← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 7211–7250 · переход к 7216.

стр. 7211

(وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) رحمة الله التي شرفها بالنسبة إليه سبحانه، هي هجرته منهم، ونجاته من الهلاك الذي كتب لهم وإيتاؤه حظه في الآخرين، والتجاؤه له سبحانه كما قال تعالى: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي. . .)، وقال تعالى: (إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) وهذا بيان لاستحقاقه رحمته سبحانه، وقد شرفه سبحانه بأن وصفه بأنه من الصالحين. * * * (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧) وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ

стр. 7212

إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (٨٢) * * * هذا وصل للكلام السابق من أخبار إبراهيم ولوط والأنبياء من ذرية إبراهيم ﵈، وفي قصصهم عبرة لأولي الألباب، وتسرية عن النبي ﷺ عن سوء ما يرتكبه معه المشركون من شطط في القول، وإسراف في استهزائهم، والله مستهزئ بهم، قوله:

стр. 7213

(وَنوحًا) منصوب بفعل محذوف تقديره اذكر، أي اذكر نوحا وإيذاء قومه، وقد تشابهت أقوالهم مع أقوال المشركين للنبي ﷺ ، لتشابه القلوب والمقاومة وطرائقها، فالناس أولاد الناس، (إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ) نادى ربه مستغيثا بالله وذلك في قوله: (. . . رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)، دعا نوح ربه ذلك الدعاء، أو ناداه ذلك النداء فأجابه سبحانه فقال: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ)، " الفاء " للترتيب والتعقيب، والمراد بالتعقيب تأكيد الإجابة، وقد قال تعالى: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ) الاستجابة شدة الإجابة؛ لأن السين والتاء للطلب، أي أن الطلب طلب الإجابة وأرادها له؛ ولذا كانت التعدية بـ " اللام " مع أن " أجاب " تتعدى بنفسها، ولكن كانت " اللام " لشدة الإجابة؛ لأنها بطلب الله، وتشدده في الطلب لأجل نوح ﵇، وأنه إذ استجاب له سبحانه ونجاه وأهله من الكرب العظيم، وقال سبحانه: (فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيم) حيث أرادوا إيذاءهم، وحيث كان كرب الطوفان؛ إذ أحاط بهم الماء من كل جانب، وركب في السفينة من أراد الله إنجاءه.

стр. 7214

(وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧) و (نصرنا) معناها انتصرنا له من القوم الذين كذبوا، فـ " نصرناه " متضمنة انتصرنا؛ لأن " انتصر " تتعدى بـ " من "، وكانت له محذوف دلت عليها (لَهُ) في

стр. 7215

قوله تعالى: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ) والمعنى انتصفنا له منهم إذ ظلموه بالعناد والسخرية والتحدي والإنكار المستمر، والمجادلة بالباطل حتى يئس من إيمانهم، وقال الله تعالى له: (. . . لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)، وقد بين سبحانه استحقاقهم لما نزل بهم، فقال: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ) هذا بيان لاستحقاقهم ذلك الإغراق وإزالتهم من الوجود، وألا يبقى من ذريتهم أحد إذ لَا يلدون إلا فاجرا كفارا، والسَّوء: هو ما يسوء الناس ويؤذيهم، وأضيف السوء إليهم، لأنهم لَا يصدر عنهم إلا ما يسوء، وبسبب ذلك أغرقهم الله أجمعين، ولم يبق إلا من حملته السفينة المباركة. * * * قصص أنبياء من أولاد يعقوب كانوا بعد موسى

стр. 7216

(وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) " الواو " وصلة الأخبار في قصص النبيين، و (داود) منصوب بفعل محذوف تقديره " اذكر "، والمخاطب النبي ﷺ تسرية له في الشدائد والكروب التي كان فيها وهي تسرية فيها أخبار جدية تبين أحكاما لنظام الحق وإدراكه، فهي ليست تسرية بلهو، بل هي أخبار فيها طرافة، وفيها تنبيه لتنظيم العدالة والتفكير. (إِذْ يَحْكُمَان فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْم)، (إِذْ) الأولى تتعلق بالفعل المحذوف " اذكر "، َ و " إِذْ " الثانية متعلقة بـ (يَحكُمَانِ)، (الْحَرْثِ): الأرض المزروعة، سميت بمصدر حرث يحرث وهو قلب الأرض، ويطلق " الحرث " على الأرض المحروثة وعلى الزرع نفسه، و (نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ) أي انتشرت فيه الغنم فأتلفته، وأصبح غير ذي قيمة، وقد تحاكم الخصمان صاحب الحرث وصاحب الغنم إلى داود ﵇.

стр. 7217

وجاءت الروايات بأن داود ﵇ حكم بأن يأخذ صاحب الحرث الغنم في مقابل ما أتلفت الغنم من الحرث، وكانت القيمتان متقاربتين. ولكن سليمان ﵇ رأى أن خيرا من هذا أن يأخذ صاحب الحرث الغنم تدر عليه لبنها ويستولي على منافعها، ويأخذ الآخر الأرض يحرثها، وكان أجرة الأرض تكون هي منافع الغنم وردها. وقد ذكر الله أنه هو الذي أفهم سليمان هذا الحكم فقال عز من قائل:

стр. 7218

(فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩) دل هذا القول على أن حكم سليمان كان بإلهام من الله، ويومئ إلى أنه كان الحق، وإن لم يكن حكم داود كان باطلا، فقد بذل فيه سبيل الاجتهاد، وكان مقاربا، ولم يكن مناقضا للحق، والأحكام تبنى في الدنيا على المقاربة، ولو كان القاضي نبيا جعله الله تعالى خليفة في الأرض ما دام الحكم لَا شطط فيه، ولذا قال تعالى: (وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) أما العلم فعلم النبوة، وأما الحكم فقالوا إن الحكمة والقدرة على فهم الأمور ودراستها من كل جوانبها، ويصح أن نقول: إن المراد بالحكم أهلية الفصل بين الخصوم، وقد ذكر أنه كان شاهدا مقرا لحكمهم. ويلاحظ هنا أن الحكم الذي أقره الله تعالى أو كان عليه شاهدا، وهو حكم داود ﵇ وحكم ابنه سليمان هو جزاء مشتق من ذات الاعتداء ولو بالتسبب، فإن صاحب الغنم تركها من غير أن يراقبها ويحفظها فنفشت في الحرث، فكان الجزاء من ذات موضع الاعتداء، فقدره داود بأن تؤخذ الغنم في نظير الزرع لأن قيمتها كانت تساوي الزرع، وبذلك كان الجزاء من جنس الاعتداء وهو مقارب، وأفهم الله تعالى سليمان أن يجعل الاعتداء جزاءه مماثلا ولو في الظاهر لموضع الاعتداء فكان أن يترك صاحب الحرث لصاحب الغنم يحرثها ويزرعها، حتى إذا

стр. 7219

علا واستغلظ أو صار كالأول سلَّمَه ورد الغنم إلى صاحبها وكان صاحب الحرث قد أخذ عوض التأخير بدرِّ الغنم ومنافعها. وفى هذا الجزاء مقاربة للعدالة والمساواة وفيه تعاون، وفيها فائدتان: الأولى: أن يكون فضل تعاون، والثانية: أنه مساواة أو مقاربة من المساواة. وقد أثبت علماء البحث في العصر الحاضر أن أقرب الجزاء إلى تهذيب النفوس أن يكون العقاب من جنس الاعتداء؛ لأنه يجعل الجاني أو المهمل يحس بالجزاء وهو يقع في الجريمة أو الخطأ، فيكون ذلك أدعى إلى الامتناع أو التوقي. وإن قصة هذا الحكم إرشاد للحكام إلى أقرب الطرق إلى تحقيق العدالة في هذه الدنيا، وقال تعالى فيما مكن الله به لداود، فقال عز من قائل: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكنَّا فَاعِلِينَ) كرم الله تعالى داود بأمرين: أولهما: أنه سخر له الجبال تتحرك بإرادته وتسكن، وتسبح بأمره ﵇، ولسنا نستغرب شيئا من ذلك لأننا نؤمن بالقوة الغيبية، يبثها الله، ولا يماري فيها إلا الذين لَا يؤمنون إلا بالمادة وظواهرها، وكذلك سخر الله تعالى له الطير، وروي أن الجبال كانت تجاوبه في تسبيحه، وكذلك الطير، ولا غرابة فقد قال الله: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْضِ. . .)، وقال تعالى: (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ. . .)، وقال الله في داود: (. . . يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ)، أي أن هذه إرادة الله، ولا مشاحة (١) له فيما يريد، وقال تعالى:

стр. 7220

(وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠) (عَلَّمْنَاهُ) التعليم هنا الإلهام والتوفيق والمرانة على عمل ما، وهو بتوفيق الله تعالى، وينسب إليه لأنه لَا شيء إلا بإرادته وتوفيقه، و " الصنعة " هي الصناعة

стр. 7221

والتفنن فيها وإجادتها، وهي من خواص الإنسان، و " اللبوس " ما يلبس، وهو هنا الدرع الذي تتقى به ضربات السيوف، والرماح والسهام فلا تنفذ فيه من هذه الأسلحة إلى الجسم، وقد أَلانَ تعالى الحديد لداود ﵇ ليتمكن من أداء الصنعة على الوجه الأكمل، وقال تعالى: (لِتُحْصِنَكُم مِّنْ بَأسِكُمْ) البأس: هو الشدة، وهو هنا الحرب التي يشعلها الإنسان في هذه الأرض سواء أكانت هجوما معتديا آثما، أم دفاعا عادلا، وتحصنكم مصدرها إحصان وهو المنع والحماية، وهذه نعمة الله تعالى، فإنه كما أوجد للإنسان السيف، أوجد له الدرع فيكون الدفع للاعتداء، وإضافة الباس إلى الناس فيه معنى بلاغي رائع؛ إذ إنهم هم الذين يوقعون أنفسهم في الشدائد، والله يدبر لهم أمر ردها ودفعها. وإن ذلك يوجب شكر الله تعالى، وقد دعا سبحانه إلى ذلك فقال: (فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ) " الفاء " لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي بسبب تلك النعم التي أسداها لكم من هذا التدبر المحكم بأن هيأ لكم الدواء عند الداء، والدفع عند احتمال الاعتداء. والاستفهام للحض على الشكر؛ ولذا قال علماء البلاغة إن هذا التعبير أدل تعبير على الطلب، والله تعالى المنعم ذو الجلال والإكرام أن نشكر ولكنا نكفر. وأخبر تعالى عن نبي الله داود الذي آتاه الحكم والخلافة في الأرض أنه قد اتخذ لنفسه صناعة يأكل منها، وأفهمه الله تعالى هذه الصناعة، وما كان أكل الرجل من عمل يده عيبا، إنما العيب أن يكونَ كَلًّا على الناس وهو القادر على العمل، ولقد جاء في تفسير القرطبي ما نصه: " هذه الآية في اتخاذ الصنائع والأسباب، وهو قول أهل العقول والألباب، فالسبب سنة الله في خلقه، وقد أخبر الله تعالى عن نبيه داود ﵇ أنه كان يصنع الدروع، وكان أيضا يصنع الخوص، وكان يأكل من عمل يده، وكان آدم حراثا، ونوح نجارا، ولقمان خياطا، وطالوت دباغا، وقيل سقاء، فبالصنعة يكف الإنسان نفسه عن الناس، ويدفع بها الضرر، وفي الحديث: " إن الله يحب المؤمن الضعيف المتعفف، ويبغض السائل الملحف " (١).

стр. 7222

وقد ذكر سبحانه ما مكن الله لسليمان بعد داود فقال:

стр. 7223

(وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١) (الرِّيحَ) منصوبة بفعل العطف، أي: وسخرنا لسليمان الريح، كما سخرنا لداود الجبال وقلنا (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ)، وكذلك سخرنا لسليمان الريح أي جعلناها له ذلولا، فأبوه كانت رواسي الجبال مسخرة له، وهو كانت عواصف الرياح مسخرة له، ومذللة له، والريح العاصفة هي الريح الشديدة في هبوبها، بحيث تقوض القائم، وقد وصف الله الريح بهذا الوصف للإشارة إلى أنها في قسوة هبوبها وعصفها لَا تذر شيئا أتت عليه إلا أزالته، زللها الله تعالى لسليمان، فكانت تجري بأمره رخاء، وقال تعالى: (تَجْرِي بأَمْرِهِ) مع عنفها تهدأ له، وتسري بأمره (إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكنَا فيهَا)، وهي هنا مدينة " أورشليم " إذ استردها داود من أيدي التتر (١)، وكان الحاكمَ فيها وجاء من بعده سليمان ﵉، وإن ذلك كله بإرادة الله تعالى وعلمه؛ ولذا قال: (وَكنَّا بكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ) وقدم الجار والمجرور للاهتمام بعموم علمه سبحانه، والجملة السامية تدل على استمرار علمه سبحانه، وأنه لَا يغيب عنه شيء في السماء ولا في الأرض، ودل على الاستمرار الوصف (عَالِمِينَ) وتقديم الجار والمجرور، الجملة الاسمية المؤكدة، وكان الدالة على الاستمرار.

стр. 7224

(وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (٨٢) " الواو " عاطفة والمعنى وسخرنا له من الشياطين (مَن يَغُوصُونَ لَهُ)، أي أن الله تعالى كما سخر الرياح العاصفة فتجري بأمره رخاء حيث أصاب، كذلك سخر له من الشياطين من يغوصون له، أي يغوصون في أعماق البحر ليستخرجوا منها اللآلئ والأحجار الكريمة والعنبر وغيرها من منافع الماء، وقد أعطى الله سليمان ملك اليمن التي تمتلئ بحارها باللآلئ وثروات البحر، فكانت الشياطين تغوص فيها، وتخرجها له، وسيجيء ذلك في سورة النمل إن شاء الله تعالى. وقوله تعالى: (يَغُوصُونَ لَهُ) أي يغوصون لأجله وبأمره ومنافع غوصهم له، (وَيَعْمَلُونَ

стр. 7225

عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ)، أي غير ذلك، وليس المعنى أقل من ذلك بل كلا العملين فيه خير؛ ولذا قال تعالى: (وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨). وقال تعالى: (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ. . .) (وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ) أي كنا لهم حافظين مما في جوف البحر، ومؤيدين لأعمالهم ونحب أن نقول: إن الشياطين هنا لَا نعتقد أنهم إخوان إبليس أو من ذريته؛ لأن إبليس وذريته متمردون على ربهم فكيف لَا يتمردون على سليمان، إنما هم من خلق طائعين، وكانوا مؤيدين من الله، وهو حافظ لهم. ولو اعتقد بعض الناس أنهم من شياطين الإنس الذين كانوا من شطار الأرض سخرهم الله لسليمان وهو بعيد، والله أعلم. * * * أنبياء من أنبياء بني إسرائيل وغيرهم (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤) وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦) وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)

стр. 7226

وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠) * * * من أخبار النبيين السابقين في هذه السورة كانت أخبار أولي العزم من الرسل، وجهادهم الشرك، وبيان لمجاهدتهم الكفر، وتعرضهم لأذى الشرك وصبرهم، وكيف صبروا حتى أدوا رسالات ربهم، وذلك تسرية للنبي ﷺ ، وتحريض له على تبليغ الرسالة، وبيان أنه سبحانه ناصره كما نصرهم ولن يضيعه الله تعالى بخذلان أبدا. وقد كان النبي ﷺ يصاب بشدائد من شأنها أن تلقي بالرجل في غم وهم كالذي أصابه يوم ذهب إلى الطائف بثقيف، فأغروا به صبيانهم وشبابهم، ولذا ساق الله تعالى أخبار من أصيبوا بضر أو بغم، وكيف أنقذهم الله تعالى، ورفع عنهم. وقد ابتدأ سبحانه من أخبار هؤلاء يخبر أيوب ﵇، فقال تعالى:

стр. 7227

(وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) (أَيُّوبَ) نصوب على أنه مفعول لفعل محذوف تقديره " اذكر "، والمخاطب النبي محمد ﷺ ، وتقديره اذكر يا محمد وتذكَّر أيوب، و (الضُّرُّ) هو ما يصيب الإنسان في جسمه أو نفسه وأحبائه، وقد أصيب أيوب ﵇ في جسمه فأصيب بمرض عضال، قيل إنه الجذام، وقد ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره فقد جاء فيه: " ذكر تعالى عن أيوب ﵇ ما كان أصابه من البلاء في ماله وولده وجسده، وذلك أنه كان له من الدواب والأنعام والحرث شيء كثير وأولاد كثيرون ومنازل مرضية، فابتلي في ذلك كله وذهب عن آخره، ثم ابتلي في جسده، يقال

стр. 7228

بالجذام في كل بدنه، ولم يبق منه شيء سليم سوى قلبه ولسان يذكر بهما الله تعالى، حتى عافه الجليس، وانفرد في ناحية في البلد ولم يبق أحد من الناس يحنو عليه سوى زوجه كانت تقوم بأمره، ويقال إنها احتاجت فصارت تخدم الناس لأجله ". ومع هذا المرضِ الممض المنفر، ومع الانفراد كان صابرا، كما قال الله تعالى: (. . . إِنَّا وَجَدنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّه أَوَّابٌ)، ولم يشكُ لأحد غير الله، والشكوى لله لَا تنافي الصبر، وإنما الذي ينافيه الأنين والشكوى للناس، قال لربه: (مَسَّنِيَ الضُّرُّ)، هذه الجملة الهادية، أي أصاب نفسي وحسِّي، قال ذلك طالبا رفع الضرر، فقال: (وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) لم يطلب من الله بصريح اللفظ، ولكنه ذكر حاله وكفى، وهو بها عليم، وإن ذكر الرحمة ينبئ عن الطلب، وهو أن يرحمه سبحانه، ولكن لم تتعين الرحمة كاشفة عن الضر، فقد يكون الضر من الرحمة، ففي حديث النبي ﷺ : " يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابه زيد في بلائه " (١) وصف الله تعالى بأنه (أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)، وأفعل التفضيل ليس على بابه لأنه لَا رحم يقارب رحمته، وإنما يفسر على أنه بلغ في رحمته أعلى درجاتها.

стр. 7229

(فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤) " الفاء " للترتيب والتعقيب، أي كان الكشف فور الضراعة له ، وذكر رحمته، وكشف الضر: إزالته، وخصوصا إذا كان الكشف إزالة هذا المرض الذي شوه جسمه، ونفر الناس منه، ولم يكن كشف إلا بإرادة، ولا يتعذر شيء إزاء إرادة الله، ولو كان جذاما لَا يشفى في عادة الناس وطبهم، ولقد قال تعالى في بيان كيف كشفه: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً

стр. 7230

مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤). إن أخبار أيوب ﵇ تفيد أن كل الناس نفروا منه حتى أهله، وذلك أشد على النفس من وقع الحسام المهنَّد، فكان ألم مرضه مع ألم فراق الأحبة؛ ولذا قال سبحانه في منته على أيوب (وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ) أي أعطيناه أهله الذين نفروا وكان عودتهم عطاء من الله غير مجذوذ، وجاء معهم مثلهم من محبين وموادين، أي أقبل عليه الناس بعد طول نفور، وذلك (رَحْمَةَ مِّنَّا)، وأضافها سبحانه إلى ذاته العلية، فهي رحمة تليق بذاته الكريمة وهو الرحمن الرحيم (وَذِكْرَى لِلْعَابِدِين) أي تذكيرا دائما للعابدين، بأن الله معهم دائما وإنه معهم لَا يتركهم أبدا، يثيبهم في البلاء، ويرفع عنهم، " عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان ذلك خيرا، وإن أصابته ضراء صبر فكان ذلك خيرا " (١)، كما روى الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ ، فهذه تذكرة لَا يدركها إلا العابدون الذين ذاقوا حلاوة العبادة ولو في أشد الضرر.

стр. 7231

(وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) هؤلاء أنبياء ثلاثة، أو نبيان ورجل صالح وهو " ذو الكفل "، وكل هؤلاء امتازوا بالصبر، (وَإِسْمَاعِيلَ) مفعول لفعل محذوف، وهو " اذكر "، والخطاب للنبي محمد ﷺ ، فأخبار الصابرين تلهم بالصبر والاقتداء بهم، وأولهم إسماعيل كان عبدا صبورا عندما أراد أن يذبحه أبوه لرؤيا رآها، قال له أبوه: (يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)، فكان الصبر من الأب والابن عظيما، فالصبر من الأب بأن يرضى بذبح ولده البكر، وقد وهبه له ربه على الكبر هو وأخاه إسحاق. (وَإِدْرِيسَ)، ويقولون إنه أكبر من نوح ﵉، وقد ذكر الله تعالى أنه من الصابرين؛ ولم يذكر موضع أو دليل صبره.

стр. 7232

(وَذَا الْكِفْلِ)، فهم ابن كثير أنه نبي من وجوده في أخبار الأنبياء، وقال بعض المفسرين السلفيين إنه كان رجلا صالحا، ومهما يكن من أمره فهو من الصابرين الذين جاهدوا للحق، وجاهدوا أنفسهم وقمعوها عن شهواتها، فإن ذلك يقتضي أثر الصبر، ولذا قال تعالى: (كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِين) أي كل واحد من هؤلاء من الصابرين. وقد قال في جزاء صبرهم:

стр. 7233

(وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦) رحمة الله تعالى تتناول أولا: محبته ورضاه فهي رحمة لَا ينعم بها إلا الأبرار المصطفون الأخيار، وثانيا: اطمئنان نفوسهم ورضاهم عن أفعالهم وذكرهم لربهم، (. . . أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، وثالثا: جنات الخلد التي لهم فيها نعيم مقيم، وقد ذكر سبحانه السبب في ذلك فقال: (إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ) الذين استقامت قلوبهم وصلحت أعمالهم، وطابت أقوالهم، وكانوا نافعين قد استنارت قلوبهم، والله هو الهادي إلى الرشاد. (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)

стр. 7234

(وَذَا النُّونِ)، معطوف على ما قبلها، وهي مفعول لفعل محذوف خوطب به النبي ﷺ تقديره: " اذكر "، أي اذكر قصة ذي النون الذي غضب، وليس من شأن النبي الهادي أن يغضب، وقد عاقبه الله تعالى بضيق لتبرمه بقومه وغضبه عليهم لكفرهم، ولم يكن رفيقا بهم يأخذهم بالهوادة، وذو النون هو يونس صاحب الحوت، والحوت اسمه النون، (إِذ ذهَبَ مُغَاضِبًا) " إذ " متعلق بحال ذي النون، واذكر يونس في وقت ذهابه مغاضبا، أي متبادلا الغضب مع قومه لأجل الله تعالى، لأنه دعاهم إلى الله وإلى التوحيد فلم يستجيبوا له، فغاضبهم، وذهب عنهم معرضا، وذلك ليس شأن الداعي، إن المدعوين جهلاء، والداعي هو النبي فلا

стр. 7235

يجوز أن يخاصمهم ويغاضبهم وإلا زادهم نفورا، فالرفق يدني، والغضب يبعد، وهو بهذه المغاضبة خالف ربه (١)، وقد حسب أن النبوة أمر هين لين، بل أشق أعمال البشر. وقال تعالى: (فَظَنَّ أَن لَّن نَقْدِرَ عَلَيْهِ) هنا تأويلان لمعنى (أَن لَّن نَقْدِرَ عَلَيْهِ)، أولهما: أن نقدر في معنى فقدر عليه رزقه، أي نضيق عليه، فالمعنى: فظن أنه لن نضيق عليه، وحسب أن النبوة ليس فيها ضيق، وقد عاقبه الله تعالى بأن التقمه الحوت (٢) (فَنَادَى فِي الظُّلمَاتِ) أي ظلمات جوف الحوت (أَن لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ) أي تنزهت ذاتك، وفي هذا القول معنى الضراعة الكاملة والالتجاء إلى الله وطلب نصرته، وإنقاذه والاستغاثة به؛ ولذا قال بعد:

стр. 7236

(فَاسْتَجَبْنَا لَهُ ... (٨٨) التأويل الثاني: أن معنى قوله تعالى: (أَن لَن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ)، أي لَا نقدر اليسر والفرج، وأحسب أن التأويل الأول أكثر ملاءمة للآية الكريمة ولمقامه. (فَاسْتَجَبْنَا لَه)، أي أجبناه، والسين والتاء للطلب، وهما يدلان على شدة الإجابة وشدة الرفق، وكانت التعدية بـ " اللام "، مع أن " أجاب " تتعدى بنفسها؛ للدلالة على كمال العناية به وترادف النعم عليه، وقال تعالى: (وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ) الغم هو الألم الذي يصم النفس ويصيبها بغمة شديدة وهم واصب، وذلك من أثر المغاضبة التي غاضب بها قومه، وخرج ﵇ عن سُنة النبيين الهادين المرشدين، (وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ) أي كهذه النتيجة التي نجينا بها صاحب الحوت ننجي المؤمنين، فلا ندع مؤمنا في غم، بل نفرج عنه. وهنا أمران بيانيان نشير إليهما: أولهما - أنه حذف من القول ما أنبأ به سياق الكلام، فلم يذكر التقام الحوت له، ولكن أشير إلى ندائه في ظلمات جوف الحوت ودل على التقامه والشدة الشديدة التي كان فيها يونس، وأنه كان في ظلمات لَا يعرف لها نهاية ولا غاية، وذلك من الإيجاز بالحذف الحكيم.

стр. 7237

الأمر الثاني - في العطف بالفاء الدالة على الترتيب والتعقيب، وإضافة النجاة والاستجابة إليه سبحانه للدلالة على أنهما مؤكدان برحمته سبحانه وفضله. (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠) (زَكَرِيَّا) معطوف على ما سبق من أخبار النبيين، وسبقت قصة زكريا ﵇ للدلالة على أن الله تعالى لَا يتقيد في خلقه وإرادته بالأسباب العادية ومسبباتها، ففي الأسباب العادية لَا يأتي الولد من امرأة عاقر، وفي الخبر تسرية عن النبي ﷺ بقصص النبي وتوقع نصره، وإعلاء كلمته على المشركين، وإن كانت ظواهر الأمور لَا تنبئ عن ذلك، فالأمر كله لله،

стр. 7238

(وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ) قال (رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ) فردا أي منفردا عن قريب أدنى يرثني، ولقد كان في ندائه بالغا أقصى درجات الأدب في جنب الله، فهو لَا يجعل وراثة ذي القرابة القريبة أولى من وراثة الله فقال: (وَأَنتَ خَيْر الْوَارِثِينَ) وأفعل التفضيل ليس على بابه، بل المعنى ووراثتك أعلى درجات الوراثة وأبقاها. وهذا التعبير الموجز في معناه قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦). وقد أجابه تعالى بقوله هنا:

стр. 7239

(فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ... (٩٠) " الفاء " عاطفة تدل على الترتيب والتعقيب، أي أجبناه عقب سؤاله، والتعدية باللام تدل على كمال الاختصاص بالداعي والعناية به، وإصلاح زوجه هو جعلهما صالحة للولادة، بعد أن جف جهازها التناسلي، وقد كانت في ذاتها عاقرا لَا تلد، وسبحان الفعال المختار الذي لَا تحكمه الأسباب بل يحكمها وهو الفعال المختار.

стр. 7240

وقوله (لَهُ) " اللام " معناها لأجله وتكريما له، وعناية به واستجابة لدعائه، وكان زكريا ويحيى خيرا خالصا، وكذلك الأنبياء السابقون جميعا، ولذا قال تعالى في أوصافهم: (إِنَّهُم كانُوا يُسَارِعُونُ فِي الْخَيْرَاتِ) أن يتسارعون إلى الخيرات، كأنهم يتسابقون، وكانت التعدية بـ (فِي) للإشارة إلى أنهم يسارعون يسابق بعضهم بعضا في دائرة الخيرات لَا يخرجون عنها، فالخيرات أحاطت بهم إحاطة الدائرة، و (الْخَيْرَاتِ) الأعمال النافعة التي قصد بها وجه الله والعبادة الخالصة له سبحانه، (وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا)، الرغب معناه السعة، والمعنى يدعون ربهم في حال السعة والرخاء، والرهب الخوف مع الاضطراب والانزعاج، والمعنى يدعونه في حال رخائهم، وحال شدتهم وانزعاجهم، فهم يدعونه في كل الأحوال، لا كأولئك المشركين الذين يدعون الله في الشدة، فإذا ذهبت إذا هم يشركون، (وَكانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) أي خاضعين خائفين راجين الرحمة. * * * أفرد سبحانه قصص مريم وابنها فقال:

стр. 7241

(وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١) عطف على ما سبق من النبيين، وهي مريم البتول التي اصطفاها ربها على نساء العالمين حتى قيل إنها نبي أُوحي إليها، وذكر الله تعالى أجل وصف للمرأة وأكمله، فقال: (أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا)، أي صانته وحفظته، وكانت هذه الصيانة ليكون فيه الوديعة التي أودعها الله تعالى فقال: (فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا) أي بسبب إحصانها لفرجها، وأنها طاهرة مطهرة اختارها الله تعالى ليودعها عيسى عبده ورسوله، و (رُوحِنَا) هو جبريل ﵇، فهو الذي نفخ فيها ولم ينفخ بظاهر الآية في فرجها، بل نفخ كما قال المفسرون: " فى بعض ثيابها "، وقد قال تعالى في

стр. 7242

تصوير النفخ فقد قال الله تعالى: (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١). هذا هو نفخ الله تعالى من روحه جبريل الروح القدس الأمين، وقال تعالى: (وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ) أي آية دالة على كمال قدرته، وأنه الفاعل المختار لا تقيده الأسباب والمسببات، بل هو فاعل مختار، فكانت أمه آية في خرق الأسباب، إذ حملت من غير بَعْلٍ، وكان ابنها آية إذ خلقه الله تعالى من غير أب كما خلق آدم من غير أب ولا أم. * * * تفرق الناس حول الرسالة الإلهية وهي واحدة (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (٩٤) وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥) * * * ذكر الله طائفة من الرسل الذين دعوا إلى الوحدانية، وإن إجابة الناس كانت واحد -، منهم مؤمنون وهم قليل، ومنهم كفروا وعاندوا وهم

стр. 7243

كثير، وإن الذين أشركوا وعاندوا كانوا يستهزئون بالذين آمنوا، وكانوا يقولون هم أراذلنا بادي الرأي، وكانوا ينكرون البعث، ويقولون إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين، وكانت المادة تأسرهم، ولا يؤمنون بالغيب، والنبيون يجاهدون في الدعوة إلى الله والحق ويصابرونهم، ويبالغون في الدعوة ليعذروا لأنفسهم عند ربهم، ومن العصاة من يرتكبون أفحش الفواحش سائرين وراء شهواتهم المنحرفة، بعد ذلك بيَّن الله وحدة البشرية، ووحدة الرسالة؛ ولذا قال عز من قائل:

стр. 7244

(إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) الإشارة بـ (هَذِهِ) إلى الجماعات الماضية رسلا مبشرين ومنذرين وأقوام بعثوا إليهم وعاندوهم أو وافقوهم، والخطاب للذين بعث فيهم النبي محمد ﷺ ، و (أُمَّةً) حال باعتبار الوصف بالوحدة، والمعنى إن هذه الجماعات التي مضت برسلها المصطفين الأخيار حالة كونها أمة واحدة هي أمتكم معشر المخاطبين، والمعنى أن الناس جميعا أمة واحدة في كونهم مؤمنين، وكافرين، ومستقيمين ومنحرفين، وأمة واحدة فيما طبعه الله تعالى عليها، وجبلها على الصفات الإنسانية الواحدة، ما بين ملهمين التقوى وملهمين الفجور، والرسل المختارون يدعون الأبرار والفجار، فيستقيم على الطريقة المثلى الأبرار، وينحرف عن الجادة الأشرار، وهذه الآية كقوله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً. . .). وبعد أن بيَّن سبحانه وحدة البشرية في الطبائع والجبِلَّات بين وحدة الرسالة، ووحدة الألوهية والربوبية، فقال عز من قائل: (وَأَنَا رَبُّكُم فَاعْبُدُونِ) أي أنا خالقكم والقائم عليكم والكالئ لكم (فَاعْبُدُونِ) الفاء فاء السببية أي بسبب هذه الربوبية الخالصة المبدعة - اعبدون، هنا ياء المتكلم محذوفة مع تقديرها في الكلام. وإنه نتج عن هذه الوحدة في الجِبِلَّة، وتنوع الغرائز وتضاربها وتغالبها، وتنازع الأهواء والشهوات أن تنازع الناس، وإن اختلفت منازعهم ما بين مهتد رشيد، ومنحرف عنيد؛ ولذا قال تعالى:

стр. 7245

(وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣) (وَتَقَطَّعُوا) أي تفرقوا مزائق، وفرقا متباينة: هذا مهتد، وهذا ضال، وقد نتج هذا من الوحدة في الطبائع والغرائز، ففي الغرائز حب الغَلَب، وفي الغرائز حب السيطرة، وفي الغرائز الشهوات، وإنها إن اختلفت في أصلها ومنبعها تفترق فى نزوعها واتجاهاتها، فمن وحدتها يكون اختلافها وهذا كقوله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)، فقد قدر في القول كما أَسَلفنا بعد قوله تعالى: (كَانَ الناسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) فكان الاختلاف المقدر الذي تقرر بقوله: (لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا) فِيهِ مترتبا على الوحدة في أصل الغرائز التي تتضارب، والجبلات التي تتناحر. كذلك هنا كانت وحدة الأمة الإنسانية في أصول الغرائز وينابيع النفس سببا في الاختلاف وتقطع الأمر وتفرقه، وعبر سبحانه عن تفرق الإنسانية بـ " تقطع " للإشارة إلى أن الجسم الإنساني واحد وقد تقطع أجزاء، فهو تأكيد لأصل الوحدة، وقوله تعالى: (أَمْرَهُم) أي الأمر الجامع بينهم، وهو أصل الوحدة ووحدة الغرائز وجماعتهم الجامعة، قطعوها بين غالب ومغلوب ومسيطر ومسيطر عليه، ومهتد وضال. ثم بين أنه كما ابتدأوا وحدة يعودون إلى الله تعالى مجتمعين في المحشر؛ ولذا قال تعالى: (كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ) فتقديم الجار والمجرور للدلالة على الاختصاص، أي راجعون إلينا وحدنا لَا إلى غيرنا. ثم ذكر سبحانه جزاء الأبرار، ثم جزاء الفجار، فقال عز من قائل:

стр. 7246

(فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (٩٤) " الفاء " فاء الإفصاح؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، أي إذا كانوا جميعا إلينا راجعون، فإنا نجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وقوله تعالى: (مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ) " من " هنا إما للتبعيض، أو للاستغراق، ويكون المعنى من يعمل بعض

стр. 7247

الصالحات وهو مؤمن بالله حق إيمانه متقربا بها إلى الله تعالى، فإن الله يقبل عمله ويثيبه عليه؛ لأنه لَا سلامة للأعمال إلا بأن تكون لله وحده، ولا تكون لله وحده إلا إذا كان مؤمنا به وبرسله والكتاب والملائكة والغيب الذي أخبر الله تعالى. وإنما ذكر بعض الصالحات؛ لأنه ليس في الطاقة الإنسانية القيام بكل الصالحات، وكل ميسر لما يستطيعه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. ويصح أن تكون (مِنَ) بيانية، أي ومن يعمل الصالحات بما في طاقته (فَلا كفْرَانَ لِسَعْيِهِ) " الفاء " واقعة في جواب الشرط، والكفران الستر، وكفران النعمة سترها، وكفران السعي عدم الجزاء عليه، والسعي هو العمل النافع الذي يكون فيه القرب إلى الله تعالى. وعبر سبحانه عن عدم الجزاء بالكفران، إكراما للساعي وتأكيدا بأنه لن يهمل جزاءه، ومعاذ الله تعالى أن يفعل، كما قال تعالى (. . . أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنكُم. . .)، وقوله تعالى: (. . . إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا). وبين سبحانه، أن هذا السعي مكتوب قد أحصاه الله تعالى فقال: (وَإنَّا لَهُ كاتِبونَ) أي قد أحصيناه إحصاء، وذكر الكتابة للدلالة على أنه غير ضائع أبدا، والله بكل شيء عليم، وقدم الجار والمجرور لكمال العناية بمن يعمل عملا صالحا، أي كل عامل يقيَّد له عمله بخاصة، ويحصى لكل ما يخصه. هذا جزاء الأبرار، أما غيرهم فقد قال سبحانه في جزائهم:

стр. 7248

(وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥) الحرام: الممنوع من الله تعالى، أو من الطبع، أو نحو ذلك، والحرام هنا ما حرمه الله تعالى على نفسه، وهو تأكيد لرجوع الناس جميعا إليه ، أي حرَّم الله تعالى على نفسه ألا يرجع الذين هلكوا، والمعنى: أوجب اللَّه تعالى على نفسه أنهم إليه راجعون، لأنه إذا كان عدم الرجوع فيكون الواجب الرجوع؛ ولذا فسر الكثيرون، حرام بمعنى وجب أن يرجعوا.

стр. 7249

والقرية الجماعة المجتمعة في مدائن عظيمة أو مدائن متقاربة، وقوله تعالى: (أَهْلَكْنَاهَا) إشارة إلى عقاب الدنيا الذي ينال الضالين، وهو الهلاك والدمار، كما أغرق قوم نوح، وأهلك قوم عاد، وكالريح الصرصر العاتية التي أهلكت ثمود. وقد ذكر هلاك الآثمين في الدنيا، وقال تعالى: (كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ) أي أوجب الله على نفسه أن يرجعوا، كما أوجب الرحمة على نفسه للمتقين الأبرار. قوله: (أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) تقديم الجار والمجرور في معنى الاختصاص، أي أنهم لَا يرجعون إلا إليه وحده ليتولاهم بعذابه في الآخرة كما تولاهم بالهلاك في الدنيا جزاء ما قدمت أيديهم، فرجوعهم إليه وحده إنذار بعذابهم على ما اجترموا في جنب الله العزيز الحكيم. * * * القيامة ومقدماتها (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧) إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠) * * *

стр. 7250

هذا بيان مما أعد للكافرين يوم القيامة، وقد ذكر أنهم إلى الله وحده راجعون وسيحاسبهم على ما أجرموا في حق الله سبحانه، وظلمهم لعباده، وفي هذه الآية يذكر الكافرين بيوم القيامة، وما يختبر به عباده من قوم أشرار يعيثون في الأرض فسادا، وربما يهديهم الله ، ويخف بالهداية شرهم، وهم يأجوج ومأجوج، وقد استغاث الناس بالإسكندر ذي القرنين، فقالوا له: (إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤). وقد هيأ الله تعالى أن أتم ما وعد، وقد تكلمنا في تفسير هذه في سورة الكهف، ويظهر أنه فتح لهم جانب من السد (١)، وقال تعالى:
следующие страницы →