ضيقا حرجا بمن يخالفه، بل تكون عنده أناة الصابرين،

стр. 6866

وإن موسى كان يضيق ذرعا بكل من يخالفه: ولعل ذلك لأنه نشأ ونما في قوم مقهورين يُقتل أبناؤهم، وتُستحيا نساؤهم، ومن التربية الأولى في بيت فرعون، ولأنه كان يحس بأنه وقومه مظلومون، (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩). ونفس موسى الكليم الشفافة أدركت عيوبها فطلب من ربه أن يبرئه منها عالما أنه سيلقى من فرعون عنتا، ولابد أن يلقاه بقلب قوي غير ضجر، ولا سائم، ليتحمل ما حمله، فطلب أن يشرح صدره بجعله قادرا على احتمال المخالفة، بل المعاندة والمهاترة فقال: (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي). الأمر الثاني - أنه أحس بأنه مقدم على أمر خطير جسيم ليس هيِّنا لينا، هو مجابهة فرعون جبار الدنيا، وطاغية عصره، فطلب أن يسهل أمره معه فقال:

стр. 6867

(وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) أي اجعل الأمور ميسرة أمامي، وإضافة الأمر إليه أي الأمر الذي كلفتنيه، وهو لقاء فرعون فإن كان الطلب الأول خاصا بشخصه، فالثاني خاص برسالته التي حملها، وكلفه الله إياها. وقد اتجه من بعد ذلك إلى الأداة التي يكون بها التبليغ، هو اللسان، ولذا كان الطلب الثالث وهو الذي عبر عنه بقوله:

стр. 6868

(وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) العقدة ألا ينطلق اللسان بالقول الفصيح الصحيح، ويقول أكثر المفسرين إنه كان في لسان موسى رتَّه، وقد وصفه فرعون مستهينا به مستنكرا أن يكون هو الرسول عن الله تعالى: (وَلَا يَكَادُ يُبِينُ)، وقد طلب موسى طلبا يسيرا أن يحل عقدة قائمة من لسانه،

стр. 6869

وفى هذا الكلام تشبيه لحال من لَا يحسن القول بحال من يكون فيه عقدة تمنعه من الانطلاق، وقوله تعالى عنه:

стр. 6870

(يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) أي يعلموه ويفهموه فهما دقيقا، يصل إلى لبابه ومقصده ومرماه وغايته، يقال: فقه القول أي أدركه إدراكا مستقيما، و (يَفْقَهُوا قَوْلِي) مجزوم في جواب الأمر، أي أن حل العقدة لغاية وهو أن يفقهوا قولي ويدركوا معناه. المطلب الرابع الذي طالب به ربه أن يكون معه أخوه هارون ردءا له ليكونا معا أمام فرعون جبار الأرض في زمانه، وقد قال في ذلك:

стр. 6871

(وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) الوزير: المعاون، وهو من الوزر بمعنى أنه يحمل أوزار الأمر معه، أو من الوَزَر - بفتح الواو والزاي - بمعنى الملجأ، وهو بمعنى أنه يلجأ إليه في المُلِمَّات، أو من المؤازرة بمعنى المعاونة، والوزير الصادق المخلص فيه هذه المعاني كلها فهو يحمل التبعات، وهو ملجأ في الملمات، وهو معاون عندما تشتد الأمور وتدلهمّ، يعين برأيه وتدبيره.

стр. 6872

وقد ذكر أن يكون الوزير من أهله، وعين وزيره بالذات وهو أخوه هارون، وقد ابتدأ بذكر الوزير مطلقا، ثم خصه أن يكون من أهله، ثم خصصه أخيرا بأن عينه بالذات، ولقد قال في سورة القصص: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥).

стр. 6873

وقد طلب موسى ﵇ فيما يتعلق بأخيه أمرين، أولهما: أنه يشد أزره وهو الظهر، وهو كناية عن أنه يكون قوة له، كما قال في آية القصص يكون ردءا، وثانيهما: قوله: (وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) أي اجعله شريكا لي في حمل أعباء الرسالة وواجباتها ولنلتقي بفرعون مجتمعين غير منفردين، ولعله طالب بأن يكون

стр. 6874

معه أخوه هارون، لأنه ليس لفرعون يد عليه، أما موسى فقد ربَّاه فرعون وعيره بذلك، فقال: (. . . أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِين)، وأنه وإن كان ذلك لَا يمس مقام الرسالة فإن هارون ليس لفرعون عليه حق التربية الذي ادعاه فرعون.

стр. 6875

وإن هذا التآزر الذي دعا موسى ربه أن يجيبه ذكر نتيجته وأولى ثمراته، وهو كثرة التسبيح لله تعالى وذكره، أي نسبحك ونقدسك تقديسا كثيرا ونذكرك في أنفسنا كثيرا، إذ نكون قوة تجهر بتقديسك وذكرك، ويكون معنا من بني إسرائيل من يسبحك كثيرا، ويذكرك ذكرا كثيرا ويشيع ذكرك في أرض الفراعنة الذين استبد بهم فرعون فمنع كل الناس من أن يذكروا غير اسمه، وإنك أنت علام الغيوب وأعلم بنا من أنفسنا، ولذا قال ﵇:

стр. 6876

(إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥) أي عالما علم من يبصر لَا يخفى عليك شيء في الأرض ولا في السماء، أجاب الله مطالب موسى الأربعة وقال تعالى:

стр. 6877

(قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (٣٦) قال الله تعالى مخاطبا نبيه وكليمه: (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى) السؤل بمعنى المسئول، كالخبز بمعنى المخبوز، والأكُل بمعنى المأكول، و (أُوتِيتَ) معناه أعطيته، وصار بين يدك ما طلبت، وذلك في نظرنا أبلغ من أُجِبْت؟ لأن الإجابة قد تكون بالقول، ويتحقق مدلولها بعد، إذ الإجابة لَا تقتضي التحقق، بل إنها ربما تكون بينها وبين التحقيق زمن، والمجيب ليس بمخلفه، وإنه بندائه سبحانه بالاسم تقريب وإدناء، وإلقاء بالمودة التي لم يحرم منها كليم الله طول حياته، ولئلا يقصى عليه أمر بني إسرائيل أمده الله تعالى بكل أسباب الصلاح، ولكنهم كانوا قد مردوا على الذل، ومرضت قلوبهم بالنفاق كما رباهم فرعون على الخنوع الذليل، ولم يجد فيهم من يجيئهم بالرشاد والموعظة الحسنة والولاية الهادية الرشيدة. * * *

стр. 6878

ولادته وكفالته (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (٤٠) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢) * * * كلام لموسى ﵇، وكانت تلك المجاوبة الرحيمة من الله والمحبوبة لموسى من وقت أن آنس من جانب الطور نارا وذهب إليها ليأتي لأهله منها بقبس أو يجد على النار هدى، وقد من الله على موسى بأن آتاه سؤله، وذكَّر موسى بأنه كانت كلاءته الكريمة من وقت أن وُلدَ، ولذا قال له:

стр. 6879

(وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى) فليست هذه أول ما مننا به عليك، فقد من عليك - بمننٍ كثيرة من قبل، وإذا كانت هذة منة تسهيل الرسالة، وتبليغها عليك، فقد مننت عليك بالكفالة والمحبة من وقت ولادتك إلى أن لقيتني عند الشجرة، ونبتدئ فنلخص هذه المنن الكريمة: أولاها: عند ولادتك فإن أمك الرءوم (١) خشيت عليك من فرعون الطاغية الذي كان يذبح أبناء بني إسرائيل، ويستحيي نساءهم ليكونوا خدما في البيوت أو

стр. 6880

إماء، وقد قال تعالى في إنجائه:

стр. 6881

(إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩) منن كثيرة في منة واحدة، وهي إنقاذه من سكين فرعون الظالم القاسي الذي حاول الظالمون القساة أن يقلدوه في ظلمه لمخالفيه، وطغيانه عليهم من غير رحمة أو رأفة إنسانية، وقد رأينا ذلك وعايناه في طاغية كان دون فرعون شأنا ولكنه كان أشد منه غلظة فما رأيناه من فرعون في معاملته لبني إسرائيل بحسبان أنهم ليسوا من بني جلدته، وغلطة هذا أشد في أنه كان يفعله مع بني جلدته، وهو ظلم وفحش فيه في الحالين، وإن كانت إحداهما أشد وأغلظ. (إِذْ أَوْحَيْنَا إَلَن أُمِّكَ مَا يُوحَى) " إذ " ظرف للزمن الماضي، وهي متعلقة بـ (مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى)، و (أَوْحَيْنَا) أي بالإلهام أو بالمنام بالرؤيا الصادقة، وهي جزء من ستة وأربعين جزءا من الوحي وقوله: (مَا يوحَى) أي الأمر الذي من شأنه ألا يعلم إلا بالوحي؛ لأنه من الغيب الذي لَا يعلم إلا من قبل الله تعالى. كما قال تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ. . .)، وقد تعلقت بهذا الوحي مصلحة دينية، وعدل أرضيّ، أما المصلحة الدينية فهي نجاة من كتب الله تعالى في غيبه المكنون أن يكون نبيا وكليما ومن المصطفين الأخيار، وأما إقامة العدل الأرضيّ فهو كف فرعون عن بني إسرائيل الذي كان يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم، وإن الله يرسل في الأرض من ينجي عباده من ظلم الظالمين، وفساد والمفسدين.

стр. 6882

(أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ ... (٣٩) هذا بيان لما أوحى الله تعالى به إلى أمِّ موسى، ويلاحظ أنه قال (أُمِّكَ) أي أمك الرءوم الشفيقة الرءوفة التي هي أشفق إنسان عليك، ولقوة الإلهام تركتك لَا بغضا لك، ولكن محبة، وتركتك لَا لتهلك، ولكن لتحيا. وإن في قوله: (أَنِ اقْذِفِيه فِي التَّابُوتِ) أي كان مما أوحى به الأمر بقذفه، والقذف هو الإلقاء، كما قال تعالى (. . . وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْب. . .)، ولا شك أن التعبير

стр. 6883

بالقذف يفيد معنى الشدة في الإلقاء وذلك للمعاناة النفسية التي كانت تعتلج في قلب الأم الرءوم فكان التردد الشديد، ثم انتهى التردد بالإلقاء، وكأنها تقذف قطعة منها في تابوت مغلق لَا تدري بالحس ما الله فاعل به. ألقته في التابوت بمعاناة نفسية، ثم ألقت التابوت الذي فيه موسى - قطعة نفسها - في اليم وهي في ألم مرير، والضمير في قوله تعالى: (اقذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ) يعود على موسى بلا ريب وأما في قوله: (فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ) يحتمل أن يكون لموسى وأن يكون للتابوت، وفي كلتا الحالين هي تقذفه وقلبها معلق به، والأوضح أن يكون لموسى، لقوله تعالى: (فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ) العداوة ليست للتابوت، وإنما هي لشخص الرسول الكليم. ويلاحظ أن العطف كله بالفاء التي تفيد الترتيب والتعقيب من غير تراخ زمني؛ ذلك لأن الأم الرءوم تريد المسارعة بنجاة ولدها الحبيب من الذبح، والإلقاء هو السبيل الوحيد أمامها، والله الذي ألهمها بإلهامه الذي هو وحي، ينقذه قبل أن يموت جوعا أو تتقاذفه الرياح، يعجل بالنجاة فألقاه في الساحل وقوله تعالى: (يَأخُذْهُ عَدُو لِّي وَعَدُو لَّهُ) (يَاخُذهُ) مجزوم في جواب الأمر، وعداوة فرعون لله تعالى واضحة وقت الإلقاء على الساحل، أما عداوة موسى لفرعون فستكون من القابل. وقد عبر عن وجوده على الساحل بالإلقاء دون القذف؛ لأن القذف يكون من أعلى لأسفل ولأن الإلقاء لم يكن بمعاناة من الأم، بل كان برحمة من الله تعالى. نجا موسى صغيرا من الذبح الذي كان يتزقب كل مولود ذكر من بني إسرائيل، ثم كانت الثانية وهي حفظه وكفالة أمه له، وأن يكون بين أحضانها وهذا هو المظهر الثاني لمنة الله تعالى فقد ألقى عليه تعالى محبة، فقال تعالت كلماته: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي) ألقى الله تعالى عليه محبة منه سبحانه، والمحبة التي ألقاها تعالى ذات عناصر، أولها: أن الله تعالى أحبه، ومن أحبه الله تعالى كان

стр. 6884

كريما على الناس، وثانيها: أن الناس بتوفيق الله وتوجيهه أحبوه، فكان محببا منهم إذ زرع في قلوبهم محبته، وثالثها: أن الله تعالى فتح له القلوب المغلقة، ففتح له قلب فرعون المغلق، وفتح له قلب امرأته، فقالت: (. . . قُرَّتُ عَيْنٍ لي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا. . .)، وكما قال تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آل فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا. . .)، أي في المآل لَا وقت الالتقاط، إذ إنهم في وقت الالتقاط التقطوه ليكون قرة عين لفرعون وامرأته: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) (لِتُصْنَعَ) أي تتربى تحت رقابتي وملاحظتي فلا تقهر، ولا تذل بل تكون عزيزا كريما، ولتضمن التربية أن تكون تحت رقابة الله تعالى تعدت بـ " على "؛ لأن معنى هذه التعدية أن الله وقد مكن فرعون من تربيته والقيام على شئونه أشار سبحانه إلى أنه على رقابة له. وإن في الكلام استعارة تمثيلية، إذ شبه حال الرقابة على تربيته وصيانته بحال من يصنع شيئا على مرآه ونظره، وبعض المفسرين قال: إن " على " هنا بمعنى " الباء "، والله أعلم. وقوله تعالى: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)، " الواو " عاطفة على فعل محذوف تقديره لتنعم بمحبة الله والناس، ولتصنع على عين الله تعالى، وتحت رقابته ومحبته ورعايته . والمظهر الثالث لمنته الأخرى هو عودته إلى أمه ليتربى في حضانتها رحمة به وبها؛ لأن أمه ما طابت نفسها بفراقه إلا لنجاته، ولأنها تريده لنفسها، كما تريد كل أم رءوم مُحبة، فرتب الله تعالى لها أن يعود إليها محفوظا مصونا فحرم الله تعالى عليه المراضع، وقد احتار من في بيت فرعون في أمره، وقد صار ملء قلوبهم جميعهم، ولكن الله تعَالى أرسل إليهم.

стр. 6885

(إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ ... (٤٠) أي من يقوم بحضانته ورضاعه لكم فتغذيه بلبن الرضاعة، ومن يحمل هم تربيته وخدمته، وبهذه الرعاية الربانية عاد إلى أمه كي تقر عينها برؤيته، ويذهب اضطراب نفسها على غيبته عنها، ويذهب اضطرابها وخوفها عليه.

стр. 6886

وإنه في سورة القصص تفصيل لما أجمل هنا من غير تكرار، فقد ذكر سبحانه حال أمه بعد أن ألقته في البحر فقال تعالى: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤). وبذلك ترى أن ما أجمل هنا أو أشير إليه إشارة من غير بيان قد وضح هنالك في سورة القصص من غير تكرار، بل جزء سيق في موضعه من غير تكرار لفظ أو معنى. المظهر للمنة الأخرى ذكره بقوله عز من قائل: (وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا) أن الله تعالى قد نجاه من الغم الذي أصابه من قتله نفسا و (الْغَمِّ) الحزن الذي يغمر النفس ويصيبها بما يشبه الغُمَّة، وهنا نجد أن الله ذكر النفس ولم يذكر من أي قبيل هو، وفي ذلك إشارة إلى سبب الغم، وهو أنه قتل نفسا، وحسب ذلك موجبا للغم الذي يصيب بكرب شديد من نفس كنفس موسى الطاهرة التي صنعت على عين الله، ولقد قال موسى عندما قتلها: (. . . قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧). هذا هو الغم الذي أصابه بعد قتل النفس، وقد نجاه الله تعالى منه بأن غفر له سبحانه، وكانت هذه نعمة أنعم الله بها عليه، وعاهد الله تعالى ألا يكون ظهيرا للمجرمين. وبعض المفسرين أو جلهم يقول: إن الغم الذي أصابه هو الخوف من القصاص، وربما يؤيد هذا قول الله تعالى عن موسى: (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفَا

стр. 6887

يَتَرَقَبُ. . . .). وقد نقول: إن الغم كان من الأمرين، عن نفسه اللوامة التي أوجدت كمدا وغما، ومن الخوف من فرعون، أو من الناس وقد قتل منهم واحدا. المظهر الخامس من منة الله على موسى الكليم ﵇ عبَّر الله تعالى عنه بقوله تعالى: (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا)، أي اختبرناك اختبارا شديدا، و " فتون " مصدر " شكور "، ويكون مصدر التوكيد الفتنة التي فق الله تعالى موسى، ويضح أن تكون جمع فتن، أما أن الله تعالى أصابه بأنواع من الفتن، ففتنة الاحتياج، وفتنة الغربة، وفتنة العمل، وهو الذي كان مرفَّهًا مترفًا في بيت فرعون. ولكن كيف يكون فتنة الله تعالى له فتنونًا أو بأصناف الفتن مظهر المنة، أو منة؛ ونقول في جوابنا عن ذلك: إن موسى ﵇ تربى في بيت فرعون، فاكها في نعيمه، وإن ذلك لَا يكون منه نبي، بل لابد أن يعرك الحياة وتعركه، ويعيش بين من يستمع إلى أنينهم، ولابد أن يبتلى ليصل إلى مقام النبوة أو الإرهاص لها، وذلك بأن يفتن بالفتن ويختبر بالحرمان، وقد أدى موسى ذلك ونجح في الاختبار، ولذلك عُدَّ مظهرا من مظاهر المنة وأي منَّة أعظم من أن يهيئه الله تعالى للنبوة، ويخرج من دار فرعون ليجيء إليه نبيا رسولا ينذره بالنذر، ويقدم له الآيات تَتْرى آية بعد آية. ثم قال تعالى مبينا نتائج هذا الاختبار أنه سبحانه نقله من بيت فرعون إلى بيت رجل صالح، ومن أنه كان يأكل من ترف فرعون في عيشة رخوة غير راضية، فانتقل إلى حياة عاملة كادحة باجَلٍ من جهد مستمر مع شعيب، وقال تعالى: (فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ) وهي من أرض سيناء على بعد ثماني مراحل من مصر. (الفاء) في قوله تعالى: (فَلَبِثْتَ) عاطفة وهي للترتيب والتعقيب مع الإشارة إلى السببية في الفاءات الثلاث، فكان قتل النفس سببا للغمِّ، فنجَّاه الله تعالى منه ثم اختبره الله تعالى ليعدَّه للنبوة، ثم استقر به المقام في آل مدين عاملا كادحا، وصار ذا زوج طاهرة وبيت وأولاد يحمل أعباءهم. وبذلك قامت أصهار نبوته،

стр. 6888

وكلام الله تعالى له: (ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى) العطف بـ " ثم " للدلالة على انتقاله من مكان إلى أعلى مكانة، وهي مكانة النبوة في أعلى درجاتها، إذ كلمه الله تكليما، والقدر هو ما قدره الله تعالى لأن يكون رسولا نبيا كليما. ولقد صرح الله تعالى بعظيم منزلته فقال تعالى:

стр. 6889

(وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) أي اخترتك لتكون لنفسي، والاصطناع افتعال من الصنع، وهو اختياره بالصنع مشددا في اختباره وهذا موضح بقوله: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)، يقال: اصطنع الرجل فلانا لنفسه: جعله في موضع التكريم عنده، وهذا فيه استعارة، إذ شبه اختيار الله تعالى له نبيا كليما بحال من يصطنعه الأمير لنفسه من الناس ليكون في موضع الكرامة والشرف، وأي شرف أعلى من أن يكون كليمه، وأن يكلمه تكليما. بعد هذا الاصطناع لموسى أمره سبحانه وأخاه بأن يقوما بالعمل العظيم الخطير فقال:

стр. 6890

(اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢) كان أول ما كلفا به أن يذهبا إلى فرعون يدعوانه إلى التوحيد، وعبادة الله تعالى وحده، ولقد زودهما بأمرين ذكرهما: أولهما: الآيات الدالة على أن الله تعالى بعثهما، وذكر الآيات الدالة على أن الله وحده خالق السماوات والأرض، وسنرى أنهما ذكرا الآيات الدالة على وجود الله تعالى وخلقه. والثاني: أن يذكرا صفات الله تعالى الدالة على أنه وحده الإله الذي يعبد دون سواه، وهذا معنى قوله تعالى: (وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي)، أي لَا تفترا ولا تقصرا في ذكرى بصفات الكمال والجلال. وقوله تعالى: (بِآيَاتِي)، أي تصحبكما آياتي، أو معكما آياتي، والعناية بذكر الله تعالى لفرعون؛ لأن فرعون وقومه ما كانوا يعرفون الله كالعرب الذين بعث فيهم محمد ﷺ ؛ لأنهم كانوا يعرفون الله وأنه خالق السماوات والأرض والذي يلجأ إليه في الشدائد ويستغيثون به في الحال التي توجب الاستغاثة.

стр. 6891

أما قوم فرعون فما كانوا يعرفون، وكانوا يعبدون الشمس ومظاهر الحياة، فاحتاجوا إلى التعريف بالله . * * * الرسالة والتبليغ (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨) قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤) * * * أمرهما الله تعالى بالأمر القاطع، بأن يذهبا إلى فرعون، كما أمر محمدًا ﷺ من بعد أن يصدع بأمر ربه فقال له: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤).

стр. 6892

فقال لهما سبحانه:

стр. 6893

(اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) وقد أشرنا إلى نواحي طغيانه في قوله لموسى منفردا (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ. . .) وفي هذه الآية خاطبه وأخاه هارون إجابة لطلبه، فقال: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى)، وقد طلب منهما أن يترفقا في القول معه، فقال سبحانه:

стр. 6894

(فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) والقول اللين لَا يكون بالملق أو الإدهان أو المواراة، فإن هذه أمور تتجافى مع الحق إلا بالقول الحق، وما كانت رسالة موسى وأخيه إلا الحق وطلب الحق، ولا يطلب الحق إلا بالقول الحق، وإنما لين القول يكون باللين والرفق، حتى لا يُصدم في أمره بالجفوة، وبيان أن الحق يزكي نفسه، ويرفع نفسه فوق ما هي فيه، كأن يقولا له: هل لك إلى أن تزكى؛ لأن ظاهر القول التساؤل والاستفهام، وأن يتبع الأمر باختياره لَا بطلب من أحد، ومن القول اللين ألا يجافيه وأن يخاطبه بما لا يمسّ سلطانه، فإن طواغيت الدنيا لَا يجدون شيئا أعز عليهم من سلطانهم في الأرض، فيُصابون في حسهم إذا مُسَّ ولو من بعيد، وإن قول موسى قولا لينا لفرعون يتفق مع أصل التبليغِ الصحيح الذي يقتضي اللين في القول، كما قال تعالى مخاطبا محمدا ﷺ : (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ. . .)، وإن اللطف في الدعوة من موسى لفرعون يقتضي الرفق في القول؛ لأنه ربَّاه صغيرا ورعاه، وكانت له به محبة فكان له مثل حق الأبوة، وقد عتب فرعون على موسى حتى هذه الدعوة الرقيقة، وقال له: (. . . أَلَمْ نُربِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ). وقال تعالى: (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)، أي أن أقول يكون معه رجاء الإجابة، فالرجاء منهما لَا من الله تعالى، وإن القول اللين ينساب في النفس كما ينساب النمير العذب فيحيي مواتها، وتثمر ثمراتها، والقول الجافي يصُدُّها صدًّا، وإن القول اللين يتبعه التأمل والتفكر، ولذا قال: (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ)، أي يبعث في الفطرة السليمة الخالية من عنجهية الحكم وطغيانه فيتذكر ضعف الإنسان مهما يكن طغيانه، أمام

стр. 6895

قدرة الله تعالى القهار، أو لعل القول اللين يجعله يحس بضعفه أمام قدرة الله تعالى فيخشى بطش الجبار الذي فوق بطشه، وقدرته فوق قدرته، وقهره فوق قهره. بعد هذا الأمر الصادع الذي لَا مثنوية فيه استجابا ولكن الحذر لَا يفتر بقوته، ولذا قال الله عنهما:

стр. 6896

(قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥) ابتدءا كلامهما بالالتجاء إلى الله الذي فوق كل جبار في الأرض، ولو كان فرعون، قائلين (ربَّنَا) أي الذي خلقنا ورئنا ويعرف ما عندنا من قدرة، وما عنده من طغيان ومدى ما نستطيعه معه، ومدى مسارعته إلى الشر، وعدم تردده (إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى) والفرط التقدم بالأذى والمسارعة إليه، فالفارط المتقدم السباق، ويقال فرس فارط، أي سابق الأفراس المسابقة، وبذلك يعاجلنا بالإهلاك أو الأذى قبل أن نرشده إلى رسالتك بلين القول أو جفائه (أَوْ أَن يَطْغَى) إذا سمع ولم يعجل بالإهلاك فيقول في طغوائه ما لَا يليق بمقامه الأعلى، أو يذهب به جبروته إلى منعنا من الدعوة وتضييق سبلها، أو ينزل بنا عقابا لَا يمكننا من الاستمرار في الدعوة، وفي الجملة يتبع معنا طرائق طغيانه من تعذيب وإيذاء مستمر، فطغيانه لَا حدَّ له، كما تعلم: قال الله تعالى لهما:

стр. 6897

(قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) خاطبهما الله تعالى بعزته وجلاله مشيرا إلى أنهما في حمايته وكلاءته، وأنه يسمع ويبصر، فكيف يكون نهى عن الخوف، والنهي عن الخوف كيف يكون وهو فزع من الأمر المخوف إذ هو أمر نفسي لَا يقع تحت قبضة الخائف؟ ونقول في الجواب عن ذلك: إن المراد الأمر بالاطمئنان وقرار النفس، وأن يشعرا بجلال الله تعالى، وأنه معهما، ولذلك أعقب النهي عن الخوف بأنهما في معية الله تعالى فقال: (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) أي إنني في صحبتكما أسمع قوله إذا هدد وأنذر، وأبصر فعله إن حاول سوءا أو أنزل بكما أذى، وإن هذا تبشير بأنه إن حاول أن يبطش بهما نزلت به البطشة الكبرى من رب العالمين.

стр. 6898

ولقد كان من موجبات الفطرة أن يعتريهما الخوف، فقد كان جبارا في الأرض ليس فوقه في قومه من يرد كيده، ويزيل طغيانه. اطمأنا إلى قول الله تعالى، وما كان لهما إلا أن يطمئنا بنصرته وتدبيره، ونجاتهما من فرط فرعون وطغيانه، ولذا قال:

стр. 6899

(فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧) " الفاء " هنا " فاء الإفصاح " تفصح عن شرط مقدَّر تقديره: إن ذهب الخوف، واطمأننتما إلى الله (فَأْتِيَاهُ) فاذهبا إليه، والتعبير بإتيانه يفيد أنهما مدرعان بقوة الله التي ترهب كل مخلوق، ولو كان فرعون طاغية الأرض (فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ) ذكرت رسالتهما معا مكاثرة عليه ومغالبة، ولأنهما رسولا رب العالمين أحدهما بالأصالة والثاني بالمؤازرة والمعاونة، لقد أعطاهما الله تعالى قوة بعد ضعف وأمنا بعد خوف فأمراه ونهياه، وهو الذي كان يقول أنا ربكم الأعلى، أمراه فقالا: (فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ) والأمر والنهي يتعلق بسلطانه وقوته وبطشه فهو يمسّ صميم جبروته (فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) وتخلَّ عن حكمهم وأخرجهم عن طاعتك وجبروتك وطغيانك (وَلا تُعَذِّبْهُمْ) وكان - عليه اللعنة - يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ويكلفهم بأشقّ الأعمال من حفر الترع وحمل الطوب والآجرّ والأحجار في بناء الأبنية الكبيرة مع الإذلال والاستهانة والعنت الشديد، فجمع لهم عذاب الأجسام وإرهاقها، وعذاب الأنفس بإذلالها، وإذاقتهم عذاب الهوان، فكان كلامهما محاربة لطغيانه، ومواجهة له في قوته وجبروته. و" الفاء " في قوله: (فَقُولا) عاطفة للترتيب والتعقيب من غير تراخ، فبمجرد أن أتياه جابهاه بالقول المر الذي لم يسمعه أبدا، ولكنهما أسمعاه له بقوة الله تعالى وقدرته، وبما ألقاه تعالى في قلوبهما من قوة الحق الذي جهرا به، ولقد رجعا إلى الله تعالى في آياته البينة التي تدل على رسالتهما، فقالا: (قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ من رَّبِّكَ) وهنا انتقل الموقف بهما من خائفين إلى مرهبين، وقوله تعالى: (قَدْ جِئْنَاكَ)، أي جئناك مجابهين مسلحين بآية (مِّن رَّبِّكَ) الذي خلقك ورباك وأعطاك هذا السلطان

стр. 6900

والجبروت اختبارا لنفسك، وكل فعل وقول محتسما عليك، وختما قولهما بإلقاء الأمن بعد الإرهاب المفزع له، ولو كان فرعون مصر، فقالا: (وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى)، أي إن الأمن والاطمئنان والدعة وعدم الانزعاج يكون لمن اتبع الهدى، فإن لم تتبع الهدى فلا أمن ولا اطمئنان، بل انزعاج وعدم استقرار، وإرهاب من الله، ولو كنت فرعون، ووحَّدا الآية وهما اثنتان؛ لأن المراد ما به البرهان على الرسالة وواحدة كافية. أخذا يخاطبانه بالرسالة التي بعثا بها، فقالا:
следующие страницы →