← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

فى مقام الفعلية فلم يمَل ستنصرون، والتعبير بالجملة الاسمية دليل على التوكيد؛ وفيه أداة الاستفتاح؛ وفيه " إن " الدالة على التوكيد؛ وفيه إضافة النصر إلى رب العالمين القادر على كل شيء (وَلَيَنصُرَن اللَّه مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ). والرسول في الآية الكريمة للجنس، أي أن هذه الحال هي حال عامة تعرض لكل رسول من الرسل في قومه إذ يدعوهم إلى الحق؛ وإن قصص القرآن عن النبيين ينبئ عن ذلك، فموسى ﵇ آذاه وأصحابه فرعونُ حتى قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وصلبهم في جذوع النخل، وعيسى ﵇ آذوه هو ومعه الحواريون؛ ومن قبل إبراهيم ولوط ونوح؛ وهكذا أهل الحق لَا يصلون إلى الغاية الفاضلة إلا بعد أن يقطعوا كل ما يلقيه في طريقهم أهل الباطل من أحجار تدعثره، وأشواك تعوق السالك فيه. ولقد قال العلماء: إن هذه الآية نزلت بعد أن أصاب المسلمين القرح في أحُد، فكانت هذه الآية للتسلية لهم؛ ولكن الذي نزل في غزوة أحد هو قوله (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدوا منكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ)، بدليل ما قبلها، وهو قوله تعالى: (إِن يَمْسسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ. . .)، ولذلك يرجح أكثر العلماء الذين عنوا ببيان أسباب النزول أن هذه الآية نزلت عند غزوة الأحزاب، حين أصاب المسلمين ما أصابهم من جهد ومشقة، وهم يحفرون الخندق، ثم أصابهم من تهديد في الأموال والأنفس عندما جاء أولئك الأحزاب مجتمعين؛ كما قال الله تعالى: (وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا). ومهما يكن من سبب لنزول هذه الآية الكريمة فإنها تدل على أن أهل الحق في مغالبة دائمة، وأنهم لَا ينتقلون من شدة إلا إلى أعلى منها حتى يفوزوا؛ فإن الشيطان من يوم أن وسوس لآدم وحواء وأخرجهما من الجنة، وأبناؤهما في بلاء: تستغوي الشهوات جموعهم، فيندفعون فيها مجترعين من عسلها الوبئ، ثم يلغون

стр. 877

في الشر، ويكلبون على أهل الخير؛ فإذا تقدم دعاة الخير يدعونهم بعد أن يتبين الرشد من الغي ببعث النبيين مبشرين ومنذرين، عادوهم وناوءوهم وأصابوهم، واعتقدوا أن ما يدعون إليه فيه ذهاب طغيانهم، وقدع شهواتهم، والحد من أهوائهم، وحاولوا افتراسهم كالوحوش الأوابد عندما تحس بمن يمنعها من الافتراس، ويكبحها عن الأذى. وإذا كان أهل الحق يصابون بالضراء وهي الأذى الذي يكون في داخل جماعتهم كما قررنا، والبأساء وهي الأذى الذي يأتي من خارجهم، فقد وجب عليهم أن يدَّرعوا، ويعملوا صابرين على دفع الأذى في الداخل والخارج؛ ودفع الأذى في الداخل بالتعاون والتكافل الاجتماعي، ودفع الأذى الخارجي بأخذ الأهبة للقتال، والتعاون أيضًا، فإن التكافل الاجتماعي هو العدة لدفع أذى الداخل والخارج معا. ولقد أخذ يبين الله سبحانه أساس التكافل الاجتماعي، وهو معاونة الفقير والضعيف ودفع حاجته بالمال؛ ولذا قال تعالى:

стр. 878

(يَسْألُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) لقد سألوا عن نوع ما ينفقون، وقد تضافرت الآيات الحاثة على الإنفاق الداعية إليه، باعتبار أن التعاون الاجتماعي ركن من أركان الإسلام؛ فقد قرن الزكاة بالصلاة باعتبارهما صنوين لَا يفترقان، سألوا عن نوع ما ينفقون ومقداره بعد أن سمعوا الدعوة إليه، ولكن الله قال في الإجابة عن هذا السؤال: (قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ) وظاهر القول أن الجواب ليس عن السؤال، لأنهم سألوا عن النوع، فأجيبوا عن المصرِف، وعلى حد تعبير علماء الاقتصاد: سألوا عن وعاء الفريضة فأجيبوا بموضع صرفها، فلماذا عدل الله عن الإجابة عن سؤالهم إلى هذه الإجابة؛ الجواب عن ذلك أن النوع والمقدار يبينه المصرف، فأجاب عن المصرف، ليعلموا أن المطلوب هو سد حاجة هؤلاء؛ والنوع الذي يسد حاجتهم مطلوب إنفاقه. فالإجابة ببيان

стр. 879

المصرف فيها أسلوب حكيم، وفيها إيجاز معجز، لأنه قد بين بها موضع الصرف، وإن لم يسألوا عنه، وبين فيها المقدار، لأن حاجة هؤلاء هي التي تعنيه، وفيها بين النوع، فإن كانوا محتاجين إلى ثياب يكسون، وإن كانوا محتاجين إلى طعام يطعمون، وإن كانوا محتاجين إلى مأوى يؤوَوْن. وفي هذه الإجابة فوف ذلك تصريح بحق هؤلاء على ذويهم وعلى المجتمع الذي يعيشون فيه، وهو أن يمكنوا من العيش طاعمين كاسين آوين مطمئنين، وأي مقدار ينفق في ذلك من حقهم على ذويهم وعلى الناس. وإن ذلك الحق واجب على كل من عنده يسار بالنسبة لهم، واليسار يفهم من قوله تعالى (مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ) فكلمة خير تطلق بالنسبة للمال على الوفير منه، لا على القليل، ومن ذلك قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقرَبِينَ. . .)، فالخير هنا هو المال الوفير كالخير في تلك الآية الكريمة. ذكر سبحانه أن موضع الإنفاق هم الوالدان، والأقربون، واليتامى، والمساكين، وأبناء السبيل، ذكر هؤلاء بذلك الترتيب، وإذا كان العطف بالواو لا يفيد ترتيبًا من الناحية النحوية فمن المؤكد أن الترتيب في الذكر يفيد معنى الأولوية من الناحية البلاغية، فالترتيب في الذكر إذن يشير بلا شك بأولوية البعض على البعض، فيسد حاجة الأبوين، ثم يسد حاجة الأقربين، ثم يسد حاجة المحتاجين من غير أسرته. وقد روى في سبب النزول عن عطاء: أن هذه الآية نزلت في رجل أتى النبي ﷺ فقال: إن لي دينارًا، فقال: " أنفقه على نفسك " قال: إن لي دينارين، قال: " أنفقهما على أهلك " قال: إن لي ثلاثة، قال: " أنفقها على خادمك " قال: إن لي أربعة، قال: " أنفقها على والديك "، قال: إن لي خمسة قال: " أنفقها على قرابتك "

стр. 880

قال: إن لي ستة، قال: " أنفقها في سبيل الله تعالى " (١). وروي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " تصدقوا "، فقال رجل: عندي دينار. قال: " تصدق به على نفسك " قال: عندي دينار آخر، قال: " تصدق به على زوجك " قال: عندي دينار آخر، قال: " تصدق به على ولدك "، قال: عندي دينار آخر، قال: " تصدق به على خادمك " قال: عندي دينار آخر، قال: " أنت أبصر " (٢). فهذه الآثار تبين أن الترتيب في الذكر هنا يفيد الأولوية في العطاء إن ضاق الخير عن أن يشمل الأنواع كلها، وقد ذكر سبحانه الوالدين والأقربين من غير ذكر ما يدل على الحاجة، وذكر بقية الأصناف مع ذكر بقية الأوصاف الدالة على الحاجة؛ لأن الوالدين والأقربين يجب رعايتهم والإحسان إليهم، وإن لم تكن فيهم حاجة شديدة؛ فإن كانوا في حاجة شديدة فالإنفاق ألزم. ولقد قال ﷺ : " أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك " (٣)، ولقد قال ﷺ : " من أراد منكم أن يبارَك له في رزقه، وينسَأ له في أجله فليْصِلْ رحمه " (٤). والبر بذي الرحم مطلوب في القطيعة أشد منه عند المودة؛ فقد قال ﷺ : " أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح " (٥)

стр. 881

وقال ﷺ " ليس الواصل بالمكافئ، وإنما الواصل من يصل رحمه عند القطيعة " (١). أما بقية الأصناف فإن العطاء فيها أساسه الحاجة، فاليتامى يعطون لاحتياجهم إن تركهم آباؤهم من غير مال. والمسكين: هو الفقير الذي أسكنته الحاجة، أو أسكنه المرض أو السن وجعله في عوز. وابن السبيل: المسافر الذي لَا مأوى له، وقد انقطع عن ماله إن كان له مالي، وأولئك يعطون ما يسد حاجتهم، وينقع غلتهم. (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيم) ذيَّل الله الآية الكريمة بهذه الجملة السامية لبيان فضل عمل الخير، والحث عليه؛ لأنها تدل على فضل ذلك العمل وتدفع إلى الرغبة فيه، إذ إن الله يعلمه؛ وإحساس المؤمن التقي بأن الله يرى عمله في الخير حين يعمله، وأنه يبصره وهو يقدم عليه، يشجعه على الاستمرار عليه، لأنه إذا كانت رؤية أي عظيم من الناس لعمل خير يعمله الإنسان يحمله على الاستمرار، فكيف إذا شعر المؤمن الذي يحس بعظمة خالق الكون بما فيه ومن فيه؛ ثم إنه فوق ذلك ينال جزاءين مع ذلك؛ أولهما: رضاه: وهو وحده جزاء ليس فوقه جزاء؛ ولذلك قال سبحانه بعد بيان ثوابه في الآخرة: (وَرِضْوَانٌ منَ اللَّهِ أَكْبَرُ. . .). وثانيهمات النعيم المقيم يوم القيامة جزاء وفاقا لما قاموا من عمل صالح علمه رب العالمين وقت وقوعه، وحين أدائه.

стр. 882

(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لكُمْ) بين سبحانه الطريق لدفع الضراء، والآلام الداخلية، وهو التعاون، ثم بين بعد ذلك ما يدفع البأساء، وهي الشدائد التي تدهم الجماعة من الخارج، وهو أخذ الأهبة والاستعداد للقتال، فقال تعالى: (كتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كرْهٌ) وقد قرئ بضم الكاف وفتحها، والضم أكثر، وهو بمعنى الكراهة؛ أي القتالى لشدة ويلاته وما فيه من إزهاق الأرواح كأنه الكراهة نفسها ويصح أن يكون كره بمعنى المكروه أي خبز بمعنى المخبوز، أي هو أمر مكروه في

стр. 883

ذاته وعلى قراءة الفتح يكون فيه معنى الإكراه، فيكون المعنى عليه: كتب عليكم القتال، وهو أمر أنتم تلجئون إليه إلجاء، وتضطرون إليه اضطرارا؛ إذ إن الكَره ضد الطوع؛ فكأنكم لَا تدخلون الحرب طائعين، بل تدخلونها مكرهين كارهين، مضطرين غير مختارين، ألجأكم إليها الاعتداء عليكم، وانتهاك الحرمات والفتنة في الدين، فأنتم مضطرون مكرهون على القتال؛ لإزالة الفتنة وصونا للحرمات، وذودا عن الدين، تقاتلون حتى يكون الدين كله لله. والأمر على قراءة الفتح واضح؛ لأن القتال في الإسلام أمر غير مرغوب فيه لذاته، إنما اضطر إليه المسلمون اضطرارا، كما قال تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ). وأما على القراءة المشهورة، وهي قراءة ضم الكاف، فكيف كان القتال مكروها، مع أن الصحابة كان الموت في سبيل الله أحب إليهم، وكانوا يرون الشهادة في سبيل الحق غنما وليست غرما؛. لقد قال المفسرون: إن القتال مهما يكن أمره فيه ويلات وشدائد تتلوها شدائد، ومشقات تتلوها مشقات؛ فلا يمكن أن يكون محبوبا مع ما فيه من صعاب، ومج ما يكتنفه من شدائد، فهو كان مكروها لشدائده، والعافية أحب. ولكن ذلك لَا يتفق مع ما عرف عن العرب عامة من أنهم أهل بأس وقوة، وعزيمة ونجدة، ولا ما عرف عن أصحاب محمد خاصة من أنهم كانوا يتنافسون على أماكن الردى، يلقون بأنفسهم في مواطن الموت، لَا يهمهم إلا أن يغنموا النصر أو يغنموا الشهادة، ففي كليهما فضل عظيم. ولذا لابد أن نبحث عن سبب آخر للكراهة؛ وذلك السبب هو الذي يتفق مع الهدى المحمدي، والمنزع الإسلامي، ذلك أن الإسلام أودع قلوب المؤمنين رأفة ورحمة، وإلفا وائتلافا، وسلاما واطمئنانا، وبرا بالرحم، وحنانا على الأقربين؛ وتلك المبادئ لَا تلتقي في قلب مع الحب في إزهاق الروح، وقتل النفوس، وإلقاء الحتوف في ميادين القتال، فليس من خلق المؤمن المحب للسلام، أن يكون محبا

стр. 884

للقتال، ولعله كان من الصحابة من يؤثرون مطاولة المشركين، رجاء إيمانهم، ورغبة في هدايتهم، مساوقا بذلك الهدى الإسلامي، ولكن الله كتب القتال مع هذه الكراهة، لأنه الأهدى سبيلا بعد أن قامت الحجة، ووضحت المحجة، واستطالوا على المؤمنين بالأذى، وأخرجوهم من ديارهم، وألبوا العرب عليهم، وجمعوا الجموع. (وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لكُمْ) أي عسى أن تكرهوا القتال رحمة بمخالفيكم ورجاء هدايتهم، ورجاء الخير منهم، وهم لا يريدون لكم إلا خبالا، ولو سكتم عنهم لكان أمرهم وأمركم وبالا، وفسدت أمورهم وأموركم، واضطربت حالهم وحالكم، فكانوا يغيرون عليكم، وأنتم ساكتون؛ ولو قاتلتموهم وأريتموهم الحق مؤيدًا بالسلاح يقمع رءوس المعاندين المعتدين الذين يفتنون الناس عن دينهم ويحاولون نشر الفساد، لكان ذلك خيرًا لكم ولهم. ووجه الخير لكم أنه رد الاعتداء، ووقف الأعداء، والذود عن الحياض؛ وأما وجه الخير لهم فهو أنهم عساهم يهتدون؛ فإن الناس أقسام ثلاثة في قبول الحق: نوع يقنعه الدليل ويهديه البرهان، ونوع تجديه الموعظة الحسنة، ونوع جائر بائر طاغ فاسد مفسد لَا تجدي فيه الموعظة ولا يقنعه الدليل، فقال الله فيه: (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ. . .)، فبقتاله قد يسكت عن الشر واللجاجة فيه، ويتدبر الأمر من جديد، كما قال أبو سفيان في غزوة: لو كانت آلهتنا تنفع وتضر لنفعتنا! فكان ذلك هو السبيل لدخول الإيمان إلى قلبه، فآمن وصار من المهتدين وإن لم يكن من السابقين بالقبول والإحسان. ثم عسى أن تحبوا الأمن والسلام وتؤثروا المحبة على الخصام، وأعداؤكم يتربصون بكم الدوائر، ويرتعون في الشر رتعا شديدًا، فلو تركتموهم وأمرهم لكان ذلك شرا لكم، ولكانوا هم قوما بورا، لَا يرشدون ولا يسترشدون؛ فمن الرحمة ما تحوي في نفسها أقسى الظلم، ومن الرفق ما يشجع أشد العنف؛ ولذا ذيل الله الآية بقوله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) فالله يعلم مغيب الأمور

стр. 885

ومكنون المستقبل وأنتم لَا تعلمون، والله يعلم ما تكنه الصدور وما تخفيه وأنتم لا تعلمون، والله يعلم ما تصلح به أمور الناس في الدنيا والآخرة وأنتم لَا تعلمون؛ وأنى يكون علم المخلوق كعلم الخالق، وعلم الناقص كعلم الكامل، وعلم القاصر كعلم اللطيف الخبير!. وقبل أن ننهي الكلام في تفسير هذه الآية نقرر أمرين: أحدهما: أن قوله تعالى (وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لكُمْ) هي قضية عامة في كل التكليفات الشرعية يجب أن نقر صاغرين بها، وأن نقبلها طائعين ما دامت قد ثبتت بدليل قطعي لَا شبهة فيه، وألا نمكن أهواءنا من التحكم في أمور ديننا، فعسى أن يكون ما نحب شرا، وما نكره خيرا؛ كما يجب ألا نتململ بأحكام الشارع بدعوى معارضتها للمصالح، أو لروح العصر، فقد يكون ذلك هوى لا مصلحة، وفسادا ومضرة. وليس صلاحا ومنفعة!. ثانيهما: أن هذه الآية فيها فرضية القتال؛ وظاهرها أنها تفرض الجهاد على جميع الناس القادرين عليه، وقد قال بعض العلماء لهذا: إن الجهاد فرض عين على القادرين عليه؛ ولقد قال ﷺ : " من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات ميتة جاهلية " (١) وقال بعض العلماء: إن الجهاد فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الحرج عن الباقين؛ وقد قال الزهري: الجهاد واجب على كل أحد غزا أو قعد، فالقاعد عليه إذا استعين أن يعين، وإذا استغيث أن يغيث، وإذا استنفر أن ينفر. وقد أجمع العلماء على أنه إذا نزل العدو بساحة البلاد وجب القتال على كل المسلمين، كل بمقدار قدرته؛ وقد ابتلى الله أكثر البلاد الإسلامية بالعدو نزل بساحتها، فالجهاد حق على كل مسلم حتى لَا يكون فيها عدو متحكم، وتكون العزة لله ولرسوله، وللمؤمنين. * * *

стр. 886

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨) * * * شرع الله القتال دفعا للأذى، ومنعا للفتنة، ونصرا للحق وخفضا للباطل، ولقد بين سبحانه أن المؤمنين الذين أرهف وجدانهم ومازج حب البشرية قلوبهم، كرهوه، فقال سبحانه: (كتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهوَ كُرْهٌ لكُمْ) كرهه المؤمنون المخلصون، وتمنوا لو أن قومهم آمنوا طائعين أو كفوا عن أذاهم حتى لَا تزهق أرواح، ولا تخضب الأرض بالدماء، ولكن الله سبحانه بين لهم أنه لَا سبيل لرفع الحق إلا بعزة أهله، ولا عز له بين المشركين إلا بنور الحق، وبريق السيف، وإن ذلك في مصلحتهم، كما فيه إعلان الحق لهم، ومنع الأذى عن المؤمنين، وزوال الفتنة في الدين، حتى يصير الدين كله لله، يطلبه من يريده حرا، ويريده من يريده مخلصا، لَا لوم ولا تثريب، ولا فتنة ولا تعذيب. والمؤمنون الذين كرهوا القتال في ذاته كرهوه أيضا لملابساته، ففد يكون في زمان له حرمة وتقديس، أو في مكان مقدس قد حرم فيه القتال جاهلية وإسلاما،

стр. 887

فتتضاعف الكراهة؛ إذ تجتمع الكراهة الذاتية، والكراهة الإضافية لزمان القتال أو مكانه؛ فبين الله سبحانه ما يطمئن قلوب المؤمنين، وإن من يرد الاعتداء بر لا فاجر، ولو اضطر إلى القتال في الشهر الحرام أو البيت الحرام ولذا قال سبحانه:

стр. 888

(يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ). الشهر الحرام - قد بيناه في تفسير قوله تعالى: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاص. . .). وإنه مفرد أريد به الجمع وإن الأشهر الحرم أربعة، هي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وبينا البلاغة التي أدركناها في التعبير بالمفرد في معنى الجمع. وقوله تعالى: (قِتَال فِيهِ) بدل اشتمال من الشهر الحرام، قد وقعت كلمة قتال في موضع الجر على البدلية، والمعنى: أن السؤال عن القتال في الشهر الحرام، لا عن ذات الشهر، وإنما ابتدأ بذكر الشهر لأنه موضع القداسة في نفوسهم، ولأنه أساس التحريم، فالقتال في ذاته لم يعد موضع تفكير، بعد أن اطمأنت قلوبهم إلى أمر ربهم، وأنه سبيل الدفاع عن نفوسهم، إنما موضع السؤال هو القتال في تلك الأزمنة، فابتدئ بذكرها، لأنها الباعث على السؤال: وهو الذي سارع إلى الخاطر، فكان الابتداء به مجاوبة للمسارعة الفكرية بالسبق البياني. ومن هم الذين سألوا؟ أهم المشركون، فيكون السؤال تشنيعا، أم هم المؤمنون فيكون السؤال تحرجا وتأثما من الوقوع، أو ندما أن فرط ذلك منهم؛ إن ذلك أمر لا يعرف إلا من صحيح الآثار. لقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، والبيهقي في سننه بسند صحيح أن النبي ﷺ بعث بعثا على رأسه عبد الله بن جحش ليتبع عيرا لقريش قبل غزوة بدر، وكتب له كتابا، وأمره ألا يقرأه حتى يبلغ مكان كذا، وقال له: " لا تكرهن أحدا على السير معك "، فلما قرأ الكتاب قال: سمعا وطاعة، وخير أصحابه، وقرأ عليهم الكتاب، فرجع منهم اثنان وتبع العير فغنم غنائم وأسر أسيرين، وكان ذلك في أول ليلة من رجب حسبوها آخر ليلة من جمادى، وقيل في

стр. 889

آخر ليلة من رجب، ولم يستأنوا إلى أول شعبان حتى لَا تفلت طلبتهم، ولما جاءوا إلى النبي ﷺ ، وقد علم أنهم قاتلوا في الشهر الحرام، توقف وقال: " ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام " (١). ويروى أن المشركين قالوا: قد استحل محمد الشهر الحرام، فسفك فيه الدماء، وقالوا لمن عندهم من المسلمين المستضعفين: يا معشر الصبأة استحللتم الشهر الحرام، وقاتلتم فيه. وهذا الخبر يفيد فائدتين: أولاهما - أن تلك السرية قاتلت في الشهر الحرام جاهلة بدخوله، أو مضطرة، وكلتا الحالين تحمل العذر أو المسوغ. الثانية - إن قريشا عيرت المسلمين بذلك وأن النبي ﷺ توقف عن التصرف حتى ينزل قرآن فنزل، وعلى ذلك يصح أن يكون السؤال من المشركين، وهو أوضح. ومهما يكن فإن القتال في الأشهر الحرم حرام في حال الاختيار والابتداء فلا يصح البدء بالغزو فيه. ولقد قال جابر: كان رسول الله ﷺ لَا يقاتل في الشهر الحرام إلا أن يغزى أو يغزو حتى إذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ (٢). ولقد قال بعض العلماء: إن تحريم القتال في الشهر الحرام منسوخ بقوله تعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَةً. . .)، وبقتال النبي ﷺ أهل الطائف فيه، ولكن قال عطاء: إنه لم ينسخ. والحقيقة إنه لم يثبت ناسخ صريح في النسخ فإن قوله تعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَةً) العموم فيه بالنسبة للمقاتلين لَا بالنسبة لزمان القتال، وإن النبي ﷺ لم يبتدئ قتالا في الشهر الحرام مختارا قط، والتحريم في الاختيار والابتداء كما بينا لَا في البقاء والاضطرار؛ ولذا قال سبحانه: (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ. . .)

стр. 890

ولأن الأشهر الحرام نص عليها في خطبة الوداع، وكل ما جاء فيها غير منسوخ. وقد بينا حكمة تحريم القتال في الأشهر الحرم عند تفسير قوله تعالى: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ. . .). (قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) عير المشركون المؤمنين بأنهم قتلوا أو قاتلوا في الأشهر الحرم مع أنهم كانوا معذورين، لجهلهم باليقات، أو لدفع الضرر عن أنفسهم بمبادرة عدوهم قبل أن يقتلهم، وما سوغ أحد ترك الدفاع عن النفس إن هاجمه العدو، فرد الله سبحانه قولهم بقوله تعالى: (قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) فهو رد بالموافقة، أي أن القتال في الشهر الحرام أمر كبير على النفوس تستثقله القلوب المؤمنة فكيف إذا كان هو أمرا مكروها في الجاهلية والإسلام، لأن الشهر الحرام مقدس في الإسلام، أو يقال إن المعنى القتال فيه ذنب كبير، وعمل خطير، لأن فيه اعتداء على الشهر الحرام المقدس. وهذا التسليم ليس لأن المؤمنين جديرون بأن يعيروا، لأنهم معذورون بل إن التسليم ليأخذ الكفار من نواصيهم إلى الحق، ويبين لهم مقدار ضلالهم وفسادهم، فإذا كان كبيرا وخطيرا وذنبا وإثما قتال في الشهر الحرام لأنه اعتداء عليه هو، فكيف يكون الصد عن سبيل الله، والكفر بالله، والكفر بالمسجد الحرام، وإخراج أهله منه، وكيف تكون الفتنة في دين الله، وحمل الناس على الخروج منه؛ إن ذلك يكون بلا شك أعظم وأخطر لأنه اعتداء على الله وعلى بيت الله، وعلى الأنفس، وعلى الأهل والعشيرة، ولذا قال سبحانه: (وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكبَرُ). أي أن هذه الأمور مجتمعة ومنفردة أكبر من القتال في الشهر الحرام، ومع ذلك ارتكبوها وأخذوا على الناس القتال الشريف اضطرارا في هذا الزمان. والكلام مستقيم تمام الاستقامة على أن السؤال كان من المشركين، والإجابة له مفحمة ملزمة موجهة باعثة على الخير. وإذا كان السؤال من المؤمنين كالسؤال في

стр. 891

قوله تعالى: (يَسْألُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ. . .)، وكالسؤال فيما يأتي: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ. . .)، إذا كان السؤال من المؤمنين إعلانا لندمهم على صنيعهم، فقوله تعالى: (قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) فيه بيان معذرتهم، وأنهم مضطرون لَا مختارون وإن الذين قاتلوهم ارتكبوا معهم الشر بكل صنوفه، فإن أخطأتم غير قاصدين فأولئك ارتكبوا أصناف الشر قاصدين، وهم لَا يرقبون فيكم إِلًّا وَلَا ذِمَّةً. والأصناف التي ذكرها الله سبحانه من اعتدائهم خمسة: هي الصد عن سبيل الله، والكفر بالله، والكفر بالمسجد الحرام، وإخراج أهله منه، والفتنة في دين الله. أما الصد عن سبيل الله فمعناه المنع من سبيل الله، أي السن المستقيم الذي سنه الله لخلقه ليسيروا على الفضيلة متآخين متحابين وابتدأ الله ببيان صدهم عن سبيله للإشارة إلى أنهم يعاندون الحق في ذاته ويمنعون أن تقام العلاقات بين الناس على أسس من الفضيلة. والفعل صد: يستعمل لازما ومتعديا، فيقال: صد عن هذا الأمر أو عن فلان صدودا إذا أعرض غنه وانصرف، ويقال: صده عن هذا الأمر صدا أي منعه وصرفه. والكفر بالله يشمل الشرك، ويشمل كفر النعم التي غمرهم الله بها وأسبغها عليهم، سواء أكانت مادية ببسط الرزق، أم كانت معنوية بآياته البينات، وبعث الرسالة فيهم تهديهم وترشدهم، وكون الرسول ﷺ منهم (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ. . .). والكفر بالمسجد الحرام عدم شكر الله على نعمته إذ جعلهم في حرم آمن والناس يتخطفون من حولهم: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّف النَّاس مِن حَوْلِهِمْ. . .)، ومن الكفر أنه بيت الله ومع ذلك يقيمون عليه الأصنام وهي الأحجار التي يشركونها بالله في العبادة، ومن الكفر به أن يمنعوا الناس من القيام بحقه في الزيارة والطواف في الحج والاعتمار، ومن الكفر أن يؤذوا الناس حوله ويقتلوهم ويفتنوهم عن دينهم في بطحاء مكة، وهكذا لم يقيموا للبيت

стр. 892

أي حرمة ويتمسحون بالشهر الحرام والقتال فيه، فيعيبون ناسا اضطروا إلى القتال غير قاصدين، وقد ارتكبوا هم معهم المنكر والزور. وإخراج أهل المسجد منه، فإن إخراج الآمنين من مستقرهم جريمة كبيرة، وإخراج الساكنين حول البيت أكبر جرما وأعظم إثما، لأنه اعتداء عليهم، واعتداء على البيت واعتداء على الأمن الذي بقي لهم من شريعة إبراهيم ﵇، إذ قال: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ)، فهم تعدد اعتداؤهم عليه: فأزالوا الأمن الذي أوجبه الله، ووضعوا حوله الأصنام، وأخرجوا أهله منه. هذه الأمور الأربعة كلها جرائم متتالية، وكل واحدة منها جريمة بذاتها، ولكنها في مجموعها تساوي جريمة واحدة قائمة بذاتها وهي الفتنة في دين الله، ولذلك خصها الله بالذكر كأنها وحدها تساوي الكل أو تزيد وهي مبعث أكثرها، فقال سبحانه: (وَالْفِتْنَة أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ). فالفتنة في دين الله، بإنزال الشدائد بالمؤمنين ليحملوهم على ترك دينهم وتضليلهم وصرفهم عن الحق الذي اختاروه بالمحن والشدائد، وتوهين نفوس الضعفاء ليرتدوا عن دينهم. وأصل اشتقاق كلمة الفتنة من الفَتْن، وهو إدخال الذهب النار لتظهر جودته من ردائته، واستعمل في إدخال الإنسان النار، قال تعالى: (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ. . .)، أي عذابكم، وتستعمل الفتنة في الاختبار ومن ذلك قوله تعالى: (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا. . .)، وجعلت الفتنة كالبلاء في أنهما يستعملان فيما يدفع إليه الإنسان من شدة ورخاء، وهما في الشدة أظهر معنى وأكثر استعمالا، وقد جاء فيهما قوله تعالى: (وَنَبْلُوكُم بِالشَّر وَالْخَيْرِ فتْنَةً. . .). وقال في الشدة: (إِنَّمَا نَحْنُ فتْنَة. . .)، (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ. . .)، (١).

стр. 893

والفتنة التي أنزلها المشركون بالمؤمنين، وهم مستضعفون بمكة كانت أكبر من القتل؛ لأنها أذى شديد يلحق الروح، وأذى الروح وبخعها بحملها على الكفر بعد الهداية لَا يقل عن القتل، فهذا موت مادي، وذلك موت أكبر وأعظم، ولقد قال تعالى (أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ منهَا)، فالضلال كالموت، بل هو أشد الموت، والهداية حياة أي حياة. والفتنة فوق ذلك محاربة الفضيلة، ومحاربة قيام الجماعة على أسس من الخير فهي تؤدي إلى موت الجماعة، لأن حياة الأم بروابط الفضيلة بين أحدها وكيف يكون قتل واحد أو اثنين أو عشرة مساويا لقتل أمة، وذهاب وحدتها وتحكم الأشرار وسيادة الظلم وانتشار الفوضى؟! وإن الحرية الدينية هي معنى الإنسانية، فقتلها بالفتنة قتل لأقدس معاني الإنسانية. ولقد كان أولئك المشركون يفتنون المسلمين الأولين عن دينهم بصنوف الأذى، والابتلاء لم يسلم من أذاهم ضعيف أو ذو عصبة، فذوو العصبة كانوا يستهزئون بهم ويثيرون السخرية حولهم، وقد تمتد أيديهم بالأذى إليهم، وقد كانوا يقاطعونهم ويمتنعون عن معاملتهم كما فعلوا ببني هاشم عندما ناصروا النبي ﷺ ولم يسلموه إليهم ليقتلوه. وكان أشد الأذى بالضعفاء وخصوصا الموالي، وقد حفظ التاريخ بلاء شديدا لكثيرين من المؤمنين أمثال عمار بن ياسر وأبيه وأمه، وقد مات الأب والأم في العذاب الأليم، وبقي الابن وقد خرج من المحنة مصقول النفس قوي الجنان ثابت الإيمان، وكذلك نزل بخباب بن الأرت وبلال وغيرهم. وإن أولئك الذين فتنوا المؤمنين الأولين وهم مستضعفون، ولا يزالون على نيتهم، وقد صار الإسلام في عزة، ولذا قال سبحانه: (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) فهؤلاء المشركون أعداؤكم لَا تأخذكم بهم هوادة، ولا تجعلوا لهم عندكم إرادة، لأنهم أعداء دينكم، فتنوكم فيه في الماضي،

стр. 894

وأخرجوكم من دياركم، وما زالوا على هذه النية في الحاضر، لَا يودون لكم إلا خبالا، وهم دائما في قتال معكم، فالتعيير بالفعل الدال على الاستمرار مع التعبير بالمضارع يدل على الدوام والبقاء، فهم مستمرون على القتال معكم، وأنتم معهم في قتال دائم، فإن قاتلتموهم في الشهر الحرام، فأنتم لم تبتدئوهم، بل هم الطغاة المبتدئون، وإن تركتموهم لم يتركوكم، وإن تركتموهم زمنا فقد مكنتموهم من فرصة ينتهزونها، وسهلتم لهم رغبتهم التي يضعونها نصب أعينهم وهي أن يردوكم عن دينكم. وقد بين الله سبحانه أيضا غايتهم من هذا القتال، وأمنيتهم التي يتمنونها، وهي أن يردوكم عن دينكم الذي ارتضيتم؛ لأنهم رأوا أن هذا الدين يهدم طغيانهم، ويأتي بنيانهم من قواعده، ولأنه دين الفضيلة وهم أعداؤها ودين المساواة وهم لا يحبونها، ودين العدل وهم لَا يرتضونه، ودين النور وهم يطمسونه. ولكن الله لَا يمكنهم وهو ناصركم، (إِن يَنصُرْكمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْده. . .). ولقد عقب الله الجملة الكريمة بقوله: (إِنِ اسْتَطَاعُوا). والتعبير بـ " إنْ " يفيد الشك في قدرتهم، بل إن الزمخشري يقول إن قوله تعالى: (إِنِ اسْتَطَاعُوا) دالة على عدم قدرتهم على ذلك أو استبعاد ذلك، فهو كقول الرجل لعدوه، لَا تبق عليّ إن ظفرت بي وهو واثق أنه لن يظفر به، وكأنه قيل لهم وأنى لهم أن يستطيعوا ذلك، والله محيط بهم، ولهذا الدين رب يحميه، ولن يذل قوم الله ناصرهم!! بيد أنهم إن عجزوا عن ذلك بالنسبة للجماعة فلن ترد تلك العصابة المطهرة عن دينها، قد يميل معهم من يكون في قلبه مرض، أو فيه ضعف، أو لم يكن قوي الإيمان بحيث يصبر على المحن، وتصقله التجارب، وتضيء قلبه الشدائد. ولقد حذر الله أولئك الضعفاء، فقال تعالت كلماته:

стр. 895

(وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) بين الله في تلك العبارات السامية حال من يرتد، ويستمر على ردته إلى أن يموت، ولقد أشار في قوله تعالى: (مِنكُمْ) إلى أنه لَا يتصور أن تتحقق بغية المشركين، وهي أن يردوكم أجمعين، بل أقصى ما يصلون أن ينالوا ضعيف الإيمان، فيعيدوه إليهم ولا خير فيهم ولا فيه، والنار أولى بهم جميعا. وقد ذكر الله الردة عن الدين وحكمها، والردة أن يكفر بالله بعد إذ آمن، أو بالرسول بعد أن أذعن لما جاء به أو ينكر شيئا مما جاء بالكتاب من أخبار النبيين، أو الأعمال التكليفية، وبالجملة ينكر شيئا مما علم من الدين بالضرورة، ولقد عقب الله الردة بالموت كافرا غير مؤمن؛ ولذا عطف بالفاء، وكأن الردة يترتب عليها الموت كافرا، وذلك لأن الشخص إذا كان مضطربا غير مستقر، يؤمن ثم يكفر، ليس من شأنه أن يموت مستيقنا ثابتا قارا على حال، كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا)، فالمضطرب العقيدة يغلب عليه ألا يموت مستقرا على حال، بل يموت كافرا، وإذا كان الشرع الإسلامي قد أوجب استتابة المرتد فلكيلا يكون ثمة عذر في قتله، ولقد منع الإمام مالك استتابة الزنادقة لكيلا يتخذوا التوبة الظاهرة ذريعة لدسهم الخبيث. وقد ذكر الله سبحانه جزاء المرتدين، فذكر عقوبتين: إحداهما: بطلان أعمالهم الصالحة في الدنيا، فلا يكونون أمام الناس مؤمنين، وفوق ذلك تفسد نفس المرتد، فيذهب عنه نور البصيرة الذي يستفيده بالإيمان، فإن العقيدة الصحيحة توجه الفكر والعمل توجيها صحيحا يكون إشراقا في العقل، واستقامة في الأفعال والأقوال، وفوق ذلك يفقد المرتد الثقة بنفسه وثقة الناس به، وأما بطلان أعماله في الآخرة فبعدم الجزاء عليها، وهو النعيم المقيم الذي خصص للمتقين.

стр. 896

وعبر عن بطلان أعمال المرتدين بقوله تعالى: (حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ)، وأصل الحبْط من الحبط وهو أن تأكل الدابة أكلا حتى تنتفخ بطنها، فلا تنتفع بما أكلت ويفسد حالها، وكذلك الأعمال التي يحبطها الله يكون فسادها من صاحبها وتكون ضررا له وقد كان الأصل أن تكون خيرا. العقوبة الثانية: ملازمة النار في الآخرة والخلود، ولذا قال سبحانه: (وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) أن هذا التعبير فيه تأكيد نزول العذاب بهم من ثلاثة وجوه: أولها - الإشارة إلى سببه، فإن الإشارة في قوله سبحانه: (أُوْلَئِكَ) إلى هؤلاء الذين يرتدون باضطراب قلوبهم وفساد خلقهم، وذكر السبب مع الحكم تأكيد له. والثاني - أنه ذكر أنهم ملازمون للنار ملازمة الصاحب لصاحبه، وكأنهم مختصون بها وهي مختصة بهم. والثالث - التعبير بالجملة الاسمية مع التأكيد بضمير الفصل، وإن ذلك التعبير السامي كثير الورود في كتاب الله تعالى في مقام العقاب ومقام الثواب، والتعبير عن العقاب والثواب بالنسبة للكافرين والمؤمنين بالخلود، يدل على الدوام السرمدي والبقاء الأبدي، لأن ذلك صريح، ولكن فهم بعض العلماء أن المراد طول المدة لا البقاء الدائم، وأولئك يحسبون أن عذاب النار غير دائم، وذلك لَا دليل عليه بل عبارات القرآن صريحة قاطعة، وأحاديث النبي ﷺ لَا تقبل الشك في دلالتها. وإنها للجنة أبدا أو للنار أبدا. وأن أولئك المشركين قد اعترضوا على القتال في الشهر الحرام مع أنهم المعتدون ولا يبغون إلا أن يرتد المؤمنون عن دينهم، وقد تألم المجاهدون لقتالهم في الشهر الحرام مع أنهم مدافعون، ولم يكونوا قاصدين القتال فيه وقد رد الله سبحانه كيد الضالين في نحورهم، وبين عقاب من يجيبون رغبتهم، وقد بين بعد ذلك حال المؤمنين ومنزلتهم من ربهم ليزول ندمهم، فقال سبحانه:

стр. 897

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ). هذه أوصاف ثلاثة لأولئك المقربين الصديقين: أولها - أنهم آمنوا، والإيمان تصديق للحق، وإذعان لحكمه، وتنفيذ لأوامره، وإخلاص في القلب، ونور في البصيرة، وذلك وحده كاف للجزأء إن قام المؤمن به، وحقق لوازمه وخواصه، وصار شعاره ومظهره، وسريرته وحقيقته. وثانيها - الهجرة، فقال تعالى: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا) وكرر الوصول هنا للإشارة إلى أن الهجرة وحدها عمل زائد على الإيمان يستحق وحده الثواب لأنه ترك للمال والأهل، وطلب للعزة وإعزاز الدين، بدل البقاء في الذلة والرضا بحياة المستضعفين وقد أمر الله بالهجرة عند الاستضعاف، ونهى عن البقاء تحت نير غير المسلمين؛ ولذا قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠). وثالثها - الجهاد في سبيل الله تعالى، وهو باب الجنة، وهو رهبانية هذه الأمة، فإن النبي ﷺ يقول: " رهبانية هذه الأمة في الجهاد في سبيل الله " (١). ولقد بين سبحانه جزاءهم فقال: (أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ) أي إن أولئك المتصفين بهذه الصفات ليس من شأنهم أن يخافوا العذاب لخطأ غير مقصود في الجهاد، بل إنهم يرجون الرحمة والثواب، ومن رجا طلب، ومن خاف هرب،

стр. 898

فلا تخافوا في الجهاد إلا الله، ومن أخطأ فله أجر، ثم ذيل سبحانه الجملة الكريمة بقوله: (وَاللَّه غَفُورٌ رحِيمٌ) لبيان أنه سبحانه يقبل التوبة عن عباده فيقبل إسلام الكافرين والإسلام يجب ما قبله، وكما قال تعالى: (قُل لِّلَّذِين كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ. . .)، ويقبل توبة العاصي ويدنيه، وإن غفران الذنوب تشجيع على الطاعات وهجر المنكرات، وعند اليأس تموت النفس ولا يقدع الهوى، وإن ذلك كله برحمة الله تعالى لعباده آحادا وجماعات، فمن مصلحة الآحاد أن يهجروا المعاصي ويكونوا عاملين في بناء الفضيلة، ومن مصلحة الجماعة تكثير العاملين على الخير وإقامة الحق والعدل، والله من ورائهم محيط. * * * (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠) * * * أسئلة ثلاثة وإجابتها، وكلها يتصل بإصلاح المجتمع، وتقوية بنيانه، وكل واحد منها يتجه إلى ناحية إصلاحية، وكلها يتلاقى نحو مقصد واحد، وهو إقامة بناء المجتمع على دعائم من الفضيلة والمودة والتعاون على الخير، وعدم التعاون على الإثم والعدوان، وقد جاءت هذه المعاني الإصلاحية التي توثق الوحدة، وتقوى الروابط بعد الأمر بالجهاد مع بعض أحكام القتال؛ لأن القتال حماية للدولة من أن

стр. 899

يلتهمها العدو الخارجي، والإصلاح في هذه المسائل الثلاث يتناول حماية الأمة من أن تأكلها نيران العدو الداخلي، وهو التنابذ، وأن تنظر كل طائفة للأخرى نظر العدو المترصد، لَا نظر العضو المتعاون والأخ المتودد، ولأن الوحدة الداخلية والاتحاد المكين عدة القتال، وذخيرة الحرب، فقوة الحرب تستمد من السلم، ولأن مقصد الإسلام الأسمى هو إيجاد جماعة متآخية متحابة على أسس من الفضيلة والخلق الكريم ولكنه ما إن دعا بدعايته، حتى خرج عليه إخوان الشيطان يحاولون أن يبيدوه وأن يقضوا عليه في مهده، وفتن المسلمون في دينهم، وعذبوا في إيمانهم عذابا شديدا فأذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وساروا على سنة الوجود، وهو أن يدافعوا ذلك العدو المعتدي الذي يريد الفتك بهم، حتى إذا دفعوه وأمنوا شره، أو فلوا قوته، وخضدوا شوكته، اتجهوا إلى إقامة مدينتهم الفاضلة، وإرساء قواعدها وحققوا بهذا القصد الأول، ومكنوا لأنفسهم وأعدوا بالفضائل عدة أقوى لمنازلة الأعداء. وقد ابتدأ القرآن الكريم في إصلاح المجتمع الإسلامي بهذه المسائل والإجابة عنها؛ لأنها هي التي تنفي الأذى وتدفع الخطر الاجتماعي، ومن المقرر عند علماء الإسلام أن التخلية مقدمة على التحلية، أي أن نفي الإثم مقدم على جلب النفع، وأن دفع المفسدة مقدم على جلب المنفعة، إذ إنه لَا منفعة مع أن الفساد يشيع، والداء يستشري، والأذى يستمكن، ومثل الجماعة في علاجها من أدوائها، كمثل الجسم الإنساني في علاجه من أمراضه، فإن الطبيب النطاسى (١) لَا يبادر بتقوية الجسم ويترك الجراثيم تفتك به بل يجتهد أولا وبالذات في محاربة هذه الجراثيم والقضاء عليها، ثم يقوى الجسم، وإن عمد إلى التقوية في أثناء العلاج فلتقوى المقاومة، ولتزداد الحصانة، ولتشتد المناعة وغرضه الأول محاربة الآفات، وكذلك الأمر في إصلاح الأمم: يبتدئ بإماطة الأذى الذي يفتك بها، ثم يثني بأعمال الإنشاء، التي تقيم البناء.

стр. 900

وإن هذه الأسئلة الثلاثة - هي: السؤال عن الخمر والميسر والسؤال عن مقدار ما ينفق والسؤال عن اليتامى وإصلاحهم. أما السؤال الأول، فقد جاء فيه قوله تعالى:

стр. 901

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) السؤال عن الخمر والميسر هو بلا شك عن الحل والتحريم لَا عن الحقيقة والذات، فإنهم يعرفونهما بلا شك، وكان الأغنياء وذوو المقدرة فيهم منغمسين فيهما، ولذلك كان الجواب مشيرا إلى عدم رضا الشارع عنهما أو مشيرا إلى تحريمهما، لأن ما غلبت مضرته على منفعته - كما هو حكم الإسلام - يكون حراما، ولا يكون حلالا، وقد صرح بذلك، فكان يحق على المؤمن النقي النفس، الذي خلص من أدران الهوى أن يكتفي بذلك ويجتنبهما، وكذلك فعل خواص المؤمنين، والعلية من أصحاب الرسول الأمين كأبي بكر وعمر وغيرهما من السابقين المقربين. ولقد كان عمر ﵁ يحس بأن شرب الخمر لَا يسوغ في الإسلام، ولذا كان يدعو الله قائلا: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، خصوصا بعد أن نزلت الآيات التي تشير إلى التحريم، ولا تصرح به. ولماذا كان السؤال عن الخمر والميسر، وممن كان السؤال؟ إن السؤال بلا ريب من المؤمنين، ولم يكن من غيرهم، لأنهم رأوا الخمر تذهب الرشد، وتضعف العقل، وتجعل المرء يقع فيما لَا يحسن، حتى أنه ليروى أن حمزة بن عبد المطلب شرب الخمر، فعقر ناقة لعلي بن أبي طالب قد أعدها ليحتطب عليها، ويجمع بذلك مهر فاطمة الزهراء، فشكا إلى النبي ﷺ عمه، ولما خاطبه النبي ﷺ كان سكران، فقال للرسول الكريم: ما أنتم إلا عبيد أبي (١)! فما كان المؤمنون الأولون وقد أرهف الإيمان قلوبهم وزكت أرواحهم، وطهرت نفوسهم ليرضوا عن الخمر، وإن لم يصرح القرآن بالتحريم، ولذلك كثر سؤالهم عنها، ليكون القطع في أمرها.

стр. 902

ولقد نزل في الخمر أربع آيات من القرآن الكريم أولها: (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧). والثانية: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ). والثالثة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتمْ سُكَارَى. . .). والرابعة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠). ولقد اتفق العلماء على أن الآية الأولى أول ما نزل في القرآن خاصا بالخمر، مشيرا إليها، لأنها نزلت بمكة، إذ إنها من سورة النحل وهي مكية. وقد اتفقوا أيضا على أن آية المائدة وهي الرابعة آخر آية نزلت في الخمر، لأنها القاطعة في التحريم؛ ولذا قال عمر عندما سمع قوله تعالى في آية المائدة: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)،: انتهينا، وشفى ذلك ما في نفس الفاروق من الخمر. والأكثرون على أن قوله تعالى: (يَسْألُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ) سبقت في النزول آية: (يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى. . .)، ولكن يميل بعض المتأخرين (١) إلى أن آية (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى) مقدمة على آية (يَسْألُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ) لأن هذه فيها إشارة إلى التحريم المطلق لأنه من المقررات الشرعية أنه إذا كان الضرر أكبر من النفع، فإن الحكم هو التحريم، وكذلك كل المحرمات ضررها أكبر من نفعها، ولا يكاد يوجد أمر يكون ضارا ضررا محضا، إذ إنه ما من ضار إلا فيه نفع، وما من شر إلا كان فيه بعض الخير، وما من نفع إلا تأشب به بعض الضرر، والعبرة في التحريم بالغالب فإن غلب النفع كانت الإباحة، وإن غلب الضرر كان التحريم، فإذا كانت آية (يَسْألُونَكَ عَن الْخَمْرِ) قد صرحت بعلة التحريم فقد أومأت إلى التحريم المطلق، أما آية (لا تَقْرَبَوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى) فهي لم تصرح بالتحريم المطلق،

стр. 903

بل أومأت إلى التحريم المؤقت أو العلل بكونه لأجل الصلاة، وإذا كان الترتيب في النزول لأجل التدرج في المنع، فالمنطق يوجب أن يكون ما فيه إشارة إلى التحريم المطلق مؤخرا عما فيه إشارة إلى التحريم المؤقت، والعلل بكونه لأجل الصلاة. وقبل أن نترك الكلام في آيات الخمر عامة إلى الكلام في هذه الآية الخاصة (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ) لابد أن نشير إلى معنى خاص بالآية الأولى وهو قوله تعالى (وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ والأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا. . .)، فقد فهم بعض الناس أنها تبيح الخمر، ومن المقررات العلمية في الإسلام أن ما أباحه الله لَا يرد نص صريح بإباحته بل يكون متروكا لَا نص فيه بالإباحة ولا بالمنع، ولذا يقول علماء الأصول أنه لَا يكون مباحا، بل يكون في مرتبة العفو لأن ما فيه من أسباب التحريم قائم، ولكن لَا نص يمنع، فيكون محل عفو الله، إذ لا عقوبة من غير نص، فكيف تكون هذه الآية مشيرة بالإباحة؛ والجواب عن ذلك أن ذا الفهم المستقيم لَا يأخذ من الآية الأولى دلالة على الإباحة لَا بالإشارة ولا بالعبارة، بل إنها تدل على التحريم بالإشارة، وإن لم تكن قريبة كالإشارة في قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) ووجه الإشارة إلى التحريم في تلك الآية أن الله يمن عليهم بنعمه وذكرها لهم، فذكر أنه رزقهم ثمرات النخيل والأعناب فاتخذوا منه سكرا، ورزقا حسنا، أي أنهم أخذوا منه نوعين متقابلين: أحدهما مسكر والآخر شراب حسن وطعام جيد سماه رزقا حسنا، فتسميته أحد النوعين بأنه رزق حسن معنى ذلك أن مقابله ليس رزقا حسنا، بل هو استعمال سيئ لما أنعم الله به، وفي ذلك بلا ريب إشارة إلى أنه مبغض غير مستحسن، ولا يقر من يتخذه كذلك على ما يفعل، فليس في هذه الآية إذن إشارة إلى الإباحة بل فيها إشارة إلى التحريم أو تصريح بعدم الاستحسان أو ما هو في حكم التصريح من حيث الدلالة اللغوية. وبعد ذلك نتكلم عن حقيقة الخمر عند الفقهاء، ثم نتكلم عما فيها من إثم، وما فيها من نفع، ووجه الكبر في إثمها والقلة في نفعها، وقبل أن نخوض في كلام الفقهاء نذكر الاشتقاق اللغوي لكلمة الخمر:

стр. 904

أصل كلمة " خمر تستعمل بمعنى الستر، وبمعنى " الترك، وبمعنى الاختلاط فيقال خمر بمعنى ستر، ومنه خمار المرأة لأنه يستر وجهها، ومنه: خمروا آنيتكم أي غطوها، ويقال للشجر الملتف (خمرا) لأنه يستر بعضه بعضا ومنه قول القائل: دخل في غمار الناس وخمارهم، أي اختفى فيهم وستر بهم. ومن استعمالها بمعنى الترك قولهم: اختمر العجين، أي ترك حتى بلغ إدراكه، وقولهم خمر الرأي واختمر أي تركت حتى تبين وجه الحق فيه ومن استعمالها بمعنى المخالطة أن يقول القائل: ما خامرني شك، أي خالطني شك. والخمر التي تسكر فيها المعاني الثلاثة، فهي تستر العقل، وهي لَا تكون كذلك مسكرة إلا إذا تركت مدة طالت أو قصرت حتى تتكون منها المادة المسكرة، وهي تجعل الشارب لها يختلط عقله، ويغلب صوابه، فلا يعرف الحق من الباطل، واللائق من غير اللائق، والضار من النافع. وقد اختلف الفقهاء في مدلول كلمة خمر التي نص عليها القرآن بالتحريم مع أن كل مادة من شأنها الإسكار تكون حراما، إنما موضع الخلاف في الأمر الذي حرم بنص الآية أيشمل المسكرات كلها، فيدخل في عموم التحريم بالنص كل الأنبذة وكل المواد التي من شأنها أن تسكر، وإن لم يسكر المتناول فعلا سواء أكانت تلك المواد من عصير العنب أم كانت من غيره. . أم أن النص الوارد بالتحريم في الخمر هو فيما كان من عصير العنب، وغيره من المحرمات ثبت تحريمه بالقياس عليه لتحقق علة التحريم فيه، ولعموم النص في الحديث " كل مسكر حرام "؛ (١). قال الجمهور الأول)، وهو أن كلمة خمر تشمل كل مسكر، وحجتهم في قولهم أصل الاشتقاق لأن كل مسكر يتلاقى مع أصل الاشتقاق في الكلمة، لأنه يستر العقل، ويجعل الشارب مختلط الفكر مضطرب النظر لَا يعرف الحق من الباطل، وقد تبين من قبل أصل الاشتقاق. وقد روى الترمذي أن رسول الله ﷺ

стр. 905

قال: " كل مسكر خمر " فكان هذا تبيينا من النبي ﷺ لمعنى كلمة خمر، والنبي ﷺ هو المبين الأول للقرآن الكريم، فلا تفسير وراء تفسيره، ولقد روي أن الرسول ﷺ قال: " إن من العنب خمرا وإن من التمر خمرا، وإن من العسل خمرا وإن من البر خمرا، وإن من الشعير خمرا " (١) فلم يقتصر النبي ﷺ في تفسيره على عصير العنب، بل شمل أكثر المواد التي كان يتخذ العرب منها خمورهم. ولقد فهم الصحابة، وهم من العرب الذين أوتوا علم هذه اللغة، تحريم كل مسكر عندما نزل قوله تعالى: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ من عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ. . .)؛ ولذلك أراقوا كل الأنبذة التي كانوا يتناولونها، وليس فيها شيء من عصير العنب. ولقد روى البخاري عن أنس ﵁ أنه قال: " حرمت علينا الخمر حين حرمت وما نجد خمرا من الأعناب إلا قليلا وعامة خمرنا البسر والتمر " (٢). هذا تفسير الجمهور لكلمة خمر الواردة في القرآن الكريم، ولقد خالف أبو حنيفة وأصحابه الجمهور في تفسير كلمة خمر التي ورد بها النص القرآني، فقالوا: إنها النيئ من ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد، وما عدا ذلك لَا يسمى خمرا، وإن كان مسكرا محرما. وترى أنهم لَا يعدون حتى كل عصير العنب من الخمر، فلا يدخل في كلمة الخمر المطبوخ من ماء العنب، إنما كلمة خمر مقصورة على النيئ منه غير المطبوخ، ويستدلون لقولهم هذا بأن النبي ﷺ أتى بنشوان فقال: " أشربت خمرا؟ " فقال: ما شربتها منذ حرمها الله ورسوله. قال: " فماذا شربت "؟ قال: الخليطين. فحرم الرسول ﷺ الخليطين " (٣). فنَفى الشارب اسم الخمر عن

стр. 906

الخليطين بحضرة النبي ﷺ ، فلم ينكره عليه، ولو كان ذلك يسمى خمرا من جهة لغة أو شرع لما أقره ﷺ . وقد روى أن النبي ﷺ قال في حجة الوداع، - وقد سئل عن الأشربة: " حرام الخمر بعينها والمسكر من كل شراب ". ومهما يكن من الاختلاف في تفسير كلمة خمر، فقد اتفق الفقهاء على أن كل مادة من شأنها الإسكار تكون حراما وتأخذ حكم الخمر تماما، وإنما موضع الخلاف هو في أن كل المسكرات داخلة في النهي بنص الآية أم داخلة بالقياس وبالحديث؛ قال الجمهور الأول، وقال الحنفية الثاني. وإن الأحاديث الصحيحة تثبت أن علة تحريم الخمر إسكارها أو تخديرها على حد تعبير العلماء اليوم، فقد ورد أن النبي ﷺ قال: " كل مسكر خمر وكل مسكر حرام " (١)، وإذا توافرت هذه العلة في شراب كان حراما قليله وكثيره؛ لأنه يكون حرام التناول في الكثير لذاته، وفي القليل لسد الذريعة، ولأنه إذا كان مسكرا فإنه لَا يكون عند الأكثرين طاهرا، ولأنه إذا كان مسكرا في ذاته فإن قليله مهما قل يكون مخدرا. وفى الحقيقة أن المسكر حرام، لَا لأنه مسكر فقط، بل لأنه يميت الضمير، أو يخفت صوت الوجدان الخلقي، ويضعف صوت النفس اللوامة، وإن ذلك يحدث في القليل والكثير، ويحدث لكل الناس، حتى أولئك الذين لَا تظهر عليهم أمارات السكر من اضطراب القول واختلاط مظاهر التفكير. وتعجبني كلمة في هذا قالها الفيلسوف تولستوي فقد قال في كتابه الآفات الاجتماعية: (إن النبي محمدا ﷺ حرم الخمر لأنها تميت الوجدان أو تضعفه). والخمر كذلك حقيقة، لأن الرجل يؤنبه ضميره على فعل، فلا يتناول الكأس حتى يزول تأنيب الضمير، والرجل يهم أن يقدم على الشر فيستيقظ وجدانه، ويقف حائلا بينه وبين فعله، فلا يلبث أن يتناول الكأس أو بعضه حتى تزول محاجزات الضمير، ويندفع في الشر اندفاعا لَا يقف في

стр. 907

سبيله واعظ من ضمير، أو زاجر من نفس لائمة، ويستوي في ذلك قليل الخمر وكثيره، كما يستوي في ذلك من لَا يسكر ومن يسكر من الشرب. بعد هذا نشير في إلمامة موجزة إلى معنى قوله تعالى: (فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) (وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) ولنبتدئ الآن ببيان إثم الخمر ثم نعقب على ذلك ببيان إثم الميسر. الإثم في أصل معناه: اسم لكل فعل معوق مبطئ لَا يوصل إلى الأغراض والنتائج، ثم أطلق في لغة القرآن على أفعال الشر، لأن الشر يعوق الإنسان عن الوصول إلى الغاية الإنسانية الكاملة، ويبطئ عن الوصول إلى الثواب في الآخرة. وقد تطلق كلمة إثم في لغة القرآن الكريم ويراد منه العذاب والعقاب ومن ذلك قوله تعالى: (. . . وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا). والمراد من الإثم في الآية الكريمة ما يقابل النفع وهو الضرر. وفي الحقيقة أن الخمر فيها ضرر لَا شك في ذلك، وضررها أكبر من نفعها بلا ريب، وحسبها ضررا أمران لَا شك في وجودهما، ولاريب في أنهما يترتبان عليها: أولهما - إضعاف صوت الضمير، ولا شيء يضر في الاجتماع أكثر من صوت الضمير أو إضعافه، لأن الخلق الاجتماعي الذي يترتب عليه الإلف، والائتلاف بين الناس أساسه الحياء، والإحساس بسلطان الجماعة لائمة ومهذبة، وتبادل الشعور بينه وبين غيره، ثم النفس اللوامة، وإن الكأس تذهب بكل هذا: تذهب بالحياء والحياء خير كله، وإذا لم تستح فاصنع ما شئت، ويندفع الشخص في مخالفة الجماعة غير هياب ولا وجل، وكثيرا ما يكون القصد الأول من الشرب خرق حجاب الحياء، لينطلق بالقول والفعل بما لَا يليق. وإن ذلك الأمر يعم كل شارب، سواء أكان ممن تقرب سكرتهم، أم كان ممن تبعد، وسواء أكان المقدار قليلا، أم كان كثيرا، فلا يكاد يكون شارب بعد شربه في حيائه الذي كان عليه من قبل، وفي قوة وجدانه وضميره التي كانت له قبل أن يتناول ذلك السم الخلقي الذي يفتك بالأخلاق والفضيلة، ولذلك سميت الخمر بحق

стр. 908

أم الخبائث؛ لأنها بعد تناولها تسهل كل خبيثة كانت مستعصية لَا تقبلها النفس ويعافها الشارب. ثاني الأمرين اللذين يترتبان على الشرب بلا مراء: ذهاب الرشد، أو إضعاف الإدراك ووزن الأمور وزنا صحيا، وإنا والله لنعجب لأولئك الذين يرضون الضلال بدل الرشد، والغفلة بدل الصحو، وقد كان في الجاهلية رجال عافوا ذلك، ولم يرتضوه لأنفسهم، وقد قيل للعباس بن مرداس، وكان لَا يشرب: (ألا تشرب الخمر، فإنها تزيد في حرارتك؟) فقال: (ما أنا آخذ جهلي بيدي، فأدخله في جوفي، ولا أرضى بأن أصبح سيد القوم وأمسي سفيههم). ولكن الفوضى الخلقية التي صار عليها الناس اليوم جعلتهم يغفلون عن هذه الحقائق المقررة الظاهرة، ولا يلتفتون إليها، بل لقد ذهب بعضهم إلى المغالاة فزعم أنها ضرورية للمدنية اليوم، فإن الآلام النفسية قد اشتدت، والمحن قد كثرت، ولا دواء لهذا الداء إلا الخمر، فهي اليوم دواء لَا داء، وإنها علاج المجتمع! ذلك قولهم بأفواههم، وذلك تفكيرهم في أهوائهم. ونحن نقول: إنها تناسب مدنيتهم، وهي خاصة من خواصها، لأنها مدنية اتسمت بالرذيلة، وصارت شعارها، فكان من المناسب أن تكون الخمر دواءها؛ لأن الدواء يكون من جنس الداء، وأم الخبائث هي التي ترأم الخبائث، وتكنفها وتحوطها وترعاها، فلا عجب إذا رأينا التفكير المعكوس هو الذي يدافع عن الخمر، ولابد أن قائله قاله ورائحتها تنبعث من فيه!. من ذا الذي يقول إن تفاقم الرذائل داع للانغمار فيها؛ إنه كلما تفاقم الشر وجب جمع العزائم لمحاربته، وإن المحن النفسية إذا اشتدت وجب تقوية الوجدان الخلقي، والضمير الخلقي، وتربية الناس على ضبط النفس والصبر الجميل، وإيقاظ النزوع الديني، والعزاء الروحي، أما إذا تألمت النفس وقوي الضمير، واشتد اللوم النفسي فأخذ المتألم الكاس ليخفي الألم وليضعف صوت الضمير، فإنه كالجندي يفر من مواطن الجهاد، وميدان العمل إلى أن يكون في موضع الهمل، فهل يرضى كريم

стр. 909

لإنسانيته بتلك المنزلة الهون فيميت آدميته ويقتل خلقه، ويذهب بمروءته ورشده، ويكون ملهى الصبيان، يتلعب بكرامته الغلمان، أو على الأقل يعمل على أن يفسد تقديره ووزنه للأمور، لأنَّ معرفتها على حقيقتها تؤلمه! وهل يذهب بأسباب المحن غفلته عنها وابتعاده عن الإحساس بها!! كلا إنه يتردى بالخمر من محنة إلى محنة فغفلته عن المحنة، بالخمر تدفعه إلى ثانية ثم إلى ثالثة، وهكذا تتوالى عليه المحن بها، حتى يضيع نفسه، وأهله، وأولاده، وأصحابه ولا يبقى معه إلا إخوان الشر، ودعاة الفساد! هذه إشارة إلى مضار الخمر المعنوية والاجتماعية، أما مضارها الجسمية، فيكاد العلم الحديث يثبت أنه لَا شيء يدخل الجسم أضر عليه من الخمر، فهي تأكل الكبد وتضخمه، وتفسد الكلية، وتضعف أنسجة الجسم وتنهك الأعضاء الداخلية العاملة، وتفقد الشهية للطعام، وتفسد المعدة وتحدث تصلبا في الشرايين وتمددا فيها، وأحيانا يموت السكير فجأة لهذا الداء، والخمر تضعف الحنجرة، وشعب التنفس، وتكثر السعال. وقد أثبت التحليل الطبي أن الجسم لَا يستفيد منها أية فائدة، فإنها وإن كانت فيها مواد غذائية، يذهب السم الذي صاحبها بفائدتها فهي في جملتها عقاقير سامة، وما يحدث من نشاط في الجسم ونشوة عند شربها سببه أنها مواد غريبة على المزاج الجسمي، فعناصر الجسم تقاومها وتدافعها وبهذه المقاومة والمدافعة يتولد الإحساس بالنشاط، وإذا كانت الخمر في أحيان قليلة تقي من بعض الأمراض التي لَا خطر منها، فالضرر الناشئ عنها أشد من الأضرار الناشئة عما تدفعه!. وقد يقول قائل: إنها تتخذ دواء أحيانا، ولذلك يتساهل بعضهم في ذلك، ولكن وجدنا طبيبا إنجليزيا يصرح في قوة قائلا: (أنا لَا أعلم مرضا قط شُفي من الخمر)! ويقول آخر أسكتلندى: (الخمر لَا تشفي شيئا) ويقول ثالث: (إن الخمر تدخل الجسم وتخرج منه ولا أثر لها إلا ما تحدثه من أضرار) (١). وهكذا تتوارد

стр. 910

أقوال الأطباء في أنها لَا تصلح شفاء وإن كانت تقي في حالات قليلة من بعض أمراض لَا خطر فيها، وبهذا يصح الأثر عن السلف: " لا دواء في محرم "، ولقد روى مسلم أن طارق بن سويد سأل النبي ﷺ عن الخمر فنهاه، أو كره أن يصنعها، فقال: إني أصنعها للدواء، فقال الرسول ﷺ : " إنه ليس بدواء ولكنه داء " (١) فما أصدق الرسول ﷺ ، ولكنه المبلغ عن ربه، وكفى ذلك تصديقا. وليست أضرار الخمر الجسمية والعقلية مقصورة على المتناول، بل إنها تنتقل إلى ذريته من بعده، إذ يكون النسل ضعيفا ضاويا، في جسمه وعقله، حتى يكون أقرب إلى الجنون، وأشد استعدادا له، فإن تناولها يجعل السكير ضعيف العقل، إذ تضعف قواه العقلية شيئا فشيئا حتى يصير كالأبله، وينتقل ذلك إلى ورثته. ولقد قال بنتام في كتاب " أصول الشرائع " ما نصه: (النبيذ في الأقاليم الشمالية يجعل الإنسان كالأبله، وفي الأقاليم الجنوبية يصير كالمجنون، وقد حرمت ديانة محمد ﷺ جميع المشروبات، وهذه من محاسنها) (٢). ولقد علم الأوربيون مضار الخمر علما يقينا، ووجدوا أن الإكثار منها بين أمم أفريقيا والشرق قد يبيدها، أو يفسد العناصر الصالحة فيها؛ ولذا جاء في كتاب " الإسلام خواطر وسوانح " في عجز المدنية الأوربية عن إبادة المسلمين: (إن المسكرات التي استعملها بعض الفاتحين لَا تؤثر في أهالي الجزائر لكونهم يمقتونها مقتا شديدا) (٣). ولكن المسلمين قد أصبح قادة الفكر فيهم لَا يمقتونها اليوم، فهل فتحت أبواب الفناء، وزالت حواجز البقاء؛ اللهم أصلح الأحوال، وقوِّ العزائم، وهيئ لنا من أمرنا رشدا!. هذه بعض آثار الخمر، فما منافعها؟ والله العلي القدير لولا أن القرآن الكريم ذكر أن فيها منافع للناس ما ظننت أن فيها نفعا ولو بطريق الشبهة، ولكن هكذا قال

стр. 911

القرآن، وليس لنا إلا الإيمان. ولقد ذكر بعض العلماء منافع ظاهرية لها، منها أنها وقاية أحيانا من بعض جراثيم الأمراض بما فيها من كحول، ومنها أنها قد تثير النخوة، ومنها أنها تسلي، ومنها أنها تسخي البخيل أحيانا، وأن ما يكنف هذه الأمور التي يكون ظاهرها نفعا من أضرار يجعل النفع لَا جدوى فيه، بل يكون الضرر في هذه الأحوال نفسها أكثر من النفع. هذه الخمر، أما الميسر، فهو قمار العرب، ويطلق على كل قمار اسم الميسر، فكل ما يتخاطر فيه الناس من معاملة فيها خطر الكسب الطلق أو الخسارة المطلقة يعد ميسرا أو قمارا، وأصل اشتقاق كلمة ميسر إما من الميسر بمعنى السهولة؛ لأن المال يجيء للكاسب عفوا من غير جهد، وإما من يسر بمعنى وجب؛ لأن اللاعب إذا آل إليه الكسب يصير واجبا، وإما من يسر بمعنى جزأ، وقد اختار ذلك الأزهري، فقال: " الميسر: الجزور الذي كانوا يتقامرون عليه، سمي ميسرا، لأنه يجزأ، فكأنه موضع التجزئة، وكل شيء جزأته فقد يسرته، والياسر الجزار، لأنه يجزئ لحم الجزور. . وهذا الأصل في الياسر، ثم قيل للضاربين بالقداح والمتقامرين على الجزور ياسرون؛ لأنهم جازرون إذ كانوا سببا لذلك). هذا هو الأصل في استعمال كلمة ميسر، وقد أطلقت على كل قمار، وقمار العرب الذي أطلقوا عليه كلمة ميسر هو أنهم كانوا يقسمون البعير المذبوح إلى ثمانية وعشرين قسما، ويوضع عشرة أقداح، ثلاثة منها غفل لَا علامة عليها تسمى: السفيح، والمنيح، والوغد، ومن طلع له واحد منها لَا يأخذ شيئا، وقد تزاد الغفل على هذا العدد، أما السبعة الأخرى فهي الكاسبة وهي: الفذ وله سهم واحد، والتوأم وله سهمان، والرقيب وله ثلاثة، والحلس وله أربعة، والنافس وله خمسة، والمسل وله ستة، والمعلى وله سبعة، والمجموع ثمانية وعشرون. ولا شك أن هذا من قبيل ما نسميه اليوم (ورق اليانصيب)، وقد كانت عادة العرب أن يفعلوا ذلك عند اشتداد الضائقة ليتبرعوا بنتائج الكسب على الفقراء، وما أشد الشبه بين هذا وبين عمل الجماعات التي تجمع التبرعات بهذه الطريقة!.

стр. 912

ولقد جاءت النصوص الصريحة بتحريم كل قمار، وقد ورد أن رجلا قال: إن أكلت كذا وكذا بيضة فلك كذا، فارتفعا إلى عَليّ فقال: ذلك قمار!. والميسر مضاره كثيرة، فهو يؤدي إلى إتلاف المال وإهمال الأعمال، وهو أكل لمال الناس بالباطل، ويفسد الأخلاق، وقد يترتب عليه خراب البيوت، وهو فوق ذلك يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ويورث العداوة والبغضاء، كما قال تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يوقِعَ بَيْنَكمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُم مُنتَهُونَ). ومنافع الميسر ضئيلة أيضا بجوار مضاره، ومنها إعطاء الفقراء، كما يرى فيما تصنع جماعات الإحسان، وأن الحكومات التي تعنى بتربية شعوبها وتهذيب نفوسهم تحارب انتشار القمار، وتقطع السبل المؤدية إليه، ولو كانت تبيحه في النوادي الخاصة فبعض الأمم الأوربية يحرم قانونها بيع أوراق اليانصيب، ولو كانت للبر؛ لأنها تربي في الشعب روح المقامرة، مع أن هذه الأمم تبيح فتح النوادي للقمار، فهي لَا تمنع فتحها للحرية الشخصية في زعمها، ولكنها تمنع ما يبعث في الشعب روح المقامرة. ويلاحظ في الكلمات السامية: (قلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كبِير وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) أنه أطلق الإثم ولم يضفه فلم يقل إثم على الناس أو للناس، وقيد المنافع بأنها للناس، وهذا يدل على أن الإثم في الخمر والميسر ذاتي، فهما في ذاتهما رجس كبير، وخطر وبيل، وأن ما فيهما من منافع فهي ضئيلة وهي بالنسبة لبعض الناس، فهي منافع إضافية، لَا منافع ذاتية، فجوهر الخمر والميسر شر لَا خير فيه، وما يكون من نفع فيهما في بعض الملابسات، كما يلاحظ في بيع الأوراق لتمويل بعض جماعات البر، فليس ذلك لأن في الميسر خيرا أو نفعا، بل لأن النفوس فسدت، وشحت بالخير، فلا تجود إلا من هذا الطريق الفاسد، فما فيه من نفع إضافي سببه فساد الناس، وهو نفع ضئيل للناس ومشتق من أحوالهم. وأما السؤال الثاني فقد جاء في قوله تعالى:

стр. 913

(وَيَسْألُونَكَ مَاذَا يُنفقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ في

стр. 914

فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)، ومناسبته للسؤال الأول أنهم كانوا يتخذون من الخمر والميسر طريقا لتسخية نفوس الأشحة على الخير الذين لَا يجودون من تلقاء أنفسهم، فكان السؤال عن الإنفاق على البر، عقب السؤال عن الأمر الآثم الذي كانوا يحسبونه برا وهو إثم لَا بر فيه. وفي الإجابة عن هذا السؤال بيان طريق العطاء المنظم المعلوم الخالي من الإثم، بدل العطاء المجهول غير المنتظم للتأشب بالإثم الذي أحاط به. والعفو معناه: السهل، أو الزائد فإن كلمة عفو لها ثلاثة إطلاقات أولها الترك، كما قال تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ. . .)، أي تركه وتجاوز عنه، وبمعنى السهل، كما قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ). وبمعنى الزيادة. والمعنى هنا السهل الزائد عن الحاجة. سألوا عما ينفقون من مال في البر، فقال لنبيه (قُلِ الْعَفْوَ) أي السهل الزائد عن حاجتكم الأصلية الذي لَا يشق عليكم بذله، إن استقامت النفوس، وامتلأت القلوب بالإيمان، وعمرت بالرحمة وأجابت نداء الرحمن. والعفو يشمل الزكاة المفروضة؛ لأنها ليست إلا فضلا قليلا من المال، كما يشمل صدقة التطوع، وكما يشمل الصدقات التي يتعين أداؤها إذا كان شخص في مخمصة ولا يدفع غائلة الجوع إلا شخص واحد يعرفه، ولا يعرفه سواه، فإنه يتعين عليه الأداء، وأنه في وقت الحاجات يفيض الغنى على الفقير بكل ما يسد حاجته. ولقد روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: بينما نحن في سفر مع رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل على راحلة فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا، فقال رسول الله ﷺ : " من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لَا ظهر له، ومن كان معه فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له " فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لَا حق لأحد منا في فضل (١).

стр. 915

وإن الآية كما تدل على ذلك توجب على المتصدق أن يبقي لنفسه ولعياله ما يكفيهم! ولذا قال ﷺ : " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى " (١) وروى أن رجلا أتي النبي ﷺ ببيضة من ذهب أصابها في بعض المغانم فقال: خذها مني صدقة فأعرض عنه حتى كرر عليه مرارا. . . فردها الرسول ﷺ وقال: " يأتي أحدكم بماله كله يتصدق به ويجلس ويتكفف الناس، إنما الصدقة عن ظهر غنى " (٢). وقد ختم الله سبحانه الآية الكريمة بقوله تعالى: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) أي يبين في كل الأحوال بيانا كهذا الذي ذكره في الإنفاق وفي الخمر والميسر لكي تتفكروا وتتدبروا في مصالحكم في الدنيا والآخرة، فتسيروا على الطريق المستقيم في الدنيا، وتتكون منكم الجماعة الفاضلة المتعاونة المتآزرة، ويحسن جزاؤكم في الآخرة، وتحظوا برضوان الله، وذلك هو الفوز العظيم. و " لعل " للرجاء، وهو من الله سببحانه وتعالى في معنى التعليل، لأنه لا رجاء من الله، إنما الرجاء من العبيد فهذا التمثيل والتصريف في آيات الله البينات ليرجوا التفكر والتدبر، ويسيروا فيه ليصلوا إلى الغاية الصالحة. وأما السؤال الثالث فقد جاء فيه قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). والإجابة فيه وأساسها أيضا إماطة الأذى عن الجماعة الإسلامية، فإنه إذا كان الإنفاق على الفقراء يحمي المجتمع من الفقر وأهواله وغوائله، فحماية اليتامى وكلاءتهم تحمي المجتمع من أن يكون منهم شريرون يبغضون المجتمع، ويجلبون له الويلات وهم في كنف المجتمع ورعايته. لقد سألوا عن اليتامى أيضمونهم إليهم ويأكلون معهم أم يدعونهم وأموالهم، وكيف يرعونها، وكيف يقومون عليها؛ سألوا هذه الأسئلة ومايشبهها، وقد قرأوا قوله تعالى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ)، وقوله تعالى:
следующие страницы →