Полный текст (2 090 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٨٠]
ليس في الإعجاب بالفأل ومحبته شيء من الشرك، بل ذلك إبانة عن مقتضى الطبيعة، وموجب الفطرة الإنسانية؛ ولذلك كان النبي ﷺ يعجبه، ويحث عليه، أما الطيرة: فهي نوع من الشرك؛ لأنه تعلق بغير الله، وسوء ظن به، فمن وجد ذلك في قلبه، فعليه أن يصرفه، ويتوكل على الله، قائلاً: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك
стр. 1017
الفأل معناه وعلاقته بالطيرة
قال المصنف ﵀: [ولهما عن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل، قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة)].
стр. 1018
التعريف الشرعي للفأل
كان الفأل يعجب النبي ﷺ ، والشيء الذي يعجب النبي ﷺ يكون محبوباً مطلوباً مرغوباً فيه، والسبب في هذا أن الإنسان إذا رجا الخير، وظن أنه يكون على خير، فإن الله جل وعلا عند ظن عبده به؛ وليس معنى ذلك أن الفأل يكون دليلاً على وقوع القدر، لا، ولكنه رجا الخير وظن حصوله فصار مطلوباً ومحبوباً.
والفأل فسر في الحديث أنه: الكلمة الطيبة، يسمعها الإنسان، ويتساءل في الطيب والخير، فالتساؤل مطلوب؛ لأنه رجا الخير وظنه، أي: أنه يظن أن يقع الخير ويرجوه، كأن يكون مثلاً مريضاً فيسمع قائلاً يقول: يا معافى! فيتفاءل أنه سيعافى ويبرأ، أو مثلاً يكون فاقداً شيئاً فيسمع إنساناً يقول: يا واجد! أو يا راشد! فيتفاءل أنه سيجده أو يرشد إلى ما يطلبه وهكذا، فهذا هو الفأل، وليس هذا من الطيرة؛ لأنه ليس معنى ذلك أن يجعل هذا الكلام الذي يقوله دليلاً على وقوع الشيء كما يفعله المتطير، ولكنه يرجو ويظن خيراً بالله جل وعلا، ومن ظن بربه خيراً فإن الله يكون عند ظنه به.
стр. 1019
الفرق بين الفأل والطيرة
قال الشارح ﵀: [قوله: (ويعجبني الفأل) قال أبو السعادات: الفأل -مهموز- فيما يسر ويسوء، والطيرة لا تكون إلا فيما يسوء، وربما استعملت فيما يسر، يقال: تفاءلت بكذا وتفاولت، على التخفيف والقلب، وقد أولع الناس بترك الهمز تخفيفاً، وإنما أحب الفأل؛ لأن الناس إذا أملوا فائدة الله، ورجوا عائدته عند كل سبب ضعيف أو قوي فهم على خير، وإذا قطعوا آمالهم ورجاءهم من الله تعالى كان ذلك من الشر.
وأما الطيرة: فإن فيها سوء الظن بالله، وتوقع البلاء، والتفاؤل: أن يكون رجل مريض فيسمع آخر يقول: يا سالم! أو يكون طالب ضالة فيسمع آخر، يقول: يا واجد! فيقع في ظنه أنه يبرأ من مرضه ويجد ضالته].
ليست الطيرة ظن الشر فقط، وأنها ممنوعة من أجل ذلك، فهذا ممنوع ولا يجوز أن يظن الإنسان الشر، والله جل وعلا أخبر أنه لا يصيب الإنسان شيء إلا بما كسب: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]، ولكن الطيرة تمنع لهذا، ولأن الإنسان يعتقد أن هذا الطائر أو هذا الذي تطير به أنه سبب عليه وقوع الشر والحوادث، وأن هذا علامة على وقوعه، وهذا رجم بالغيب وكذب، فالله ما جعل هذا علامة، ويجب على الإنسان أن يتبع أمر الله وأمر رسوله ﷺ ، ويعلم أن الله جل وعلا هو المتصرف في كل شيء، وأنه ليس نعيق الغراب -مثلاً- سبباً في غربة الإنسان أو موته، أو ظهور الثعلب أمامه سبب في ظفره وسعادته، هذا كذب على قدر الله وتصرفه، فإن هذه الأشياء ليس عندها الخير لا الغراب ولا الثعلب ولا غير ذلك، فالطيرة ممنوعة، ليس لأنها ظن الشر فقط، بل لأن الإنسان رتب على ذلك وقوع أشياء يقدرها الله، وهذا تكذيب لله جل وعلا، فهو لا يقع شيء إلا بإذنه وإرادته.
أما قول القائل: إن الله جعل التقدير مرتباً على وجود ذلك، فهذا كذب أيضاً، فمن أين له أن الله جعل ذلك مرتباً على هذا؟ فالرسول ﷺ أخبرنا أن هذا باطل وشرك، فتعلق الإنسان بهذا الطائر -مثلاً- أو ذاك الحيوان، وظنه أن التصرفات والأمور تقع بسبب نعيقه أو حركته أو ظهوره، فهذا أشرك بالله في ذلك، حيث أضاف الحوادث إلى غير إرادة الله ومشيئته، فالله ما جعل ذلك دليلاً على أنه أراد شيئاً؛ لأن هذا تكذيب بخبر الرسول ﷺ ، ولقول الله جل وعلا.
فالمقصود أن الطيرة ممنوعة؛ لأنها ظن الشر، ولأنه يزعم المتطير أن هذا الشيء -طائر أو غيره- تقع الحوادث بسببه، أو بظهوره، فهذا هو معنى كونها شركاً.
[قوله: (قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة)، بين ﷺ أن الفأل يعجبه، فدل على أنه ليس من الطيرة المنهي عنها.
قال ابن القيم: ليس في الإعجاب بالفأل ومحبته شيء من الشرك، بل ذلك إبانة عن مقتضى الطبيعة، وموجب الفطرة الإنسانية، التي تميل إلى ما يوافقها ويلائمها، كما أخبرهم ﷺ أنه حبب إليه من الدنيا النساء والطيب، وكان يحب الحلواء والعسل، ويحب حسن الصوت بالقرآن والأذان ويستمع إليه، ويحب معالي الأخلاق ومكارم الشيم].
يعني: أنه جبل في الطبيعة على حبها والميل إليها، ولكن الفأل ليس هو هذا، الفأل: ظن الخير ورجاؤه كما سبق، وقد يكون الفأل في إظهار الحق وقمع العدو، مثلما وقع للنبي ﷺ يوم ذهب إلى خيبر وأتاهم صباحاً، وهم لا يعلمون به، فرآهم قد استقبلوه بالعمال ومعهم المساحي والفئوس للعمل، قال ﷺ : (الله أكبر! خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بقوم فساء صباح المنذرين)، يعني: لما رأى آلات الهدم كالمساحي والفئوس، تفاءل بأن خيبر خربت؛ لأنها عمرت على المعصية، وعلى محاربة الله ورسوله ﷺ ، فتفاءل بذلك، فحقق الله جل وعلا ذلك له، وهذا لا يمنع العمل والاجتهاد والجد، ولكنه رجاء وظن، يرجو من الله ويظن به أن يحقق له هذا الرجاء، وهو مثلما سبق، إذا رجا الناس ربهم -ولو كان السبب ضعيفاً أو العلامة ضعيفة- فإنهم على خير؛ لأن رجاء الله عبادة، وظن الخير به عبادة، فيكونون على خير، بخلاف الطيرة، فإنها تطبيق للشيطان، واتباع لمخلوق ليس عنده أي تصرف، وتكون شركاً.
стр. 1020
الدعاء الوارد في إذهاب الطيرة والتشاؤم
[وبالجملة يحب كل كمال وخير، وما يفضي إليهما، والله سبحانه قد جعل في غرائز الناس الإعجاب بسماع الاسم الحسن، ومحبته، وميل نفوسهم إليه، وكذلك جعل فيها الارتياح والاستبشار والسرور باسم الفلاح، والسلام والنجاح والتهنئة، والبشرى والفوز والظفر ونحو ذلك، فإذا قرعت هذه الأسماء الأسماع استبشرت بها النفوس، وانشرح لها الصدر، وقوي بها القلب، وإذا سمعت أضدادها أوجب لها ضد هذه الحال، فأحزنها ذلك، وأثار لها خوفاً وطيرة وانكماشاً وانقباضاً عما قصدت له وعزمت عليه، فأورث لها ضرراً في الدنيا، ونقصاً في الإيمان، ومقارفة الشرك.
وقال الحليمي: وإنما كان ﷺ يعجبه الفأل لأن التشاؤم سوء ظن بالله تعالى بغير سبب محقق، والتفاؤل حسن ظن بالله، والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله تعالى على كل حال.
قال المصنف ﵀: ولـ أبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله ﷺ فقال: (أحسنها الفأل، ولا ترد مسلماً، فإذا رأى أحدكم ما يكره، فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك).
] هذا معناه أنه أدخل الفأل في الطيرة فقال: (أحسنها الفأل) وأن الطيرة لا يلتفت إليها المسلم، ولا يعتمد عليها، والفأل أيضاً لا يعتمد عليه، ولا يبني عليه شيئاً، وإنما يبني عليه ظناً ورجاءً فقط، يظن الخير ويرجوه، وإلا فهي مقطوعة عن التصرف.
وكذلك فيه الإرشاد إلى اللجوء إلى الله، والهروب إليه، والتوسل إليه بدعائه أنه لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، والحسنات: كل خير، وكل ما فيه أنس ومسرة من أمور الدنيا والآخرة، والسيئات: كل مضر، وكل ما يسوءه ويضره في الدنيا والآخرة فهو سيئة، فصار هذا عاماً شاملاً في أن الأمور كلها بيد الله.
قوله: (لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يذهب بالسيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك)، يعني: أنني لا أستطيع أن أتحول من حال إلى أخرى إلا إذا قويتني وأعنتني على ذلك، فمعنى ذلك أنه لجوء إلى الله، وتبرؤ من قوة النفس وتصرفها، وأنه لا قوة له ولا تصرف له إن لم يجعل الله جل وعلا له قوة وتصرفاً، فهو توحيد لله جل وعلا بالأفعال، وبالخضوع له والالتجاء إليه، والتبري من القوة أو التحول من حال إلى أخرى إلا بالله جل وعلا.
هذا من أعظم ما ينبغي للإنسان أنه يسأله ويلجأ إليه، ألا يعتمد على فأل ولا طيرة.
أما قوله: (ولا ترد مسلماً) ففيه تنبيه على أن الذي ترده الطيرة قد يكون خارجاً عن الإسلام؛ لأن المسلم لا ترده الطيرة، يعني: لو رآها -مثلاً- وقعت له فإنه يعرض عنها، ويتوكل على ربه جل وعلا، ويقول هذا الدعاء، ولا يأتيه إلا خير بإذن الله تعالى.
قال الشارح ﵀: [قوله: وعن عقبة بن عامر هكذا وقع في نسخ التوحيد، وصوابه: عن عروة بن عامر كذا أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما].
فالمؤلف ﵀ نقله من كتاب ابن السني، وابن السني هكذا وقع الخطأ في كتابه عقبة بن عامر، وليس الخطأ من الشيخ، وإنما وقع الخطأ في المصدر الذي هو كتاب عمل اليوم والليلة لـ ابن السني، فالمؤلف ﵀ نقله منه، وهذا الخطأ الذي فيه إما من الناسخ أو من بعض الرواة.
والله أعلم.
قال الشارح ﵀: [وهو مكي اختلف في نسبه، فقال أحمد: عن عروة بن عامر القرشي وقال غيره: الجهني، واختلف في صحبته فقال البارودي: له صحبة، وذكره ابن حبان في ثقاة التابعين، وقال المزي: لا صحبة له تصح.
قوله: (فقال: أحسنها الفأل) قد تقدم أنه ﷺ كان يعجبه الفأل، وروى الترمذي وصححه عن أنس: (أن النبي ﷺ كان إذا خرج لحاجته يحب أن يسمع يا نجيح! يا راشد!!) وروى أبو داود عن بريدة: (أن النبي ﷺ كان لا يتطير من شيء، وكان إذا بعث عاملاً سأله عن اسمه، فإذا أعجبه فرح به، وإن كره اسمه رئي كراهية ذلك في وجهه) وإسناده حسن.
وهذا فيه استعمال الفأل.
قال ابن القيم: أخبر ﷺ أن الفأل من الطيرة، وهو خيرها، فأبطل الطيرة، وأخبر أن الفأل منها ولكنه خير منها، ففصل بين الفأل والطيرة لما بينهما من الامتياز والتضاد، ونفع أحدهما، ومضرة الآخر، ونظير هذا: منعه من الرقى بالشرك، وإذنه في الرقية إذا لم يكن فيها شرك؛ لما فيها من المنفعة الخالية من المفسدة.
قوله: (ولا ترد مسلماً)، قال الطيبي: تعريض بأن الكافر بخلافه.
قوله: (اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت)، أي: لا تأتي الطيرة بالحسنات، ولا تدفع المكروهات، بل أنت وحدك لا شريك لك الذي تأتي بالحسنات وتدفع السيئات، والحسنات هنا النعم، والسيئات المصائب، كقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا * مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٨ - ٧٩]، ففيه نفي تعلق القلب بغير الله في جلب نفع أو دفع ضر وهذا هو التوحيد، وهو دعاء مناسب لمن وقع في قلبه شيء من الطيرة، وتصريح بأنها لا تجلب نفعاً ولا تدفع ضراً، ويعد من اعتقدها سفيهاً مشركاً.
قوله: (ولا حول ولا قوة إلا بك) استعانة بالله تعالى على فعل التوكل، وعدم الالتفات إلى الطيرة التي قد تكون سبباً لوقوع المكروه عقوبة لفاعلها، وذلك الدعاء إنما يصدر عن حقيقة التوكل، الذي هو أقوى الأسباب في جلب الخيرات ودفع المكروهات، والحول: التحول، وهو الانتقال من حال إلى حال، والقوة على ذلك بالله وحده لا شريك له، ففيه: التبري من الحول والقوة والمشيئة بدون حول الله وقوته ومشيئته، وهذا هو التوحيد في الربوبية، وهو الدليل على توحيد الإلهية الذي هو إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة، وهو توحيد القصد والإرادة، وقد تقدم بيان ذلك بحمد الله].
стр. 1021
حديث: (الطيرة شرك)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن ابن مسعود مرفوعاً: (الطيرة شرك، وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل)، رواه أبو داود والترمذي وصححه، وجعل آخره من قول ابن مسعود].
قوله ﷺ : (الطيرة شرك! الطيرة شرك)، التكرار هنا للتأكيد والمبالغة في البلاغ، وذلك يدل على أن الطيرة كانت منتشرة في الناس في ذلك الوقت، فلهذا بالغ الرسول ﷺ في النهي عنها، وأخبر أنها شرك، والشرك معلوم عند المخاطبين أنه أكبر الذنوب، وقوله: (شرك) مطلق، قد يكون شركاً أكبر، وقد يكون أصغر، وتبين فيما سبق التفصيل في هذا وهو أن الإنسان إذا كان يعتقد أن فعل الطيرة هو الذي يكون فيه الخير، أو مثلاً نعيقه، أو أن الخير معلق بظهور الحيوان، فهذا من الشرك الأكبر، أما إذا كان يعتقد أن الله جعله سبباً لذلك فهذا يكون من الشرك الأصغر.
وقوله: (ما منا إلا)، يعني: ما منا أحد إلا ويقع في نفسه شيء عندما يسمع شيئاً من ذلك (ولكن الله يذهبه بالتوكل)، يذهب هذا الشيء الذي يقع، وحذف المقدر لعلمه به، وليس هذا من كلام رسول الله ﷺ ، فإن رسول الله ﷺ لا يقع في نفسه شيء؛ لأنه صلوات الله وسلامه عليه أعظم الناس إيماناً وتوكلاً على الله، ولكن هذا من كلام ابن مسعود ﵁، ولهذا بين الترمذي ﵀ أن هذا مدرج، وأنه من كلام ابن مسعود، (وما منا إلا) أي: يقع في نفسه شيء من ذلك، غير أنه لا يلتفت إليه ولا يعول عليه، وإنما يعرض عنه ويتوكل على ربه، فيذهب الله جل وعلا ذلك الذي يقع بالتوكل عليه، وعدم الالتفات إلى غيره، هذا هو معنى الكلام.
قال الشارح ﵀: [وروى ابن ماجة وابن حبان ولفظ أبي داود: (الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك) ثلاثاً.
وهذا صريح في تحريم الطيرة، وأنها من الشرك؛ لما فيها من تعلق القلب على غير الله تعالى، قال ابن حمدان: تكره الطيرة، وكذا قال غيره من أصحاب أحمد].
قوله: (تكره الطيرة) يجب أن تحمل كلمة (تكره) على التحريم؛ لأن الشرك ليس فيه شيء مكروه كراهة تنزيه، بل كله محرم، والعلماء في القديم إذا قالوا: يكره كان مقصودهم أنه حرام، ولكن بعضهم يتورع عن كلمة حرام للخوف؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل:١١٦]، يخاف أن يقول: حرام، فلا يقول على الشيء أنه حرام إلا إذا تأكد تأكداً تاماً بأن الله قد حرمه، هذا هو السبب، وكان في اصطلاحهم أيضاً أن وضع الكراهة على المحرم أمر شائع، وإنما اصطلح المتأخرون على تقسيم الكراهة إلى قسمين: قسم يكون كراهة تحريم، وقسم يكون كراهة تنزيه, وهذا اصطلاح حادث ما كان يعرفه السلف قديماً، ولا يجوز أن يحمل كلام العلماء في القديم على هذا الاصطلاح الحادث.
قال الشارح ﵀: [قال ابن مفلح: والأولى القطع بتحريمها لأنها شرك، وكيف يكون الشرك مكروهاً الكراهية الاصطلاحية؟! قال في شرح السنن: وإنما جعل الطيرة من الشرك؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن الطيرة تجلب لهم نفعاً أو تدفع عنهم ضراً إذا عملوا بموجبها، فكأنهم أشركوا مع الله تعالى.
قوله: (وما منا إلا)، قال أبو القاسم الأصبهاني والمنذري: في الحديث إضمار، والتقدير: وما منا إلا وقد وقع في قلبه شيء من ذلك.
انتهى، وقال الخلخالي: حذف المستثنى لما يتضمنه من الحالة المكروهة، وهذا من أدب الكلام.
قوله: (ولكن الله يذهبه بالتوكل)، أي: لكن لما توكلنا على الله في جلب النفع أو دفع الضر أذهبه الله عنا بتوكلنا عليه وحده.
قوله: (وجعل آخره من قول ابن مسعود)، قال ابن القيم: وهو الصواب، فإن الطيرة نوع من الشرك].
стр. 1022
كفارة من ردته الطيرة عن حاجته
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولـ أحمد من حديث ابن عمرو (من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك، قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك)].
قال الشارح ﵀: [هذا الحديث رواه أحمد والطبراني عن عبد الله بن عمرو بن العاص وفي إسناده ابن لهيعة وبقية رجاله ثقات.
قوله: (من حديث ابن عمرو) هو عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل السهمي أبو محمد وقيل: أبو عبد الرحمن أحد السابقين المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة الفقهاء، مات في ذي الحجة ليالي الحرة -على الأصح- في الطائف.
قوله: (من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك) وذلك أن الطيرة هي التشاؤم بالشيء المرئي أو المسموع، فإذا رده شيء من ذلك عن حاجته التي عزم عليها -كإرادة السفر ونحوه- فمنعه عما أراده وسعى فيه ما رأى وسمع تشاؤماً فقد دخل في الشرك كما تقدم، فلم يخلص توكله على الله بالتفاته إلى ما سواه، فيكون للشيطان منه نصيب.
قوله: (فما كفارة ذلك) إلى آخره، فإذا قال ذلك، وأعرض عما وقع في قلبه، ولم يلتفت إليه، كفر الله عنه ما وقع في قلبه ابتداء؛ لزواله عن قلبه بهذا الدعاء المتضمن للاعتماد على الله وحده، والإعراض عما سواه.
وتضمن الحديث: أن الطيرة لا تضر من كرهها، ومضى في طريقه، وأما من لم يخلص توكله على الله، واسترسل مع الشيطان في ذلك فقد يعاقب بالوقوع فيما يكره؛ لأنه أعرض عن واجب الإيمان بالله، وأن الخير كله بيده، فهو الذي يجلبه لعبده بمشيئته وإرادته، وهو الذي يدفع عنه الضر وحده بقدرته ولطفه وإحسانه، فلا خير إلا منه، وهو الذي يدفع الشر عن عبده، فما أصابه من ذلك فبذنبه، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩].
قال المصنف ﵀: [وله من حديث الفضل بن عباس ﵁: (إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك)] في هذا الحديث -وإن كان الحديث ضعيفاً، وفيه انقطاع، فمثل هذا لا يعتمد عليه- حد الطيرة، وهو: أن يكون الإنسان عاملاً بما يقع له، إما أن يمضي في مراده إذا سمع الشيء الذي يرى أنه خير، أو يمتنع إذا رأى أنه شر، فهذه هي الطيرة، أما أن يقع في نفسه شيء ثم لا يلتفت إليه، ويمضي في طريقه وعمله فهذا لا يضر، هذا لا يكون طيرة، وهذا معنى قوله: (إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك)، يعني: إذا وقع في نفسك شيء فعملت به ومضيت على أساس ذلك في النهج الذي تريده وتقصده، أو رجعت إذا كان بعكس ذلك وتركت العمل فهذه هي الطيرة، أما أن يقع في نفس الإنسان شيء ثم لا يلتفت إلى هذا الشيء، ويمضي معتمداً على ربه جل وعلا فهذا لا يضره، وليس هذا طيرة.
والحديث فيه انقطاع ونكارة، فهو منكر منقطع، ووجه النكارة أنه قال: (خرجت مع النبي ﷺ فبرح لنا ظبي فمال إلى شقه فالتزمته، فقلت: تطيرت يا رسول الله؟! فقال: إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك)، الرسول ﷺ لا يعمل مثل هذا، ولا يقع منه مثل هذا، لهذا هذا الحديث لا يعتمد عليه.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [هذا الحديث عند الإمام أحمد من حديث الفضل بن عباس ﵄، قال: (خرجت مع رسول الله ﷺ يوماً، فبرح ظبي، فمال في شقه فاحتضنته، فقلت: يا رسول الله! تطيرت؟! فقال: إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك)، وفي إسناده انقطاع، أي: بين مسلمة راويه وبين الفضل وهو الفضل بن العباس بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ ، قال ابن معين: قتل يوم اليرموك، وقال غيره: قتل يوم مرج الصفر سنة ثلاث عشرة، وهو ابن اثنتين وعشرين سنة.
وقال أبو داود: قتل بدمشق، كان عليه درع النبي ﷺ ].
وهذا فيه اضطراب كثير جداً، حتى إن بعض المؤرخين يرى أنه قتل في قرب الصين في بلاد بعيدة، وبعضهم يرى أنه قتل في سمرقند، وعلى كل حال فمثل هذا ليس مهماً، المهم ما في الحديث من قوله: (فمال عن شقه فاحتضنته)، فهذا لا يثبت، ولا يقع منه ﷺ مثل هذا الشيء.
قال الشارح ﵀: [قوله: (إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك)، هذا حد الطيرة المنهي عنها، أنها ما يحمل الإنسان على المضي فيما أراده، ويمنعه من المضي فيه كذلك، وأما الفأل الذي كان يحبه النبي ﷺ : فيه نوع بشارة، فيسر به العبد ولا يعتمد عليه، بخلاف ما يمضيه أو يرده، فإن للقلب عليه نوع اعتماد فافهم الفرق والله أعلم].
يعني: أن الفأل رجاء من الله وظن حسن، وإن كان السبب ضعيفاً وتافهاً فالإنسان يكون على خير، والله عند ظن عبده به، إذا ظن خيراً أعطاه خيراً، ومع ذلك لا يجوز أن يعتمد على الفأل، ويجعله دليلاً له، ويمضي من أجل ذلك، فإن هذا لا يجوز، وإنما يظن أنه يحصل له خير، ويعتمد على ربه ويتوكل عليه، ويعمل الأسباب التي أمر بها.
أما الطيرة: فهي شر بل هي شرك؛ لأنه يجعل المستقبل الذي يقع معتمداً على فعل طير أو فعل حيوان أو شيء يراه أو ما أشبه ذلك، ومعلوم أن هذه الأشياء لا تصرف لها في الوقائع والحوادث، وإنما الحوادث التي ستحدث بيد الحي القيوم، الذي بيده ملكوت كل شيء، فلا يشاركه فيها أحد، ثم علم الغيب يختص بالله جل وعلا، فهذه الحيوانات وغيرها لا تعلم من المغيبات شيئاً، ولا تستطيع أن تتصرف في أمور الدنيا بشيء، فهذا هو الصواب وهذا هو الفرق بين الفأل والطيرة، فالطيرة: لا يجوز أن يعمل بها مطلقاً وهي من الشرك، أما الفأل: فهو الظن الحسن والرجاء من الله جل وعلا، ومع ذلك لا يعتمد عليه؛ لأن الاعتماد على ما أمر به الشارع، فما أمر الله جل وعلا به من الأفعال التي يحبها الله ويرضاها يعتمد عليه، ويتوكل على ربه.
стр. 1023
مسائل باب: ما جاء في التطير
стр. 1024
التنبيه على قوله : (أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: التنبيه على قوله : ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف:١٣١] مع قوله: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس:١٩]].
يعني: أنه لا معارضة بين هذه وهذه، وقوله: (طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ) يعني: جزاؤهم وما يستحقونه، وقوله: (طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ) يعني: أعمالكم التي تعملونها هي سبب ما يقع عليكم من العقوبات، فالمعنى واحد.
стр. 1025
نفي العدوى
[الثانية: نفي العدوى: الثالثة: نفي الطيرة].
سبق أن نفي العدوى المقصود به: ما يعتقده المشركون قديماً، فإنهم يعتقدون أن المرض بطبعه وقوته هو الذي يعدي، ولا ينظرون إلى قدر الله، وأنه يجعل أسباباً يوجد بها هذا المرض، فالمنفي هو ما يعتقده المشركون، وليس المنفي أن مخالطة المريض قد تكون سبباً في مرض الصحيح، هذا لم ينف؛ لأن أحاديث رسول الله ﷺ وأقواله لا تتعارض، وقد نهى أن يورد الممرض على المصح، يعني: لا يختلط المريض بالصحيح لئلا يحدث بسبب ذلك مرض، وكذلك: (فر من المجذوم كفرارك من الأسد)، وسبق أن الراجح في هذا هو النهي، وإذا كان نهياً فلا إشكال فيه، والأمر واضح.
стр. 1026
نفي الهامة
[الرابعة: نفي الهامة.
] الهامة سبق تفسيرها، وأنها فسرت على تفسيرين، أحدهما: البومة المعروفة، الطائر الذي يكون في الليل، ويألف الخراب، وكان المشركون والجهلة يتشاءمون به أشد التشاؤم، ويتطيرون به، ويرون أنه إذا وقع على بيت أحدهم أنه سيموت، إما هو أو ولده أو والده أو قريب له، وهذا هو الذي نفي.
التفسير الثاني: وهو جهل آخر كان يعتقده المشركون، وهو أن الرجل إذا قتل مظلوماً ولم يؤخذ بثأره فإنه يخرج من هامته، -يعني: من دماغه- طائر يبقى صائماً على قبره: اسقوني! اسقوني! حتى يؤخذ بثأره، ولهذا يقول شاعرهم: أو غبت حتى تقول الهامة اسقوني فهذا أيضاً لا حقيقة له، وهو منفي وكلاهما مقصود.
стр. 1027
تفسير الصفر المنفي في الحديث
[الخامسة: نفي الصفر].
الصفر تقدم أيضاً أنه فسر بثلاثة تفسيرات، أحدها: أنه شهر صفر، وكانوا يتشاءمون به، وأنه لا يأتي إلا بشر، هكذا كان يقولون، فلا يسافرون فيه، ولا يتزوجون فيه، وهذا منكر وباطل، فالشهر لا دخل له في الوقائع ولا في المستقبلات.
الثاني: أنه هو النسيء الذي ذكره الله في القرآن، وهو أنهم كانوا يقدمون شهر صفر إلى المحرم، فيجعلونه محرماً سنة، ويؤخرون شهر محرم إلى صفر حتى يستحلوا القتال في محرم، والسنة الأخرى يتركونه على ما هو عليه، فقال الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ [التوبة:٣٧].
الثالث: أن المقصود بالصفر: حية تكون في بطن كنف الرجال، وتكون عندهم أعدى من الجرب، هكذا زعموا، وكل هذا باطل، وقد نفي هذا كله في حديث: (لا صفر)، وكل هذه الأمور الثلاثة باطلة بحديث رسول الله ﷺ .
стр. 1028
تفسير الفأل
[السادسة: أن الفأل ليس من ذلك، بل مستحب.
السابعة: تفسير الفأل].
أي: بأنه الكلمة الطيبة يسمعها الرجل أو تقال له، هكذا جاء تفسيره في الحديث: (قالوا: وما الفأل يا رسول الله؟! قال: الكلمة الطيبة يسمعها أو تقال له)، ووضح ذلك العلماء بأن الإنسان قد يكون مثلاً فاقداً شيئاً، فيسمع قائلاً يقول: يا واجد! أو يا راشد! فيتفاءل بأنه سيجد وسيرشد إلى طلبه، أو يكون مريضاً ويسمع قائل يقول: يا معافى! أو ما أشبه ذلك، فيتفاءل بأنه سيشفى، ومع ذلك لا يعتمد على هذا، وإنما يرجو ويظن الخير.
стр. 1029
التطير الواقع في القلوب لا يضر وبيان ماذا يقول من رأى شيئاً يتطير منه
[الثامنة: أن الواقع في القلوب من ذلك مع كراهته لا يضر بل يذهبه الله بالتوكل].
أي: لا يضر إذا لم يعتمد عليه الإنسان ولم يمض على سبيل ذلك، فإذا أعرض عنه وتركه وصد عنه وتناساه فإنه لا يضره.
[التاسعة: ذكر ما يقول من وجده].
يعني: أن يقول: (اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك، ولا حول ولا قوة إلا بك) يقول هذا ويمضي.
[العاشرة: التصريح بأن الطيرة شرك.
الحادية عشرة: تفسير الطيرة المذمومة].
وقد تقدم الكلام على ذلك.
стр. 1030
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٨١]
النجوم خلقها الله لثلاثة أغراض: زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يُهتدى بها، وليس لها أي تصرف أو تدبير، ومن نسب إليها شيئاً من ذلك فقد وقع في الشرك، وهكذا من تعلم التنجيم فقد تعلم السحر، والسحر كفر بالله ، ويستثنى من ذلك تعلم منازل النجوم والقمر الذي يسمى بعلم الفلك؛ فقد أجازه كثير من العلماء.
стр. 1031
حكم التنجيم وأقسامه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في التنجيم] التنجيم: تفعيل نسبة إلى النجوم، يعني: الأفعال التي تعتقد في النجوم.
والتنجيم قسمه العلماء إلى قسمين: قسم شرك بالله جل وعلا، وهذا الذي جعل المصنف يدخل التنجيم في كتاب التوحيد.
وقسم آخر جائز لا بأس به، وإن كان بعض العلماء ينهى عن التوغل فيه، والإكثار منه.
أما القسم الأول: فهو الاستدلال بسير النجوم وطلوعها وأفولها على الأمور المستقبلة من الحوادث، كهبوب الرياح، ونزول الأمطار، وحدوث الأمراض، وقيام الحروب، وما أشبه ذلك مما يحدث في الأرض، ولهذا عرف ذلك بعض العلماء، فقال: هو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، والأحوال الفلكية يعني: السير والطلوع والأفول، واقتران بعض النجوم ببعض، وليس المقصود باقترانها أنها تلتصق، ولكنها تتقارب في رأي العين، فيظن الرائي أنها اقترنت، ويسمى ذلك التقارب اقتراناً، فكل ما يضاف إلى النجوم من أن لها تأثيراً في الحوادث، وفي النفوس، والسعود، والأرزاق، والإفقار، أو غير ذلك فهو من الشرك.
وهذا القسم له أقسام عدة، وكلها من الشرك، ومنه ما يكون عند المنجمين، كقولهم: إن الإنسان إذا ولد في النجم الفلاني أو في الفلك الفلاني يكون له كذا وكذا وكذا، وإذا سافر في النجم الفلاني يكون له كذا، ويحصل له كذا، وإذا تزوج بالنجم الفلاني يحصل له كذا، وإذا عقد صفقة من تجارة أو غيرها في النجم الفلاني يحصل له ربح أو يحصل له خسارة أو ما أشبه ذلك، وهذا لا يزال مستعملاً إلى اليوم؛ يستعمله كثير من الناس، فهذا من أقل هذه الأنواع، ومع ذلك فهو من الشرك -نسأل الله العافية-؛ لأن النجوم ليس عندها تصرف، وليس عندها تأثير، وإنما هي مدبَرة مسخرَة، تسير بأمر الواحد القهار جل وعلا، مطيعة خاضعة لربها جل وعلا.
وقسم آخر وهو: أن هذه الكواكب لها روحانيات، وهذه الروحانيات تتصرف عندما يُخضع لها، وتُنادى وتطاع، فتنفع وتضر، وهذا فعل المشركين القدامى كقوم إبراهيم ﵇ وغيرهم؛ فإنهم كانوا يعبدون الكواكب يعتقدون فيها، ولهذا ناظرهم إبراهيم ﵇ فأبطل عبادتهم، فإنه نظر إلى كوكب فقال -من باب المناظرة: ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام:٧٦]، والتقدير: أهذا ربي؟ ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام:٧٦]، والأفول هو: الغروب؛ والإله لا يغيب، وغيبوبته تدل على أنه يجهل، وأنه غير كامل، وكذلك قال في القمر وفي الشمس، ثم بعد ذلك قال لهم: ﴿كَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام:٨١]، ثم بين الحكم فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ يعني: بشرك ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]، فهذا التنجيم من أعظم الشرك وأكبره، ومثل هذا لا يحصل إلا لمن كفر بالله جل وعلا وكفر بشرعه.
وقسم ثالث: وهو ربط الأحوال التي تكون في الأرض بهذه الكواكب ربطاً لا ينفك عنه، وهذا زعم باطل أيضاً، وقد يستعمله بعض من يدعي الإسلام، فيستدلون على الأحوال التي تكون في الأرض بطلوع الكواكب أو غروبها، أو كون الكوكب الفلاني في البرج الفلاني، أو كونه في وقت كذا، وهذا كثير أيضاً، وهو نوع من الشرك، وكل هذا داخل فيما ذكر.
أما القسم الذي هو جائز: فهو الاستدلال بالأجرام السماوية على الجهات، وعلى الأوقات، والأعداد، وكذلك الأبعاد، والتفكر في ذلك، فهذا جائز، وهذا هو الذي يسمى الآن بـ (علم الفلك)، وقد وضعت له الأرصاد والمناظر المكبرة والمقربة، فصار هذا العلم يختلف عن العلم السابق، وهذا العلم نهى العلماء عن الإيغال فيه؛ لأن أقل ما فيه أنه يشغل عن ما هو أفضل منه، ومع ذلك لا ينكر مثل هذا، وهو ليس مقصوداً في الباب.
стр. 1032
الأغراض التي خلقت لها النجوم
وقد ذكر الله جل وعلا أن النجوم خلقت لأغراض ثلاثة ذكرها لنا جل وعلا: الأول: أنها زينة للسماء، كما قال جل وعلا: ﴿زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك:٥].
الثاني: أنها رجوم للشياطين، وفي الآية أيضاً: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك:٥]، وذلك أن الشياطين -مردة الجن- يركب بعضهم بعضاً حتى يصلوا إلى عنان السماء -أي: قرب السحاب أو ما أشبه ذلك- ليستمعوا إلى كلام الملائكة، والملائكة يكونون بين السماء والأرض أو يكونون في السحاب أو حيث يشاء الله جل وعلا، فحينما يدبرهم ويأمرهم بتصريف الأمور، فإن الجن يريدون أن يستمعوا إلى ما يتكلم به الملائكة فيحاولون استراق السمع، فيلتقطون بعض الكلمات فيأتون بها إلى أوليائهم من السحرة والكهنة، فجعل الله جل وعلا النجوم شهباً يرجمون بها، كما كان الوحي الذي يوحيه الله إلى أوليائه مانعاً لهم من استقراق السمع إلا أن الوحي قد انقطع ولم يبق إلا الرجم الذي يرسل عليهم، فيقتل منهم ما شاء الله أن يقتل، ويسلم بعضهم.
الأمر الثالث: أنها علامات يهتدى بها، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل:١٦]، يعني: يهتدون في طرقهم في البر والبحر، وهذا شيء مألوف ومعروف، وكذلك يهتدون بها على القبلة والجهات.
وسيأتي قول قتادة: أن من بحث في النجوم عن غير هذه الأمور الثلاثة فقد أضاع سبيله ونصيبه من الآخرة وضل، وترك ما أمره الله جل وعلا به، واتبع طريق الضلالة.
وأما معرفة النجوم بأحوالها وأبعادها وأجرامها فهذا من هذا النوع؛ لأن فيه دليلاً على الله وعظمته جل وعلا، كما أخبر الله جل وعلا عن ذلك في آيات عدة، فهي داخلة في القسم الثالث: قسم الاهتداء بما، فيُهتدى بها إلى الطرق، ويُهتدى بها إلى معرفة الله جل وعلا؛ لكونها من الآيات، مثل: السموات، والأرض، والجبال، والشجر، والنبات، والإنسان، وغير ذلك من المخلوقات التي تدل على وجود الرب جل وعلا.
стр. 1033
تعريف التنجيم
قال الشارح ﵀: [قوله: (باب ما جاء في التنجيم): قال شيخ الإسلام ﵀: التنجيم هو: الاستدلال بالأحوال الفلكية، على الحوادث الأرضية.
وقال الخطابي: علم النجوم المنهي عنه: ما يدعيه أهل التنجيم، من علم الكوائن والحوادث التي ستقع في مستقبل الزمان، كأوقات هبوب الرياح ومجيء المطر، وتغير الأسعار، وما في معناها من الأمور التي يزعمون أنها تدرك معرفتها بمسير الكواكب في مجاريها، واجتماعها وافتراقها، يدعون أن لها تأثيراً في السفليات، وهذا منهم تحكم على الغيب، وتعاطٍ لعلم قد استأثر الله به، ولا يعلم الغيب سواه].
قد يقع شيء مما يخبر به المنجم -مثل ما يحصل مع الكاهن- وليس معنى ذلك أنه يعرف شيئاً، ولكن صادف القدر فصار فتنة لمن صدق به، وإلا هو ضرب من التخمين، وقد علم الناس كذب المنجمين، فكم من الحوادث التي وقعت حكموا بأنها ستأتي على هيئة كذا وكذا، وجاء الواقع بخلاف ذلك، وهناك وقائع وحوادث مشهورة جداً، دلت على ما نقول، ذكرها المؤرخون، وكان المنجمون يجمعون على شيء، فيصبح كذبهم ظاهراً وواضحاً، ومع ذلك المؤمن لا يحتاج إلى مثل هذا؛ لأنه يعرف كذبه من أول وهلة، وأن النجوم لا دخل لها في الحوادث المستقبلة.
وقوله هنا: الأزمان المستقبلة، والحوادث المستقبلة، يقصد به: الشيء الذي سيقع ولو في اليوم، بخلاف الذي وقع فإنه قد علم، أما الذي لم يقع فهو من أمور الغيب، لا يعلمه إلا الله، والنجم ليس له دخل في ذلك.
стр. 1034
حكم تعلم منازل القمر، وشرح أثر قتادة في ذلك
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال البخاري في صحيحه: قال قتادة: (خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به) ا.
هـ وكره قتادة تعلم منازل القمر، ولم يرخص ابن عيينة فيه.
ذكره حرب عنهما.
ورخص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق].
الصواب: أن تعلم منازل القمر لا بأس به؛ لأن بذلك يعرف الحساب، ويعرف الوقت، فهو لا تأثير له في الحوادث وغيرها، إلا أن هذه المعرفة لا طائل تحتها، غير أنها أمر مباح، وشرح ذلك: أن القمر له منازل، كل ليلة يكون في واحدة، إلا ليلتين في الشهر أو ليلة، فإذا كان كاملاً فيكون في ليلتين ليس له منزلة، ويسمى الاستسرار، وإذا كان ناقصاً فليلة واحدة ليس له منزلة، والمنازل ثمان وعشرون منزلة فقط، وسميت منازل لأن القمر يكون بحذائها أو قريباً منها، وإلا فهي فوقه بكثير، ليست معه ولا قريباً منه، والكواكب كما هو معلوم تتفاوت في البعد، فبعضها بعيد بعداً شاسعاً جداً، وبعضها أقرب من ذلك، والصواب أنها كلها تحت السماء الدنيا، وليس منها شيء فوق السماء الدنيا، أو في السماء الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة، أو السابعة، كما يقول المنجمون قديماً، فإنهم يزعمون -كما هو مشهور عندهم- أن القمر في السماء الدنيا، وأن الشمس في السماء الرابعة، وأن زحل في السماء السابعة، وهكذا كانوا يجعلون كل كوكب من الكواكب السيارة السبعة وغيرها في منزل، فهذا في سماء، وذاك في سماء أخرى.
فإذا قيل لهم: كيف ذلك؟ قالوا: إن السماوات شفافة، يعني: أن الكواكب ترى من خلفها، وهذا تحكم، وليس لهم عليه أيّ دليل، بل هو كذب، وعلم هذا عند الله جل وعلا، والله جل وعلا أخبرنا في كتابه أنها في السماء الدنيا، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات:٦]، وجاء في عدد من آيات الله جل وعلا يخبر أنها في السماء الدنيا، ولكن بعضها تحت بعض؛ لأن كل واحد منها له فلك يسير فيه، وهي مختلفة المسير، فبعضها بطيئة السير، وبعضها سريعة، وبعضها يكون سيرها عكسياً، ولكنها متقنة إتقاناً عجيباً؛ حيث إنها تسير سيراً منتظماً، وبعضها كبير وبعضها موغل في الكبر، وبعضها أصغر من ذلك، وبعضها ثابت، وبعضها غير ثابت، بمعنى: أنه لا يقطع السماء إلا بعد ثلاثين سنة، أعني: يغيب عن الأرض ويخرج عليها مرة أخرى بعد ثلاثين سنة، وبعضها في أقل من ذلك بكثير، وبعضها في شهر، وبعضها في أسبوع، وبعضها في أقل من ذلك، فهي تختلف، وكل هذه الأمور من النظر إلى مسيرها، وإلى أوقاتها، وإلى أجرمها وأبعادها يدخل في تعلم منازل القمر، وقد ذكر عن قتادة أنه لم يرخص فيه، ورأى أنه من الأمور التي قد تكون -أقل ما تكون- مشكلة عند غيره.
وبعضهم رخص في ذلك، وقال: لا بأس به؛ لأن فاعل ذلك يعترف أنها مدبَرة ومسخرَة، وأنها آيات دالة على وجود الله جل وعلا، أما إذا كان يتعلق فيها بشيء آخر كمعرفة الحوادث ووقائع الأمور فهذا أمر آخر، وسبق أنه لا يجوز.
والمقصود: أن القمر ينزل كل ليلة في واحدة من هذه المنازل، وكل واحدة من هذه المنازل تسمى (منزلة القمر)، وليس معنى ذلك أن الكوكب يقترن بها، بل يكون محاذياً لها، وقد يكون عن يمينها، أو عن شمالها، أو أمامها، أو خلفها، وهي فوقه بكثير؛ لأن القمر هو أقرب الكواكب إلى الأرض؛ وكل الكواكب فوقه، فتسميتها منازلاً هذا معناه: أنه يكون قريباً منها، وكل منزلة بينها وبين الأخرى ثلاثة عشر يوماً في الطلوع والغروب، أعني: إذا طلعت هذه فبعد ثلاثة عشر يوماً تطلع التي بعدها، وكذلك إذا غربت تلك تطلع المقابلة لها من الشرق؛ لأن على سطح الأرض دائماً يُرى أربعة عشر منه، وتحت الأرض أربعة عشر، فهي دائمة المسير هكذا.
وهذه هي التي يسميها العرب (الأنواء)، ويضيفون إليها هطول المطر، وهبوب الرياح، وما إلى ذلك، وقد أنكر ذلك السلف، ولهذا لما قال رجل عند الحسن البصري: طلع سهيل وبرد الليل، قال الحسن: ليس عنده أي شيء لا من البرودة ولا من الحرارة، والله جعل الأوقات مختلفة، فلا يجوز إضافة شيء من ذلك إلى سهيل ولا إلى غيره، وإنما هو الفاعل الله جل وعلا، وهو الذي جعل الأوقات متغيرة: فمرة تكون برداً، ومرة تكون حراً، ووقتاً تكون معتدلة وهكذا، فهذا كله إلى الله، لا يجوز أن نضيفه إلى النجوم، ولا إلى مخلوق من مخلوقاته؛ لأنه صنع رب العالمين جل وعلا، وهو الذي يدبر الكون كله.
وكذلك منازل القمر ليس عندها شيء من هذا، وإن كان يستدل بها على هذه الأوقات؛ لأن السنة تتكون من بروج معروفة، وهي: اثنا عشر برجاً، كل برج له أربع من هذه المنازل.
وعلى كل حال هذه الأمور: أمور الحساب، ومعرفة القمر من الأشياء المباحة، ولكن غيرها أنفع منها.
قال الشارح ﵀: [هذا الأثر علقه البخاري في صحيحة، وأخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وغيرهم.
وأخرجه الخطيب في كتاب (النجوم) عن قتادة، ولفظه قال: (إنما جعل الله هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء، وجعلها يهتدى بها، وجعلها رجوماً للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد قال برأيه، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به، وإن ناساً جهلة بأمر الله، قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة: من أعرس بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ولعمري ما نجم إلا ويولد به الأحمر والأسود، والطويل والقصير، والحسن والدميم، وما علم هذه النجوم وهذه الدابة وهذا الطائر بشيء من هذا الغيب، ولو أن أحداً علم الغيب لعلمه آدم الذي خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء).
انتهى].
قوله: (وعلمه أسماء كل شيء)، أي: هو فُضّل بذلك على سائر الخلق، فلو كان هذا فيه منة وفيه خير لعلمه.
وقوله: (لعمري)، قد يشكل على بعض طلبة العلم؛ لأنهم يظنون أن هذا قسم، والقسم لا يجوز أن يكون بغير الله جل وعلا، كما قال الرسول ﷺ : (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)، وقال: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)، وقال: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم)، فلا يجوز أن يحلف الإنسان بغير الله، وكلمة: (لعمري) ليست بحلف، إنما هي أسلوب من أساليب اللغة العربية للتأكيد فقط، ولهذا جاءت عن الصحابة وعن غيرهم من السلف كما في قول قتادة هنا.
وأما قوله جل وعلا: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢]، فهو قسم بعمر النبي ﷺ ، وليس فيه دليل على جواز الحلف بغير الله، بل هذا جارٍ على أسلوب اللغة العربية، والقرآن نزل بلغة العرب.
стр. 1035
بيان أن النجوم والكواكب ليست ملاصقة للسماء الدنيا، والرد على من يورد شبهاً في ذلك
قال الشارح ﵀: [فتأمل ما أنكره هذا الإمام مما حدث من المنكرات في عصر التابعين، وما زال الشر يزداد في كل عصر بعدهم حتى بلغ الغاية في هذه الأعصار، وعمت به البلوى في جميع الأمطار، فمقل ومستكثر، وعز في الناس من ينكره، وعظمت المصيبة به في الدين، فإنا لله وإنا إلي راجعون.
قوله: (خلق الله هذه النجوم لثلاث) قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك:٥]، قال تعالى: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل:١٦].
وفيه إشارة إلى أن النجوم في السماء الدنيا، كما روى ابن مردويه عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أما السماء الدنيا فإن الله خلقها من دخان، وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وزينها بمصابيح، وجعلها رجوماً للشياطين، وحفظاً من كل شيطان رجيم)].
ولا ينبغي أن يفهم أن النجوم والكواكب ملاصقة للسماء، ولا يلزم ذلك، فإن المعروف أن هناك تفاوتاً بين بعضها البعض، فبين القمر وغيره تفاوت هائل في البعد، والقرآن وأحاديث الرسول ﷺ لا يمكن أن تكون مخالفة للواقع، وبعض الناس قد يقول قولاً يظنه حقاً ويصر عليه، ويزعم أن القرآن يدل على ذلك، ولما يتثبت بعد من صحة ما فهم، فيكون في هذا فتنة له ولغيره.
فمثلاً الذي يقول: إن القمر في السماء، وإنه ملاصق لها! وقد شاهد الناس أو المختصون بهذا بعد القمر عن السماء، وأنه إلى الأرض أقرب منها إلى السماء بكثير جداً، فإذا ما سمع خبراء الفلك وعلماء الكواكب التفسير السابق المدعم بالأدلة -كما يزعم صاحبه- ظنوا أن القرآن يخالف الواقع والحقائق العلمية، وماكان كذلك فلا يكون صحيحاً.
كما أنه وجد -مثلاً- من يقول: بأن الأرض مسطحة وليست كروية، مستدلاً على ذلك بقول الله جل وعلا: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:١٧ - ٢٠]، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات:٣٠] وما أشبه ذلك، فإذا سمع الإنسان الذي يعرف كروية الأرض وليس عنده في ذلك شك فإنه سينسب الخطأ إلى القرآن، وسيقول: هذا دليل على القرآن ليس صحيحاً، ولو كان صحيحاً ما كان مخالفاً للواقع، فيكون فتنة له، ولهذا لا يجوز للإنسان أن يتكلم بالشيء الذي لا يعرفه، بل يجب أن يكون كلامه عن علم ومعرفة، وألا يقول على الله جل وعلا شيئاً لا يعرف حقيقته.
فلهذا يقول العلماء: إن القول على الله بلا علم يكون أعظم من الشرك أو معادلاً له؛ لأن فيه مفاسد عظيمة: إما نسبة الباطل إلى دين الله وإلى حكمه وإلى قوله، أو نسبة الكذب إليه، نسأل الله العافية.
والمقصود: أنه ليس معنى قوله هنا: إن الكواكب في السماء الدنيا: أنها ملاصقة للسماء، فكل ما فوق الإنسان يصح أن يقال له: سماء، والشيء الذي فوقنا كله في السماء، السحاب في السماء، والهواء الذي يأتي من فوق في السماء، وكذلك النجوم وغيرها، ولكن في نظر العين إذا نظر الإنسان فوقه فإنه يرى أن الكواكب كأنها مصابيح معلقة في السماء، وهي زينة على كل حال عند النظر إليها.
стр. 1036
من فوائد النجوم الاهتداء بها
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: (وعلامات) أي: دلالات على الجهات (يهتدى بها) أي: يهتدي بها الناس في ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام:٩٧] أي: لتعرفوا بها جهة قصدكم، وليس المراد أنه يهتدى بها في علم الغيب كما يعتقده المنجمون، وقد تقدم وجه بطلانه، وأنه لا حقيقة له، كما قال قتادة، (فمن تأول فيها غير ذلك) -أي: زعم بها غير ما ذكره الله في كتابه من هذه الثلاث- فقد أخطأ، حيث زعم شيئاً ما أنزل الله به من سلطان، وأضاع نصيبه من كل خير؛ لأنه شغل نفسه فيما يضره ولا ينفعه].
والنجوم كذلك يستدل بها على جهة القبلة، وعلى الجهات الرئيسية المعروفة، وقد ذكر الفقهاء مسألة، فقالوا: هل يجب على الإنسان أن يتعلم الأمور التي يعرف بها جهة القبلة؟ فبعضهم يوجب هذا، ويقول: واجب عليه أن يعرف؛ لأن الإنسان لا ينفك عن السفر وعن الذهاب والإياب في الأرض، ويكون وحده أحياناً، وقد يكون مع جماعة لا يعرفون القبلة، واستقبال القبلة شرط في صحة الصلاة، فينبغي أن يكون عنده معرفة من ذلك ليجتهد، والنجوم تعرف بها جهة القبلة، فأما إذا كان في النهار فيكون ذلك إما بالشمس أو بالجبال أو بالرياح؛ لأن هناك جهات رئيسية غالباً تهب منها الرياح، والجبال كلها -إلا نادراً- تكون مستقبلة للغرب، ووجوهها إلى الغرب، هذا إذا كانت جبال كبيرة، وأما الجبال الصغيرة فلا عبرة فيها، فلهذا جعلت من الأقسام التي يستدل بها على القبلة.
стр. 1037
المنجم دجال كالكاهن
قال الشارح ﵀: [فإن قيل: المنجم قد يصدق، قيل: صدقه كصدق الكاهن يصدق في كلمة ويكذب في مائة، وصدقة ليس عن علم، بل قد يوافق قدراً فيكون فتنة في حق من صدقه، وعن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلامَاتٍ﴾ [النحل:١٥ - ١٦] فقوله: (وعلامات) معطوفاً على ما تقدم مما ذكره في الأرض، ثم استأنف فقال: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل:١٦]، ذكر ابن جرير عن ابن عباس بمعناه.
وقد جاءت الأحاديث عن النبي ﷺ بإبطال علم التنجيم، كقوله: (من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد).
وعن رجاء بن حيوة أن النبي ﷺ قال: (إن مما أخاف على أمتي التصديق بالنجوم، والتكذيب بالقدر، وحيف الأئمة) رواه عبد بن حميد.
وعن أبي محجن مرفوعاً: (أخاف على أمتي ثلاثاً: حيف الأئمة، وإيماناً بالنجوم، وتكذيباً بالقدر) رواه ابن عساكر وحسنه السيوطي.
وعن أنس ﵁ مرفوعاً: (أخاف على أمتي بعدي خصلتين: تكذيباً بالقدر، وإيماناً بالنجوم)، رواه أبو يعلى وابن عدي والخطيب في كتاب (النجوم)، وحسنه السيوطي أيضاً.
والأحاديث في ذم التنجيم والتحريم منه كثيرة.
[قال الخطابي: أما علم النجوم الذي يدرك من طريق المشاهدة والخبر الذي يعرف به الزوال، وتعلم به جهة القبلة: فإنه غير داخل فيما نهي عنه، وذلك أن معرفة رصد الظل ليس شيئاً بأكثر من أن الظل مادام متناقصاً، فالشمس بعد صاعدة نحو وسط السماء من الأفق الشرقي، وإذا أخذ في الزيادة فالشمس هابطة من وسط السماء نحو الأفق الغربي، وهذا علم يصح إدراكه بالمشاهدة، إلا أن أهل هذه الصناعة قد دبروها بما اتخذوا له من الآلات التي يستغني الناظر فيها عن مراعاة مدته ومراصدته.
أما ما يستدل به من النجوم على جهة القبلة: فإنها كواكب رصدها أهل الخبرة بها من الأئمة الذين لا نشك في عنايتهم بأمر الدين ومعرفتهم بها، وصدقهم فيما أخبروا به عنها، مثل أن يشاهدها بحضرة الكعبة، ويشاهدها على حال الغيبة عنها، فكان إدراكهم الدلالة منها بالمعاينة، وإدراكنا ذلك بقبول خبرهم، إذ كانوا عندنا غير متهمين في دينهم، ولا مقصرين في معرفتهم.
ا.
هـ].
هذا ليس بقاصر عليهم، بل كل عاقل إذا نظر إلى ذلك أدركه وعرفه، فليس معنى ما سبق أنه متوقف عليهم، وإذا أخبروا وجب قبول خبرهم، بل يجب أن يُنظر ويُسبر الحال؛ لأن الأمر واضح وجلي، وكل من له عقل وفكر ونظر يدرك هذا.
стр. 1038
ذكر من رخص في تعلم منازل القمر
قال الشارح رحمه الله تعالى: [روى ابن المنذر عن مجاهد أنه كان لا يرى بأساً أن يتعلم الرجل منازل القمر.
وروى عن إبراهيم أنه كان لا يرى بأساً أن يتعلم الرجل من النجوم ما يهتدي به].
معنى تعلم منازل القمر: أن يعرفها بأعيانها، أن يعرف أن القمر ينزل في كذا، ويعرف أن منها أربعة عشر منزلاً يدور على القطب الجنوبي، وأربعة عشر أخرى تدور على القطب الشمالي، ولهذا تسمى بعضها يمانية، وبعضها شامية، وعلى كل حال أمرها سهل، وليس تحت تعلمها طائل، إلا أن يكون بها معرفة الحساب.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال ابن رجب: والمأذون في تعلمه علم التسيير لا علم التأثير، فإنه باطل محرم، قليله وكثيره، وأما علم التسيير فيتعلم منه ما يحتاج إليه من الاهتداء، ومعرفة القبلة، والطرق، جائز عند الجمهور].
وكذلك إذا عرف أجرام الكواكب وأبعادها جائز؛ لأنها آيات دالة على الله جل وعلا، وقد أخبر جل وعلا أنها آيات.
стр. 1039
ترجمة حرب الكرماني وإسحاق بن راهويه
قال الشارح ﵀: [قوله: (ذكره حرب عنهما) هو الإمام الحافظ حرب بن إسماعيل أبو محمد الكرماني الفقيه من جلة أصحاب الإمام أحمد، روى عن أحمد وإسحاق وابن المديني وابن معين وغيرهم، وله كتاب المسائل التي سئل عنها الإمام أحمد وغيره، مات سنة ثمانين ومائتين.
وأما إسحاق فهو ابن إبراهيم بن مخلد أبو أيوب الحنظلي النيسابوري الإمام المعروف بـ ابن راهويه، روى عن ابن المبارك وأبي أسامة وابن عيينة وطبقتهم.
قال أحمد: إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين.
روى عنه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم، وروى هو أيضاً عن أحمد.
مات سنة تسع وثلاثين ومائتين].
стр. 1040
شرح حديث: (ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر)
قال المصنف ﵀: [وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر) رواه أحمد وابن حبان في صحيحه].
سبق أن التنجيم نسبة إلى النجوم، وأنه منقسم إلى أقسام: منه ما هو جائز، ومنه ما هو كفر بالله جل وعلا، ومنه ما هو مختلف فيه كما سبق، فأما الذي هو جائز: فهو الاستدلال بها على الجهات في المسير، سواء في البحر أو في البر أو على القبلة وما أشبه ذلك.
وأما المختلف فيه: فهو تعلم منازل القمر، فإن فيه خلاف بين العلماء، منهم من أجازه وأباحه، ومنهم من كرهه.
وأما المحرم: فهو الاستدلال بطلوع الكواكب أو اقترانها أو مسيرها على أنه سيحدث في الأرض شيء من مرض، أو رياح، أو حروب، أو غلاء أسعار أو رخصها، أو سعادة أو شقاء، أو ما أشبه ذلك؛ فإن هذا كفر بالله جل وعلا؛ لأنه يضيف الحوادث إلى غير موجدها وإلى غير خالقها.
أما ما ذكره في هذا الحديث فإنه قسم آخر، فقوله: (ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر) المدمن هو: المديم على الشيء، الذي يفعل الشيء ولا يقلع عنه، بل يستديم عليه، من أدمن الشيء إذا تردد فيه وألفه، وصار ديدنه ذلك، بخلاف الذي يفعله مرة ثم يتركه، فإن هذا لا يُعد مدمناً، وإنما يكون مدمناً الذي يألف الشيء ويستمر عليه، والخمر أم الخبائث، والواقع أنه ليس المقصود بالخمر الذي هو عصير العنب أو عصير الشعير أو عصير التمر، وما يصنع من هذه الأشياء، ليس هذا المقصود، فالخمر: اسم جامع لكل ما يخامر العقل ويغطيه من كل شيء كان، سواء كان من الأمور التي يزعم أن فيها نفعاً، أو من الأمور التي هي ضرر كلها ليس فيها نفع، قال الله جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩]، فإن كل شيء يكون فيه النفع للإنسان مباحاً، فإذا كان ضرره أكثر من نفعه فهو محرم، وإن كان فيه نفع، ولكن هناك أشياء من المسكرات ضررها محض ليس فيها أي نفع، وهي أنواع شتى وكثيرة جداً، وبعضها أعظم من بعض، ولكن كلها تدخل في قول الرسول ﷺ : مدمن الخمر، وقد جاء صلوات الله وسلامه عليه بجوامع الكلم حيث إنه قال: (كل مسكر خمر)، وقال: (وما أسكر كثيره فقليله حرام).
والسكر هو: تغطية العقل، وقد يكون بالمفتر أو بالمخدر الذي يفتر البدن ويخدره، لأنه نوع من الإسكار، فإذا اعتاد الإنسان شيئاً من ذلك فقد لا يؤثر عليه، ومع ذلك يكون حكمه ما ذكر.
والشاهد هنا قوله: (ومصدق بالسحر)، وإذا كان هذا الوعيد بحق من صدق الساحر، فكيف بالساحر نفسه؟! لهو أشد جرماً وأعظم إثماً.
وكذلك التنجيم يدخل في هذا النوع، فقد جاء في حديث ابن عباس مرفوعاً: (من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد)، والسحر هو: ما لطف وخفي سببه، أي: خفي على بعض الناس، وهو لا يكون إلا بواسطة الشياطين، ومثله الاقتباس من النجوم بأن تجعل الحوادث المستقبلة بطلوع النجوم أو بغروبها أو بأفولها أو ما أشبه ذلك، وهذا يعد رجماً بالغيب ليس لها صلة بالحوادث أصلاً، وإنما هو كذب وافتراء على الله جل وعلا، وقد يقع شيء من ذلك فيكون فتنة لمن يصدق بهذا.
أما قوله: (لا يدخلون الجنة) القول الصحيح فيه من أقوال العلماء: أنه لا يتعرض له لا بتأويل -يعني: تفسير- ولا برد، مع الثقة بأن مرتكب الكبيرة لا يكون كافراً، ولكن هذا إلى الله جل وعلا، وقد أخبر الرسول ﷺ وأخبر الله جل وعلا عن ذلك، فيبقى على ما أخبرا به، والخوف قائم على هذا الإنسان الذي فعل هذا الفعل، وهو على خطر عظيم، ولكنه بهذا الفعل لا يخرج من دين الإسلام، فقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]، يبقى خطاب الله جل وعلا على ما قال، ويبقى آكل أموال اليتامى على خطر عظيم، ولكن أكلهم لأموال اليتامى لا يخرجهم من الدين الإسلامي، إلا أن هذا الوعيد فيهم، وأمرهم إلى الله، يجوز أن الله جل وعلا يمضي ذلك فيهم، وهذا هو الظاهر، ويجوز أن يعفو عنهم ولا يعاقبهم، فالأمر إليه، أما العباد فلا يجزمون بشيء، ولهذا يجب أن يُمتنع من الجزم بشيء؛ فإن الإنسان لا يخاطر بنفسه، وهكذا سائر الذنوب الكبار التي وردت فيها النصوص الشديدة، مثل: شرب الخمر، وتصديق السحر، وأكل الربا.
أما المتأول لها فإنه أيضاً على خطر ويخشى أن يكون من القول على الله بلا علم؛ لأنه عين معنىً، وليس له عليه دليل إلا عمومات الألفاظ، فالأولى أن يترك ما جاء على ما جاء، والشاهد في هذا قوله: (ومصدق بالسحر)، وعلم التأثير -تأثير النجوم بالأحوال- علم مبني على الكذب والحدس والظنون الكاذبة، وفيه أيضاً نسبة الحوادث إلى غير محدثها وموجدها، فيكون معتقد ذلك مستحقاً هذا الوعيد.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [هذا الحديث رواه أيضاً الطبراني والحاكم وقال صحيح، وأقره الذهبي، وتمامه: (ومن مات وهو يدمن الخمر سقاه من نهر الغوطة، نهر يجري من فروج المومسات، يؤذي أهل النار ريح فروجهن)].
أحوال النار التي أخبر الله جل وعلا بها فوق ما تتصوره عقول الناس، فالنار التي نراها ونشاهدها تحرق كل شيء، تحرق الرطب واليابس، ولكن نار جهنم أخبرنا الله جل وعلا أن فيها شجر الزقوم، ومع أنها متناهية في الحرارة ففيها كما أخبر الرسول ﷺ نهر الغوطة: الذي يجري من فروج الزواني والزانيات في نار جهنم، وهو شيء قبيح جداً يؤذي أهل النار، فهذا الذي يشرب الخمر يُسقى من هذا القبيح المنتن.
وجاء أنه ﷺ قال: (حق على الله جل وعلا أن يسقيه من طينة الخبال؟ فقيل: وما طينة الخبال؟ قال: عصارة فروج أهل النار)، وكل هذه الأشياء التي وردت أنها تحصل في النار يجب الإيمان بها، وإن كانت على خلاف ما يعهده الإنسان، ثم فيها أمور أخرى: فيها حيات، وفيها عقارب، وفيها كلاب، وفيها أنواع العذاب، ومع ذلك فيها ملائكة يدبرون أمورها، ويعذبون أهلها، ولكنهم خلقوا لهذا فلا تضرهم، والله أخبر أن: ﴿عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، كل هذه الأمور التي يخبر الله جل وعلا بها لا يجوز أن نقيسها على الشيء الذي نفهمه ونعرفه، وهي أمور غيبية تبنى على خبر الله وخبر رسوله ﷺ ، وعلى هذا غالب أمور الآخرة، بل كل ما بعد الموت فغالبه أنه لا يخضع للعقل، ومن أخضعه لعقله قد يصبح زنديقاً لعدم إيمانهبالله، واستيعاب علقه له؛ لأن عقل العبد قاصر، والواجب أن يؤمن العبد بكل ما أخبر الله جل وعلا به وأخبر به رسوله ﷺ .
стр. 1041
الرد على من يحملون نصوص الوعيد على التكفير
قال الشارح ﵀: [قوله: (وعن أبي موسى) هو عبد الله بن قيس بن سليم بن حضّار بفتح المهملة وتشديد الضاد، أبو موسى الأشعري، صحابي جليل، مات سنة خمسين.
قوله: (ثلاثة لا يدخلون الجنة)، هذا من نصوص الوعيد التي كره السلف تأويلها، وقالوا: أمروها كما جاءت، ومن تأولها فهو على خطر من القول على الله بلا علم].
وهذا القول هو الصحيح، والناس فيها على مذهبين: أحدهما راجح، والآخر باطل قطعاً، والمذهب المختار هو الذي ذكره هنا، أما المذهب الباطل قطعاً فهو مذهب الخوارج، الذين يجعلون هذه النصوص دليلاً على كفر مرتكب الكبيرة، وهذا باطل بلاشك.
وهناك مذهب أهل التأويل الذين يقولون: هذا جزاؤه لو جازاه، ولكن الله يخلف الوعيد، وأما الوعد فإنه لا يُخلفه، ويقولون: هذا جزاؤه أيضاً لو استحله، وهذا ليس عليه دليل.
والواقع أن الإنسان في هذا القول على خطر عظيم؛ لأنه قد يكون قال على الله ما لم يقل، فالصواب أن يقول الإنسان أمام هذه الأشياء: الله أعلم بمراده، وعلينا أن نؤمن بها ونحذر، ونقول: الله أعلم بمراده.
أما مرتكب الكبيرة -على مذهب أهل السنة- إذا لم يستحل الفعل المحرم المجمع على حرمته فهو مسلم، أما إذا استحله فهو بالاتفاق كافر، ومثله من حرم حلالاً معروفاً من الشرع أنه حلال فإنه يكون كافراً، وهذا لا خلاف فيه.
أما كون قولنا: القول الصواب في هذه النصوص الوعيدية أن نقول: الله أعلم بمراده فهو لأمرين: الأمر الأول: أنه أسلم، فإن من تأوله على خطر.
والأمر الثاني: أنه أدعى للانزجار والانكفاف عن فعل هذه الأمور وهذه المعاصي، وهذا هو الذي أراده الرسول ﷺ في هذه الأخبار؛ فإنه أراد أن يكون ذلك مانعاً من فعل واقتراف هذه المعاصي، بخلاف التأويل فإنه يقلل من خطرها.
стр. 1042
تحريم قطيعة الرحم
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وأحسن ما يقال: إن كل عمل دون الشرك والكفر المخرج من ملة الإسلام فإنه يرجع إلى مشيئة الله، فإن عذبه به فقد استوجب العذاب، وإن غفر له فبفضله وعفوه ورحمته.
قوله: (مدمن الخمر)، أي: المداوم على شربها.
قوله: (وقاطع الرحم)، يعني: القرابة، كما قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد:٢٢] الآية].
تمام الآية: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٣]، فأخبر سبحانه أن قاطع الرحم ملعون، وقطيعة الرحم: هو عدم صلتها، وصلة الرحم تكون بالشيء الذي يعتاده الناس ويتعارفون عليه ولو بالكلام، ولو بالزيارة، ولا يلزم أن تكون الصلة بالمال، لكن القطيعة هي عدم المواصلة، لا بكلام، ولا بزيارة، ولا بالشيء الذي يتعارف عليه الناس.
والرحم هي: كل قرابة من جهة النسب، فكل قرابة من جهة النسب هي رحم، ومعلوم أنها تختلف: فمنها ما هو ألزم من بعض وأوجب من بعض، فتقدم قرابة الأبوة والبنوة، ثم الأخوة، ثم العمومة، وهكذا، فالقرابات تختلف، وحقوقها تختلف باختلاف قربها، وإن كانت بعيدة من جهة النسب فهي أيضاً قرابة ويجب أن توصل كما أمر الله جل وعلا بصلتها.
وليست الصلة أنه يذهب كل يوم يزور أرحامه، أو يكلمهم كل يوم، أو كل أسبوع، أوكل شهر، أو كل سنة، بل هذا يرجع إلى العرف، فإذا كان القريب إذا زرته في الشهر مرة أو في السنة يقتنع بهذا ويرضى فإن هذه تكون صلة، والمقصود ألا يكون بين القريب وقريبه نفرة وعداوة يكون مصدرها وسببها الجفاء، فإذا كانت المودة موجودة وإن تباعدت الديار، وإن تباعدت الزيارات، فلا يعد ذلك قطيعة، إنما القطيعة هي الجفاء، وعدم القيام بالشيء الذي يطلب منه، سواء كان زيارة وتكليماً أو ما أشبه ذلك.
стр. 1043
السيميا نوع من السحر
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: (ومصدق بالسحر)، أي: مطلقاً، ومنه التنجيم؛ لما تقدم من الحديث، وهذا وجه مطابقة الحديث للترجمة.
قال الذهبي في (الكبائر): ويدخل فيها تعلم السيميا وعملها، وعقْد المرء عن زوجته، ومحبة الزوج لامرأته، وبغضها وبغضه، وأشباه ذلك بكلمات مجهولة.
قال: وكثير من الكبائر -بل عامتها إلا الأقل- يجهل خلق من الأمة تحريمه، وما بلغهم الزجر فيه ولا الوعيد عليه.
ا.
هـ].
السيميا: نوع من السحر، كما أن عقد الرجل عن زوجته أو بالعكس عقدها عنه نوع من السحر أيضاً، وقد سبق ذكره، والسحر كله حرام، قليله وكثيره ولكن الذي يفعله ويتعاطاه أعظم ممن يُفعل ويُصنع له.
стр. 1044
مسائل باب ما جاء في التنجيم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: الحكمة في خلق النجوم.
الثانية: الرد على من زعم غير ذلك].
الحكمة في خلق النجوم سبق أنها ثلاثة أشياء، كما ذكرها الله جل وعلا في القرآن: زينة للسماء، وعلامات يهتدى بها، ورجوم للشياطين، هذه هي الحكمة.
[الثالثة: ذكر الخلاف في تعلم المنازل].
منازل القمر الصواب: أن تعلمها جائز، وهذه المنازل الثمان والعشرون سبق أنها في كل ثلاثة عشر ليلة تغرب منها واحدة وتطلع التي تقابلها، وفي نهاية السنة تنتهي، ثم تبدأ من جديد وهكذا، وهذا تدبير لله جل وعلا، يدل على تمام قدرته، وعلى إتقانه جل وعلا كل شيء، ومثل تعلمها تعلم البروج، وكذلك الكواكب السيارة السبعة وغيرها، فالكواكب مثلاً تختلف باختلاف مسيرها؛ كما تختلف في أبعادها وأجرامها وأفلاكها، فمن نظر فيها للاهتداء والاستدلال على قدرة الله وعظمته جل وعلا فلا بأس بهذا، بل قد يكون ذلك مستحباً، أما إذا نظر فيها ليستدل بها أو بمسيرها أو بطلوعها وأفولها على حدوث شيء أو سعادة شيء أو شقاوته فهذا هو المحظور الذي لا يجوز.
[الرابعة: الوعيد فيمن صدق بشيء من السحر، ولو عرف أنه باطل].
стр. 1045
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٨٢]
جاء نبينا ﷺ بإبطال كل أمر من أمور الجاهلية لا يكون موافقاً للحق، والاستسقاء بالأنواء من عادة أهل الجاهلية ومن دينهم، وقد جعله النبي ﷺ كفراً؛ لأنهم أضافوا ما نزل بهم من رحمة ورزق من الله إلى طلوع كوكب ما أو غروبه، ومن أعلام نبوته ﷺ أنه أخبر أن هذا الفعل باق في هذه الأمة ومستمر فيها.
стр. 1046
تعريف الاستسقاء بالأنواء وحكمه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في الاستسقاء بالأنواء].
الاستسقاء: طلب السقيا، استسقى إذا طلب أن يُسقى، والاستسقاء بالأنواء: أن يضاف نزول المطر إليها، والأنواء هي: منازل القمر، والعرب كانوا يعتنون بها ويعرفونها، وذلك أنه كان غالب مساكنهم الصحراء، وكانوا يعتمدون على المطر لمواشيهم، وهذا هو مصدر رزقهم، ليس عندهم زراعات ولا تجارات ولا صناعات، فلأجل ذلك كانوا يعتنون بالنظر في الأفق في السماء كثيراً؛ يتطلبون نزول المطر الذي فيه رزقهم، ويرون أنه مصدر رزقهم، وإذا تأخر عليهم المطر ساءت أحوالهم؛ فلهذا صاروا ينظرون إلى الكواكب كثيراً، وينظرون متى يطلع الكوكب الفلاني ومتى يغرب، ويسبرون مجيء السحاب ونزول الأمطار، فإذا وافق نزول المطر طلوع هذا الكوكب أو أفوله يضيفون المطر إليه، ويقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، وقد يتكرر هذا أحياناً، وأحياناً يجعلون هذا الكوكب كوكب سعد، وأحياناً يجعلونه كوكب نحس؛ لأنهم ما رأوا فيه أمطاراً، ولهذا سموا بعضها سعد السعود، وبعضها سعد بلاء وسعد الأخبياء وهكذا، فكل واحد كانوا يسمونه حسب عقيدتهم وحسب نظرهم، وهي عقيدة قاصرة جداً؛ ومبنية على أمور ظاهرة، وليست مهتدية بهداية الله أو بوحيه.
والرسول ﷺ جاء بإبطال كل أمر من أمور الجاهلية لا يكون موافقاً للحق، فالاستسقاء بالأنواء من عادة أهل الجاهلية الكفار، ومن دينهم وشأنهم؛ ولهذا جعله الرسول ﷺ كفراً، وأخبر أنه يستمر في هذه الأمة ويدوم فيها، كما قال ﷺ : (أربع من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب، والنياحة على الميت، والاستسقاء بالنجوم) فذكر أن الاستسقاء بالأنواء مستمر فيهم.
والمقصود: أن الاستسقاء بالأنواء معناه: أنهم أضافوا ما نزل من رحمة ومن رزق من الله لهم إلى طلوع الكوكب أو غروبه.
وأما أنهم كانوا يعتقدون أن الكوكب هو الذي ينزل المطر، وهو الذي يخلقه ويوجده، فهذا لا يوجد في اعتقادهم؛ كما ذكر الله جل وعلا ذلك عنهم فقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت:٦٣]؛ فلا يقولون: الكواكب، وإنما يقولون: الله، فهم يقرون بهذا، ولكن يضيفون نزوله إلى الكوكب، ويقولون: هذا الكوكب محمود؛ لأنه في وقته تأتي الأمطار، وقد أخبر الرسول ﷺ أن هذا كفر.
كما سيأتي.
стр. 1047
تعريف الأنواء
قال الشارح رحمه الله تعالى: [أي: من الوعيد، والمراد: نسبة السقيا ومجيء المطر إلى الأنواء، والأنواء: جمع نوء، وهي منازل القمر].
وسمي النوء لأنه ينوء إذا طلع، يعني: يظهر ويبين، أو ينوء إذا غرب، يعني: يختفي ويذهب، والنوء من الأضداد، مثل: عسعس إذا اختفى، وعسعس إذا بان، وكذلك ناء إذا ظهر وبان، وناء إذا غرب واختفى، فيجوز أن يضاف النوء إلى الغروب، ويجوز أن يضاف إلى الطلوع، وكلها لغة عربية معروفة؛ لأن كلام العرب له أنواع شتى، منها: الأضداد، فنوء هنا تطلق على الضدين: على الطلوع، وعلى الأفول، فالنوء معناه: الفعل الذي يضيفونه إلى الكوكب، سواء كان غروباً أو طلوعاً، والكوكب لا يفعل بنفسه، وإنما هو مدبَّر مسيَّر بأمر الله جل وعلا، جعله الله آية من آياته.
قال الشارح ﵀: [قال أبو السعادات: وهي ثمان وعشرون منزلة، ينزل القمر كل ليلة منزلة منها، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس:٣٩]، يسقط في الغرب كل ثلاثة عشر ليلة منزلة مع طلوع الفجر، وتطلع أخرى مقابلتها ذلك الوقت من المشرق، فتنقضي جميعها مع انقضاء السنة، وكانت العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة وطلوع رقيبها يكون المطر، وينسبونه إليها ويقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، وإنما سمي نوءاً؛ لأنه إذا سقط الساقط منها ناء الطالع بالمشرق، أي: نهض وطلع].
стр. 1048
معنى قوله تعالى: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة:٨٢]].
هذه الآية جاء تفسيرها مرفوعاً عن النبي ﷺ بأن الرزق هو المطر، والمعنى: تجعلون شكركم تكذيبكم، يعني: والتكذيب أنكم تضيفون نزوله إلى غير منزله ومسقيه وموليه الذي هو الله، وتقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، والواجب أن يقول العبد: مطرنا بفضل الله ورحمته؛ فالله هو الذي أمطر، أما الكوكب فإنه لا دخل له في ذلك، فتجعلون نزول الرزق -الذي هو المطر- تكذيباً، وكان الأحرى بكم أن تشكروه، وتكذيبهم هو: نسبتهم المطر إلى النوء هذا قول.
القول الثاني في الآية: أي: تجعلون نصيبكم وحظكم من الإيمان بهذا الكتاب أنكم تكذبون به وتردونه، وكلا المعنيين صحيح وحق، ويدخل في الآية الأول والثاني.
قال الشارح ﵀: [روى الإمام أحمد والترمذي -وحسنه- وابن جرير وابن أبي حاتم والضياء في (المختارة) عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ) يقول: شكركم، (أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) تقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، بنجم كذا وكذا)، وهذا أولى ما فسرت به الآية.
وروي ذلك عن علي، وابن عباس، وقتادة، والضحاك، وعطاء الخرساني وغيرهم].
إذا كان كذلك فيكون هذا من الشرك الأصغر، وهو شرك الألفاظ؛ لأنهم ما كانوا يعتقدون أن الكواكب هي التي تنزل المطر؛ ولكن يضيفون نزوله إلى طلوع الكوكب، يعني: أنه وقت طلوعه حصل لنا المطر الذي أنزله الله، وهذا لا يجوز، ويكون من الشرك الأصغر: شرك الألفاظ، فيجب على العبد أن يجتنبه، وأن يقول: نزل المطر بفضل الله وبرحمته، لا بطلوع الكوكب ولا بغيره، ولهذا اختلف العلماء في مجرد اللفظ، وفي كون الإنسان يقول: إن هذا من السبب أو جزء من السبب أو ما أشبه ذلك، فهل يجوز أو لا يجوز؟ الصواب: أنه لا يجوز؛ لأن كله داخل في ذلك، أما لو قال مثلاً: مطرنا في نوء كذا، فهذا مثل أن يقول: مطرنا في الشهر الفلاني، أو في اليوم الفلاني، يعني: أنه حصل المطر في ذاك الوقت، فهذا ليس داخلاً في ذلك؛ لمجيء كلمة (في) الظرفية أما إذا جاء بالباء السببية، فلا يجوز؛ لأن فيه إضافة إلى غير المسبب الموجد.
أما ما سيذكره عن القرطبي ﵀: أن من العرب من يعتقد أن الكوكب هو الذي ينزل المطر، وهو الذي يخلقه ويوجده، فهذا غير صحيح، ولا يوجد أحد من خلق الله من يعتقد ذلك، وإنما يجعلون ذلك سبباً أو جزءاً من السبب فقط، ومع ذلك إذا جعله سبباً يكون كفراً أكبراً، بخلاف ما إذا أضافه إضافة لفظية فقط، وعلى ما جرى في الألسن والعادة، فهذا يكون من الشرك الأصغر، وشرك الألفاظ التي يجب أن تجتنب، والرسول ﷺ حذر من كل لفظ يكون فيه انتهاك لحق الله أو لقدره وعظمته، وحمى الأمة من الوقوع في المحذور، وهذه الحماية هي التي يسميها العلماء حماية جناب التوحيد وسد الذرائع، فسد كل ذريعة توصل إلى الشرك حتى في الألفاظ، وهذا من تمام نصحه صلوات الله وسلامه عليه للأمة.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وهو قول جمهور المفسرين، وبه يظهر وجه استدلال المصنف ﵀ بهذه الآية].
أي: القول الأول: وهو كونهم يجعلون رزقهم أنهم يكذبون بأنهم يضيفون نزول المطر إلى الكواكب، يقول الشارح: هذا هو قول جمهور المفسرين، ولكن القول الثاني صحيح تدل عليه الآية أيضاً، وكلام الله له معانٍ واسعة كثيرة، والرسول ﷺ حينما يبين ذلك، إنما يكون بحسب حاجة المتكلم أو السامع، وهذا التفسير هو مثل ما جاء عنه ﷺ لما سئل عن قوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة:١٠٨] أي مسجد هذا يا رسول الله؟! فقال: (هو مسجدي هذا)، مع أن المعروف أن الآية نزلت في مسجد قباء؛ حينما ساق الله قصة مسجد الضرار، ومسجد الضرار بناه المنافقون قرب مسجد قباء؛ يريدون أن يكون محلاً لاجتماعهم ومؤامراتهم على الإسلام والمسلمين، فجعلوه بصفة المسجد، وزعموا أنه يكون لليلة الشاتية، وللإنسان الضعيف، والشيخ الكبير، أو المريض الذي لا يستطيع أن يصل إلى مسجد قباء، هكذا زعموا، فلما سئل ﷺ عن هذا المسجد نزلت الآية في شأنه وفي شأن أهله، وأمر الله جل وعلا رسوله ﷺ ألا يقوم فيه أبداً، وقال: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨]، وقد جاء في الصحيح أنه قال لأهل قباء: (إن الله أحسن الثناء عليكم فما هذه الطهارة؟) فأخبروه أنهم إذا قضوا الحاجة غسلوا أدبارهم، أي: استجمروا أتبعوا ذلك بالماء، فقال: (هو ذاكم فعليكموه)، ومع ذلك جاء في صحيح مسلم أنه سئل فقيل له: (أي مسجد هذا الذي أسس على التقوى؟ فقال: هو مسجدي هذا)، أي: إذا كان مسجد قباء أسس على التقوى، فمسجد الرسول ﷺ من باب أولى أن يكون مؤسساً على التقوى، والقصد من إيراد هذا المثل: أنه إذا ذكر معنى من المعاني للآية، فإنه لا يدل على أن المعنى الثاني باطل أو أنه مردود، والذي ذكره الرسول ﷺ في تفسير الآية السابقة واضح وأولى أن تفسر الآية به، إلا أنه لا ينفي أن يكون لها معنىً آخر، وهو أن الكفار جعلوا حظهم من القرآن تكذيبه، وجعلوا حظهم من الإيمان والانتفاع به أنهم ردوه وكذبوا به، وبئس الحظ هذا.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال ابن القيم رحمه الله تعالى: أي: تجعلون حظكم من هذا الرزق الذي به حياتكم: التكذيب به، يعني: القرآن.
قال الحسن: تجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن أنكم تكذبون، قال: وخسر عبد لا يكون حظه من القرآن إلا التكذيب].
стр. 1049
شرح حديث: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن أبي مالك الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة).
وقال: (النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب) رواه مسلم].
قوله: (أمر الجاهلية) ذكر الجاهلية هنا ليدلنا على أن هذه الأفعال معيبة، وأنه لا يجوز أن يتحلى الإنسان بشيء منها.
والجاهلية: نسبة إلى الجهل، وليست إلى أشخاص معينين أو زمن معين، فكل ما كان مخالفاً للحق مخالفاً لما جاء به الرسول ﷺ فهو جاهلية، سواء كان زمنه قديماً أو جديداً.
وقوله: (في أمتي) يعني: في مجموعها، وليس في كل واحد منها، بل يوجد في مجموع الأمة.
стр. 1050
الدلائل على أن القرآن كلام الله
قال الشارح ﵀: [قال ابن القيم ﵀: ونظيره ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣]، وقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل:١٠٢].
هو إثبات علو الله تعالى على خلقه، فإن النزول والتنزيل الذي تعقله العقول، وتعرفه الفطر هو: وصول الشيء من أعلى إلى أسفل، ولا يرد عليه قوله ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر:٦]، لأنا نقول: إن الذي أنزلها فوق سماواته فأنزلها لنا بأمره].
والدليل على أن القرآن نازل من الله جل وعلا من وجهين: أحدهما: كلمة تنزيل، في قوله ﴿تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة:٨٠].
الثاني: قوله: ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٦١]، فكلمة (من) تدل على أنه منه جل وعلا، وقولاً قاله، وقد جاءت النصوص الكثيرة تدل على هذا، وهذا واضح وجلي، والمسلمون -والحمد لله- كلهم يؤمنون بهذا، ولا يردونه، ولا يكذبون به، وإنما يكذب به من انتكست فطرته، وتغيرت عقيدته بكلام اليونان وبغيره، وبالأمور المستوردة الغريبة عن الإسلام، الذين أنكروا صفات الله جل وعلا، وأنكروا أنه يتكلم ويقول، وهذا أمر واضح البطلان.
وقد أراح الله جل وعلا المسلمين -والحمد لله- من شر هؤلاء، ومن سيطرتهم على الإسلام، لأنهم كانوا في وقت من الأوقات مسيطرين على المسلمين، وكان بيدهم القضاء والحكم وغير ذلك، فأراح الله جل وعلا المسلمين منهم، وكاد هذا المذهب الباطل أن ينسى، لولا أن كثيراً ممن يعتنق مذهب الأشاعرة يتبنى هذا القول، ويقول: إن الكلام الذي يضاف إلى الله كلام نفسي، أما كلام ينطق به ويسمع منه فهذا ينكرونه، ومع ذلك فإن هذا القول الذي يقولونه لا تقبله العقول والفطر، بل هو من أبطل الباطل، والأمر في هذا واضح -والحمد لله- ليس فيه خفاء.
أما قوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر:٦]، والمقصود بهذا: الامتنان على العباد، وأن الله منّ عليهم ما أعطاهم من هذه الأنعام التي ينتفعون بها: بركوبها، وبالحرث عليها، وبأكل لحومها، وبغير ذلك من المنافع الكثيرة التي منّ الله جل وعلا بها عليهم، فهو منزل لها عليهم كما ينزل المطر، وليس معنى ذلك أنها نزلت من السماء، بل يجوز أن نقول: إنه النزول من ظهور الفحول في أرحام الإناث، فتنتج وتتناسل وتتكاثر، فتكون نعمة.
كما أنه أنزل الحديد وإنزال الحديد قد يكون من الجبال، وقد يكون من أشياء مرتفعة من الأرض أو غير ذلك، وهو منّة من الله جل وعلا، منّ بها علينا، فلا يرد تنزيل القرآن بمثل هذه التي قد يكون فيها شيء من المتشابه، ومعلوم أن أهل الباطل والزيغ يتعلقون بالمتشابه، ويتركون الواضح الجلي البين، وهذه علامة اتباع الهوى.
قال الشارح ﵀: [قال ابن القيم ﵀: وذكر التنزيل مضافاً إلى ربوبيته للعالمين، المستلزمة لملكه لهم، وتصرفه فيهم، وحكمه عليهم، وإحسانه إليهم، وإنعامه عليهم، وأن من هذا شأنه مع الخلق، كيف يليق به مع ربوبيته التامة أن يتركهم سدى، ويدعهم هملاً، ويخلقهم عبثاً، لا يأمرهم ولا ينهاهم، ولا يثيبهم ولا يعاقبهم؟! فمن أقر بأنه رب العالمين، أقر بأن القرآن تنزيله على رسوله، واستدل بكونه رب العالمين على ثبوت رسالة رسوله وصحة ما جاء به، وهذا الاستدلال أقوى وأشرف من الاستدلال بالمعجزات والخوارق، وإن كانت دلالتها أقرب إلى أذهان عموم الناس، وتلك إنما تكون لخواص العقلاء].
يقصد ﵀: أن الاستدلال بأسمائه وصفاته أقوى وأظهر من الاستدلال بالمعجزات التي جاءت بها الرسل، وإن كان الاستدلال بالمعجزات أقرب إلى أذهان عامة الناس، ولكن هذه إلى قلوب الخاصة أظهر وأبين، لأنه أمر مرتبط بعضه ببعض.
وعلى كلٍّ: فالدلائل على كون الله جل وعلا هو رب العباد وخالقهم، وهو المنعم عليهم، وهو الذي يجب أن يعبدوه، وهو الذي يكون مآلهم إليه، فيجازيهم بأعمالهم: لا حصر لها، فهي كثيرة جداً: في الأنفس، وفي الآفاق، وفي الأمور الخارجة عن العادة، وفي كل شأن من شئون الحياة، إذا فكر الإنسان في ذلك، فالأمر ليس مقصوراً على نوع من الأنواع.
قال الشارح ﵀: [قوله: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة:٨١]، قال مجاهد: أتريدون أن تمالئوهم فيه وتركنوا إليهم؟].
المقصود بالحديث في هذه الآية: القرآن، أي: أفبهذا القرآن الذي نزل عليكم تداهنون الكفار؟! تمالئونهم وتجارونهم على ما يريدون، وتتركون معاداتهم ومبادأتهم بالعداوة، وإظهار البغضاء والكراهة لهم، فإن هذا هو الذي يجب.
قال الشارح ﵀: [قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ثم وبخهم على وضعهم الإدهان في غير موضعه، وأنهم يداهنون فيما حقه أن يصدع به ويفرق به، ويعض عليه بالنواجذ، وتثني عليه الخناصر، وتعقد عليه القلوب والأفئدة، ويحارب ويسالم لأجله، ولا يلتوى عنه يمنة ويسرة، ولا يكون للقلب التفات إلى غيره، ولا محاكمة إلا إليه، ولا مخاصمة إلا به، ولا اهتداء في طرق المطالب العالية إلا بنوره، ولا شفاء إلا به، فهو روح الوجود، وحياة العالم، ومدار السعادة، وقائد الفلاح، وطريق النجاة، وسبيل الرشاد، ونور البصائر، فكيف تطلب المداهنة بما هذا شأنه ولم ينزل للمداهنة، وإنما نزل بالحق وللحق؟! والمداهنة إنما تكون في باطل قوي لا يمكن إزالته، أو في حق ضعيف لا تمكن إقامته، فيحتاج المداهن إلى أن يترك بعض الحق ويلتزم بعض الباطل، فأما الحق الذي قام به كل حق فكيف يداهن به؟ وقوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة:٨٢]، تقدم الكلام عليها أول الباب والله تعالى أعلم].
стр. 1051
مسائل باب: ما جاء في الاستسقاء بالأنواء
[فيه مسائل: الأولى: تفسير آية الواقعة.
الثانية: ذكر الأربع التي من أمر الجاهلية].
وهي: الطعن في الأنساب، والفخر في الأحساب، والنياحة على الميت، والاستسقاء بالأنواء، هذه الأربع من أمور الجاهلية، وإضافتها للجاهلية كان على سبيل الذم والتحذير منها، فينبغي للإنسان أن يحذر من الوقوع فيها، وإذا وقع فيها فإنه واقع في أمر من أمور الجاهلية التي يعاقب الإنسان على فعلها.
стр. 1052
كفر دون كفر
[المسألة الثالثة: ذكر الكفر في بعضها].
أي: هو كفر النعمة، وكفر دون كفر، وليس الكفر المخرج من الدين الإسلامي؛ لقوله: (ثلاث في أمتي هم بهن كفر: الطعن في الأنساب، والفخر في الأحساب، والنياحة على الميت).
وقوله: (هم بهن كفر) جاءت كلمة الكفر هنا نكرة فيكون المراد به حنيئذ الغير مخرج من الدين الإسلامي، وإنما هو خصلة من خصال الكفر.
[المسألة الرابعة: أن من الكفر ما لا يخرج من الملة، المسألة الخامسة: قوله: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بسبب نزول النعمة].
فيكون كافراً كفر النعمة، وليس كافراً الكفر الذي يخرجه من الدين الإسلامي.
стр. 1053
إضافة النعمة للمنعم الحقيقي إيمان، وإنكارها كفر
[المسألة السادسة: التفطن للإيمان في هذا الموضع].
يعني في قوله: (مؤمن) حيث جعل إضافة النعمة والإقرار بها إلى الله إيماناً.
[المسألة السابعة: التفطن للكفر في هذا الموضع].
يعني: كونه أضاف النعمة إلى غير المنعم بها، فصار ذلك كفراً.
стр. 1054
ماذا يعنون بقولهم: مطرنا بنوء كذا وكذا
[المسألة الثامنة: التفطن لقوله: لقد صدق نوء كذا وكذا].
يقصد: قولهم الذي يقولون: صدق نوء كذا وكذا، فإنهم لا يريدون في ذلك أن النوء يخلق المطر ويوجده من العدم، وينعم به على العباد، هذا لا يقوله أحد، وإنما أضافوا نزول المطر إلى طلوعه أو إلى غروبه، فصار هذا كفراً للنعمة التي يجب أن تضاف إلى المنعم، ويشكر عليها.
[المسألة التاسعة: إخراج العالم للمتعلم المسألة بالاستفهام عنها لقوله: أتدرون ماذا قال ربكم؟ المسألة العاشرة: وعيد النائحة].
стр. 1055
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٨٣]
следующие страницы →