← Ансаб

Ансаб · id 370

الحمادية

إبراهيم بن عبد الله المديهش

Полный текст (100 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 37

فَالْأُصُوْلُ الْنَّسَبِيَّةُ وَالْأَحْسَابُ الْرَّضِيَّةُ؛ مَرْعِيَّةٌ خَاصَّةً إِذَا انْضَمَّ إِلَيْهَا الْتَّقْوَى وَالْصَّلَاحُ وَالْعِلْمُ الْشَّرْعِيُّ وَنَفْعُ الْمُسْلِمِيْنَ. (١) لِذَا، بِإِحْسَانِكُمْ أَيُّهَا الْحَمَادَى تَزِيْدُوْنَ آبَاءَكُمْ وَأَجْدَادَكُمْ شَرَفاً، كَمَا أَنَّهُمْ زَادُوْكُمْ شَرَفَاً، قَالَ الْمُحِبُّ الْطَّبَرِيُّ (ت ٦٩٤ هـ) ﵀: (إِنَّ شَرَفَ الْأَبْنَاءِ مَنْقَبَةٌ لِلآبَاءِ كَعَكْسِهِ، وَلَمْ تَزلْ الْعَرَبُ تَتَمَدَّحُ بِمَفَاخِرِ آبَائِهِمْ، فَلَا يَبْعُدْ فِيْ الْأبْنَاءِ مِثْلُه، وَاللهُ أَعْلَمُ). (٢) «وَكَمَا يَشْرُفُ الْوَلَدُ بِشَرَفِ الْوَالِدِ، فَقَدْ يَشْرُفُ الْوَالِدُ بِشَرَفِ الْوَلَدِ، وَللهِ دَرُّ ابْنِ الْرُّوْمِيِّ فَيْ قَوْلِهِ:

стр. 38

وَكَمْ أَبٍ قَدْ عَلَا بِابْنٍ ذُرَى حَسَبٍ (١) ... ... كَمَا عَلَتْ بِرَسُوْلِ اللهِ عَدْنَانُ (٢) إِذَنْ «قَدْ يَفِيْضُ شَرَفُ الْإِنْسَانِ حَتَّى يَسْتَطِيْلَ عَلَى مَنْ قَبْلَهُ مِنْ سَلَفِهِ؛ فتَحْيَا رُسُوْمُهُمْ بَعْدَمَا كَانَتْ دَائِرَةً، وَتَعْمُرُ رُبُوْعُهُمْ بَعْدَمَا كَانَتْ غَامِرَةً». (٣) فَـ «الْخَصْلَةُ الْحَمِيْدَةُ تَكُوْنُ مَفْخَرَةً لِمَنْ اتَّصَفَ بَهَا، وَلِمَنْ انتَسَبَ إِلَى مَنِ اتَّصَفَ بِهَا، فَيَشْرُفُ نَسَبُهُ بِذَلِكَ ... وَالْمُنْتَسِبُ إِلَى الْأَشْرَفِ يَجِبُ أَنْ يَكُوْنَ أَشْرَفَ». (٤) و «فَخْرُ الآبَاءِ فَخْرٌ لِلْأَبْنَاءِ، وَعَلَيْهِمْ أَنْ يَعْرِفُوْا ... نِعَمَ اللهِ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الْمَآثِرِ، وَأَنْ يَقُوْمُوْا بِشُكْرِهَا وَذِكْرِها» (٥)، وَأَنْ

стр. 39

يَعْمَلُوْا بِهَا وَيَزِيْدُوْهَا، «وَالْشَّرَفُ يَتَجَدَّدُ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ، وَيَزْدَادُ بِهِ الْشَّرَيْفُ شَرَفَاً». (١) وَإذِا شَارَفْتَ (٢) غَيْرَكَ بِعَرَاقَةِ الْأَصْلِ، وَفَرَاهَةِ الْحَسَبِ، فَلْيَكُنْ بِمَا يَقْتَرِنُهُ مِنْ اتِّسَائِكَ بِأَجْدَادِكَ وَقِيَامِكَ بِمَسَاعِيْهِمْ وَأَكْثَرْ؛ أَمَّا الْافْتِخَارُ مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ، فَادِّعَاءٌ أَجْوَفُ لَا حَقِيْقَةَ لَهُ، وَهُوَ مِنْ طَبَائِعِ الْعَامَّةِ ... لَا الْخَاصَّةِ. (٣) وَلَنْ تَنْفَعُكَ عَرَاقَةُ الْأَصْلِ مَعَ ضَآلَةِ الْحَسَبِ! وَكَمْ مِنْ مَغْمُوْرِ الْنَّسَبِ، عَرِيْقٌ فَارِهُ الْحَسَبِ؟ وَ «لَا مِرَاءَ فِيْ أَنَّ الْأُبُوَّةَ لِلْمَسَاعِيْ لَا لِلْأَنْسَابِ، وَأَنَّ الْاعْتِزَاءَ إِلَى الْذِّكْرِ الْبَاقِيْ لَا إِلَى الْتُّرَابِ». (٤)

стр. 40

أيُّهَا الحمَادَى ــ رَفَعَ اللهُ قَدْرَكُمْ ــ، إِنَّ مَا نُشَاهِدُهُ مِنَ الْخَيْرَاتِ الْعِلْمِيَّةِ، وَالْعَمَلِيَّةِ، مَعَ الْنَّسَبِ وَالْحَسَبِ الْطَّيِّبِ أَصْلَاً وَفَرْعَاً، لَا يَدْعُوْنَا لِلْفَخْرِ وَالْتَّكَاسُلِ، بَلْ عَلَيْنَا أَنْ نَسْعَى فِيْ الْزِّيَادَةِ مِنَ الْخَيْرَاتِ وَالْتُّقَى، لِنَفْعِ أَنْفُسِنا وَرِفْعَتِهَا فِيْ الْدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَعَلَيْنَا الْتَّوَاصِي دَوْمَاً بِالْبُعْدِ عَنْ كُلِّ مَا يُكَدِّرُ هَذِهِ الْنَّتَائِجَ الْطَّيِّبَةَ الْمُتَوَارَثَةَ حِسِّيَّاً وَمَعْنَوِيَّاً، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت ٧٢٨ هـ) ﵀: ( .... فَلِهَذَا كَانَ أَهْلُ الْأَنْسَابِ الْفَاضِلَةِ يُظَنُّ بِهِمُ الْخَيْرَ، وَيُكْرَمُوْنَ لِأَجْلِ ذَلِكَ. فَإِذَا تَحَقَّقَ مِنْ أَحَدِهِمْ خِلَافُ ذَلِكَ، كَانَتْ الْحَقِيْقَةُ مُقَدَّمَةً عَلَى الْمَظِنَّةِ. وَأَمَّا مَا عِنْدَاللهِ فَلَا يَثْبُتُ عَلَى المَظَانِّ وَلَا عَلَى الدَّلَائِلِ، إِنَّمَا يَثْبُتُ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ هُوَ مِنَ الْأَعْمَالِ الْصَّالِحَةِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيْلٍ، وَلَا يَجْتَزِئُ بِالْمَظِنَّةِ؛ فَلِهَذَا كَانَ أَكْرَمُ الْخَلْقِ عِنْدَهُ أَتْقَاهُمْ. فَإِذَا قُدِّرَ تَمَاثُلُ اثْنَيْنِ عِنْدَهُ فِيْ الْتَّقْوَى؛ تَمَاثَلَا فِيْ الْدَّرَجَةِ، وَإِنْ كَانَ أَبُوْ أَحَدِهِمَا أَوْ ابْنُه أَفْضَلَ مِنْ أَبِيْ الْآخَرِ أَوْ ابْنِهِ، لَكِنْ إِنْ حَصَلَ لَهُ بِسَبَبِ

стр. 41

نَسَبِهِ زِيَادَةٌ فِيْ الْتَّقْوَى؛ كَانَ أَفْضَلَ لِزِيَادَةِ تَقْوَاهُ ... ). (١) وَقَالَ ﵀: ( ... تُحْمَدُ الْأنْسَابُ الْفَاضِلَةُ؛ لِأنَّهَا مَظِنَّةُ عَمَلِ الْخَيْرِ؛ فَأَمَّا إِذَا ظَهَرَ الْعَمَلُ، فَالْجَزَاءُ عَلَيْهِ، وَأَكْرَمُ الْخَلْقِ عِنْدَاللهِ أَتْقَاهُمْ). (٢) أيُّهَا الحمَادَى ــ أَسْعَدَكُمُ اللهُ وَأَسْعَدَ بِكُمْ ــ «إِنَّ شَرَفَ الْنَّسَبِ يُتَقَوَّمُ مِنْ شَرَفِ الْقَوْمِ وَشَرَفِ الْعَشِيْرَةِ، وَمِنْ نَزَاهَةِ سِلْسِلَةِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ عَنْ أَنْ يَلْتَصِقَ بِهِمَا مَا يَثْلُمُ ذَلِكَ الْشَّرَفَ، وَيَعُوْدُ نَقْصُهُ بِفَضَاضَةٍ فِيْ شَرَفِ الْخَلَفِ» (٣)، وَ «الْأَنْسَابُ لَيْسَتْ مِنْ كَسْبِ الْإِنْسَانِ حَتَّى يَكُوْنَ قُرْبَةً تَجُرُّ الْأَجْرَ، أَوْ مَفْخَرَةً تَرْفَعُ الْذِّكْرَ، وَإِنَّمَا يُثَابُ الْعَامِلُ عَلَى كَسْبِهِ وَيَفْخَرُ الْفَاخِرُ بِعَمَلِهِ». (٤)

стр. 42

قَالَ الْطَّاهِرُ ابْنُ عَاشُوْرٍ (ت ١٣٩٣ هـ) ﵀: (لَا يُعَدُّ الْنَّسَبُ مِنَ الْفَضَائِلِ الْذَّاتِيَّةِ، وَإِنَّمَا يُعَدُّ فَضِيْلَةً مِنْ حَيْثُ هُوَ وَسِيْلَةٌ إِلَى نَمَاءِ الْفَضَائِلِ فِيْ الْنَّفْسِ الْمَطْبُوْعَةِ عَلَى الْفَضِيْلَةِ، وَقُدْوَةٌ لِلْخَلَفِ يَأَتَسُوْنَ بِهَا آثَارَ أَسْلَافِهِمْ فِيْ مُرْتَقَىْ الْكَمَالِ، فَيَحْصُلَ مِنْ ذَلِكَ كَمَالَانِ: كَمَالُ الْذَّاتِ وَكَمَالُ الْقُدْوَةِ؛ وَمِنْ حَيْثُ هُوَ قَاطِعٌ لِأَلْسِنَةِ الْحَاسِدِيْنَ الَّذِيْنَ يَحْسِدُوْنَ أَهْلَ الْكَمَالِ عَلَى كَمَالِهِمْ، وَالْمُعَانِدِيْنَ لِكُلِّ مَنْ يَدْعُوْهُمْ إِلَى خَلْعِ ذَمِيْمِ أَعْمَالِهِمْ، فَإِذَا لَمْ يَجِدُوْا مَغْمَزَاً فِيْمَنْ حَسَدُوْهُ وَعَانَدُوْهُ الْتَمَسُوْا لَهُ مَا يَحُفُّ بِهِ مِنَ الْعَوَارِضِ، وَلَا شَيْءَ يَحُفُّ بِالْمَرْءِ أَشَدُّ بِهِ تَعَلُّقَاً مِنْ حَالِ آبَائِهِ). (١) قَالَتْ الْأَدِيْبَةُ جَدِيْلَةٌ: «الْنَّسَبُ الْجَلِيْلُ أُعْطِيَةٌ رَبَّانِيَّةٌ، لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَعْنَى لَمَا اصْطَفَى اللهُ ﵎ رَسُوْلَهُ ﷺ مِنْ أَعْرَقِ الْأَنْسَابِ، لَكِنَّ آفَتَهُ: أَنَّهُ قَدْ يُكْسِبُ الْخَاوِيَ وَهْمَ الْفَوْقِيَّةِ وَهُوَ لَوْ بِيْعَ فِيْ سُوْقِ الْمَجْدِ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، مَا اشْتَرَاهُ أَحَدٌ ... فَتَجِدُ الْعَارِيَ مِنَ الْعِلْمِ وَالْخُلُقِ وَالْمُرُوْءَةِ يَزْدَرِيْ مَنْ زَيَّنَهُ اللهُ بِهَذِهِ الْأَمْجَادِ؛ اتِّكَالَاً عَلَى مَحْتَدِهِ». (٢)

стр. 43

قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: «لَا يَكُوْنُ الْشَّرَفُ بِالْنَّسَبِ (١)! أَلَا تَرَى أَنَّ أَخَوَيْنِ لِأَبٍ وَأُمٍّ يَكُوْنُ أَحَدُهُمَا أَشْرَفَ مِنَ الْآخَرِ؟! وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ النَّسَبِ لَمَا كَان لأحَدٍ مِنْهُمْ عَلَى الآخَرِ فَضْلٌ، لِأَنَّ نَسَبَهُمَا وَاحِدٌ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الْأَفْعَالِ؛ لِأَنَّ الشَّرَفَ إِنَّمَا هُوَ بِالْفَضْلِ لَا بِالْنَّسَبِ». قَالَ الْشَّاعِرُ: أَبُوْكَ أَبِيْ وَالْجَدُّ لَا شَكَّ وَاحِدٌ ... وَلَكِنَّنَا عُودَانِ آسٌ وخِرْوَعُ (٢)

стр. 44

إِنِّيْ أُحِيْلُكُمْ أَيُّهَا الْحَمَادَى عَلَى أَنْسَابِكُمْ فَهِيَ أَرْحَامٌ، وَعَلى دِيْنِكُمْ فَهُوَ عُرْوَةُ اعْتِصَامِ، وَعَلَى أَدَبِكُمْ وَمُرُؤْآتِكُمْ فَهِيَ قِوَامٌ، وَعَلَى خَصَائِصِكُمْ وَسِمَاتِكُمْ فَهِيَ شَرَفٌ وَذِمَامٌ. أَنْتُمْ أَبْنَاءُ عَمِّ قَرِيْبُوْنَ، رَحِمٌ مَاسَّةٌ، وَأَعْرَاضٌ مَحْفُوْظَةٌ، «الْقَرَابَةُ مَوْضِعُ الْثَّوَابِ وَالْعِقَابِ عِنْدَ اللهِ، وَالْعِرْضُ مَحَلُّ الْمَدْحِ وَالْذَّمِّ عِنْدَ الْنَّاسِ» (١)، فَحَافِظُوْا عَلَى سُمْعَتِكُمْ، وَقُوْمُوْا عَلَى الْمُرُوْءَةِ وَالْآدَابِ فِيْ خَطٍّ مُسْتَقِيْمٍ، كَاسْتِقَامَةِ قُلُوْبِكُمْ، فَاللهَ اللهَ ... آلَ الْحُمَيْدِيِّ بِخِلَالٍ وَخِصَالٍ، وَهِمَمٍ تَتَشَقَّقُ عَنْ فِعَالٍ، نُرِيْدُ بِنَاءَ مَآثِرَ، وَتَشْيِيْدَ أَمْجَادٍ وَمَحَامِدَ، نُرِيْدُ رُؤْيَةَ مَسَاعٍ مِنَ الْكِرَامِ إِلَى الْمَكَارِمِ، وَدَوَاعٍ مِنَ الْعُظَمَاءِ إِلَى الْعَظَائِمِ، نُرِيْدُ عَزَائِمَ لَا تَعْرِفُ الْهَزَائِمَ، وَعِزَّةً وَكَرَامَةً، وَشِدَّةً فِيْ الْحِفَاظِ وَصَرَامَةً، اللهَ اللهَ أَيُّهَا الْحَمَادَىَ بِطَمُوْحٍ وَجَمُوْحٍ: طَمُوْحٌ إِلَى مَنَازِلِ الْعِزِّ، وَجَمُوْحٌ عَنْ مَوَاطِنِ الْذُّلِّ، نُرِيْدُ رُجُوْلَةً وَبُطُوْلَةً، وَأَصَالَةً وَفُحُوْلَةً، وَطَبْعَاً أَصِيْلَاً، وَرَأَيَاً جَلِيْلَاً، وَلِسَانَاً بِالْبَيَانِ بَلِيْلَاً، وَعَقْلَاً عَلَى الْحِكْمَةِ دَلِيْلَاً. (٢)

стр. 45

قَالَتْ الْأَدِيْبَةُ جَدِيْلَةٌ: (يُوْصَفُ طَرِيْقُ الْمَجْدِ دَائِمَاً أَنَّهُ شَاقٌّ مَحْفُوْفٌ بِالْمَكَارِهِ، مَعَ أَنَّ طَرِيْقَ الْكَسَلِ وَالْتَّوَانِيْ أَشَدُّ شُقَّةً وَعَذَابَاً مِنْهُ ... لِكَنَّ مَكَارِهَ الْكَسَلِ مُؤَجَّلَةٌ، وَمَكَارِهَ الْمَجْدِ مُعَجَّلَةٌ فِيْ أَوَّلِهِ ... كِلَا الْطَّرِيْقَيْنِ يَغْشَى سَالِكُهُمَا الْكَبَدَ وَالْعَنَاءَ، لَا رَاحَةَ عَلَى أَرْضِ الْدُّنْيَا، فَاخْتَرْ أَيَّ عَنَاءٍ شِئْتَ). (١) قَاْلَ شَكِيْبْ أَرْسَلَانْ (ت ١٣٦٦ هـ) ﵀: (وَلَمَّا كَانَ مِنَ الْحَقَائِقِ الْعِلْمِيَّةِ الْثَّابِتَةِ الْمُقَرَّرَةِ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ وَالْحُكَمَاءِ، كَمَا هِيَ مُقَرَّرَةٌ عِنْدَ الْأُدَبَاءِ وَالْشُّعَرَاءِ: أَنَّ الْأَخْلَاقَ وَالْمُيُوْلَ وَالْنَّزَعَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ تُتَوَارَثُ كَمَا تُتَوَارَثُ الْأَمْرَاضُ وَالْأَعْرَاضُ الْصِّحِّيَّةِ، وَالْدِّمَاءُ الْجَارِيَةِ فِيْ الْعُرُوْقِ، فَقَدْ كَانَ لَابُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْأَنْسَابِ حَتَّى يَسْعَى كُلُّ فَرِيْقٍ فَيْ إِصْلَاحِ نَوْعِهِ بِطَرِيْقِ الْتَّرْقِيَةِ وَالْتَّهْذِيْبِ، ضِمْنَ دَائِرَةِ الْدَّمَوِيَّةِ، بِحَسَبِ اسْتِعْدَادِهَا الْفِطْرِيِّ؛ لِأَنَّ الْاجْتِهَادِ فِيْ تَنْمِيَةِ الْقَرَائِحِ الْطَّبِيْعِيَّةِ وَالْمَوَاهِبِ الْلَّدُنِيَّةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُثْمِرَ ثَمَرَهُ فِيْ قَبِيْلٍ إِذَا جَاءَ مُعَاكِسَاً لِاسْتِعْدَادِهِ الْفِطْرِيِّ، وَهَذِهِ الْاسْتِعْدَادَاتُ

стр. 46

أَحْسَنُ دَلِيْلٍ عَلَيْهَا هُوَ عِلْمُ الْأَنْسَابِ). (١) وَهَذَا مَا يُقَالُ عَنْهُ: الْعِرْقُ دَسَّاسٌ = نَزَّاعٌ، وُيَسَمِّيْ بَعْضُهُمْ مِيْرَاثَ الْأَبْنَاءِ طَبَائِعَ الْأَجْدَادِ: قَانُوْنَ الْرَّجْعَةِ، أَوْ مُمَاثَلَةَ الْجُدُوْدِ، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ يَعُوْدُ عَلَى صُوْرَةِ أَجْدَادِهِ الْأَوَّلِيْنَ كَمَا قَالَهُ كُرْدْ عَلِيِّ ... (ت ١٣٧٢ هـ) ﵀، وَقَالَ أَيْضَاً: «وَقَلَّ أَنْ تَخَلَّفَتْ قَاعِدَةُ الْوِرَاثَةِ حَتَّى بَعْدَ قُرُوْنٍ طَوِيْلَةٍ». (٢) وَبَعْضُهُمْ يَعْتَبِرُ تَخَلُّفَ طِبَاعِ الْفُرُوْعِ عَنِ الْأُصُوْلِ عَلَامَةَ هُجْنَةٍ وَدَخَنٍ. (٣)

стр. 47

وَالْعَرَبُ تَقُوْلُ: عِرْقُ الْسُّوْءِ يَنْجُثُ (١) وَلَو بَعْدَ حِيْنٍ. أَيْ: يُسْتَخْرج مِنْهُ مَا هُوَ كَامِنٌ فِيْهِ. (٢) رُوِي عَن عُثْمَان بْنِ أَبِي العاص ﵁ أنه قَالَ: «النَّاكِحُ مُغْتَرِسٌ، فَلْيَنْظُرْ أَيْنَ يَضَعُ غَرْسَهُ، فَإِنَّ عِرْقَ الْسُّوْءِ لَا بُدَّ أَنْ يَنْزِعَ وَلَوْ بَعْدَ حِيْنٍ». (٣) قَالَ أَكْثَمُ بْنُ صَيْفِيِّ لِبَنِيْهِ: «يَا بَنِيَّ، لَا يَغْلِبَنَّكُمْ جَمَالُ الْنِّسَاءِ عَنْ صَرَاحَةِ الْنَّسَبِ، فَإِنَّ الْمَنَاكِحَ الْكَرِيْمَةَ مَدْرَجَةٌ لِلْشَّرَفِ». (٤) إِذَنْ تُؤثِّرُ الْأَعْرَاقُ ــ حَسَنَةً كَانَتْ أَوْ سَيِّئَةً ــ فِيْ الْأَحْفَادِ = الْوِرَاثَةِ، فَيَفْتَخِرُوْنَ بِحُسْنِهَا، وَيُهْجَوْنَ بِمَسَاوِئِهَا، وَيَتجَنَّبُهُمْ الْنَّاسُ لِأَجْلِهَا، لِذَا عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْحَمَادَىَ ــ أَكْرَمَكُمُ اللهُ بِطَاعَتِهِ، وَرَفَعَ قَدْرَكُمْ ــ أَنْ تُحَافِظُوْا عَلَى الْأَعْرَاقِ الْطَّيِّبَةِ الَّتِيْ تَنِضُّ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالْشِّيَمِ وجَمِيْلِ الْطَّبَائِعِ،

стр. 48

وَأَنْ تُجَدِّدُوْا الْمَآثِرَ وَتُحْسِنُوْا، ثُمَّ تَعُوْدُوْا، ثُمَّ تَتَعَاهَدُوْهَا بِاسْتِمْرَارٍ؛ لِيَرِثَ أَحْفَادُكُمْ الْمَكَارِمَ وَالْسُّمْعَةَ الْطِّيِّبَةَ. (١) قَاْلَ شَكِيْبْ أَرْسَلَانْ (ت ١٣٦٦ هـ) ﵀: (وَنَحْنُ لَوْ نَظَرْنَا إِلَى الْسَّبَبِ فِيْ حِفْظِ الْنَّسَبِ، لَا نَجِدْهُ مُنْحَصِرَاً فِيْ مَعْرِفَةِ الْتَّارِيْخِ، وَلَا فِيْ الْامْتِيَازَاتِ الْمَادِّيَّةِ الَّتِيْ يَحُوْزُهَا أَصْحَابُ الْنَّسَبِ فِيْ الْعَادَةِ، وَلَكِنْ هُنَاكَ غَرَضٌ آَخَرَ مِنْ ذَا وَ ذَا، وَهُوَ: تَوَارُثُ الْأَخْلَاقِ الَّتِيْ تَهْتِفُ بِالْفَضَائِلِ وَالْأَفْعَالِ الْمَجِيْدَةِ الَّتِيْ تُزَكِّيْ الْأَنْفُسَ. فَمِنَ الْمَعْلُوْمِ أَنَّ أَصْلَ الْبُيُوْتِ الْشَّرِيْفَةِ هُوَ أَنْ يَبْرُعَ أَحَدُ الْنَّاسِ عَلَى أَقْرَانِهِ، وَيَبُذَّ أَبْنَاءَ زَمَانِهِ بِطَبِيْعَةٍ مُمْتَازَةٍ فِيْهِ، قَدْ تَكُوْنُ أَسْبَابُهَا الْنَّفْسِيَّةِ مَجْهُوْلَةً، وَإِنَّمَا آثَارُهَا فِيْ أَفْعَالِهِ، فَيَمْتَازُ بَيْنَ قَوْمِهِ، وَتَحْصُلُ لَهُ رِئَاسَةٌ وَسُؤْدَدٌ، وَيَشِيْعُ ذِكْرُهُ، وَيَرْتَفِعُ شَأَنُهُ، وَتَتَمَنَّى الْحَامِلُ أَنْ تَلِدَ مِثْلَهُ، وَهَذَا يُقَالُ لَهُ: الْمَجْدُ الْطَّرِيْفُ.

стр. 49

وَبَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَعْقَبَ نَسْلَاً، اجْتَهَدَ نَسْلُهُ أَنْ يَقْتَدُوْا بِهِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، حَتَّى يَمْتَازُوْا بِالْأَخْلَاقِ الَّتِيْ امْتَازَ بِهَا أَبُوْهُمْ، وَيَحُوْزُوْا مِثْلَ مَا حَازَ مِنَ الْشَّرَفِ وَالْسُّؤْدَدِ، وَتَعِبَ رَهْطُهُمْ فِيْ تَقْوِيَةِ هَذِهِ الْرُّوْحُ فِيْهِمْ؛ طَمَعَاً فِيْ اسْتِبْقَاءِ هَذِهِ الْغَرَائِزِ الَّتِيْ أَوْرَثَهُمْ إِيَّاهَا سَلَفُهُمْ، وَهِيَ الَّتِيْ تُغْرِيْهِمْ بِالْفَضَائِلِ، وَتُبْعِدُهُمْ عَنِ الْرَّذَائِلِ، وَتَرْتَفِعُ بِهِمْ عَنْ سَفَاسِفِ الْأُمُوْرِ، وَيُقَالُ لِهَذَا: الْمَجْدُ الْتَّلِيْدُ. وَلِهَذَا كَانَ مِنْ الْعَادَةِ أَنَّهُ إِذَا أَقْدَمَ أَحَدُ أَبْنَاءِ الْبُيُوْتَاتِ الْكَرِيْمَةِ عَلَى عَمَلٍ خَسِيْسٍ، كَانَ أَوَّلَ مَا يُقَرِّعُهُ الْنَّاسُ، وَيُهَيِّبُوْنَ بِهِ إِلَى الْتَّوْبَةِ مِنْهُ، أَنْ يَقُوْلُوْا لَهُ: أَفَلَسْتَ أَنْتَ ابْنَ فُلَانٍ؟! أَوْ مِنْ آلِ فُلَانٍ؟! أَيَجْمُلُ بِكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا هُوَ كَذَا وَكَذَا؟!! فَمَا تَرَكْتَ لِلْسُّوْقَةِ وَالْطَّغَامِ؟! وَأَشْبَاهُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الَّتِيْ تَدُلُّ دِلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّ الْأَصَالَةَ مَفْرُوْضٌ فِيْهَا أَنْ تَقْتَرِنَ بِالْنَّبَالَةِ، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى: إِنَّ الْأَصِيْلَ فِيْ نَسَبِهِ يَنْبَغِيْ أَنْ يَكُوْنَ فَاضِلَاً فِيْ عَمَلِهِ، بَارِعَاً بِأَدَبِهِ، وَمَا جَاءَ عَلَى خِلَافِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ يُعَدُّ شَاذَّاً. فَإِذَا تَقَرَّرَ عِنْدَنَا هَذَا، تَقَرَّرَ أَنَّ حِفْظَ الْنَّسَبِ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ حِفْظِ الْفَضَائِلِ، وَإِمْتَاعِ الْمُجْتَمَعِ بِهَا، وَمَتَى كَثُرَتِ الْفَضَائِلُ فِيْ الْمُجْتَمَعِ؛ تَرَقَّتِ

стр. 50

الْأُمَّةُ وَعَرَجَتْ فِيْ سُلَّمِ الْنَّجَاحِ، وَأَصْبَحَتْ أُمَّةً عَزِيْزَةً غَالِبَةً؛ لِأَنَّ الْأَخْلَاقَ الْفَاضِلَةَ هِيَ الْأَسَاسُ الَّتِيْ يُبْنَى عَلَيْهِ كَيْانُ الْأُمَمِ). (١) قَالَ الْبَشِيْرُ الْإِبْرَاهِيْمِيُّ الْجَزَائِرِيُّ (ت ١٣٨٥ هـ) ﵀: (وَمَتَى شَعُرَ الْإِنْسَانُ الْصَّحِيْحُ الْفِطْرَةِ بِزَكَاءِ الْأَصْلِ وَطَهَارَةِ الْمَنْبَتِ؛ تَحَرَّكَتْ فِيْهِ نَوَازِعُ الْنَّخْوَةِ، وَهَاجَتْ بِهِ عُرُوْقُ الْأَصَالَةِ وَالْعِتْقِ، فَكَانَ ذَلِكَ دَاعِيَةً لَهُ إِلَى الْعُزُوْفِ عَنِ الْدَّنَايَا، وَالْتَّعَلُّقِ بِأَسْبَابِ الْشَّرَفِ وَالْكَمَالِ، وُحُسْنِ الْتَأَسِّيْ فِيْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ. وَبَعْضُ هَذَا هُوَ سِرُّ سُلُوْكِ الْمُرَبِّيْنَ لِلْأُمَمِ فِيْ إِشْرَابِهَا تَارِيْخَهَا، وَاسْتِنَارَتِهَا بِسِيَرِ أَمْجَادِهَا وَأَبْطْاَلِهَا ... ). (٢) إِنَّ عَرْضَ مَآثِرِ الْأَجْدَادِ الْطَّيِّبَةِ، وَنَقْلَ مَوَاقِفِهِمْ وَقَصَصِهِمْ؛ تَبْعَثُ عَلَى الْمُحَاكَاةِ، فَيَثْبُتَ الْخَيْرُ فِيْ الْأَبْنَاءِ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ، «وَالْنُّفُوْسُ تُؤْخَذُ بِالْاحْتِذَاءِ وَالْمُحَاكَاةِ أَكْثَرَ مِمَّا تُؤْخَذُ بِالْجِبِلَّةِ وَالْطَّبْعِ» (٣) وَبِثَبَاتِهِ لَا يَحْتَاجُ

стр. 51

الْأَحْفَادُ إِلَى بَحْثٍ وَمُسَاءَلَةٍ عَنْ مَحَاسِنِ أَجْدَادِهِمْ، مَادَامَتْ مُوَثَّقَةً حَرْفَاً وَصَوْتَاً، فَمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اسْتِبَانَتِهِ إِلَّا أَنْ يَسْمَعَ وَاعٍ فَيُطْرِقُ، وَيَرَى مُبْصِرُ فيُحْدِقُ مُسْتَبْشِرَاً، ثُمَّ يَرْتَعُ تَالِيَاً دَاعِيَاً مُسْتَحْفِظَاً. قَالَ الأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ (ت ٦٧ هـ) ﵀: (لَا يَزَالُ الْعَرَبُ بِخَيْرٍ مَا تَذَاكرُوْا الْأَحْسَابَ وَأَحْيَوْهَا، وَأَخَذُوْا بِصَالِحِ مَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُهُمْ وَأَغْلَظُوْا وَلَمْ يَكُوْنُوْا فَوْضَى، وَتَعَايَرُوْا الْدَّنَاءَةَ، وَأَقَالُوْا الْأَحْيَاءَ، وَأَعْفَوْا الْأَمْوَاتَ، وَلَمْ يَعُدُّوا الْحِلْمَ ذُلَّاً). (١) قِيْلَ: لَا زِيْنَةَ أَحَسَنُ مِنْ زِيْنَةِ الْحَسَبِ، وَلَا حَسَبَ لِمَنْ لَا أَدَبَ لَهُ، (٢) وَلَا أَدَبَ لِمَنْ لَا مُرُوْءَةَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْأَدَبِ مِمَّنْ لَا حَسَبَ لَهُ؛ بَلَغَ بِهِ أَدَبُه مَرَاتِبَ ذَوِيْ الْأَحَسَابِ. (٣)

стр. 52

قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ (ت ١١٠ هـ) ﵀ ضِمْنَ نَصِيْحَتِهِ لِلْخَلِيْفَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِالْعَزِيْزِ -رحمهما الله-: ( .... عَلَيْكَ بِذَوِي الْأَحْسَابِ، فَإنَّهُمْ إِنْ لَمْ يَتَّقوا اسْتَحْيَوْا، وَإِنْ لَمْ يَسْتَحْيَوْا تَكَرَّمُوْا). عَلَّقَ أَبُوْحَيَّانَ الْتَّوْحِيْدِيُّ ﵀ بِقَوْلِهِ: صَدَقَ وَاللهِ الْحَسَنُ ... ــ وَكَانَ صَدُوْقَاً ــ وَقَدْ رَأَيْتُ مَنْ تَوَقَّى بِحَسَبِهِ مَا لَمْ يَتَوقَّهُ ذُوْ الْوَرَعِ بِوَرَعِهِ. (١) قَالَ الجَاحِظُ (ت ٢٥٥ هـ) ﵀: (هَلْ الْمَجْدُ إلَّا كَرَمُ الْأَرُوْمَةِ وَالْحَسَبِ، وَبُعْدُ الْهِمَّةِ وكَثْرَةُ الأَدَبِ، وَالْثَّبَاتُ عَلَى الْعَهْدِ إِذَا زَلَّتْ الْأَقْدَامُ، وَتَوْكِيْدُ الْعَقْدِ إِذَا انْحَلَّتْ مَعَاقِدُ الْكِرَامِ، وَإِلَّا الْتَّوَاضُعُ عِنْدَ

стр. 53

حُدُوْثِ الْنِّعْمَةِ، وَاحْتِمَالُ كُلِّ الْعَثْرَةِ، وَالْنَّفَاذُ فِيْ الْكِتَابَةِ، وَالْإِشْرَافُ عَلَى الْصِّنَاعَةِ. وَالْكِتَابُ هُوَ الْقُطْبُ الِّذِيْ عَلَيْهِ مَدَارُ عِلْمِ مَافِيْ الْعَالَم وَآدَابِ الْمُلُوْكِ، وَتَلْخِيْصُ الْأَلْفَاظِ وَالْغَوْصُ عَلَى الْمَعَانِي الْسِّدَادِ ..... ). (١) ذُكِرَتِ البُيوتَاتُ عِنْدَ الْخَلِيْفَةِ الأُمَوِيِّ: هِشَامِ بْنِ عَبْدِالمَلِكِ ... (ت ١٢٥ هـ) ﵀ فَقَالَ: الْبَيْتُ مَا كَانَ لَهُ سَالِفَةٌ، وَلَاحِقَةٌ، وَعِمَادُ حَالٍ، وَمَسَاكُ دَهْرٍ. فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ بَيْتٌ قَائِمٌ. أَرَادَ بِالْسَّالِفَةِ مَا سَلَفَ مِنْ شَرَفِ الْآبَاءِ، وَالْلَّاحِقَةِ مَا لَحِقَ مِنْ شَرَفِ الْأَبْنَاءِ، وَبِعِمَادِ الْحَالِ: الْثَّرْوَةُ، وَبِمَسَاكِ الدَّهْرِ: الْجَاهُ عِنْدَ الْسُّلْطَانِ. (٢) فَالْحَسَبُ حَسَبُ الْنَّفْسِ، مَعَ الْاعْتِدَادِ بِحَسَبِ الْآبَاءِ، وَاحْتِسَابِهَا كَمَا سَبَقَ فِيْ قَوْلِ ابْنِ جَرِيْرِ الْطَّبَرِيِّ، وَلَا يَصِحُّ تَرْكُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، قَالَ عِزُّ الْدِّيْنِ الْأَزْدِيِّ الْمُهَلَّبِيُّ (ت ٦٤٤ هـ) ﵀: (الْاقْتِصَارُ عَلَى مَآثِرِ

стр. 54

الْجُدُوْدِ وَأَفْعَالِ الْآبَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُضَافَ إِلَيْهَا مِنْ أَفْعَالِ الْنَّفْسِ؛ نَقْصٌ، وَتَرْكُ مَآثِرِ الْآبَاءِ مِنْ غَيْرِ اعْتَدَادٍ بِهَا؛ جَهْلٌ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؛ ... فَضْلٌ ... ). (١) بِمَا سَبَقَ، وَغَيْرُهُ، حُقَّ لَنَا نَحْنُ الْحَمَادَى أَوَّلَاً، وَآلُ هُوَيْمِلٍ ثَانِيَاً، وَآلُ أَبِيْ رَبَّاعٍ (٢) = «أُشَيْقِرْ» ثَالِثَاً، وَبَنُوْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ رَابِعَاً أَنْ نَفْرَحَ بِالْأَحْسَابِ وَالْمُنْجَزَاتِ، وَنَتَحَدَّثَ عَنْهَا كُلِّهَا حَامِدِيْنَ اللَّهَ ، شَاكِرِيْنَهُ مُثْنِيْنَ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، مُصَلِّيْنَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ. ثُمَّ شَاكِرِيْنَ كُلَّ مَنْ قدَّم لِلْحَمَادَى خَيْرَاً مِنَ الْأَفْكَارِ وَالْمُخَطَّطَاتِ وَالْأَعْمَالِ الْجَلِيْلَةِ الْصَّادِقَةِ الْصَّالِحَةِ الْمُثْمِرَةِ خَيْرَاً لِلْجَمِيْعِ، فَجَزَى اللهُ خَيْرَ الْجَزَاءِ مَنْ قَدَّمَ لِلْحَمَادَى خَيْرَاً.

стр. 55

أيُّهَا الحمَادَى ــ أَسْعَدَكُمُ اللهُ فِيْ الْدَّارَيْنِ ــ لَا يَظُنُّ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنَّ هَذَا الْمَوْضُوْعَ مِنْ بَابِ الْفَخْرِ بِالْأَحْسَابِ، الَّذِي وَرَدَ الْنَّهْيُ فِيْهِ، كَمَا فِيْ حَدِيْثِ أَبِيْ مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ ﵁ أَنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَرْبَعٌ فِيْ أُمَّتِيْ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَتْرُكُوْنَهُنَّ: الْفَخْرُ فِيْ الْأَحْسَابِ، وَالْطَّعْنُ فِيْ الْأَنْسَابِ، وَالْاسْتِسْقَاءُ بِالْنُّجُوْمِ، وَالْنِّيَاحَةُ ... ». (١) هَذَا الْكِتَابُ «الْحَمَادية»، مَا ذُكِرَ مِنْ بَابِ الْفَخْرِ بِالْأَحْسَابِ (٢)، بَلْ

стр. 56

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 57

لِأَهْدَافٍ سَبَقَ ذِكْرُهَا، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْفَخْرِ، فَهُوَ فِيْ الْفَخْرِ الْمَحْمُوْدِ بمَآثِرَ وَأَعْمَالِ الْأُسْرَةِ الْمُبَارَكَةِ، وَ بِالْنِّتَاجِ الْعِلْمِيِّ الْطَّيِّبِ لِلْحَمَادَى، فَخْرَاً لَا يُقْصَدُ بِهِ الْتَّكَبُّرُ وَالْاسْتِعْلَاءُ وَالْرُّكُوْنُ إِلَيْهِ دُوْنَ الْجِدِّ وَالْاهْتِمَامِ فِيْ الْازْدِيَادِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْتَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللهِ ، وَالْفَرَحُ بِفَضْلِهِ، وَالْتَّذَكِيْرُ بِالْخَيْرَاتِ؛ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، وَالْازْدِيَادِ مِنْهَا، وَالْاسْتِفَادَةِ

стр. 58

مِنْهَا، وَالْنَّفْعِ بِهَا، وَنَشْرِهَا. قَالَ الْطِّيْبِيُّ (ت ٧٤٣ هـ) ﵀: (الْمُفَاخَرَةُ نَوْعَانْ: مَذْمُوْمَةٌ وَمَحْمُوْدَةٌ، فَالْمَذْمُوْمُ مِنْهَا مَا كَانَ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ مِنَ الْفَخْرِ بِالْآبَاءِ وَالْأَنْسَابِ؛ لِلْسُّمْعَةِ وَالْرِّيَاءِ. وَالْمَحْمُوْدُ مِنْهَا مَا ضُمَّ مَعَ الْنَّسَبِ الْحَسَبُ فِيْ الْدِّيْنِ، لَا رِيَاءً، بَلْ إِظْهَارَاً لِأَنْعُمِهِ تَعَالَى عَلَيْهِ). (١) عَلَى أَنَّ الْفَخْرَ لَيْسَ مَدْحَاً فِيْ كُلِّ صُوَرِهِ، نَعَمْ ذَكَرَ ابْنُ رُشَيْق ... (ت ٤٦٠ هـ تَقْرِيْبَاً) أَنَّ الْفَخْرَ هُوَ الْمَدِيْحُ نَفْسُهُ، لَكِنْ ثَمَّةَ مَنْ خَالَفَ كَالْرَّافِعِيِّ وَذَكَرَ أَنَّ حَقِيْقَةَ الْفَخْرِ (لَيْسَتْ مَدْحَاً كَمَا قِيْلَ، وَلَكِنَّهَا تَارِيْخٌ، وَسَوَاءٌ فِيْ مَعْنَى التَّارِيْخِ فَضِيْلَةُ الْفَرْدِ وَفَضِيْلَةُ الْجَمَاعَةِ .... وَعَلَى هَذَا الْتَّأَوِيْلِ نَرَى الْفَخْرَ فِطْرَةً فِيْ الْعَرَبِ، فَلَا يَكَادُ الْسَّيِّدُ مِنْهُمْ يَأَتِيْ عَمَلَاً إِلَّا تَنَاوَلَهُ شَاعِرُ قَبِيْلَتِهِ وَفَخَرَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لِسَانُ الْقَبِيْلَةِ وَمُؤَرِّخُ

стр. 59

أَحْسَابِهَا، وَإِذَا فَخَرَ أَحَدُهُمْ بِفَضِيْلَةٍ فِيْ نَفْسِهِ كَالْشَّجَاعَةِ أَوْ الْكَرَمِ أَوْ غَيْرِهِمَا، فَإِنَّمَا يَكُوْنُ ذَلِكَ فِيْ مَعْرِضِ الْتَّذْكِيْرِ بِهَذِهِ الْفَضِيْلَةِ، وَاسْتِشْهَادِ التَّارِيْخِ الْحَيِّ عَلَيْهَا، أَوْ يَكُوْنُ تَوْطِيْنَاً لِنَفْسِهِ وَتَحْمِيْسَاً لَهَا بِمَا يُهَيِّجُ مِنْ كِبْرِيَائِهَا، كَمَا يُغَنِّيْ الْشُّجَاعُ فِيْ الْحَرْبِ، وَكَمَا يُنَبِّهُ عَنْ نَفْسِهِ عِنْدَ الْضَّرْبَةِ الْقَاضِيَةِ وَالْطَّعْنَةِ الْنَّافِذَةِ؛ وَهَذَا هُوَ بَابُ الْحَمَاسَةِ). (١) وَالْصَّوَابُ ــ وَاللهُ أَعْلَمُ ــ أَنَّ الْفَخْرَ لَايَأَخُذُ حُكْمَاً وَاحِدَاً مَدِيْحَاً أَوْ غَيْرَهُ، وَإِنِّمَا يُحْكُمُ عَلَيْهِ حَسَبَ بَاعِثِهِ، وسِيَاقِهِ، وَالْقَرَائِنِ الْمُحْتَفَّةِ بِالْقَائِلِ وَالْمَقُوْلِ وَالْحَالِ؛ فَمِنْهُ: مَا هُوَ مَدْحٌ مَحْمُوْدٌ، وَمِنْهُ مَاهُوَ مَدْحٌ مَذْمُوْمٌ، وَمِنْهُ مَا هُوَ عَرْضٌ تَارِيْخِيٌّ مُجَرَّدٌ لا يُقْصَدُ فِيْهِ الْمَدِيْحَ، وَرُبَّمَا يَأَتِيْ الْفَخْرُ وَيُقْصَدُ بِهِ أَوَّلَ مَا يُقْصَدُ الْهِجَاءُ، كَمَنْ يُعَدِّدُ مَفَاخِرَ جَمَاعَةٍ فِيْ مَعْرِضِ الْحَدِيْثِ عَنْ جَمَاعَةٍ أُخْرَى ... وَالْحَدِيْثُ هُنَا عَنْ مَآثِر الحَمَادَى، وَنِتَاجِهِمِ الْعِلْمِيِّ، جَاءَ لِلْدِّلَالَةِ وَالإِرْشَادِ، وَنَشْرِ الْعِلْمِ، وَتَذْكِيْرِ الْخَلَفِ مِنَ الْأُسْرَةِ بِفِعْلِ الْسَّلَفِ مِنْهَا،

стр. 60

وَعَرْضٍ لِلْتَّارِيْخِ؛ خَاصَّةً أَنَّ ثَمَّةَ كِتَابَاً يُؤَلَّف عَنْهَا ــ كَمَا سَبَقَ ــ. وَغَالِبُ هَذِهِ الْمَآثِرُ فِيْ هَذَا الْنِّتَاجِ إِنَّمَا هِيَ لِلْمُعَاصِرِيْنَ، تُذْكَرُ فَتُشْكَرُ ــ بَعْدَ حَمْدِ اللهِ وَشُكْرِهِ ــ، وَلِتُظْهِرَ اتِّصَالَ الْخَيْرِ مِنَ الْأَسْلَافِ الْصَّالِحِيْنَ، وَالْفَضْلُ أَوَّلَاً وَآخِرَاً وَظَاهِرَاً وَبَاطِنَاً مِنَ اللهِ الْكَرِيْمِ الْوَهَّاب، فَرَحْمَةُ اللهِ وَمَغْفِرَتُهُ وَعَافِيَتُهُ عَلَى الْجَدِّ: الْحُمَيْدِيِّ بْنِ حَمَدٍ ... (ت ١٠٩٥ هـ تقريباً) وَعَقِبِهِ أَجْمَعِيْنَ. ذَكَرَ الْحَسَنُ الْيُوْسِيُّ (ت ١١٠٢ هـ) ﵀ أَنَّ الْنَّاسَ فِيْ الْفَخْرِ بِالْحَسَبِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ، مُلَخَّصُهَا: ١. رَجُلٌ كَانَ أَصْيْلَاً ثُمَّ قَامَ هُوَ أَيْضَاً يُشِيْدُ بُنْيَانَهُ، وَيَحُوْطُ بُسْتَانَهُ، كَالَّذِيْ قَبْلَهُ، فَهَذَا أَكْرَمُ الْنَّاسِ وَأَوْلَاهُمْ بِكُلِّ مَفْخَرَةٍ. ٢. وَرَجُلٌ لَا أَصْلَ لَهُ يَنْتَمِيْ إِلَيْهِ، وَلَا حَسَبَ يُعَرِّجُ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ انْتَهَضَ فِيْ اقْتِنَاءِ الْمَآثِرِ، وَاقْتِنَاصِ الْمَفَاخِرِ، حَتَّى اشْتُهِرَ بِمَحَاسِنِ الْخِلَالِ، وَصَارَ فِيْ عِدَادِ أَهْلِ الْكَمَالِ، وَأَنْشَدَ لِسَانُ حَالِهِ فَقَالَ: * ... وَبِنَفْسِيْ شَرُفْتُ لَا جُدُوْدِيْ (١)

стр. 61

فَهَذَا أَحْرَى أَنْ يَشْرُفَ بِوَصْفِهِ وَحَالِهِ، وَأَنْ يَشْرُفَ بِهِ مَنْ بَعْدَهُ، وَأَنْ يَكُوْنَ هُوَ أَسَاسُ بَيْتِهِ، وَعِرْقُ شَجَرَتِهِ. ٣. وَرَجُلٌ لَهُ أَصْلٌ، وَقَدِيْمُ شَرَفٍ، ثُمَّ لَمْ يَبْنِهِ، وَلَمْ يُجَدِّدْهُ، وَهُوَ: إِمَّا أَنْ تَخْفَى عَوَامِلُهُ فَلَمْ يُبْنَ وَلَمْ يُهْدَمْ، مَعَ أَنَّهُ بِالْحَقِيْقَةِ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِيْ زِيَادَةٍ فَهُوَ فِيْ نُقْصَانٍ، وَالْمُرَادُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى غِمَارِ الْنَّاسِ فَلَا يُجَدِّدُ الْمَآثِرْ، وَلَا يَخْرُجْ إِلَى الْمَعَايِبِ، فَهَذَا لَا فَضِيْلَةَ لَهُ إِلَّا مُجَرَّدُ الْنَّسَبِ وَالْفَخْرُ الْعِظَامِيُّ كَمَا مَرَّ. وَإِمَّا أَنْ يَهْدِمْهُ بِمُلَابَسَةِ ضِدِّ مَا كَانَ أَوَّلَاً، فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ هَدَمَ الْدَّارَ ثُمَّ حَفَرَ الْبُقْعَةَ أَيْضَاً فَأَفْسَدَهَا؛ فَهَذَا مَذْمُوْمٌ بِمَا جَنَى عَلَى نَفْسِهِ وَبِمَا جَنَى عَلَى حَسَبِهِ وَنَسَبِهِ ... ). (١) هَذَا، وَقَدْ رَدَّ الْرَّاغِبُ الْأَصْبَهَانِيُّ (ت ٥٠٢ هـ) ﵀ عَلَى مَنْ لَا يَرَى الْاعْتِدَادَ بِشَرَفِ الْآبَاءِ، وَذَكَرَ أَنَّ «كَرَمَ الْأَعْمَامِ وَالْأَخْوَالِ مَخِيْلَةٌ لِكَرَمِ الْمَرءِ وَمَظِنَّةٌ لَهُ، فَالْفَرْعُ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَفْسُدُ أَحْيَانَاً، فَمَعْلُوْمٌ أَنَّ أَصْلَهُ

стр. 62

يُوْرِثُهُ الْفَضِيْلَةَ وَالْرَّذِيْلَةَ، فَإِنَّهُ لَا يَكُوْنُ مِنَ الْنَّخْلِ الْحَنْظَلُ، وَلَا مِنَ الْحَنْظَلِ الْنَّخْلُ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْشَّاعِرُ: وَمَا يَكُ مِنْ خَيْرٍ أَتَوْهُ فَإنَّمَا ... تَوَارَثَهُ آبَاءُ آبَائِهِمْ قَبْلُ وَهَلْ يُنْبِتُ الْخَطِّيَّ إلَّا وَشِيْجُهُ ... وَتُغْرَسُ إلَّا فِيْ مَنَابِتِهَا النَّخْلُ (١) وَقِيْلَ: إِنَّ الْسَّرِيَّ إِذَا سَرَى فَبِنَفْسِهِ ... وَابْنَ الْسَّرِيِّ إِذَا سَرَى أَسْرَاهُمَا وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ: أَنَّ الْأَخْلَاقَ نَتَائِجُ الْأَمْزِجَةِ، وَمِزَاجُ الْأَبِ كَثِيْرَاً مَا يَتَأَدَّى إِلَى الْابْنِ، كَالْأَلْوَانِ وَالْخَلْقِ وَالْصُّوَرِ .... ثُمَّ ذَكَرَ الْأَصْبَهَانِيُّ أَنَّ عَلَى الِإنْسَانِ أَنْ يَسْعَى لِاقْتِبَاسِ الْعُلَى، وَأَنْ لَا يَقْتَصِرَ عَلَى مَآثِرِ الْآبَاءِ، وَأَنَّ الْمَآثِرَ الْمَورُوْثَةِ قَلِيْلَةُ الْغَنَاءِ، سَرِيْعَةُ الْفَنَاءِ، مَا لَمْ تُضَامَّهَا فَضِيْلَةُ الْنَّفْسِ (٢)، لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُحْمَدُ لِكَي يُوْجَدَ الْفَرْعُ

стр. 63

مِثْلَهُ؛ وَمَتَى أَخْلَفَ الْفَرْعُ وَتَخَلَّفَ؛ فِإِنَّهُ يُخْبِرُ بِأَحَدِ شَيئَيْنِ: إِمَّا بِتَكْذِيْبِ مَنْ يَدَّعِي الْشَّرَفَ لِعُنْصُرِهِ، وَإمَّا بِتَكْذِيبِهِ فِيْ انْتِسَابِهِ إِلَى ذَلِكَ الْعُنْصُرِ، وَمَا فِيْهِمَا حَظٌّ لِمُختَارٍ. وَالْمَحْمُودُ أَنْ يَكُوْنَ الْأَصْلُ فِيْ الْفَضَائِلِ رَاسِخَاً، وَالْفَرْعُ بهِ شَامِخَاً، كَمَا قَالَ الْشَّاعِرُ: زَانُوا قَدِيمَهُمُ بِحُسْنِ حَدِيثِهِمُ ... وَكَريْمَ أَخْلَاقٍ بِحُسْنِ خِصَالِ وَمَنْ لَمْ يَجْتَمِعْ لَهُ الأَمْرَانُ؛ فَلَأَنْ يَكُوْنَ الْمَرْءُ شَرِيْفَ الْنَّفْسِ دَنِئَ الْأَصْلِ، أَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُوْنَ دَنِئَ الْنَّفْسِ شَرِيْفَ الْأَصْلِ، كَمَا قِيْلَ: إِذَا الْغُصْنُ لَمْ يُثمِرْ وَإنْ كَانَ شُعْبَةً ... مِنَ المُثمَرَاتِ اعْتَدَّهُ النَّاسُ فِيْ الحَطَبِ فَمَا الْحَسَبُ المَوْرُوثُ لَا دَرَّ دَرُّهُ ... بمُحَتَسَبٍ إِلَّا بِآخَرَ مُكَتَسَبِ وَمَنْ كانَ عُنْصُرُهُ فِيْ الْحَقِيقَةِ سَنِيَّاً وَفِي نَفْسِهِ دَنِيَّاً؛ فَذَلكَ أُتِيَ إمَّا مِنْ إهْمَالِهِ نَفْسَهُ وَسَوْمَهَا، وَإمَّا لِتَعَوُّدِهِ عَادَاتٍ قَبِيْحَةً، وَصُحْبَةِ أَشْرَارٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعَوَارِضِ الْمُفْسِدَةِ لِلْعَناصِرِ الْكَريْمَةِ فَلَيْسَ سَبَبُ الْرَّذِيْلَةِ

стр. 64

شَيْئَاً وَاحِدَاً). (١) الْحَسَبُ الَّذِي يُحْمَدُ بِهِ الْإِنْسَانُ: مَا تَحَلَّى بِهِ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ فِيْ نَفْسِهِ، لَا مَا يَعُدُّهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْخَارِجَةِ عَنْهُ. (٢)، «مَنْ قَعَدَ بِهِ أَدَبُهُ، لَمْ يَرْفَعْهُ حَسَبُهُ» (٣)، وَ «مَنْ قَصَّرَ بِه نَسَبُهُ، نَهَضَ بِهِ أَدَبُهُ» (٤)، وَمَنْ فَاتَهُ حَسَبُ نَفْسِهِ، لَمْ يَنْفَعْهُ حَسَبُ أَبِيْهِ. (٥) وَ «شَرَفُ الْأَعْرَاقِ يَحْتَاجُ إِلَى

стр. 65

شَرَفِ الْأَخْلَاقِ، وَلَا حَمْدَ لِمَنْ شَرُفَ نَسَبُهُ وَسَخُفَ أَدَبُهُ». (١) رُوِيَ عَنْ هَاشِمٍ جَدِّ الْنَّبِيِّ ﷺ قَوْلُهُ: « ... عَلَيْكُمْ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فَإِنَّهِا رِفْعَةٌ، وَإِيَّاكُمْ وَالْأَخْلَاقَ الْدَّنِيْئَةَ فَإِنَّهَا تَضَعُ الْشَّرَفَ وَتَهْدِمُ الْمَجْدَ». (٢) وإذَا الفَتَى هَبَطَتْ بِهِ أفْعَالُهُ ... لَمْ تُعْلِهِ الآبَاءُ وَالأجْدَادُ (٣) قَالَ عَبْدُاللهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِاللهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِيْ طَالِبٍ ﵀: لَسْنَا وَإِنْ كَرُمَتْ أَوَائِلُنَا ... يَوْمَاً عَلَى الْأَحْسَابِ نَتِّكِلُ نَبْنِي كَمَا كَانَتْ أَوَائِلُنَا ... تَبْنِي وَنَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلُوْا (٤)

стр. 66

قَالَ الْشَّاعِرُ: إذَا الْمَرْءُ لَمْ يَبْنِ افْتِخَارَاً لِنفْسِهِ ... تَضايَقَ عَنْهُ مَا ابْتَنَتْهُ جُدُودُهُ وَلَا خَيْرَ فِيْ مَن لَا يَكُوْنُ طَرِيْفُهُ ... دَلِيْلَاً عَلَى مَا شَادَ قِدْماً تَلِيْدُهُ (١) وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ (ت ٥٩٧ هـ) ﵀: الحَسَبُ إِذا انْفَرد لَمْ يُعْتَبر، وَإِنَّمَا يُعْتَبر إِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ الْإِسْلَامُ وَالتَّقْوَى. (٢) قَالَ أَرْدَشِيْرُ بْنُ بَابِكَ: (أَرْبَعَةٌ تَحْتَاجُ إِلَى أَرْبَعَةٍ: الْحَسَبُ إِلَى الْأَدَبِ، وَالْسُّرُوْرُ إِلَى الْأَمْنِ، وَالْقَرَابَةُ إِلَى الْمَوَدَّةِ، وَالْعَقْلُ إِلَى الْتَّجْرِبَةِ). (٣) قَالَ ابْنُ حَزْمِ الأَنْدَلُسِيِّ (ت ٤٥٦ هـ) ﵀ فِيْ حَدِيْثٍ عَنْ الْافْتِخَارِ بِالآبَاءِ دُوْنَ أَنْ يَضُمَّ الْإِنْسَانُ إِلَى شَرَفِهِمْ عَمَلَاً مُشَرِّفَاً: (فَإِنْ

стр. 67

أُعْجِبْتَ بِوِلَادَةِ الْفُضَلَاءِ إِيَّاكَ، فَمَا أَخْلَى يَدَكَ مِنْ فَضْلِهِمْ إِنْ لَمْ تَكُنْ أَنْتَ فَاضِلَاً! وَمَا أَقَلَّ غِنَاؤُهُمْ عَنْكَ فِيْ الْدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِنْ لَمْ تَكُنْ مُحْسِنَاً! وَالْنَّاسُ كُلُّهُمْ أَوْلَادُ آدَمَ الَّذِيْ خَلَقَهُ اللهُ ــ تَعَالَى ــ بِيَدِهِ، وَأَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ وَأَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتَهُ؛ وَلَكِنْ مَا أَقَلَّ نَفْعَهُ لَهُمْ وَفِيهِمْ كُلُّ مَعِيْبٍ، وَكُلُّ فَاسِقٍ، وَكُلُّ كَافِرٍ. وَإِذَا فَكَّرَ الْعَاقِلُ فِيْ أَنَّ فَضْلَ آبَائِهِ لَا يُقَرِّ بُهُ مِنْ رَبِّهِ ــ تَعَالَى ــ وَلَا يُكْسِبُهُ وَجَاهَةً لَمْ يَحُزْهَا هُوَ بِسَعْدِهِ أَوْ بِفَضْلِهِ فِيْ نَفسْهِ، وَلَا مَالَاً؛ فَأَيُّ مَعْنَى لِلْإِعْجَابِ بِمَا لَا مَنْفَعَةَ فِيْهِ؟! وَهَلْ الْمُعْجَبُ بِذَلِكَ إِلَّا كَالْمُعْجَبِ بِمَالِ جَارِهِ، وَبِجَاهِ غَيْرِهِ، وَبِفَرَسٍ لِغَيْرِهِ سَبَقَ كَانَ عَلَى رَأسِهِ لِجَامُهُ ..... إلخ). (١) قَالَ الْشَّيْخُ: عَبْدُالْرَّحْمَنِ الْجَزِيْرِيُّ (ت ١٣٦٠ هـ) ﵀ فِيْ حَدِيْثِهِ عَنْ الْتَّكَبُّرِ عَلَى الْنَّاسِ لِأَجْلِ الْنَّسَبِ: (هَذَهِ الْصِّفَةِ تَكُوْنُ كَالْعَدَمِ،

стр. 68

إِذَا لَمْ يَتَجَمَّلْ صَاحِبُهَا بِالْفَضِيْلَةِ، وَأَنْ الْكِبْرَ هُوَ أَشَدُّ الْرَّذَائِلِ الَّتِي تُذْهِبُ بِمَحَاسِنِ تِلْكَ الْصِّفَاتِ وَتَقْضِيْ عَلَيْهَا. فَمَنْ اغْتَرَّ بِنَسَبِهِ وَتَكَبَّرَ عَلَى الْنَّاسِ؛ فَقَدْ هَدَمَ ذَلِكَ الْنَّسَبَ مِنْ أَسَاسِهِ، وَقَضَى عَلَى فَضْلِ آبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ شَرَّ قَضَاءِ؛ لِأَنَّ الْحَمْدَ وَتَكْرِيْمَ الْنَّاسِ لَا يُكْسَبَانِ بِالْأَنْسَابِ وَحْدَهَا، بَلْ بِالْتَّمَسُّكِ بِالْفَضِيْلَةِ وَاجْتِنَابِ الْرَّذِيْلَةِ، وَكَذَلِكَ مَاعِنْدَ اللهِ مِنْ مَنْزِلَةٍ فَإِنَّهُ لُا يُكْسَبُ بِالْأَنْسَابِ، لِهَذَا ... قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (سورة الحجرات، آية ١٣)، نَعَمْ إِنَّ لِلْأَنْسَابِ فَضْلَاً فِيْ تَكْوِيْنِ خُلُقِ الْإِنْسَانِ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَصْلٍ طَيِّبٍ وَعُنْصُرٍ كَرِيْمٍ؛ كَانَتْ أَخْلَاقُهُ حَسَنَةً وَصِفَاتُهُ كَرِيْمَةً؛ وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ تُحْتَرَمُ الْأَنْسَابُ، وَيَكُوْنُ لِصَاحِبِهَا فَضْلٌ عَلَى غَيْرِهِ ... ). (١) قُلْتُ: فَاحْتِرَامُهُ لَيْسَ لِأَجْلِ الْنَّسَبِ وَحْدَهُ، بَلْ لِمَا أَثْمَرَهُ مِنْ خَيْرٍ، فَالْأَنْسَابُ مَظِنَّةُ الْخَيْرِ، وَلَيْسَتْ خَيْرَاً بِذَاتِهَا، قَالَ اليُوسِيُّ (ت ١١٠٢ هـ) ﵀: (كَرَمُ الْنَّسَبِ فَضِيْلَةٌ ... وَوَصْفُ الْإِنْسَانِ وَسَعْيُهُ هُوَ الْشَّأَنُ،

стр. 69

وَالْنَّسَبُ زِيَادَةٌ، فَإِلْغَاءُ الْنَّسَبِ رَأَسَاً جَوْرٌ؛ وَالْاقْتِصَارُ عَلَيْهِ عَجْزٌ ... فَعَلَيْهِ مَعَ الْنَّسَبِ أَنْ يُحَصِّلَ الْحَمْدَ وَيَبْتَنِيَ الْمَجْدَ). (١) أيُّهَا الحمَادَى، أَنْتُمْ حَمَادَى، لَكُمْ صِيْتٌ فِيْ النَّاسِ (٢)، وَأَرَى الذِّكْرَ الْحَسَنَ فِيْكُمْ هَالَةً لَامِعَةً، والْشَّرَفَ فِيكُمْ مُتَرَبِّعَاً وَسَطَاً جَامِعَةً

стр. 70

ــ وَللهِ الْحَمْدُ وَالْفَضْلُ والمِنَّةُ ــ، فَارْعَوْا مَكَانَهَ، وَتمِّمُوا مَرَامَهُ، وَكُوْنُوْا عَلَى الْعَهْدِ وَالْوَفَاءِ بِتَعَاهُدِ وَحَمْلِ الْمَآثِرِ الْمُبَارَكَةِ إِلَى الْأَبْنَاءِ، فَأَعْظَمُ مَا تُوَرِّثُوْنَ أَحْفَادَكُمْ: دِينَاً قَويْمَاً، وَصَلَاحَاً وَمُرْوْءَةً، وَعِلْمَاً وَأَدَبَاً مَتِيْنَاً، هَذِهِ هِيَ الْمَآثِرِ الْمَجِيْدَةِ، وَهَذَا الْذِّكْرُ الْحَسَنُ، فَادْعُوْا اللهَ ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (سورة الشعراء، آية ٨٤). قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِيْنَ فِيْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَذَا ذِكْرٌ ... وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ (سورة ص، آية ٤٩) أَيْ: لَهُمْ مَعَ الْذِّكْرِ الحَسَنِ فِيْ الْدُّنْيَا، حُسْنُ مَرْجِعٍ في الآخِرَةِ. (١) وَقِيْلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ: مَا أَحْمَدُ الْأَشْيَاءِ؟ قَالَ: أَنْ يَبْقَى لِلْإِنْسَانِ أُحْدُوْثَةٌ حَسَنَةٌ. (٢) قَالَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ (ت ٦٧ هـ) ﵀: (مَا ادَّخَرَ الْآبَاءُ لِلْأَبْنَاءِ، وَلَا أَبْقَتِ الْأَمْوَاتُ لِلْأَحْيَاءِ، أَفْضَلَ مِنْ الْمَعْرُوْفِ عِنْدَ ذَوِيْ الْأَحْسَابِ

стр. 71

وَالْآدَابِ). (١) وَمِنْ الْوَصايا: لا تُؤْثِرُوا المَالَ عَلَى الذِّكْرِ الحَسَنِ؛ فَإِنَّ الْمَالَ فَانٍ، وَالذِكْرَ بَاقٍ. (٢) قَالَ أَبُوْ يَعْلَى ابْنُ الْهَبَّارِيَّةِ الْعَبَّاسِيُّ الْبَغْدَادِيُّ: الْمَالُ فَانٍ وَالْذِّكْرُ بَاقٍ ... وَالْوَفْرُ فَرْعٌ وَالْعِرْضُ أَصْلُ فَاجْعَلْهُ دُوْنَ الْعِيَالِ سَتْرَاً ... فَالْصَّوْنُ فِيْ أَنْ يَكُوْنَ بَذْلُ (٣) قَالَ الْمَعَرِّيُّ: وَلَنْ يُحْوَى الْثَّنَاءُ بِغَيْرِ جُوْدٍ ... وَهَلْ تُجْنَى مِنَ الْيَبَسِ الْثِّمَارُ؟ جَمَالُ الْمَجْدِ أَنْ يُثْنَى عَلَيْهِ ... وَلَوْلَا الْشَّمْسُ مَا حَسُنَ الْنَّهَارُ (٤)

стр. 72

قَالَ الْحَسَنُ الْيُوْسِيُّ (ت ١١٠٢ هـ) ﵀: (اعْلَمْ أَنَّ مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِنَ الْمَزَايَا الَّتِيْ يَتَشَرَّفُ بِهَا الْإِنْسَانُ حَتَّى يَشْرُفَ بِشَرَفِهِ مَنْ انْتَسَبِ إِلَيْهِ كَثِيْرَةٌ، مِنْهَا: دِيْنِيَّةٌ: كَالْنُّبُوَّءَةِ وَهِيَ أَجَلُّهَا، وَكَالْعِلْمِ، وَالْصَّلَاحِ، وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَغْيْرِ ذَلِكَ. وَدُنْيَوِيَّةٌ: كَالْمُلْكِ، وَهُوَ أَعْظَمُهَا، وَكَالْنَّجْدَةِ، وَالْكَرَمِ، وَالْقُوَّةِ، وَكَثْرَةِ الْعَدَدِ، وَكَثْرَةِ الْمَالِ، وَالْجَمَالِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَكَثِيْر مِنْهَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُوْنَ دِيْنِيَّاً وَدُنْيَوِيَّاً: كَالْقُوَّةِ، وَالْعِزِّ، وَالْكَرَمِ، وَسَائِرِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ. وَبَعْضُهَا دِيْنِيٌّ وَدُنْيَوِيٌّ مَعَاً: كَالْنُّبُوءَةِ، وَالْخِلَافَةِ، وَالْعِلْمِ. وَبَعْضُ ذَلِكَ حِسِّيٌّ، وَبَعْضُهُ مَعْنَوِيٌّ، وَبَعْضُهُ وُجُوْدِيٌّ، وَبَعْضُهُ عَدَمِيٌّ، وَشَرْحُ ذَلِكَ يَطُوْلُ فَلْنَقْتَصِرْ الْقَوْلَ مَعَ تَمْثِيْلٍ وَتَمْهِيْدٍ: أَمَّا الْتَّمْثِيْلُ فَهُوَ أَنَّهُ لَوْ اعْتُبِرَ رَجُلَانِ مُتَسَاوِيَانِ فِيْ الْخَلْقِ وَالْخُلُقِ وَالْنَّسَبِ وَسَائِرِ الْأَحْوَالِ فَلَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَفِيْ مِثْلِهِمَا قَالَ عَلْقَمَةَ بْنُ عُلَاثَةَ لِلْمُتَنَافِرَيْنِ: صِرْتُمَا كَرُكْبَتَيْ الْبَعِيْرِ الْآدَمِ.

стр. 73

وَلَوْ اخْتُصَّ أَحَدُهُمَا بِالْفِقْهِ فَهَذِهِ مَزِيَّةٌ وُجُوْدِيَّةٌ يَفْضُلُ بِهَا الْآخَرُ، وَلَوْ اخْتُصَّ أَحَدُهُمَا بِكَوْنِهِ ظَلُوْمَاً فَهَذِهِ مَزِيَّةٌ مَذْمُوْمَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْشَّرْعِ (١)، وَقَدْ سَلِمَ مِنْهَا الْآخَرُ، فَلَهُ الْفَضْلُ بِمَزِيَّةٍ هِيَ عَدَمِيَّةٍ، وَعِنْدَ الْجَاهِلِيَّةِ بِعَكْسِ هَذَا .... إلخ). (٢) قَالَ الْرَّاغِبُ الْأَصْبَهَانِيُّ (ت ٥٠٢ هـ) ﵀: (مَحَبَّةُ الْذِّكْرِ الْحَسَنِ أَشْرَفُ مَقَاصِدِ أَبْنَاءِ الْدُّنْيَا، وَهِيَ فِيْ جِبِلَّةِ الْنَّاسِ (٣) وَمِنْ خَصَائِصِهِمْ (٤)، وَلَا تُوْجَدُ فِيْ غَيْرِهِ مِنَ الْحَيَوَانِ، كَمَا قَالَ الْشَّاعِرُ: . . . . . . . . . . . . . . . . ... حُبُّ الْثَّنَاءِ طَبِيْعَةُ الْإِنْسَانِ (٥)

стр. 74

وَلَوْلَا الْكَلَفُ بِهِ لَمَا ظَهَرَتِ الْعَدَالَةُ مِنْ أَكْثَرِ الْنَّاسِ، وَمَنْ لَا يَخُوْفُهُ الْهِجَاءُ وَلَا يَسُرُّهُ الْثَّنَاءُ؛ فَلَا يَرْدَعْهُ عَنْ سُوْءِ الْأَفْعَالِ إِلَّا نَارٌ أَوْ سَيْفٌ، وَقَدْ قِيْلَ: الَّذِيْ يَنْفُرُ عَنِ الْقَبِيْحِ وَيَحُثُّ عَلَى الْجَمِيْلِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: الْعَقْلُ، ثُمَّ الْحَيَاءُ، ثُمَّ الْمَدْحُ وَالْهِجَاءُ، ثُمَّ الْتَّرْغِيْبُ وَالْتَّرْهِيْبُ. وَقَدْ قِيْلُ: مَنْ لَمْ يَرْدَعْهُ الْذَّمُّ عَنْ سَيِّئَةٍ، وَلَمْ يَسْتَدْعِهِ الْمَدْحُ إِلَى حَسَنَةٍ، فَهُوَ جَمَادٌ أَوْ بَهِيْمَةٌ؛ وَلِأَجْلِهِ تَنَازَعَ الْنَّاسُ الْرِّيَاسَةَ وَالْمَنَازِلَ الْرَّفِيْعَةَ. وَلَيْسَ الْثَّنَاءُ فِيْ نَفْسِهِ بِمَحْمُوْدٍ وَلَا مَذْمُوْمٍ، وَإِنَّمَا يُحْمَدُ وَيُذَمُّ بِحَسَبِ الْمَقَاصِدِ، فَمَنْ قَصْدُهُ طَلَبَ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْثَّنَاءَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِيْ يُسْتَحَبُّ، فَذَلِكَ مَحْمُوْدٌ، وَهُوَ طَرِيْقَةُ إِبْرَاهِيْمَ الْخَلِيْلِ ﷺ حَيْثُ قَالَ: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (سورة الشعراء، آية ٨٤). أَيْ: اجْعَلْنِيْ بِحَيْثُ أَفْعَلُ مَا إِذَا مُدِحْتُ بِهِ يَكُوْنُ مَادِحِيْ صَادِقَاً، وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ نُدِبَ الْإِنْسَانُ إِذَا مُدِحَ أَنْ يَقُوْلَ: الْلَّهُمَّ اجْعَلْنِيْ خَيْرَاً مِمَّا يَظُنُّوْنَ. وَالْمَذْمُوْمُ مِنْهُ: أَنَّهُ يَمِيْلُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَجْرِبَةٍ لِفِعْلِ مَا يَقْتَضِيْهِ، وَذِلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْآفَاتِ لِمَنْ تَحَرَّاهُ؛ فَإِنَّهُ يَفْتَحُ بَابَ الْحَسَدِ، وَالْحَسَدُ يَفْتَحُ بَابَ

стр. 75

الْكَذِبِ، وَالْكَذِبُ رَأَسُ كُلِّ مَذْمُوْمٍ، وَقَدْ تَوَعَّدَ اللهُ تَعَالَى مَنْ طَلَبَ الْمَحْمَدَةَ مِنْ غَيْرِ فِعْلِ حَسَنَةٍ تَقْتَضِيْهَا، فَقَالَ تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (سورة آل عمران، آية ١٨٨)). (١) هَذَا، وَ مِنْ فَوَائِدِ الْذِّكْرِ الْحَسَنِ: ١. أَنَّهُ دِلَالَةٌ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَإِنَّ مِنْ طَبِيْعَةِ الْإِنْسَانِ: مَحَبَّةَ الْثَّنَاءِ الْحَسَنِ، وَحُسْنَ الْصِّيْتِ. (٢) ٢. الْفَرَحُ بِمَا يَسْمَعُهُ الْإِنْسَانُ مِنَ الْمَحْمَدَةِ الْصَّادِقَةِ. ٣. أَنَّ هَذَا الْصِّيْتَ عَلَامَةُ خَيْرٍ وَقَبُوْلٍ، فَالْنَّاسُ شُهَدَاءُ اللهِ فَيْ أَرْضِهِ.
следующие страницы →