القرآن، وليس لنا إلا الإيمان. ولقد ذكر بعض العلماء منافع ظاهرية لها، منها أنها وقاية أحيانا من بعض جراثيم الأمراض بما فيها من كحول، ومنها أنها قد تثير النخوة، ومنها أنها تسلي، ومنها أنها تسخي البخيل أحيانا، وأن ما يكنف هذه الأمور التي يكون ظاهرها نفعا من أضرار يجعل النفع لَا جدوى فيه، بل يكون الضرر في هذه الأحوال نفسها أكثر من النفع.
هذه الخمر، أما الميسر، فهو قمار العرب، ويطلق على كل قمار اسم الميسر، فكل ما يتخاطر فيه الناس من معاملة فيها خطر الكسب الطلق أو الخسارة المطلقة يعد ميسرا أو قمارا، وأصل اشتقاق كلمة ميسر إما من الميسر بمعنى السهولة؛ لأن المال يجيء للكاسب عفوا من غير جهد، وإما من يسر بمعنى وجب؛ لأن اللاعب إذا آل إليه الكسب يصير واجبا، وإما من يسر بمعنى جزأ، وقد اختار ذلك الأزهري، فقال: " الميسر: الجزور الذي كانوا يتقامرون عليه، سمي ميسرا، لأنه يجزأ، فكأنه موضع التجزئة، وكل شيء جزأته فقد يسرته، والياسر الجزار، لأنه يجزئ لحم الجزور. . وهذا الأصل في الياسر، ثم قيل للضاربين بالقداح والمتقامرين على الجزور ياسرون؛ لأنهم جازرون إذ كانوا سببا لذلك).
هذا هو الأصل في استعمال كلمة ميسر، وقد أطلقت على كل قمار، وقمار العرب الذي أطلقوا عليه كلمة ميسر هو أنهم كانوا يقسمون البعير المذبوح إلى ثمانية وعشرين قسما، ويوضع عشرة أقداح، ثلاثة منها غفل لَا علامة عليها تسمى: السفيح، والمنيح، والوغد، ومن طلع له واحد منها لَا يأخذ شيئا، وقد تزاد الغفل على هذا العدد، أما السبعة الأخرى فهي الكاسبة وهي: الفذ وله سهم واحد، والتوأم وله سهمان، والرقيب وله ثلاثة، والحلس وله أربعة، والنافس وله خمسة، والمسل وله ستة، والمعلى وله سبعة، والمجموع ثمانية وعشرون.
ولا شك أن هذا من قبيل ما نسميه اليوم (ورق اليانصيب)، وقد كانت عادة العرب أن يفعلوا ذلك عند اشتداد الضائقة ليتبرعوا بنتائج الكسب على الفقراء، وما أشد الشبه بين هذا وبين عمل الجماعات التي تجمع التبرعات بهذه الطريقة!.
стр. 912
ولقد جاءت النصوص الصريحة بتحريم كل قمار، وقد ورد أن رجلا قال: إن أكلت كذا وكذا بيضة فلك كذا، فارتفعا إلى عَليّ فقال: ذلك قمار!.
والميسر مضاره كثيرة، فهو يؤدي إلى إتلاف المال وإهمال الأعمال، وهو أكل لمال الناس بالباطل، ويفسد الأخلاق، وقد يترتب عليه خراب البيوت، وهو فوق ذلك يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ويورث العداوة والبغضاء، كما قال تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يوقِعَ بَيْنَكمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُم مُنتَهُونَ).
ومنافع الميسر ضئيلة أيضا بجوار مضاره، ومنها إعطاء الفقراء، كما يرى فيما تصنع جماعات الإحسان، وأن الحكومات التي تعنى بتربية شعوبها وتهذيب نفوسهم تحارب انتشار القمار، وتقطع السبل المؤدية إليه، ولو كانت تبيحه في النوادي الخاصة فبعض الأمم الأوربية يحرم قانونها بيع أوراق اليانصيب، ولو كانت للبر؛ لأنها تربي في الشعب روح المقامرة، مع أن هذه الأمم تبيح فتح النوادي للقمار، فهي لَا تمنع فتحها للحرية الشخصية في زعمها، ولكنها تمنع ما يبعث في الشعب روح المقامرة.
ويلاحظ في الكلمات السامية: (قلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كبِير وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) أنه أطلق الإثم ولم يضفه فلم يقل إثم على الناس أو للناس، وقيد المنافع بأنها للناس، وهذا يدل على أن الإثم في الخمر والميسر ذاتي، فهما في ذاتهما رجس كبير، وخطر وبيل، وأن ما فيهما من منافع فهي ضئيلة وهي بالنسبة لبعض الناس، فهي منافع إضافية، لَا منافع ذاتية، فجوهر الخمر والميسر شر لَا خير فيه، وما يكون من نفع فيهما في بعض الملابسات، كما يلاحظ في بيع الأوراق لتمويل بعض جماعات البر، فليس ذلك لأن في الميسر خيرا أو نفعا، بل لأن النفوس فسدت، وشحت بالخير، فلا تجود إلا من هذا الطريق الفاسد، فما فيه من نفع إضافي سببه فساد الناس، وهو نفع ضئيل للناس ومشتق من أحوالهم.
وأما السؤال الثاني فقد جاء في قوله تعالى:
فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)، ومناسبته للسؤال الأول أنهم كانوا يتخذون من الخمر والميسر طريقا لتسخية نفوس الأشحة على الخير الذين لَا يجودون من تلقاء أنفسهم، فكان السؤال عن الإنفاق على البر، عقب السؤال عن الأمر الآثم الذي كانوا يحسبونه برا وهو إثم لَا بر فيه. وفي الإجابة عن هذا السؤال بيان طريق العطاء المنظم المعلوم الخالي من الإثم، بدل العطاء المجهول غير المنتظم للتأشب بالإثم الذي أحاط به. والعفو معناه: السهل، أو الزائد فإن كلمة عفو لها ثلاثة إطلاقات أولها الترك، كما قال تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ. . .)، أي تركه وتجاوز عنه، وبمعنى السهل، كما قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ). وبمعنى الزيادة. والمعنى هنا السهل الزائد عن الحاجة. سألوا عما ينفقون من مال في البر، فقال لنبيه (قُلِ الْعَفْوَ) أي السهل الزائد عن حاجتكم الأصلية الذي لَا يشق عليكم بذله، إن استقامت النفوس، وامتلأت القلوب بالإيمان، وعمرت بالرحمة وأجابت نداء الرحمن. والعفو يشمل الزكاة المفروضة؛ لأنها ليست إلا فضلا قليلا من المال، كما يشمل صدقة التطوع، وكما يشمل الصدقات التي يتعين أداؤها إذا كان شخص في مخمصة ولا يدفع غائلة الجوع إلا شخص واحد يعرفه، ولا يعرفه سواه، فإنه يتعين عليه الأداء، وأنه في وقت الحاجات يفيض الغنى على الفقير بكل ما يسد حاجته. ولقد روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: بينما نحن في سفر مع رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل على راحلة فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا، فقال رسول الله ﷺ : " من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لَا ظهر له، ومن كان معه فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له " فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لَا حق لأحد منا في فضل (١).
стр. 915
وإن الآية كما تدل على ذلك توجب على المتصدق أن يبقي لنفسه ولعياله ما يكفيهم! ولذا قال ﷺ : " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى " (١) وروى أن رجلا أتي النبي ﷺ ببيضة من ذهب أصابها في بعض المغانم فقال: خذها مني صدقة فأعرض عنه حتى كرر عليه مرارا. . . فردها الرسول ﷺ وقال: " يأتي أحدكم بماله كله يتصدق به ويجلس ويتكفف الناس، إنما الصدقة عن ظهر غنى " (٢).
وقد ختم الله سبحانه الآية الكريمة بقوله تعالى: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) أي يبين في كل الأحوال بيانا كهذا الذي ذكره في الإنفاق وفي الخمر والميسر لكي تتفكروا وتتدبروا في مصالحكم في الدنيا والآخرة، فتسيروا على الطريق المستقيم في الدنيا، وتتكون منكم الجماعة الفاضلة المتعاونة المتآزرة، ويحسن جزاؤكم في الآخرة، وتحظوا برضوان الله، وذلك هو الفوز العظيم. و " لعل " للرجاء، وهو من الله سببحانه وتعالى في معنى التعليل، لأنه لا رجاء من الله، إنما الرجاء من العبيد فهذا التمثيل والتصريف في آيات الله البينات ليرجوا التفكر والتدبر، ويسيروا فيه ليصلوا إلى الغاية الصالحة.
وأما السؤال الثالث فقد جاء فيه قوله تعالى:
(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). والإجابة فيه وأساسها أيضا إماطة الأذى عن الجماعة الإسلامية، فإنه إذا كان الإنفاق على الفقراء يحمي المجتمع من الفقر وأهواله وغوائله، فحماية اليتامى وكلاءتهم تحمي المجتمع من أن يكون منهم شريرون يبغضون المجتمع، ويجلبون له الويلات وهم في كنف المجتمع ورعايته. لقد سألوا عن اليتامى أيضمونهم إليهم ويأكلون معهم أم يدعونهم وأموالهم، وكيف يرعونها، وكيف يقومون عليها؛ سألوا هذه الأسئلة ومايشبهها، وقد قرأوا قوله تعالى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ)، وقوله تعالى:
стр. 916
(وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. . .)، وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) فكانوا من أمرهم في حيرة: إن قاربوهم وأموالهم يخشون على أنفسهم أن ينالوا إثما، وإن تركوهم ضاعوا وهم في كفالة المجتمع كله، فأمر الله نبيه أن يقول لهم أن المطلوب إصلاحهم، فقال سبحانه: (قُلْ إِصْلاحٌ لهُمْ خَيْرٌ) أي أن المطلوب إصلاحهم وإصلاح مالهم، وذكر إصلاحهم، لأنه المقصد الأول، ولأن إصلاح مالهم إصلاح لهم، وخير لكم ولهم، وإصلاح حالهم بالتهذيب والتربية والعطف والمحبة، والرأفة، وعدم تكليفهم ما يشق عليهم، لأن الغلظة معهم تربي فيهم الجفوة، وتنشأ عنها القسوة، فينشئون وهم يبغضون الناس، ويتربصون بهم الدوائر.
وقد أثبت علم النفس الجنائي أن روح الإجرام تنبعث عند النشأة الأولى في الغلمان الذين يحسون بأن المجتمع يجفوهم، ويغلظ عليهم فيخافونه ويبغضونه، ويترقبون الفرصة السانحة ليستلبوا المال أو الأرواح، أو ما يمكنهم أن يصلوا إليه، فكان لابد من تربية اليتيم بالإصلاح والتهذيب، وألا يقهر نفسه حتى لَا يجفو فيكون من وراء ذلك الشر المستطير والخطر الكبير.
وإذا كان المطلوب هو الإصلاح بكل وسائله، وهو الغاية المطلوبة فإن كان الإصلاح بمخالطتهم وضمهم إليهم من غير أن تؤكل أموالهم، فالمخالطة سائغة جائزة، ولذا قال سبحانه: (وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانكُمْ) أي عند المخالطة استشعروا أنهم إخوانكم في الدين والإنسانية وأبناء إخوانكم، وعاملوهم بتلك الأخوة الرحيمة الرابطة، ولا تنظروا إليهم شذرًا، وتؤكلوهم نزرا،، لأنهم غرباء عن بيتكم، بل أشعروهم بأنهم دائما في بيت أهلهم وذويهم، حتى لَا تتربى نفوسهم على الجفوة فيبغضوا الناس، ويتربصوا بهم الدوائر، ويكون ذلك في طبعهم إذا كبروا وبلغوا أشدهم. .
стр. 917
ثم قال سبحانه (وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) وهذا ترغيب في الإصلاح، وترهيب من الفساد؛ لأنه إذا كان يعلم المؤمن أن الله مطلع على ما يفعل، تجنب الشر، وآثر الخير، فتجنب إهمال اليتيم لكيلا يفسد وعمد إلى تهذيبه لكي يكون عضوا عاملا في الجماعة يبني كما يبني غيره، وتقوم الجماعة على سواعد قوية يشترك الجميع في إقامتها. ثم إنه إذا علم الله المصلح فسيجزيه خير الجزاء، وما دام يعلم المفسد، فحسابه وعقابه بمقدار فساده.
ثم قال سبحانه (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ). العنت المشقة، وأعنتكم: أوقعكم في المشقة، وذلك بأن يترككم تهملون أيتامكم، فيكونون إلبا عليكم في قابل حياتهم، وشوكة في جنب الدولة، ويكون منهم قطاع الطريق واللصوص والمنتكهون لحرمات المنازل، ويفتكون بمجتمعكم، وينزلون الأذى بكم ولكن الله سبحانه كان من رحمته أن دعاكم إلى العناية باليتامى ليكونوا عاملين بدل أن يكونوا هادمين، وليكونوا قوة للجماعة بدل أن يكونوا قوة عليها هادمة في بنائها.
ثم ذيل الله سبحانه الآيات بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) للإشارة إلى ثلاثة أمور:
أولها: أن الله سبحانه عزيز يعز من يشاء ويذل من يشاء فمن أذل يتيما أذله الله، ومن أعزه أعزه الله سبحانه.
وثانيها: أن الله هو الغالب على كل شيء، فهو الذي سيجزي القوامين على اليتامى بما يفعلون، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
وثالثها: أن هذا التنظيم هو من حكمته ورحمته، فمن رحمته بخلقه أن حثهم على معاونة اليتيم وإصلاحه، والقيام على شئونه، وليكون التراحم بين الناس، وليضعف الشر فيهم، ويكثر الخير والإنتاج، والله بكل شيء عليم.
* * *
стр. 918
(وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)
* * *
ابتدأ الله في الآيات السابقة ببيان الروابط التي توثق العلاقات الفاضلة في المدينة الإسلامية، التي هي المقصد الأول من هذا الشرع الحكيم، فقد تضافرت الأخبار والآثار، وجاءت آيات الله البينات المثبتة أن شرع الله لخير الناس في الحال والمآل، وإقامة مدينة فاضلة في الدنيا، يكون الثواب لمن شاد بنيانها، في الآخرة، وكل عبادات هذا الدين تتجه نحو هذه الغاية، وتستهدف هذا الهدف؛ ولقد قال سبحانه في وصف شرعه وكتابه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨).
وقد ذكر في الآيتين السابقتين بعض الأمور التي تحل عُرى الجماعة، وتوقع بينهم العداوة والبغضاء، وعلاج هذه الأمور، والطب لها بدواء ناجع يشفي من سقامها، فذكر ما فى الخمر والميسر من مآثم، واكتفى في هذا الموضع بذلك بيانا للعاقل الرشيد، وأشار إلى التنابذ والتدابر إن ضن الغني بالعطاء، وفقد الفقير الرجاء، فأوجب الإنفاق، وأشار إلى المعاول التي تهدم الجماعة الإسلامية، وتقوض أمنها، وتكثر شذابها، وأولئك هم الضعفاء واليتامى ومن لَا مأوى لهم، فإن لم يصلحوا وعودهم أخضر، كان منهم الشطار واللصوص والهادمون الذين يأتون بنيان الجماعة من قواعده.
стр. 919
وبعد أن أشار إلى الأذى والوقاية منه، والداء ودفعه، أخذ يبين أسس البناء الاجتماعي الفاضل، وابتدأ من هذه الأسس بالقاعدة التي يشاد عليها البناء، والوحدة التي يتكون منها البنيان، والتي إذا قويت فيها الروابط قوي، وشد بعضه بعضا، وتلك القاعدة هي: الأسرة، فهي وحدة البناء الاجتماعي، وقاعدة كل بناء فاضل، وفيها تتربى كل المنازع الاجتماعية الفاضلة.
ولقد ابتدأ من أحكام الأسرة ونظمها الإسلامية الفاضلة بالانتقاء في ركنيها، وهما الزوج والقرينة؛ فإنه إن كان الاختيار فيهما حسنا كانت العلاقة موثقة بروابط المودة والرحمة والإخلاص، كما قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً. . .).
ولقد ابتدأ ببيان أساس الاختيار وهو التدين، فقال تعالت كلماته:
(وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) عندما ابتدأ النبي ﷺ بدعوته، وانبعث في مكة نور هدايته، كان أكثر المؤمنين، من الضعفاء غير ذوي الجاه والنسب والحسب، والأقلون كانوا كذلك، وكل المعاندين أو جلهم من أوسط قريش نسبا، وقالوِا للنبي ﷺ مثل مقالة الكفار الذين سبقوهم لأنبيائهم: (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِين هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ. . .). ولما قويت شوكة الإسلام، كثر دخول ذوي الأنساب فيه شيئا فشيئا، وإن كانوا مع ذلك قلة من قريش، وكان أولئك بمقتضى نسبهم الرفيع يرون في بني أعمامهم من قريش الكفاءة النسبية في الزواج، وربما كان فيهم بعض الميل لمصاهرتهم، بل كان من بعضهم فعلا من أبدى رغبة في المصاهرة، فجاء النهي القرآني عن نكاح المشركات، حتى يؤمن.
والنكاح في أصل معناه اللغوي: الضم، وتداخل أجزاء الشيء بعضها في بعض، ثم أطلق على العقد الذي يحل علاقة الرجل بالمرأة، وعلى العلاقة التي تكون بينهما بما يتقاضاه الطبع (١)، وإطلاقه بمعنى العقد إطلاق معروف قبل
стр. 920
الإسلام، وقد أقره الإسلام بشروط، والدليل على أنه بمعنى العقد كان معروفا في الجاهلية قوله ﷺ : " ولدت من نكاح، ولم أخرج من سفاح " (١) أي أنه ﷺ في سلسلة نسبه الشريف لم تكن ولادة أي جد من جدوده، أو جدة من جداته إلا من نكاح صحيح حتى إسماعيل ﵇، وعلى ذلك يكون المراد من قوله تعالى: (وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حتَّى يُؤْمِنَّ) النهي عن العقد عليهن.
والإنكاح: هو التزويج؛ فالنكاح الزواج، والإنكاح مباشرة العقد، وهو أكثر ما يكون عندما يتولى الشخص الزواج عن الغير، فمعنى (وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ) لا تتزوجوهن؛ ومعنى (وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكينَ) لَا تزوجوهن من نسائكم، فقد جرى العرف على أن المرأة يتولى زواجها أحد قرابتها، وقد استنبط الجمهور من هذه الصيغة أن المرأة ليس لها أن تتولى عقد زواجها، وأن العقد لَا ينعقد بعبارة النساء، وخالف في ذلك أبو حنيفة وانفرد بالمخالفة؛ وروي عن أبي يوسف تلميذه أنه يرى رأيه؛ وقد قال أبو حنيفة: إن المرأة لها أن تتولى زواج نفسها، وتنفرد بالعقد، بشرط أن يكون الزوج كفئا، فإن كان غير كفء فلا يجوز العقد، وأن قوله تعالى: (وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكينَ) جرى مجرى الأغلب الشائع، ولأن ذلك هو الحسن المندوب إليه، لَا اللازم الذي لَا يجوز خلافه.
والمشركون - هم عبدة الأوثان. وأصله من الإشراك، وأصل كلمة أشركته بمعنى جعلت الشيء بينه وبين غيره شركة، والشركة كما تكون في الحسيات والأشياء، تكون في المعاني؛ فيقال أشركته في أمري، وقد قال الله
стр. 921
حاكيا عن موسى ﵍ (وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي)، وفي الحديث النبوي: " اللهم أشركنا في دعاء الصالحين ".
ومن هذا الباب أطلقت كلمة " إشراك " على عبادة غير الله معه؛ لأن من فعل ذلك فقد أشرك مع الله غيره في العبادة والتقديس والألوهية؛ وألفاظ القرآن الكريم الدالة على ذلك كثيرة جدًا، ولا تكاد تحصى؛ ولكثرة استعمال القرآن هذا اللفظ في هذا المعنى كان لكلمة " مشرك " إطلاق خاص فيه؛ وهو إطلاقه على من يعبد الأوثان؛ فكلمة: مشرك، ومشركين، ومشركات، كلها إذا ذكرت في القرآن انصرفت إلى عبدة الأوثان من غير أية قرينة دالة على ذلك؛ لأنها صارت في الإسلام حقيقة عرفية عليهم؛ ولا تطلق على اليهود والنصارى؛ وإن قال الله سبحانه عن النصارى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالثُ ثَلاثَةِ. . .)، وعن اليهود: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. . .)، إذ صار لفظ المشركين اسما لجنس معين؛ ولذا كان يذكر النصارى واليهود بعنوان أهل الكتاب، وعبدة الأوثان باسم المشركين؛ فقد قال تعالى: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِينَ حَتَّى تَأتِيَهم الْبَيِّنَة)، فذكر في هذه الآية الكريمة الجميع بعنوان الكفر؛ ولكنه فصل بينهما، فجعلهما جنسين مختلفين، وإن ذلك أدى إلى الاختلاف في المعاملة، والاختلاف في الأحكام؛ وكانت العلة في هذا الاختلاف مشتقة من التسمية نفسها؛ فأولئك لهم كتاب، وإن كان محرفا؛ والمشركون ليس لهم كتاب، فلا ضابط يضبطهم، ولا عاصم يحول بينهم وبين الإيغال المطلق في الشر، ولا حريجة دينية تقيدهم، بل هم حائرون بائرون.
وعلى هذا التحقيق اللغوي يتبين أن قوله تعالى: (وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتًى يُؤْمِنَّ) لَا يُدخل في عموم النهي إلا الوثنيات ولا يدخل فيه قط الكتابيات، لأن الحقيقة العرفية القرآنية لَا تدخل اليهود والنصارى في عنوان المشركين، ولا في عموم الوثنيين، وإن كانوا مثلثين. ولقد قال بعض المفسرين: إن كلمة المشركات تشمل بمقتضى عمومها الكتابيات؛ لأنهن يشركن بالله في العبادة، ويثلثن، ولكن جاء بعد ذلك النهي العام إباحة زواج الكتابيات في قوله تعالى: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ
стр. 922
الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ. . .). فكان في نظر أولئك تخصيصا لعموم النهي، أو نسخا لبعض هذا العموم، كما يقول بعض الفقهاء.
ولكن ذلك التوجيه غير مستقيم عند الدارسين للقرآن الكريم العارفين لأسلوبه، وتقييد العبارات التي اشتمل عليها، والتبديل الذي يطرأ في أسلوبه على عمومها؛ فما من نص يخص أهل الكتاب وصفوا فيه بالإشراك، بل ترى كل النصوص الخاصة باليهود والنصارى إما أن يعبر عنهم باليهود والنصارى، كما في قوله تعالى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى. . .)، أو يعبر عنهم بأهل الكتاب، كما في قوله تعالى (وَمِنْ أَهْلِ الْكتَابِ مَنْ إِن تَأمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهم مَّنْ إِن تَأمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ. . .)، وقوله تعالى: (مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ).
وحتى إنهم في مقام الذم يوصفون بالكفر ولا يوصفون بالشرك، كما في قوله تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانوا يَعْتَدُونَ).
وبهذا كله يتبين أن التحريم من أول الأمر كان خاصا بالمشركات، ولم تحرم الكتابيات؛ بل جاء النص بإباحة الزواج منهن؛ وعلى ذلك تضافرت الأخبار عن الصحابة والتابعين بإباحة زواج الكتابية، وتحريم زواج المشركة؛ وقد قال جمهور المفسرين إنه لَا يعرف أن أحدا من الصحابة قد حرم زواج الكتابية، وقد جاءت الروايات بأن عثمان بن عفان تزوج نصرانية ثم أسلمت وأن طلحة بن عبيد الله، وحذيفة بن اليمان تزوجا يهوديتين؛ ولكن مع ذلك روي عن عمر وعبد الله ابنه ﵄ أنهما حرما ذلك أو كرهاه، والثاني هو الأصح، فإن عبد الله بن عمر ﵁ كان رجلا متوقفا حذرا، وقد خشي على المسلم من زواج الكتابية؛
стр. 923
أما أبوه النافذ البصيرة القوي الفراسة، الصادق الحس والحدس، فقد رأى أن المسلم الذي يتزوج الكتابية لَا ترضي به كرائم العقائل منهن، بل ترضاه من ترضاه لمأرب حسي من مال أو جمال، أو نسب، ولا ترضاه ذات الأسرة الكريمة العريقة منهم؛ ولذلك ورد أنه استنكر من طلحة وحذيفة ما صنعا، فقال له حذيفة: أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها يا أمير المؤمنين؟ فقال: (لا أزعم أنها حرام، ولكن أخاف أن تعاطوا الومسات منهن!) رضي الله عن أبي حفص الفاروق! لقد خشي ألا يتزوجوا إلا المومسات منهن؛ وإن ذلك الظن الذي ظنه وخشيه نرى كثيرًا منه يقع فيمن يتزوج من غير دينه؛ إذ لَا يجد إلا المنحرفة في نفسها وخلقها وعقلها التي ترضى أن تخرج على أهلها وذويها، وأهل دينها لتتبع مسلما، لماله أو جماله أو جاهه، لا لدينه أو خلقه؛ لأنها لو كانت كذلك لارتضت الإسلام دينا.
وإن المسلمين قد أجمعوا على كراهة تزوج المسلم غير المسلمة، وإن كان جمهورهم على حلِّ الكتابية اتباعا للنص القرآني الكريم (وَالْمُحْصَنَات مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ. . .)، وكانت الكراهة لما سبق من أنه في الغالب لَا يرضى بالمسلم منهن إلا المنحرفات؛ ولأن المودة التي تكون بين الزوجين قد تؤثر في دينه فينخلع من أوامره، وإن لم ينخلع من عقيدته؛ وتؤثر قطعا في دين الأطفال، فيخرجون إلى الحياة، وقد رضعوا الميل إلى دين أمهم، فغذتهم به كما غذتهم بلبانها؛ وقد رأينا رجالا متعلمين يعدون في عداد المسلمين في الإحصاء ويدخلون الكنيسة؛ لأنَّ أمهاتهم عودتهم ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله! ولولا النص الكريم لقلنا إن حالنا، وانحلال الدين في نفوس الذين يقومون على ذلك توجب التحريم سدا للذريعة، ومنعا للفساد؛ وإن السلف الصالح كان لهم من قوة الدين، والحرص على مصلحة أولادهم، وتنشئتهم على الإسلام، ما يحصنهم وأولادهم، وما يجعلهم يجذبون أزواجهم إلى دينهم من غير أن يخلعوا هم الربقة.
النص الكريم الذي نتكلم في معناه في تحريم المشركات فقط كما تبين، والكتابيات في هذه الآية مسكوت عنهن، ونص على الإباحة في آية المائدة.
стр. 924
وقوله تعالى في الغاية التي ينتهي إليها التحريم (حَتَّى يُؤْمِنَّ) فيه إشارة إلى توقع إيمان المشركين رجالهم ونسائهم، وأن الفتح المبين قريب وليس ببعيد، فأولئك الذين يتعلقون بأنسابهم، ويرون المصاهرة معهم، لَا يتعجلون أمرًا لهم فيه أناة، فسيأتي اليوم الذي يؤمن هؤلاء جميعًا، وبذلك يزول السبب الذي كان من أجله التحريم، وهو الإشراك، وإن في ذلك بشرى للمؤمنين عامة بهذا الفتح، وبإعلاء كلمة الله، وبانتهاء القتال بين ذوي الأرحام الواصلة، وبشرى خاصة للذين يرغبون في الزواج من بنات أعمامهم، ويحول الشرك دونهم.
(وَلأَمَةٌ مؤْمِنَةٌ خَيْرٌ من مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) في هذه الجملة السامية بيان فضل التدين والإيمان على الشرك والكفر، وبيان فضل المؤمن على الكافر، وبيان فضل كمال النفس على جمال الجسم، وبيان فضل شرف القلب على شرف النسب؛ ومثلها في هذا المعنى قوله تعالى بعد ذلك: (وَلَعَبْدٌ مؤْمِنٌ خَيْرٌ من مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) فكلتا الجملتين الساميتين تشير إلى فضل الحقيقة الخلقية والدينية على المظهر الجسمي، والاستعلاء النسبي.
والأَمَة: الأنثى من الرقيق؛ والسبب في أن زواج المؤمن من أمة مؤمنة لا يروقه منظرها، خير من زواجه من حرة مشركة يروقه منظرها، ويثير الإعجاب حسنها، كما دل على ذلك قوله تعالى: (وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) السبب في ذلك أن الزواج ليس علاقة وقتية، بل هو علاقة دائمة وليس قضاء وطر عاجل يكون الإعجاب المجرد سببه، بل الزواج صلة مودة رابطة يلاحظ عند الإقدام عليه عوامل بقائه لا الدوافع المجردة إلى إنشائه. وإذا كانت الأمة المؤمنة التي لَا تثير الإعجاب قد اجتمعت فيها صفتان لَا تثيران النفس، بل تمنعان، وهما الرق، وعدم رواء المنظر، ففيها صفة توجد المودة والوئام، وهي الإيمان. وإذا كانت الحرة المشركة التي تثير الإعجاب بجمالها فيها صفتان تسترعيان الأنظار، وهما النسب والجمال، ففيها صفة تقطع العلائق، وتفسد البيت، وهي الشرك الذي ليس معه عاصم عن إثم ولا غواية، ولا اتجاه معه إلى فضيلة ومودة واصلة وخلق كريم.
إن الزواج اختلاط روحي، وشركة أدبية، وتعاون دائم على قطع لأواء هذه الحياة وشدتها، والبيت الزوجي في هذه الحياة اللاغبة الكادحة كالواحة في وسط
стр. 925
الصحراء، يأوي الرجل إليها بعد التعب واللغوب، فلا يصح أن يكون مناط الاختيار هو الجمال ولا النسب فقط، ولا هما معا من غير أن يكون إيمان وخلق واطمئنان نفس وعلو إدراك وأمانة، وحسن عشرة ولطف مودة، والمؤمنة ولو كانت أمة لَا تثير الإعجاب بمنظرها فيها تلك الخصال الكريمة، فهي عالية المدارك، ولذا هجرت الشرك إلى الإيمان، وفيها حسن عشرة ومودة وخلق، واستمساك بالأمانة والفضيلة وبعد عن الخيانة والرذيلة، وقد كوَّن ذلك كله الإيمان.
أما المشركة ولو كانت جميلة نسيبة فإنها في غالب أحوالها لَا تتوافر فيها عوامل بقاء الحياة الزوجية، فهي مستعلية بنسبها، مزهوة بجمالها، لَا عاصم من دين يعصمها عن الغواية، ولا مانع من خلق يمنعها من الخيانة، وليست عالية المدارك، بدليل أنها بقيت على الشرك مع قيام البينات على التوحيد شاهدة معلمة موضحة مبينة، وكيف يلتقي قلبان قلب يعبد الواحد القهار، وقلب يعبد الأوثان وليست المفاضلة بينهما في المنفعة التي تعود على العشير فقط، بل المفاضلة من حيث أثرهما في ثمرة هذا الزواج، وهما الأولاد، فالمشركة تغذي طفلها بالأوهام، والمؤمنة تربيه على الإيمان، والمشركة تضع في نفسه بذور الفساد والانحلال، والمؤمنة تغرس في قلبه غرس الفضيلة والاستمساك بالعروة الوثقى، فالطفل بين المسلم والمشركة ينشأ حائر النفس، مضطرب الوجدان، سقيم الضمير؛ بينما أولاد المؤمن والمؤمنة ينشأون على خلق قوي، ووجدان مستقيم، وقلب سليم.
(وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) وإذا كان زواج المؤمن من المشركة حراما فتزويج المؤمنة من المشرك حرام أيضًا، بل إنه أشد تحريمًا إذا كان التحريم مراتب؛ لأن في الزواج نوع ولاية من الرجل على المرأة، بدليل أن له حق تأديبها إن خرجتا عن جادة الحق من غير تبريح ولا اعتداء، ولا قصد إلى الإيذاء؛ ولذلك نهى الله عن أن يزوج الأولياء نساءهم من مشركين. والإنكاح كما قلنا تزويج الإنسان غيره.
стр. 926
وإن الأسباب في تفضيل المؤمن ولو عبدًا على المشرك ولو كان يثير الإعجاب بجمال جسمه وقوة بدنه، وجاهه الدنيوي، هي التي ذكرناها هناك، ويزاد عليها أن المشرك بما فيه من عنجهية ورجس الجاهلية، والطغيان النفسي، يسيء معاملة زوجه من غير دين مانع، ولا خلق زاجر، ولا ضمير لائم، فمن زوج ذات رحم منه مشركا فقد أسلمها إلى الجحيم، وألقى بها في فتنة، تفتن بها في دينها وفي خلقها، وفى كرامتها وفي إنسانيتها، وإن ذلك لَا يغني عن كونه حرا نسيبا، فإن تلك المعاني التي تبذل أغلى من الحرية والنسب والمال والنشب، لأنها معاني الإنسانية السامية، ولهذا كان عبد مؤمن خيرًا من كافر نسيب ولو غير مشرك.
ويجب أن نشير في هذا المقام إلى أمرين:
أولهما - أن التعبير بلفظ الإنكاح في جانب تزويج المؤمنة بالمشرك، استدل به لجمهور الفقهاء بأن المرأة لَا تباشر عقد زواجها بنفسها، وأنها لَا تنفرد باختيار الزوج، ولو كانت بالغة عاقلة رشيدة، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل، وهنا نبين وجه الاستدلال للجمهور ومستنده من السنة: أما وجه الاستدلال بالآية فهو أنه عند النهي عن الزواجِ من المشركة، قال: (وَلا تَنكِحُوا) وعند النهي عن الزواج من المشرك قال: (ولا تُنكِحُوا) والأول العقد للنفس، والثاني العقد للغير، فذكر العقد للغير في مقام تزويج الأنثى دليل على أنها لَا تتولى إنشاء العقد بنفسها، ولا يسوغ لها أن تنفرد به دون وليها، وقد أيدت ذلك أحاديث قد وردت مثل قوله ﷺ : " لا نكاح إلا بولي " (١) ومثل قوله ﷺ : " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل " (٢).
وخالف الجمهور أبو حنيفة، وفي رواية عن أبي يوسف أنه منعه، وقد زعم أن كل الأخبار الواردة بمنع الزواج إلا بولي لم تصح نسبتها إلى الرسول، وروى أن
стр. 927
الرسول ﷺ قال " الأيم أحق بنفسها من وليها " (١) وإن التعبير بالإنكاح في الآية جرى مجرى العرف الشائع الغالب، وأن النكاح قد أسند إليها في قوله تعالى: (فَإِن طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْره. . .)، ولأنها تدير أموالها، وتتولى العقود عليها، فأولى أن تتولى أمر زواجها؛ ولأن الولاية تثبت في الشرع لمصلحة المولى عليه، ومصلحتها في أن تكون حرة، ولا ضرر على أوليائها إذا تقيد الزواج بالكفاءة ومهر المثل، فلا عار يلحقهم حينئذ.
ومع أن أبا حنيفة يطلق حرية المرأة في الزواج، فإنه يستحسن أن يتولى زواجها وليها كما هو العرف الجاري بين الناس.
أما الأمر الثاني الذي يجب أن نشير إليه - فهو أن هذه الآية حرمت نكاح المسلمة بالمشرك، وليس فيها ما يدل على تحريم المسلمة بالكتابي؛ لأن كلمة مشرك لا تعم الكتابي في لغة القرآن الكريم، والحقيقة العرفية الإسلامية، والتي أجمع المسلمون عليها تحريم زواج المسلمة بالكتابي؛ وسند هذا الإجماع قوله تعالى في سورة الممتحنة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ)، فهذه الآية صريحة في أن زواج المسلمة بالكافر لا يحل، وإن كانت زوجته وأسلمت دونه انتهت وصارت لَا تحل له، ولا يحل لها.
وكلمة كافر تشمل الكتابي والمشرك، كما قال تعالى: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَروا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِّنْ خَيْرٍ من رَّبِّكمْ. . .).
وعلى هذا النص وعمل الرسول ﷺ اعتمد إجماع الصحابة والتابعين من بعدهم إلى اليوم.
стр. 928
(أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ) وازَن بين الزواج من المؤمنة والزواج من المشركة، والزواج من المؤمن والزواج من المشرك، وكانت الموازنة من حيث الخيرية في كل جانب، فكان خير المشركين والمشركات حسيا ماديا، والمنفعة فيه عاجلة غير باقية، وكان الخير في جانب المؤمنين والمؤمنات نفسيا وروحيا والمنفعة فيه باقية غير سريعة الزوال، وتتناسب مع عقد الزواج وهو عقد الحياة الذي يمتد بامتدادها، وانتهت الموازنة بأن المؤمنة ولو كانت أمة خير من المشركة ولو كانت نسيبة حسناء؛ وبأن المؤمن ولو كان عبدًا خير من المشرك ولو كان حسيبا نسيبا ونهدا قويا.
وفى هذه الجملة السامية يبين سبحانه مغبة السوء في الزواج بالمشركين والمشركات، فقال سبحانه: (أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) أي أن أولئك المشركين والمشركات إذا كان فيهم ما يستهوي الراغب في الزواج منهم من نسب رفيع، وجاه عريض، ومال وفير، وجمال ومنصب، فهم بهذه الأوصاف الدنيوية التي تستهوي النفوس الضعيفة إذا كان معها الشرك بالله وعبادة الأوثان، يدعون إلى الإقدام على أسباب النار في الآخرة والعذاب الأليم فيها، فإن الاستهواء المادي للنفس الضعيفة، والخلطة المستمرة بين الزوجين، والاتصال الدائم بينهما، كما قال تعالى: (هُنَّ لِبَاسٌ لَّكمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لهُنَّ. . .)، إن هذه الأمور كلها من شأنها أن تسهل قبول المسلم أو المسلمة لما عليه المشرك من عادات جاهلية، وأخلاق وثنية؛ تبتدئ تلك المفاسد بالسريان إلى النفس بالسكوت عنها، ثم بالرضا عن فاعلها؛ ثم بالرضا عن فعلها، ثم باستحسانها؛ وأول الشر استحسانه، وبذلك تنحل عُرى الإسلام في نفس المسلم عروة عروة، حتى لَا يبقى من الإسلام إلا الاسم والرسم؛ وهما لا يغنيان عن حقيقته شيئا!.
وكلما كانت عوامل الإعجاب أكثر، كانت عوامل التأثير والدعوة أشد وأقوى؛ فإذا كانت مسلمة تحت سلطان رجل مشرك له فضل سطوة وجاه ومال وقوة ونسب وله جمال وهمة وإقدام، فإن تلك العوامل كلها تؤثر في نفسها شيئا فشيئا
стр. 929
حتى تخرجها من الإسلام خطوة بعد خطوة وتكون خارجة عنه وهي لَا تحس ولا تشعر.
وكذلك إذا كان الرجل المسلم قد تزوج مشركة حسناء لها منصب ومال ونسب، ولطف مودة وحسن مدخل، فإنها كلما قويت عوامل التأثير عندها، ضعف مقدارها من خلق الإسلام عنده، حتى يستحسن ما تستحسن؛ ويستهجن ما تستهجن؛ ولا دعوة إلى النار أقوى من هذا!
وليس المراد بالدعوة القول والنداء إلى ما يدخل النار؛ بل المعنى أن المودة والإغراء ولطف المدخل والاستيلاء النفسي؛ كل هذا من شأنه أن يؤثر، فيكون كالدعوة إلى الشرك والنار بالقول، بل أقوى تأثيرا.
وقد يقول قائل: هذه الدعوة إلى النار بهذا التأثير قد تكون أيضا في زواج المسلم بالكتابية، كما هي في زواج المسلم بالمشركة؛ فإنها إن كانت ذات جمال ومنصب في قومها، ولها استهواء خاص، قد تدعو إلى النار، كما تدعو المشركة، وتحل الخلق الديني في نفس المسلم، كما تحله المشركة؛ وكان مقتضى هذا أن يحرم زواج المسلم بغير المسلمة مطلقا كما حرم زواج المسلمة بغير المسلم مطلقا؛ وإن لذلك الكلام موضعه؛ ولذلك أجمع الفقهاء على كراهة زواج المسلم بالكتابية؛ بل لقد زعم بعض العلماء أن زواج المسلم من الكتابية محرم كزواجه من المشركة.
ولكن الجمهور لَا يقطعون بالتحريم أمام النص القاطع بالحِل، ولا يعملون العلة ليهمل النص؛ بل يرون أن علة التحريم لَا تتوافر في الكتابية توافرها في المشركة؛ فإن المشركة لَا ترتبط بأي قانون خلقي يعصمها من الزلل، ويجعل الزوج يربطها به؛ أما الكتابية فإن مجموع الفضائل الإنسانية من الصدق والأمانة، ومنع الخيانة، وحسن المعاملة وحسن العشرة، وغيرها من المبادئ الفاضلة لَا تزال باقية في تعاليم دينها؛ فيمكن الاحتكام إليها، كما يمكن الاطمئنان إلى أن الزوجة تستمسك بالفضيلة في الجملة إن أحسن الاختيار.
стр. 930
وإن القرآن الكريم في جدله مع أهل الكتاب كان يلاحظ إمكان التفاهم معهم على قواعد يمكن حملهم على الإقرار بها، كما في قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. . .)، وقوله تعالى في مجادلتهم: (قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكمْ. . .)، كما أمر الله سبحانه المسلمين عامة بألا يجادلوا أهل الكتاب إلا بالرفق، كما قال تعالى: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ. . .). فكان من اطراد تلك المعاملة الحسنة المقربة، غير المبعدة، أن أباح الإسلام الزواج من الكتابيات.
بيد أنه يلاحظ في إباحة الزواج من الكتابيات أمران:
الأمر الأول: أن النص القرآني المبيح خاص بالمحصنات منهن، إذ قال سبحانه: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أوتُوا الْكتَابَ مِن قَبْلِكمْ. . .)، والمحصنات في أظهر التفسير هن العفيفات؛ فأولئك الذين يعمدون إلى المنحرفات منهن في أخلاقهن وعقولهن ولا يتخيرون، خارجون عن موضع الإباحة فيما أحسب؛ لأن الله أحل المحصنات، وهم استحلوا المنحرفات، ووقع ما توقعه عمر ﵁.
الأمر الثاني: أن ولي الأمر إذا رأى خطرا على الدولة الإسلامية، أو على المجتمع الإسلامي، له أن يمنع الناس من ذلك الزواج بوضع عقوبات لمن يقدم عليه سدًّا للذريعة ومنعًا للشر؛ وذلك من باب السياسة الشرعية، لَا من باب تحريم ما أحل الله؛ لأن الحل قائم على أصله، والمنع وارد على الضرر الذي يلحق المسلمين، إذ في ذلك من الاعتداء على جماعتهم ما فيه؛ كما أن أصل الأكل حلال؛ ولكن اغتصاب أموال الناس لنأكلها حرام؛ للاعتداء فيه؛ ولذلك سارت الدولة على منع رجال السلك السياسي من الزواج من الأجنبيات. وقد علمنا أن ضباطا في الجيش
стр. 931
يجلسون في مناصب قد تمكنهم من معرفة سر عدته وعتاده قد تزوج بعضهم من يهوديات، فحق على الدولة أن تنحيهم من أماكنهم، خشية على الجيش وقادته، وأن تسن قانونا يمنع ذلك في المستقبل!.
هذه دعوة المشركين والمشركات بالإغراء وبعدوى الأخلاق، إلى النار، وهي نقيض نداء الله لعباده، ولذا قال سبحانه: (وَاللَّهُ يَدْعو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ) فالله سبحانه بأوامره السامية، وشريعته المحكمة ينادي المؤمنين إلى سلوك طريق الجنة بأن يقوموا بالأعمال الصالحة، ويحصنوا نفوسهم في زواجهم بما يحمي أنفسهم من الشر والفساد، وبواعثهما، وما يغري بهما، ويحموا جماعتهم من أن تكون فيها تلك الأدواء الفتاكة بقيام أسر من أزواج قد انحلت في نفوسهم روابط الفضيلة والأخلاق، فإن ذلك التحصين الشخصي والاجتماعي هو السبيل إلى جنة الرضوان، كما أنه السبيل إلى مغفرة الرحمن؛ لأن صون النفوس وعفة القلوب، وسيادة الفضيلة في المجتمع، كل هذا من شأنه أن يوجه إلى الخير وإلى الكمال، فتذهب عن النفس أدرانها، وتستر عيوبها؛ وبذلك يغفر الله ذنوبها إذا تابت وأقلعت.
ولقد قيد سبحانه الدعاء إلى الجنة والمغفرة بقوله سبحانه: (بِإِذْنِهِ) والإذن يطلق على الإعلام، كما يطلق على الأمر، ويطلق على الإرادة مع الرضا والتوفيق والتيسير، وإن تلك المعاني الثلاثة متحققة في هذه الجملة السامية؛ فإن الله سبحانه أعلم الناس بطرق الجنة والمغفرة، وآذنهم بها ليسلك من يريد السلوك، وأمرهم أمرًا قاطعًا بالحق في كل شيء ليطيع من طلب الحق وسلك سبيله.
وإنه سبحانه موفق من طلب الهداية ميسر له السبيل، آخذ بيده إلى الحق الذي لا مرية فيه.
(وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكرُونَ) يدعو الله إلى الجنة والمغفرة ويعلم الناس بالحق ويأمرهم به، وييسر السبيل إليه، ولا يكتفى سبحانه
стр. 932
وتعالى بذلك، بل يقيم البينات والآيات الدالة القاطعة على أن الحق هو ما يدعو إليه، والمصلحة فيما يأمر به، والفضيلة والكمال فيما يشرع لهم من شرع ويوضح لهم من مناهج؛ فقد اقترن كل حكم بحكمته، وكل أمر بوجه المصلحة فيه، وكان ذلك لأجل أن يتذكر الناس دائمًا، ويكونوا على علم بوجه الخير في أوامر دينهم، وأحكام الشرع الذي نزل من عند الله الحكيم العليم؛ وهذا معنى قوله تعالى: (لَعَلَّهمْ يَتَذَكَّرُونَ) فالرجاء هنا في معنى التعليل؛ لأن الرجاء من الله تعالى في موضع التحقيق؛ أو نقول: الرجاء على حقيقته، وهو من العبد لَا من الرب؛ أي أن الله شرع ما شرع من شريعة محكمة لَا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وبين بالآيات البينات وجه الخير فيما يشرع ليرجو الناس أن يكونوا في حال تذكر دائم لربهم وشرعه، وخالقهم وما أنزل لهم من أحكام تصلح دنياهم، وتقربهم إلى الله زلفى فينالون رضوانه يوم الدين.
أما بعد: فإن هاتين الآيتين الكريمتين توضحان لكل مؤمن الطريق الذي يتخذه ليختار زوجًا يرضاها قرينة له ويقطعا معا صحراء الحياة، وتكون له السكن والمُطَمَأنُّ؛ وتبينان له أنه يجب عليه ألا يسير وراء ما يثير الإعجاب من رواء المنظر، أو علو النسب، أو جاه دنيوي؛ بل يطلب ذات الدين أولا؛ فإنه إن استقامت الأخلاق وتلاءمت النفوس والتقت القلوب، حسنت العشرة، وقامت الأسرة على دعائم من الفضيلة والخلق الكريم، وأنبت الله لهما الذرية الصالحة نباتًا حسنا؛ وإن لم تستقم الأخلاق ولم يكن الدين، تقطعت الروابط، وكاد كل منهما لصاحبه، أو أفسد الاستهواء قلب الصالح منهما لصاحبه، فيصير [ ... ] [عدوه]، ويرين الله على قلبه، ولا يكون نبت الذرية إلا نكدا، وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: " تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها؛ فاظفر بذات الدين تربت يداك " (١) والله ولي التوفيق.
* * *
стр. 933
(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)
* * *
بين الله في الآية السابقة من شئون الأسرة كيف يختار الزوج، وكيف يصطفي عشير الحياة، وأن الأساس هو الدين والفضيلة في الاختيار، لا جاه الدنيا ولا أحسابها ولا أنسابها؛ لأن العشرة الحسنة تقوم على الفضيلة ومكارم الأخلاق، لَا على الاستعلاء بالنسب، والتفاخر بالحسب.
وفى هذه الآيات يبين العشرة الحسنة، وقد تصدى فيها القرآن الكريم لبيان النزاهة البدنية في العلاقة الطبيعية التي يتقاضاها الطبع السليم بين الرجل والمرأة، والتي بها يعمر الكون، ويبقى الإنسان الذي جعله الله في الأرض خليفة.
وقد ذكر وصايا كريمة في أمرين، وتشير هذه الوصايا إلى بعض مقاصد الزواج العليا؛ ثم ذكر حكمًا شرعيا قاطعًا في أمر ينفذ فيه بحكم القضاء، لَا بحكم التدين المجرد.
أما الأمران اللذان جاءت فيهما الوصايا الكريمة المرشدة الهادية، العفيفة النزهة، فهما يتعلقان بمباشرة الحائض، والنهي عنه، وبالمقصد من الزواج وملاحظته عند المسيس وقضاء الوطر الجنسي، وهو النسل القوي ذو الخلق الكريم، والأمر الثالث الذي ينفذ بحكم القضاء هو الامتناع عن العلاقة الفطرية الطبيعية مضارة وإيذاء لامرأته بأيمان يحلفها للضرر والإيذاء، فقد حكم فيه الشارع حكما مقررا،
стр. 934
وهو الفرقة بعد الامتناع أمدا معلوما؛ ونؤجل الكلام في هذا الأمر إلى موضعه من تفسير الآيات الكريمات التي تصدت لحكمه، ونكتفي هنا ببيان الوصايا في الأمرين الأولين.
стр. 935
(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ) السؤال كان من المؤمنين، ولم يكن من غيرهم؛ لأنهم أرادوا أن يعلموا حكم دينهم في أخص شئونهم؛ ولأنهم أدركوا بقوة وجدانهم الديني أن الإسلام مرشد إلى الأمر الصالح في كل شيء وفي كل الأمور، ما دق منها وما جل، بل ما خص منها وما عم، وليس أي شأن من الشئون الخاصة إلا له صلة بالشئون العامة؛ لأن الإنسان ليس شيئا قائما بذاته منفردا عن غيره مفصولا عن سواه، بل هو جزء من كل، موصول بما عداه، فالأجزاء تتلاقى فتكون ذلك المجموع وتربطه بروابط من الفضيلة، فما من خصوص للآحاد إلا له صلة وثيقة بعموم الجماعة؛ ومن فصَل الأمور الشخصية عن الأمور العامة لم يفهم علاقة الإنسان بالإنسان ولم يفهم قانون الجماعات وسر الاجتماع.
من أجل هذا المعنى سأل المؤمنون عن هذا الأمر الخاص الذي يتصل بأدق العلاقة بين الرجل والمرأة.
والمحيض مشتق من الحيض، وأصله بمعنى السيل؛ يقال: حاض السيل بمعنى فاض، ثم أطلق الحيض على ما يقذفه رحم المرأة من دم في حال فراغه من الحمل؛ والمحيض قال الزمخشري فيه: إنه مصدر ميمي: مجيء، ومبيت، وعلى ذلك يكون السؤال عن المحيض أي عن حكم العلاقة بين الرجل والمرأة عند وجوده. وقد يراد منه اسم الزمان، ويكون السؤال عن حكم العلاقة بين الرجل والمرأة في وقته، وقد يراد منه اسم المكان من حيث العلاقة في مكان الحيض وهو جهاز المرأة التناسلي.
والظاهر أن السؤال عن حكم العلاقة عند وجود الدم وكل التخريجات السابقة تصلح لذلك وكلها تحتاج إلى تأويل محذوف مقدر وهو السؤال عن الحكم، وكل التقديرات تنتهي إلى معنى واحد وما جرى بين المفسرين من خلاف في هذا هو
стр. 936
خلاف لفظي لَا جدوى - من حيث المعنى - فيه، ولماذا كان السؤال؟ ألم يكن من مقتضى الفطرة أن يعلموا الجواب؟ نعم لقد كان من مقتضى الفطرة أن يعلموا أن الحيض أذى في كل أحواله، وأنه يعتزل موضعه إبان ظهوره؛ ولكن أهل الديانات السماوية التي كانت تصاقب (١) أماكنهم في بلادهم من اليهود والنصارى قد اختلفوا، ما بين متشددين في شأن الحائض، ومتسامحين في شأنها؛ فالنصارى ما كانوا يفرقون بين حائض وغير حائض في المعاملة والمباشرة؛ واليهود كانوا يشددون عليها وعلى أنفسهم في المعاملة فيتجنبونها اجتنابًا تامًا، ولا يعتزلونها في المباشرة وحدها، بل يعزلونها في كل الأحوال عن أنفسهم عزلا كاملا، حتى ليعتبرون كل ما مسته يكون نجسا، ومن يمسها يكون نجسا، وكأنها تكون من الأنجاس في هذه المدة (٢).
وكان من العرب من تأثروا بطريق اليهود، ومنهم من سلكوا مسلك النصارى، فسألوا عن حكم الإسلام إلى أي الطريقين يتجه، فكان الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وكان بين ذلك قواما؛ فأباح المعاملة ومنع المباشرة.
(قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) أجاب الله بما أمر به النبي ﷺ أن يجيب به (هُوَ أَذًى) أي هذا الدم الذي يلفظه الرحم أذى يتأذى به الإنسان تأذيا حسيا جسميا؛ فرائحته، يتأذى منها من يشمها، وهو قذر في ذاته، وهو فوق ذلك أذى نفسي للرجل والمرأة معا؛ فالمرأة لا تكون في حال تستسيغ معها المباشرة؛ بل إنها تكون متقززة منها في هذه الحال نافرة إلا في الأحوال الشاذة والصور النادرة، وجهازها التناسلي يكون في حال اضطراب، فتتألم من كل مباشرة، وأعصابها وأحوالها وعامة شئونها تكون في حال تتأذى معها
стр. 937
من كل اتصال جنسي؛ والرجل يتأذي نفسيا؛ إذ يكون خليطه في حال نفرة بل بغض لما يقدم عليه؛ ثم إن المباشرة في هذه الحال لَا يتحقق معها القصد الأسمى وهو النسل؛ فإن المرأة في هذه الحال لَا تكون صالحة للإنسال.
وإذا كان موضع الحيض أو الحيض نفسه شيئًا يتقزز منه، فإن الوصية الواجبة في حاله هي الاعتزال؛ ولذا قال سبحانه مرتبا الوصية على تلك الحال التي يتأذى منها: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) أي اعتزلوهن في وقت الحيض، والمراد بالاعتزال الامتناع عن المباشرة؛ وقد روي عن ابن عباس أن المراد بالاعتزال هو اعتزال الفراش، وهو في ذلك أقرب إلى مسالك اليهود؛ ولكن تلك الرواية شاذة لا يلتفت إليها، ولا تنقض إجماع العلماء على أن المراد بالاعتزال هو الامتناع عن المباشرة، لَا ترك الفراش وتجنب النوم معها على فراش واحد؛ فقد أجمع العلماء وتضافرت الروايات على أن المنهي عنه فقط هو المباشرة نفسها.
ولعل تلك الرواية المروية عن ابن عباس ﵁ تتجه إلى أن اعتزال الفراش بأن ينام في مكان وهي في مكان إنما هو للاحتياط حتى لَا يكون اتحاد الفراش مؤديًا إلى ذلك الأمر الممنوع.
ولئن أخذنا بهذه الرواية لكان تحريم المباشرة لذاته، وتحريم الاجتماع في المبيت على فراش واحد لغيره؛ لأنه يؤدي إلى الممنوع لذاته.
ويلاحظ في نسق الكلمات السامية (قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) أنه قد قدم السبب على المسبب، والعلة على المعلول؛ فإن سبب الوصية بالاعتزال هو كون المحيض أذى يوجب الاعتزال فيه.
وإذا كان سبب الاعتزال وعدم المباشرة هو أذى المحيض فإن الاعتزال مؤقت بوجوده، ويزول بانتهائه؛ ولذلك بين سبحانه مدى تحريم الاعتزال بقوله تعالى:
(وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) والقرب المنهي عنه كناية عن المباشرة، وهي من الكنايات القرآنية التي تربى الذوق وتمنع عن الأسماع الألفاظ التي يجافي سماعها الأذواق السليمة؛ وكم للقرآن الكريم من كنايات ومجازات تعلو بمستوى القارئ، ولها
стр. 938
وضوح وقصد إلى المعاني من غير خطأ في الفهم، ولا غموض في الموضوع؛ وأي قارئ يقرأ كلمات: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ)، ولا يفهم منها النهي عن الحال التي يتقضاها الطبع في الأحوال الاعتيادية، وأن النهي موقوت بذلك الوقت المعلوم.
والقراءة المشهورة هي بفتح الراء في (وَلا تَقْرَبُوهُنٌ) وبضم الهاء (يَطْهُرْنَ) من غير تشديد الطاء. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية المفضل: (يطَّهَّرْن) بفتح الهاء، وتشديد الطاء.
ويذكر العلماء في مادة " قرب " أن هذا الفعل من باب كرُم، ومن باب فرح، فيقال قرب يقرب، ويقال قرب يَقرَبُ، والأول لازم والثاني متعد، والمعنى فيهما مختلف؛ فالأول يكون بمعنى الدنو، والثاني كذلك، ولكنه غلب في العرف أنه مجاز عن اللبس أي الاتصال بالشيء؛ ومن ذلك قوله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيم. . .)، وقوله تعالى: (فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا. . .)، أي لَا يدخلوه وكذلك قوله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ).
وقوله تعالى في القراءة المشهورة يطهرن يكون معناها انقطاع الدم؛ لأنه إذا كان سبب الأذى هو الدم، فانقطاعه طهور منه، فهو وصف وحال قائمة بالمرأة تثبت عند انقطاع الدم لزوال سبب النجاسة. وأما قراءة يطهرن، فمعناها يغتسلن؛ لأن التطهر غير الطهور، إذ هو فعل من المرأة نفسها منسوب حدوثه إليها؛ فهي التي تنشئه لَا أنه حال طهر يعود بعد زوال سبب النجاسة المؤقتة.
هذا تفسير بعض العلماء، وبه أخذ الحنفية. وقال آخرون وعلى رأسهم شيخ المفسرين ابن جرير الطبري: إن القراءتين في معناهما واحد، وهو التطهر، فلا تعد طاهرة إلا بالاغتسال؛ وهذا ما سلكه جمهور الفقهاء غير الحنفية.
وقد انبنى على ذلك الخلاف في التفسير خلاف فقهي؛ فالحنفية قالوا: إنه بمجرد انقطاع الدم إذا كان الانقطاع لأقصى مدة الحيض وهو عشرة أيام تحل المباشرة ولو قبل الاغتسال أخذا بالقراءة المشهورة وهي قراءة (يَطْهُرْنَ) لتأكد زوال الدم،
стр. 939
وبه الطهارة، وإن كان الانقطاع لأقل من عشرة أيام فلابد من تأكد زوال الدم بعمل آخر من جانبها وهو الاغتسال الفعلي، وبذلك تنطبق قراءة (حَتَّى يَطْهُرْنَ) فالحنفية قد أعملوا القراءتين في نظرهم.
وغيرهم لم يفرق بين القراءتين في المعنى وفسرهما بمعنى الاغتسال فلا تحل قبله مطلقا؛ فالطهر حقيقة فيه، وغيره مجاز، ولا قرينة تدل على إرادة المعنى المجازي، فلا يعدل عن الحقيقة؛ وفوق ذلك فإن إباحة المباشرة صرح فيها بأن ذلك متصل بالتطهر، لَا بالطهور؛ فقد قال سبحانه:
(فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُم اللَّهُ) وإذا كان المنع مؤقتا، فإنه بزواله تجيء الإباحة، وتعود الحال إلى ما كانت عليه، وهنا كلمتان ساميتان نشير إلى بعض ما اشتملتا عليه من معانٍ سامية، وهما قوله تعالى: (فَأتوهُنَّ) والثانية قوله: (مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُم اللَّهُ). والطلب في قوله تعالى: (فَأتوهُنَّ) ليس المراد به الحتم واللزوم. فليس بلازم الإتيان عقب التطهر؛ لأن ذلك مبني على الرغبة والطاقة، إنما المراد هو إباحة المباشرة فإنه من المقرر عند علماء الأصول أن الأمر بعد النهي يكون للإباحة، وخصوصا إذا كان الموضع موضع حل وإباحة لَا موضع تكليف وإلزام، مثل قوله تعالى: (وَإِذَا حَلَلْتمْ فَاصْطَادوا. . .)، ومثل قوله تعالى: (فإذَا قُضيَتِ الصًلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ. . .).
وأما الكلمة الثانية وهي (مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّه) فمن هنا المسماة بمن الابتدائية، أي الإتيان يكون مبتدئا من المكان الذي أحله الله سبحانه، وهو الذي كونه الله سبحانه على أنه المكان الفطري الطبيعي لتلك العلاقة الجنسية، وهو مكان البذر والإنسال، فالمراد من أمر الله في هذا المقام الأمر الإلزامي الذي جاء الإلزام فيه بحكم الشرع الإلهي، وبحكم الفطرة التكوينية، فقد أمر الله بأن تكون المباشرة في موضع النسل والحرث والبذر، والفطرة التي فطر الله الناس عليها توجب ذلك وتلزم به؛ إلا من إيفت مشاعرهم وشذ تكوينهم؛ ولذلك كانت تلك الفطرة هي الوضع
стр. 940
الإنساني الذي التزمه بنو الإنسان حتى المتوحشون المتبدون، ولم يخرج عن ذلك إلا الذين أصابهم شذوذ في عقولهم ونفوسهم من بعض الذين سموا متمدينين.
(إِنَّ اللَّهَ يحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) ذيل الله هذه الآية الكريمة بتلك الجملة السامية؛ والتواب صيغة مبالغة من تائب بمعنى راجع إلى ربه إذا هفا، منيب إليه إذا انحرف؛ كثير الرجوع إلى رب العالمين بتوبة نصوح؛ والتواب وصف مدح يمدح به العبيد.
وإن للتوبة منزلتين:
المنزلة الأولى: أن يرتكب الشخص منكرا أو معصية بشكل عام، سواء أكانت صغيرة أم كانت كبيرة، ويفعل ذلك بجهالة، ثم يتوب توبة نصوحا، ويحسن التوبة فيغفر الله له، فإن الله سبحانه يغفر الذنوب جميعا لمن أحسن التوبة؛ والتوبة في هذه الحال وصف مدح بلا شك، وخصوصا إذا استشعر التائب ما كان فيه، وأحس بالخضوع وأحسن التضرع، وكان تذكره للماضي حافزا على الاستمساك بحاضره، والاتجاه إلى ربه، وطلب المغفرة؛ فإن الإحساس بذل المعصية يدنيه من ربه، ويقربه والمنزلة الثانية من التوبة وهي العالية السامية: أن يحس المؤمن التقي بمقام ربه، فيحس مع ذلك بالقصور في حقه، فيراجع ربه بالتوبة الحين بعد الحين، تداركا لما ظن من تقصيره، وما ارتكب في تقديره، فيكون توابا منيبا مستمرا في توبته.
والله سبحانه يحب التائب في كلتا حاليه، وإن تفاوتت المنازل واختلفت الدرجات. ومحبة الله تعالى للتائبين رضاه عنهم، وإسباغ رحمته عليهم؛ فالمحبة رضا ورحمة وتقريب. والمتطهرون هم الذين طهروا حسهم ونفوسهم، وظاهرهم وباطنهم.
وإن تذييل الآية بهذه الجملة السامية يفيد ثلاث فوائد:
стр. 941
أولاهما: إشعار المؤمن بأن الله غفار للذنوب لمن ارتكب كما قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا. . .).
ثانيتها: أن الله يحب المؤمن الذي لَا يغتر بطاعاته، حتى لا يزين لنفسه كل أعماله، فقد يتأدى الأمر بمن يزين لنفسه عمله إلى أن يزين له سوء عمله فيراه حسنا، وإن الذي يستصغر حسناته فيكثر من التوبة قريب من ربه مستمتع بمحبته ، وهي أقدس ما في هذا الوجود.
ثالثتها: أن طهارة الحسِّ تؤدي إلى طهارة النفس، فمن كان طهور النفس لا يقبل أن يقدم على أمر مستقذر في ذاته، تعافه الطبائع السليمة، والفطرة المستقيمة.
стр. 942
(نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لكُمْ فَأتُوا حَرْثَكمْ أَنَّى شِئْتمْ) في هذه الآية يشير الله إلى ثلاثة أمور:
أولها: بيان أن المقصد من الزواج ليس هو قضاء الوطر وإشباع الشهوة، فإن ذلك كما يكون في زواج شرعي يكون في المسافدة الحيوانية، إنما المقصد هو النسل وبقاء هذا الإنسان في الوجود على أكمل وجه، وتهذيب النشء بين أبويه وفي أحضانهما لتنمو غرائزه وتتهذب طبائعه، وتستيقظ ينابيع الخير فيه.
وثاني هذه الأمور: أن ما يكون بين الزوجين اللذين جمعهما الله بكلمة الشرع وحكمه هو الأنس الروحي مع المتعة الجسدية، وإن ذلك ليقتضي زوال الكلفة، وأن يكون بينهما من المباسطة ما تسهل معه الحياة، ويكون في البيت تخفيف أعبائها، واستجمام القوى، ليستطيع تحمل تكليفاتها.
وثالث هذه الأمور: أن الدين يجب أن يكون مسيطرا، ويجب أن تكون العدالة قائمة، والمودة حاكمة فيما بين الرجل والمرأة.
وقد أشير إلى الأمر الأول بقوله تعالى: (نسَاؤكمْ حَرْثٌ لكُمْ) وأشير إلى الأمر الثاني بقوله تعالى: (فَأتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شئْتُمْ) وأشير إلى الأمر الثالث بقوله تعالى: (وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمَ مُّلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ).
стр. 943
وبعد هذا الإجمال نتكلم في معاني هذه الجمل السامية لنستبين هذه الإشارات من تلك العبارات القدسية، فنتكلم في معنى قوله تعالى: (نِسَاؤُكمْ حَرْثٌ لَكُمْ) أصل كلمة حرث تطلق على إثارة الأرض لإلقاء البذر فيها، وقد تطلق كلمة الحرث على الأرض المحروثة نفسها، فتسمى الأرض المحروثة المهيأة للزراعة أو المزروعة فعلا حرثا، ومن ذلك قوله تعالى: (أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ)، ثم أطلقت كلمة حرث في الآية الكريمة وأريد بها الزوجة على سبيل التشبيه، وقد قال في وجه التشبيه الراغب الأصفهاني (بالنساء زرع ما فيه بقاء نوع الإنسان، كما أن بالأرض زرع ما به بقاء أشخاصهم).
ففي الكلام إذن تشبيه للزوجة بالحرث؛ ووجه التشبيه الذي ذكره كان بين الزوجة وبين الأرض الخصبة المنتجة من حيث إن كليهما يمد الوجود الإنساني؛ فالزوجة تمده بعنصر تكوينه وإنشائه، والأرض تمده بالزرع الذي يكون به بقاؤه. وذكر الزمخشري أن التشبيه بين ما يلقى في الأرحام من النطفة والبذر الذي يلقى في الأرض من حيث إن كلا منهما ينمو في مستودعه، ويكون به البقاء والتوالد.
وكيفما كان توجيه التشبيه من الناحية اللفظية، فإن الجملة الكريمة ترمي إلى معنى كريم، وهو أن العلاقة بين الرجل والمرأة ليست هي قضاء الوطر لإشباع الشهوة المجردة، بل هي تنظيم النسل فلا يصح للرجل الكامل الذي اتجهت به الإنسانية نحو الكمال أن ينظر إلى زوجه إلا على أنها مستودع سر الوجود الإنساني، وأنها مربى ولده، وأن قطعة منه تتصل بها فيختلط وجوده بوجودها، وتخرج من رحمها وديعته، وقد امتزجت فيها عناصرهما وخواصهما وطبائعهما، وصارت صورة في الوجود لأشخاصهما، ومنازعهما، وإذا كانت الخلطة الفطرية قد أوجد الله بها ذلك المخلوق الذي يريان فيه أنفسهما موحدة متلاقية، فإن ذلك يتقاضاهما أو يحملهما على تنشئته على صورة لَا يصبوان إليه من كمال؛ وإذا تقاصرت نفس أحدهما عن الآخر فقد يكون الاضطراب في تكوينه الخلقي، بل يكون نقص في تكميل نموه الجسمي.
стр. 944
وإذا كان ذلك بعض ما يشير إليه التعبير عن الأزواج بأنهن حرث، فإنه بلا شك يحث الرجل على أن يتخير موضع حرثه، كما يتخير موضع زرعه، فإنه لا يطلب لبذره إلا الخصبة القوية من الأرض، فكذلك لَا يطلب إلا القوية من النساء في جسمها وخلقها ودينها، وطيب أرومتها، وكرم بيئتها؛ ليكون الولد قويا، ولينشأ نشأة كاملة تربى فيه قوة الجسم والخلق والدين والعقل؛ ولذا جاء في المأثور " تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم " (١) وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " إياكم وخضراء الدِّمَن " وهي المرأة الجميلة التي نبتت في منبت سوء (٢) فلا تطلب المرأة لجمالها ولا لمالها، ولا لجاه أسرتها، ولكن تطلب لدينها وخلقها، ولبيئتها الدينية الخلقية الطاهرة.
وقوله تعالى: (فَأتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) تشير إلى المباسطة التي تكون بين الزوجين، وإبعاد ما يتكلفه الإنسان في لقاء الإنسان؛ فإن ذلك يزول عندما يكون الرجل مع زوجه، ويستروح راحة الحياة، ومودة العشرة الزوجية؛ فإن قوله: (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) معناه قاربوا أو باشروا نساءكم كيف شئتم. وقد روى الرواة أن اليهود الذين كانوا يجاورون أهل المدينة كانوا عند المباشرة لَا يرى الرجل من زوجه شيئا، ولا تكون المباشرة إلا بإبعاد حرف من الثياب؛ وقد سرت تلك الحال من التكلف إلى الذين كانوا يساكنونهم من أهل يثرب، ولعلهم ظنوا ذلك أدبا وتهذيبا، وحسبوه أمرا في هذه الحال مطلوبا، فسلكوا مسلكهم؛ وكانت قريش تزيل كل تكلف من هذا عندما يختلي الرجل بزوجه؛ فلما كان التزاوج بين المهاجرين من قريش، والأنصار من أهل المدينة الذين سرى إليهم ذلك التزمت من اليهود، كانت تحدث نفرة أحيانا بين الزوجين بسبب التزمت من جانب، ورغبة التبسط من جانب آخر، فكان قوله تعالى: (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) مزيلا للتكلف، داعيا إلى
стр. 945
المباسطة، ليكون ما بين الرجل والمرأة فيه استرواح للنفوس، واستجمام للقلوب؛ فكلمة (أنى) معناها (كيف) أي باشروا نساءكم في موضع الحرث على أي شكل كانت المباشرة.
ويقول علماء اللغة إن (أنى) يستفهم بها وتكون بمعنى كيف، وذلك أصل استعمالها، وقد تكون مع استعمالها بمعنى كيف للمكان أيضا؛ ولذلك يقول الراغب الأصفهاني: (أنى للبحث عن الحال والمكان؛ ولذا قيل هو بمعنى أين وكيف لتضمنه معناهما؛ قال الله : (أَنَّى لَكِ هَذَا. . .)، أي من أين وكيف لك هذا؟).
وهي هنا بمعنى كيف الذي هو أصل استعمالها. وذكر الحرث (١) في قوله سبحانه: (فَأتُوا حَرْثَكُمْ) للإشارة إلى أنه مع إباحة الاستمتاع الجسدي، والاسترواح النفسي، وإحلال المباسطة محل التكلف والتزمت، مع كل هذا لَا ينسى المقصود الأصلي، وهو أن الغاية هو النسل والقيام على شئونه وتربيته، فإذا كانت الحياة الزوجية يزول فيها كل ما يحجب الإنسان عن الإنسان من ظواهر وأشكال، فإن لذلك غايتين ساميتين:
إحداهما: النسل وتهذيبه والقيام على شئونه.
والثانية: الاستجمام والاستعداد بهذا الاستجمام للقيام بأعباء الحياة موفور القوى النفسية التي هي معين الصبر، وأساس الاحتمال.
стр. 946
(وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) اشتملت هذه الجمل السامية على ثلاثة أوامر، وبشرى، أما الأوامر الثلاثة فهي (وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهُ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلاقُوهُ)، وأما البشرى، فهي (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ).
والأمر الأول: وهو قوله تعالى: (وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ) معناه اعملوا في حاضركم ما يكون لمستقبلكم ذخرا وعتادا، وقدموا من الأعمال الصالحة في الحاضر، ما يكون نفعًا لكم في المستقبل؛ لأن من يعمل عملا صالحًا في حاضره، يمكن للمستقبل الحسن لنفسه، وهذا المعنى عام يشمل كل عمل صالح، وكل بر يقدم عليه الإنسان، فهو حصن المستقبل، يقدمه لنفسه من بناء الحاضر على عماد مكين من الخير، وهو في هذه الآية يدل مع هذا العموم على معنى فيها على وجه الخصوص، وهو ما يتناسب مع الزواج وعشرة الأهل، والقيام على شئونهم؛ فالمعنى على هذا: قدموا لأنفسكم في أمر الزواج وما يثمره، بأن تختاروا عند الزواج ذات الخلق والدين والعفاف والاعتدال، حتى يكون لكم حياة هنيئة في حياتكم الزوجية، فمن اختار الزوج العفيفة ذات الدين فقد قدم لنفسه، ولمستقبله، وإذا أحسنتم الاختيار فاطلبوا النسل وقوموا على شئونه وتعهده بالخلق الجميل وبث الفضيلة في نفسه، فإن من قام على تربية ولده فقد قدم لنفسه والولد عمل صالح لأبيه، وإذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من بر يؤثر عنه، وولد صالح يذكره ويدعو له، وصدقة جارية مأثورة عنه، ثم إذا أحسنتم اختيار الزوج فاحسنوا عشرتها، وخذوها بالرفق والدين والفضيلة والمعاملة الحسنة والقيام بحقها، فإن من يفعل ذلك يقدم لنفسه، فإن المرأة إذا جمحت نغصت البيت، وكان العيش نكدا، فمن أحسن معاملة أهله فقد قدَّم لنفسه.
وعلى هذا يكون لقوله تعالى: (وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ) معنى عام يشمل كل خير، ويدخل في عمومه معنى خاص، وهو ما يتعلق بالزواج والعشرة الزوجية والولد.
стр. 947
والأمر الثاني: قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ) وله معنى عام وهو أن يجعلوا بينهم وبين عصيان الله وقاية، ويخافوا الله سبحانه، ويجتنبوا المعاصي، والأذى، وظلم الحقوق، والاعتداء على الناس، وخصوصًا الرقيق، ويدخل في هذا المعنى العام معنى خاص يتصل بموضوع الآيات الكريمات، وهو الزواج وما يثمره، وهو أن يتقي أذى العشير، وظلم المرأة، وهضمها حقوقها، وظلم الأولاد بعدم القيام على شئونهم، وحسن تربيتهم؛ وإن أذى المرأة ظلم ليس فوقه ظلم، وهو ظلمات يوم القيامة. وفي المأثور عن النبي ﷺ أنه قال: " اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم، اتخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله " (١). وكان آخر ما وصى به النبي ﷺ أن يتقوا الله تعالى في المرأة والرقيق.
والأمر الثالث: قوله (وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلاقُوهُ) والإيمان بلقاء الله تعالى هو الذي يربي النفس على فعل الطاعات واجتناب المنهيات، وهو الذي يجعل الإنسان يطمئن إلى فعل الخير، إذ يعلم أن فيه رضوان الله، وهو سيلقاه، ويجنب نفسه فعل الشر؛ لأن فيه غضب الله، وسيلقاه، وسيجزيه الجزاء الأوفى، سيجزيه على الإحسان إحسانا، وعلى السوء سوءًا؛ إنه بكل شيء عليم؛ وهذا المعنى عام في كل ششون الحياة؛ ويدخل في هذا العموم المعنى الخاص بالحياة الزوجية، وهو أن يراقب الله في معاملته لأهله وولده، وإن المرأة إن كانت بين يديه قد فقدت النصير، أو حيل بينها وبين نصرائها، فليعلم أن الله معها، وأنه عليه رقيب، وأنه سيلاقيه، وسيأخذه أخذ عزيز مقتدر، ومنتقم جبار، وأنه إن استبد به طغيانه فأكل حقوقها، وانحرفت فطرته فضيع أولاده، فإن الله عليه رقيب، وسيلقاه، ويجزيه على سوء ما صنع؛ وإذا أحسن العشرة، وقام بحق الله وحق الزوج وحق الولد، فأعطى كل ذي حق حقه، فإن الله سيلقاه، وسيجزيه من الخير بما قدمت يداه.
стр. 948
وإن هذه هي بشرى المؤمنين، وهي قوله تعالى: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) فالإيمان يتقاضى المؤمن أن يقوم بحق أهله وبحق ولده، وأن يكون حسن العشرة، وألا يهضم أهله، وإن لم يفعل فليس من الإيمان في شيء، والله ولي المتقين.
* * *
(وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥) لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)
* * *
كلام الله من قوله: (وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ. . .)، في الأسرة وبيان أسس التلاؤم بين ركنيها ودعامتها؛ وهي الدين والأخلاق، لَا المال ولا الجاه ولا الجمال؛ فإن تلك أمور قد تكون عند التفاضل بعد تحقق الأصل وهو التدين والخلق؛ فلا ينظر إلى هذه الأمور إلا بعد تأكد هذين الأصلين.
وقد بين سبحانه بعد ذلك شيئا من العشرة الزوجية يتصل بالعلاقة الفطرية بين الزوجين؛ وفي هذه الآيات ذكر الأمر الذي يتصل بظلم الرجل لزوجه فيما يتصل بتلك العلاقة، وذلك بأن يمتنع عما يتقاضاه الطبع مضارة لها، وقد يكون له زوج أخرى يشبع عندها حاجته الفطرية، ويترك هذه كالمعلَّقة، لَا هي زوج تأنس بالحياة الزوجية -، ولا هي مطلقة تأنس بأهلها ولا تذوق مضاضة الظلم والحرمان مما أحله الله؛ وقد يوثق ذلك بيمين يحلفها، ويتوهم أن من الخير البرَّ بهذه اليمين، وأن يترك زوجه تأكلها الغيرة، وتكتوي بلوعة الظلم والأذى والمكايدة، وتستوحش بتلك النفرة المستحكمة.
стр. 949
ولقد بين الأمر، ووثق البيان، فنهى عن الأيمان إن حلف وكان الاستمرار على البر باليمين ظلمًا، وذكر العقوبة الرادعة لمن يعمد إلى مكايدة أهله، والإساءة إليها والإضرار بها إن استمر في غيه ولم يسلك الطريق الذي بينه رب العالمين للخروج من تبعة اليمين، وهو تحلتها، وهي الكفارة.
وفى بيان الأمر الأول قال :
стр. 950
(وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ) العُرضة بضم العين: تطلق على النصبة التي تتعرض للسهام ونحوها؛ وأطلقت على كل ما يتعرض للأشياء والأمور ويكون هدفًا لها فيقال: فلان عرضة للسفر أي منعرض له.
وتطلق العرضة على الفوة وعلى الهمة؛ ومن ذلك قول بعض الشعراء في مدح الأنصار: " والأنصار عرضتها اللقاء " وتطلق العرضة على الحاجز الذي يحول ويمنع.
واليمين تطلق بمعنى الحلف والقسَم، وأصل ذلك أن العرب كانوا إذا وثقوا عهودهم بالقسم يقسمونه، وضع كل واحد من المتعاهدين يمينه في يمين صاحبه وأطلق على القسم كلمة اليمين، وتطلق اليمين على الأمور المحلوف بها، ومن ذلك قوله ﷺ : " إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك " (١).
وكلمة العرضة في الآية الكريمة يصح أن تكون بمعنى القوة، والمعنى عليه لا تجعلوا الله قوة لأيمانكم التي تمتنعون فيها عن أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس، أي لَا تتخذوا من قسم الله سبيلا للامتناع عن فعل الخير.
ويصح أن تكون العرضة بمعنى المعرض للأمر كقول القائل: (فلا تجعلوني عرضة للوائم) ويكون المعنى على هذا كما قرر الزمخشري: لَا تجعلوا الله معرضًا لأيمانكم فتبتذلوا القسم بالله بكثرة الحلف؛ وذلك لكي تبروا وتتقوا وتصلحوا؛ وذلك لأن من يكثر الحلف يكون مَهينًا بين الناس، كما قال تعالى: