← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 7106–7145 · переход к 7111.

стр. 7106

(لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) (لَوْ) كما يقول النحويون حرف امتناع لامتناع أي امتنع الشرط لامتناع الجواب فهو نفي بدليل، إذ يتضمن شرطها وجوابها بيان امتناع الجواب وامتناع الشرط بتلازم الامتناع فيهما، واللهو ما يشغل عما يعنى به ويهتم له، وهو يعم كل ما يلهي عن الغايات والمطالب، وهو يطلق على الأسباب التي تلهي الإنسان عن الغايات العليا، كالزخارف والطنافس، والسُّقُف المرفوعة المزخرفة، والأثاث والرئْي وغير ذلك مما يعني به أهل الدنيا والسلاطين الذين في لهوهم يعبثون ويلعبون. ويقول سبحانه: (لَهْوًا) أي ما يلهينا، وذلك مستحيل، لأن الله ﷻ لا يفعل إلا ما هو كمال، أو يؤدي إلى الكمال وكله خير، وهو معلم الخير، وجواب الشرط (لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا) أي لكان ذلك صادرا عن ذاتنا العليا وصفات الكمال، واللهو لَا يمكن أن يصدر عن ذاتنا المتصفة بكل كمال، والمنزهة عن صغائر الخصال، فكيف يصدر عنا، و (لَدُنَّا) بمعنى " عندنا " ولكنها أخص من " عند "؛ لأنها تدل على الابتداء لنهاية، أي أن اللعب من لدنا مبتدئ، وذلك لَا يسوغ ولا يجوز. وقال تعالى: (إِن كُنَّا فَاعلينَ) إن هذه الجملة شرطية وجواب الشرط محذوف دلت عليه الشرطية التي قبلها (لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخذَ لَهْوًا) وفي ذلك تكلف التقدير، ونحس أنه غير متسق مع النص الأول، وإني أرَى أن (إِن) نافية، وتكون تأكيدا للنفي الثابت بقوله: (لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَدُنَّا) ويكون: ما كنا فاعلين ذلك؛ لأنه لَا يليق بالذات الكريمة ولا يتصور أن يكون منها، والله أعلم.

стр. 7107

وقد بين القصد الأسمى من خلق السماوات والأرض.

стр. 7108

(بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) (بَلْ) للإضراب النافي لما قبله، لَا مجرد الإضراب الانتقالي، والقذف الرمي من بعيد، والرمي من بعيد يكون مؤثرا في المرمى عليه أكثر من القريب، ويكون أدل على شدة الرمي، و " بل " التي للإضراب تدل أشد الدلالة على نفي اللعب عن أفعاله فوق النفي السابق، سبحانه وتعالى عما تتصف به الحوادث من لعب،، وتزجية الأوقات فهو القادر القهار الذي خلق كل شيء. وفى قوله تعالى: (نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ) تشبيه للحق بالجسم الصلب القوي الشديد، والباطل أمامه بأنه هش ضعيف، وذلك لبقاء الحق وسلامته وصلابته، و (فَيَدْمَغُهُ) معناه يصيبه في دماغه، ويقال: دمغه إذا أصابه في دماغه أو كسر دماغه، ووصل إلى تجاويف رأسه حتى يصيب مخه فيقتله، وفي ذلك أيضا تشبيه، فشبه إصابة الحق للباطل بإصابة الدماغ ووراء إصابة الدماغ الموت؛ ولذا قال تعالى: (فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ) و " الفاء " و " إذا " للمفاجأة، والمراد من المفاجأة سرعة الإبطال، و (زَاهِقٌ) معناها ميت، لأن زهق معناه خرجت روحه، وفى هذا الكلام أيضا تشبيه للباطل إذا زال وذهبت دولته بالنفس إذا خرجت ومات صاحبها، وفي ذلك إشارة إلى أن الباطل لَا يبقى، والحق باق إلى يوم الخلود، وما يرمونه من باطل فهو ميت فانٍ، وما يثبت من حق باق خالد. وبعد أن قرر سبحانه ذلك مؤكدا خلق السماوات والأرض لإحقاق الحق وإبطال الباطل، التفت بالخطاب للمشركين، فقال عز من قائل منذرا لهم: (وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) أي لكم الهلاك الذي يصحبه أنين وألم يستمر (مِمَّا تَصِفُون) " ما " موصول حرفي، والمعنى من الوصف الذي تصفونه به، و " من " سببية أي بسبب الوصف الذي تصفونه وأن له شركاء يعبدون، وإنهم يكونون شفعاء عنده، وهذه أوصاف لَا تليق بالذات العلية، وهم يقولون باطلا: (. . . مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى. . .).

стр. 7109

(وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) هذا النص مؤيد لمعنى الآية السابقة، وأنه لَا أحد يشاركه في ملكه، فهو وحده المالك للسماوات والأرض، وما فيهما ومن فيهما، والعندية هي عندية المنزلة، لا عندية المكان، لأن الله تعالى ليس له مكان حتى يكون في هذا المكان أحد، إنما العندية هي العندية المعنوية، وهي المكان، وأولئك هم الملائكة، وهم أزواج مطهرة ليس لها مكان نعرفه وهم عباد مكرمون، لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ. وذكر العندية كما يفيد ما ذكرنا من أنها عندية معنوية وقرب من الله تعالى، ويفيد أيضا تشريفهم ومكانتهم عنده، ومع هذه المكانة (لا يَسْتَكْبِرونَ عَنْ عِبَادَته)، أي أنهم خاضعون له تعالى خضوع العبودية له سبحانه؛ كما قال تعالى: (لَن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ. . .)، وإذا كان الملائكة لَا يستنكفون عن عبادته وهم المقربون فأولى بكم أيها الناس ثم أولى أن تكونوا له عابدين، وهم في عبادتهم مستمرون لَا يكلون ولا يضجرون، ولذا قال تعالى نافيا الكلام: (وَلا يَسْتَحْسِرُونَ) وهو افتعال من الحسر بمعنى انكشاف قواهم، وظهور مللهم، وكان النفي بصيغة الافتعال الدالة على قوة الكلال مع أن المقام يقتضي نفي أصله لَا نفي الكلال القوي منه، إذ إن نفي القوي من أمر لَا يقتضي نفس الضعيف منه، ولكن نقول كان نفي القوي للإشارة إلى أنهم في حال كلال قوي، وكان يمكن أن يكلوا، ومع ذلك استمروا دائبين في عبادتهم مع شدة التعب، ولكن لَا تعب في أمر ما داموا يرضون ربهم، وهنا يسأل سائل لماذا أفردوا بالذكر مع أنهم داخلون في ملكية الله تعالى، ولما ذكر أنهم عنده؟ ونقول في الجواب عن ذلك: أفردوا لتعظيمهم ولقربهم من الله تعالى، ولأن بعض الناس كان يقدسهم، بل يعبدهم، فكان ذكرهم فيه عبرة لمن يعبدون الله تعالى، وذكر أنهم عنده لما ذكرنا تشريفا لهم، وللإشارة إلى قربهم من الله كما هو الشأن في الملوك، وقال الملا أبو

стр. 7110

السعود، إنهم عند الله تعالى بمنزلة المقربين من الملوك، ولله تعالى المثل، الأعلى، وهو تقريب ليدركوا معاني القرآن. وقال تعالى في أوصاف الملائكة وأعمالهم:

стр. 7111

(يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠) التسبيح: التقديس والتنزيه، فهم مستمرون في تقديسهم وتسبيحهم (لا يَفْتُرونَ) أي لَا يسكنون، والليل والنهار طرفان للتسبيح، ومعنى ذكر الليل والنهار أنهم لَا يسكنون في ليل أو نهار، فهم دائمو التسبيح والتنزيه وعبادته وحده، وقوله تعالى: (لَا يَفْتُرُونَ) تأكيد لدوام التسبيح واستمراره، والفتور السكون. وقد جاء في مفردات الراغب في هذه الكلمة (لا يَفْتُرُونَ) أي لَا يسكنون عن نشاطهم في العبادة، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن فتر إلى سنتي فقد نجا وإلا فقد هلك " (١) والشِّرَّة: غفوة الباطل وإن الملائكة لَا تعتريهم شرة، ولا تعتريهم فترة، فهم عباد الله تعالى المطهرون. وقد أشار سبحانه إلى ما وصفوا الله - سبحانه - به من أن له شركاء، فقال عز من قائل:

стр. 7112

(أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) " أم " هي المنقطعة وهي تتضمن الإضراب الانتقالي، فانتقل النص القرآني بهم من إنكارهم الرسل وإنكارهم الآيات، وكل هذه أمور باطلة ولكنها سلبية في ذاتها تعدت إلى أمر إيجابي منهم، وهو باطل كالأمور السلبية على سواء، بل أشد وأعنف، وهو الباعث على إنكار ما أنكروا معه الرسل والآيات، والمعنى اللفظي

стр. 7113

للنص السامي، بل اتخذوا آلهة من الأرض، وكان الله يواجههم بإفكهم وافترائهم في عبادتهم، والاستفهام إنكاري منصب على ثلاثة أمور: أولها - اتخاذ آلهة غير الله تعالى، فهو في ذاته ظلم مستنكر وبهتان عظيم. والثاني - أنها آلهة من الأرض، وفي ذكر الأرض مقابلة بين هذه الآلهة المزعومة والعباد عند الله الذين لَا يستكبرون عن عبادته، ويسبحون ليلا ونهارا لا يفترون، والأرض التي اتخذت منها آلهتهم دون من عند الله فكيف يعبدونها، وفي ذكر الأرض استنكار آخر، وهو أن هذه الآلهة المزعومة من حجر من الأرض أو من جماد منها، لَا يعقلون ولا يفكرون فكيف تكون آلهة، ومهما يكن فإن ما يكون متخذا من الأرض دون ما عند الله، ومن عند الله يعبدونه. والأمر الثالث - أنكر عليهم أيضا بالاستفهام، وهو استفهام جديد وأحسب أنه لإنكار الوقوع لا لإنكار الواقع، فهم لم يقولوه، وهو في قوله تعالى: (هُمْ يُنشِرُونَ) أن يحيون الموتى، وأصل نشر من نشر الثوب، ونشر الله تعالى الموتى فيه كشف لهم، وإخراج لهم من قبورهم أحياء، ولا شك أنهم لَا يقولون بالنشر والبعث، فهم يحسبون أنه لَا يكون قط، ولكن النص أثبت عجز من زعموهم أهة عنه، والله تعالى الذي يشركون به هذه الأحجار قادر على ذلك وعلى كل شيء، كما قال تعالى: (. . . كَمَا بَدَأَكُمْ تَعودُونَ)، وفي هذا توبيخ على عدم إيمانهم بالبعث مع ادعاء الألوهية لمن لَا يصلح أن يكون إلها لأنه لا يسمع ولا يبصر ولا يغني شيئا يجلب نفعا أو يرفع ضررا. وقد بين سبحانه بعد ذلك استحالة الشرك بالدليل الفعلي الذي لَا يزال حجية التوحيد فقال عز من قائل:

стр. 7114

(لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) (لَوْ) كما قلنا حرف امتناع لامتناع، أي امتنع الفساد في الكون لامتناع أن يكون فيهما غير الله، فهو يسير في نظام لَا يتخلف، فالنجوم في مساراتها، والشمس والقمر يجريان بحسبان، والليل والنهار يتعاقبان من غير تخلف.

стр. 7115

و (إِلَّا) هنا للوصف بمعنى " غير "؛ لأن الاستثناء في المستغرق يجب أن يكون المستثنى مستغرقا في المستثنى منه، ولا يمكن ذلك للغيرية المطلقة بين الاثنين، فلا ارتباط حتى يجعل أحدهما مستثنى من الآخر، فما قبلها لَا يشمل ما بعدها بأي نوع من الشمول، والاستثناء المنقطع فيه نوع قرب وشمول بين المستثنى والمستثنى منه من وجه، والدليل مع أنه لَا استثناء رفع لفظ الجلالة، إذ لو كان منقطعا لكان منصوبا، فدل على أنه لَا استثناء قط، وعلى ذلك تكون " لا " وصفا بمعنى " غير ". والمعنى أنه امتنع التالي في هذه الشرطية، وهو الفساد، وإذا بطل التالي لأنه يخالف الحس، والوجود كله قائم شاهد بالصلاح، فالسماء والأرض كل قائم به الصلاح بدل الفساد، فالسماء بأبراجها وكواكبها ونجومها، والشمس، سائرة في أبراجها ومساراتها بانتظام، والشمس والقمر كل في فلك يسبحون مما يدل على أن مدبرا للكون يدبره وينظمه، ولا يمكن أن يكون كل ذلك بالمصادفة، والمصادفة لا يفرضها إلا إذا ثبت أنه ليس ثمة موجد منشئ، وذلك باطل، وإن إثبات، الوحدانية بهذا الدليل العقلي الذي جاء به القرآن هو أقوى دليل جاء به المتكلمون لإثبات الوحدانية، وهو الذي يسمى عندنا بدليل التمانع، وقبل أن نقرره كما جاء في القرآن نقول: إن ذكر الآلهة لذكرها من قبل في قوله تعالى: (أَم اتَّخَذُوا آلِهَة) في الآية السابقة، فليس الدليل لمنع آلهة مع الله، بل هو لمنع أي إله مع الله تعالى العلي القدير. وما يقرره علماء الكلام مقتبسين من استدلال القرآن أنهم يقولون: لو كان فيهما إلهان لتعارضت إرادتهما، فإن نفذت إرادة أحدهما دون الآخر، وتوالى ذلك فهو الإله دون الثاني، وإن توافقت إرادتهما على الدوام فهو إله واحد.، والاتفاق على الدوام غير ممكن لأن كل واحد منهما له إرادة مستقلة عن إرادة الآخر، فإن لم تخالف في كل أمر بالتخالف لَا محالة ثابت في بعض الأمور، وفوق ذلك عند التوافق، فهو يؤدي إلى أن يكون العقل الواحد يتوارد عليه فاعلان، وذلك مستحيل، إذن فلابد من فرض التخالف، والتخالف يؤدي إلى تحقق أمرين

стр. 7116

متضادين، وذلك محال فما أدى إليه محال أيضا، وإن نفذت الإرادتان بعد التسليم بذلك المحال، فسد الوجود، وهو الصلاح كله، وإذا بطل الفساد بطل ما أدى إليه، فكان الله واحدا أحدا فردا صمدا، وقد قال تعالى: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ ربِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي يترتب على بطلان التعدد أن يكون الله تعالى هو وحده الواحد، فتنزيها له وتقديسا عما يصفون من الإشراك به، وقد وصف الله تعالى ذاته بقوله: رَبِّ الْعَرْشِ) أي أن العرش له وحده لَا شريك له. (وقد بين سلطانه الكامل فقال:

стр. 7117

(لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣) أي أنه لَا رقيب عليه فيما يفعل حتى يُسأل؛ لأنه هو الإله وحده، ولأنه خالق الوجود كله، فلا يسأله مخلوق خلقه؛ لأن ذلك قلب للأوضاع العقلية، ولأنه سبحانه لَا يخطئ، والمخطئ هو الذي يُسأل عن خطئه، والله تعالى فوق كل خطإ، ولأنه الكامل واجب الوجود المطلق وكل من دونه ناقص قد يحسن، وربما لَا يحسن، وربما يخطئ، وربما لَا يخطئ، فالرقابة من الله تعالى عليه؛ ولذا قال تعالى (وَهُمْ يُسْأَلُونَ) والضمير يعود إلى المشركين، فهم يسألون عما يقولون وعما يفعلون وعما ينكرون وعما يفسدون، وفي ذلك تهديد لهم، وإنذار بأنهم محاسبون على كل ما يكون منهم من شرك، والله أعلم. قال تعالى:

стр. 7118

(أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) أم هنا كالسابقة للإضراب والاستفهام، وهو إضراب انتقالي من اتخاذهم آلهة ليس لها قدرة في شيء، وأنه لو كان التعدد لكان الفساد. انتقل من هذا بالإضراب إلى بيان أن اتخاذ شريك لله تعالى لَا يؤيده العقل بل يخالفه وينكره، وكل دعوى لابد لها من دليل، ودليلها نقلي أو عقلي، فأين الدليل وقد طالبهم النص السامي بالبرهان.

стр. 7119

والاستفهام الذي تتضمنه " أم " لإنكار الواقع أي لتوبيخهم على اتخاذهم آلهة غير الله تعالى، و (مِن دُونِهِ) يعني غيره مع قيام الدليل العقلي على أن ذلك لا يجوز بدليل التمانع في قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) ومع هذا التوبيخ طالبهم الله تعالى بأن يأتوا ببرهان على صحة ما يدعون، وما يفتاتون، فأمر نبيه ﷺ بأن يطالبهم بالبرهان: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ) وكانت هذه المطالبة من الرسول ﷺ لإفحامهم ولبيان عجزهم عن أي دليل، وأي مبرر معقول أو غير معقول، وإلا فكيف يستطيع العاقل أن يجد دليلا أو مبررا يبرر به عبادته لحجر لَا ينفع ولا يضر، أو لإنسان خلقه الله تعالى كما خلق كل شيء. وليس لديهم أي دليل عقلي، ومع ذلك ليس عندهم دليل من النقل، بل الدليل النقلي، وما عليه الرسل يناقض ما يقول؛ ولذا قال الله حكاية عن نبيه: (هَذَا ذِكْرُ من مَّعِيَ وَذكْرُ مَن قَبْلِي) " ذكر " بمعنى " تذكير " وهو هنا من باب إضافة المصدر إلى مفعوله، أَي هذا تذكير الذين فيهم وهم من معه، وهو القرآن ليس فيه إلا التوحيد الخالص والشرائع المنزهة الطاهرة عن كل ما فيه شرك بالله (وَذِكْرُ مَن قَبْلِي) أي هذا تذكير من كان قبلي من الناس لقد ذكرهم رسلهم بالتوحيد، ودعوا إليه ويصح أن يكون الذكر هو القرآن، وذكر من قبلي هو التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الكتب السماوية والغاية واحدة؛ لأن القرآن يكون فيه الذكر لمن معه، والتوراة والإنجيل والزبور فيها الذكر لمن كان قبله ﷺ . فقد كان الانتقال من طلب الدليل المثبت إلى تقديم الدليل مما ادعوه واتخذوه من عبادة الأوثان، ثم قال تعالى: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ) والإضراب بـ " بل " هنا للإشارة إلى أنهم طمس الله على بصيرتهم فصاروا لَا يعلمون الحق ولا يدركونه، ولا يعرفون السبيل إليه، لأن قلوبهم غلف، ولا سبيل لأن يعرفوا الحق بها ويرشدهم (فَهُم مُّعْرِضُونَ) " الفاء " هنا للسببية أي أن ذلك بسبب أنهم معرضون، فهم حائرون بائرون، لَا يرشدون بعقولهم، ولا يستمعون إلى مرشد يرشد، بل يعوضون عنه إعراضا. * * *

стр. 7120

الرسل جاءوا بالتوحيد (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩) * * * هذه الآيات متصلة بما قبلها، فهي بيان إيجابي يعلم الناس أن النبيين جميعا كانت رسائلهم تدعو إلى التوحيد، وما جاءوا إلا لبيانه، فهو تأكيد للدليل النقلي الذي أشار إليه قول النبي: (هَذَا ذِكر مَن مَّعِيَ وَذِكرُ مَن قَبْلِي). يقول تعالى مؤكدا هذا المعنى الخاص بالتوحيد:

стр. 7121

(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ). هنا نفي وإثبات، وهو نفي مستغرق استغراقا كاملا، فـ (مِنْ) الثانية لاستغراق الرسل وقوله: (مِن قَبْلِكَ) أي الذين سبقوك، فما كنت بدعا من الرسل إذا دعوت إلى التوحيد، فهو لب الرسالات كلها، وما عداه لَا يمكن أن يكون دينا، بل هو أوهام باطلة لَا تقوم على دعائم من حق أو عقل فالعقل يمنعها، والحق يجافيها.

стр. 7122

(إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ) بيان أن هذا التوحيد هو أمر من الله، ووحي من عنده، والعرب يعرفون الله تعالى بأنه الخالق الذي يلجأون إليه في شدائدهم، ولا يعرفون غيره إذا أحيط بهم، فهو الذي أمرهم بالتوحيد على لسان كل الرسل: (لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ)، الضمير " أنا " في محل رفع؛ ولذا جاء بضمير الرفع، وقوله تعالى (فَاعْبُدُونِ) " الفاء " تفيد أن ما بعدها مسبب على ما قبلها، فإذا كان لَا إله إلا هو فلا يعبد غيره، ولا يعد [قط] (١) عبدا لله تعالى إلا إذا عبده وحده، فالإشراك على أي صورة من صوره ليس فيه عبادة لله تعالى. ولقد بين بطلان الذين يعبدون الأشخاص، كما بين بطلان عبادة الذين يعبدون الأوثان، فإن الجميع مشركون في العبادة، بيد أن الذين يعبدون الأشخاص يسرفون على أنفسهم فيدعون أنهم أبناء الله:

стр. 7123

(وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) قائل هذا بعض المشركين والنصارى منهم؛ لأن ذلك إشراك في العبادة لا مرية، وقالوا إن الله - تعالى عما يقولون - اتخذ المسيح ابنا له، كما قال تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ. . .). وطائفة من العرب قيل إنهم من: خزاعة قالوا الملائكة بنات الله، ولقد أشار سبحانه إلى ذلك بقوله: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١). وقوله تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا) أي جعل له ولدا، وكلامهم ينبني عن احتياجه سبحانه إلى ولد؛ لأن الاتخاذ لَا يكون إلا عن حاجة، وقوله تعالى: (سُبْحَانَهُ) أي تنزه وتقدس عن ذلك (بَلْ) إضراب وردّ لقولهم، (عِبَادٌ مُكرَمُونَ)، أي كرمهم الله تعالى وهم عباده، فعيسى عبد لله، ولا يستنكف أن يكون عبدا، والملائكة المقربون لَا يستنكفون أن يكونوا عبيدا له.

стр. 7124

وقد ذكر حالهم فقال عز من قائل:

стр. 7125

(لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) وذكر هذا الوصف لهم، للإشارة إلى أنهم من الله بمنزلة من الطاعة، كمنزلة العبيد من مالكهم، لَا يسبقونه في أمر من أمور الشريعة أو الخلق والتكوين أو القول، بل هم تابعون خاضعون، ليس قول مع قوله سبحانه، فلا يتقدمون أمامه، وقالوا: إن (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ) في مؤدى لَا يسبق قولهم قوله، أي لَا يقولون قولا، بل قولهم دائمًا مسبوق بإرادة الله ، وليس لهم أن يتقدموا بأمر، ثم قال تعالى في بيان خضوعهم: (وَهُم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ) وتقديم الجار والمجرور لإفادة الاختصاص، والمعنى بأمره وحده لَا بأمر غيره يعملون، وفي ذلك تعريض ببطلان ما يفعله المشركون إذ يفرضون لآلهتهم المزعومة مطالب يؤدونها، وذلك من أوهامهم. ويبين أنهم في قبضة يده يعلم حالهمْ في حاضرهم وماضيهم فيقول سبحانه:

стр. 7126

(يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) ذكر الله تعالى أنهم في قبضته، وهو عالم بكل أحوالهم (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ)، وهذا يكنى به عن حاضرهم، لأنه بين أيديهم يفعلونه ويدورون فيه تحت سلطان إرادته، وعلى مقتضى علمه، وجميع ما يفعلون وما يفكرون تحت عين الله وفى رقابته (وَمَا خَلْفَهُمْ) ويعلم سبحانه ما هو خلف أعمالهم، أي ما يجيء في المستقبل، فهو يعلم حالهم في حاضرهم وفي قابلهم الذي يخلف حاضرهم، فهم في سلطان الله تعالى مع تقريبهم وتفضيلهم وتكريمهم. وليس ذلك شأن من يتخذه ولدا، بل هو شأن من يكون من عباده. (وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) أي لَا يشفعون لأحد إلا إذا كان مرتضى لله، ورضى الله أن يشفع كما قال تعالى: (مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ)

стр. 7127

وكما قال تعالى: (يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا)، فهم في شفاعتهم لَا يسبق قولهم قول ربهم إنما قول الله تعالى هو السابق، وهو الذي يأذن لهم بالقول شفاعة أو غيرها. وقد ذكر وصفا ثالثا، وهو حال دائمة مستمرة لهم فقال: (وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) الخشية الخوف مع التعظيم والضراعة والاستسلام لله ؛ ولذا اختصت بالذين يعلمون عظمة الله تعالى وجلاله، فقال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)، الذين علموا الله تعالى وعرفوه حق معرفته. والإشفاق: الخوف مع توقع ما يخافونه، فهو خوف مع عناية بما يجيء به الزمن، وإن ذلك الإشفاق يكون من كمال العلم بالله واستشعار عظمته، وامتلاء النفس بمهابته، وذلك شأن من كانوا خاضعين، وليس شأن من زعموهم آلهة مع الله مناظرين، وإن هذه حال من قربوا من الله فهم أدرك لعظمته، وأكثرهم علما بقدرته، وحكمته وكماله. وإن هذا التعبير الكريم يدل على دوام هذه الحال؛ لأن الجملة حالية أولا، ولأن الجملة اسمية تدل على الاستمرار ومؤكدة بالضمير، والله سبحانه أعلم بحالهم، فهم المقربون. ولكنهم مع قربهم من الله تعالى، وأنهم المكرمون، لو انحرفوا عن الطريق لنالهم جزاء الضالين المضلين؛ ولذا قال تعالى:

стр. 7128

(وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩) إن هؤلاء عباد خلقهم الله تعالى للطاعة والتسبيح لَا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهم مجردون من الشهوات التي تضل وتهوِي بصاحبها إلى مكان سحيق من المعصية ولتجردهم من الأهواء المردية والمطاولات التي تقع بين أهل الدنيا الذين تسيطر عليهم أحيانا أهواء إبليس عدو آدم - لَا يقع منهم ما يخالف إرادته، ومع ذلك لو وقع منهم ما يعاند إرادة الله يكون جزاؤهم جزاء العصاة، فلا

стр. 7129

يقول أحد منهم إنه إله من دون الله، فمن قالها منهم فإن جزاءه جزاء العصاة، وهذا قوله تعالى: (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ) " من دونه " أي غير الله، ويعاند الله في ظاهر حاله والفاء واقعة في جواب الشرط، والإشارة إلى الذي يقول إني إله من دونه، والإشارة إلى فاعل فعل هي إشارة إلى الفعل، فهي إشارة إلى أن ذلك القول إجرام، ويكون كقول فرعون ما علمت لكم من إله غيري، وجهنم للعصاة دائما، و (كذَلِكَ) في ختام الآية الكريمة: (كذَلِكَ نجْزِي الظَّالِمِينَ) أي أنه كهذا الجزاء الذي ذكر لهم إذا ادَّعوا الألوهية يجزي الله الظالمين. وفى هذا النص إشارة واضحة إلى أن الذين يعبدون المقربين كعيسى ابن مريم، وكالملائكة المقربين لَا يغضبون الله وحده، بل يغضبون من يعبدونهم ويخالفونهم، فالذين يقولون عيسى ابن الله أو الرب أو إله يعصون أول ما يعصون عيسى ﵇، وكذلك الذين يعبدون الملائكة المقربين. والظلم المذكور في الآية هو ظلم الإشراك، وظلم المعصية، وظلم تضليلهم، وانهواء عقولهم، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. * * * خلق الله يدل على وحدانية الله (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣) * * *

стр. 7130

هذا كلام موصول لبطلان الشركاء لله تعالى ببيان إبداعه في خلقه، سواء أكان أولئك الشركاء المزعومون أحجارا أم تماثيلَ أم أوثانا، أم ادَّعوا أن الله بديع السماوات والأرض اتخذهم أبناء، وذلك البطلان ببيان عظمة خلقه.

стр. 7131

(أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَروا أَن السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا) (الواو) عاطفة، وتقدمها الاستفهام، وتقدير القول: وألم ير الذين كفروا، والاستفهام له الصدارة دائما، والاستفهام لإنكار الوقوع أي أنهم لم يروا وكان حقهم أن يروا، والرؤية ليست رؤية البصر، ولكن رؤية العلم والبصر والإدراك، لأن أحدا لَا يرى السماوات والأرض رتقا، والرتق: الضم والالتحام خلقة كان أو صنيعة، وقد قال الأصفهاني في مفرداته: كانتا رتقا أي منضمتين، والمتتبع لآيات القرآن في بيان خلق السماوات يرى أن النصوص تتضافر على أنهما كانتا شيئا واحدا كان كالدخان، أو هو ما يعبر عنه علماء الكون بالسديم، لأنه مثل الدخان، وقد ذكرت شيئا مثل ذلك في تفسير ستة الأيام التي جاءت في عدة سور، وقلنا إنها ستة أدوار، وليست ستة أيام زمنية، لأن الأيام مقدرة بالليل والنهار وهما كانا بعد خلق السماوات والكواكب والنجوم والشمس والقمر، واقرأ قوله تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢). فإن هذه الآيات تشير إلى أن السماوات والأرض كانتا شيئا واحدا، وكانت السماء ومعها الأرض دخانا، وهو ليس الدخان الذي نعرفه؛ لأن الدخان الذي نعرفه هو الناتج من اشتعال نار من حطب أو نحوه من أي حطام، وما كان ذلك قبل السماء والأرض، فإذا قلنا إنه الذي سماه علماء الكون السديم، لَا نكون مباعدين، بل نكون مقربين غير مدعين على القرآن ما ليس فيه، وتكون الأرض قد

стр. 7132

خلقْت في ستة أيام أي أدوار في التكوين بتدبير الله العزيز العليم، فخلق الله الأرض في يومين هما دور انفصالها عن الكتلة الشمسية، وتكوين طبقتها الأرضية الظاهرة، وبقاء باطنها ملتهبا كأصلها، ويبدو أحيانا شيء منه في براكين تقذف بالحمم والسعير، وبعد أن تكونت القشرة الأرضية كانت أربعة أدوار أخرى، فيها تكونت الجبال الرواسي، والسبل الفجاج، وتكون السحاب والمياه العذبة، والإنسان والحيوان والزروع والثمار، وكانت الأرض، هذا المهاد والفراش، وانتهى أمر الله بأن جعل من الماء كل شيء حي، فكان النبات والحيوان من الماء العذب، وكانت البحار موطنا ومحيا للسمك اللحم الطري. (فَفَتَقْنَاهُمَا) " الفاء " عاطفة للترتيب والتعقيب، وكان التعقيب لأنه لم يكن بين الرتق والفتق أمر كوني آخر، وكل شيء من فعل الله تعالى يكون بقوله تعالى؛ " كن فيكون " ولا فاصل من الزمان بين قول الله " كن " وما يكون. وقوله: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُل شَيْء حَيٍّ) كان فيه أدوار أربعة، كما قدر العزيز الرحيم، ثم قال تعالى: (أَفَلا يُؤْمِنونَ) " الفاء " لترتيب التوبيخ بعدم الإيمان على ما قبلها، و " الفاء " مؤخره عن تقديم، والمعنى: فألا تؤمنون، والاستفهام لإنكار الواقع وهو عدم الإيمان، وإنكار الواقع بمعنى التوبيخ والتعجب من الكفر مع قيام الأدلة على وجوب الإيمان، فالفاء لترتيب التوبيخ على ما بين الله تعالى من خلق السماوات والأرض من خلق الأرض من السماء وخلق الأرض في ستة أيام. وقد بين سبحانه الأرض وما يرى فيها بالعين والبصر، لَا بالعلم والإدراك كما قال تعالى:

стр. 7133

(وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) الرواسي هي الجبال، وهي جمع راسٍ، وفواعل تكون جمعا لما فيه التاء، وتكون جمعا للخالي من التاء، إذا كان وصفا لَا يعقل، وهي هنا وصف للجبال). قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ) وهنا ذكر الوصف وحذف الموصوف، أي جبالا رواسي أي ثابتة، والجَعْل خلق لأمر موصوف بوصف معين،

стр. 7134

والخلق مجرد الإنشاء، أما الجعل فهو خلق لأمر أراده الله تعالى في التكوين، وهو أن يكون لأمر نافع للعباد، كما قال تعالى: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَآيَتَيْنِ. . .). وعلل الله كونه خلق الجبال وجعلها رواسي بقوله تعالى: (أَن تَمِيدَ بِهِمْ) والميد الاضطراب الشديد والحركة التي لَا يكون معها قرار وثبات، ويتحقق أن تكون فراشا، وأن تكون مهادا، ومستقرا، وتقدير القول كما قال البصريون: كراهة أن تميد فتضطرب، ولا يكون لها قرار تثبت النفوس فيها وتطمئن وتسكن، وقال الكوفيون: إن معنى (أَن تَمِيدَ بِهِمْ): لئلا تميد بهم، وهو تقدير لفظي اختلف فيه، ولا يغير من المعنى اختلاف الآراء، بل المعنى في التقدير أن الجبال رواسي، فلا تضطرب الأرض وتكون فراشا وقرارا ومهادا. وقال تعالى: (وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا) الضمير في " فيها " قيل يعود إلى الجبال، والمعنى جعلنا في الجبال فجاجا فيما بينها، وهي الشُّعب التي تكون بين الجبال أو في الجبال نفسها، فمع أنها راسيات تكون فيها طرق يستطيع السائر أن يسير فيها في علوها، كما ترى في جبال الأطلس في الجزائر وتونس والمغرب. ولكنا نرى أن الضمير يعود إلى الأرض، أي جعلنا في الأرض فجاجا أي طرقا واسعة، فالفج هو الطريق الواسع، وهو في أصل وصفه للطريق بين الجبلين كأنه شق بينهما شقا، وتوسع فيه حتى صار يشمل كل طريق، جاء في المفردات: الفج شقة يكتنفها جبلان ويستعمل في الطريق الواسع، وجمعه فجاج، قال تعالى: (مِن كل فَجٍّ عَمِيقٍ). وقد اخترنا - كما ذكرنا - معنى الطريق لأمرين أولهما: أنه سبحانه وصف الفجاج بأنها سبل أي سبل معبدة، وثانيهما: أنه سبحانه وصفها بأن الغاية منها أن تكون طريقا للهداية والتعرف لمسالك الأرض في غير ضلال في متاهاتها، وهذا أنسب لمعنى الطريق الواسع. قوله تعالى: (لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) أي لتدركوا الهداية في طرائق الأرض، وألا تتيهوا في متاهاتها، وإنه بهذه الفجاج لعلكم ترجون الهداية، فهم إذا أدركوا

стр. 7135

أنَّ الله تعالى جعل لهم الفجاج سبلا ليهتدوا إلى مصالحهم في معاشهم وعامة أمورهم ولكيلا تتيهوا في ضلالها، عساهم يهتدون لوحدانيته رب العالمين.

стр. 7136

(وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢) أي خلقنا السماء خلقا، وجعلناها محفوظة من أن تنتثر نجومها، إذ تبدو متفرقة غير متماسكة، وهي متماسكة مترابطة بجاذبية كأنها أرسان (١) تربطها بعضها ببعض، فلا ينفصل نجم عن مدار بالنسبة لنجم آخر، وهذا كقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولا. . .)، وإمساكهما أن يكون كل منهما في مكانه، ولقد قال تعالى: (ويُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ)، وإنها لمحفوظة من كل شيطان، كما قال تعالى: (وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَان رَّجِيم)، وحفظها سبحانه بأبراجها، وبعلوها، وكما قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا. . .)، وكما قال تعالى: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ)، وهي زينة الوجود جديرة بأن تحفظ، وجعلها الله تعالى محفوظة. كما قال تعالى: (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوج). (وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ) وفي السماء آيات متكاثرة، فالبروج والنجوم المتلألئة، والكواكب السيارة، وكل منها مسخر بأمره، فالشمس وما تكون بها من حرارة ودفء وضياء وأشعة تنبت الزرع وتنمِّيه، وما يكون في دورة الشمس من فصول السنة من صيف وشتاء وما فيها، والقمر من آيات يعرف بها الحساب، وكما قال الله تعالى: (وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ)، وهذه كلها آيات تدل على الخبير، وأنه واحد أحد فرد صمد لَا إله إلا هو ولكنهم عن كل هذا معرضون. ومن كان معرضا عن آيات السماء ذات البروج فهو في أعظم الجهل.

стр. 7137

وقد ذكر سبحانه بعد ذلك أمرا محسوسا يحسونه، وهو من آيات السماء فقال:

стр. 7138

(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣) الضمير لله تعالى، وقال إنه خلق الليل والنهار؛ لأنه خلق سببهما ونظامهما وهي نعمة في ذاتها، فجعل الليل لباسا والنهار معاشا، فالليل يسكنون فيه، والنهار يخرجون فيه، وذكر بعد ذلك ما في الليل من نعمة السكون، والاستمتاع بنور القمر الهادي الساكن، وما في النهار من الحركة والاستمتاع بضوء الشمس الساطع وحرارتها ودفئها، فقال تعالى: (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ)، كما قال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ. . .). و (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) التنوين هنا عوض عن المضاف إليه، أي كل من الشمس والقمر في فلك أي في مدار (يَسْبَحُونَ) وهنا شبه جريانها بالسبح، يسبح في اليم؛ لأنه يجري في فلكه بقدرة أودعها فيه، وبنظام ثابت، والضمير عاد ضمير العاقل ترشيحا للاستعارة؛ لأن السابح عاقل يدخل في العقلاء عادة، فلما جاء التعبير بالسبح جاء معه وصف من يكون فيه عادةً. وكان الضمير ضمير الجمع للإشارة إلى طوالع الشمس والقمر المتكرر الذي جعلهما جمعا، ولأن الطوالع تختلف معها الشمس، فتكون الشمس قريبة من الأرض في أحد مطالعها وتكون بعيدة عنها في مطلع آخر، والقمر يبدو في النظر هلالا، ثم يكبر حتى يصير بدرا؛ ولذلك كانت الشمس والقمر بمطالعهما متعددين، فصح أن يعود إليهما الضمير ضمير جمع. * * *

стр. 7139

الأنبياء ومن يخالطونهم (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥) وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦) خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) * * * كان المشركون يتمنون موت النبي ﷺ ، ويعيرونه بأنه بشر يموت، وإذا مات فإن آلهتهم تنجو من سبه وتعييبهم، فبين الله تعالى أنه سيموت، وهم يموتون، كما قال تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهم مَّيِّتُونَ)؛ ولذا قال تعالى:

стр. 7140

(وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ من قَبْلِكَ الْخُلْدَ) وإن كونك بشرا يقتضي أن تموت وتبعث ككل البشر، فما قدرنا لبشر من قبلك الخلد والبقاء، والجعل هنا التقدير، أي ما جعلنا الخلد لأحد قبلك من آدم إلى عصرك، ولست بدعا من بين البشر، وإذا كانوا يتمنون موتك، فليعلموا أنهم أيضا ميتون، ولا يعلم إلا الله تعالى، من يموت قبلا؛ ولذا قال تعالى: (أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ) " الفاء " لترتيب ما بعدها مع قبلها، أي إذا كنت ستموت لَا محالة فهل هم خالدون؛ فالاستفهام الذي في حيزه الفاء مترتب على نفي الخلود عنه ﷺ ، والاستفهام داخل على مضمون الشرطية، وهو استفهام

стр. 7141

إنكاري فيه نفي الوقوع، والجملة الشرطية محطها الجواب، والمعنى إن مت لا يخلدون بل ينتهون أيضا، فلا يصح أن يتمنوا موتك، ولا يصح أن تشمتوا فالموت حق على كل نفس؛ ولذا قال تعالى مؤكدًا موتهم وموته ﷺ :

стр. 7142

(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥) هذا تكميل لبيان مساواتهم مع النبي ﷺ في عدم الخلود، ثم ذكر ذلك في قضية ماسة كلية لَا استثناء فيها؛ لأن الموت يلازم البشرية؛ لأنه ما من حي من أحياء الأرض إلا له انتهاء وذكر (كُلُّ نَفْسٍ) ولم يذكر كل إنسان، أو كل البشر؛ لأن النفس هي التي تذوق مرارة فراق الجسد، فالموت ينصب عليها ابتداء، وقوله: (ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) عبر عن الفراق بالذوق كان الموت شيء يذاق، وفيه تشبيه الموت بالذوق لأن كليهما يعتريه ألم ومرارة (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فِتْنَةً) أي نعاملكم معاملة المختبر؛ بأن نمكنكم من الشر لتفعلوه أو تتجنبوه، ومن الخير لتفعلوه، وقدم الشر على الخير، لأن الاختبار بالشر أشد في ذاته، وإن يبدُ أخذه حلوا ولكنه مرى، ولأن أكثر الناس يستجيبون لداعي الشر بإغراء إبليس، وإسناد البلاء إلى الله تعالى لأنه هو الذي يمكنهم ويسهل لهم النجدين نجد الخير ونجد الشر، فقد قال تعالى: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ). و (فِتْنَةً) مفعول مطلق؛ لأنه مصدر في معنى " نبلوكم " وإن لم يكن بلفظه، فالإنسان في موضع اختبار في النفع والضر، فإن أعطى الخير فشكر، فله الجزاء، وإن كان حرمان فصبر فله الجزاء ويختبر بفتنة الضر، فيلقى إليه الضر ويراه محبوبا، والشهوات لينزع عنها، فيكون في ابتلاء، إن صبر أجر، وإن رتع فيها رتعا جوزي بسوء العاقبة في الدنيا والآخرة، والصبر على النعمة بشكرها فيه الثواب، والصبر على النقمة باحتمال آلامها من غير أنين ولا ضجر يستحق به الثواب، ويقول سبحانه: (وَإلَيْنَا ترْجَعُونَ) تقديم الجار والمجرور يفيد الاختصاص أي ترجعون إلينا وحدنا، ويكون الملك يومئذ لله فيكون الحساب ثم الجزاء للطائعين والعقاب

стр. 7143

للعصاة، وفي هذا إنذار للذين لَا يطيعون أمر الله تعالى، وقد صور إعراضهم في استهزائهم بالنبي ﷺ إذا دعاهم للحق فقال عز من قائل:

стр. 7144

(وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦) إن الإيمان والكفر يتبديان من أول لقاء أو من أي لقاء، فإذا صحب اللقاء إقبال وتعرُّف سلك طريق تعرف الحق واهتدى، وإذا كان اللقاء إعراضا، وسدا لينابيع الإدراك، ومن أشد مظاهر الإعراض الاستهزاء والسخرية؛ لأن الاستهزاء يميع النفس، فلا تتجه إلى طلب المعرفة، وتحري الصواب، ولقد كان الاستهزاء شأن المشركين في لقاء النبي ﷺ وهذا قوله تعالى: (وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُروًا)، (إن) هي النافية، والمعنى لَا يتخذونك في اللقاء إلا هزوا، أي إلا مستهزئين منك، غير مقبلين على دعوتك، ولا على شخصك بتعرف ما عندك من قول، والنفي والإثبات بالاستثناء مفيد لاستغراق الاستهزاء كل أحوالهم، فليس عندهم في نفوسهم فراغ لسماع الحق، والإنصات إليه في جد وإقبال، وإنهم إذ يرون النبي ﷺ رءوفا بهم لَا يريد إغباتهم متواضعا، وادعًا تغريهم هذه الرؤية بأن يجعلوا هذه الصفات العليا موضع استهزاء (أَهَذَا الَّذِي يَذْكر آلِهَتَكُمْ) وقد ابتدوا في عباراتهم عن كلامهم ذكر الآلهة بسوء، فقالوا: يذكرها، وأنَّى يكون له أن يعلو إلى ذكرها فضلا عن تسفيه أحلامهم في عبادتها، وهذا استفهام للتعجب والاستهزاء والسخرية، وذلك كقول الله تعالى عنهم: (وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢). و (يَذْكر آلِهَتَكمْ) فيها معنى إعلاء آلهتهم، وتصغير شأن النبي ﷺ ومثلهم كمثل فرعون من موسى (. . . هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ)، فهو استفهام للتعجب والاستغراب من أن هذا للتواضع، والتواضع عند أهل الفساد ضعة، لأن مقياس الخير والشر عندهم القوة، وقاعدتهم: من لَا يظلم الناس يُظلم.

стр. 7145

(وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كافِرُونَ)، و (بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ) أي تذكير الرحمن لهم فهو من إضافة المصدر إلى فاعله (كَافِرُونَ) أي جاحدون، وهنا أمران يجب الإشارة إليهما: أولهما - تقديم (بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ) على (كَافِرُونَ) وهو يدل على التخصيص، أي هم بذكر الرحمن وحده كافرون فهم كافرون بالوحدانية. الأمر الثاني - ذكر الله تعالى موصوفا بصفة الرحمن، وفي ذلك إشارة إلى أن بعث الرسل وخصوصا محمدا ﷺ هو من الرحمة، كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)، ونقول: إن محمدا ﷺ لم يكن مهينا، وإن كان متواضعا وديعا، متطامنا موطأ الكنف ولكنه كان ذا هيبة إذا اشتدت سخريتهم، يروي عبد الله بن عمرو بن العاص عن يوم من أشد الأيام التي لقيها النبي ﷺ من المشركين أن النبي ﷺ كان يطوف بالبيت والملأ من قريش بفناء البيت، فكان إذ مر بهم وهو يطوف غمزوا بالقول، فبدا أثر ذلك في وجه النبي ﷺ ، حتى إذا أتم الطواف التفت إليهم وقال: " شاهت هذه الوجوه، وأرغم الله هذه المعاطس، يا معشر قريش لقد جئت بالذبح "، فما كان إلا من يقول يرفؤه بأحسن القول، ويقول: اذهب أبا القاسم موفورا ما علمنا عنك إلا خيرا (١) فكان ﵇ مهيبا، ولم يكن مهينا، ولكن تطامن ليدخل الناس في الدعوة مختارين اختيارا كاملا لا رهبة فيه.
следующие страницы →