← Ансаб

Ансаб · id 370

الحمادية

إبراهيم بن عبد الله المديهش

Полный текст (100 стр.). Показаны 71–100 · переход к 76.

стр. 71

وَالْآدَابِ). (١) وَمِنْ الْوَصايا: لا تُؤْثِرُوا المَالَ عَلَى الذِّكْرِ الحَسَنِ؛ فَإِنَّ الْمَالَ فَانٍ، وَالذِكْرَ بَاقٍ. (٢) قَالَ أَبُوْ يَعْلَى ابْنُ الْهَبَّارِيَّةِ الْعَبَّاسِيُّ الْبَغْدَادِيُّ: الْمَالُ فَانٍ وَالْذِّكْرُ بَاقٍ ... وَالْوَفْرُ فَرْعٌ وَالْعِرْضُ أَصْلُ فَاجْعَلْهُ دُوْنَ الْعِيَالِ سَتْرَاً ... فَالْصَّوْنُ فِيْ أَنْ يَكُوْنَ بَذْلُ (٣) قَالَ الْمَعَرِّيُّ: وَلَنْ يُحْوَى الْثَّنَاءُ بِغَيْرِ جُوْدٍ ... وَهَلْ تُجْنَى مِنَ الْيَبَسِ الْثِّمَارُ؟ جَمَالُ الْمَجْدِ أَنْ يُثْنَى عَلَيْهِ ... وَلَوْلَا الْشَّمْسُ مَا حَسُنَ الْنَّهَارُ (٤)

стр. 72

قَالَ الْحَسَنُ الْيُوْسِيُّ (ت ١١٠٢ هـ) ﵀: (اعْلَمْ أَنَّ مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِنَ الْمَزَايَا الَّتِيْ يَتَشَرَّفُ بِهَا الْإِنْسَانُ حَتَّى يَشْرُفَ بِشَرَفِهِ مَنْ انْتَسَبِ إِلَيْهِ كَثِيْرَةٌ، مِنْهَا: دِيْنِيَّةٌ: كَالْنُّبُوَّءَةِ وَهِيَ أَجَلُّهَا، وَكَالْعِلْمِ، وَالْصَّلَاحِ، وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَغْيْرِ ذَلِكَ. وَدُنْيَوِيَّةٌ: كَالْمُلْكِ، وَهُوَ أَعْظَمُهَا، وَكَالْنَّجْدَةِ، وَالْكَرَمِ، وَالْقُوَّةِ، وَكَثْرَةِ الْعَدَدِ، وَكَثْرَةِ الْمَالِ، وَالْجَمَالِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَكَثِيْر مِنْهَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُوْنَ دِيْنِيَّاً وَدُنْيَوِيَّاً: كَالْقُوَّةِ، وَالْعِزِّ، وَالْكَرَمِ، وَسَائِرِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ. وَبَعْضُهَا دِيْنِيٌّ وَدُنْيَوِيٌّ مَعَاً: كَالْنُّبُوءَةِ، وَالْخِلَافَةِ، وَالْعِلْمِ. وَبَعْضُ ذَلِكَ حِسِّيٌّ، وَبَعْضُهُ مَعْنَوِيٌّ، وَبَعْضُهُ وُجُوْدِيٌّ، وَبَعْضُهُ عَدَمِيٌّ، وَشَرْحُ ذَلِكَ يَطُوْلُ فَلْنَقْتَصِرْ الْقَوْلَ مَعَ تَمْثِيْلٍ وَتَمْهِيْدٍ: أَمَّا الْتَّمْثِيْلُ فَهُوَ أَنَّهُ لَوْ اعْتُبِرَ رَجُلَانِ مُتَسَاوِيَانِ فِيْ الْخَلْقِ وَالْخُلُقِ وَالْنَّسَبِ وَسَائِرِ الْأَحْوَالِ فَلَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَفِيْ مِثْلِهِمَا قَالَ عَلْقَمَةَ بْنُ عُلَاثَةَ لِلْمُتَنَافِرَيْنِ: صِرْتُمَا كَرُكْبَتَيْ الْبَعِيْرِ الْآدَمِ.

стр. 73

وَلَوْ اخْتُصَّ أَحَدُهُمَا بِالْفِقْهِ فَهَذِهِ مَزِيَّةٌ وُجُوْدِيَّةٌ يَفْضُلُ بِهَا الْآخَرُ، وَلَوْ اخْتُصَّ أَحَدُهُمَا بِكَوْنِهِ ظَلُوْمَاً فَهَذِهِ مَزِيَّةٌ مَذْمُوْمَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْشَّرْعِ (١)، وَقَدْ سَلِمَ مِنْهَا الْآخَرُ، فَلَهُ الْفَضْلُ بِمَزِيَّةٍ هِيَ عَدَمِيَّةٍ، وَعِنْدَ الْجَاهِلِيَّةِ بِعَكْسِ هَذَا .... إلخ). (٢) قَالَ الْرَّاغِبُ الْأَصْبَهَانِيُّ (ت ٥٠٢ هـ) ﵀: (مَحَبَّةُ الْذِّكْرِ الْحَسَنِ أَشْرَفُ مَقَاصِدِ أَبْنَاءِ الْدُّنْيَا، وَهِيَ فِيْ جِبِلَّةِ الْنَّاسِ (٣) وَمِنْ خَصَائِصِهِمْ (٤)، وَلَا تُوْجَدُ فِيْ غَيْرِهِ مِنَ الْحَيَوَانِ، كَمَا قَالَ الْشَّاعِرُ: . . . . . . . . . . . . . . . . ... حُبُّ الْثَّنَاءِ طَبِيْعَةُ الْإِنْسَانِ (٥)

стр. 74

وَلَوْلَا الْكَلَفُ بِهِ لَمَا ظَهَرَتِ الْعَدَالَةُ مِنْ أَكْثَرِ الْنَّاسِ، وَمَنْ لَا يَخُوْفُهُ الْهِجَاءُ وَلَا يَسُرُّهُ الْثَّنَاءُ؛ فَلَا يَرْدَعْهُ عَنْ سُوْءِ الْأَفْعَالِ إِلَّا نَارٌ أَوْ سَيْفٌ، وَقَدْ قِيْلَ: الَّذِيْ يَنْفُرُ عَنِ الْقَبِيْحِ وَيَحُثُّ عَلَى الْجَمِيْلِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: الْعَقْلُ، ثُمَّ الْحَيَاءُ، ثُمَّ الْمَدْحُ وَالْهِجَاءُ، ثُمَّ الْتَّرْغِيْبُ وَالْتَّرْهِيْبُ. وَقَدْ قِيْلُ: مَنْ لَمْ يَرْدَعْهُ الْذَّمُّ عَنْ سَيِّئَةٍ، وَلَمْ يَسْتَدْعِهِ الْمَدْحُ إِلَى حَسَنَةٍ، فَهُوَ جَمَادٌ أَوْ بَهِيْمَةٌ؛ وَلِأَجْلِهِ تَنَازَعَ الْنَّاسُ الْرِّيَاسَةَ وَالْمَنَازِلَ الْرَّفِيْعَةَ. وَلَيْسَ الْثَّنَاءُ فِيْ نَفْسِهِ بِمَحْمُوْدٍ وَلَا مَذْمُوْمٍ، وَإِنَّمَا يُحْمَدُ وَيُذَمُّ بِحَسَبِ الْمَقَاصِدِ، فَمَنْ قَصْدُهُ طَلَبَ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْثَّنَاءَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِيْ يُسْتَحَبُّ، فَذَلِكَ مَحْمُوْدٌ، وَهُوَ طَرِيْقَةُ إِبْرَاهِيْمَ الْخَلِيْلِ ﷺ حَيْثُ قَالَ: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (سورة الشعراء، آية ٨٤). أَيْ: اجْعَلْنِيْ بِحَيْثُ أَفْعَلُ مَا إِذَا مُدِحْتُ بِهِ يَكُوْنُ مَادِحِيْ صَادِقَاً، وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ نُدِبَ الْإِنْسَانُ إِذَا مُدِحَ أَنْ يَقُوْلَ: الْلَّهُمَّ اجْعَلْنِيْ خَيْرَاً مِمَّا يَظُنُّوْنَ. وَالْمَذْمُوْمُ مِنْهُ: أَنَّهُ يَمِيْلُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَجْرِبَةٍ لِفِعْلِ مَا يَقْتَضِيْهِ، وَذِلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْآفَاتِ لِمَنْ تَحَرَّاهُ؛ فَإِنَّهُ يَفْتَحُ بَابَ الْحَسَدِ، وَالْحَسَدُ يَفْتَحُ بَابَ

стр. 75

الْكَذِبِ، وَالْكَذِبُ رَأَسُ كُلِّ مَذْمُوْمٍ، وَقَدْ تَوَعَّدَ اللهُ تَعَالَى مَنْ طَلَبَ الْمَحْمَدَةَ مِنْ غَيْرِ فِعْلِ حَسَنَةٍ تَقْتَضِيْهَا، فَقَالَ تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (سورة آل عمران، آية ١٨٨)). (١) هَذَا، وَ مِنْ فَوَائِدِ الْذِّكْرِ الْحَسَنِ: ١. أَنَّهُ دِلَالَةٌ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَإِنَّ مِنْ طَبِيْعَةِ الْإِنْسَانِ: مَحَبَّةَ الْثَّنَاءِ الْحَسَنِ، وَحُسْنَ الْصِّيْتِ. (٢) ٢. الْفَرَحُ بِمَا يَسْمَعُهُ الْإِنْسَانُ مِنَ الْمَحْمَدَةِ الْصَّادِقَةِ. ٣. أَنَّ هَذَا الْصِّيْتَ عَلَامَةُ خَيْرٍ وَقَبُوْلٍ، فَالْنَّاسُ شُهَدَاءُ اللهِ فَيْ أَرْضِهِ.

стр. 76

٤. أَنَّ الْأَعْقَابَ تَتَوَارَثُهُ (١)، فَتَشْكُرَ لِلْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ حُسْنَ الْمِيْرَاثِ. ٥. مَعَ تَوَارُثِهِ، تَلْهَجُ الْأَلْسِنَةُ بِالْدُّعَاءِ لِلْأَجْدَادِ. ٦. الْاقْتِدَاءُ بِهِمْ فِيْ الْخَيْرِ، فَالْنَّفْسُ فِيْ الْاقْتِدَاءِ بِمَنْ تَعْرِفُ وَتُشَاهِدُ أَكْثَرُ تَهَدِّيَاً بِمَنْ لَا تَعْرِفُ ــ كَمَا سَبَقَ ــ: «وَالْنُّفُوْسُ تُؤْخَذُ بِالْاحْتِذَاءِ وَالْمُحَاكَاةِ أَكْثَرَ مِمَّا تُؤْخَذُ بِالْجِبِلَّةِ وَالْطَّبْعِ» (٢) وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ مُحَرِّكَاتِ الْإِنْسَانِ لِفِعْلِ الْمَآثِرِ الْطَّيِّبَةِ، فَبِتَذَكُّرِهِ مَآثِرَ آبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ يَقْدَحُ حَرَارَةَ الْهِمَّةِ، وَيَرْفَعُ نَفْسَهُ إِلَى مَدَارِجِ الْشَّرَفِ بِالْعَمَلِ الْطَّيِّبِ، وَمُوَاصَلَةِ الْخَيْرَاتِ الَّتِيْ تَحَلَّى بِهَا أَجْدَادُهُ. (٣) ٧. رَفْعُ مُسْتَوَى الْقَبُوْلِ وَالْإِعْجَابِ، وَالْرَّغْبَةِ فِيْ الْقُرْبِ مُصَاهَرَةً، وَمُجَاوَرَةً، وَمُعَامَلَةً.

стр. 77

إِذَنْ لَا عَلَيْنَا ــ جَمِيْعَاً ــ أَنْ نَفْرَحَ بِمَا أَظْهَرَهُ اللهُ مِنْ جَمِيْلِ الْأَعْمَالِ وَالْأَخْلَاقِ، شَرِيْطَةَ أَنْ لَا نَغْتَرَّ بِذَلِكَ، وَنَكْسَلَ، وَنَتَحَدَّثَ فِيْهِ عَلَى سَبِيْلِ الْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ وَالْاسْتِعْلَاءِ. ولَا عَتَبَ أَنْ تَقُوْلُوْا ــ بِلَا فَخْرٍ وَلَا عُجْبٍ ــ: نَحْنُ الَّذِيْنَ غَدَتْ رَحَى أَحْسَابِهُمْ ... وَلَهَا عَلَى قُطْبِ الْفَخَارِ مَدَارُ قَوْمٌ لِغُصْنِ نَدَاهُمُ مِنْ رِفْدِهِمْ ... وَرَقٌ وَمِنْ مَعْرُوْفِهِمْ أَثْمَارُ مِنْ كُلِّ وَضَّاحِ الْجَبِيْنِ كَأَنَّهُ ... رَوْضٌ خَلَائِقُهُ لَهَا أَزْهَارُ (١)

стр. 78

أيُّهَا الحمَادَى، أَنْتُمْ حَمَادَى وَرِثْتُمْ «غَرَائِزَ = طَبَائِعَ = جِيْنَاتٍ» طَيِّبَةً مِنْ عُرُوْقِ أَجْدَادِكُمْ، وَالْعِرْقُ دَسَّاسٌ، وَوَرِثْتُمْ مِنْ آبَائِكُمْ مَزِيْدَاً (١)، وَزِدْتُّمْ عَلَيْهِمَا مَا تَعَلَّمْتُمُوْهُ وَقَرَأَتُمُوْهُ فِيْ مُنْزَلِ الْوَحْيَيْنِ، وَآثَارِ الْسَّلَفِ الْصَّالِحِيْنَ، فَلَا تُبْطِلُوْا بَعْضَ أَحْسَابِكُمْ، بِالْتَّقْصِيْرِ فِيْ جَانِبٍ مِنْ جَوَانِبِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ، وَحُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ، وَجَمَالِ الْخُلُقِ، وَسَلَامَةِ الْصَّدْرِ، وَلِيْنِ الْجَانِبِ، وَكَرَمِ الْقَلْبِ وَالْيَدِ وَالْلِّسَانِ. وَاعْلَمُوْا أَيُّهَا الْحَمَادَى ــ زَادَكُمُ اللهُ سُؤْدَدَاً ــ أنَّ الْشَّرَفَ مُلازِمٌ لِحُسْنِ الْخُلُقِ، قَالَ الأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ (ت ٦٧ هـ) ﵀: الْسُّؤْدَدُ كَرَمُ الْأَخْلَاقِ، وَحُسْنُ الْفِعَالِ. (٢)

стр. 79

وَيَقُولُ الْضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ (ت ١٠٥ هـ) ﵀: السَّيِّدُ: الْحَسَنُ الْخُلُقِ. (١) ويُرْوَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ ﵁ سُئِلَ: مَنْ أَسْوَدُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَسْخَاهُمْ نَفْسَاً حِيْنَ يُسْأَلُ، وَأَحْسَنُهُمْ فِي الْمَجَالِسِ خُلُقَاً، وَأَحْلَمُهُمْ حِينَ يُسْتَجْهَلُ. (٢) وَيُرْوَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ قَوْلُهُ: الْسُّؤْدُدُ: الْتَّبَرُّعُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالإِعْطَاءُ قَبْلَ السُّؤَالِ. (٣) قَالَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ (ت ١٤٢ هـ) ﵀: (لَا يَطْمَعَنَّ ذُوْ الْكِبْرِ فِيْ حُسْنِ الْثَّنَاءِ، وَلَا الْخِبُّ فِيْ كَثْرةِ الْصَّدِيْقِ، وَلَا الْسَيئُ الْأدَبِ فِيْ الْشَرَفِ، وَلَا الْشَّحِيْحُ فِيْ الْمَحْمَدَةِ، وَلَا الْحَرِيصُ فِيْ الْإِخْوَانِ ... ). (٤) وَعَلَيْكُمْ

стр. 80

بِالْتَّوَاضُعِ، فَـ «الْتَّوَاضُعُ أَحَدُ مَصَايِدِ الْشَّرَفِ»، وَقِيْلَ: سُلَّمُ الْشَّرَفِ. (١) وَكَانَ يُقَالُ: اسْمَانِ مُتَضَادَّانِ بِمَعْنَى وَاحِدٍ: الْتَّوَاضُعُ وَالْشَّرَفُ. (٢) فَحَذَارِ حَذَارِ حَذَارِ مِنَ: الْكِبْرِ، وَالْكَذِبِ وَالْسُّخْفِ فَهِيَ خِلَالٌ لَايُمْكِنُ مَعَهَا السُّؤْدَدُ. (٣) قَالَ الْضِّيَاءُ ابْنُ الْأَثِيْرِ (ت ٦٣٧ هـ) ﵀: (مُجَارَاةُ الْلَّئِيْمِ تَسِمُ وَجْهَ الْحَسَبِ، وَتُلْحِقُ الْنَّبْعَ بِالْغَرَبِ، فَإِنَّ الْخُلُقَ الْسَّيْئِ يَسْتَتْبِعُ الْحَسَنَ عَلَى أَثَرِهِ، وَكَدَرُ الْمَاءِ لَا يُغْلَبُ بِصَفْوِهِ، وَصَفْوُهُ مَغْلُوْبٌ بِكَدَرِهِ). (٤)

стр. 81

عَلَوْتُمُ، فَتَوَاضَعْتُمْ عَلَى ثِقَةٍ ... لَمَّا تَوَاضَعَ أَقْوَامٌ عَلَى غَرَرِ وَالْكِبْرُ وَالْحَمْدُ ضِدَّانِ، اتِّفَاقُهُمَا ... مِثْلُ اتِّفَاقِ فَتَاءِ الْسِّنِّ وَالْكِبَرِ يَجْنِى تَزَايُدُ هَذَا مِنْ تَنَاقُصِ ذَا ... وَالْلَّيْلُ إِذَا طَالَ غَالَ الْيَوْمَ بِالْقِصَرِ (١) قَالَ ابْنُ حِبَّانَ (ت ٣٥٤ هـ) ﵀: (فَالْوَاجِبُ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَلْزَمَ إِقَامَةَ الْمُرُوْءَةِ بِمَا قَدِرَ عَلَيْهِ مِنْ الْخِصَالِ الْمَحْمُوْدَةِ، وَتَرْكِ الْخِلَالِ الْمَذْمُوْمَةِ، وَقَدْ نَبَغَتْ نَابِغَةٌ اتَّكَلُوْا عَلَى آبَائِهِمْ، وَاتَّكَلُوْا عَلَى أَجْدَادِهِمْ فِيْ الْذِّكْرِ وَالْمُروْءَاتِ، وَبَعُدُوا عَنْ الْقِيَامِ بِإِقَامَتِهَا بِأَنْفُسِهِمْ. وَلَقَدْ أَنْشَدَنِيْ مَنْصُوْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ فِيْ ذَمِّ مَنْ هَذَا نَعْتُهُ: إِنَّ الْمُرُوْءَةَ لَيْسَ يُدْرِكُهَا امْرُؤٌ ... وَرِثَ المرُوْءَةَ عَنْ أَبٍ؛ فَأَضَاعَهَا أَمَرَتْهُ نَفْسٌ بِالْدَّنَاءَةِ وَالخَنَا ... وَنَهَتْهُ عَنْ طَلَبِ الْعُلَى؛ فَأَطَاعَهَا فَإذَا أَصَابَ مِنَ الْأُمُوْرِ عَظِيمَةً ... يَبْنِي الْكَرِيمَ بِهَا المرُوْءَةَ؛ بَاعَهَا (٢)

стр. 82

قَالَ صِدِّيْقُ خَانَ الْقَنُّوْجِيُّ (ت ١٣٠٧ هـ) ﵀: ( ... وَأَكْثَرُ مَنْ عَلَا نَسَبَاً وَافْتَخَرَ حَسَبَاً؛ حُرِمَ مِنَ الْفَضَائِلِ الْدِّيْنِيَّةِ وَالْفَوَاضِلِ الْيَقِيْنِيَّةِ، وَهَلَكَ فِيْمَنْ هَلَكَ مِنْ أَبْنَاءِ الْدُّنْيَا وَآبَائِهَا ... ). (١) «وَالْمَرْءُ مِنْ حَيْثُ يُوْجَدُ لَا مِنْ حَيْثُ يُوْلَدُ، وَالْإِنْسَانُ مِنْ حَيْثُ يَثْبُتُ لَا مِنْ حَيْثُ يَنْبُتُ». (٢) وَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَتَّقِيَ اللهَ ، وَيَحْذَرَ مِنْ الْاعْتِرَاضِ عَلَى قَدَرِهِ -جل وعلا- بِمَا يَقُوْمُ فِيْ نَفْسِهِ وَلِسَانِهِ وَعَمَلِهِ مِنْ حَسَدِ مَنْ آتَاهُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ، خاصَّةً حَسَدُ مَنْ يَسْعَى خَيْرَاً فِيْ قَبِيْلَتِهِ/عَشِيْرَتِهِ/أُسْرَتِهِ/ بَلَدِهِ، فَالْأَرْضُ تَسَعُ الْمَكَارِمَ وَأَهْلَهَا كُلَّهُم، وَإِنَّ حَسَدَ مَنْ يَبْنِيْ خَيْرَاً، لَيُعتَبَرُ اعْتِرَاضَاً عَلَى اللهِ ﷻ ، وَسَعْيَاً لِإيْقَافِ الْخَيْرِ عَنِ الْمُسْلِمِيْنَ، وَحِرْمَانَاً لِلْحَاسِدِ، وَحَسْرَاتٍ عَلَيْهِ مُتَوَاصِلَةً.

стр. 83

قَالَ الْرَّاغِبُ الْأَصْبَهَانِيُّ (ت ٥٠٢ هـ) ﵀: (الْحَاسِدُ ... أَظْلَمُ ظَالِمٍ؛ لِأَنَّهُ يَظْلِمُ غَيْرَهُ فِيْ إِزَالَةِ حَالِهِ، وَيَظْلِمُ رَبَّهُ فِيْمَا قَدَّرَهُ ... وَقَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَسَدَ ضَرْبٌ مِنَ الْحَمَاقَةِ؛ لِأَنَّ اغْتِمَامَهُ بِمَا يَنَالُهُ ذَوُوْهُ وَأَهْلُ بَلَدِهِ يَقْتَضِيْ أَنْ يَغْتَمَّ أَيْضَاً بِمَا يَنَالُهُ أَهْلُ الْصِّيْنِ وَالْهِنْدِ، عَلَى أَنَّ الْخَيْرَ الَّذِيْ يَنَالُ ذَوِيْهِ إِذَا تَفَكَّرَ فِيْهِ؛ هُوَ أَنْفَعُ لَهُ مِمَّا يَنَالُهُ الْأَبَاعِدُ). (١) «سَمَاءُ الْمَجْدِ وَاسِعَةٌ رَحْبَةٌ سَحَّاءُ، تَسَعُكَ وَأَقْرَانُكَ وَمَنْ فِيْ أَرْضِ الْمَعَالِيْ جَمِيْعَاً، فَلَا تُقَاتِلْ كُلَّ نَجْمٍ بَزَغَ فِيْهَا غَيْرُكَ؛ فَإِنَّكَ تَبُوْءُ بِالْتَّبَارِ، وَتَهْدِرُ أَيَّامَكَ فِيْ مَعَارِكَ خَاسِرَةٍ، وَلَنْ تَبْلُغَ أَنْ تُطْفِئَ نَجْمَاً أَسْرَجَهُ اللهُ ﵎». (٢) قَالَ ابْنُ حَمْدُوْنَ (ت ٥٦٢ هـ) ﵀: (كَانَتْ الْعَرَبُ فِيْ جَاهِلِيَّتِهَا وَإِسْلَامِهَا تَتَّقِيْ الْهِجَاءَ أَشَدَّ مِنِ اتِّقَائِهَا السِّلَاحَ، حَيْثُ كَانَتْ تُحَامِيْ عَنْ أَحْسَابِهَا، وَتَرْغَبُ فِيْ اقْتِنَاءِ الْمَحَامِدِ الْبَاقِيْ ذِكْرُهَا عَلَى أَعْقَابِهَا. وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَعَبْدُاللهِ

стр. 84

بْنُ رَوَاحَةَ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْصَّحَابَةِ ــ يَهْجُوْنَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ ــ: لَهُوَ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ وَقْعِ الْنَّبْلِ. وَكَانَ أَحَدُهُمْ فِيْ الْفَلَاةِ الْقَفْرِ لَا أَنِيْسَ بِهَا مَعَهُ وَلَا قَرِيْنَ، يَحْمِيْ نَفْسَهُ عَنْ كَلِمَةٍ يُعَابُ بِهَا حَتَّى كَأَنَّهُ يَتَعَبَّدُ بِذَلِكَ مَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ ... ). (١) نَعَمْ، أَهْلُ الْشَّرَفِ وَالْسُّؤْدَدِ إِنْ لَمْ يَمْنَعُهُمْ عَنْ الْقَبِيْحِ دِيْنٌ، مَنَعَهُمْ الشَّرَفُ والْمُرُوْءَةُ، (٢) فَقَدْ قَالَ الإِمَامُ الْمُحَدِّثُ شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ ... (ت ١٦٠ هـ) ﵀: (خُذُوْا عَنْ أَهْلِ الشَّرَفِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَكْذِبُونَ). (٣)

стр. 85

وفي لفظ: (الْأَشْرَافُ لَا يَكْذِبُوْنَ). (١) أَيُّهَا الْأَبْنَاءُ وَالْبَنَاتُ مِنَ الْحَمَادَى، لَا تُلْجِئُوا آبَاءَكُمْ إِلَى أَنْ يَقُوْلُوْا أَنْتُمْ لَسْتُمْ حَمَادَى!!! فَإِنَّ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ أَنْ: (يَقُوْلَ الْأَبُ لِوَلَدِهِ إِذَا أَنْكَرَ مِنْهُ أَخْلَاقَاً أَوْ أَعْمَالَاً: لَسْتَ مِنِّي. وَكَأَنَّهُ مِنْ بَابِ نَفْي الْشَّيءِ لِانْتِفَاءِ ثَمَرَتِهِ؛ فَإِنَّ الْمَقْصُوْدَ الْمَطْلُوْبَ أَنْ يَكُوْنَ الْابْنُ مُسَاوِيَاً لِلْأَبِ فِيْمَا يُرِيْدُهُ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيْدَةِ، فَلَمَّا انْتَفَتْ هَذِهِ الْثَّمَرَةُ؛ انْتَفَتْ الْبُنُوَّةِ؛ مُبَالَغَةً). (٢) قَالَ اللهُ عَلَى لِسَانِ قَوْمِ مَرْيَمَ لِمَرْيَمَ ﵍ ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ (سورة مريم، آية ٢٨) قال قتادة السَّدُوْسِيِّ (ت ١١٧ هـ) ﵀ في الآية: (كَانَتْ مِنْ أَهْلِ

стр. 86

بَيْتٍ يَعْرَفُونَ بِالصَّلَاحِ، وَلَا يَعْرَفُونَ بِالْفَسَادِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْرَفُونَ بِالصَّلَاحِ وَيَتَوَالَدُونَ بِهِ، وَآخَرُونَ يُعْرَفُونَ بِالْفَسَادِ وَيَتَوَالَدُونَ بِهِ؛ وَكَانَ هَارُونُ مُصْلِحَاً مُحَبَّبَاً فِي عَشِيرَتِهِ، وَلَيْسَ بِهَارُونَ أَخِي مُوسَى، وَلَكِنَّهُ هَارُونُ آخَرُ ... ). (١) قَالَ الْخَطَّابِيُّ (ت ٣٨٨ هـ) ﵀ عَنْ الْآيَةِ: ( ... فَقَضَوْا بِفَسَادِ الْأَصْلِ عَلَى فَسَادِ الْفَرْعِ). (٢) عَلَّقَ الْشَّيْخُ أَحْمَدْ شَاْكِرْ (ت ١٣٧٧ هـ) ﵀ عَلَى قَوْلِ الْخَطَّابِيِّ بِقَوْلِهِ: (وَهَذَا ــ الَّذِيْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ ــ كَلَامٌ جَيِّدٌ، وَاسْتِدْلَالٌ صَحِيْحٌ، يُؤَيِّدُهُ الْوَاقِعُ الْمُشَاهَدُ فِيْ الْأَغْلَبِ الْأَكْثَرِ، وَالْنَّادِرُ غَيْرُ ذَلِكَ ... ). (٣) قَالَ الْآلُوْسِيُّ (١٢٧٠ هـ) ﵀: (وَفِيْهِ دَلِيْلٌ عَلَى أَنَّ الْفُرُوْعَ غَالِبَاً تَكُوْنُ زَاكِيَةً إِذَا زَكَتْ الْأُصُوْلُ، وَيُنْكَرُ عَلَيْهَا إِذَا جَاءَتْ بِضِدِّ ... ذَلِكَ). (٤)

стр. 87

قَالَ ابْنُ سَعْدِيِّ (ت ١٣٧٦ هـ) ﵀: (أَيْ: لَمْ يَكُنْ أَبَوَاكِ إِلَّا صَالِحِيْنَ سَالِمِيْنَ مِنَ الْشَّرِّ، وَخُصُوْصَاً هَذَا الْشَّرَّ الَّذِيْ يُشِيْرُوْنَ إِلَيْهِ، وَقَصْدُهُمْ: فَكَيْفَ كُنْتِ عَلَى غَيْرِ وَصْفِهِمَا؟! وَأَتَيْتِ بِمَا لَمْ يَأَتِيَا بِهِ؟! وَذَلِكَ أَنَّ الْذُّرِّيَّةَ ــ فِيْ الْغَالِبِ ــ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ فِيْ الْصَّلَاحِ وَضِدِّهِ؛ فَتَعَجَّبُوْا ــ بِحَسَبِ مَا قَامَ بِقُلُوْبِهِمْ ــ كَيْفَ وَقَعَ مِنْهَا؟ فَأَشَارَتْ لَهُمْ إِلَيْهِ، أَيْ: كَلِّمُوْهُ ... ). (١) قَالَ الْشَّعْرَاوِيُّ (ت ١٤١٨ هـ) ﵀: (وَفِيْ هَذَا دَلِيْلٌ عَلَى أَنَّ نُضْجَ الْأُسَرِ يُؤَثِّرُ فِيْ الْأَبْنَاءِ، فَحِيْنَ نُكَوِّنُ الْأُسْرَةَ الْمُؤْمِنَةَ وَالْبَيْتَ الْمُلْتَزِمَ بِشَرْعِ اللهِ، وَحِيْنَ نَحْتَضِنُ الْأَبْنَاءَ وَنَحُوْطُهُمْ بِالْعِنَايَةِ وَالْرِّعَايَةِ، فَسَوْفَ نَسْتَقْبِلُ جِيْلَاً مُؤْمِنَاً وَاعِيَاً نَافِعَاً لِنَفْسِهِ وَلِمُجْتَمَعِهِ). (٢) قَالَ أَبُوْ هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ (ت ٣٩٥ هـ تقريباً) ﵀: (وَرُبَّمَا كَانَ سُؤْدَدُ الْوَالِدِ وَفَضِيْلَتُهُ نَقِيْصَةً لِلْوَلَدِ إِذَا تَأَخَّرَ عَنْ رُتْبَةِ الْوَالِدِ، وَيَكُوْنُ ذِكْرُ الْوَالِدِ الْفَاضِلِ تَقْرِيْعَاً لِلْوَلَدِ الْنَّاقِصِ.

стр. 88

وَقِيْلَ لِبَعْضِهِمْ: لِمَ لَا تَكُوْنُ كَأَبِيْكَ؟ فَقَالَ: لَيْتَ أَبِيْ لَمْ يَكُنْ ذَا فَضْلٍ؛ فَإِنَّ فَضْلَهُ صَارَ نَقْصَاً لِي). (١) وَالْنَّاسُ يَعِيْبُوْنَ «مَنْ يُخْلِفُ آبَاءَهُ الْصَّالِحِيْنَ، بِالْفِسْقِ وَكَثْرَةِ الْرَّغْبَةِ فِيْ الْدُّنْيَا وَالْكِبْرِ، والدَّعْوَى، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْقَبَائِحِ، ..... لَئِنْ فَخَرْتَ بِآبَاءٍ لَهُمْ شَرَفٌ ... لَقَدْ فَخَرْتَ وَلَكِنْ بِئْسَ مَا وَلَدُوْا (٢) قَالَ الغَزِّيُّ (ت ١٠٦١ هـ) ﵀: ( ... فَمَنْ كَانَ أَبُوْهُ صَالِحَاً وَخَالَفَ سَمْتَ أَبِيْهِ فَقَدْ أَشْمَتَ عَدُوَّ أَبِيْهِ فِيْهِ، وَكَانَ لِقَابِيْلَ مَثِيْلَاً، وَلِإبْلِيْسَ خَلِيْلَاً، (٣) بَلْ الْلَّائِقُ بِابْنِ الْكَرِيْمِ أَنْ يَكُوْنَ كَرِيْمَاً، وَلَا يُبَاحُ لِابْنِ الْلَّئِيْمِ أَنْ يَكُوْنَ لَئِيْمَاً، وَقَدْ ذَمَّ اللهُ تَعَالَى الْأَبْنَاءَ عَلَى تَقْلِيْدِ الْآبَاءِ فِيْ الْلَّآمَةِ، وَعُدَّ افْتَخَارِ يُوْسُفَ بِآبَائِهِ الْكِرَامِ ﵈ مِنْ قَبِيْلِ الْكَرَامَةِ ..... وَلَا شَكَّ أَنَّ ابْنَ الْكِرَامِ إِذَا جَاءَ بِأَفْعَالِ الْلِّئَامِ؛ سَلَّطَ عَلَى عِرْضِهِ،

стр. 89

وَعِرْضِ آبَائِهِ أَلْسِنَةَ الْأَنَامِ، فَهُوَ جَانٍ عَلَى نَفْسِهِ وَعَشِيْرَتِهِ، وَشَائِنٌ لِقَوْمِهِ وَقَبِيْلَتِهِ، فَهُوَ حَرِيُّ بِالْنَّكَالِ، جَدِيْرٌ بِالْوَبَالِ. وَقُلْتُ: يَا مُشْمِتَ الأَعْداءِ فِيْ آبَائِهِ ... لَا كُنْتَ يَوْمَاً مُشْمِتَ الأَعْداءِ وَابْنُ الْكِرامِ إِذَا نَبَا عَنْ سَمْتِهِمْ ... أَوْلَى بِأَنْ يُهْجَى بِكُلِّ هِجاءِ (١) يُقَالُ: عَيَّرَ شَرِيْفُ الْنَّسَبِ سُقْرَاطَ بِسُقُوطِ نَسَبِهِ، فَقَالَ: نَسَبِي عَارٌ عَلَيَّ، وَأنْتَ عَارٌ عَلَى نَسَبِكَ. (٢) وَفَخَرَ رَجُلٌ مِنَ الْمُلُوْكِ عَلَى جَالِيْنُوْسَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ: أَمَّا مَا فَخَرْتَ بِهِ مِنْ شَرَفِ آبَائِكَ، فَشَيءٌ لَا صُنْعَ لَكَ فِيْهِ! كَمَا لَا صُنْعَ لِيْ فِيْ ذِلَّةِ آبَائِيْ! وَأَمَّا مَا كَانَ إِلَيْكَ وَإِلَيَّ، فَلَا فَخْرَ لَكَ فِيْهِ عَلَيَّ؛ لِأَنَّكَ رَضِيْتَ لِنَفْسِكَ الْنَّقْصَ، وَشَيَّدْتُّ لِنَفْسِيَ الْشَّرَفَ. (٣)

стр. 90

أَيُّهَا الْحَمَادَى اسْتَوْوْا، وَاعْتَدِلُوْا، وَاسْتَقِيْمُوْا، وَسَوُّوْا صُفُوْفَكُمْ، وَتَرَاصُّوْا، وَتَحَاذَوْا بِالْقُلُوْبِ، وَسُدُّوْا الْخَلَلَ، وَلَا تَدَعُوْا فُرُجَاتٍ لِلْشِّيْطَانِ، وَتُوْبُوْا إِلَى اللهِ جَمِيْعَاً وَاسْتَغْفِرُوْهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُوْنَ. هَذَا، وَلِلْشَّوْكَانِيِّ (ت ١٢٥٠ هـ) ﵀ كَلَامٌ جَمِيْلٌ فِيْ الْحَدِيْثِ عَنْ الْاعْتِدَادِ بِالْأَحْسَابِ، وَذِكْرِ مَآثِرِ الْآبَاءِ، وَأَنَّهُ لَايَدُلُّ عَلَى الْتَّعَصُّبِ لَهُمْ، وَتَلَقِّي مَا نُقِلُ عَنْهُمْ بِالْقَبُولِ مُطْلَقَاً، قَالَ: (وَلِهَذَا تَرَى كَثِيْرَاً مِنْهُمْ يَسْتَكْثِرُ مِنْ: قَالَ جَدُّنا، قَالَ وَالِدُنَا، وَاخْتَارَ كَذَا، صَنَعَ كَذَا، فَعَلَ كَذَا؛ وَهَذَا لَا شَكَّ أَنَّ الْطِبَاعَ الْبَشَرِيَّةِ تَمِيْلُ إِلَيْهِ، وَلَا سِيَّمَا طَبَائِعُ العَرَبِ؛ فَإِنَّ الْفَخْرَ بِالأنَسَابِ وَالتَّحَدُّثَ بمَا كَانَ لِلسَّلَفِ مِنَ الْأَحْسَابِ، يَجِدُونَ فِيْهِ مِنَ الْلَّذَّةِ مَا لَا يَجِدُوْنَهُ فِيْ تَعَدُّدِ مَنَاقِبِ أَنْفُسِهِمْ، وَيَزدَادُ هَذَا بِزِيَادَةِ شَرَفِ الْنَّفْسِ، وَكَرَمِ الْعُنْصُرِ، وَنَبَالَةِ الْآبَاءِ؛ وَلَكِنْ لَيْسَ مِنَ الْمَحْمُوْدِ أَنْ يَبْلُغَ بِصَاحِبِهِ إِلَى الْتَّعَصُّبِ فِيْ الْدِّيْنِ، وَتَأثِيْرِ الْبَاطِلِ عَلَى الْحَقِّ؛ فَإِنَّ الْلَّذَّةَ الَّتِي يَطْلُبُهَا، وَالْشَّرَفَ الَّذِي يُرِيْدُهُ قَدْ حَصَلَ لَهُ بِكَونِ مَنْ سَلَفَهُ ذَلِكَ الْعَالِمَ، وَلَا يَضِيْرُهُ أَنْ يَتْرُكَ الْتَّعَصُّبَ لَهُ، وَلَا يَمْحَقْ عَلَيْهِ شَرَفَهُ، بَلْ الْتَّعَصُّبُ مَعَ كَوْنِهِ مُفْسِدَاً لِلْحَظِّ الْأُخْرَوِيِّ؛ يُفْسِدُ عَلَيْهِ أَيْضَاً الْحَظَّ الْدُّنيَوِيَّ؛ فَإنَّهُ إِذَا تَعَصَّبَ لِسَلَفِهِ

стр. 91

بِالْبَاطِلِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَ كُلُّ مَنْ لَهُ فَهْمٌ أَنَّهُ مُتَعَصِّبٌ؛ وَفِيْ ذَلِكَ عَلَيه مِنْ هَدْمِ الْرِّفْعَةِ الَّتِي يُرِيْدُهَا، وَالْمَزِيَّةِ الَّتِي يَطْلُبُهَا مَا هُوَ أَعْظَمُ عَلَيْهِ وَأَشَدُّ مِنْ الْفَائِدَةِ الَّتِي يَطْلُبُهَا بِكَوْنِ لَهُ قَرِيْبٌ عَالِمٌ، فَإنَّهُ لَا يَنْفَعْهُ صَلَاحُ غَيْرِهِ مَعَ فَسَادِ نَفْسِهِ ... ). (١)

стр. 92

أيُّهَا الحمَادَى أَبْنَاءَ وَ بَنَاتِ الْأَعْمَامِ اعْلَمُوْا أَنَّ الْعِلْمَ أَشْرَفُ الْأَحْسَابِ ، (١) فَلْنَحْرِصْ عَلَيهِ، وَنَجتَهِدْ فِيْهِ، وَنُرَبِّي أَوْلَادَنَا فِيْ سَبِيْلِهِ، فَالْعِلْمُ عِزٌّ، وَ «كُلُّ عِزٍّ لَمْ يُؤَكِّدْهُ عِلْمٌ؛ مَذَلَّةٌ، وَكُلُّ عِلْمٍ لَمْ يُؤكِّدْهُ عَقْلٌ؛ مَضَلَّةٌ». (٢) قَالَ أَبُوْ الْحَسَنِ الْبَاهِلِيُّ (ت ٥٤٤ هـ) ﵀: (مِنْ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ: الْعِلْمُ أَنْفَسُ الْأَعْلَاقِ، وَأَشْرَفُ الْأَعْرَاقِ، وَأَكْرَمُ مُنْتَسَبٍ، وَأَنْفَعُ لِمُقْتَنيْهِ مِنَ الْفِضَّةِ وَالْذَّهَبِ، فَإنَّهُمَا يَبِيْدُهُمَا الْإِنْفَاقُ، وَلَا يَنْفَعَاكَ إِلَّا عِنْدَ الْفِرَاقِ.

стр. 93

وَقَالَ ابْنُ الْمُعْتَزِّ: الْعِلْمُ جَمَالٌ لَا يَخْفَى، وَنَسَبٌ لَا يُجْفَى، وَالْعِلْمُ لَا يَنْقُصُ مَعَ الإِبْذَالِ، وَلَا يُفَارِقُكَ فِيْ حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ). (١) «إِنَّ عَمَلَ الْأَجْدَادِ لِلْخَيْرِ وَالْنَّفْعِ، وَبِنَاءَهُمْ الْبَاقِيَاتِ الْصَّالِحَاتِ لِلْعِلْمِ؛ مَفْخَرَةٌ لِلْأَحْفَادِ، وَحَفْزٌ لِهِمَمِهِمْ، وَتَقْصِيْرٌ لِلْمَسَافَةِ عَلَيْهِمْ، وَتَقْلِيْلٌ مِنَ الْجُهْدِ وَالْنَّصَبِ، وَغَرْسٌ وَتَمْهِيْدٌ؛ فَضَعُوْا ــ أَيُّهَا الْحَمَادَى ــ فِيْ أَيْدِيْ أَبْنَائِكُمْ مَا يُفَاخِرُوْنَ بِهِ، وَابْنُوْا لَهُمْ مَا لَا يَحْتَاجُوْنَ مَعَهُ إِلَى الْتَّرْمِيْمِ. إِنَّ بِرَّ الْآبَاءِ لِلْأَبْنَاءِ أَسَاسٌ لِبِرِّ الْأَبْنَاءِ لِلْآبَاءِ، فَأقْرِضُوْا أَبْنَاءَكُمْ الْبِرَّ الْحَسَنَ؛ تَجِدُوْهُ مُضَاعَفَاً، وُيُؤدُّوْهُ إِلَيْكُمْ وَمَعَهُ فَائِدَتَهُ وَرَيْعَهُ». (٢) الْعِلْمُ مَنَاطُ الْشَّرَفِ وَالْكَرَامَةِ وَالْكَمَالِ، وَالْنِّتَاجُ الْعِلْمِيُّ =الْمُؤَلَّفَاتُ مَوَارِيْثُ ثَمِيْنَةٌ، وَمَعَادِنُ دَفِيْنَةٌ، وَخَصَائِصُ مَكِيْنَةٌ، فَأَثِيْرُوْا ــ أَيُّهَا الْحَمَادَى ــ الْهِمَمَ الْرَّاكِدَةَ، وَالْمَشَاعِرَ الْهَادِئَةَ، وَعَوَاطِفَ الْخَيْرِ، وَنَوَازِعَ الْشَّرَفِ،

стр. 94

وَالْنُّفُوْسَ الْبَاحِثَةَ فِيْ غَيْرِ سَبِيْلِ الْعِلْمِ، انْفَخُوْا فِيْهَا رُوْحَاً جَدِيْدَةً مُثِيْرَةً، فِيْهَا كُلُّ مَا فِيْ الْكَهْرَبَاءِ مِنْ نَارٍ وَنُوْرٍ. (١) وَمِنْ أَجْمَلِ مَنْ تَحَدَّثَ عَنْ مَكَانَةِ الْعِلْمِ فِيْ مَنَازِلِ الْشَّرَفِ، عَبْدُالقَاهِرِ الجُرْجَانِيُّ (ت ٤٧١ هـ) ﵀ بِكَلَامٍ أَخَّاذٍ، يُثِيْرُ الْهِمَّةَ لِنَيْلِ الْرُّتَبِ الَعَلِيَّةَ، اقْرَأَ وَاسْمَعْ وَتَدَبَّرْ قَوْلَهُ: (إِذَا تَصَفَّحْنَا الْفَضَائِلَ لِنَعْرِفَ مَنَازِلَهَا فِيْ الْشَّرَفِ، وَنَتَبِيَّنَ مَوَاقِعَهَا مِنَ الْعِظَمِ؛ وَنَعْلَمَ أَيٌّ أَحَقٌّ مِنْهَا بِالْتَّقَدِيْمِ، وَأَسْبَقُ فِيْ اسْتِيْجَابِ الْتَّعَّظِيْمِ؛ وَجَدْنَا الْعِلْمَ أَوْلَاهَا بِذَلِكَ، وَأَوَّلُهَا هُنَالِكَ؛ إِذْ لَا شَرَفَ إِلَّا وَهُوَ الْسَّبِيْلُ إِلَيْهِ، وَلَا خَيْرَ إِلَّا وَهُوَ الْدَّلِيْلُ عَلَيْهِ، وَلَا مَنْقَبَةَ إِلَّا وَهُوَ ذُرْوَتُها وَسَنَامُهَا، وَلَا مَفْخَرَةَ إِلَّا وَبِهِ صِحَّتُهَا وَتَمَامُهَا، وَلَا حَسَنَةَ إِلَّا وَهُوَ مِفْتَاحُهَا؛ وَلَا مَحْمَدَةَ إِلَّا وَمِنْهُ يَتَّقِدُ مِصْبَاحُهَا، وَهُوَ الْوَفيُّ إِذَا خَانَ كُلُّ صَاحِبٍ، وَالْثِّقَةُ إِذَا لَمْ يُوْثَقْ بِنَاصِحٍ، لَوْلَاهُ لَمَا بَانَ الإِنْسَانُ مِنَ سَائِرِ الْحَيَوَانِ إِلَّا بِتَخْطِيْطِ صُوْرَتِهِ، وَهَيْئَةِ جِسْمِهِ وَبِنْيَتِه، لَا، وَلَا وَجَدَ إِلَى اكْتِسَابِ الْفَضْلِ طَرِيْقَاً، وَلَا وَجَدَ بِشَيءٍ مِنَ الْمَحَاسِنِ خَلِيْقَاً.

стр. 95

ذَاكَ لِأنَّا وَإِنْ كُنَّا لَا نَصِلُ إِلَى اكْتِسَابِ فَضِيْلَةٍ إِلَّا بِالْفِعْلِ، وَكَانَ لَا يَكُوْنُ فِعْلٌ إِلَّا بِالْقُدْرَةِ، فَإِنَّا لَمْ نَرَ فِعْلاً زَانَ فَاعِلَهُ وَأَوْجَبَ الْفَضْلَ لَهُ، حَتَّى يَكُوْنَ عَنْ الْعِلْمِ صَدَرُهُ، وَحَتَّى يَتَبَيَّنَ مِيْسَمُهُ عَلَيهِ وَأَثَرُهُ؛ وَلَمْ نَرَ قُدْرَةً قَطُّ كَسَبَتْ صَاحَبَهَا مَجْدَاً وَأَفَادَتْهُ حَمْدَاً، دُوْنَ أَنْ يَكُوْنَ الْعِلْمُ رَائِدَهَا فِيْمَا تَطْلُبُ، وَقَائِدَهَا حَيْثُ يَؤمُّ وَيَذْهَبُ، وَيَكُوْنَ الْمُصَرِّفَ لِعِنَانِهَا، وَالْمُقَلِّبَ لَهَا فِيْ مَيْدَانِهَا. فَهِيَ إِذاً مُفْتَقِرَةٌ فِيْ أَنْ تَكُوْنَ فَضِيْلَةً إِلَيْهِ، وَعِيَالٌ فِيْ اسْتِحْقَاقِ هَذَا الْاسْمِ عَلَيْهِ، وَإِذَا هِيَ خَلَتْ مِنَ الْعِلْمِ أَوْ أَبَتْ أَنْ تَمْتَثِلَ أَمْرَهُ، وَتَقْتَفِي أَثَرَهُ وَرَسْمَهُ؛ آلَتْ وَلَا شَيءَ أَحْشَدُ لِلْذَّمِّ عَلَى صَاحِبِهَا مِنْهَا، وَلَا شَيْنَ أَشَيْنُ مِنْ أَعْمَالِهِ لَهَا. فَهَذَا فِيْ فَضْلِ الْعِلْمِ لَا تَجْدُ عَاقِلَاً يُخَالِفُكَ فَيْهِ، وَلَا تَرَى أَحدَاً يَدْفَعُهُ أَوْ يَنْفِيْهِ). (١)

стр. 96

وَالْعِلْمُ أَحْصَنُ مَا لَاذَ الْرِّجَالُ بهِ ... مَنْ فَاتَهُ الْعِلْمُ دِيْسَتْ أَرْضُهُ وَرُمِي يَا نَازِلِيْنَ عَلَى الْأَرْحَامِ فِيْ كَنَفٍ ... مِنَ الْأُخُوَّةِ سَامِيْ الْقَدْرِ وَالْعِظَمِ هُبُّوْا عَلَى الْعِلْمِ أَنْفَاسَاً مُبَارَكَةً ... وَرَفْرِفُوْا فِيْهِ أَعْلَامَاً عَلَى عَلَمِ وَاسْتَقْبِلُوْا الْفَوْزَ فِيْ الْعُقْبَى عَلَى عَمَلٍ ... بِالْمِسْكِ مُفْتَتَحِ بِالْمِسْكِ مُخْتَتَمِ (١) أَنْشَدَ ابْنُ أَبِيْ الْدُّنْيَا (ت ٢٨١ هـ) ﵀ كَمْ مِنْ حَسِيبٍ أَخِي عِزٍّ وَطَمْطَمَةٍ ... فَدْمٍ لَدَى الْقَوْمِ مَعْرُوفَاً إِذَا انْتَسَبَا فِي بَيْتِ مَكْرُمَةٍ آبَاؤُهُ نُجُبٌ ... كَانُوا الرُّؤْوسَ فَأَمْسَى بَعْدَهُمْ ذَنَبَا وَخَامِلٍ مُقْرِفِ الْآبَاءِ ذِي أَدَبٍ ... نَالَ الْمَكَارِمَ وَالأَمْوَالَ وَالنَّسَبَا الْعِلْمُ زَيْنٌ وَذُخْرٌ لَا نَفَادَ لَهُ ... نِعْمَ الضَّجِيعُ إِذَا مَا عَاقِلٌ صَحِبَا قَدْ يَجْمَعُ الْمَرْءُ مَالَاً ثُمَّ يُسْلَبُهُ ... عَمَّا قَلِيْلٍ فَيَلْقَى الْذُّلَّ وَالْحَرَبَا وَجَامِعُ الْعِلْمِ مَغْبُوطٌ بِهِ أَبَدَاً ... فَلا تُحَاذِرْ مِنْهُ الْفَوْتَ وَالْسَّلَبَا (٢)

стр. 97

أيها الحمادى، إنَّ هَذا الْكِتَابَ الْطَيِّبَ الْجَامِعَ (١) لِأَهَمِّ الْآثَارِ الْعِلْمِيَّةِ لِأُسْرَتِنَا الْغَالِيَةِ، سَيَبْلُغُ الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ ــ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى ــ، فَحَرِيُّ بِالْأُسْرَةِ «الْحَمَادَى» أَنْ تَحْفَلَ بِهِ، وَتَشَمَّهُ شَمَّ الْوَرْدِ، وَتَضُمَّهُ ضَمَّ الْوَلَدِ، خَاصَةً أَنَّهُ مَلِئٌ بِمُسِيْلَاتِ الْلُّعَابِ مِنَ الْعَنَاوِيْنِ الْجَاذِبَةِ الْفَاتِنَةِ مِنْ كُلِّ فَنِّ وَبَابٍ، وَهُوَ مَفْخَرَةٌ لِلْحَمَادَى أَحْيَاءً وَأَمْوَاتَاً؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ يَحْمِلُ اسْمَهُمْ، وَيَجْعَلُ لَهُمْ مِيْزَانَاً وَمِيْزَانِيَّةً، وَالْسُّمْعَةُ الْطَّيِّبَةُ أَعْظَمُ ثَرَاءً، وَأَحْسَنُ أَثَرَاً. أَكْرِمْ بِذِيْ أَدَبٍ أَكْرِمْ بِذِي حَسَبٍ ... فَإِنَّمَا الْعَزْمُ فِي الْأَحْسَابِ وَالأَدَبِ (٢)

стр. 98

الْعِلْمُ الْطَّيِّبُ حَيَاةٌ طَيِّبَةٌ، فَلْيَسْتَمِرَّ هَذَا الْحَسَبُ الْطَّيِّبُ لِأُسْرَتِنَا الْمُبَارَكَةِ، وَلْيُنُشَرْ مَا فِيْ هَذَا الْنِتَاجِ الْمُبَارَكِ فِيْ الْآفَاقِ. وَمِنْ الْسُّؤْدَدِ وَالْشَّرَفِ أَنْ يَنْشُرَ الْأَبْنَاءُ عِلْمَ الْآبَاءِ وَالأَجْدَادِ، فَالْنَّفْسُ تَجِدُ مُتْعَةً فِيْ تَحَمُّلِ الْعِلْمِ عَنْ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ، وَتَنْشَطُ فِيْ نَشْرِهَا وَتُسْنِدُهَا؛ إِبْقَاءً لِلْشَّرَفِ وَسِلْسِلَةِ الْنَّقَلَةِ، حَتَّى فِيْ أَدَقِّ مَنْهَجٍ وَهُوَ مَنْهَجُ أَهْلِ الْحَدِيْثِ الْنَّبَوِيِّ فَقَدْ كَانُوْا يَحْرِصُوْنَ عَلَى الْنُّزُوْلِ فِيْ الإِسْنَادِ؛ لِأَجْلِ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ، قَالَ ابْنُ رَشِيْدِ الْفِهْرِيُّ (ت ٧٢١ هـ) ﵀: ... ( ... فَكَثِيْرَاً مَا يَتَحَمَّلُوْنَ الْنُّزُوْلَ وَيَدَعُوْنَ الْعُلُوَّ وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ؛ حِرْصَاً عَلَى ذِكْرِهِ عَنِ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ وَإِبْقَاءً لِلْشَّرَفِ وَلِذَلِكَ مَا تَجِدُ الْأَسَانِيْدَ تَنْزِلُ كَثِيْرَاً فِيْ الْمَسَافَةِ فِيْ هَذَا الْنَّوْعِ فَيَدَعُوْنَ الْإِسْنَادَ الْعَالِي؛ إِيْثَارَاً لِطَلَبِ الْمَعَالِي). (١) فَاسْأَلُوْا أَقْلَامَهَا مَا خَطْبُهَا ... تَتَمَشَّى فِيْ الْقَرَاطِيْسِ رِقَاقَا أَيُّهَا الْدَّائِبُ فِيْ تَثْبِيْطِهَا ... وَشُعُوْبٌ دُوْنَهَا حَازُوْا الْسِّبَاقَا

стр. 99

قَوَّضِ الْسَّدَّ الَّذِيْ شَيَّدْتَهُ ... قَبْلَ أَنْ يَجْتَابَهُ الْقَوْمُ اخْتِرَاقَا خُذْ إِلَى صَدْرِكَ كَفَّيْكَ وَدَعْ ... خَيْلَهَا تَعْدُوْ إِلَى الْمَجْدِ انْطِلَاقَا وَقُلِ الْفَصْلَ إِذَا حَدَّثْتَهَا ... فَالرِّيَاءُ الْيَوْمَ لَا يَلْقَى نَفَاقَا أَنْتَ تَبْغِيْهَا خُمُوْلَاً وَإِذَا ... أَهَّبَتْ لِلْصِّيْتِ ضَاعَفْتَ الْوِثَاقَا مَنْ عَذُوْلِيْ إِنْ أَنَا مَجَّدْتُّها ... يَوْمَ تَجْتَاحُ قُيُوْدَاً وَرِبَاقَا (١) دُوْنَكَ الْكِتَابَ (٢)، احْمِلْهُ عَلَى هُوْنٍ، وَاقْرَأهُ مِنْ أَعْلَى: سَلْ عَنْهُ، وَانْطُقْ بِهِ، وَانْظُرْ إِلَيْهِ تَجِدْ ... مِلءَ الْمَسَامِعِ وَالأَفْوَاهِ وَالْمُقَلِ (٣)

стр. 100

وَفَّقَ اللهُ الْجَمِيْعَ، وَسَدَّدَ الْخُطَى، وَبَارَكَ فِيْ الْجُهُوْدِ، وَيَسَّرَ نَشْرَ هَذِهِ الْرَّسَائِلَ وَالْبُحُوْثَ، وَنَفَعَ بِأُسْرَتِنَا الْكَبِيْرَةِ آلِ الْحُمَيْدِيِّ = الْحَمَادَى. وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِيْنَ. كتبه: إبراهيم بن عبد الله المديهش النشرة الرابعة ــ مزيدة ومصححة ــ: (١/ ٢/ ١٤٤٣ هـ) ما ارتضيتُ وضع خلاصة؛ لأن الحماسية لا تُختصَر وما رغبتُ بوضع فهرس؛ لأن الحماسية لا تُجزَّأَ