← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

(وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) اشتملت هذه الجمل السامية على ثلاثة أوامر، وبشرى، أما الأوامر الثلاثة فهي (وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهُ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلاقُوهُ)، وأما البشرى، فهي (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ). والأمر الأول: وهو قوله تعالى: (وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ) معناه اعملوا في حاضركم ما يكون لمستقبلكم ذخرا وعتادا، وقدموا من الأعمال الصالحة في الحاضر، ما يكون نفعًا لكم في المستقبل؛ لأن من يعمل عملا صالحًا في حاضره، يمكن للمستقبل الحسن لنفسه، وهذا المعنى عام يشمل كل عمل صالح، وكل بر يقدم عليه الإنسان، فهو حصن المستقبل، يقدمه لنفسه من بناء الحاضر على عماد مكين من الخير، وهو في هذه الآية يدل مع هذا العموم على معنى فيها على وجه الخصوص، وهو ما يتناسب مع الزواج وعشرة الأهل، والقيام على شئونهم؛ فالمعنى على هذا: قدموا لأنفسكم في أمر الزواج وما يثمره، بأن تختاروا عند الزواج ذات الخلق والدين والعفاف والاعتدال، حتى يكون لكم حياة هنيئة في حياتكم الزوجية، فمن اختار الزوج العفيفة ذات الدين فقد قدم لنفسه، ولمستقبله، وإذا أحسنتم الاختيار فاطلبوا النسل وقوموا على شئونه وتعهده بالخلق الجميل وبث الفضيلة في نفسه، فإن من قام على تربية ولده فقد قدم لنفسه والولد عمل صالح لأبيه، وإذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من بر يؤثر عنه، وولد صالح يذكره ويدعو له، وصدقة جارية مأثورة عنه، ثم إذا أحسنتم اختيار الزوج فاحسنوا عشرتها، وخذوها بالرفق والدين والفضيلة والمعاملة الحسنة والقيام بحقها، فإن من يفعل ذلك يقدم لنفسه، فإن المرأة إذا جمحت نغصت البيت، وكان العيش نكدا، فمن أحسن معاملة أهله فقد قدَّم لنفسه. وعلى هذا يكون لقوله تعالى: (وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ) معنى عام يشمل كل خير، ويدخل في عمومه معنى خاص، وهو ما يتعلق بالزواج والعشرة الزوجية والولد.

стр. 947

والأمر الثاني: قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ) وله معنى عام وهو أن يجعلوا بينهم وبين عصيان الله وقاية، ويخافوا الله سبحانه، ويجتنبوا المعاصي، والأذى، وظلم الحقوق، والاعتداء على الناس، وخصوصًا الرقيق، ويدخل في هذا المعنى العام معنى خاص يتصل بموضوع الآيات الكريمات، وهو الزواج وما يثمره، وهو أن يتقي أذى العشير، وظلم المرأة، وهضمها حقوقها، وظلم الأولاد بعدم القيام على شئونهم، وحسن تربيتهم؛ وإن أذى المرأة ظلم ليس فوقه ظلم، وهو ظلمات يوم القيامة. وفي المأثور عن النبي ﷺ أنه قال: " اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم، اتخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله " (١). وكان آخر ما وصى به النبي ﷺ أن يتقوا الله تعالى في المرأة والرقيق. والأمر الثالث: قوله (وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلاقُوهُ) والإيمان بلقاء الله تعالى هو الذي يربي النفس على فعل الطاعات واجتناب المنهيات، وهو الذي يجعل الإنسان يطمئن إلى فعل الخير، إذ يعلم أن فيه رضوان الله، وهو سيلقاه، ويجنب نفسه فعل الشر؛ لأن فيه غضب الله، وسيلقاه، وسيجزيه الجزاء الأوفى، سيجزيه على الإحسان إحسانا، وعلى السوء سوءًا؛ إنه بكل شيء عليم؛ وهذا المعنى عام في كل ششون الحياة؛ ويدخل في هذا العموم المعنى الخاص بالحياة الزوجية، وهو أن يراقب الله في معاملته لأهله وولده، وإن المرأة إن كانت بين يديه قد فقدت النصير، أو حيل بينها وبين نصرائها، فليعلم أن الله معها، وأنه عليه رقيب، وأنه سيلاقيه، وسيأخذه أخذ عزيز مقتدر، ومنتقم جبار، وأنه إن استبد به طغيانه فأكل حقوقها، وانحرفت فطرته فضيع أولاده، فإن الله عليه رقيب، وسيلقاه، ويجزيه على سوء ما صنع؛ وإذا أحسن العشرة، وقام بحق الله وحق الزوج وحق الولد، فأعطى كل ذي حق حقه، فإن الله سيلقاه، وسيجزيه من الخير بما قدمت يداه.

стр. 948

وإن هذه هي بشرى المؤمنين، وهي قوله تعالى: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) فالإيمان يتقاضى المؤمن أن يقوم بحق أهله وبحق ولده، وأن يكون حسن العشرة، وألا يهضم أهله، وإن لم يفعل فليس من الإيمان في شيء، والله ولي المتقين. * * * (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥) لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) * * * كلام الله من قوله: (وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ. . .)، في الأسرة وبيان أسس التلاؤم بين ركنيها ودعامتها؛ وهي الدين والأخلاق، لَا المال ولا الجاه ولا الجمال؛ فإن تلك أمور قد تكون عند التفاضل بعد تحقق الأصل وهو التدين والخلق؛ فلا ينظر إلى هذه الأمور إلا بعد تأكد هذين الأصلين. وقد بين سبحانه بعد ذلك شيئا من العشرة الزوجية يتصل بالعلاقة الفطرية بين الزوجين؛ وفي هذه الآيات ذكر الأمر الذي يتصل بظلم الرجل لزوجه فيما يتصل بتلك العلاقة، وذلك بأن يمتنع عما يتقاضاه الطبع مضارة لها، وقد يكون له زوج أخرى يشبع عندها حاجته الفطرية، ويترك هذه كالمعلَّقة، لَا هي زوج تأنس بالحياة الزوجية -، ولا هي مطلقة تأنس بأهلها ولا تذوق مضاضة الظلم والحرمان مما أحله الله؛ وقد يوثق ذلك بيمين يحلفها، ويتوهم أن من الخير البرَّ بهذه اليمين، وأن يترك زوجه تأكلها الغيرة، وتكتوي بلوعة الظلم والأذى والمكايدة، وتستوحش بتلك النفرة المستحكمة.

стр. 949

ولقد بين الأمر، ووثق البيان، فنهى عن الأيمان إن حلف وكان الاستمرار على البر باليمين ظلمًا، وذكر العقوبة الرادعة لمن يعمد إلى مكايدة أهله، والإساءة إليها والإضرار بها إن استمر في غيه ولم يسلك الطريق الذي بينه رب العالمين للخروج من تبعة اليمين، وهو تحلتها، وهي الكفارة. وفى بيان الأمر الأول قال :

стр. 950

(وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ) العُرضة بضم العين: تطلق على النصبة التي تتعرض للسهام ونحوها؛ وأطلقت على كل ما يتعرض للأشياء والأمور ويكون هدفًا لها فيقال: فلان عرضة للسفر أي منعرض له. وتطلق العرضة على الفوة وعلى الهمة؛ ومن ذلك قول بعض الشعراء في مدح الأنصار: " والأنصار عرضتها اللقاء " وتطلق العرضة على الحاجز الذي يحول ويمنع. واليمين تطلق بمعنى الحلف والقسَم، وأصل ذلك أن العرب كانوا إذا وثقوا عهودهم بالقسم يقسمونه، وضع كل واحد من المتعاهدين يمينه في يمين صاحبه وأطلق على القسم كلمة اليمين، وتطلق اليمين على الأمور المحلوف بها، ومن ذلك قوله ﷺ : " إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك " (١). وكلمة العرضة في الآية الكريمة يصح أن تكون بمعنى القوة، والمعنى عليه لا تجعلوا الله قوة لأيمانكم التي تمتنعون فيها عن أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس، أي لَا تتخذوا من قسم الله سبيلا للامتناع عن فعل الخير. ويصح أن تكون العرضة بمعنى المعرض للأمر كقول القائل: (فلا تجعلوني عرضة للوائم) ويكون المعنى على هذا كما قرر الزمخشري: لَا تجعلوا الله معرضًا لأيمانكم فتبتذلوا القسم بالله بكثرة الحلف؛ وذلك لكي تبروا وتتقوا وتصلحوا؛ وذلك لأن من يكثر الحلف يكون مَهينًا بين الناس، كما قال تعالى:

стр. 951

(وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافِ مَّهِينٍ)، ولأن المكثر من الحلف لَا يكون ممن يصون يمينه فيبر بها؛ ولذا قال تعالى: (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ. . .)، ومن لَا يصون يمينه لَا يبر بها بل يقع في الحنث الكثير وقد يكفر وربما لَا يكفر؛ ومن يعرض اليمين في القليل والكثير، والعظيم والحقير من الأمور لَا يكون متقيا لله، ولمهانته لَا يصلح بين الناس. ويصح - وهو الراجح - أن تكون العرضة بمعنى الحاجز المعترض، ويكون المعنى على ذلك: لَا تجعلوا الحلف بالله حاجزًا ممانعًا بينكم وبين فعل الخير، فلا تحلفوا في أمر يكون الامتناع فيه امتناعا عن خير وتقوى وإصلاح بين الناس؛ وذلك لأن الرجل كان يحلف على الامتناع عن بر غضبا على من يطلبه؛ كما روى أن سيدنا أبا بكر حلف ألا يعطي ذا قرابة له عندما خاض في شأن ابنته عائشة في حديث الإفك عليها، فنزل قوله تعالى: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢). وقد روي أيضا أن عبد الله بن رواحة كان بينه وبين خَتَنِه (زوج أخته) النعمان ابن بشير شيء، فحلف بالله ألا يدخل عليه ولا يكلمه، ولا يصلح بينه وبين خصمه، وإذا قيل له فيه قال: قد حلفت بالله ألا أفعل فلا يحل لي إلا أن تبر يمينى؛ فكانت الآية الكريمة ناهية عن ذلك فمن حلف على شيء فرأى خيرًا منه، فلا يصح أن يجعل الحلف بالله عرضة محاجزة دون فعل الخير، بل عليه أن يفعل الخير ويحنث ويؤدي كفارة اليمين الذكورة في سورة المائدة، في قوله تعالى:

стр. 952

(لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ. . .). وإن تفسير العرضة بمعنى المحاجز المعارض دون فعل الخير، هو الأرجح كما نوهنا، والإيمان حينئذ تفسر بأنها أفعال الخير المحلوف على الامتناع منها؛ ووجه الترجيح من ناحيتين:

стр. 953

أولاهما - أن هذا التفسير هو المناسب لما يجيء بعد ذلك، وهو المقصد من السياق، وهو قوله تعالى:

стр. 954

(لِلَّذِينَ يُؤلونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهرٍ فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رحِيمٌ) فإن مقتضاها أنه لَا يصح أن تكون اليمين محاجزة دون فيء الرجل إلى أهله، ومنع الأذى والضرر عنها. وثانيتهما - أن الأحاديث كثيرة متضافرة تحث الحالف على الحنث في يمينه إذا كان الحلف مؤداه الامتناع عن البر؛ فقد روي في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: " إني والله لَا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير، وتحللتها " (١) وروى أيضا أن النبي ﷺ قال لعبد الرحمن بن سمرة: " يا عبد الرحمن ابن سمرة لَا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعِنْتَ عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها، فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك " (٢). وروى مسلم أن النبي ﷺ قال: " والله لأن يَلج أحدكم بيمينه في أهله آثمُ لَهُ عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه " (٣). وقوله تعالى: (أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ) هو بيان للخير الذي كانت اليمين تحاجز دونه، وتمنع القيام به؛ والمعنى: لَا تجعلوا الله محاجزًا دون أيمانكم لكي تتمكنوا من أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس. والنسق البياني الكريم يفيد أن علة النهي في قوله تعالى: (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ) هو (أَن تَبرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ). فالخير الذي يطلب، ولا يصح أن تحاجز اليمين دونه ثلاثة أنواع على حسب ما كان يقع من الناس في أيمانهم:

стр. 955

أولها: البر بالرحم، كما حصل في يمين الصديق الكريم أبي بكر ﵁. وثانيها: التقوى بأن يجعل بينه وبين أذى الناس وغضب الله بأذاهم وقاية، كما يتبين في حلف الرجل في أهله مضارة بهن وإيذاء لهن. والنوع الثالث: الصلح بين الناس كما حدث في يمين عبد الله بن رواحة مع خَتَنِه النعمان بن بشير ﵄، وما من خير يحلف الناس على الامتناع عنه إلا وهو داخل في هذه الأنواع الثلاثة. (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ذيل الله سبحانه وتعالت كلماته الآية الكريمة بهذه الجملة السامية للإشارة إلى أنه سميع لأيمانهم عند النطق بها وتوثيقهم القول بها، عليم بالدوافع إليها، والبواعث التي بعثت عليها، والنتائج التي تتأدى إليها؛ وإنه تقدست ذاته، وتعالت صفاته، يغفر لهم أيمانهم بالحنث ثم الكفارة في نظير الخير العميم والنفع العظيم، ومنع الضرر والضرار بالأهل، والبر بذوي الأرحام؛ ثم ذلك التذييل الكريم لايخلو من إنذار بغضب الرحمن الرحيم إن أصروا على ماهم عليه ولم يثوبوا إلى رشدهم ويتخذوا تحلة أيمانهم طريقا للعودة إلى البر. (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) اللغو من الكلام: ما لَا يعتد به، ولا يصدر عن فكر وروية، وأصله من لغا الطير، وهو صوت الطيور الذي لَا يفهم منه شيء ويظن الإنسان أنه لَا يقصد به شيء، وقد يطلق اللغو على الكلام القبيح الذي ينبغي ألا يعتد به؛ ومن ذلك قوله تعالى: (لا يَسْمَعونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذابًا)، وقوله تعالى: (وَإِذَا سَمِعوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ. . .)، وقوله تعالى: (وَإِذَا مَروا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا). وإذا كان اللغو من الكلام ما لَا يعتد به ولا يورد مورد الروية والتفكير، فلغو اليمين ما لَا يعتد به ولم يصدر عن روية وتفكير. وقد روى في الآثار صور لأيمان اللغو، وأخذ بعض الفقهاء صورة منها وحصر اللغو فيها، وأخذ غيره بصورة أخرى، وقصر اللغو عليها.

стр. 956

وأرى أن كل صور أيمان اللغو الواردة عن الصحابة تدخل في معنى يمين اللغو التي كان من فضل الله على عباده ورحمته بهم أن رفع عنهم إثمها، ولم يجعلها موضع مؤاخذة ولا اعتداد، فلا إثم ولا كفارة فيها. ولنسرد هذه الصور بإسنادها، وكلها يقع مثله في الحياة اليوم، كما وقع مثله بين الناس في الماضي: (أ) ومن صور يمين اللغو ما رواه الزهري عن عائشة ﵂ أنها قالت: إن اللغو هو ما يكون بين القوم يتدارءون به في الأمر، فيقول هذا والله وبلى والله، وكلا والله يتدارءون في الأمر، ولا تعقد عليه قلوبهم؛ أي أن القوم يتحادثون أو يتذاكرون فتجري على ألسنتهم ألفاظ اليمين لَا يقصدون بها يمينًا، فلا يقصدون توثيق قول، ولا تأكيد خبر، وقصر الشافعية اللغو على هذا. (ب) ومن صور اللغو ما روي عن عائشة أيضًا أن اللغو هو الشيء يحلف عليه أحدكم لَا يريد منه إلا الصدق، فيكون على غير ما حلف عليه؛ أي أن الشخص يحلف على أمر يعتقد أنه الصدق، ثم يتبين أنه كان مخطئًا في اعتقاده؛ فهذا لَا يؤاخذ عليه رب العالمين، ولا كفارة فيه. وبهذا فسر الحنفية اللغو. (جـ) ومن صور اللغو المروية عن ابن عباس يمين الغضب الذي يذهب فيه اللب، ويفقد التقدير، فقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان) وإن ذلك فيه بعض النظر، وهو سليم إن قصد به الغضب الذي يفقد فيه الغاضب وزن الأمور. (د) ومن صور اللغو ما روي مرسلا عن الحسن البصري أن رسول الله ﷺ مر على قوم ينتضلون - يعني يترامون بالسهام - ومع رسول الله ﷺ رجل من أصحابه، فقام رجل من القوم فقال: أصبت والله، وأخطأت والله، فقال

стр. 957

الذي مع النبي ﷺ : " حنث الرجل يا رسول الله! قال: " كلا؛ أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة " (١). وهذه الصورة قريبة من الصورة الأولى أو الثانية. وإنا نرى كما نوهنا من قبل أن هذه الصور كلها تدخل في معنى اللغو؛ لأن معنى اللغو يفهم من مقابله؛ وهو ما ليس بلغو، وغير اللغو هو ما يقصده القلب قصدًا صحيحًا مبنيًا على علم صحيح، وهو موضع المؤاخذة والله سبحانه عبر عن موضع المؤاخذة بأنه ما اكتسبته القلوب أي قصدته واتجهت إليه بعزيمة وعلى علم صحيح؛ وكل الصور السابقة ليس فيها كسب للقلب مبني على إرادة وعلم صحيح، فلا مؤاخذة، فتكون لغوا. ومعنى عدم المؤاخذة أنه لَا إثم في الآخرة ولا عقوبة في الحنث؛ لأنه لَا يمين حتى يكون منع، وحتى تجب الكفارة، وقد يقول قائل: إن الحلف بالله ولو لغوا وتكرار ذلك فيه بلا شك ما لَا يتفق مع ما للاسم الكريم من إجلال وما يستحق من صون وتحفظ عند النطق، وهو الأمر الذي اتفق عليه العلماء، فكيف لَا تكون مؤاخذة في لغو الأيمان؟ ونقول في الإجابة عن ذلك: إنه بلا شك يجب أن يصان اللسان عن النطق بأيمان اللغو ما أمكن، وإن ثمة إثمًا إذا كررها وأكثر منها في الجليل والحقير، والصغير والكبير، حتى صار اللفظ يجري على لسانه من غير احتياط، لأن ذلك قد يؤدي إلى الحلف غير لاغ، بل مع اكتساب القلب؛ ولكن ذلك الاسم الذي جاء من الإكثار والتكرار والاستمرار، ليس هو الإثم المنفي في الحلف الواحد فالإثم الثابت هو ما كان في الكل والاستمرار، والإثم المنفي ما كان في الجزء والانفراد. على أن نفي المؤاخذة إنما هو ليقدم على الفعل من غير تحرج، وذلك متحقق في كل أيمان اللغو، سواء أكانت ممن يكثر أم كانت ممن يقل، وإن كان ثمة لوم فهو موجه إلى الشخص في جملة أحواله وصفاته، لَا في ذات اليمين منفردة.

стр. 958

(وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) هذا موضع المؤاخذة، وهو ما كسبته القلوب، أي قصدته وأرادته. ولم يجئ عفو الخاطر؛ أو لم يبن على علم ناقص وما قصدته القلوب نوعان: أحدهما - أن يقصد إلى فعل أمر أو الامتناع عن أمر مستحصدًا عزيمته على ذلك، موثقا تلك العزيمة بيمين الله . وثانيهما - أن يحلف على شيء كاذب مؤكدًا قوله لسامعه ليعتقد السامع صدقه، والحالف جازم بأنه كاذب؛ وتسمى هذه اليمين يمين الغَموس، ويدخل فيها الأيمان التي يحلفها شهود الزور، والكاذبون في التقاضي. والمؤاخذة في النوع الأول بوجوب الكفارة إن حِنث في يمينه، وفي النوع الثاني بالإثم المستمر، حتى يتوب توبة نصوحًا، ويرد الحقوق إلى أصحابها إن ترتب على يمينه ضياع حق أو حكم بباطل. ولقد قرر الشافعي ﵁ أنه تجب مع ذلك كفارة يمين، ولم ير الحنفية فيها كفارة، إنما الكفارة فيما يقبل الحنث، وتلك لا تقبل الحنث. وعبر عن القصد والتعمد بقوله تعالى: (بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) وكسب القلب أدق وأخص من مجرد التعمد؛ وذلك لأن كسب القلب معناه أن اليمين كان لها أثر فيه، قد اكتسبه منها، كما كسبت منه القصد والابتعاد عن معنى اللغو. والأثر الذي تنتجه الأيمان المقصودة يختلف باختلافها؛ فإن كانت يمينا برة هي خير في ذاتها وفي موضوعها، والإصرار عليها لَا ينتج إلا خيرًا، اكتسبت القلوب عزيمة نحو الخير، وإصرارًا عليه وإيمانا به، فتشرق بنور الله، وتستنير بذكر الله. وإن كانت اليمين فاجرة كاذبة في موضوعها لم يقصد الحالف فيها إلا تزكية الإثم، فإن القلب يكسب منها شرًا، إذ ينكت فيه الإثم نكتة سوداء، وبتكرارها تحيط بالقلب خطيئاته، وتستغرقه سيئاته، ويرين الله عليه بغشاوة كثيفة من الآثام.

стр. 959

وإن كانت اليمين غير فاجرة، ولكن الإصرار على موضوعها فيه منع للخير، يكون الكسب شرًا إن أصر عليها، ويغفر الله إن اتخذ السبيل الذي يكون به تحلة الأيمان، وهو الكفارة السهلة الميسرة لكل إنسان. هذا بعض ما يشير إليه التعبير الكريم السامي (بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ). (وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) ذيل الله سبحانه هذه الآية الكريمة بهذه الجملة السامية لتأكيد معنى عدم المؤاخذة في اللغو، ولبيان أنه سبحانه يأخذ عباده بالرفق، ويسهل لهم سبيل العودة إلى الجادة المستقيمة إن حادوا عنها، وتنكبوا سبيل المؤمنين، ويرشدهم إلى ما يخرجون به مما يلقون بأنفسهم فيه من أقوال وأفعال؛ فهو يبين طريق التحلل من الأيمان إن حلفوا ليتركوا خيرًا، أو ليرتكبوا شرًا، وهو بحلمه وتدبيره وحكمته يبين لهم الحق والسبيل إليه؛ وإن سبقت الأيمان محاجزة دون الخير طلب إليهم ألا يتمسكوا بها ويفعلوا الخير. وإن رحمة الله في الأيمان وغفرانه وحلمه قد بدا في الإعفاء من يمين اللغو، وعدم اعتبارها، وفي المؤاخذة على ما تكسبه القلوب مع تسهيل العودة إلى فعل الخير، وفي بيان التحلل من اليمين إن حالت بين صاحبها والبر والتقوى والإصلاح بين الناس. (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) هذه إحدى الأيمان التي لو استمسك بها الحالف كانت محاجزة ممانعة دون البر والتقوى، فهي من جهة تطبيق عملي للحكم الذي قرره العلي القدير في قوله تعالى (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانكُمْ)، ومن جهة ثانية هي بيان لحكم حال تعرض في أثناء العشرة الزوجية؛ وذلك جزء من موضوع الأسرة الذي ابتدأه سبحانه بقوله: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لهُمْ خَيْرٌ. . .)، أو بقوله تعالى: (وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَى يُؤْمِنَّ. . .)، على حسب الاختلاف في معنى الأسرة من حيث العموم والخصوص.

стр. 960

والإيلاء مصدر آلى يؤلي بمعنى حلف، وخصه الأصفهاني بالحلف على التقصير في الأمر فقال: (حقيقة الإيلاء والأليَّة الحلف المقتضي لتقصير في الأمر الذي يحلف عليه). وقد خص في الشرع بالحلف على الامتناع عن القرب من امرأته ومسيسها، وكان ذلك التخصيص مشتقا من هذه الآية: (لِلَّذينَ يُؤلونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ). والتربص الانتظار، والترقب، ومعنى الجملة الكريمة أن الله جعل للذين يحلفون ويجعلون موضع حلفهم الابتعاد عن نسائهم وتجنبهن متجنين عليهن ظالمين - تربص أربعة أشهر ينتظرونها، والله يرقبهم فيها، وحكم الله يترقبهم، فإطلاق التربص من غير أن يضاف إلى الحالفين، ولا أن يضاف إلى الله كان بمعنى الانتظار، وهو من العبيد توسعة لهم، ومن الله وشرعه ترقب لهم حتى يقطع السبيل على ظلمهم إن طال الأمد وقست قلوبهم. وتلك المدة التي وسع لهم فيها ليعودوا إلى رشدهم. ويقلعوا عن غيهم، وإلا حقت عليهم كلمة الله ؛ هي أربعة أشهر، وبعدها يوضع حد لذلك الظلم والمضارة في العشرة الزوجية. إن العشرة الزوجية أنس وإلف والتقاء روحي وجسدي بتحقيق ما يتقاضاه الطبع الإنساني، والإنسال؛ ليبقى الإنسان في هذه الأرض يعمرها إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا؛ فإذا جاء الرجل وهو القوام على الأسرة وهو رأسها وعمادها، واشتط واتخذ المضارة والكيد، بدل أن يؤلف القلوب ويؤنس النفوس ويربط بالمودة بينه وبين أهله؛ إذا فعل ذلك فإن الجو يعتكر، والأمور تضطرب، وتحل البغضاء محل المحبة، والمضرة محل المودة؛ فوجب أن تنتهي هذه الحال إما بإعادة الود إلى صفائه، وإما بفصم عُرَى الزوجية التي صارت لَا تنتج إلا نكدًا. وإن من أشد مظاهر المضارة والمكايدة القطيعة في المضجع، والهجر غير الجميل في المبيت، فإنه أذى شديد، لَا لأنه امتناع عن قضاء الوطر، بل لأنه يدل

стр. 961

على البغض الشديد، ولا شيء يفعل في نفس المرأة أشد من الإحساس بالبغض من العشير والضجيع الذي وهبت له نفسها، وأعطته قلبها، فكان منه ذلك النكر وذلك الهجر. ولقد جعل الله أقصى غاية الصبر منها هو أربعة أشهر، وبعدها يكون الفصم، وإنهاء تلك الحياة الزوجية التي تحكمت بين الزوجين فيها البغضاء. ولماذا كانت المدة أربعة أشهر؛ لقد ذكر بعض العلماء أن تلك المدة أقصى ما تصبر عليه المرأة في المضارة بذلك الهجر غير الجميل. ولقد سأل عمر نساء عن مقدار ما تصبر المرأة عن زوجها، فقالت بعضهن شهرين، ويقل صبرها في ثلاثة، وينفد صبرها في أربعة أشهر. ولقد كان عمر ﵁ بعد هذا يسترد الغزاة ويستبدل بهم غيرهم بعد أربعة أشهر. ثم إن التقدير بأربعة أشهر هو الذي يتفق مع جملة الأحكام الشرعية؛ ذلك لأن الرجل أبيح له أن يتزوج أربعًا من النساء، وإذا كان في كل شهر يقرب نساءه مرة، ويبادل بينهن، فإن قَسمها يكون مرة كل أربعة أشهر، فكان من تناسق الأحكام الشرعية أن جعلت المدة التي تصبر فيها المرأة مع هذا الهجر أو تتصبر أربعة أشهر؛ وذلك فوق أن الفطرة تقول: إن ذلك أقصى غاية الصبر على البعد المتعمد. (فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رحِيمٌ) وإن تلك المهلة التي أعطيها الزوج يتربص فيها وينتظر، والله يرقبه، والشرع يترقبه، إنما هي لكي يقلع عن الظلم وتعود المودة إلى ما كانت عليه، ويؤدم بينهما بحياة رفيقة يقطعانها، فإن فاء إلى زوجه أي رجع إلى مضجعه الذي هجره، وقرب من امرأته ومسها، وحنث في يمينه، كفَّر إذ جعل الله الكفارة تَحلَّة الأيمان، وعندئذ يغفر الله سبحانه ما كان منه؛ ولذا قال سبحانه: (فَإِنَّ اللَّهَ غَفورٌ رحِيمٌ) أى أن الله يغفر لهم ما فرط منهم في جنب أهلهم، والقطيعة التي كانت منهم ما داموا قد رأبوا الصدع وعادوا إلى رشدهم وطيبوا قلوب أهليهم، وأقاموا المودة، وملئوا البيت أنسا بعد أن ملئوه

стр. 962

وحشة؛ ويغفر لهم سبحانه حنثهم في يمينهم؛ لأن الله سبحانه لَا يريد إلا إصلاح حالهم، ولا ينقص من عظمته وجلاله أن يحنث عبد في قسمه، ما دام الخيرَ يريد والشرَّ يجتنب؛ والله رحيم بعباده في أن جعل لهم تحلة أيمانهم كفارة يستطيعونها وأن غفر لهم الحنث، وأن دعاهم إلى ذلك الحنث رحمة بالأسرة من أن تتهدم أركانها، وتتقطع أوصالها وتذهب المودة بين العشير وعشيره، والأليف وأليفه؛ ورحيم بهم في أن غفر لهم ما فرط من كل منهما في حق أخيه إذا أعادا المودة إلى سابق أمرها بعد أن كاد الهجر يقطعها.

стр. 963

(وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) هذا هو الفرض القاسي الغليظ، بعد الفرض الرحيم الرفيق؛ وهذه هي العقوبة التي وضعها الشارع الحكيم؛ أي أنهم إن أصروا طول الأشهر الأربعة ولم يرعووا عن غيهم، فإن الطلاق واقع لَا محالة بحكم الشارع وكان ذلك الاستمرار هو عزيمة الطلاق القاطعة، وإرادته من الزوج حين صمم عليها؛ لأن الشارع جعله عقوبة لفعله، فمن لم يأت امرأته أربعة أشهر كاملة بيمين حلفها، فإن طلاقها يقع، وهو عقوبة ثابتة مقررة يعتبر الزوج قد اعتزمها وأصر عليها. فهذه الآية الكريمة تفيد وقوع الطلاق عقوبة للزوج إن أصر على يمينه ولم يحنث فيها، ولم يتحلل منها ويحسن عشرة أهله؛ وهو في ذلك إنهاء لحال ظالمة للمرأة لَا تقوم فيها حقوق الزوجية، ولا هي حرة يختارها من يريد الزواج، وهو منع للمرأة أن تتردى في مهاوي الرذيلة بسبب هذه المضارة، بل يفتح لها الباب لتختار زوجا عادلا بدل هذا الظالم. وقد يقول قائل: إن إيقاع الطلاق بحكم الشارع هو عقوبة، فكيف تنسب عزيمة الطلاق إلى الزوج الذي حلف فعوقب بإيقاع الطلاق بغير إرادته، ورغم أنفه، مع أن من يعزم أمرًا ويقطعه لابد أن يكون مختارا حرا، وأن يكون الفاعل للأمر ينسب إليه على وجه الجزم واليقين؟ والجواب عن ذلك السؤال من وجهين:

стр. 964

أحدهما - أن طائفة من العلماء قرروا أن الطلاق لَا يقع فور انتهاء الأربعة الأشهر، بل يمهل الحالف إما أن يفي إلى أهله بأن يقربها ويحسن العشرة، وإما أن يقع الطلاق عليه؛ فإن لم يفئ واستمر مستمسكا بقوله،، فقد اختار الطلاق واعتزمه حقًا وصدقًا، وأراده عن بينة وعلم، ولا ينفي تلك العزيمة أن يوقعه القاضي، أو يوقعه هو؛ لأنه باشر سببه واختار الطلاق وأصر عليه، وذلك هو قول طائفة من الصحابة والتابعين، وقول مالك والشافعي وأحمد والليث وإسحاق بن راهويه، وأبي ثور، وداود الظاهري. وأما قول أبي حنيفة ﵁ فهو أن الطلاق يقع بانتهاء الأربعة الأشهر، والفيء إنما وقته في الأربعة الأشهر، فلا زيادة فوقها بنص الشارع، وحينئذ يقال كيف اعتزم الطلاق وهو لم يوقعه؛ وحينئذٍ يكون الجواب هو: الوجه الثاني - أن هذه العقوبة حتمية بأمر الشارع أعلنها دفعًا للظلم، أو منعًا لاستمراره، أو حملا على العشرة الحسنة ويجب أن يضعها الزوج الحالف نصب عينيه طول مدة الإيلاء، وأن يعرف أنها نتيجة لازمة لاستمراره عليه، فإن أصر عليها من بعد، فقد ارتضى الطلاق واعتزمه، وكيف لَا يقال إنه اعتزم الطلاق من استمر أربعة أشهر مصرًا على الامتناع الظالم وهو يعرف أن نتيجته الطلاق الحتمي؛ وكيف يعطي فرصة أخرى من ترك فرصة أربعة أشهر؟. والطلاق في هذه الحال هو عقوبة عادلة؛ لأنه من جنس الجريمة، وهو نتيجة طبيعية لمن يظلم زوجه في العشرة الزوجية؛ وهو باب الفضيلة، إذ يمنع الزوج من أن تتقحم في الرذيلة. والطلاق الذي يقع يكون رجعيًا عند الأئمة الثلاثة؛ ودليلهم أن كل طلاق رجعي إلا ما ورد النص بأنه بائن، وليس منه ذلك الطلاق؛ وعلى هذا يكون له الرجعة في العدة؛ وقد روي عن مالك ﵁ أنه اشترط للرجعة أن يفيء إلى أهله، فلا تتم بمجرد القول، بل لابد من الدخول، وقال أبو حنيفة: الطلاق بائن لأنه دفع للضرر، ولا يتحقق إلا بالبينونة، وإلا كان تمكينًا للزوج من معاودة الظلم.

стр. 965

وقد أشار الله سبحانه إلى غضبه وعقوبته إن عزم الطلاق؛ فقد جعل جزاء الشرط كونه سميعًا عليمًا، إذ قال (وَإِنْ عَزَموا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) أي أن الله سميع إلى ما كان من الزوج الحالف، قد سمع يمينه التي لم يرد بها خيرا، وكلامه الذي لم يرد به إلا ضرا؛ عليم بما وقع منه من مضارة وإيذاء، وأنه لم يحسن العشرة الزوجية، ولم يحسن الفراق، فإنه لم يسرحها بمعروف، بل تركها هملا حتى أنقذها الله من ظلمه بحكمه العادل الحاسم الرحيم؛ وإن الله سبحانه إذا كان عليما بما وقع، سميعًا لما قيل فإنه لابد يوم القيامة مجاز الإحسان إحسانًا والسوء سوءًا؛ والطلاق ليس العقوبة الكاملة، إنما العقوبة الكاملة يوم الجزاء الأوفى، وعندئذٍ تجزى كل نفس بما كسبت، وإلى الله مرجع الأمور. * * *

стр. 966

(وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨) * * * أشارت الآيات السابقة إلى أمثل السبل لاختيار الزوج، وهو أن يكون أساس الاختيار الدين والتقوى والخلق، لَا المال والنسب، (وَلأَمَةٌ مؤْمنَةٌ خَيْرٌ من مُّشْرِكة وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ. . .). ثم أشارت الآيات أيضا إلى حسن العشرة الواجبة، ولطف المودة الواصلة، وبينت أن العلاقة بين الزوجين طهر لَا دنس فيه، ونظافة لَا رجس معها يستوي في ذلك الحس والمعنى، والمخبر والمظهر. وأوجبت أن تكون العلاقة قائمة على العدل من غير ضرار ولا ظلم، وبينت الحكم في الظلم الواقع إن استمر عليه مرتكبه، ووثق إصراره بيمين يحلفها،

стр. 967

وذكرت أن القطع في هذه الحال أولى من الوصل، والإنهاء أولى من البقاء لأن بقاء الحياة الزوجية في هذه الحال استمرارا للظلم، وبقاء للإثم، ولا منفعة ترجى، ولا جدوى تلتمس؛ ولذلك قرر الله حكمه الصارم وهو الطلاق القاطع لهذا الظلم المستمر. ولقد بينت بعد ذلك هذه الآية الكريمة التي تلوناها، والتي سنتكلم في معناها حكم الطلاق، وفصلت أحواله ومراته الآيات من بعدها. وقبل أن نخوض في معنى هذه الآية الكريمة، والإشارة إلى دقائق ألفاظها ومعانيها، نقرر أن شريعة القرآن شرعت الزواج عقدا أبديا في أصل شرعته؛ لأنه شرع لمعان وأغراض لَا تتحقق إلا مع البقاء والدوام، فقد شرع لإقامة الأسرة، وتنظيم الحياة بين الرجل والمرأة، وإنجاب النسل، والقيام على تربيته وتهذيبه والسير به في مدارج الحياة، وتلك أغراض لَا تكون على الوجه الأكمل إلا إذا استمرت الحياة الزوجية موصولة موثقة بروابط من المودة والأخلاق والشرع إلى أن يقضي الله قضاءه. ذلك حكم الشرع، وهو سنة الوجود، وهو أكثر أحوال الزواج بين بني الإنسان، لَا يختلف في ذلك شرقي عن غربي ولا مسلم عن مسيحي. والإسلام هو دين المبادئ السامية، يبين المثل العليا ويدعو الناس إليها، فهو يشير إلى المثل السامي في الزواج في مثل قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكم مِّن أَنفُسكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرونَ)، وبقوله في العلاقة الزوجية: (هُنَّ لِبَاسٌ لكُمْ وَأَنتمْ لِبَاسٌ لهُنَّ. . .). ولكن الإسلام مع دعوته إلى تلك المثل العالية في العلاقة الزوجية يعترف بالحقائق الواقعة ويعالجها، ويطب لها، ليأخذ النفوس إلى السير في طريق الكمال، فإن عجزت أو انبتَّت في الطريق عالج ذلك العجز. وكذلك عالج الأمر في شأن الزواج فشرعه أبديا، ولكن الشرط في استمراره أن يكون الوداد هو الرابطة الواصلة، وأن تلك الرابطة قد تتقطع أسبابها وتنفر

стр. 968

القلوْب بعد مودتها، وتنفصم عروتها، فهل يبقى المثل السامي للزواج وهو الاستمرار ولا يلتفت إلى النفرة المستحكمة والعداوة المسيطرة، ونيران البغضاء الملتهبة؛ لذلك اتجه الإسلام إلى علاج تلك الأدواء القائمة والطب لها، فلم يكتف بالمثل العليا يعلنها ويدعو إليها، بل اعترف بالواقع وعالجه، وطب للأسقام، فكان دين الحقائق الثابتة، والسمو النفسي. والنزاع بين الزوجين أمر يقع، مهما يكن الزوجان، ومهما تكن درجة كمالهما، وقد كان نساء النبي ﷺ يختلفن معه في الشأن الذي يربط بينهما، بمطالبته بما ليس عنده، وكان النبي ﷺ الأسوة الحسنة لقومه وأمته في أخلاقه ومعاملته لأهله، في الغضب والرضا، وفي الوفاق وفي الخلاف، ولكن أنى يكون للناس أخلاق النبيين، والوحي ينزل عليهم من السماء، ونفوسهم علت إلى الملكوت الأعلى ولقد كان النبي ﷺ يقول: " خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي " (١). ولقد دعا الإسلام إلى إصلاح ما بين الزوجين إن ابتدأت العلاقة بينهما تسير في غير طريق المودة؛ ولذا قال تعالى: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨). ودعا الزوجين من له بهما صلة أن يتدخلوا عند الشقاق بينهما أو عند خوفه، بأن يحكموا حكمين عند خوف الشقاق وتوقع النزاع؛ ولذا قال تعالى: (وَإِنْ خِفْتمْ شقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللًّة كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا). وإذا تعذر الإصلاح ولم يمكن التوفيق وصار الأمر نيرانا، ولم يكنِ سلاما كان لابد من التفريق؛ ولذا قال سبحانه: (وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّه كُلًّا مِّن سعَتِهِ وكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا).

стр. 969

لابد إذن من التفريق بينهما؛ لأن عقد الزواج أصبح غير صالح للبقاء، ولكن من الذي يملك التفريق؛ لَا شك أنهما إن اتفقا عليه وقع الطلاق، ولا ضير في ذلك ما دام لم يكن في نوبة غضب جامحة، ولم يكن لأمر عارض، فيجب الاحتياط لذلك ما أمكن الاحتياط. هذا إذا لم يتفقا فهل يقع الطلاق بإرادة منفردة من غير حكم قضائي؛ لقد قال بعض الذين يظنون أن في ذلك صلاحا أنهما إن لم يتفقا على الطلاق لَا يقع إلا بأمر القضاء، وإن ذلك القول له وجهته لو كانت كل أمور الأسرة يجري فيها التقاضي، ويسوغ فيها الأعلان، وأن تتكشف أسرارها بين الناس، ولكن الأمور بين الزوجين لَا تجري فيها البينات، وهي مستورة بستر الله لَا يسوغ إعلانها، وليس من مصلحة المجتمع إظهار العيوب الخاصة فيها. وهب السبب المسوغ للطلاق هو النفرة الشديدة فكيف يمكن إثباتها؛ إنها لا تعرف إلا من صاحبها؛ لذلك لم يكن الطلاق في الإسلام في عامة أحواله بيد القضاء، بل جرى الأمر فيه على أن يكون بيد الزوج إن كان هو الراغب، وبيد القضاء إن كانت هي الراغبة فيه. وهنا يَرِد سؤالان: أولهما: لماذا كان بيد الزوج مطلقا وبيد الأخرى مقيدًا؟ والثاني: ألا يخشى ألا تكون النفرة مستحكمة، ويطلق الزوج لنوبة غضب جامحة، وتحت تأثير هوج ليست فيه إرادة مستقيمة؟ والجواب عن السؤال الأول: أن الزوج تكلف في سبيل الزواج مالاً كثيرا، وسيعقب الطلاق تكليفات مالية أخرى، فوق ما يحمله الزواج الجديد من أعباء جديدة، فكل هذا يدفعه إلى التأني والتروي فلا يندفع وراء هوى جامح إلا إذا إيفت مشاعره، وفسدت مداركه، أما المرأة فعكس ذلك، فلو كان الطلاق بيدها من غير تدخل قضاء لاندفعت وراء هواها جامحة، ولكان في ذلك ظلم شديد على الرجل بضياع ماله، وتكليفه بأعباء مالية جديدة فكان لابد أن يتدخل القضاء ليعرف أكان

стр. 970

الزوج ظالما فيذوق وبال أمره بفضياع ماله، وهدم الحياة الزوجية التي أقامها على الظلم، أو ليعرف أن الزوجة ظالمة بالنشوز فيقضي بالطلاق، ويكلفها المغارم المالية التي غرمها الزوج في سبيل الزواج كما هو مذهب مالك؛ وليس السبيل لمعرفة الحق في الأمر هو الإثبات بالبينات فقط، إنما هو الإثبات بتحكيم الحكمين من أهلها وأهله. وأما الجواب عن السؤال الثاني، وهو الخاص بالا تقع الحياة الزوجية تحت تأثير الغضب الجامح، فقد احتاط الشارع الإسلامي لأمر ذلك الغضب في الطلاق بأحكام شرعها قبل الطلاق وبعده: (أ) فهو أولا: فرض أمر الحكمين والإصلاح ما أمكن الإصلاح إذا كان شقاق بين الزوجين كما أشرنا من قبل. (ب) وأوجب ثانيا: أن يكون الطلاق في وقت لَا تكون المرأة فيه على حال تسوغ النفرة، إلا إذا كانت مستحكمة، فمنع الطلاق في حال الحيض ومنع الطلاق في الطهر الذي دخل بها فيه، وظواهر السنة أن يكون الطلاق في هذه الأحوال باطلًا. (جـ) واحتاط الشارع الإسلامي ثالثا بالنسبة للزوج المدخول بها وهي التي قامت معها الحياة الزوجية فعلا، فلم يسوغ أن يكون الطلاق في هذه الحال باتا، فلم يسوغه إلا واحدة، ولم يسوغه إلا رجعيا في أثناء العدة. (د) واحتاط الشارع رابعا: فجعل للزوج الحق في مراجعة زوجته من غير عقد جديد ولا مهر جديد مدة طويلة تقارب نحو ثلاثة أشهر، فإذا مضت هذه المدة الطويلة، مع الإصرار والباب مفتوح وتدخل أهل الخير بينهما محتمل، فإن ذلك يكون دليلا على استحكام النفرة، وإن القلوب قد تشعب ودها، ولم يعد من الصالح بقاء الحياة الزوجية في ظلها.

стр. 971

(هـ) واحتاط الشارع الإسلامي خامسا فسوغ لهما أن يستأنفا حياة زوجية جديدة، إن عادت القلوب النافرة، واستقامت على الحق، وندم كل واحد على ما فرط منه في جنب صاحبه. فإن تكرر الطلاق من بعد، تكررت الاحتياطات السابقة، فإن كانت الثالثة فهي التحريم المؤقت، حتى تكون التجربة القاسية بزواجها من رجل آخر زواجا صحيحا للدوام والبقاء وقيام ابعشرة الزوجية الجديدة ثم انتهائها بأي سبب من أسباب الإنهاء الشرعية الصحيحة، فإنها بعد ذلك تحل لزوجها الأول، وقد صقلته التجربة وصقله البعد، والله عليم بذات الصدور. ولقد سقنا هذا القول في مقدمة تفسير هذه الآيات الكريمة المشتملة على أحكام الطلاق، لأن ذلك القول خلاصتها، وهو مرماها، ولنضع الأحجار في أفواه الذين يعيبون أحكام الطلاق في القرآن، وهي أحكام قد اشتقت من الفطرة وطبيعة الحياة الزوجية، والاحتياط لها ما أمكن الاحتياط ولم يكن شيء منها معروفا من قبل، ولم يصل العقل البشرى لأدق منها وأحكم من بعد؛ إنها شريعة اللطيف الخبير. (وَالْمُطَلَّقَات يَتَرَبَّصْنَ بِأنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) التربص معناه: التأني والانتظار، وقد قال بعض العلماء أنه مقلوب التصبر، فهو تكلف الأناة، وتكلف الانتظار مع صعوبة الاحتمال، كما هو الشأن في أمر الصبر والتصبر، وسواء أصح ذلك القول أم لم يصح، فالتصبر والتربص متلاقيان في المعنى، ومتشابهان في اللفظ. والتعبير " يتربصن " يدل على الأمر، وهو الطلب اللازم المؤكد، وإن كانت الصيغة في ظاهرها صيغة خبرية، وقد قرر الخبراء بالبيان العربي أن أوكد الصيغ دلالة على اللزوم الموثق: الصيغ الخبرية التي تساق للطلب، مثل (وَالْوَالِدَات يُرْضعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يتِمَّ الرَّضَاعَةَ. . .)، ومثل هذه الآية الكريمة التي نتكلم في معناها، ولكن مع ذلك لماذا كان النسق البياني

стр. 972

السامي في أن يجيء الأمر في هذا المقام بتلك الصيغة الخبرية، فيكون معنى يتربصن: ليتربصن؟. والجواب عن ذلك من عدة وجوه: أولها: الإشارة إلى أن ذلك التربص يجب أن يكون من ذات نفس المطلقة، لأنه هو الذي يليق بكرامتها، ويتفق مع فطرتها، فإن كانت الرغبة تدفعها إلى الزواج العاجل السريع إن كان الزوج الجديد كفئا، فإن الكرامة توجب عليها الانتظار والتريث، فلا يليق بالحرة الكريمة أن تنتقل بين الأزواج انتقالا سريعا، لَا فاصل فيه بين الزوجين. وثانيها: أن نداء الفطرة يوجب عليها الانتظار لتستبرئ رحمها، حتى إذا كان حمل نسب لأبيه ولا يتنازعه الأزواج، فهن إذا انتظرن وامتنعن عن الزواج هذه المدة فكأن ذلك من أنفسهن لَا من أمر فوقهن، وكأن ذلك إلزام الفطرة قبل أن يكون إلزام الشرع. وثالثها: الإشارة إلى أن الأمر بالتربص أجيب وحصل التربص فعلا، فالتعبير بصيغة الخبر إشارة إلى الأمر والتنفيذ معا. وإن من أبلغ الإشارات السامية الإتيان بكلمة (بِأنفُسِهِنَّ) في الإلزام بالتربص، فإن فيها الإشارة إلى ما في معنى التربص من الصيانة لأنفسهن عن الابتذال والاحتفاظ بكرامتهن. ولقد قال الزمخشري: في ذكر " الأنفس " تهييج لهن على التربص وزيادة بعث؛ لأن فيه ما يستنكفن منه، فيحملهن على أن يتربصن، وذلك أن أنفس النساء طوامح إلى الرجال، فأمرن أن يقمعن أنفسهن، ويغلبنها على الطموح ويجبرنها على التربص. ولماذا كانت تلك الإشارات المتعددة على المرأة؛ لأن التربص لَا يعرف إلا من جانبها، فمداه لَا يعرف إلا منها، فكان ذلك التشديد النفسي، لتتغلب على أهوائها ولا تقول إلا حقا.

стр. 973

وقد كانت مدة التربص بحكم القرآن الكريم هي ثلاثة قروء، والقروء جمع قرء، بضم القاف وفتحها، وقد اتفق علماء اللغة على أن كلمة القرء تطلق على الحيضة وعلى المرة من الطهر الذي يكون بين الحيضتين، وأصل معنى القرء بمعنى الجمع عند بعض علماء اللغة، ووافقهم الشافعي، ولكن خالف في ذلك أبو عمر ابن عبد البر، وقال: أن القرء مهموز لَا مقصور، والذي يكون بمعنى الجمع مأخوذ من قريت لَا من قرأت، ولكن علماء اللغة على غير ما قاله ابن عبد البر. والقرء كما يطلق في أصل معناه على الجمع، يطلق على الانتقال والخروج من حال إلى حال، فيطلق على الانتقال من الحيض إلى الطهر، ومن الطهر إلى الحيض. ويطلق القرء أيضا بمعنى الوقت، وهو المعنى الذي جرى فيه الاشتراك وهو وقت الطهر، أو وقت الحيض. هذا هو الأصل اللغوي لكلمة " قُرْء "، وقد اتفق علماء اللغة على أنه يجوز إطلاقه على مدة الحيضة، وعلى مدة الطهر، ولكن اختلف مفسرو السلف في المراد بالقرء في الآية: أهو مدة الطهر بين الحيضتين، أم هو مدة الحيضة؟ فعمر وعلى وابن مسعود وأبو موسى الأشعري، ومجاهد وقتادة وعكرمة والسدي وغيرهم على أن المراد في الآية مدة الحيضة، وبهذا أخذ فقهاء العراق، وعلى رأسهم أبو حنيفة، ثم جاء على ذلك الرأي من بعد أحمد بن حنبل. وقالت عائشة ﵂، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، والزهري وغيرهم: إن المراد بالقرء مدة الطهر بين الحيضتين، وبهذا أخذ فقهاء الحجاز، وعلى رأسهم إمام دار الهجرة مالك ﵁، ثم جاء من بعده الشافعي، ونهج هذا المنهاج. وقد حاول كل واحد من الفريقين المختلفين من الفقهاء، أن يلتمس من آي القرآن ومن السنة ما يؤيد مذهبه، ويوضح تفسيره، وقد استدل الحنفية والحنابلة في تفسير القرء بالحيضة بأدلة، منها:

стр. 974

(أ) أن " النبي ﷺ فسر القرء بمعنى الحيض، وذكر ذلك في عدة مواضع، فقد قال النبي ﷺ : " دعي الصلاة أيام أقرائك " (١). ولا شك أن المراد في هذا الحديث الحيض؛ لأنه الذي تفسد الصلاة فيه، وأيضا فإن فاطمة بنت أبي حبيش [شكت] إلى رسول الله ﷺ الدم فقال لها ﷺ : " إنما ذلك عرق، فانظري إذا أتى قرؤك؛ فلا تصلي، وإذا مر القرء فتطهري ثم صلي من القرء إلى القرء " (٢). وفوق ذلك فقد قدر عمر على جمع من الصحابة ووافقوه ولم يعرف لهم مخالف عدة الأمة بالحيض دليلا على أنهم فهموا القرء حيضة؛ لأن عدة الأمة من جنس عدة الحرة، وإن كانت نصفها، فكان لابد أن يكون المراد من القرء من الآية الحيض في نظرهم. (ب) وإن الدليل على أن المراد بالقرء في تقدير العدة هو الحيض لَا الطهر أن القرآن الكريم جعل الأساس في تقدير العدة بالأقراء كون المعتدة حائضا أو غير حائض، فكان الأساس هو الحيض، فقد قال تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ. . .) وإذا كان الحيض هو الأساس في تقدير الأقراء، فلابد أن تكون الأقراء هي الحيضات. (ج) وإن الغرض الأول من العدة لَا يتحقق إلا بالحيض؛ لأن الغرض براءة الرحم، وذلك لَا يتحقق إلا بالحيض، ولأن الحيض هو الأساس للطهر الذي يتخلل الحيضتين، فكأن الأنسب للسياق البياني أن تقدر العدة بالحيضات لَا بالأطهار التي تتخللها، وفوق هذا أننا لو قدرناها بالأطهار لكانت العدة دون الثلاثة إن احتسبنا الطهر الذي حصل فيه، وتكون أكثر من الثلاثة إن لم تحتسبه، وإن احتسبنا الأقراء بالحيضات كانت الأقراء ثلاثة ما دام هو طلاق السنة الذي لَا يكون إلا في طهر. وهو المفروض شرعا.

стр. 975

ثم فوق كل ذلك إن الذي يتفق مع معنى الجمع الذي هو في معنى القرء هو الحيض؛ لأنه دليل الامتلاء والاجتماع الكامل، فهو الفيض بعد أن امتلأ الإناء. هذه حجج الحنفية والحنابلة الذين قرروا أن القرء هو الحيض في الآية: وأن العدة تقدر بالحيضات، لَا بالأطهار التي تتخللها. أما الشافعية والمالكية ومن سلك مسلكهم، فقد قالوا في الأحاديث السابقة إنها إن صحت تكون دليلا على أن الحيض تطلق عليه كلمة قرء، ولا مشاحة في ذلك وليست دليلا على أنه المراد في الآية الكريمة، وأما قول عمر إن عدة الأمة حيضتان، فهو سير على رأيه في تفسير القرء بالحيضة، ولا يدفع رأي صحابي برأي صحابي مثله بل يختار أقواهما، والاستدلال بآية (وَاللائِي يئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ. . .)، لاينتج؛ لأن الأقراء إذا فسرت بالطهر لَا تكون إلا لذات الحيض، إذ هو فاصل بين حيضتين. وقد استدل لهؤلاء الذين فسروا الأقراء بالأطهار بادلة من الكتاب والسنة واللغة والرأي: أما الكتاب والسنة فقوله تعالى: (فَطَلِّقوهُنَّ لِعِدَّتِهِنٌ. . .)، وقد وردت السنة بأن الطلاق لَا يكون في الحيض، ولا يتصور أن يكون الطلاق في العدة مع نهى النبي ﷺ عن الطلاق في الحيض إلا إذا فسرنا القرء بالطهر لا بالحيض. وأما استدلالهم باللغة والرأي، فلأن القرء معناه الجمع، يتم في الطهر لَا في الحيض؛ لأن الحيض، مؤداه أن يرخى الرحم فيخرج الدم، فهو تفريغ لَا جمع، والجمع في الطهر. ولأن القرء معناه في اللغة الانتقال، فيكون المطلوب ثلاثة انتقالات، وهي الانتقال من الطهر إلى الحيض، ثم من الحيض إلى الطهر، ثم من الطهر إلى الحيض وبه تتم العدة، وذلك يقتضي أمرين:

стр. 976

أولهما - أن يفسر " القرء " بالأطهار؛ لأنها التي بها تتحقق الانتقالات الثلاثة، ولا يفسر بالحيضات، لأن بها تتحقق انتقالات أربعة لَا ثلاثة. الأمر الثاني: أنه يحتسب من الأطهار الثلاثة الطهر الذي حصلت فيه الطلقة. وفى الحق أننا بعد ذلك الاستدلال الطويل نميل إلى رأي عمر وعلي وابن مسعود، وهو رأي الحنفية، لأن الأساس في تقدير العدة بالاتفاق هو الحيض، سواء أفسرنا القرء بالطهر أم بالحيضة، لأن الطهر زمن بين حيضتين، والمناسب أن يكون الحيض هو وحدة التقدير، لأنه الأمر الإيجابي في المقام، والطهر أمر سلبي، ولأنه المناط المفرق بين الحامل وغير الحامل، والمفرق بين العدة بالأشهر، والعدة بالأقراء. وقبل أن نترك هذا المقام نشير إلى أن قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء) خاص بالمعتدات من المطلقات ذوات الحيض غير الحوامل، أما غير المطلقات وهن المتوفى عنهنِ أزواجهن فقد بينت عدتهن بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يتَرَبَّصْنَ بِأنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا. . .). وأما الحوامل فقد بينت عدتهن بقوله تعالى: (. . . وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ. . .). ومن لَا يحضن ليأس من الحيض، أو لأنهن لم يرين الحيض، فقد ثبتت عدتهن بقوله تعالى: (وَاللَّائِي يَئسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ. . .). (وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) أودع الله أحشاء المرأة أمانات ناط بها أحكاما، فكانت الأمينة على تلك الأحكام كما كانت الأمينة بمقتضى نظام الله في الكون، على الأنساب والأولاد، وبمقدار عظم الأمانة كان عظم التكليف؛ لذلك قرر أنه لَا يحل لهن أن يكتمن أمانة الله التي خلقها في أرحامهن من ولد لينسبنه إلى غير أبيه، فإن ذلك خيانة للأمانة وكذب على الله،

стр. 977

وافتراء على الحق، وكذلك لَا يكتمن ما خلق في أرحامهن من دم تلفظه الأرحام بعد أن خلقه الله فيها، وذلك لتطول العدة ويمتد الإنفاق، كما كان يفعل ذلك كثيرات من نساء هذا العصر، مما اضطر الحكومة أن تمنع سماع دعوى نفقة المعتدة لاكثر من سنة ميلادية، ولا يزلن مع ذلك يكتمن ما خلق الله في أرحامهن!!. وعبر الله عن الدم والولد بأنه (مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) للإشارة إلى أن الكتمان كذب على الله، ونفي لخلقه وتكوينه، وفي ذلك مضاعفة الجرم وعظم الإثم، وذلك فوق أن هذا التعبير عام شامل كامل لموضوعي الإنكار والكتمان وهما الحمل والحيض. وقد قرن النهي عن الكتمان بقوله تعالى: (إِن كنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) للحث على عدم الكتمان، والإخبار بما خلق الله، لتستقيم الأحكام، وتتقرر الحقوق، وفي ذلك تعظيم لأمر الكتمان، بأنه ينافي الإيمان، لأن الإيمان يبعث على الصدق، ويدعو إلى المحافظة على الأمانة، وليس من المحافظة على أمانة الله ووديعته جحودها وكتمانها، وما ترتب على ذلك من ضياع الحقوق التي تعلقت بها، والاستهانة بأحكام الله التي ناطها بها، وأي مؤمنة ترضي لنفسها أن تعاند أحكام الله، وتخون أمانته، وتجحد وديعته!!. وفوق ذلك في هذه الجملة السامية تهديد ووعيد، باليوم الآخر، وما يكون فيه من عذاب شديد، ثم ما يكون فيه من إظهار ما كتم، وكشف ما أسر، وإظهار ما أخفى. هذا وقبل أن نترك الكلام في هذا الكلم الحكم نقرر أن الفقهاء مجتمعين قرروا أن القول قول المرأة في الإخبار عن عدتها، ابتداء وانتهاء، ولكن قرروا مع ذلك أمدا ينتهي للكتب الفقهية، فإننا لَا نمس من أقوال الفقهاء إلا ما له صلة بفهم ألفاظ القرآن الكريم والله بكل شيء محيط.

стр. 978

(وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا) في هذه الجملة السامية بيان لبعض المقاصد الشرعية التي أرادها الشارع الحكيم من شرعية العدة، وهو أن يكون لدى المطلق فرصة مراجعة نفسه، بعد أن تكون قد ذهبت عنه نوبة الألم التي أدت إلى الفراق، وقد تكون سحابة صيف تقشعت، وعارضا قد زال، وفي هذا بيان لعلاج الله لنفوس المطيقين، إذ جعل لهم وقت التربص من جانب المرأة، وقت تروية وتدبر من جانب الرجل، وفرصة لائحة لمن يريد الإصلاح من الأهل والعشيرة، وكل من يهمهم أمر الزوجين، وما كان بينهما من ثمرة لهذا الزواج، والبعولة هم الأزواج، قال فيه الزمخشري: إنه جمع بعل على وزن فعول، ولكن ألحقت به التاء، وجوز أن تكون مصدرا على وزن فعولة أريد به الجمع، أو يكون الكلام على حذف مضاف تقديره أهل بعولة. وتسمية المطلق بعلا، بعد أن أوقع الطلاق فعلا، دليل على أن الطلاق الرجعي الذي تجوز فيه المراجعة لَا تنفصم به عُرَى الزوجية، بل تستمر قائمة، ويعتبر المطلق زوجا، وتعتبر المطلقة زوجا أيضا، وكذا يتوارثان إذا مات أحدهما والعدة قائمة. وفي اعتبار كل مطلقة زوجة إذا كان الطلاق الأول أو الثاني وهي ذات عدة ما دام الطلاق من غير فداء بالمال - إشارة إلى أن الطلاق الأول والثاني رجعي دائما ما دام إلى عدة، ومن غير فداء، وهو مذهب الجمهور من الفقهاء، فقد قرروا أن ذلك حكم الشارع، وأنه لَا يسوغ للمطلق أن يجعل بائنا ما اعتبره الشارع رجعيا، وخالف في ذلك الحنفية وقالوا: إنه يسوغ للمطلق أن يجعل الطلاق بائنا ولو كان بعد الدخول ودون الثالثة ومن غير فداء، لأن الرجعة حقه فله أن يسقطها. ولكن الجمهور يرون أن الشارع الذي أعطى الزوج حق الطلاق هو الذي قيد ذلك التقييد فالرجعة ليست حقا مطلقا للزوج ولكنها فرصة، وقيد في الطلاق، فلا يرفع القيد، ولا يزيل الرخصة التي رخصها الله له، ونظم بها أمر

стр. 979

الطلاق، ولكنه يستطيع ألا ينتفع بها من غير أن يسقطها، فإنها لتدارك ما فاته، إن جمحت به نفسه، فنطق بالطلاق ثم تبين خطؤه. وإن تسمية المطلق زوجا أو بعلا فهم منه فقهاء الحنفية أن الطلاق الرجعي لا يزيل الحقوق الزوجية ما دامت العدة قائمة، والتربص فيها لازما؛ ولذلك لا يعتبرون الرجعة إعادة للزواج، أو في معنى إنشائه، بل يعتبرونها استدامة لأحكام الزواج واستمرارا له؛ لأنه لم يزل ما دامت العدة قائمة؛ ولذلك لَا يعتبرون الدخول بها حراما قبل النطق بالرجعة، ويعتبرون الدخول نفسه رجعة، وفهموا أن الرد في قوله تعالى: (أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ) معناه الاستدامة والاستمرار على أحكام الزواج. ولكن الشافعية فهموا أن الرجعة ليست استدامة لأحكام الزواج، ولكنها إعادة له؛ ولذا لم يسوغوا الدخول قبل النطق بالرجعة، والدخول لَا يعتبر رجعة لأنه قبل النطق بها حرام، والحرام لَا يكون سببا لنعمة الحلال. والرجعة عمل من جانب الزوج وحده، وليس فيها مهر جديد، ولا تعتبر عقدا يحتاج إلى رضا المرأة، وقد اشترط بعض الشافعية والحنابلة الإشهاد عليها لقوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ. . .)، وكان ذلك القول الكريم بعد بيان الطلاق والرجعة، والحنفية استحسنوا الشهادة في الرجعة القولية ولم يوجبوها. وقد قيد الله جواز الرجعة بقوله تعالى: (إِنْ أَرَادوا إِصْلاحًا) أي أن الرجل لَا يسوغ له أن يفكر في الرجعة إلا إذا حاول إصلاح حاله، وتقويم معوج نفسه، وحملها على الاستقامة في المعاملة، والعمل على خير الأسرة، وإبعاد الغضب عن أن يكون حكما في الحياة الزوجية، كما يحاول أخذ زوجه بالرفق، والتقويم بالموعظة الحسنة، وتقريبها بالمودة الواصلة، مع الإرشاد الحكيم، والإعراض عن البهتان، وتجنيبها الزلات، وسياسة الأسرة على أسس قويمة من الرحمة ولطف العشرة، والحزم الصادق، من غير إرهاق، ومن غير إعنات، وتعجبني كلمة حكيمة قالها عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقد قال: (يعجبني الرجل يكون في أهله كالصبي، فإذا التمسوا ما عنده وجدوه رجلا).

стр. 980

فإن راجعا الرجل زوجه وهو على هذه النية فقد اختار الطريقة المثلى، وسيكون التوفيق من الله، وإن راجعها في نوبة رضا غير مدركة، ولم يفكر في الأمر فعسى الله أن يحدث أمرا، وإن راجعها على نية الكيد والأذى والمضارة فهو إثم عند الله، والله عزيز حكيم. (وَلَهنَّ مِثْل الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَة) هذا هو القانون العادل الشامل، نطق به القرآن الكريم منذ أربعة عشر قرنا، وقد شرعه الإسلام في وقت لم يعترف أي قانون من قوانين العالم بأن للمرأة أي حق من حقوق، وفرضت عليها القوانين في العصور الغابرة كل الواجبات، فجاء الإسلام ووضع تلك القاعدة العادلة، وهي أن الحقوق يجب أن تكون متكافئة مع الواجبات، فما على الإنسان من واجبات يكافئ ماله من حقوق، وما من حق إلا تعلق به واجب، فإذا كان للرجل سلطان في البيت وعلى المرأة واجب الطاعة، فلها حق، وهو العدل. . وإذا كانت المرأة قارة في البيت قائمة بشئونه، وفرض عليها ذلك الواجب فلها حق الإنفاق. . وإذا كان عليها أن تعد البيت إعدادا حسنا بمقتضى العرف فلها حق المهر. . وإذا كان عليها أن تؤنس زوجها، فعليه ألا يوحشها، وقد أدرك ذلك المعنى الجليل، وهو التساوي بين الحقوق والواجبات الصحابة الأولون، حتى أن ابن عباس كان يقول: (إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي). وإن التساوي بين الحقوق والواجبات ليس مقصورا على ما بين الرجل والمرأة، بل إنه قانون شامل سنه الإسلام وأيده العقل، وبه يقوم العدل، فقد جعل الواجب على المرء بمقدار ما له من حق، وعلى هذا السنن المستقيم جعل الإسلام عقوبة العبد نصف عقوبة الحر، لأن الرق الذي أسقط بعض حقوق الآدمية، أسقط أيضا بعض واجباتها. وليس معنى أن الواجبات على المرأة مساوية للحقوق التي لها على الرجل أن المرأة مساوية للرجل من كل الوجوه، فإن الإسلام قرر فقط تساوي الحقوق والواجبات، بالنسبة لها وليس لذلك علاقة بشأن المساواة بينها وبين الرجل في نوع

стр. 981

الحقوق والواجبات، ولكي لَا يفهم أحد هذا المعنى قال الله : (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) فالرجل ليس مساويا للمرأة، وليست المرأة مساوية الرجل؛ لأن قانون المساواة يوجب أولا تحقق المماثلة، ومن البداهة أنه لَا مماثلة بينهما، فهما وإن كانا من جنس واحد إلا أنهما نوعان متقابلان غير متماثلين، وإن كان كلاهما متمما للآخر، ومن ازدواجهما يتكامل النوع الإنساني، ويسير في مدارج الكمال. وإذا كانت الأسرة لَا تتكون إلا من ازدواج هذين العنصرين، فلابد أن يشرف على تهذيب الأسرة، ويقوم على تربية ناشئتها وتوزيع الحقوق والواجبات فيها أحد العتصرين، وقد نظر الإسلام إلى هذا الأمر نظرة عادلة فوجد الرجل أملك لزمام نفسه، وأقدر على ضبط حسه، ووجده الذي أقام البيت بماله وأن انهياره خراب عليه، فجعل له الرياسة؛ ولذا قال سبحانه: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ. . .). هذه هي الدرجة التي جعلها الإسلام للرجل، وهي درجة تجعل له حقوقا، وتجعل عليه واجبات أكثر، فهي موائمة كل المواءمة لصدر النص الكريم فإذا كان للرجل فضل درجة، فعليه فضل واجب. ويلاحظ أن الله قيد المماثلة بين حقوق المرأة وواجباتها بالمعروف، كما قيدها بما للرجال من درجة تضاعف واجباتهم، والتقييد بالمعروف معناه التقييد بالأمر الذي لَا تستنكره العقول، بل تقره وترضاه، ويتعارفه العقلاء، فلا يطالب الرجل بخدمة البيت كما تطالب بها المرأة. فعلى المرأة أن تقوم بواجباتها، وتطالب بحقوقها بالنسبة لنفسها ولأولادها في دائرة العقل، والعرف المستمد من قضايا الحق والعدل، وألف العقول والفضلاء؛ لأنه لَا يستقيم أمر الأسرة بغير ذلك التقييد العادل، وذلك التوزيع الحكيم. ولقد ختم الله الآية الكريمة بقوله تعالى: (وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) وفى ذلك دلالة على ثلاثة أمور:

стр. 982

أولها - أن تلك المماثلة بين الحقوق والواجبات في الحقوق الزوجية بل في كل شئون الاجتماع الإنساني، هي مقتضى الحكمة الإلهية والعدل الرباني، وإن ذلك أقصى ما تصل إليه المعاملة الإنسانية من سمو. ثانيها - إن الله القاهر القادر العزيز هو الذي أعز المرأة بعد ذلها، وأعطاها حقوقها بعد هضمها، وليس لها أن تطلب العزة من غير شرع الله فهو الملجأ والمعاذ لكل ذي حق مهضوم، وقد أعلاها بعد خفض، وكرمها بعد المهانة، فما يسوغ لامرأة مسلمة من بعد أن تتمرد على حكم العزيز الحكيم، وإن حكمته اقترنت بعزته، فما للرجل من درجة هو مقتضى الحكمة، والله بكل شيء محيط. ثالثها - إشعار الرجل بأن الله فوقه، وهو القادر القوي الغالب، وهو المعز المذل، الحكم العدل اللطيف الخبير، فإن تجاوز الرجل شرعه، وعدا ما حده له الكبير المتعال، أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، وناله عقابه وحرم من ثوابه. تلك شريعة الله العادلة، فليتدبرها الذين يشتطون في القول والعمل، وليعلموا أن القرآن أول صوت سجل حقوق المرأة المعقولة كاملة (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ). * * * (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) * * *

стр. 983

ذكر في الآية السابقة شرعية الطلاق، ومداه إذا طلق الرجل امرأته المدخول بها طلقة رجعية؛ وفي هذه الآية الكريمة يبين الحد الذي ينتهي فيه ما للرجل من حق المراجعة، فيبين أن الرجل ليس حرًا يطلق ثم يراجع، ثم يطلق ثم يراجع لغير حد محدود؛ ولقد قيل إن الرجل في الجاهلية كان يطلق ويراجع لغير عدد ولا حد فتضطرب حياة المرأة؛ وقد يتخذ ذلك للكيد والأذى، لَا للعشرة الحسنة، والرغبة في البقاء؛ ولقد روي أن رجلا قال لامرأته: والله لَا آويك ولا أفارقك! قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك فإذا دنا أجلك راجعتك. فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فأنزل الله (الطَّلاق مَرَتَانِ). وسواء أصح هذا سببا لنزول الآية أم أن الآية مقترنة بالآية قبلها متممة لموضوعها مقيدة لإطلاقها؛ فقد ذكرت الأولى أن المطلِّق أحق بامرأته ما دامت العدة قائمة، ثم بينت هذه وهي الثانية أن ذلك ليس على إطلاقه إنما هو مقيد بالطلقتين الأولى والثانية، أما الثالثة فقد ذكر من بعد حكمها، وهو أنها لَا تحل له حتى تتزوج زوجًا غيره.

стр. 984

(الطَّلاق مَرَّتَانِ) كلمة الطلاق في هذه الجملة السامية؛ ذكر الزمخشري أن المراد بها التطليق، كالسلام بمعنى التسليم؛ أي أن التطليق الشرعي الذي يقره الشارع ويسوغه هو الطلاق الذي يكون على التفريق، واحدة بعد واحدة، ومرة بعد مرة؛ وليس التطليق الذي يكون بالإرسال مرة واحدة، وعلى هذا التخريج الذي ساقه الزمخشري يكون مساق الآية لتقرير أن الطلاق الشرعي لَا يكون دفعة واحدة، بل يكون مرة بعد مرة؛ وتكون التثنية في هذه الحال لبيان التكرار لَا للعدد، كقوله تعالى: (ثُمَّ ارْجِعِ الصَرَ كَرَّتَيْنِ. . .)، وكقول: (لبيك اللهم لبيك) ويكون قوله تعالى من بعد: (فَإِمْسَاكٌ بِمعْروفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَان) لبيان الغرض من التكرار وهو أن يكون بعد كل طلاق فرصة مراجعة نفسه ليمسك زوجه ويبقيها معاملا لها بالمعروف لدى أهل العقول المستقيمة الذي لَا ينكره عقل ولا شرع، أو يصر على طلاقها، وإخراجها.

стр. 985

وإن ذلك التخريج يستقيم في ذاته، ولكن قرن بالآية الكريمة بعد ذلك. قوله تعالى:
следующие страницы →