← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 7141–7180 · переход к 7146.

стр. 7141

إنكاري فيه نفي الوقوع، والجملة الشرطية محطها الجواب، والمعنى إن مت لا يخلدون بل ينتهون أيضا، فلا يصح أن يتمنوا موتك، ولا يصح أن تشمتوا فالموت حق على كل نفس؛ ولذا قال تعالى مؤكدًا موتهم وموته ﷺ :

стр. 7142

(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥) هذا تكميل لبيان مساواتهم مع النبي ﷺ في عدم الخلود، ثم ذكر ذلك في قضية ماسة كلية لَا استثناء فيها؛ لأن الموت يلازم البشرية؛ لأنه ما من حي من أحياء الأرض إلا له انتهاء وذكر (كُلُّ نَفْسٍ) ولم يذكر كل إنسان، أو كل البشر؛ لأن النفس هي التي تذوق مرارة فراق الجسد، فالموت ينصب عليها ابتداء، وقوله: (ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) عبر عن الفراق بالذوق كان الموت شيء يذاق، وفيه تشبيه الموت بالذوق لأن كليهما يعتريه ألم ومرارة (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فِتْنَةً) أي نعاملكم معاملة المختبر؛ بأن نمكنكم من الشر لتفعلوه أو تتجنبوه، ومن الخير لتفعلوه، وقدم الشر على الخير، لأن الاختبار بالشر أشد في ذاته، وإن يبدُ أخذه حلوا ولكنه مرى، ولأن أكثر الناس يستجيبون لداعي الشر بإغراء إبليس، وإسناد البلاء إلى الله تعالى لأنه هو الذي يمكنهم ويسهل لهم النجدين نجد الخير ونجد الشر، فقد قال تعالى: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ). و (فِتْنَةً) مفعول مطلق؛ لأنه مصدر في معنى " نبلوكم " وإن لم يكن بلفظه، فالإنسان في موضع اختبار في النفع والضر، فإن أعطى الخير فشكر، فله الجزاء، وإن كان حرمان فصبر فله الجزاء ويختبر بفتنة الضر، فيلقى إليه الضر ويراه محبوبا، والشهوات لينزع عنها، فيكون في ابتلاء، إن صبر أجر، وإن رتع فيها رتعا جوزي بسوء العاقبة في الدنيا والآخرة، والصبر على النعمة بشكرها فيه الثواب، والصبر على النقمة باحتمال آلامها من غير أنين ولا ضجر يستحق به الثواب، ويقول سبحانه: (وَإلَيْنَا ترْجَعُونَ) تقديم الجار والمجرور يفيد الاختصاص أي ترجعون إلينا وحدنا، ويكون الملك يومئذ لله فيكون الحساب ثم الجزاء للطائعين والعقاب

стр. 7143

للعصاة، وفي هذا إنذار للذين لَا يطيعون أمر الله تعالى، وقد صور إعراضهم في استهزائهم بالنبي ﷺ إذا دعاهم للحق فقال عز من قائل:

стр. 7144

(وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦) إن الإيمان والكفر يتبديان من أول لقاء أو من أي لقاء، فإذا صحب اللقاء إقبال وتعرُّف سلك طريق تعرف الحق واهتدى، وإذا كان اللقاء إعراضا، وسدا لينابيع الإدراك، ومن أشد مظاهر الإعراض الاستهزاء والسخرية؛ لأن الاستهزاء يميع النفس، فلا تتجه إلى طلب المعرفة، وتحري الصواب، ولقد كان الاستهزاء شأن المشركين في لقاء النبي ﷺ وهذا قوله تعالى: (وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُروًا)، (إن) هي النافية، والمعنى لَا يتخذونك في اللقاء إلا هزوا، أي إلا مستهزئين منك، غير مقبلين على دعوتك، ولا على شخصك بتعرف ما عندك من قول، والنفي والإثبات بالاستثناء مفيد لاستغراق الاستهزاء كل أحوالهم، فليس عندهم في نفوسهم فراغ لسماع الحق، والإنصات إليه في جد وإقبال، وإنهم إذ يرون النبي ﷺ رءوفا بهم لَا يريد إغباتهم متواضعا، وادعًا تغريهم هذه الرؤية بأن يجعلوا هذه الصفات العليا موضع استهزاء (أَهَذَا الَّذِي يَذْكر آلِهَتَكُمْ) وقد ابتدوا في عباراتهم عن كلامهم ذكر الآلهة بسوء، فقالوا: يذكرها، وأنَّى يكون له أن يعلو إلى ذكرها فضلا عن تسفيه أحلامهم في عبادتها، وهذا استفهام للتعجب والاستهزاء والسخرية، وذلك كقول الله تعالى عنهم: (وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢). و (يَذْكر آلِهَتَكمْ) فيها معنى إعلاء آلهتهم، وتصغير شأن النبي ﷺ ومثلهم كمثل فرعون من موسى (. . . هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ)، فهو استفهام للتعجب والاستغراب من أن هذا للتواضع، والتواضع عند أهل الفساد ضعة، لأن مقياس الخير والشر عندهم القوة، وقاعدتهم: من لَا يظلم الناس يُظلم.

стр. 7145

(وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كافِرُونَ)، و (بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ) أي تذكير الرحمن لهم فهو من إضافة المصدر إلى فاعله (كَافِرُونَ) أي جاحدون، وهنا أمران يجب الإشارة إليهما: أولهما - تقديم (بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ) على (كَافِرُونَ) وهو يدل على التخصيص، أي هم بذكر الرحمن وحده كافرون فهم كافرون بالوحدانية. الأمر الثاني - ذكر الله تعالى موصوفا بصفة الرحمن، وفي ذلك إشارة إلى أن بعث الرسل وخصوصا محمدا ﷺ هو من الرحمة، كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)، ونقول: إن محمدا ﷺ لم يكن مهينا، وإن كان متواضعا وديعا، متطامنا موطأ الكنف ولكنه كان ذا هيبة إذا اشتدت سخريتهم، يروي عبد الله بن عمرو بن العاص عن يوم من أشد الأيام التي لقيها النبي ﷺ من المشركين أن النبي ﷺ كان يطوف بالبيت والملأ من قريش بفناء البيت، فكان إذ مر بهم وهو يطوف غمزوا بالقول، فبدا أثر ذلك في وجه النبي ﷺ ، حتى إذا أتم الطواف التفت إليهم وقال: " شاهت هذه الوجوه، وأرغم الله هذه المعاطس، يا معشر قريش لقد جئت بالذبح "، فما كان إلا من يقول يرفؤه بأحسن القول، ويقول: اذهب أبا القاسم موفورا ما علمنا عنك إلا خيرا (١) فكان ﵇ مهيبا، ولم يكن مهينا، ولكن تطامن ليدخل الناس في الدعوة مختارين اختيارا كاملا لا رهبة فيه.

стр. 7146

(خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) العَجَل هو العَجَلة والتسرع والسبق إلى مخاطر الأمور من غير تفكير، ومعنى أنه خلق مِنْ عَجَلٍ، المبالغة في عجلته كما يقال خلق من كرم مبالغة في الكرم،

стр. 7147

وكما قال تعالى (خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً)، وقوله تعالى: (خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَل) نظيره ومؤداه (. . . وَكانَ الإِنسَانُ عَجولاً)، وهذا التعبير فيه تأكيد في عجلته، وكأنَّه يكون من عجلة، وهذا كناية عن استعجاله للأمور، وفيه مجاز بتشبيه في عجلته وكونها طبعا له غير منفصل عن ذاته بأنه خلق منها طبعا له لَا تنفصل عنه، وهم يستعجلون دائما ما أوعد من عذاب، كما قال: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ. . .)، فهم يستعجلون العذاب كأنهم يتحدون الله، والله أمهلهم لحكمة يعلمها، وكل شيء عنده بمقدار، وإذا كانوا يتحدون مستعجلين فالله تعالى ينذرهم ويخبرهم بأنه آتيهم لَا ريب فيه، ويقول سبحانه: (سَأُرِيكمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ) الآيات هي آيات القدرة والقهر بالنذر التي تومئ، بغلبة محمد ﷺ ومن آمن به، وبالريح العاصف التي غَلَب بها محمد ﷺ في غزوة بدر، هذه آيات بينات على ما ينزل بالكافرين لكفرهم ونصرة الحق عليهم، و " السين " هنا لتأكيد الفعل في المستقبل، وإسناد الفعل إلى الله تعالى فيه تأكيد الوقوع، ورؤيتهم لهذه الآيات هي رؤية معاينة لَا رؤية علم ونظر فقط (فَلا تَسْتَعْجِلُونِ) أي لَا تطلبون العجلة من أمر هو واقع فيكم لَا محالة، واستأنوا فإن ما تطلبون نازل. وذكر سبحانه من استعجالهم قوله:

стр. 7148

(وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) أي يقولون مستعجلين وعد الله تعالى بالهلاك إن استمروا على كفرهم، ووعد الله المؤمنين بالغلب والقدرة، وأن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الشرك هي السفلى، يقولون ذلك إنكارا وتحديا وإعناتا؛ لأنهم مأسورون بالحاضر لا يدركون شيئا وراءه، فهم لَا يتصورون أن يكون هؤلاء الضعاف الذين يستذلونهم ويفرضون عليهم الذل ويؤذونهم سيكون لهم الغلب يوما من الأيام، لَا يتصورون أن يجلس عبد الله بن مسعود فوق أبي جهل ويحز رقبته، وأن يقتل بلال من كان سيدا له في مكة، وهو من سادات قريش، لَا يتصورون ويستبعدون أيضا عذاب

стр. 7149

يوم القيامة لهم دون المؤمنين، ويظنون أنه إن كان بعث أو عذاب فلن يكونوا هم وقودها، بل يقيسون الآخرة على الدنيا، ويبلغ بهم التحدي بعد استطالتهم أمد العذاب فيقولون: (إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) والمخاطب محمد ﷺ وأتباعه الكرام، أو المخاطب الدعاة إلى الله من رسل وأتباعهم، ويتهجمون، ويتحدون الله ولكنهم ضالون، وماذا بعد الحق إلا الضلال. * * * هول يوم القيامة (لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٤١) قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣) بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (٤٤) * * *

стр. 7150

استطالوا الزمن واستعجلوا العذاب، وتحدوا الله ورسوله أن يأتوا بالعذاب إن كانوا صادقين فبين الله تعالى هوله إذا جاءهم وأنه لَا يأتيهم يوم القيامة إلا بغتة، وأنه بعده عذاب لَا يتصورونه ولا يدركونه، وإن المشركين كانوا يتحدون الرسول أن يأتي بما وعد به من عذاب إن كان صادقا، فبين سبحانه أن ذلك التحدي من جهلهم، ثم بين مآلهم من عذاب يلقونه، وأن القيامة التي يكون وراءها العذاب تأتيهم بغتة وذكر العذاب قبل القيامة مع أنه بعدها وبعد الحساب فقال:

стр. 7151

(لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ) أي يحيط بهم، وذكر الوجه والظهر لأنه إذا أحاط بهما أحاط بالجانبين لَا محالة فلا يصل إلى الظهر إلا إذا أحاط بالشمال واليمين، فالنار تحيط بهم، ولا يستطيعوا كفها وذلك العجز عن كفها لأنه يقتضي الإحاطة بهم، كما قال تعالى: (لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ. . .)، وكما قال تعالى: (سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَان وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ)، وكما قال تعالى: (لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ منَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ. . .). و (لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) العلم هنا بمعنى المعرفة، وهي الجزم المطابق للواقع، وعبر بالمضارع لتصوير حالهم عندما يعاينون العذاب، وينزل بهم العذاب الشديد، وجواب الشرط محذوف يدل على عظيم الهول وتقديره لرأوا هولا لم يدركوا كنهه، ولم يعرفوا أمره، كما في قوله تعالى: (. . . وَلَوْ يَرى الَّذينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ. . .)، وعبر تعالى بقوله: (الَّذِينَ كَفَرُوا) للإشارة إلى أن الكفر هو سبب ذلك الهوان العظيم، (وَلا هُمْ يُنصَرُونَ) أي أن العذاب ينزل بهم لا يستطيعون كفه ولا يوجد من ينصرهم، ويكف عنهم، هذا ما يستعجلونه، ويتحدون أن يكون، ولا حول ولا قوة إلا بالله. تحدوا أن يذكر لهم متى هذا الوعد، وهو يوم القيامة، وقد بادر سبحانه بذكر ما يكون لهم في هذه مما لَا يسوغ لهم أن يستعجلوه، ثم ذكر لهم أنه لَا يأتي في وقت معلوم، بل يأتي فجأة فقال:

стр. 7152

(بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠) البغتة المفاجأة التي لَا تكون منتظرة، ويكون وقعها شديدا، والبَهْت المجيء الذي يكون فيه دهشة وتحير، قال تعالى: (. . . فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ. . .)، أي شدة وتحير، ويطلق البهت على الكذب الذي لَا أصل له، ويحير العقول المستقيمة، وتكون كل الظواهر مناقضة كما قال تعالى في رمي أم المؤمنين عائشة: (. . . هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ). و (بَلْ) هنا للإضراب الانتقالي وتضمن الرد على طالبي ميعاد للوعد، وقد استبطأوه، والمعنى بل تأتيكم بغتة أي فجأة على غير ترقب وتوقع وانتظار منكم (فَتَبْهَتُهُمْ) أي تفاجئهم فتدهشهم وتحيرهم، وتحيط بهم (فَلا يَسْتَطِيعونَ رَدَّهَا) أي لا يستطيعون دفعها، بل إنها الواقعة التي لا مناص منها، ولا خلاص ولا انفكاك عنها، (وَلا هُمْ يُنظَرُونَ) لَا يمهلون، فلا يستطيعون تأجيلها فهي محدودة، بميقات معلوم عند الله . كان النبي ﷺ إذا عرض عليهم الدعوة إلى التوحيد ردوها، وإذا مَرّ بهم استهزأوا ساخرين، وإذا رأوه استصغروه، وهو القوي، فواساه الله تعالى بذكر أن الاستهزاء شأن الكافرين، وهو دليل عجزهم، وإن استطالوا بألسنتهم وأفعالهم. ولذا قال تعالى:

стр. 7153

(وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٤١) أكد الله سبحانه وهو الصادق في كل قول، ولا يحتاج إلى توكيد قول، ولكنه أكد لأن الرسول ﷺ أحزنه أن يستهزئ ناس بنبيهم الذي جاء لهدايتهم، ولأن الوحدانية حق لَا يستهزأ منه، وعبادتهم الأوثان هي الجديرة بالاستهزاء والسخوية، فأكد سبحانه لمواساة النبي ﷺ ، وليوقع في نفسه ﵊ بأن دعوة الحق لَا يعارضها ناس فضلاء، ومن طبيعة الأخساء أن يهبطوا في خصومتهم إلى دركة الاستهزاء، فقال: (وَلَقَدِ استهْزِئَ بِرُسُل مِّن قَبْلِكَ) أكد سبحانه استهزاء السابقين بـ " اللام " و " قد "، ونكرت (رسل) لكثرتهم ومقامهم من الله، أي رسل

стр. 7154

كثيرون لهم مكانتهم عند الله وفي أقوامهم، والحق يسخر منه أهل الباطل خصوصا إذا كان واضحا نيرا، والباطل حجته داحضة، ويشعرون بأنها ليست حجة، ومع ذلك يستمسكون بها اتباعا لأوهامهم، ولآبائهم وخضوعا لعادات وتقاليد فاسدة. وإنهم محاسبون على استهزائهم، لقد حسبوه لغوا من الأقوال والأفعال، وهو عند الله عظيم؛ لأنه كفر وعناد وخسة، ولذلك كان له عقابه في الدنيا والآخرة، وقال تعالى: (فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِروا مِنْهُم مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءونَ). " الفاء " تدل على أن ما بعدها مسبَّب لما قبلها، وقد صرح بهذه السببية، فخص نزول العذاب أو العقاب بالذين سخروا منهم، فذكر الموصول دليل على أن الصلة سبب الحكم، وكان الإظهار في مقام الإضمار، لبيان هذه السببية، و (حاق) معناها نزل بهم وأصابهم، وقد خص الساخرين بعقاب خاص لأنهم في معارضتهم بهذا النوع من المعارضة كانوا أخساء في ذات أنفسهم، فمن ذا الذي يجعل أبا جهل في معارضته للإيمان كأبي سفيان، فالأول خسيس والثاني فيه شرف، ولقد قال وهرقل يسأله عن محمد بن عبد الله: لولا أني أخشى أن تحفظ عني كذبة في العرب لكذبت. وقال تعالى: (فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِروا مِنْهُم مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ) والمراد عذاب الاستهزاء لَا ذات الاستهزاء، ولكنه سبحانه عبر بأن الاستهزاء ذاته هو الذي يحيق للإشارة إلى الجزاء وفاق للجريمة فهو هي؛ لبيان المساواة العادلة، و (مَا) في قوله (مَا كانُوأ يَسْتَهْزِءونَ) مصدرية، أي استهزاءهم. والجزاء الذي ينزل بهم هلاك في الدنيا، وقد جاء قصص القرآن بهلاكهم في آيات كثيرة، وعذاب أليم في الآخرة. وإن الله تعالى يذكرهم بنعمة الله تعالى في حياتهم الخاصة والعامة التي تحوطهم، ولا يشعرون بها، بل يكفرونها. (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢)

стр. 7155

هنا التفات، فقد كان الكلام في استهزاء المشركين بالنبي ﷺ واستهزاء من كانوا قبلهم بالأنبياء السابقين، ثم التفت القول إلى المستهزِئين من قريش، وأمر النبي ﷺ أن يقول لهم: (قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمنِ) أي قل يا رسول الله: من يحميكم ويبقيكم (مِنَ الرَّحمنِ) أي من عذابه وعقابه الدنيوي، والكلاءة بكسر الكاف مصدر كلأ هي الحماية والتبقية، وقد قال الأصفهاني في مفرداته: والكلاءة، حفظ الشيء وتبقيته يقال كلأك الله وبلغ بك أكلأ العمر. والنص السامي يفيد أمورا ثلاثة: أولها - بيان نعمة الله تعالى عليهم في حفظهم وتبقيتهم مع عظيم جرائمهم في مأوى يسكنون فيه، ويقيهم الحر والبرد، ويمدهم بالغذاء والكساء لحفظ أنفسهم من الموت. ولتبقيتهم إلى أن يقضي أمرا كان مفعولا، فهم في كلاءة الله تعالى المستمرة حتى ينزل بهم ما هم أهل له. الثاني - ما يضمنه من إنذار شديد لهم، وأن الله تعالى الذي كلأهم هو مسيطر عليهم منزل بهم ما يستحقون، فهو يمهل ولا يهمل. الثالث - أن هذه الوقاية من الرحمن أي عذابه، ووصف سبحانه ذاته العلية بالرحمن، للإشارة إلى أن نزول العذاب بهم بعد هذا الاستهزاء من دواعي رحمته؛ لأن عذاب المجرمين من الرحمة، لأنه إذا كان عذابا للفجار فهو رحمة بالأبرار، فمن الرحمة ألا يسوى بين المحسن والمسيء. (بَلْ هُمْ عَن ذِكرِ رَبِّهِم مُّعْرِضُونَ) الإضراب هنا إضراب انتقالي من وصف إلى وصف للمشركين، فهم يستهزئون ويجهلون ولا ينتبهون مع وجود المنبه المرشد الذي يرشدهم إلى ربهم، وبذكره لهم، وأثبت أنهم معرضون عن ذكر ربهم أي تذكره، فـ (ذِكرِ رَبِّهِم) من إضافة المصدر للمفعول، وهم في غفلة مستمرة عنه، مع أنه خالقهم وحافظهم وفي كل حياتهم ما يُذَكِّرهم، والجملة الاسمية مؤكدة لاستمرار الإعراض، وقلوبهم غلف لَا تفتح لذكره سبحانه وذكر آلائه ونعمه، وهنا أمران بيانيان:

стр. 7156

أولهما - أن الله تعالى في ذكر نعمة الكلاءة من عذاب الرحمن، وقد ذكر الليل قبل النهار؛ لأن المفاجآت بالعذاب تكون فيه أكثر، ووقعها أشد، ولأن الليل حيث يكون الاطمئنان فالمباغتة تكون فيه أشد. ثانيهما - أن الاستفهام هنا للتذكير والتنبيه، إلى ما هم فيه من نعم واقية، وإيجابية، والله تعالى أعلم. إن الله هو الذي يقيهم من العذاب الذي يستحقونه لَا آلهتهم؛ ولذا قال:

стр. 7157

(أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣) (أَمْ) هي أم المنقطعة، وهي تدل على الإضراب، وهمزتها للاستفهام، والمعنى بل ألهم آلهة. . والإضراب انتقالي من لوم إلى لوم، لامهم سبحانه على إنكارهم كلاءة الله تعالى لهم، ثم أنكر عليهم اتخاذهم آلهة يحسبون أنها تمنعهم من عذاب أو مما ينزل بالليل والنهار، والاستفهام المستفاد بـ " أم " بمعنى " بل " لهم آلهة، استفهام إنكاري بمعنى إنكار الواقع، وإنكار الواقع تانيب ولوم، فقوله: (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُوننَا) إنكار لما يعتقدون من أن آلهتهم تمنعهم دون أن يمنعهم الله، ففوله: (مِّن دُوننَا) معناها غيرنا، ووصف الآلهة التي زعموها بوصف، ووصفهم بوصف، أما وصف آلهتهم فبفوله تعالى: (لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ) أي أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، ولا نصرا فكيف ينصرون غيرهم، وهم لَا يملكون لأنفسهم شيئا. وكان الضمير على الأوثان ضمير العقلاء مجاراة لهم في عبادتهم، وليس اعترافا بأنها تعقل. الوصف الثاني، وصف المشركين، وهو قوله تعالى: (وَلا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ) أي يجارون، وهذا تفسير ابن عباس الذي رواه عنه مجاهد، واختارَه الطبري، ونحن نوافقه في هذا الاختيار، والمعنى على هذا لَا تنصرهم أوثانهم، والله لَا يصحبهم بجوار يمنعهم لأنهم مشركون، ولا جوار من الله لمن يشرك به ولا يعبده وحده. ولقد أشار سبحانه إلى السبب في إصرارهم على الشرك، ومعاندتهم لدعوة التوحيد، فقال عز من قائل:

стр. 7158

(بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (٤٤) هذا إضراب انتقالي من بيان إلى بيان، فبين تعالى حمايتهم من أن يأتيهم العذاب بغتة، وأن آلهتهم لَا تغني عنهم من الله من شيء، ثم انتقل سبحانه إلى بيان لبعض ما تأدى بهم إلى الشرك والإصرار عليه، ومعاندة الأنبياء بعامة، ورسولهم محمد ﷺ بخاصة فقال: (بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ) أي متع الله سبحانه هؤلاء وكانت متعتهم امتدادا لما متع به آباءهم من قبلهم، متعهم أولا بسلطان في البلاد العربية، وإن لم يكن ملكا، بل كانوا نفوذا أشبه بالملك، ومتعهم ثانيا بأن كانت إقامتهم في بيت الله الحرام، وهم آمنون ويتخطف الناس من حولهم، ومتعهم ثالثا بأن كانت لهم متاجر تسير في البلاد العربية من شمالها إلى جنوبها، ومتعهم رابعا بأن كانوا رؤساء الحج في أيديهم السدانة والسقاية، ومفتاح الكعبة التي كان يؤمها الناس من كل فج عميق، ومتعهم خامسا بأن في أيدي الكثيرين منهم المال والبنين وأنهم أكثر نفيرا. متعوا بكل ذلك، والمتعة من غير إيمان تُغري بالشر، واستمرارها يؤدي إلى طمس النفس عن المعارف الدينية، ولقد كانت هذه المتع تتسلسل فيها الأبناء عن الآباء؛ ولذا قال تعالى: (بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ)، و (بَلْ) هنا للإضراب الانتقالي، بأن انتقل من المظاهر التي بدت في شركهم وإعراضهم عن الله تعالى إلى بيان الحال النفسية التي كانوا عليها حتى أغرتهم بالتطاول على الله وعلى الحق، وسيطرت عليهم الأوهام، وتوارثوها جيلا بعد جيل حتى تحجرت عليها قلوبهم، وصارت قلوبهم غلفا، وصاروا صما عن سماع الحق بكما عن النطق به وركبتهم الطغواء، حتى صاروا لَا يرون ما هو واقع، ولا يتوقعون إلا ما يتفق مع أهوائهم، ولا يعرفون أن الأمور التي استكنها الغيب لهم لَا ترضيهم؛ ولذا قال تعالى: (أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا). " الفاء " مؤخرة عن تقديم، وهي تدل على أن ما قبلها سبب لما بعدها، والمعنى فألا يرون أن الأرض تنقص عليهم من أطرافها، والسورة مكية، ولم يكن الجهاد قد قام، واشتجرت السيوف وسار الإسلام من نصر إلى نصر حتى أحيط بهم. وأسند

стр. 7159

الإتيان إلى الله تعالى في قوله (نَأتِي الأَرْضَ) للإشارة إلى أن ذلك لإرادة الله تعالى الذي ينصر من يشاء ويعز من يشاء، وإذا كان الله تعالى هو يأتي الأرض ينقصها من أطرافها، فإن جنده هم الغالبون؛ ولذلك كان الاستفهام الإنكاري في قوله تعالى: (أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ) " الفاء " فاء الإفصاح عن شرط مقدر، تقديره إذا كان الله هو الذي ينقص الأرض من أطرافها فأهم الغالبون، و " الفاء " مؤخرة عن تقديم، أي ليسوا هم الغالبين، وقد أكد النفي المفهوم من الاستفهام. وهذه الآية في معناها ظاهرها أنها نزلت بالمدينة، وإن التمتع لهم ولآبائهم يجعلها أقرب إلى أن تكون مكية، ولعلها نزلت بمكة، ثم نزلت مرة أخرى بالمدينة، وقد جوز العلماء ذلك. * * * تلقي الكفار للرسالات (قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (٤٥) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٤٦) وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧) * * * بعد أن ذكر الإنذارات في الآيات السابقة بين سبحانه أن الإنذار بوحي من الله، وأنه ليس من عند محمد الذي يستهزئون به، إنما هو من عند الله خالق السماوات والأرض، الذي يلجأون إليه عندما يحاط بهم ويضرعون إليه إذا مسهم الضر، ومن كان ملجأ لهم في شدائد هو منزل العذاب في كفرهم، ولذا قال تعالى:

стр. 7160

(قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (٤٥) الخطاب للنبي ﷺ يأمره سبحانه بأن يقول لهم (إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْي)، (إِنَّمَا) أداة للقصر، والمعنى لَا أنذركم إلا بوحي من الله تعالى، فلا أنذركم من عندي، إنما أنذركم من عند الله تعالى، وإن ذلك يوجب عليكم ألا تستهزئوا بالإنذار، لأنكم لَا تستهزئون بي إنما تستهزئون بالله العلي العظيم الذي تلجأون إليه في شدائدكم في البر والبحر، وفي ذلك توكيد للإنذار؛ لأنه صادر عن الله تعالى، والله لَا يخلف الميعاد. ثم بين إذ لَا يسمعون النذر يكونون كالصم إذا ما ينذرون، فشبه الله تعالى المشركين عند سماع النذر بالصم؛ لأن كلاهما لَا يسمع، فالصم في الآية هم المشركون، وهم لَا يسمعون إذا أنذروا، والصم جمع أصم والمراد بهم المشركون بالله، والمعنى لَا يسمع المشركون الذين شبهوا بالصم لعدم السماع في كل ما ينذرون و (مَا) لتأكيد الشرطية في الشرط. والدعاء: النداء بصوت عال قوي مرتفع صادع، والمشركون لَا تجدي فيهم النذر، وهي من عند الله تعالى العلي القدير، الحكيم العليم. ومع أنهم يصمون آذانهم عن النذر هم في أشد الهلع والفزع إذا عاينوا العذاب، أو جاءتهم منه نفحة، ولذا قال تعالى:

стр. 7161

(وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٤٦) اللام الموطئة للقسم، والنفحة الريح الطيبة، وتستعمل للخير، وقد تستعمل للشر كما هنا بدليل قوله تعالى: (نَفْحَةٌ منْ عَذَابِ رَبِّكَ)، والمعنى أنهم صم عند النذر، ما دامت قولا منذرا، ولو كان وحيا من الله تعالى، فإذا رأوا الفعل، ولو كان نفحة من ريح فيها عذاب اضطربوا وهلعوا وفزعوا، فلا يؤمنون بالنذر حتى يروا العذاب الأليم، و (مَّسَّتْهُمْ) معناها أصابتهم إصابة حقيقية (مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ)

стр. 7162

أدركوا هول العذاب وكان إدراك معنى الإنذار، وأجابوا كما قال الله تعالى (يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) أي أنهم إذا أصابتهم نفحة قليلة من العذاب يفزعون، وينادون بالويل والعذاب والهلاك يقولون يا ويلنا أقبل فهذا وقتك، ويدركون ظلمهم، ويؤكدونه فيقولون: (إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ)، فقد أكدوا ظلمهم بثلاثة مؤكدات: بوصفهم بالظلم أولا، وبـ " إن! " المؤكدة ثانيا، وبـ " كان " الدالة على ظلمهم المستمر ثالثا، ولقد قال الزمخشري في معنى هذه الآية: " ولئن مستهم في هذا الذي ينذرون به أدنى شيء لأذعنوا وذلوا وأقروا بأنهم ظلموا أنفسهم حين تصافُوا وأعرضوا، وفى المس والنفحة ثلاث مبالغات، لأن النفحة في معنى القلة والنزارة، يقال نفحته الدابة وهو رمح يسير، ونفحه بعطية؛ رضخه، ولبناء المرة " (١). ونقول إن المس إصابة غير غامرة، بل هو لمسة. وظلمهم هو ظلم لأنفسهم، وبشركهم، وبفسادهم، وبإعناتهم للرسل وصدهم عن سبيل الله تعالى، وإن ذكر هذه النفحة من العذاب تمهيد لذكر القيامة، وما يكون فيه من عذاب الجحيم؛ ولذا قال تعالى:

стр. 7163

(وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧) هذا بيان لحساب يوم القيامة، وأنه لَا يذهب منه صغيرة ولا كبيرة إلا كانت موضع حساب، وستجزى كل نفس ما كسبت إن صغيرا وإن كبيرا، وإن خيرا، وإن شرا. وقوله تعالى: (لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ " اللام " هنا بمعنى " في "، كقول القائل فعلته لخمس خلون من ذي الحجة، أو جاهدت لعشر خلون من رمضان، وبعضهم قدر

стр. 7164

مضافا محذوفا، أي لأهل يوم القيامة، والأول أوضح وأبين، ووضع الميزان في قوله تعالى: (الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ) هو وضع معنوي، أي رصدنا الأعمال رصدا وحسبناها حسابا بخيرها وشرها، للإنسان أو عليه، ويصح أن يكون هناك ميزان محسوس يوم القيامة توزن به الأعمال، ولكنا نميل إلى التفسير الأول، ولقد ذكر ابن عباس أن كل ما يكون يوم القيامة هو من جنس مثله في الدنيا، ولكنه غيره، وذكره تقريب للعقول، ولا مانع أن يكون محسوسا، ولكنه غير الموازين التي نراها في الدنيا، وذكرها تقريب لما عندنا، والله أعلم. ووزن الأعمال يكون بما هو مذكور في كل كتاب للمكلف، فتوزن صحائفه في خيره وفي شره، أو تكون الأعمال في علم الله في كتاب، لَا يضل ربي ولا ينسى . وقوله تعالى: (الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ) أي الموازين التي هي القسط، وهو العدل، وفى هذا مبالغة في وصف الموازين بالعدالة، كأنها العدالة ذاتها، لَا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. ولقد قال تعالى: (وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا) إن كان العمل صغيرا يساوي وزنه وزن مثقال حبة من خردل، أي كان الوزن في ذاته قليلا، وكان الموزون في ذاته ليس ذا خطر وشأن فإنه يُؤتى به ويحاسب عليه إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، ولا يغيب عن علم الله تعالى شيء، ولا عن الحساب شيء من غير جزاء، ولقد حكى سبحانه في وصية لقمان لابنه: (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦). وإن المحاسب هو الله الذي يعلم كل شيء؛ ولذا قال تعالى: (وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) أي وكنا حاسبين فلا حساب بعد حساب الله ولا أدق منه ولا أعدل. * * *

стр. 7165

من قصة موسى وإبراهيم (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠) وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ

стр. 7166

هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) * * * هاتان قصتان لاثنين من الرسل، قصة موسى وهارون وهما كرسول واحد، وقصة إبراهيم أبي الأنبياء، ويلاحظ: أولا - أنه ليس فيهما تكرار لما ذكر منهما في سور أخرى وآيات أخر، فقصة موسى وأخيه هارون تكلمت الآيات الكريمات فيهما بإشارة لامحة لَا تفصيل فيها، وقصة إبراهيم كانت في تحطيمه للأنصام والكيد لعبدتها، ومحاولة إحراقه بالنار، ومعجزة الله تعالى في أن أطفأها وقال لها: (. . . كونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ)، وذلك لم يذكر من قبل ولا من بعد، فدل هذا أنه لَا تكرار في قصص القرآن، وإن بدا لمن لَا يمحصون الحقائق غير ذلك. ثانيا - أنه سبحانه ذكر قصة موسى ﵇ قبل قصة إبراهيم مع أنه جده الأعلى، وذلك لأنه صاحب شريعة دونت في كتاب، وأنه أتى بهذا الكتاب وأخذ به حتى في النصرانية التي جاءت من بعده، والقرآن ليس كتاب تاريخ حتى

стр. 7167

ترتب أخباره ترتيبا زمنيا، كترتيب كتب التاريخ، إنما قصصه عبرة وذكرى لأولى الألباب، وإنما تذكر بمواضع العبرة، ومواطن الموعظة. ثالثا - أنه كان تفصيل في قصة إبراهيم ﵇، لأنه أبو العرب الذي كانوا يعتزون ويفتخرون به، ويقولون إنهم ضئضئ (١) إبراهيم وإسماعيل، وهم كانوا يعبدون الأوثان، كما كان الذين بعث فيهم إبراهيم يعبدونها هم وآباؤهم، وإن إبراهيم ﵇ أثبت بالعمل أنهم لَا يضرون، ولا يدفعون عن أنفسهم ضررا.

стр. 7168

(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) " الواو " واصلة ما بعدها بما قبلها، (آتَيْنَا) أي أعطيناه ومكناه منه، و (الْفرْقَانَ) هو التوراة لأنها فرقت بين الحق والباطل، وبين قوم ليس لهم سلطان وقانون يحكمهم في ماضيهم وأن صاروا من بعدها لهم قانون يحكمهم وسلطانهم من أنفسهم، كما قال تعالى منعما عليهم: (. . . وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا. . .)، أي مستقلين سلطانكم من أنفسكم. وقال بعضهم: إن الفرقان هو نجاتهم في البحر، إذ فرق الله البحر فصار كل فرق كالطود العظيم، وفي الحق: إن الفرقان يشمل بعمومه كل فارق بين أمرين، فآتاه الله تعالى أن انفلق البحر بعصاه، وأخرج بني إسرائيل من الذل والهوان إلى العزة والقوة، وأن يطبقوها، ويتحملوا واجباتها وتبعاتها حتى اضطر موسى لأن يتركهم يتيهون في الأرض أربعين سنة ليتعودوا حياة الباس والقوة، ومهما يكن فإن الله تعالى آتى موسى كل ذلك، ولعل ذلك هو السر في قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا موسَى وَهَارُونَ الْفرْقَانَ) ولم يقل تعالى: " وأنزلنا الفرقان " وقال: (وَضِيَاءً وَذكْرًا لِلْمتَّقِينَ) الضياء النور الهادي المرشد، وهو هنا المعجزات التسع التي بعث اللَّه تعالى موسى ﵇ بها، والتعبير عنها بالضياء من قبيل الاستعارة فشبهت بالضياء، لأنها مرشدة هادية معرّفة كالضياء وهي نور، وهي ذات الضياء، وسماها (ذِكْرًا) لأنها مذكرة بالحق دائما، ولكن بشرط أن تكون قلوب متفتحة للحق، ولذا

стр. 7169

قال تعالى: (لِلْمُتَّقِينَ) أي الذين امتلأت قلوبهم بالتقوى ومخافة الله ، ولذا قال في أوصافهم:

стр. 7170

(الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وصفهم الله تعالى بوصفين أولهما: أنهم يخشونه، أي يخافونه معظمين له مؤمنين بألوهيته مصدقين لكل ما يأمر به، طائعين لأوامره ونواهيه، ووصف الله الذين يخشونه بأنه ربهم الذي خلقهم وربّهم وهو القائم على شئونهم، ويخشونه وهو غائب عنهم، علموه بالعقل والنقل فهم يعبدونه كأنهم يرونه وهذا هو الإحسان في العبادة، وهو حقيقة الخشية. الوصف الثاني: أنهم يعرفون أن الله تعالى لم يخلق الناس عبثا، بل لهم بعث وحساب وعقاب، وهم يستشعرون الخوف من نتيجة الحساب؛ ولذا قال تعالى: (وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) أي والثواب، فهم يغلبون الخوف على الرجاء، والساعة هي يوم القيامة، وعبر بالساعة؛ لأنها ساعة شديدة، فهم يخافون الحساب لأنهم يستصغرون حسناتهم ويستكثرون سيئاتهم. هذا شأن الفرقان الذي آتى الله موسى فيه تذكير للمتقين الذين لهم هذه الأوصاف، ولم يكن بنو إسرائيل على تلك الأوصاف، ولكنه مع ذلك ضياء وذكر للمتقين الذين ربما يوجدون من بعدهم حتى جاء محمد ﷺ . وقد أشار إلى النبي ﷺ وإلى القرآن فقال:

стр. 7171

(وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠) وسَّط الله سبحانه بين قصة موسى وهارون، وقصة إبراهيم حاطم الأوثان بالإشارة إلى القرآن ومحمد ﷺ ، الذي أزال الأوثان من البلاد العربية؛ لأن القرآن أكمل كتاب للشرائع التي فصلت بعضها التوراة، ونسخ القرآن بعضها، فأخذ شرعه من شرع موسى بعضه، ولكنه خالد دائم لَا يعروه نسخ ولا تبديل، ولأن محمدا ﷺ أزال دولة الأوثان في مستقرها.

стр. 7172

و (هَذَا) الإشارة إلى القرآن الذي يسمعون تلاوته، ويتحداهم أن يأتوا بمثله فيعجزون، ويتحدى الخليقة كلها أن تأتي بمثله فلا تستطيع. (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨). والإشارة تتضمن كل ما فيه رأوه متلوا، وعلموه معجزا، وعاينوا آثاره في إيمان المؤمنين، وقد عرَّفه الله تعالى بأنه ذِكرٌ مبَارَك، أي مذكر بالعذاب والثواب، وفيه تذكير بالله تعالى إذا امتلأت القلوب به كان فيها ذكر دائم، وبه تطمئن القلوب، وتذهب الوساوس، ولا تضطرب، ولا تفزع ولا تهلع ولا تجزع، ووصفه سبحانه بأنه مُبَارَك، البركة: الخير الدائم المستمر الكثير الخيرات، ووصف القرآن بذلك أولا لأنه دائم بالخير والثمرات المرشدة ما دامت السماوات والأرض، وهو خالد بخلود خاتم النبيين، ولأنه قد اشتمل على كل شيء يتعلق بالمواعظ والهداية، ولأنه مشتمل على الشريعة الباقية إلى يوم القيامة. وقد رأى العرب المدركون فيه كل ذلك، ولكن المعاندون لم يدركوه؛ لأنه طمس على قلوبهم ولقد قال تعالى من بعد: (أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ) " الفاء " ترتب الاستفهام الدال على استنكار الواقع وهو عدم الإيمان في الوقت الذي كان يجب الإيمان به، والفاء مقدم عن تأخير لأن الاستفهام له الصدارة، والتقدير؛ فأأنتم له منكرون، أي أنه يترتب على هذه الحقيقة الثابتة للقرآن، وهو مذكر ومبارك سؤالهم أأنتم له منكرون، وقلنا إن الاستفهام إنكاري لإنكار الواقع، فالثابت أنهم منكرون، وتلك جريمة عقلية وهو جحود بما قام الدليل عليه وإشواك، حيث قام الدليل على التوحيد، وإنكار لمعجزة القرآن حيث عجزوا عن الإتيان بمثله. * * * قصة إبراهيم اختص هذا الجزء من قصة إبراهيم ﵇ بمجابهته لقومه، وحطمه أوثانهم ويظهر أنه كان في شبابه الباكر أو في أول بعثته، ولا ندري على وجه التحديد كم كان سنه.

стр. 7173

قال تعالى:

стр. 7174

(وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) أكد ما آتاه لإبراهيم، بـ " اللام " و " قد "، والرشد هو العلم والإدراك والنفاذ إلى الحقائق كما رأينا تعرفه لله تعالى في وسط الجهالة التي كانت غمامة على العقول منعتها من الإدراك السليم، وكيف تعرَّف في نجم فرآه قد أفل، ثم في القمر فرآه أيضا أفل، ثم رأى الشمس بازغة، فقال هذا حتى انتهى إلى الوحدانية. هذا كله رشد وإدراك سليم انتهى إلى الإدراك الكامل لمعنى الألوهية المنزهة عن المشابهة للحوادث في أفولها وظهورها، وفي فنائها وبقائها. وقوله: (مِن قَبْلُ) أي من قبل موسى ﵇، وهو أسبق منه، وكان تقديمه لما ذكرنا من أنه جاء بشريعة مفصلة وإن نسخ بعضها وبقي الآخر، وقوله تعالى: (وَكنَّا بِهِ عَالِمِينَ) أي عالمين كيف ربيناه، وكيف صنع على أعيننا، وربينا فيه روح الحق وتتبعه والوصول إليه. وبعد أن بعثه الله تعالى تقدم لمجاهدة أبيه وقومه المشركين، ابتدأت المجاهدة بقوله:

стр. 7175

(إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) " إذ " هنا للوقت الماضي، وهي مفعول لفعل محذوف تقديره " اذكر "، والخطاب لمحمد ﷺ والمعنى اذكر لقومك من مشركي العرب الذين يفخرون به نسبا، ويدعون اتباعه كيف جاهد قومه في هذا الشرك، وذكر أباه لأنه داع للحق، وداعي الحق لَا يفرق في دعوته بين قريب وغيره، بل يبتدئ بالقريب لأنه أقرب إجابة، ولأن الدعوة إلى الحق خير، فأولى به الداني، وإبراهيم كان أبوه دانيا إلى قلبه وذكر بعد أبيه قومه، ومما قاله لهم هو: (مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ) التماثيل جمع تمثال، وهو الصورة المجسمة للإنسان أو للحيوان، وأكثر ما يكون الآلهة لصورة إنسان، وكانت التماثيل عند اليونان والرومان وكانوا يعبدونها أو

стр. 7176

يسمونها آلهة، فيقولون إله الحب، وإله الزرع، وإله العدالة، والعكوف: الإقبال على الشيء وملازمته على سبيل التعظيم له وعبادته. والاستفهام منصب على سؤاله عن هذه الأصنام التي عكفوا عليها يعظمونها، ويعبدونها، وهو يتضمن أولا الاستهانة بها وتحقيرها بالإشارة؛ لأن الإشارة تتضمن أنها حجارة محسوسة لَا تضر ولا تنفع، ويتضمن ثانيا استنكار العكوف عليها وعبادتها، والاستفهام ليس عن الماهية، بل عن أوصافها، وتنبيه إلى أنها لَا تضر ولا مسوغ لعبادتها لأنها ليس فيها صفات الألوهية التي توجب العبادة. لم يجيبوا عن سؤاله لأن ظاهره أنه يطالبهم بمسوغ للعبادة، وقد فروا من الإجابة المسوغة إلى قولهم:

стр. 7177

(قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) لم يجدوا مسوغا عقليا ولا نقليا إلا التقليد للآباء، كما قال المشركون لمحمد ﷺ : (. . . قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ)، أي أن المسوغ أنا وجدنا آباءنا لها عابدين، أي استمروا على عبادتها، وما استمروا عليه فهو حق، ولا دليل عندنا سوى ذلك، ودل النص على استمرار آبائهم بالوصف بـ (عَابِدِينَ)؛ لأنه دليل على استمرار عبادتهم لها وحدها، والدليل على استمرار عبادتهم لها وحدها تقديم الجار والمجرور على اسم الفاعل، وهذا الكلام يدل على أنهم لَا يعرفون الله، أو يعرفونه ويشركون معه هذه التماثيل من غير حجة ولا برهان. وما كان لأبي الأنبياء أن يتركهم من غير أن يصف عبادتهم بالضلال، فقال:

стр. 7178

(قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤) الضلال: السير في طريق لَا يعرف نهايته، وليس موصلا لغايته، وأطلق على السير في الباطل والوصول إلى مداه، فإنه تكون في مثارات مختلفة من مثارات الشيطان، و (مُّبِين) معناه: واضح، وكان واضحا لأنه لَا يستند إلى دليل علمي

стр. 7179

ويناقض بدائه العقول؛ لأن المعبود يجب أن يكون أعلى وأقوى من عابده، فهل في تمثال قوة وعلو على الإنسان، فأي ضلال أبين من هذا وأضل عقلا وفكرا. وأكد سبحانه على لسان إبراهيم ضلالهم بـ " اللام "، و " قد "، و " كان " الدالة على الدوام والاستمرار، وبضمير الفصل المؤكِّد، وإن إبراهيم جمع بين ضلالهم وضلال آبائهم، فكان جامعا بين ضلال المقلِّد والمقلَّد. أجابوا عن ذلك الكلام الجاد بقولهم:

стр. 7180

(قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) لقد استغرق الضلال قلوبهم، وسد مسامع الإدراك في أفكارهم، فحسبوا أن ذلك هو الحق وهو الضلال بعينه، قالوا مستفهمين (أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ) والاستفهام هنا بمعنى النفي، فهو لإنكار الوقوع، ومعناه: ما جئتنا بالحق، بل أنت من اللاعبين، و (أَمْ) للإضراب عن كلامه الحق إذ قد صمت آذانهم عنه، (أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ) واستأنفوا كلاما جديدا، وحكموا بأنه من اللاعبين أي أنه يهزل بهذا الكلام، ولا يجدّ، ووصفوه بوصف مستمر وهو أنه من اللاعبين، ولصغره، حيث إنه كان بالنسبة لهم صغير السن، وقد أكدوا لعبه بالجملة الاسمية، وبـ " أنت "، وبإدخاله في صفوف الهازلين؛ لأنهم لَا يعيرون كلامه التفاتا، ولا يجعلون له غاية. انتقل بهم خليل الله من مرتبة الاستنكار إلى مرتبة الإيجاب؛ لأن التخلية قبل التحلية، فبين لهم مَن الله الذي يعبده وتجب عبادته.
следующие страницы →