← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 7246–7285 · переход к 7251.

стр. 7246

(فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (٩٤) " الفاء " فاء الإفصاح؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، أي إذا كانوا جميعا إلينا راجعون، فإنا نجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وقوله تعالى: (مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ) " من " هنا إما للتبعيض، أو للاستغراق، ويكون المعنى من يعمل بعض

стр. 7247

الصالحات وهو مؤمن بالله حق إيمانه متقربا بها إلى الله تعالى، فإن الله يقبل عمله ويثيبه عليه؛ لأنه لَا سلامة للأعمال إلا بأن تكون لله وحده، ولا تكون لله وحده إلا إذا كان مؤمنا به وبرسله والكتاب والملائكة والغيب الذي أخبر الله تعالى. وإنما ذكر بعض الصالحات؛ لأنه ليس في الطاقة الإنسانية القيام بكل الصالحات، وكل ميسر لما يستطيعه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. ويصح أن تكون (مِنَ) بيانية، أي ومن يعمل الصالحات بما في طاقته (فَلا كفْرَانَ لِسَعْيِهِ) " الفاء " واقعة في جواب الشرط، والكفران الستر، وكفران النعمة سترها، وكفران السعي عدم الجزاء عليه، والسعي هو العمل النافع الذي يكون فيه القرب إلى الله تعالى. وعبر سبحانه عن عدم الجزاء بالكفران، إكراما للساعي وتأكيدا بأنه لن يهمل جزاءه، ومعاذ الله تعالى أن يفعل، كما قال تعالى (. . . أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنكُم. . .)، وقوله تعالى: (. . . إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا). وبين سبحانه، أن هذا السعي مكتوب قد أحصاه الله تعالى فقال: (وَإنَّا لَهُ كاتِبونَ) أي قد أحصيناه إحصاء، وذكر الكتابة للدلالة على أنه غير ضائع أبدا، والله بكل شيء عليم، وقدم الجار والمجرور لكمال العناية بمن يعمل عملا صالحا، أي كل عامل يقيَّد له عمله بخاصة، ويحصى لكل ما يخصه. هذا جزاء الأبرار، أما غيرهم فقد قال سبحانه في جزائهم:

стр. 7248

(وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥) الحرام: الممنوع من الله تعالى، أو من الطبع، أو نحو ذلك، والحرام هنا ما حرمه الله تعالى على نفسه، وهو تأكيد لرجوع الناس جميعا إليه ، أي حرَّم الله تعالى على نفسه ألا يرجع الذين هلكوا، والمعنى: أوجب اللَّه تعالى على نفسه أنهم إليه راجعون، لأنه إذا كان عدم الرجوع فيكون الواجب الرجوع؛ ولذا فسر الكثيرون، حرام بمعنى وجب أن يرجعوا.

стр. 7249

والقرية الجماعة المجتمعة في مدائن عظيمة أو مدائن متقاربة، وقوله تعالى: (أَهْلَكْنَاهَا) إشارة إلى عقاب الدنيا الذي ينال الضالين، وهو الهلاك والدمار، كما أغرق قوم نوح، وأهلك قوم عاد، وكالريح الصرصر العاتية التي أهلكت ثمود. وقد ذكر هلاك الآثمين في الدنيا، وقال تعالى: (كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ) أي أوجب الله على نفسه أن يرجعوا، كما أوجب الرحمة على نفسه للمتقين الأبرار. قوله: (أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) تقديم الجار والمجرور في معنى الاختصاص، أي أنهم لَا يرجعون إلا إليه وحده ليتولاهم بعذابه في الآخرة كما تولاهم بالهلاك في الدنيا جزاء ما قدمت أيديهم، فرجوعهم إليه وحده إنذار بعذابهم على ما اجترموا في جنب الله العزيز الحكيم. * * * القيامة ومقدماتها (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧) إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠) * * *

стр. 7250

هذا بيان مما أعد للكافرين يوم القيامة، وقد ذكر أنهم إلى الله وحده راجعون وسيحاسبهم على ما أجرموا في حق الله سبحانه، وظلمهم لعباده، وفي هذه الآية يذكر الكافرين بيوم القيامة، وما يختبر به عباده من قوم أشرار يعيثون في الأرض فسادا، وربما يهديهم الله ، ويخف بالهداية شرهم، وهم يأجوج ومأجوج، وقد استغاث الناس بالإسكندر ذي القرنين، فقالوا له: (إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤). وقد هيأ الله تعالى أن أتم ما وعد، وقد تكلمنا في تفسير هذه في سورة الكهف، ويظهر أنه فتح لهم جانب من السد (١)، وقال تعالى:

стр. 7251

(حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ). (حَتَّى) للتفريع من قوله تعالى: (أَنَّهمْ لَا يَرْجِعُونَ) وفي ذلك إشارة إلى أن يأجوج ومأجوج الذين عرفوا في التاريخ بالمغول، أو التتار، وهما في أصلهما واحد، ثم انشعبا من بعد ذلك وكانوا عنصرا واحدا. وقد ظهر هؤلاء في القرن السادس، وانسابوا في الشرق، حتى وصلوا إلى وسط أوربا، وتلقت البلاد الإسلامية صدمتهم، وقد كانوا يسيرون فاتحين مسرعين في فتحهم حتى إنهم ليقطعون في حروبهم أبعد المسافات فتحا بمقدار سيرهم لا يقف أمامهم شيء، حتى إذا كان القرن السابع تولتهم الجيوش المصرية، فهزمتهم في عين جالوت، ولأول مرة عرفت السيوف مواضعها من أقفيتهم، وقد انحدروا كالصخرة من أعلى الصين، وما زالت تسير لَا تلوي على شيء إلا جعلته كالرميم، حتى وصلت إلى فيينا، وكانت الحبالى تجهض من سماع أخبارهم.

стр. 7252

وقد ذكر القرآن الكريم ذلك من أخبارهم فقال تعالى: (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأجُوجُ وَمَأجُوجُ) أي فتح سدهم ولم يعد مانعهم، وعبر عن فتحته بـ (فُتحَتْ) بالبناء للمجهول، أي فتح لهم لأمر يعلمه الله تعالى، وعبر بالبناء للمجهول، وأضيف (الفتح) إليهم للدلالة على هولهم، وكأنَّهم نيران أو حجارة فتحت على الناس، وكأنهم جهنم الدنيا (مِّن كُلِّ حَدَبٍ) أي نشز (١) من الأرض (يَنسِلُونَ) يسرعون، مشتق من نسلان الذئب أي سرعته. هذا أمر وقع، ورآه التاريخ، واستمر يشغل الأرض الإسلامية القرن الثامن الهجري، وإن الإخبار به قبل يوم القيامة يدل على أمرين: أولهما أنه يكون على مقربة من القيامة، وأنهم هلاك للناس في الدنيا، وثانيهما أنه معجزة من إعجاز القرآن؛ لأنه سبحانه أخبر عن أمر يقع في المستقبل، فوقع كما أخبر سبحانه، فكان ذلك دليلا على أنه من علم الله تعالى علام الغيوب، وأنه من قوله الحكيم. وذكر بعد ذلك سبحانه قرب يوم القيامة فقال عز من قائل:

стр. 7253

(وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧) (الْوَعْدُ الْحَقُّ)، هو الوعد بالبعث، وما وراءه من قيامة وحساب، وهو حق لأنه صادق وثابت لَا يرتاب فيه إلا المبطلون، و " الواو " عاطفة على (فُتِحَتْ يَأجُوجُ وَمَأجُوجُ)، وهذا دليل على اقتران فتح ما سُدَّ على يأجوج ومأجوج بالوعد الحق،

стр. 7254

وذلك لأن الدنيا تكون قد فسدت واضطربت فيها موازين، واستحكم الشر، فمنذ الغزوات المغولية، والعالم يموج بالشر، ويمرج بالفساد، فجاءت بعده الغزوات الصليبية الشرسة، ومن بعدها تكون شذاب العالم (١) في القارتين الأمريكيتين، وأعطيت الشمالية علم إبليس وعقله، وخلقه الشرير، واتخذت الذرائع التي يمكن بها إبادة العالم، ولا ضمير يمنع، ولا زاجر يردع، وهي من وقت لآخر تهدد بالفناء، حتى صار العالم قاب قوسين من أن ينزل به أشد الخراب بفعل الإنسان، ولعل قيام القيامة يكون بإرادة من الله، ويسخر لها عملا من أعمال الإنسان، وقد ابتدأ الخراب بفتح السدود أمام يأجوج ومأجوج، وختم بإخوانهم الأمريكان الذين لم يدعوا قائما من الأخلاق والفضيلة حتى قوضوه. وقد صور حال الناس عند البعث وقيام القيامة، وقد اضطرب الوجود، (فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَار الَّذِينَ كفَرُوا) " الفاء " واقعة في جواب شرط مقدر، أي إذا جاء الوعد الحق فإذا. . .، فـ " الفاء " و " إذا " الفجائية جواب هذا الشرط المقدر وهي للحال، أي فإذا الحال شاخصة أبصار الذين كفروا، أي واقفة أعينهم لَا تتحرك، فمعنى شخوص العين أنها تفتح فلا تطرف، وذلك يكون في حال الفزع والهلع، وهذا تصوير لحالهم من الفزع فقد شبهت حالهم بحال من تكون أبصارهم شاخصة هلعا وفزعا، والجامع بينهم الفزع. وذكر الموصول (الَّذِينَ كَفَرُوا) للإشارة إلى أن سبب فزعهم كفرهم، فهو فزع لا يعرف له نهاية لسوء ما قدموا، ولسان حالهم يقول: (يَا ويْلَنَا) فهذا مقول لقول محذوف مفهوم من حالهم، فهم قائلون بلسان الحال: يا ويلنا، ينادون ويلهم، كأنهم ينادون الهلاك؛ لأن هذا وقته، فهم بهذا يتوقعون الهلاك وينادونه كأنهم يستعجلونه، إذ إن من يكون في حال فزع وهلع يرون أن تزول هذه الحال، ولو بنزول الهلاك العاجل؛ لأن حال الانتظار أشد على النفس وقعا وبقاءها مرير مع الهم الشديد.

стр. 7255

(قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ منْ هَذَا) أي ربنا كنا غافلين عن هذا البعث، وما كنا نحسب أنه سيكون، وإذا كان لَا يكون بهذا الهول العظيم والكرب الشديد، ثم أقروا بظلمهم (بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ) لأنفسنا ولاعتدائنا على المؤمنين، وبكفرنا بالرسل، ومعاندتنا لهم، وقد أكدوا ظلمهم بالجملة الاسمية، وبوصفهم بالظلم وبالإضراب بقولهم: (بَلْ) أي أنهم يُضربون عن قول ويصفون أنفسهم بالظلم المؤكد المستمر، لأن (كُنَّا) للاستمرار في ظلمهم في الدنيا. ثم يقول سبحانه في عذاب جهنم:

стр. 7256

(إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) الضمير للمشركين ومن تبعهم وخدع بأقوالهم وصار مثلهم، (وَمَا تَعْبُدُونَ) من أوثان وأحجار، وعقلاء رضوا أن يكونوا معبودين كالفراعنة وأشباههم ممن عدوا أنفسهم آلهة في الأرض (مِن دُونِ اللَّهِ) أي غير الله (حَصَبُ جَهَنَّمَ) أي أنهم يلقون في النار كما يلقى الحصب فيها ليزيد اشتعالها، فشبههم في إلقائهم في النار بالحصب إذ يرمى فيها ليزيدها اشتعالا ويهيجها. وهنا يرد سؤال: إن النصارى عبدوا المسيح، ومن المشركين من عبدوا الملائكة، فهل يعاقب المسيح وعزير والملائكة بسبب عبادة المشركين لهم، ولا ذنب لهم وقد نهوهم؟ والجواب عن ذلك: إنه لَا يدخل في هؤلاء العقلاء من عباد الله الأبرار، إنما يدخل فقط الأوثان، وهنا يرد سؤال آخر: هذه الأوثان لَا تعقل فكيف تعذب، وهي لَا تحس عذابا ولا نعيما؟ والجواب عن ذلك أنهم كانوا يعتقدون أن آلهتهم من هذه الحجارة تنفعهم وتشفع لهم، فالله تعالى يبين أنها لَا قوة لها، وأنها تلقى في النار مثلهم، وإن كانت لَا تحس، وإذا كانت لَا تنقذ نفسها من النار فأولى ألا تنقذهم. ثم أكد سبحانه دخولهم في النار فختم الآية الكريمة بقوله: (أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ) الضمير في (لَهَا) يعود لآلهتهم، أي أنتم لأجلها واردون النار أي

стр. 7257

داخلون فيها، أي أنتم لأجل الأوثان واردون النار وهي بئس الورد المورود، والورود: الدخول. وبين سبحانه أنهم مضللون في عبادة هذه الأوثان، فقال:

стр. 7258

(لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) هذا دليل شرطي مشتق من الوقائع يوم القيامة، أي لو كانت هذه الأحجار مستحقة للعبادة ما وردت النار وما دخلتها؛ لأنها تكون مسيطرة قوية لَا سلطان لأحد عليها حتى يُدخلها النار، ولكنها دخلتها مع من عبدوها فلم تكن آلهة، (وَكلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ) التنوين قائم مقام المضاف إليه، أي كل من العابد بالباطل والمعبود خالدين فيها، أي الأحجار التي عبدت والمشركون، كلهم خالدون في النار، الأحجار إذ تحمى عليها النار فتكون حجارة ملتهبة، والمشركون إذ تزداد التهابا يصلون بنارها، والنار خالدة، وهم فيها خالدون، فهو عذاب مقيم دائم. ثم وصف الله تعالى حالهم فيها فقال:

стр. 7259

(لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠) الضمير يعود إلى المشركين، والزفير كما جاء في مفردات الأصفهاني: تردد النفس حتى تنتفخ الضلوع منه، وهو يكون في حال الضيق وحال السقام، أي أنهم في حال ضيق وسقام كحال الذي يزفر حتى تنتفخ أضلاعه، وهذا كناية عن شدة الضيق والضجر، وهي حال دائمة، يتألمون، ولا يسرى عنهم شيء يسمعونه، ولا خبر يطمئنون به، بل هم في ألم مستمر لَا تسرية فيه ولا منجاة، ولقد قال تعالى: (. . . وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا. . .)، أي أنهم يحسون ولكن ليس لهم من حواسهم منافذ تسري عنهم من مناظر تسري عنهم أو أحاديث يسمعونها تروّح لنفوسهم، أو يتكلمون بكلمات يشكون بها حالهم وألمهم، لَا يرجعون قولا ولا يرددون فكرا. * * *

стр. 7260

حال المتقين يوم القيامة (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣) يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤) * * * بعد أن بين الله جزاء الأشرار وأنهم يجزون سيئات ما فعلوا، ذكر سبحانه جزاء الأبرار، فقال عز من قائل:

стр. 7261

(إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ). (الْحُسْنَى) مؤنث أحسن، أي سبقت لهم في علم وحكمة الخصلة التي هي في أعلى درجات الحسن، وهي تقوى الله تعالى ومخافة عقابه ورجاء ثوابه، و (سَبَقَتْ) أي سبقت في علم الله تعالى وقدرها لهم، وسلكوا سبيلها، واهتدوا إلى طريقها، فأخذ الله تعالى بأيديهم، فهداهم إلى الطريق الأمثل؛ لأن من سلك طريق الخير وطلبه وفقه الله وهداه، ومن تنكَّب طريق الخير أضله الله وأرداه، والله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب.

стр. 7262

(أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ) الإشارة إلى أهل التقوى موصوفين بهذه الصفة، وهي سبب نجاتهم من النار وبعدهم عنها، أي إن تقواهم أبعدتهم عن النار وجحيمها وشقائها والتهاب حصبها، حتى يكون جمرات موقدة، وقدم الجار والمجرور لمزيد تأكيد البعد عنها، وإن الله لَا يضيع أجر من أحسن عملا.

стр. 7263

(لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢) الحسيس حركة النار وحسها، أي أنهم يبعدهم الله تعالى عن النار بحيث لا يسمعون صوت اندلاعها واصطلاء أهلها بها، ولكنهم يعلمون أين هم، وهذا تأكيد لما جاء في آخر الآية السابقة (أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ) فهم مبعدون عنها بحيث لا يسمعونها، وإذا كانوا مبعدين عن النار، فهم (فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ) والذي تشتهيه نفوسهم نعيم مقيم، وجنات تجري من تحتها الأنهار وغير ذلك مما ذكره الله تعالى فيما اشتملت عليه الجنة، وما تشتهيه أنفسهم اطمئنان وقرار، وبُعد عن اللغو، وحور عين، وأعظم ما تشتهيه أنفسهم رضوان الله تعالى، فهو أكبر من اللذائذ، بل هو لذة أهل الإيمان الأولى. وفى التعبير بقوله: (فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ) إشارة إلى أنهم حرموا من شهوات الدنيا الآثمة فنالوها في الآخرة حلالا طيبا. وهنا ملاحظتان بيانيتان: أولاهما - أنه عبر عن نيلهم ما يشتهون بجعل ما يشبتهون ظرفا لوجودهم، فما يشتهون أحاط بهم إحاطة الظرف بمظروفه فهم يعيشون في دائرة ما يشتهون، لا يخرجون عن دائرة إجابة رغائبهم، فلا يحرمون من شيء يرغبونه. ثانيتهما - أن الله أكد تمكنهم من رغائبهم فيها، أكده بـ (هُمْ)، وبتقديم (فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ) للاهتمام والعناية، والله سبحانه يجزي كل نفس ما كسبت وهو العليم الحكيم. (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)

стр. 7264

الفزع الأكبر هو يوم ينفخ في الصور فتكون أنظار الذين كفروا شاخصة من شدة الهول، إذ يصيبها الفزع، ويقولون: (إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)، ولذلك يصابون بالحزن الشديد لأنهم لم يتوقعوه ولم يؤمنوا به، بل أنكروه وكانوا عنه غافلين. أما أهل الإيمان الذين سبقت لهم الحسنى من الله تعالى، فإنه لَا يحزنهم هذا الفزع، بل هو فزع بالنسبة لغيرهم؛ لأنهم توقعوه قبل أن يقع، بل آمنوا بأنه سيقع لا محالة. وقد يقول قائل: كيف يسمى الفزع الأكبر بالنسبة لهم وهم لم يفزعوا منه؟ والجواب عن ذلك، ذلك إنه في ذاته أمر مفزع؛ إذ إن الوجود كله يضطرب، فالشمس تتكور، والسماء تنفطر، والجبال تصير هباء منبثا، وكل الدنيا تضطرب بما فيها، فهو في ذاته فزع، فهو يروعهم بأحداثه ولكن لَا يلقي في قلوبهم حزنا لأنه يوم جزائهم. وإنه من بعد هذا اليوم المروع في ذاته، (وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ) أي أنهم مع اطمئنانهم، وبعدهم عن الحزن والغم تتلقاهم الملائكة تلقى الكرماء لضيفانهم وكأنَّهم ينزلون في مضيف لَا في دار حساب وجزاء، وذلك يؤكد أمنهم وسلامهم، والتلقي بالتحية المباركة يزيل كل ما من شأنه حزنهم أو جزعهم، أو غرابة حياتهم الجديدة التي كانوا يتوقعونها ويؤمنون بها (هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كنتمْ تُوعَدُونَ) قدر المفسرون القول، أي قول الملائكة، والمعنى تتلقاهم الملائكة قائلين لهم هذا يومكم. . ونحن نرى أن قوله تعالى: (هَذَا يَوْمُكمُ) هذا بيان للتلقي، لأنه تحية لهم، وتصديق لما اعتقدوا من قبل. وقوله تعالى: (الَّذِي كُنتُمْ توعَدُونَ) بيان لوعد الله تعالى بالبعث والجزاء والجنة والنعيم والرضوان، وقد ذكر سبحانه ذلك بعبارة تفيد التكرار، واستمرار التذكير، فالتعبير بالمضارع (توعَدُونَ) فيه إشارة إلى الوعد المتكرر على ألسنة الرسل رسولا رسولا، وقوله تعالى: (كُنتمْ) تفيد استمرار هذا التذكير لمن كان يتذكر، وهم المؤمنون الأبرار.

стр. 7265

(يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤) (يَوْمَ) هذه متعلقة بـ (الْفَزَعُ الأَكبَرُ)، فهو ظرف مبين لنوع الفزع الأكبر، وما يكون فيه من أهوال هائلة إذ تطوى السماء كطي السجل للكتب، ويصح أن تنول إن (يَوْمَ) متعلق بقوله تعالى: (توعَدُونَ) وأميل إلى الأول؛ لأنه مناسب للفزع الأكبر، والطي معناه درج المكتوب، ويتضمن إخفاءه وطمسه أو التعمية أو محوه، والمعنى أن السماء بكواكبها ونجومها تطوى فتنكدر كواكبها وشموسها ونجومها، كما قال تعالى: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)، وكما قال تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣)، وكما قال تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ. . .)، و (السِّجِلِّ) هو الصكّ، وأصلها من السَّجْل، وهو الدلو ويقال: ساجل الرجلُ الرجلَ إذا نزع كل واحد دلوا في نظير دلو الآخر، ثم استعير للمكاتبات، وقال تعالى بعد بيان زوال الأرض والسماء في يوم الفزع الأكبر (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نعِيدهُ) أي أننا نطوي السماء ونزلزل الأرض لتغيير الكون، وذلك بالإنشاء أولا، ثم الإزالة، ثم الإعادة كشأننا في بدئنا الخلق ثم إعادته، وهذه العبارة تحمل في نفسها دليل صدقها، وذلك أن من كان قادرا على الابتداء للخلق قادر على إعادته، كما قال: (. . . كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ. . .). (وَعْدَا عَلَيْنَا) منصوب (وَعْدًا) على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف، والمعنى وعدناه وعدا علينا، وأكده سبحانه بهذا المصدر، وبأنه ألزم به نفسه وأنه صار حقا عليه، والله لَا يخلف الميعاد، فلا يمكن أن يخلف وعده، وأكد الوعد مرة أخرى بأنه ينقله من الوعد إلى الفعل، فقال: (إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) أي فاعلون الإعادة حتما، لأنه سبحانه لم يخلق الإنسان عبثا، كما قال سبحانه: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا

стр. 7266

خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)، وقد أكد سبحانه الإعادة بـ (إن) ونسبة الفعل إليه، وهو العزيز الحكيم، وأكده بالجملة الاسمية، وبالتعبير باسم الفاعل، وهو على كل شيء قدير. * * * العاقبة للمتقين (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧) قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١) قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢) * * * الزبور هو كتاب داود ﵇، كما قال تعالى: (. . . وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا)، والذكر: قالوا: هو التوراة؛ لأنها ذكر للشرائع وبيان لها، نسخ منها ما نسخ بالقرآن، وما بقي استمر محكما وإن كان القرآن حجتها، ولا دليل على صادقها سواه، ولو كان موسى بن عمران. حيا ما وسعه إلا اتباع محمد ﷺ ، وذكر الزبور وقد قام داود بتنفيذ ما في التوراة للإشارة إلى أن كتب الله المنزلة

стр. 7267

تواردت على هذا المعنى وتعاونت على آدابه، وهو (أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) أي أن الأرض كلها بقاصيها ودانيها لله، وأنها ليست لملك طاغ، ولا لزعيم. مفسد ولا لرئيس يقود الناس إلى مراتع الفساد ومواطن التهلكة، إنما هي لله (يَرِثُهَا عبَادِيَ الصَّالِحُونَ) أي يعطيها مالك الملك لعباده الصالحين، وعبر بقوله (يَرِثهَا) للإشارة إلى أن الصالحين يخلفون من كانوا عليها من فاسدين ظالمين عتاة، وذلك كقوله تعالى: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا. . .)، وإن العاقبة تكون دائما للمتقين. وهنا التفات من الغائب إلى العودة إلى ضمير المتكلم، وهو الله ﷻ ، فالكلام بلغة المتكلم في قوله تعالى:

стр. 7268

(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْد الذكرِ أَن الأَرْضَ يَرِثهَا) فانتقل إلى الغائب ثم عاد إلى المتكلم في قوله: (عِبَادِيَ)، وفي ذلك تأكيد أن هذا مكتوب في كتبه سبحانه في كتبه المنزلة، وإضافة العباد إليه سبحانه. وإن ذلك وعد سجله سبحانه في كتبه بأن مآل هذه الأرض لعباده الصالحين، برغم جنحات المفسدين وغلبتهم وسعيهم بالفساد في الأرض. وقد يعترض الذين يأسرهم الزمان الذي يعيشون فيه، ولا تنفذ بصائرهم إلى ما وراءه بأن المفسدين في الأرض الذين اتخذوا من العلم بالكون، وسائل تخريب في الأرض، وتمكين للظلم، وأن أهل الحق الصالحين مغلوب عليهم مستضعفون، ونقول: إن ذلك حكم حقبة من الزمان هي التي نعيش، ولكن الله تعالى أخبر أن المآل للصالحين، والله أعلم بالمفسدين، وإن خبره صادق والمستقبل غيب لَا يعلمه إلا هو، ولنا أن نصدق الله ونكذب حكم الزمان في القابل.

стр. 7269

(إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦) اسم الإشارة يشير إلى هذا الخبر الكريم الذي أخبر به الحكيم العليم، وأن العاقبة للصالحين، والبلاغ يطلق بمعنى المنتهى والكفاية، ويطلق بمعنى التبليغ، وعلى

стр. 7270

أن الإشارة إلى الخبر في الآية السابقة، يكون معنى البلاغ هو التبليغ أي إن هذا تبليغ للعابدين الذين امتلأت قلوبهم بعبادة الله تعالى، وصارت العبادة وصفا ملازما لهم لَا يفارقونه، وصارت قلوبهم خاضعة وألسنتهم تترطب دائما بذكره. ويصح أن تكون الإشارة إلى ما ذكر في السورة من قصص النبيين، ومواعظ وتوجيهات إلى الكون وأسراره، ويكون معنى " بلاغ " منتهى وكفاية يدركها العابدون، ويفهم لبها العاكفون على عبادته سبحانه. وإنى أميل إلى التخريج الأول؛ لأن الإشارة بقوله تعالى: (إنَّ فِي هَذَا) إشارة إلى القريب، ولو كانت إلى المذكور في السورة كلها من قوله تعالى: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ. . .)، إلى هذه الآية، فقال عز من قائل: (إِنَّ فِي هَذَا) ولكلام الله تعالى المثل الأعلى، وليس لنا أن نتطاول على مقام كتابه المعجز، الحكيم الخالد.

стр. 7271

(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧) أي أن رسالة محمد ﷺ مقصورة على أن تكون رحمة للعالمين، أي لكل العقلاء، ورحمته ﷺ في أنه بعث على فترة من الرسل؛ لإنقاذ الناس من الأوهام التي أركسوا فيها، وصاروا بها في عمياء ضاربة عليهم لَا يدركون معها حقا من باطل، وأنهم كانوا يتسافكون الدماء، وقد أكلت العداوة كل معاني الخير في فطرهم، واشتفت كل ينابيع المودة في صدورهم، وكان ﷺ رحمة بشريعته التي دونت في القرآن وبينتها السنة النبوية المطهرة، بلسانه وعمله وإقراره حتى ترك الناس على المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها، ولقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)، وقد جاءت هذه الشريعة مشتملة على مصالح العباد، فكل ما فيها مصلحة، واستغرقت كل المصالح بالعبارة، وبالإشارة، وبوضع أصول كل نفع إنساني، والله رءوف بالعباد.

стр. 7272

(قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) الخطاب للنبي ﷺ ، وهو في كل موضع تبليغ يجعل سبحانه وتعالت كلماته الخطاب للنبي ﷺ ليبلغ رسالة ربه وأول تكليف بتبليغ الرسالة هو في التوحيد، وهو أول ما صدع به ﷺ : (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ). كان في الكلام قصران: أولهما: أن التبليغ بالتوحيد كان بإيحاء من الله تعالى لا بأمر من محمد ﷺ ، أي أن الله تعالى الذي تجأرون إليه في الشدائد وتستغيثون به في المهالك وعندما يحاط بكم - هو الذي يوحى إليَّ بأن توحدوه، والقصر الثاني: لبيان وحدة الألوهية، وقد دعاهم إلى الإسلام (فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) الاستفهام للتنبيه والحض على الإسلام، وقال علماء البلاغة إن هذا التعبير أقوى تعبير في الدعوة إلى الإسلام، و " الفاء " لبيان ترتب الدعوة على الإسلام، على تقدير أن الدعوة إلى الله وحده بايحاء من الله.

стр. 7273

(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (١٠٩) (فَإِن تَوَلَّوْا) أي أعرضوا عن دعوة الحق ولم يجيبوا داعي الإسلام والإذعان وإخلاص وجوههم لله تعالى وحده، والفاء الأولى فاء الإفصاح عن شرط مقدر، ونسق القول: إن دعوتهم فإن تولوا. . . إلى آخره، والفاء الثانية في قوله تعالى: (فَقلْ) واقعة في جواب الشرط لأن بعدها طلبا هو الأمر. و (آذَنْتُكُمْ) أي أعلمتكم وبينت لكم الحق، وأنكم ستبعثون وتحاسبون على سواء، أي على تسوية بين الضال والمهدي، أي كلا محاسب ومبعوث لهذا الحساب. (وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ) إن هنا نافية، والمعنى ما أدري أقريب أم بعيد اليوم الذي وعدتم، وهو يوم البعث، وإن النبي ﷺ وهو الذي يوحى إليه القرآن الكريم وحديثه، لَا يعلم متى تكون الساعة، وقد قال تعالى: (يَسْألُونَكَ عَنِ

стр. 7274

السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي)، فقد خفي علمها عن كل البشر ولو كان خير البشر، واختص الله وحده بعلم الساعة، كما قال تعالى: (إِن اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ. . .). وإن هذا فيه إنذار لمن أعرضوا، وكان من الترفق بهم في القول، أن ذكر أنهم ومن هداهم الله على سواء فيما يتعلق بالإعلام بالبعث والحساب، وإن اختلف الجزاء. ثم بين الله تعالى إحاطة علمه الكامل، فقال عز من قائل:

стр. 7275

(إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠) الضمير يعود على ذي الجلال والإكرام، و (الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ) وهو ما كان يجهر به أهل مكة من قول، هو استهزاء، أو غيره، وذكر علمه به تهديد بالحساب لقولهم، وهو حساب من لَا يخفى عليه شيء من الأقوال والأفعال، وذكرت الأقوال من جحود وعناد وإيذاء وسخرية وتهكم، ولم يذكر الأفعال منْ إيذاء للضعفاء وفتنة لهم في دينهم بتعذيبهم، كما فعلوا مع عمار بن ياسر وأبيه، وكما فعلوا مع خباب بن الأرَتّ، ولم يذكر الأفعال، لأن الأفعال أجهر وأبين من الأقوال، لَا إذا كان يعلم الأقوال، فأولى أن يعلم الأفعال، وهو بكل شيء عليم. (وَيَعْلَمُ مَا تَكْتمُونَ) من إحن ومنافسة على الشرف الكاذب كما كان من أبي جهل وأشباهه فيما ينفسون على بني عبد مناف، وفيما ينفس بنو أمية على بني هاشم. ويعلم انحراف الاعتقاد، وعبادة الأوثان، وما يعشش في رءوسهم من خرافات وأوهام، وما يحلون ويحرمون بغير ما أنزل الله السر وأخفى، والجهر وما يعلن، وذكر علمه بالعصيان إنذار لهم بالحساب ثم العقاب.

стр. 7276

وقد يسأل سائل لماذا أمهلهم مع هذا السوء الذي أحاط بهم في جهرهم وكتمانهم، فقال الله على لسان نبيه.

стр. 7277

(وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١) إن هنا نافية، والكلام على لسان الرسول ﷺ ، لأن الله يدري، والمعنى ما أدري لماذا أمهلكم الله تعالى تساءل النبي ﷺ . * * *

стр. 7278

(سُورَةُ الْحَجِّ) سورة الحج مدنية إلا الآيات ٥٢، ٥٣، ٥٤. ٥٥، وعدد آياتها ثمان وسبعون آية، وسميت الحج في عرف القراء؛ لأن مناسك الحج كثيرة فيها. وقد ابتدأت السورة بذكر يوم القيامة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣). وأشار سبحانه إلى أن من يتولاه الشيطان فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير، وذكر سبحانه من ينكرون البعث وقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥). ويشير إلى أن ذلك التطور التكويني يثبت أن اللَّه هو الحق، وأنه يحي الموتى، وأن الساعة آتية لَا ريب فيها، وأن اللَّه يبعث من في القبور، ويذكر الذين يجادلون في اللَّه بغير علم ولا هدى ولا سلطان مبين، ويتولون معرضين ويضلون عن سبيل اللَّه، وأن عقابهم في الآخرة عذاب الحريق، وفي الدنيا خزي. وبعد أن ذكر سبحانه الأشرار الخالصين للشر، ذكر من يترددون، فيعبدون اللَّه على حرف إن أصابهم خير اطمأنوا إليه، وإن أصابتهم فتنة انقلبوا على وجوههم خسروا الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين. وإن هؤلاء وأولاء

стр. 7279

يدعون ما لَا يضر ولا ينفع، ومن ضَرُّه أقرب من نفعه لبئس المولى، ولبئس العشير. بعد ذلك ذكر سبحانه الذين يعملون الصالحات وجزاءهم، وأبطل سبحانه أوهام الذين يظنون أنه لَا ينصرهم اللَّه فقل: (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (١٥)، ثم أشار سبحانه إلى آيات اللَّه البينات وأن اللَّه يهدي من يريد، وأشار سبحانه إلى اليهود والنصارى والصابئين والمجوس والهندوس والذين أشركوا، وأن اللَّه سيفصل بينهم يوم القيامة. ولقد أشار سبحانه إلى حال الفريقين المهتدي والضال، (. . . فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢). وبين بعد ذلك جزاء المؤمنين فقال: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢٣) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤). وذكر سبحانه بعض أعمال المشركين من الصد عن سبيل اللَّه والمسجد الحرام (. . . الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥). ويشير سبحانه إلى نبأ إبراهيم وتطهير البيت للطائفين والعاكفين، والركُّع السجود، ثم دعوة إبراهيم إلى الحج: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)، ثم يشير سبحانه إلى بعض مناسك الحج، ويدعو سبحانه إلى تعظيم حرمات اللَّه تعالى،

стр. 7280

ويبين أنه أحلت بهيمة الأنعام إلا ما جاء النص بتحريمه، ويدعو سبحانه إلى اجتناب قول الزور، والرجس من الأوثان، وأن يكونوا حنفاء للَّه غير مشركين به، ويبين سبحانه أن تعظيم شعائر اللَّه من تقوى القلوب، ويبين أن منسك أهل الحق والإيمان الحج إلى بيت اللَّه الحرام، ثم يذكر سبحانه أن الإبل والبقر وهي البُدْن من شعائر اللَّه تعالى: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧). ثم بين سبحانه شرعية الجهاد بعد هذه الإشارات إلى الحج، وهو من الجهاد، (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)، ثم صرح بالإذن بالقتال: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)، وقد بين اللَّه تعالى فضل المتقين في إقامتهم الصلاة، وإيتائهم الزكاة وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر. وأشار سبحانه إلى المشركين، وأنهم لم يعتبروا بهلاك من سبقوهم إلى الشرك، واضطهاد أهل الإيمان ومعاندة الرسل، فأشار سبحانه إلى قوم عاد وثمود، وقوم إبراهيِم وقوم لوط، وأصحاب مدين، وكُذِّب موسى ثم قال: (. . . فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤). ثم أشار سبحانه إلى هلاك القرى التي أهلكها سبحانه وهي ظالمة (. . . فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مشِيد)، ودعا اللَّه المشركين إلى أن يسيروا في الأرض، فتكوِن لهم قلوب يعقلون بها، أو آذان يسمعون بها، (. . . فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦).

стр. 7281

ثم ذكر سبحانه حال المشركين، في استعجالهم العذاب، بدل أن يعملوا للثواب، وبين أنه يملي لهم ثم يأخذ الآثم بإثمه، (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨). وذكر بعد ذلك أن عمل الرسول ﷺ هو الإنذار، والناس بعد ذلك أشقياء أو سعداء (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١). ثم بين سبحانه أن الأنبياء بشر كسائر البشر، ولكن اللَّه يعصمهم، فإذا وسوس الشيطان في صدورهم نسخ ما يلقى الشيطان: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) وما يلقيه الشيطان لَا يكون فتنة للأنبياء، ولكل يكون فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد. ثم أشار إلى أن القرآن من عند اللَّه يعلم أهل العلم أنه الحق من ربهم، وأما الذين كفروا فإنهم في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة، أو يأتيهم عذاب يوم عقيم، وإن الملك للَّه يوم القيامة هو الذي يحكم، فالذين كفروا لهم عذاب مهين، (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩) ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠). ْثم بين سبحانه آياته في الليل والنهار، وهذا يدل على أن اللَّه هو الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن اللَّه هو العلي الكبير. بعد هذا بين نعمه في أنه ينزل المطر فتصبح الأرض مخضرة، وأنه (سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأمْرِهِ وَيُمْسِكُ

стр. 7282

السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (٦٦). وإن مناسك الناس مختلفة، ولكلِ أمة جعلنا منسكا فلا ينازعنك في الأمر، ويخاطب نبيه فيقول: (. . . وَادْعُ إِلَى ربِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ). ولا تجادلهم بعد أن تبين لهم الحق، واللَّه يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون، وإن اللَّه تعالى لَا يخفى عليه شيء، (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠). ثم ذكر عبدة الأوثان وهم مشركو مكة، فقال: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)، وقد ضرب اللَّه تعالى مثلا بالذباب. فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤). ثم بين سبحانه أن خلق اللَّه تعالى بالنسبة له على سواء، ولكنه يصطفي من الملائكة رسلا يكونون لخلقه، واصطفى من الناس رسلا يكونون دعاة للحق، والإخبار عن اللَّه تعالى بينهم، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، وإليه ترجع الأمور، ثم أشار سبحانه أن رسالة محمد ﷺ امتداد لرسالة إبراهيم، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨). * * *

стр. 7283

معاني السورة الكريمة هول يوم القيامة وجدل الناس حولها قال اللَّه تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤) * * * ذكر اللَّه تعالى هول يوم البعث حيث تزلزل القلوب والأرض، فإذا زلزلت الأرض زلزالها اضطربت مع هذه الزلزلة القلوب والنفوس، وزاغت الأبصار واضطربت الأفئدة.

стр. 7284

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ). (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ)، النداء للناس أجمعين في عصر النبوة؛ عرب وعجم، أبيض وأسود وأحمر، الحاضرون في عصر النبي ﷺ ، ومن جاء بعدهم، فالخطاب لهم بناء على أن ما ثبت للحاضرين يثبت على المقبلين بقانون المساواة الذي يثبت تساوي الناس في التكليف، وإنه لَا يرفع الخطاب إلا عن من ليس أهلا للخطاب، (اتَّقُوا رَبَّكُمْ)، أي ادّرِعوا لباس التقوى، ولتمتلئ نفوسكم باتقاء عذاب اللَّه تعالى، وخشيته سبحانه، فخشية اللَّه درع المؤمن، ووقايته من النار،

стр. 7285

وقوله تعالى: (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) الزلزلة الحركة الشديدة العنيفة وترديدها مرة بعد أخرى، وقيل: إنها تكرار لـ " زال "، أي أنها تتحرك بزوال ثم تعود، فتضطرب الأرض، كما قال تعالى: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨). و (زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ) من إضافة المصدر إلى ظرفه، أي الزلزلة التي تكون في يوم الساعة، وهو يوم القيامة، وعبر عن ذلك اليوم بالساعة؛ لأنه يكون ساعة شديدة خطيرة، لها ما بعدها من هول أعظم، وحساب وعقاب، وقد عبر اللَّه سبحانه عن هذه الزلزلة بقوله: (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ)، أي أنها شديدة شدة لَا يُكتنه كنهها، ولا يعبر عنها إلا بأنها (شَيْءٌ عَظِيمٌ)، فالشيء اسم لكل شديد، أي أن الألفاظ تضيق عن معانيها، فلا يتسع لها لفظ إلا ما يكون لفظا عاما غير محدودة، لأن شدتها غير محدودة، ولا يحدها نطاق. وقد صور اللَّه تعالى هول هذه الزلزلة، فقال عز من قائل:
следующие страницы →