Полный текст (8 373 стр.). Показаны 8086–8125 · переход к 8091.
стр. 8086
(وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦)
طلب ذلك من اللَّه، ولكنه لم يصر عليه، وإن كان قد أنجز وعده، ولكن تبرأ من هذا الاستغفار، كما قال في آية أخرى، (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤).
هذه الدعوات كلها مطالب من إبراهيم الخليل المخلص إلى ربه، وهي مطالب إيجابية، اتجه بعد ذلك إلى مطالب سلبية مانعة، فقال ﵇:
стр. 8087
(وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١)
الواو عاطفة، والجملة التماس من اللَّه تعالى ألا يخزيه يوم البعث، وذات البعث لَا خزيان فيه، إنما الخزي يوم الحساب ويوم تشهد عليهم أعضاؤهم بما فعلوا، وتنطق أعمالهم بما ارتكبوا، ولا ننسى أن الدعاء من خليل اللَّه، وكيف يتصور أن يخزيه اللَّه تعالى وهو رسوله، ولكن لفرط إحساسه بحق اللَّه تعالى يظن في نفسه القصور، ومعه الخزي، فإن دقة الإحساس تجعله يستصغر حسناته في جنب اللَّه تعالى العزيز الحكيم، وكلما قرب الإنسان من اللَّه تعالى أحس بقصوره، ولا يحس بعظمة ما فعل، ويحسب أنه من المقصرين، لَا من المقربين الصادقين.
وبين على لسان خليله الصافي نفسه وقلبه، فقال:
стр. 8088
(يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨)
يوم، بدل أو عطف بيان من يوم يبعثون، أي أنه في هذا اليوم لا ينفع المال ولا البنون اللذان هما عز هذه الحياة الدنيا وزينتها، كما قال اللَّه تعالى: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ. . .)، فالمال والبنون هما الزينة التي أعدت للفخر بها من أهل الدنيا.
стр. 8089
(إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)
القلب السليم هو القلب الخالي من أوشاب الوهم والشهوة والضلال، والاستثناء هنا يصح أن يكون متصلا بأن يكون من عموم نفي النفع بالمال والبنين إلا من كان ذا مال وبنين، وأعطى المال حقه، وربى البنين وأحسن تربيتهم فكانوا له عملا صالحا دائما؛ لأنه إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له. فمع المال والولد ينفع الإنسان إذا أتى اللَّه بقلب سليم من كل المفاسد في الدنيا، ويصح أن يكون الاستثناء منقطعا بمعنى لكن، ويكون المعنى لَا ينفع مال ولا بنون، ولكن من أتى اللَّه بقلب سليم من مطامع المال وغطرسة البنين، لَا يعتز إلا باللَّه، وقد سلم قلبه وكل أحاسيسه له سبحانه.
стр. 8090
ْقال تعالى:
(وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١)
أزلفت، أي قربت إلى الزلفة وهي الحظوة الحسنة، فمعنى
стр. 8091
(وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ) أي قربوا إلى موضع حظوتهم وجزائهم على الحسنى حسنى مثلها أو أكبر منها، وقوله تعالى: (لِلْمُتَّقِينَ)، أي للذين عرفوا اللَّه تعالى واتقوه وخافوا عذابه، ورجوا رحمته، وهذه الجنة هي جزاؤهم جزاء موفورا.
وإذا كان هذا جزاء المؤمنين قد قرب إليهم زلفة وحظوة، فقد برزت الجحيم، وهي نار اللَّه الموقدة للكافرين، ولذا قال عز من قائل:
стр. 8092
(وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١)
أي ظهرت واضحة، لأن برز معناها: ظهرت وقربت منهم، والتفعيل مبالغة في الظهور أي رأوا الجحيم رؤيا العيان فعلموا مآلهم ونهايتهم بالعيان، والغاوون هم الضالون الكافرون.
بعد ذلك البيان في قصة إبراهيم، وما فيها هنا لم يذكر في سور أخرى إلا بعض ما يتعلق بعبادة الأصنام ذكر سبحانه بعض ما يكون يوم القيامة.
* * *
قال تعالى:
(وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤)
* * *
стр. 8093
هذه النصوص السامية مصورة لحال الكافرين وما أضلوهم في يوم القيامة وأول اتجاه إلى مجاوبتهم، وقد كانوا يتخذونها شفعاء تقربهم إلى اللَّه زلفى، أن يسألوا عن هذا الادعاء أهو ظاهر فيها اليوم فيقال لهم:
стр. 8094
(وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣)
أين الأصنام أو الأشخاص التي حكم أوهامكم أن تعبدوها من دوني هل أمدتكم بنصر أو شفاعة أو تقريب زلفة أو حظوة، (أَوْ يَنتَصِرُونَ) أو هنا لمعنى الإضراب، فليست قائمة مقام - أم - والمعنى فيها الإضراب عن أن ينصروكم، أهم ينتصرون، بأن تحمي نفسها من عذاب واقع أو متوقع، والاستفهام إنكاري لإنكار الواقع، فهو للتوبيخ، إذ كانوا يحسبون أن لها قوة تنصر، فتبين أنها لا تنصر غيرها، ولا تنتصر لنفسها.
стр. 8095
(فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥)
الكب إلقاء الشيء على أعلاه أو على وجهه، والكبكبة، تساقط الشيء في هوة بتدهور، ويقول الزمخشري: الكبكبة توالي الكب، فهو يكب ثم يكب أخرى، ويتوالى الكب، وهكذا حتى يصل إلى القاع.
والفاء هنا للإفصاح، لأنها تفصح عن شرط مقدر، أي إذا كانوا لا ينصرون، ولا ينتصرون، فإنهم كبكبوا فيها هم، والغاوي - الواقع في الغواية والضلالة، أي أنه يكب فيها ما كانت تعبد، هي والذين ضلوا، وهذا التعبير كناية عن أن من كانوا يحسبونه شفيعا لَا قدرة له، وإنه يلقى في النار ولو كان لا يحس ولا يشعر.
стр. 8096
(وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥)
الجند هو مما يستعان به في القتال، أو مادته، وإبليس قال لربه. (لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعينَ إِلَّا عبَادَكَ مِنْهُمُ الْمخْلَصينَ)، وجنود إبليس أشخاص من الإنس، قَد أشربوا فَى أنفسهم شره، فَكانوا له جندا، ويصح أن يكون من جنوده المطامع والأهواء والشهوات والأوهام، فكل هؤلاء يكبكبون في النار، وقد أكد ذلك تأكيدا لفظيا بقوله تعالى: (أَجْمَعونَ) فالنار لَا يتخلف عنها عاص ولا تذره.
(قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩)
стр. 8097
كان الاختصام بين المعبود الباطل والعابد في جهنم، وكأنما وهب الحجارة أن تتكلم وتبين، أو هو بيان للحال التي كانوا عليها وقد تكشفت الأمور، وزال زيغ الباطل، والضمير يعود إلى الكافرين الذين أزلهم الشيطان، وقوله تعالى: (وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ) جملة حالية، أي قال المشركون، وهم يختصمون مع ما عبدوهم،
стр. 8098
(إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧)
(إِنْ) هنا هي المخففة من إنَّ الثقيلة واسمها ضمير الشأن، أي إنه الحال والشأن كنا لفي ضلال مبين، اللام للتوكيد، وقد أكدوا ضلالهم بها، وبأن الضلال استغرقهم كما يستغرق الظرف ما فيه، أي احتواهم، وصاروا يسارعون في أرجائه من ضلال إلى ضلال، وهو بين واضح يدركه العقلاء، ولكن ضاعت ألبابهم في وسط ذلك التيه من الضلال، وقد قرروا الحق الآن، فقال:
стр. 8099
(إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)
(إِذْ)، ظرف متعلق بـ (كُنَّا)، وإذ ظرف دال على الماضي وذكر مع المضارع لتصوير حالهم في الماضي، والتسوية بين آلهتهم ورب العالمين. موضع استنكارهم في ذلك اليوم لأنهم أدركوا أن هذه حجارة لا تعبد، بل يرمى بها، وهذا رب العالمين الذي خلق العقلاء جميعا، وقام على ربوبيتهم، فهو الحي القيوم اللطيف الخبير، ثم أقروا بمن كانوا خاضعين لهم، قالوا:
стр. 8100
(وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩)
(مَا) نافية، أي ما أضلنا إلا المجرمون الذين اتبعناهم، وفي الواقع، إن الجو كله كان جوا إجراميا، فهم يترامون بالإجرام، وكان الإجرام فيهم جميعا؛ لأنهم اشتركوا جميعا في تكوين رأي عام فاسد، يروج فيه الباطل، ويختفي فيه الحق الصادع، فكانوا في ضلال يترامون به، ولا يخلص منه واحد منهم.
стр. 8101
(فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢)
الفاء فاء الإفصاح؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، وتقدير القول، إذا كان الذين صاحبونا وشجعونا مجرمين، فما لنا من شفيع يشفع لنا، ويضم صوته إلى صوتنا، ولا صديق حميم يتألم معنا، ويرفع عنا مقت ربنا، أو يشاركنا، فينقص منا ما يصيبنا من مقت وسوء عاقبة، ويتمنون نادمين، ولات حتى مندم، وعدد الشافعين، لأنهم في الشدة يكونون كثيرين، وذكر الصدق مفردا لأن الصديق الحميم يكون قليلا، وليس كثيرا.
стр. 8102
(فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢)
الفاء أيضا للإفصاح لأنها سدت عليهم كل منافذ النجاة، فتمنوا رجعة إلى الدنيا كرة أخرى يؤمنون فيها، ويدركون الحق ويذعنون له، (لو) هنا للتمني، وهو تمني أن يعودوا إلى الدنيا كرة أخرى، والفاء فاء السببية، وأن مضمرة بعدها، أي فنكون بسبب ذلك من المؤمنين المذعنين للحق الذين لَا يمارون فيه.
كان الكلام في يوم الآخرة عندما قال ﵇ يوم لَا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى اللَّه بقلب سليم، ولقد أشار سبحانه من بعد ذلك إلى تتمة القصة، فقال سبحانه:
стр. 8103
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤)
الإشارة إلى قصص إبراهيم، وما جاء فيها على لسان إبراهيم من بيان فضل الربوبية، والإذعان لحقها، وقد جاء في البيضاوي تلك العبارات المدركة في بيان معنى (لآية) لحجة وعظة لمن أراد أن يستبصر بها ويعتبر، فإنها جاءت على أنظم ترتيب وأحسن تقرير، ويتبعه المتأمل فيها لغزارة علمه، لما فيها من الإشارة إلى أصول العلوم الدينية والتنبيه على دلائلها، وحسن دعوته للقوم، وحسن مخالفته معهم وكمال إشفاقه عليهم، وتصور الأمر في نفسه وإطلاق الوعد، والوعيد على سبيل الحكاية؛ تعريضا وإيقاظا لهم ليكون أدعى للاستماع والقبول.
ومع هذه الحجة الباهرة، والوصايا التي تقنع بذاتها، وتلزم بحقيقتها، كان أكثرهم غير مؤمنين، ولذا قال: (وَمَا كَانَ أَكثَرُهُم) وإذا كان الأكثرون غير مؤمنين، فمعنى ذلك أن المؤمنين كانوا الأقل عددا؛ وذلك لأن الشيطان يتحكم في الكثرة، ويعاون أهل الشر بعضهم بعضا.
стр. 8104
(وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤)
الغالب الرحيم مع أنه القادر القاهر على كل شيء هو الرحيم وكان رحيما بهم في أنه لم يعجل بالعذاب، بل أمهل أهل الشر حتى يكون اليوم، وكان رحيما بهم في أنه لم يسو الصحيح بالسقيم والمحسن بالمسيء، وكان رحيما بهم في أن وضع عذابا للمجرمين، لكيلا يوغلوا في إجرامهم، ففي هذا الوصف بالرحمة إنذار وتبشير؛ لأن العالم لَا يقوم على المساواة بين الخير والشر، ولكل موضعه.
* * *
стр. 8105
من قصص قوم نوح
قال تعالى:
(كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢)
* * *
جاءت قصة إبراهيم بعد قصة موسى؛ لأن موسى قاوم أشد طواغيت الدنيا وأهلكه اللَّه تعالى بعد المعركة، وذلك فيه إيذان بأن محمدًا سيهزم الجمع من المشركين، ويولون الدبر، وجاء بعده قصص من إبراهيم تأديبا للعرب، لأنه أبوهم الذي يشرفون بمحتده ويحتمون بمسجده أول بيت وضع للناس، ولعلهم يهتدون بهديه، ويطيعون بطاعته، ويتأدبون بأدبه.
стр. 8106
وجاء من بعد بقصص من قصص نوح الأب الثاني للخليقة، وفيه ذكر شذوذ الكافرين من العرب، ولذلك ابتدأ سبحانه القصص بتكذيبهم، ولم يبتدئه برسالة نوح ﵇، فقال تعالى:
(كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨).
стр. 8107
(كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) ابتدأ القول الكريم بتكذيب قوم نوح للمرسلين، أي أن طبعهم، وما آل إليه أمرهم أنهم يكذبون الرسالة الإلهية على لسان رسول يبشر وينذر، فهم لَا يكذبون نوحا وحده، وإنما يكذبون أصل الرسالة الإلهية لأنهم ماديون لَا يؤمنون إلا بالمادة، ولا يؤمنون بالغيب، ولب الإيمان هو الإيمان بالغيب، فلا إيمان لمن لَا يؤمن بالغيب.
стр. 8108
(إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦)
إذ ظرف للماضي متعلق بقوله:
(كَذَّبَتْ قَومُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) كأنهم جابهوا نوحا ﵇، وهو يقول لهم (أَلَا تَتَّقُونَ) بإنكار أصل الرسالة، وكأنهم يقولون: ما لنا ورسالتك، ورسالة غيرك وقوله: (أَلَا تَتَّقُونَ) ألا للتحريض والحث علي التقوى، وما أجدر كل منكر جبار، أن يطالب بالتقوى، واتخاذ وقاية لأنه يكون مغرورا، وكل من يتدلى بالغرور، يطالب باتخاذ وقاية ليمتلئ بالتقوى ووراء التقوى الإيمان.
стр. 8109
(إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧)
أكد رسالته لهم بـ إن المؤكدة، وتقديم الجار والمجرور (لَكُمْ) أي لكم خاصة، ووصف نفسه بالأمانة، والأمانة تقتضي ألا يكذب على اللَّه، فيدعى عليه الرسالة، وهو لم يرسله، وتقتضي الأمانة فيما يخبرهم، ومع الأمانة الرعاية والمحبة والإخلاص لهم، والبر بهم.
ولأنه رسولهم الذي أرسل إليهم طالبهم بتقوى اللَّه والطاعة فقال:
(فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨)
أي أطيعونى لأن هنا ياء المتكلم مقدرة في القول بدليل كسر النون المنبئ عنها، طالبهم بأمرين: تقوى اللَّه، لأن قلوبهم جامدة جافية عن ربها، إذ ليس فيهم إيمان بشيء، ولا خوف من حاضر ولا غائب، ولا علاج للنفس اللاهية الجافية إلا بالتقوى، أو الدعوة إليها، والأمر الثاني طاعة الرسول، ولا سبيل لطاعته إلا أن تمتلئ نفوسهم بالتقوى، ومهابة اللَّه والخضوع له.
стр. 8110
والفاء في قوله تعالى:
стр. 8111
(فَاتَّقُوا اللَّهَ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي بسبب أن الرسول أمين لكم اتقوا اللَّه وأطيعون.
стр. 8112
(وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ... (١٠٩)
(مِنْ) لاستغراق النفي، أي لَا أسألكم على هذا التبليغ أي أجر مما يتعلق بالدنيا، لَا أسألكم جاها، ولا رياسة، ولا سلطانا، ولا غاية، ولا مالا، ولا أي عرض من أعراض الدنيا، (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ) إن نافية، أي ليس لي أجر إلا عند اللَّه تعالى، وعبر بـ على للإشارة إلى علو هذا الأجر وهو يعلو عليكم، ولا يمكن أن تتساموا إليه؛ لأنه من رب العالمين الذي يدين له العالمون أجمعون بالربوبية والطاعة والخضوع.
وإذا كنت لَا أجدْ منكم جزاء ولا شكورا
стр. 8113
(فَاتَّقُوا اللَّهَ وأَطِيعُونِ) الفاء للإفصاح، لأنها تفصح عن شرط مقدر كأنه هو: إذا كنت أمينا لكم ولا أريد عرضا من أعراض الدنيا، فاتقوا اللَّه، وأطيعوني، لفضل الإخلاص والأمانة - أجابه قومه على هذه الدعوة المخلصة إلى الحق بالتمرد.
стр. 8114
(قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١)
الأرذلون جمع أرذل أي الذي بلغ أقصى المهانة في نظرهم، وهم الفقراء والضعفاء والعبيد، وكأنَّهم يتخذون قوة الحق من قوة معتنقيه، وحالهم، ولأنهم لَا يريدون أن يتساووا بهم، ودعوة الرسل المساواة بين القوي والضعيف. والغني والفقير، والاستفهام إنكاري لإنكار الوقوع، أي لَا يقع منا اتباع لك، بحيث نتساوى مع الأرذلين الذين اتبعوك، وكذلك فعلت قريش مع النبي ﷺ ، لقد ذكروا ذلك للنبي ﷺ ونهى اللَّه نبيه أن يلتفت إليهم (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣) وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)، وفي قراءة وأتباعك جمع تبع أي ليس معك إلا الأرذلون.
стр. 8115
أجابهم نوح على امتناعهم عن الإيمان بسبب إيمان الضعفاء والفقراء والعبيد، وهذا من سخف تفكيرهم، وتفكيرهم المادي الذي بنوا فيه تقدير الناس على أساس قوتهم المادية الجسمية، وأموالهم، أجاب ﵇ بقوله:
стр. 8116
(قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) الاستفهام هنا للتنبيه إلى أنه لَا يعلم ما كانوا يعملون لنيل رزقهم، وأنه لا يهتم به، إنما يهمه فقط إجابة دعوته، وما يحرضهم عليه من تقوى وهداية، أي أنه ﵇ لَا يهتم بالذي كانوا يعملونه وهم مستمرون على عمله سواء كانوا يمتهنون صناعات صغيرة، أو صناعات كبيرة، إن ذلك لَا يعنيه،
стр. 8117
(إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) أي ما حسابهم إلا على ربي لو شعرتم بالحق وأدركتموه.
стр. 8118
(وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤)
نفى عن نفسه أن يكون من شأنه أن يطرد من استجاب وآمن بالحق واستجاب دعوته، أي أنه ما أرسل لتوزيع الأعمال على الناس، إنما أرسل لدعوة الحق والإيمان، وترى أن النفي لوصفه بطرد المؤمنين، فهو نفي عن شأنه بوصف كونه رسولا داعيا إلى الحق، لَا يهمه إلا استجابة دعوته.
стр. 8119
(إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥)
(إِنْ) نافية، أي ما أنا إلا نذير مبين، أي إلا منذر مبين، فلا يهمني إلا بيان ما فيه الإنذار، وبيان ما فيه من تبشير، ويلاحظ أن قول نوح ﵇ فيه تهديد لهم، ولذا اقتصر على ذكر الإنذار، ولم يذكر التبشير، مع أن أصل الرسالة للأمرين.
وقد أمر اللَّه تعالى محمدا ﷺ وقد جوبه من المشركين بما جوبه به نوح ﵇، وقال اللَّه تعالى له:
(وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢).
وهكذا توافقت أقوال المشركين من عهد نوح الأب الثاني للخليقة إلى عهد قوم محمد خاتم النبيين، وكان الجواب واحدا أحرج قوم نوح والمبطل إذا أحرج هدد وأنذر.
стр. 8120
(قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦)
يئسوا من رده، وهو يحجهم بالحجة تلو الحجة، فانتقلوا من الجدل العقيم منهم إلى التهديد بالرجم بالحجارة، وقد فقدوا كل عناصر الود، وأعلنوا القطيعة وقالوا مصرين على الكفر: (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ) اللام هي الدالة على القسم، بأنه إذا لم ينته يكون الرجم جزاءه، وطريق معاملته، وينتقلون من حال الرجم بالقول إلى حال الرجم بالحجارة، (لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ) هذا جواب القسم، واللام واقعة فيه مؤكدة، والتوكيد أيضا بنون التوكيد الثقيلة، وبذلك بلغوا أقصى حدود التكذيب مع التهديد العنيف. عندئذ اتجه إلى ربه قائلا:
стр. 8121
(قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧)
بكسر النون للإيماء إلى ياء المتكلم المحذوفة، وصدر القول بالنداء إلى ربه للإشارة بالنداء إلى طلب النصر والعون، والمدد الكريم منه جلت قدرته، وهو الذي أظلهم بنعمة الربوبية، وقوله: (إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ) فيه إيماء إلى أنهم كذبوه، في حال كان يرجو إيمانهم؛ لأنهم أولا قومه، وعرفوا صدقه، وخوفه عليهم، ورفقه بهم، ورغبته لخيرهم، ومع كل هذا كذبوه وقطعوا صلته وأعلنوا عداوته، وهددوه بالرجم، وإن لم يذكره لربه، لأنه عليم بهم يرى ويسمع.
اتجه إلى ربه يدعوه إلى أن يفصل بينه وبينهم:
стр. 8122
(فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨)
وقد كان تهديدهم له بالرجم خطا فاصلا بينه وبينهم، وأخبره اللَّه تعالى بقوله تعالى: (لَن يُؤْمِن مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ)، والفاء للإفصاح، وتقدير القول إذا كانوا كذبوكَ ولا يؤمن إلا من قد آمن فلا تبتئس.
والفتح معناه الحكم والفصل بـ ألا يمكنهم منه، وممن آمن معه وما آمن معه إلا قليل.
وقد أجابه اللَّه تعالى إلى مطلبه فور دعائه إليه.
(فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠)
стр. 8123
الفاء عاطفة للترتيب والتعقيب، أي أنه فور دعائه أجابه،
стр. 8124
(فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ) أي الذين معه في الإيمان والإذعان والتصديق وناصروه، وإن كانوا قليلا، وقوله تعالى: (الْمَشْحُونِ) الذي حمل فيه كل ما يحتاجون حتى تستوى على بر السلامة، وهذا قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠).
هذه عاقبة نوح، ومعه أهل الإيمان من قومه، والطائعين له من أهله، أما الباقون فقد قال تعالى فيهم:
стр. 8125
(ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠)
والعطف بـ (ثُمَّ) في موضعه؛ لأن التفاوت بين الحالين ثابت، إذ هو بعد وتفاوت بين الإنجاء والإهلاك، ولأنه تفاوت بين غضب اللَّه على الباقين، ورضاه على المؤمنين، وقوله - بعد - فيها إشارة إلى أن الغرق كان بعد صناعة الفلك، وركوبه، ومجيء السيول المغرقة التي كان الموج فيها كالجبال، وغير ذلك مما هو مذكور بتفصيل في سورة هود.
ثم قال تعالى:
следующие страницы →