← Акыда

Акыда · id 37166

شرح فتح المجيد للغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (2 090 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

تعريف العرَّاف قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال البغوي: العراف: الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك، وقيل: هو الكاهن، والكاهن هو: الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل، وقيل: الذي يخبر عما في الضمير. وقال أبو العباس ابن تيمية: العراف: اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق]. يعني: الذي يتكلم بمعرفة الأمور الغائبة فهو من العرافين، وسمي عرافاً؛ لأنه يزعم أنه يعرف الشيء الغائب. والطرق التي يأتي بها مختلفة، فبأي طريقة أتى بها سواءً باتصاله بالجن أو بضربه بالرمل أو بالحصى أو بالودع أو بالخطوط أو بالنظر في النجوم أو بالحدس والتخمين أو بغير ذلك فإن كل هذه المقدمات التي يفعلها ليس فيها دليل، وهي محرمة، وإذا تعاطى ذلك فإنه داخل في العرافة، ويشمله الوعيد الذي جاءت به النصوص. قال الشارح ﵀: [قوله: قال البغوي إلى آخره: البغوي -بفتحتين- هو الحسين بن مسعود الفرَّاء الشافعي، صاحب التصانيف، وعالم أهل خراسان، كان ثقةً فقيهاً زاهداً، مات في شوال سنة ست عشرة وخمسمائة رحمه الله تعالى. قوله: (العراف: الذي يدعي معرفة الأمور) ظاهره أن العراف هو الذي يخبر عن الوقائع كالسرقة وسارقها والضالة ومكانها]. ولا يدخل في هذا القافة الذين لهم أصل في معرفة الأثر فقط؛ لأنهم يعرفون الآثار بخاصية أعطاهم الله جل وعلا إياها، فإنه إذا رأى أثر الإنسان ثم رآه عرف أن هذه أثره، ويجزم بذلك، وكذلك إذا رأى قدميه يعرف أن هذه القدم شبيهة بالقدم الأخرى أو أنها منها. فإنه ثبت في الصحيح: أن مجززاً دخل على النبي ﷺ وعنده زيد بن حارثة وأسامة نائمين وملتحفين بقطيفة، وقد خرجت أقدامهما، فحضر إليهما وقال: هذه الأقدام بعضها من بعض، ففرح الرسول ﷺ بهذا، وذلك أن زيداً كان يخالف أسامة في اللون، وكان بعض الناس يقول: إنه ليس ابنه، ولما قال ذلك فرح به رسول الله ﷺ ، والرسول ﷺ لا يفرح بباطل. فهذا في شيء معين، وليس هو كما يدعيه العراف، فالقائف إما أن يرى الأثر فيعلم إذا رأى الإنسان أنه صاحب هذا الأثر، أو يرى قدماً أو يرى وجهاً أو ما أشبه ذلك فيجزم أن هذا قريب هذا بالشبه الذي أعطي خاصيةً في معرفته.

стр. 982

مدعي الولاية ليس بولي قال الشارح ﵀: [وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم كالحازر الذي يدعي علم الغيب أو يدعي الكشف. وقال أيضاً: والمنجم يدخل في اسم العراف وعند بعضهم هو معناه. وقال أيضاً: والمنجم يدخل في اسم الكاهن عند الخطابي وغيره من العلماء، وحكي ذلك عن العرب. وعند آخرين: هو من جنس الكاهن، وأسوأ حالاً منه، فيلحق به من جهة المعنى. وقال الإمام أحمد: العرافة: طرف من السحر، والساحر أخبث. وقال أبو السعادات: العراف والمنجم والحازر: الذي يدعي علم الغيب، وقد استأثر الله تعالى به. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: من اشتهر بإحسان الزجر عندهم سموه: عائفاً وعرافاً. والمقصود من هذا: معرفة من يدعي معرفة علم شيء من المغيبات فهو إما داخل في اسم الكاهن وإما مشارك له في المعنى فيلحق به، وذلك أن إصابة المخبر ببعض الأمور الغائبة في بعض الأحيان يكون بالكشف، ومنه ما هو من الشياطين ويكون بالفأل والزجر والطيرة والضرب بالحصى والخط في الأرض والتنجيم والكهانة والسحر، ونحو هذا من علوم الجاهلية. ونعني بالجاهلية: كل من ليس من أتباع الرسل ﵈ كالفلاسفة والكهان والمنجمين وجاهلية العرب الذين كانوا قبل مبعث النبي ﷺ ، فإن هذه علوم لقوم ليس لهم علم بما جاءت به الرسل صلوات الله عليهم. وكل هذه الأمور يسمى صاحبها: كاهناً وعرافاً أو في معناهما، فمن أتاهم فصدقهم بما يقولون لحقه الوعيد، وقد ورث هذه العلوم عنهم أقوام فادعوا بها علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه، وادعوا أنهم أولياء، وأن ذلك كرامة. ولا ريب أن من ادعى الولاية واستدل بإخباره ببعض المغيبات فهو من أولياء الشيطان لا من أولياء الرحمن، إذ الكرامة أمر يجريها الله على يد عبده المؤمن التقي إما بدعاء أو أعمال صالحة لا صنع للولي فيها، ولا قدرة له عليها، بخلاف من يدعي أنه ولي ويقول للناس: اعلموا أني أعلم المغيبات، فإن هذه الأمور قد تحصل لما ذكرنا من الأسباب، وإن كانت أسباباً محرمةً كاذبةً في الغالب. ولهذا قال النبي ﷺ في وصف الكهان: (فيكذبون معها مائة كذبة) فبين أنهم يصدقون مرةً ويكذبون مائة. وهكذا حال من سلك سبيل الكهان ممن يدعي الولاية والعلم بما في ضمائر الناس، مع أن نفس دعواه دليل على كذبه؛ لأن في دعواه الولاية تزكية النفس المنهي عنها بقوله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم:٣٢]، وليس هذا من شأن الأولياء، فإن شأنهم الإزراء على نفوسهم وعيبهم لها، وخوفهم من ربهم، فكيف يأتون الناس ويقولون: اعرفوا أننا أولياء، وأنا نعلم الغيب؟! وفي ضمن ذلك طلب المنزلة في قلوب الخلق واقتناص الدنيا بهذه الأمور. وحسبك بحال الصحابة والتابعين ﵃ وهم سادات الأولياء، أفكان عندهم من هذه الدعاوى والشطحات شيء؟ لا والله! بل كان أحدهم لا يملك نفسه من البكاء إذا قرأ القرآن كـ الصديق ﵁، وكان عمر ﵁ يسمع نشيجه من وراء الصفوف يبكي في صلاته، وكان يمر بالآية في ورده من الليل فيمرض منها ليالي يعودونه، وكان تميم الداري يتقلب على فراشه ولا يستطيع النوم إلا قليلاً خوفاً من النار ثم يقوم إلى صلاته. ويكفيك في صفات الأولياء ما ذكره الله تعالى في صفاتهم في سورة الرعد والمؤمنون والفرقان والذاريات والطور، فالمتصفون بتلك الصفات هم الأولياء، لا أهل الدعوى والكذب ومنازعة رب العالمين فيما اختص به من الكبرياء والعظمة وعلم الغيب، بل مجرد دعواه علم الغيب كفر]. قوله: (كان يمر بالآية في ورده فيمرض فيعاد) هذا غير صحيح، ولم يثبت عن الصحابة رضوان الله عليهم: أن أحدهم إذا سمع آيةً يصعق أو يغشى عليه أو يمرض، بل كان الإيمان في قلوبهم أمثال الجبال، وكانت خشية الله وخوفه عندهم متأصلة، ويتأثرون بذلك كما يتأثر من جاء بعدهم، فالصحيح أنه لم يثبت ذلك عنهم. وأما كونهم يبكون فهذا ثابت عنهم، وقد ثبت أن عمر ﵁ قرأ في صلاة الفجر سورة يوسف فلماء جاء إلى قوله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦] صار له نشيج يُسمع من خلف الصفوف يعني: أنه رأى أنها تنطبق عليه. وكذلك كان الرسول ﷺ في سجود وفي قراءته يُسمع في صدره أزيز. أما البكاء بالصوت ورفعه كما يقع لبعض الناس بكاء وصراخ فهذا ما كان يحدث عندهم، وليس هذا من طريقة المؤمنين، بل كانت أعينهم تدمع، وقلوبهم تخشع، أما التصويت والنشيج والبكاء الذي يكون بأصوات فما كان يحدث لهم، فضلاً عما ذكر من أنه يمرض أحدهم، كل هذا لم يحدث لأحد منهم، وإنما هذا وقع في المتأخرين من التابعين وأتباعهم، وربما بعضهم إذا سمع آية يصعق ويموت. وقد ذكر أن إنساناً قرأ عند أحد الخائفين آيةً من كتاب الله فصار له صراخ حتى فقد الحركة، فنظروا إليه فإذا هو قد مات، وهذا كثر في أتباع التابعين، أما في الصحابة فلا وجود له. ولا شك أن الصحابة أكمل الناس إيماناً، وأتمهم علماً، وأزكاهم عقولاً، فهم أفضل الناس بعد الأنبياء، كما قال الرسول ﷺ : (خير الناس من بعثت فيهم)، وقال: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، وكان يحذر ﷺ من الكلام في الصحابة، كما قال ﷺ : (الله الله في أصحابي! لا تتخذونهم غرضاً بعدي)، وكان يوصي بحفظ سابقتهم وحفظ ما لهم عند الله جل وعلا. وكذلك ربنا جل وعلا وصف الذين يأتون من بعدهم أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]. وأخبر جل وعلا أن الذي يغيظه شأن الصحابة ليس من المؤمنين كما قال جل وعلا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ إلى أن قال: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩] يعني: أن أفعالهم تغيظ الكفار. ولهذا يقول الإمام مالك ﵀: (من غاظه شأن الصحابة فليس له نصيب من الفيء؛ لأنه ليس من المؤمنين). فالواجب أن يعرف حقهم؛ لكون الرسول ﷺ رباهم، وكونهم أخذوا العلم عنه، وجاهدوا بين يديه، ونشروا الدين الإسلامي، وعن طريقهم جاءنا الدين، وما عرفنا الإسلام إلا عن طريقهم؛ لأنهم هم الذين نقلوا إلينا ما بلغهم إياه رسولنا ﷺ . قال المصنف ﵀: [فكيف يكون المدعي لذلك ولياً لله؟! ولقد عظم الضرر واشتد الخطب بهؤلاء المفترين الذي ورثوا هذه العلوم عن المشركين، ولبسوا بها على خفافيش القلوب، نسأل الله السلامة والعافية في الدنيا والآخرة].

стр. 983

حكم الذين يكتبون أباجاد قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال ابن عباس في قوم يكتبون أباجاد وينظرون في النجوم: ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق]. هذا الأثر عن ابن عباس رواه عبد الرزاق في المصنف، ومعنى ذلك: أن الذين يكتبون أباجاد وينظرون في النجوم يستدلون على الحروف بالأمور المستقبلة التي ستأتي، وهذا هو المسمى عند بعض الناس: علم الحروف، وعلوم الحروف يفعلونها دليلاً على المغيبات. قال الشارح ﵀: [قوله: (وقال ابن عباس إلى آخره)، هذا الأثر رواه الطبراني عن ابن عباس مرفوعاً وإسناده ضعيف، ولفظه: (رب معلم حروف أبي جاد، دارس في النجوم، ليس له عند الله خلاق يوم القيامة). ورواه حميد بن زنجويه عنه بلفظ: (رب ناظر في النجوم، ومتعلم حروف أبي جاد، ليس له عند الله خلاق). وقوله: (ما أرى) يجوز فتح الهمزة بمعنى: لا أعلم، ويجوز ضمها بمعنى: لا أظن. وكتابة أبي جاد وتعلمها لمن يدعي بها علم الغيب هو الذي يسمى: علم الحرف، وهو الذي جاء به الوعيد، فأما تعلمها للتهجي وحساب الجمل فلا بأس به. قوله: (وينظرون في النجوم) أي: ويعتقدون أن لها تأثيراً، كما سيأتي في باب التنجيم: وفيه من الفوائد عدم الاغترار بما يؤتاه أهل الباطل من معارفهم وعلومهم، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [غافر:٨٣].

стр. 984

مسائل باب ما جاء في الكهان ونحوهم قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: لا يجتمع تصديق الكاهن مع الإيمان بالقرآن]. يعني: قوله: (فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ فدل على أنه لا يجتمع الإيمان بالكاهن وتصديقه مع الإيمان بالله جل وعلا، وهذا يدلنا على أن المؤلف ﵀ يرى أنه على ظاهره. [المسألة الثانية: التصريح بأنه كفر. المسألة الثالثة: ذكر من تكهن له]. يعني: الذي يتكهن له مثل الكاهن. [المسألة الرابعة: ذكر من تطير له. المسألة الخامسة: ذكر من سحر له. المسألة السادسة: ذكر من تعلم أبا جاد] أي: تعلمه لأجل النظر في علم الغيب، وليس لحساب الجمل، فإن هذا لا بأس به. [المسألة السابعة: ذكر الفرق بين الكاهن والعراف].

стр. 985

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٧٨] إن للنشرة والطيرة أحكاماً ومعاني بينها الله في كتابه والرسول ﷺ في سنته، وقد اختلف السلف في حكم النشرة وفعلها: فمنهم من حرمها مطلقاً، ومنهم من أجازها فيما فيه ضرورة: كحل سحر المسحور بها.

стр. 986

حكم النشرة قال المصنف ﵀: [باب ما جاء في النشرة]. قال الشارح ﵀: [قوله: (باب ما جاء في النشرة) بضم النون كما في القاموس. قال أبو السعادات: النشرة: ضرب من العلاج والرقية، يعالج به من يُظن أن به مساً من الجن، وسميت: نشرةً؛ لأنه ينشر بها عنه ما خامره من الداء، أي: يكشف ويزال]. قوله ﵀: (باب ما جاء في النشرة) قصده بهذا حل السحر عن المسحور، والسحر سبق أنه من الموبقات التي توبق صاحبها في النار أو في الإثم الذي يئول إلى النار. وسبق أنه يكون كفراً، وأن السحر لا يجتمع مع الإيمان؛ لأن السحر يكون بواسطة الشياطين، والساحر لابد أن يكون مشركاً بطاعته للشيطان واتباعه وعبادته؛ ولهذا ذكر الله جل وعلا عن السحرة أنهم يختارون الحياة الدنيا على الآخرة، وأنه ليس لهم في الآخرة من خلاق، كما قال جل وعلا: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]. قوله: (فَلا تَكْفُرْ): يدل على أن فعل السحر كفر، ثم قال جل وعلا: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠٢] ومعنى (اشتراه) يعني: عمله، وقوله: (علموا) أي: علم أهل الكتاب اليهود أن الذي يعمل السحر ليس له في الآخرة من خلاق، والذي ليس له في الآخرة من خلاق يكون كافراً وخاسراً ومعذباً عذاباً لا ينقطع، وعلمهم هذا علموه من كتاب الله الذي أنزله الله جل وعلا على موسى ﵇. وجاءت كذلك آيات آخر غير هذه، ونصوص أخرى تدل على أن الساحر يكون كافراً. ولهذا جاء حكمه في الشرع أنه إذا كان مسلماً قبل ذلك فإنه يكون مرتداً، والمرتد لا يترك على ردته، بل يجب أن يقتل إلا أن يعود. وإذا كان غير مسلم فإنه يقتل حتى يدفع شره وأذاه؛ لأنه مفسد من المفسدين في الأرض، يفسد الأبدان ويفسد الأموال، ويفسد الأخلاق، وفي حده الشرعي خير كثير وحكمة عظيمة. لما ذكر المؤلف هذا أراد أن يبين حكم حل السحر عن المسحور: هل هو جائز أو ممنوع؟ إن كان بسحر مثله فإنه لا يجوز، أما إن كان بعلاجات طبيعية وأدوية ورقى فإنه لا بأس به. فقد علم أن رسول الله ﷺ سحره يهودي، فدعا ربه فشفاه الله جل وعلا بعد ما بين له أين موضع السحر. في الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: (سُحِر رسول الله ﷺ حتى صار يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولم يفعله، ثم إنه دعا ودعا، فبينما هو نائم نزل عليه ملكان فجلس أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال أحدهما للآخر: ما به؟ قال: به طب -يعني: سحر- قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم في مشط ومشاطة في طلعه نخلة ذكر في بئر ذروان، فلما استيقظ صلوات وسلامه عليه ذهب إلى تلك البئر -تقول عائشة - فقال: إني رأيت ماءها كنقيع الحناء، ونخلها كرءوس الشياطين، فأمر بها فدفنت، فقلت: ألا استخرجتها؟ فقال: أما أنا فقد شفاني الله جل وعلا، وكرهت أن أفتح على الناس باب شر)، فأنزل الله جل وعلا عليه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:١ - ٥] النفاثات هن: السواحر، والعقد: الخيوط التي يعقدنها عندما يردن انعقاد أمر مما يقصدنه من أمور السحر سواءً طلب ذلك منهن أو فعلن ذلك ابتداءً. وقوله سبحانه: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:٢] يدخل فيه السحر والسواحر. ونزل أيضاً قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس:١ - ٦] وذلك أن السحر من الشياطين فيستعاذ منهم، والشيطان إذا استعيذ منه خنس وبطل عمله إذا كان المستعيذ صادقاً موقناً مؤمناً بما قاله الله جل وعلا. وكذلك الأدعية التي تكون بأسماء الله وصفاته فإنها أيضاً من أنجع ما يكون وأنفعه إذا كان الداعي عنده إيمان وصدق وإخلاص والتجاء إلى الله جل وعلا، فإن كل شيء بيده، فإذا التجأ إليه حله وأزاله، وكذلك العلاجات الطبيعية التي يعالج بها فإنه لا بأس بها.

стр. 987

حكم حل السحر بالسحر حل السحر بالسحر الذي هو مثله اختلف العلماء فيه، فجمهور العلماء يمنعونه ويقولون: إن رسول الله ﷺ قال: (إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها) وهذا من المحرمات بالاتفاق، فلا يجوز تعاطي ذلك. وكذلك الذهاب إلى الساحر والطلب منه يكون رضاً بما صنع أو إقراراً له على ما يصنع، وهذا لا يجوز بحال. وذهب قليل من العلماء إلى جواز ذلك محتجين بأنهم يريدون إصلاح ما أفسد السحرة، وهذا من باب النفع، ولكن هذا لا يكفي، بل الصواب هو: المنع من ذلك. والنشرة تطلق على الانتشار الذي هو الرقية من السحر، ومن غيره من سائر الأمراض، ومن الجان، وعين الإنسان، ومن ذوات السموم.

стр. 988

شروط الرقية في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (لا رقية إلا من عين أو حمه) يعني: لا رقية أنفع وأنجح منها في العين والحمه، وإلا فالرقية نافعة من جميع الأمراض بشروط، قال العلماء: إذا اجتمعت هذه الشروط الثلاثة فإن الرقية جائزة: الشرط الأول: أن تكون بأسماء الله وصفاته وآياته القولية من القرآن. الشرط الثاني: أن تكون من إنسان عربي يعرف معنى الكلام الذي يتكلم به. الشرط الثالث: أن يعتقد أن ما يحصل بها يكون بإذن الله، وأنها لا تنفع بذاتها ولا بفعل الراقي نفسه، وإنما ذلك يكون بإذن الله وإرادته وأمره. فإذا كانت الرقية بكلام لا يُعرف أو بحروف مقطعة فإنها محرمة، بل قد تكون كفراً، وقد تكون شركاً، وقد تكون طلسمات كما هو الواقع في كثير من الناس. فهذه الشروط إذا وجدت في الرقية فإنها جائزة من كل داء ومن كل مرض. والحمه هي: ذوات الحموم، يعني: ذوات السموم، كالعقرب والحية والزنبور وما أشبه ذلك، فإن الرقية منها من أنفع ما يكون. وأما العين فهي: عين الحاسد، أي: عين الإنسان إذا حسد غيره وأصابه بأذى بعينه، فإن الرقية تنفع من ذلك، بل هي أنفع من سائر العلاجات، وهي أحسن علاج في هذا، ولكن يجب أن يكون الراقي مؤمناً متقياً، ويكون مخلصاً صادقاً واثقاً بقول الله ووعده. أما المرقي فلا يشترط فيه ذلك؛ لأنه ثبت في الصحيح عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ بعثهم في سرية، فاستضافوا حياً من أحياء العرب فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيدهم -سيد هذا الحي- فسألوا له بكل ممكن ولم يجدوا شيئاً، ثم قال بعضهم: لو ذهبتم إلى هؤلاء النفر -كانوا قلة ليسوا كثيراً- لعل عندهم شيئاً من العلاج أو يكون معهم راقٍ. فجاءوا إليهم فقال أبو سعيد: (نعم أنا أرقي، ولكن أنتم لم تضيفونا، فلن أرقيه إلا بجعل تجعلونه لنا، فاتفقوا على قطيع من الغنم، فصار يقرأ عليه فاتحة الكتاب، فبرئ، وكانت رجله مربوطة بحبلٍ فحل الحبل، فأصبح كأن لم يكن به وجع، فقام في الحال، وكان كافراً، ثم ذكر ذلك للنبي ﷺ بعدما رجع، فسأله الرسول ﷺ : (بأي شيء رقيته؟ فقال: بالفاتحة، قال: وما يدريك أنها رقية؟) فالفاتحة من أعظم ما يرقى بها المريض؛ لأنها هي السبع المثاني، وهي أم الكتاب وفاتحته، وهي التي لا تصح الصلاة إلا بها. عن الحسن البصري ﵀ أنه قال: أنزل الله جل وعلا مائة كتاب وأربعة كتب، ثم جمع هذه الكتب في أربعة كتب، ثم جمع الأربعة الكتب في المفصل، ثم جمع المفصل في فاتحة الكتاب، وجمع ذلك كله في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]. أما سائر الأمراض الأخرى فكلها داخلة في قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ﴾ [الإسراء:٨٢]، وهذا عام لشفاء القلوب وشفاء الجهل وشفاء الأبدان، هذا هو الصواب من أقوال العلماء. ولكن ليس كل من استشفى بالقرآن فإنه يشفى؛ لأن الاستشفاء يستلزم الصدق والإخلاص واللجوء إلى الله والإيمان به؛ ولهذا يقول الرسول ﷺ : (من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من مكانه) وكثير من الناس يقول هذا الحديث ومع ذلك تؤذيه المؤذيات ويصاب بالمصائب؛ وذلك لعدم إيمانه وصدقه في قوله، وإلا فكلام الرسول ﷺ حق، وإذا أخبر بشيء فإنه يقع كما أخبر به ﷺ . والنشرة ليست خاصة في السحر، بل عامة في كل مرض، والتنشير هو الرقية، والرقية: فعل الراقي الذي يقرأ وينفث على المريض. ويجب أن تكون الرقية مشتملة على الشروط الثلاثة التي ذكرناها، فإذا توافرت فإنها جائزة بالاتفاق، ولكن لا يلزم أن تؤدي المطلوب لأسباب كثيرة قد تكون في الراقي أو في المرقي؛ لأن المحل قد لا يكون قابلاً، والراقي قد لا يكون أهلاً لذلك، فيتخلف المقصود، أما إذا كان الراقي أهلاً في هذا فإن الشفاء بإذن الله يحصل قطعاً ما دامت الأسباب موجودة، والموانع مفقودة.

стр. 989

حكم من طلب الرقية من غيره كون الإنسان يرقي نفسه أفضل وأحسن، وهذا لا خلاف فيه؛ فالرسول ﷺ كان يرقي نفسه، ويرقي أهله. أما طلبها من شخص آخر فإن فيه نقصاً، ومن فعل ذلك فإنه لا يكون من السابقين إلى الجنة الذين يدخلونها بغير حساب؛ لما ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال في حديث ابن عباس المشهور الذي في الصحيحين، وهو عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنا جلوساً عند سعيد بن جبير فقال: (أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت: أنا، ثم قلت: إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت، قال: فما صنعت؟ -هنا سعيد الذي هو شيخ حصين يقوله لـ حصين بن عبد الرحمن - قال: فقلت: ارتقيت، قال: ما حملك على ذلك؟) والسلف رضوان الله عليهم ما يفعل أحد منهم شيئاً إلا بدليل، ولا يتركون عملاً يعمل به إلا ويسألون عن مستنده؛ ولهذا قال: (ما حملك على هذا؟ -أي ما الذي حملك على أن ارتقيت؟ - فقال: حديث حدثناه الشعبي، قال: وما حدثكم؟ قال: حدثنا عن بريدة أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمة، عند ذلك قال سعيد ﵀: قد أحسن من انتهى إلى ما قد سمع) يعني: أن الذي يأخذ بالدليل هذا فهو عمل جيد وحسن ولكن -استدراكية يعني: أن هناك شيئاً غير هذا- حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: (عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، ورأيت النبي ومعه الرجل والرجلان، ورأيت النبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت إليهم وقد سدوا الأفق، ثم قيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فنظرت فإذا سواد عظيم -يعني: من الناس- فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب)، ثم نهض صلوات الله وسلامه عليه من مجلسه ودخل بيته، وقعد الصحابة يتساءلون عن السبعين الألف؟ لأن الصحابة رضوان الله عليهم من أحرص الناس على الخير، إذا سمعوا شيئاً من الفضائل بحثوا عنها حتى يعملوها، فهم أفضل الناس بعد الأنبياء، وخير الخلق رضوان الله عليهم، ولهذا اختارهم الله جل وعلا لصحبة نبيه ﷺ ، وتربوا على يديه، وتلقوا الإيمان منه، وشاهدوا نزول الوحي وعرفوه، فلا يمكن أن يكون هناك أحد مثلهم في الخلق، والله جل وعلا زكاهم في كتابه وأثنى عليهم، فالذي يطعن فيهم أو يقدح فيهم مكذب لله جل وعلا، وهو ضال مضل، (فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ ؛ لأنهم عرفوا أن صحابة الرسول ﷺ ليسوا كغيرهم، اختارهم الله لذلك، فهم أفضل الأمة على الإطلاق، وهذا أمر متفق عليه بين أهل العلم الذين لهم معرفة بالوحي خلافاً لأهل الأهواء، فإنه لا عبرة بأقوالهم، وقال قوم: (لعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله ﷺ فسألوه: من هم؟) يريدون بسؤالهم هذا حتى يعملوا مثل عملهم فيسبقون إلى الجنة، فقال ﵊: (هم الذين لا يتطيرون، ولا يسترقون، ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون)، فقوله: (لا يسترقون) يعني: لا يطلبون من أحد أن يرقيهم. يقول العلماء: السبب في هذا أن الطلب والسؤال من الناس فيه افتقار القلب والتفاته إلى غير الله، وهذا نوع من الفقر للمخلوق، والمؤمن يجب أن يكون فقره كله إلى الله وحده، أما الخلق فيكون غنياً عنهم جميعاً، ويكون مثلهم مساوياً لهم لا يطلب منهم شيئاً؛ لأن طلب الشيء من الخلق يكون نقصاً في الدين، ويمنع ذلك من السبق إلى الجنة ولو كان طلب الرقية والراقي لا يضره ذلك؛ لأنه سؤال منه، ولهذا كان الرسول الله ﷺ يبايع أصحابه في آخر الأمر على ألا يسألوا الناس شيئاً، فكان أحدهم يسقط سوطه وهو راكب على راحلته والناس تحته عند راحلته ولا يقول لواحد منهم: ناولني السوط، بل ينزل عن راحلته ويأخذه بنفسه؛ وفاءً بالبيعة التي بايعها رسول الله ﷺ ، وهي: ألا يسأل الناس شيئاً. فمسألة الناس فيها الافتقار، وفيها التفات القلب إلى غير الله، وقد يكون ذلك نوعاً من الشرك الذي يقدح في التوحيد؛ ولهذا السبب حرمت المسألة، كما في صحيح مسلم من حديث قبيصة بن المخارق لما جاء يسأل النبي ﷺ فقال له: (المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل أصيب بفاقة حتى يقوم ثلاثة من قومه من ذوي الحجا -يعني: العقل- يشهدون أنه أصيب بفاقة -والفاقة: هي الحاجة الشديدة والفقر- فتحل له المسألة حتى يجد قواماً من عيش أو سداداً من عيش. ورجل أصيب بجائحة اجتاحت ماله -إما حريق أو سيل احتمل ماله، أو ظالم استولى على ماله أو ما أشبه ذلك فأصبح ليس بيده شيء- فتحل له المسألة حتى يجد قواماً من عيش أو سداداً من عيش. ورجل تحمل حمالة) أي: أنه تحمل ذلك في سبيل الإصلاح، كأن يكون بين شخصين أو جماعتين شجار وقتال فيتحمل مالاً يدفعه لهؤلاء وهؤلاء حتى يصلح بينهم، فمثل هذا يجوز له أن يسأل؛ لأن هذا المال يدفع لإصلاح ذات البين، فلو ترك هذا الأمر من ماله لأوشك أن يحجم الناس عن الإصلاح، فصار من محاسن الشرع أنه أباح للأغنياء المسألة لهذا الغرض فقط؛ لأنه ليس لأنفسهم بل لتسديد هذه الأموال التي تحملوها لأجل الإصلاح، قال: (وما عدا ذلك فالمسألة سحت) أو كما قال الرسول ﷺ ، والسحت: هو الحرام. وجاء في الحديث: (سائل الناس يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم) عظام فقط، ولهذا جاء عنه ﷺ أنه قال: (المسألة خدوش أو كدوش في وجه صاحبها) يعني: أنها تأكل لحمه وتذهب به ويأتي يوم القيامة وليس في وجهه لحم، هذا هو المعنى الذي منع المسترقي من السبق إلى الجنة من أجله. قوله: (الذين لا يكتوون ولا يتطيرون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون). فالإنسان ينبغي له أن يرقي نفسه، إلا إذا عرض عليه أخوه أن يرقيه فلا بأس بذلك، أما أن يطلب منه ويأتي إليه ويقول: ارقني فلا ينبغي ذلك؛ لئلا يكون من الممنوعين من السبق إلى الجنة كما في هذا الحديث. أما إذا عرض عليه فلا بأس أن يقبل؛ لأن هذا ليس فيه طلب وليس فيه مسألة بل عرض عليه عرضاً. وقد جاء (أن جبريل ﵇ جاء إلى النبي ﷺ وهو مريض فقال: ألا أرقيك؟ فرقاه). وكذلك ثبت أن السلف كانوا إذا عرضت عليهم الرقية قبلوا ذلك، ولا يدخل هذا في المنع من السبق إلى الجنة، هذا إذا كان الإنسان عنده همة عالية يريد أن يكون من السبعين الألف، أما إذا كان لا يهتم بمثل هذه الأشياء فهذا أمر آخر.

стр. 990

حقيقة النشرة ومعناها قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال الحسن: النشرة من السحر، وقد نشرت عنه تنشيراً، ومنه الحديث: (فلعل طباً أصابه)، ثم نشره بـ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] أي: رقاه. وقال ابن الجوزي: النشرة: حل السحر عن المسحور، ولا يكاد يقدر عليه إلا من يعرف السحر]. وحل السحر لا يعرفه إلا الساحر ولهذا منع منه. وسبق أن الساحر يكون بسحره مطيعاً للشيطان؛ لأن السحر لا يكون إلا بواسطة الشياطين، يعني: يطيعهم ويعبدهم، فالشيطان لا يطيع الإنسان إلا إذا عبده، وهذا من الاستمتاع الذي ذكر الله جل وعلا أنهم يوم القيامة يقولون: ﴿ربنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لنا﴾ [الأنعام:١٢٨] الاستمتاع: هو أن ينتفع أحدهم بالثاني، الإنسي ينتفع بالشيطان الجني بشيء ينفعه في الدنيا من أخذ مال أو إمراض عدو له أو ما أشبه ذلك، والجني يستمتع من الإنسي بطاعته وعبادته والسجود له وتقديم القرابين له وما أشبه ذلك، وهذا لابد أن يحصل من الساحر. وهذا الاستمتاع الذي يحصل من بعضهم لبعض من الأمور المحرمة، فحل السحر الذي هو إبطاله عن المسحور يكون من ساحر مثله، ولابد أن يكون شيطان الساحر الذي يحله أقوى من شيطان الساحر الأول الذي وضع السحر فيستولي عليه ويبطل سحره. أما إذا كان شيطانه ضعيفاً فإنه لا يستطيع أن يحل السحر؛ لأن ذلك الشيطان يغلبه، فالشياطين بعضها أغلب من بعض، هذا هو معنى حل السحر، وبهذا يعلم أنه من المحرمات؛ لأن السحر لا يجوز تعاطيه على أي حال من الأحوال، فهو من الموبقات كما بين الرسول ﷺ أنه قرين الشرك، وقرين قتل النفس فقال: (اجتنبوا السبع الموبقات، فلما سئل عنها؟ قال: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر) إلى آخر الحديث. النشرة من عمل الشيطان قال المصنف ﵀: [عن جابر أن رسول الله ﷺ سئل عن النشرة؟ فقال: (هي من عمل الشيطان) رواه أحمد بسند جيد وأبو داود، وقال: سئل أحمد عنها؟ فقال: ابن مسعود يكره هذا كله]. (هي من عمل الشيطان)؛ لأنها من السحر، وإذا كان الشيء من عمل الشيطان فهو محرم ولا يجوز للمسلم أن يطيع الشيطان أو أن يعمل عملاً يرضيه. وأما قول أحمد: إن ابن مسعود كان يكره ذلك كله، فهذا من ورع الإمام أحمد ﵀، فإنه كان كثيراً إذا سئل عن مسألة يتحاشى أن يقول: هذا حرام، وهذا حلال؛ خوفاً من أن يقع في شيء خلاف الواقع، وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل:١١٦]. فقول الحلال والحرام كان صعباً عند السلف، ولهذا كان يعبر بالعبارات التي تدل على ورعه. والكراهة في لسان السلف المقصود بها التحريم، كقوله جل وعلا: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٨] مكروهاً يعني: محرماً. أما الكراهة التي أطلق عليها المتأخرون: كراهة تنزيهية فهذه لم تكن معروفة عند السلف، بل كانوا إذا قالوا: هذا مكروه، فمعناه عندهم: أنه محرم. فقوله: ابن مسعود يكره هذا كله، يعني: أنه يرى أن هذا كله محرم، يعني: جميع النشرة التي يكون فيها تعاطي شيء من السحر، فكل هذا يكون محرماً، وابن مسعود من علماء الصحابة وفضلائهم وسابقيهم إلى الإسلام كما هو معلوم. قال الشارح ﵀: [هذا الحديث رواه أحمد، ورواه عنه أبو داود في سننه، والفضل بن زياد في كتاب المسائل، عن عبد الرزاق عن عقيل بن معقل بن منبه، عن عمه وهب بن منبه، عن جابر فذكره. قال ابن مفلح: إسناد جيد وحسن، وحسن الحافظ إسناده، قوله: (سئل عن النشرة)، الألف واللام في النشرة للعهد أي: النشرة المعهودة التي كان أهل الجاهلية يصنعونها، هي من عمل الشيطان. قوله: وسئل أحمد عنها؟ فقال: ابن مسعود يكره هذا كله، أراد أحمد ﵀: أن ابن مسعود يكره النشرة التي هي من عمل الشيطان، كما يكره تعليق التمائم مطلقاً].

стр. 991

قول ابن المسيب في النشرة قال المصنف ﵀: [وفي البخاري عن قتادة: قلت لـ ابن المسيب: رجل به طب أو يؤخذ عن امرأته أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه]. سعيد بن المسيب ﵀ من الذين يقولون بجواز حل النشرة، وعلته ما ذكر، وهو قوله: إذا كانوا يريدون به الإصلاح -يعني: إصلاح ما أفسده السحرة- فلا بأس به، أما إذا كان خلاف ذلك فهو محرم، ولكن هذا يفتقر إلى دليل، والأدلة على خلافه، ومنها ما ذكرنا أن الرسول ﷺ قال: (إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها)، ومن المعلوم الذي لا يشك فيه من يعرف الشرع أو بعض أحكامه أن السحر من المحرمات، ومنها أن الذهاب إلى الساحر والرضا بفعله يعتبر تقريراً له، وتقرير الفاعل على الفعل يجعل المقرر له مشاركاً له في الفعل فيكون مثله، ولهذا أخبرنا ربنا جل وعلا أن الذين يجلسون مع من يستهزئ بآيات الله أنهم مثل المستهزئ، والمستهزئ كافر، وكان يجب عليه إذا جلس مع المستهزئ أن ينكر عليه، وكذلك الموالاة، كون المسلم يكون مع الكافر غير مظهر له العداوة والبغضاء، وإن كان يكره ذلك في نفسه فإنه يكون مثله؛ لهذا يقول جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١] أي: فهو منهم. ويقول جل وعلا: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢]. ويقول جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة:١]. وهناك آيات كثيرة تدل على أن الإنسان يجب عليه أن ينكر فعل المخالف ويبغضه، أما إذا جلس معه وأقره أو ذهب إليه وتركه على ما هو عليه فإنه يكون مثله كما قال جل وعلا: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء:١٤٠] يعني: إذا جلس الإنسان مع من يسعى إلى الكفر ويسعى إلى المعاصي ولم ينكر عليه -وإن كان يبغض ذلك ويكرهه في قلبه- فإنه يكون مثله؛ لأن الله ميز المؤمنين من الكافرين، فكيف يجوز أن يذهب إلى الساحر حتى يحل السحر عنه؟! هذا إقرار له، ودين الله لا يقبل التجزئة ولا المداهنة فيه، فالصواب المنع من هذا. [قوله: عن قتادة هو ابن دعامة بكسر الدال السدوسي ثقة فقيه من أحفظ التابعين قالوا: إنه ولد أكمه، مات سنة بضع عشرة ومائة]. قوله: (ويؤخذ عن امرأته) يعني: أنه يعمل له سحر يمنع به أن يصل إليها، كما يفعله كثير من الناس، يعملون السحر لأجل ذلك، وهذا يعمله من لا خلاق له في الآخرة من الفسقة والظلمة الذين لا يخافون الله ولا يراقبونه، وإنما يريدون أن يوقعوا الضرر بمن يحسدونه على شيء من أمور الدنيا؛ لذلك يرتكب هذا الجرم الذي يذهب بحسناته، وقد يجعله من أهل النار نسأل الله العافية. أما المؤمن المتقي فإنه يخاف الله ولا يفعل شيئاً من ذلك، إنما يفعله فسقة المسلمين؛ لأنه في الواقع جاهل لا يعرف العاقبة، ولا يعرف ما يئول إليه الأمر، فلو كشف عن سوء فعله لهانه ذلك أشد الهون. فمن (يؤخذ عن زوجته) ويمنع من قربانها بواسطة السحر؛ فعلاجه يكون بالرقى الشرعية والأدوية المباحة، أما السحر فلا يجوز تعاطيه. قال الشارح ﵀: [قوله: رجل به طِب، بكسر الطاء أي: سحر، يقال: طُب الرجل بالضم إذا سحر، ويقال: كنّوا عن السحر بالطب؛ تفاؤلاً كما يقال للديغ: سليم. وقال ابن الأنباري: الطب من الأضداد، يقال: لعلاج الداء: طب، والسحر من الداء ويقال له: طب. قوله: (يؤَخَّذ) بفتح الواو مهموزةً، وتشديد الخاء المعجمة وبعدها ذال معجمة، أي: يحبس عن امرأته ولا يصل إلى جماعها، والأُخذة -بضم الهمزة- الكلام الذي يقوله الساحر. قوله: (أيُحل) بضم الياء وفتح الحاء مبني للمفعول. قوله: (أو ينشَّر) بتشديد المعجمة. قوله: (لا بأس به) يعني: أن النشرة لا بأس بها؛ لأنهم يريدون بها الإصلاح أي: إزالة السحر، ولم ينه عما يراد به الإصلاح، وهذا من ابن المسيب يحمل على نوع من النشرة لا يعلم أنه سحر]. يعني: أن كلام سعيد بن المسيب يحمل على نوع لا يكون من السحر، وهذا تأويل، ولكن الظاهر أنه يقصد به السحر؛ لأنه قال: (أما ما ينفع فلا) يعني: فلا يمنع منه (إنما يريدون به الإصلاح)، فهو ظاهر في أنه يريد السحر، ولكن قال هذا: (إنه يحمل على نوع ليس من السحر) حتى يتفق مع الأدلة ومع قول جمهور العلماء، هذا مقصوده، وعند العلماء قاعدة يسيرون عليها، إذا جاء عن أحد العلماء كلام يخالف الدليل فإنه يحمل على أحسن المحامل، ولا يظن بالعلماء أنهم يخالفون الدليل فهذا منه، فلهذا قال: إنه يحمل على نوع ليس من السحر.

стр. 992

معنى قول الحسن: لا يحل السحر إلا ساحر قال المصنف ﵀: [روي عن الحسن أنه قال: لا يحل السحر إلا ساحر]. هذا هو الواقع، لا يستطيع حل السحر إلا ساحر، والحل هو الذي يكون بالسحر، وليس معنى ذلك أن السحر ما يشفى، بل كثيراً ما يشفى بغير السحر؛ بالرقى كما شفي رسول الله ﷺ بالاستعاذة بالله جل وعلا، وكذلك بالدعاء والالتجاء إلى الله، وكذلك بالعلاج الطبيعي، فإن العلماء ذكروا علاجاً للسحر، ومما ورد: أنه بأخذ سبع ورقات من السدر، فيدقه بين حجرين، ثم يضربه بالماء، ثم يحسو منه ثلاث حسوات يقرأ فيه آية الكرسي ثم يغتسل ببقيته، فإنه يشفى بإذن الله، وهذا شيء قد جرب خصوصاً في الرجل الذي يمنع من زوجته؛ فإنه يشفى بإذن الله سريعاً إذا فعل ذلك. فهذا نوع من العلاج الطبيعي، والعلاج الطبيعي لا بأس به جائز؛ لأن الرسول ﷺ سئل عن الدواء: (أنتداوى؟ قال: تداووا عباد الله، ولا تداووا بحرام، فإن الله لم ينزل داءً إلا وأنزل له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله إلا داء واحداً وهو الموت) فالناس كلهم يموتون، ولابد من الموت، ولكن الأمراض والأسقام لها علاجات جعلها الله جل وعلا فيما يأكله الإنسان وفي غير ما يأكله، وقد يكتشف ذلك من باب الصدفة كما هو واقع كثير. قال الشارح ﵀: [قوله: وروي عن الحسن أنه قال: لا يحل السحر إلا ساحر هذا الأثر ذكره ابن الجوزي في جامع المسانيد. والحسن هو ابن أبي الحسن واسمه: يسار بالتحتية والمهملة البصري الأنصاري مولاهم، ثقة فقيه، إمام من خيار التابعين، مات سنة عشر ومائة ﵀ وقد قارب التسعين].

стр. 993

أنواع حل السحر عن المسحور قال المصنف ﵀: [قال ابن القيم: النشرة: حل السحر عن المسحور وهي نوعان: أحدهما: يحل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور. والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والأدوية والدعوات المباحة فهذا جائز]. قوله: (يتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب فيبطل عمله) يعني: أن الشيطان يبطل عمله. والواقع أن السحر يكون من الإنسان بواسطة الشيطان، والسحر يخفيه الساحر كثيراً كما هو الواقع، والشيطان يطلب شيطاناً آخر، وإذا أراد أن يسحر يذكر اسمه ويمدحه ويثني عليه ويدعوه بأشياء فيها خضوع وذلة واستكانة له، فيدعو هذا الشيطان ثم هذا الشيطان يستخدم شيطاناً آخر أضعف منه ويجعله واسطة بينه وبين المسحور، فيعمل السحر بعدما يتقرب إليه الساحر بالأشياء التي يأمره بها، ولو أن يبقى في بيت مظلم في وقت من الأوقات، وإلا فالغالب أنه يأمره بذبح شاة أو دجاجة أو ما أشبه ذلك، أو قد يأمره بالسجود له، ولا يفعل شيئاً إلا إذا فعل ما يطلب منه، ثم إذا فعل ذلك أمره بعمل السحر، والسحر يكون بأشياء يجمعها من شعر وعظام ونشارة خشب وبرادة حديد وما أشبه ذلك، فينفث فيها، ثم يضعها في شيء من الأشياء ويربطها، وقد يحرص عليها جداً؛ لأنها إذا ظهرت وألقيت بطل سحره، ثم يرسل الشيطان شيطاناً آخر إلى من يراد سحره، فإن كان هذا الذي يراد سحره ممن يكثر من الأوراد والأدعية الشرعية وممن هو على اتصال دائم بالله جل وعلا، فإنه لا يستطيع أن يسحره إلا إذا غفل؛ ولذلك يراقبه حتى يغفل، فعند ذلك يبدأ بسحره، ثم يصير واسطة بينه وبين الساحر والشيطان ويخبره عن الأمور التي تحدث فيه، هذا هو عمل السحرة غالباً، والسحر أنواع كثيرة، فإذا جاء المسحور إلى الساحر أمره الساحر بعمل يرضي شيطانه الذي عمل له السحر كأن يقول له: اذبح ذبيحة وضع بها كذا وكذا، بحيث تكون هذه الذبيحة للشيطان، وهذا كفر بالله جل وعلا، والشيطان يكفيه هذا الفعل؛ لأن الذبح لغير الله ردة ومن الكفر -نسأل الله العافية- فإذا عمل ذلك رضي الشيطان وأبطل عمله، وهذا معنى قوله: (يتقرب الساحر والمسحور إلى الشيطان؛ فيبطل الشيطان عمله)؛ لأن المسحور جاء بشيء يرضي الشيطان، والشيطان يعمل السحر لأجل هذا، فهو يحرص على إضلال الإنسان بأي وسيلة كانت.

стр. 994

صفة النشرة الجائزة قال الشارح ﵀: [ومما جاء في صفة النشرة الجائزة ما رواه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ليث بن أبي سليم قال: بلغني أن هؤلاء الآيات شفاء من السحر بإذن الله، تقرأ في إناء فيه ماء، ثم يصب على رأس المسحور، الآية التي في سورة يونس: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس:٨١ - ٨٢]، وقوله: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١١٨] إلى آخر الآيات الأربع، وقوله: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٩]. وقال ابن بطال في (كتاب وهب بن منبه): أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر، فيدقه بين حجرين، ثم يضربه بالماء ويقرأ فيه آية الكرسي والقواقل، ثم يحسو منه ثلاث حسوات، ثم يغتسل به، يذهب عنه كل ما به، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله. قلت: قول العلامة ابن القيم: (والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والدعوات والأدوية المباحة فهذا جائز) يشير ﵀ إلى مثل هذا، وعليه يحمل كلام من أجاز النشرة من العلماء]. يعني مثل قول: سعيد بن المسيب يحمل على هذا، فهذا كما قلنا: إنه أوّل كلامه حتى يوافق الحق، وهو من باب إحسان الظن بالعلماء. [والحاصل أن ما كان منه بالسحر فيحرم، وما كان بالقرآن والدعوات والأدوية المباحة فجائز، والله أعلم].

стр. 995

مسائل باب ما جاء في النشرة قال المصنف ﵀: [فيه مسائل: الأولى: النهي عن النشرة]. النهي عن النشرة يعني: مطلقاً إذا كانت بسحر، أما إذا كانت بأدعية مثلما قال ابن القيم وبأمور طبيعية فهي جائزة، وليست داخلة في النهي. [الثانية: الفرق بين المنهي عنه والمرخص فيه مما يزيل الإشكال] يعني: النشرة المنهي عنها ما كان بواسطة الشياطين وبأعمال السحرة، فإن هذا لا يجوز أن يتعاطاه المؤمن، وإذا توكل المؤمن على ربه وترك الأمر المحرم، فإن الله جل وعلا يشفيه، ويعوضه عن ذلك.

стр. 996

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٧٩] لما كانت الطيرة من الشرك المنافي لكمال التوحيد الواجب -لكونها من إلقاء الشيطان وتخويفه ووسوته- ذكرها المصنف في كتاب التوحيد. وقد كان التطير من عمل أهل الجاهلية والمشركين، حتى أنهم تطيروا برسل الله، وتشاءموا بهم، كما أنهم كانوا يعتقدون في العدوى والهامة والصفر والغول والنوء، عقائد باطلة، تنافي التوكل على الله، وتصادم الإيمان بقضاء الله وقدره.

стр. 997

حكم التطير ومعناه قال المصنف ﵀: [باب ما جاء في التطير. قوله: باب ما جاء في التطير، التطير: هو فعل الإنسان الذي يصدر منه، مستدلاً بما يقع له من فعل الطير، ويلحق به الحيوانات وكلام الناس، وما يشاهد من أفعالهم؛ فإنه إذا تشاءم بهم يكون متطيراً. وسيأتي أن الطيرة شرك، والشرك من أكبر الذنوب وأعظمها، ولكن شرك الطيرة شرك أصغر، والشرك الأصغر لا يخرج الإنسان من الإسلام، غير أن كثيراً من العلماء يقولون: إنه لا يغفر، بل لابد من أن يعاقب صاحبه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فجعل المغفرة لما دون الشرك، وقوله: (أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) يدخل فيه جميع أنواع الشرك: أكبره وأصغره، هذا هو دليل الذين يقولون: إن الشرك -وإن كان صغيراً- لابد أن يعاقب عليه الإنسان، ولا يغفر لصاحبه إلا بالتوبة، فإذا تاب الإنسان -ولو كان شركه شركاً أكبر- فإنه يغفر له، ولكن إذا مات بدون توبة فإنه لا يغفر، وذلك أن الذنوب -ما عدا الشرك- إذا مات الإنسان عليها بدون توبة فإن أمره إلى الله إن شاء غفر الله له بدون عقاب، وإن شاء عاقبه عليها، أما الشرك المذكور في الآية ففي الآية دلالة على أنه لا يغفر لصاحبه، وإذا كان لا يغفر فإنه يعاقب عليه، فعلى هذا يكون الشرك عظيماً وإن كان صغيراً، فيجب أن يجتنب وأن يحذر منه. وقد تكون الطيرة من الشرك الأكبر؛ وذلك إذا كان المتطير يعتقد أن الطير أو غيره هو الذي يجلب النفع ويدفع الضر. أما إذا كان يعتقد أن هذا سبب، وأن الله ربط النفع والضر بهذه الأسباب، وأن ذلك لم يكن سوى دليل على وقوع المقبول أو وقوع المحذور، فإن هذا يكون من الشرك الأصغر.

стр. 998

حكم التطير بالسوانح والبوارح قال الشارح ﵀: [باب ما جاء في التطير، أي: من النهي عنه والوعيد فيه، مصدر تطير يتطير تطيراً، والطيرة -بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن-: اسم مصدر من تطير طيرة. وأصله التطير بالسوانح والبوارح، من الطير والظباء وغيرهما، وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم، فنفاه الشارع وأبطله، وأخبر أنه لا تأثير له في جلب نفع أو دفع ضر]. كثير من العلماء يقولون: إن السانح: هو الذي يأتي عن يمين الإنسان، والبارح: هو الذي يأتي عن شمال الإنسان، وبعضهم يعكس. والمقصود أنهم إذا خرجوا لحاجتهم فرأوا طائراً على شجرة أو غيرها أطاروه، ونظروا أين يتجه، فإن جاء عن اليمين تفاءلوا ومضوا، وقالوا: هذا يدل على الخير، وإن جاء عن الشمال تشاءموا ورجعوا وقالوا: هذا يدل على الشر، وإن هذا السفر أو هذا المخرج الخروج فيه مصيبة! ومن المعلوم أن الطائر وغيره من الحيوانات ليس عنده شيء من علم الغيب، وليس عنده شيء من النفع والضر، وإنما هذا شيء يلقيه الشيطان في نفوسهم؛ ليهينهم ويذلهم، فلهذا جاء النهي عنه، ثم ألحق بفعل الطير كل ما كان مثل هذا المعنى من فعل الحيوانات، فإذا رأوا مثلاً ثعلباً يتفاءلون ويمضون، وإذا رأوا أرنباً يتشاءمون ويرجعون؛ لأن الأرنب ضعيفة فتكون عرضة لكل سهم ولكل صائد، وبالتالي يكون الخارج عرضةً للألم والعذاب والإصابة فيرجعون، بخلاف الثعلب فإنه ماكر، عنده القدرة على حفظ نفسه -حسب زعمهم- وبالتالي يفرحون به، وهكذا سائر الحيوانات، وقد يكون التشاءم بالإنسان، فترى أحدهم إذا خرج من بيته فلقيه إنسان به عيب: كالأعور أو الأعرج أو الأعمى أو ما أشبه ذلك تشاءم ورجع، وهذا من وسوسة الشيطان، والفعل يكون شركاً. أما إذا لم يلتفت إلى ذلك -وإن وقع في نفسه شيء- فإنه لا يضره. فعلى الإنسان إذا رأى شيئاً من هذه الأمور أن يقول: (اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك، ولا حول ولا قوة إلا بك) ويمضي، فإن ذلك لا يضره ولا يلتفت إليه، ولا يكون ممن دخل في الطيرة. وكانت الطيرة في العرب كثيرة جداً، وهي وهم من الشيطان، وليس فيها شيء مما يعرف به المستقبل أصلاً. ومن يهتم بالطيرة قد يبتلى من الله جل وعلا؛ لأنه صرف قلبه إلى غير الله جل وعلا، وكلما سمع كلمة صار يفسرها، مثل لو سمع كلمة سفرجل، وهو خارج خلف بائع السفرجل، أو رآه وهو خارج من منزله قال: هذا سفر وأجل أي: أنه سيموت، فيرجع إلى منزله، فتراه كلما سمع كلمة راح يفسرها في نفسه تفسيراً سيئاً، ويلقي الشيطان في قلبه أنه سيصاب بما فسره، بخلاف الذي يعتمد على ربه ويتوكل عليه، ولا يلتفت إلى هذه الأشياء ويمضي، فإنه لا يصيبه أذى. ومن المعلوم أنه لا يقع شيء إلا بقدر الله وقضائه ومشيئته، فالمؤمن يؤمن بذلك، ويتوكل على الله، ولا يلتفت إلى شيء مما يصنعه الشيطان، ويلقيه في نفوس الكثير من الناس، وإذا علم الله جل وعلا ذلك منه، فإنه لا يضره شيء من هذه الأمور، لا في دينه ولا في بدنه. قال الشارح ﵀: [قال المدائني: سألت رؤبة بن العجاج قلت: ما السانح؟ قال: ما ولاك ميامنه، قلت: فما البارح؟ قال: ما ولاك مياسره. والذي يجيء من أمامك فهو الناطح والنطيح، والذي يجيء من خلفك فهو القاعد والقعيد. ولما كانت الطيرة من الشرك المنافي لكمال التوحيد الواجب؛ لكونها من إلقاء الشيطان وتخويفه ووسوسته، ذكرها المصنف رحمه الله تعالى في كتاب التوحيد؛ تحذيراً مما ينافي كمال التوحيد الواجب.

стр. 999

تطير الكفار بالرسل منذ القديم قال المصنف ﵀: [وقول الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٣١]]. الآية في سياق قصة الرسل الذين أرسلهم الله جل وعلا ليدعونا إلى عبادته وتوحيده، فمنهم من قال للرسل: إنا تطيرنا بكم، فقالت لهم الرسل: طائركم عند الله، ومعنى: (تطيرنا بكم) يعني: أن الشيء الذي أصابنا من العذاب أو القحط أو المرض أو الفقر أو ما أشبه ذلك فإنه بسببكم وبعد مجيئكم، فقالت لهم رسلهم: (طائركم عند الله)، يعني: ما أصابكم فهو من الله جزاء أفعالكم، أو أن العذاب سيصيبكم إذا رجعتم؛ بسبب شؤمكم، وبسبب ذنوبكم وأفعالكم، هذا معنى الآية. قال الشارح ﵀: (قوله: وقول الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف:١٣١] الآية)، ذكر تعالى هذه الآية في سياق قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف:١٣١] المعنى: أن آل فرعون كانوا إذا أصابتهم الحسنة أي: الخصب والسعة والعافية -كما فسره مجاهد وغيره- قَالُوا لَنَا هَذِهِ، أي: نحن الجديرون والحقيقون به، ونحن أهله. وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ، أي: بلاء وقحط، تطيروا بموسى ومن معه، فيقولون: هذا بسبب موسى وأصحابه، أصابنا بشؤمهم. فقال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف:١٣١]. قال ابن عباس: (طَائِرُهُمْ): ما قضى عليهم وقدر لهم، وفي رواية: شؤمهم عند الله ومن قبله، أي: إنما جاءهم الشؤم من قبله، بكفرهم وتكذيبهم بآياته ورسله]. ذكر هذا في قصة موسى، وفي قصة الرسل أيضاً، فإن الكفار قالوا لهم: (تطيرنا بكم)، فهذا يدلنا على أن التطير من سنة كفار العرب وغيرهم فهو قديم، وقد ذكر الله جل وعلا عن الكفار الماضين أنهم يتطيرون برسلهم، وأخبر الله جل وعلا أن هذا من الأوهام التي لا حقيقة لها، وأن الشيء الذي يصيبهم إنما هو جزاء أعمالهم، وإن زعموا أنه بسبب شيء يشاهدونه أو يرونه أو يسمعونه، فهذا ليس بصحيح. بهذا يتبين أن كل من يفعل شيئاً من ذلك فإن قدوته أولئك المتطيرون وهو من جنسهم. قال الشارح ﵀: [قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٣١] أي: أن أكثرهم جهال لا يدرون، ولو فهموا وعقلوا لعلموا أنه ليس فيما جاء به موسى ﵊ إلا الخير والبركة والسعادة والفلاح؛ لمن آمن به واتبعه.

стр. 1000

رد الرسل على من تطير بهم قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يس:١٩]. المعني -والله أعلم- حظكم وما نابكم من شر معكم؛ بسبب أفعالكم وكفركم ومخالفتكم الناصحين، ليس هو من أجلنا ولا بسببنا، بل ببغيكم وعداوتكم. فطائر الباغي الظالم معه، فما وقع به من الشرور فهو سببه الجالب له، وذلك بقضاء الله وقدره وحكمته وعدله، كما قال الله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦]. ويحتمل أن يكون المعنى: طائركم معكم: أي: راجع عليكم. فالتطير الذي حصل لكم إنما يعود عليكم، وهذا من باب القصاص في الكلام، ونظيره قوله ﵊: (إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم) ذكره ابن القيم ﵀]. قوله: (وعليكم) ليس المقصود أنه رد، ولكن المقصود أن اليهود كانوا إذا سلموا قالوا: السام عليكم، والسام: هو الموت، فهم يدعون بالموت على المسلمين ويسترون كلامهم، لذلك قال ﷺ : (إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم) يعني: أن نقول لهم: وعليكم فتعود الدعوة عليهم، وقد أخبر ﷺ : (أنه يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا). أما إذا سلم اليهود، وقالوا: السلام وعليكم فإنه يرد عليهم، ورد السلام واجب، وكان الرسول ﷺ إذا سلموا عليه رد عليهم بقوله: وعليكم. قال الشارح ﵀: [وقوله تعالى: (أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ) أي: من أجل أنّا ذكرنّاكم وأمرناكم بتوحيد الله قابلتمونا بهذا الكلام (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ). قال قتادة: أئن ذكّرناكم بالله تطيرتم بنا؟! ومناسبة الآيتين للترجمة: أن التطير من عمل أهل الجاهلية والمشركين، وقد ذمهم الله تعالى به ومقتهم. وقد نهى رسول الله ﷺ عن التطير، وأخبر أنه شرك، كما سيأتي في أحاديث الباب].

стр. 1001

معنى حديث: (لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ولا نوء ولا غول) قال المصنف ﵀: [عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر) أخرجاه. زاد مسلم: (ولا نوء ولا غول)]. قوله ﷺ : (لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر) هذه الأمور الأربعة متفق عليها عند البخاري ومسلم، وزيادة مسلم: (ولا نوء ولا غول) فتكون ستة أمور ورد النهي عنها.

стр. 1002

معنى قوله: (لا عدوى) وقول الرسول ﷺ : (لا عدوى) له معنيان: أحدهما: أن (لا) نافية، ويقصد ما كان يعتقده أهل الجاهلية: من أن المرض يعدي بطبعه وبنفسه وبقوته، وليس ذلك بقدر الله وإرادته، فيكون المنفي هو ما يعتقده أهل الجاهلية في هذا، وليس المنفي أن مخالطة المريض تكون سبباً لمرض الصحيح، والنبي ﷺ قد أمر بزيارة المرضى، ثم إنه ليس كل مرض يعدي هذا معنى نفي العدوى، وهو المعنى الأول. المعنى الثاني: أن تكون (لا) هذه ناهية، (لا عدوى) يعني: لا يتسبب أحد بإعداء أحد، ويدل على هذا آخر الحديث، ويدل عليه أيضاً الحديث الذي في الصحيح: (لا يورد ممرض على مصح) وفيه أيضاً: (وفر من المجذوم فرارك من الأسد). وذلك أن مخالطة الصحيح للمريض قد تكون سبباً، والعدوى قد اتفق على وقوعها بين الأطباء، وبين العلماء، وأنها قد تتعدى إلى الصحيح، وجاءت النصوص بهذا، فثبت أنه ﷺ لما قدم إليه وفد من وفود العرب كان فيهم مجذوم فقال له: (ارجع فقد بايعناك)، والحديث الذي ذكرناه سابقاً: (لا يورد ممرض على مصح)، وكذلك قوله: (وفر من المجذوم فرارك من الأسد) ونحو ذلك من الأحاديث، وهذه كلها تدل على أن المعنى في قوله: (لا عدوى)، المقصود به النهي، يعني: لا يكن أحدكم متسبباً في عدوى غيره، وهذا واضح ظاهر. أما الإجماع: فإنه ثبت أن أمير المؤمنين عمر ﵁ لما ذهب إلى الشام ومعه الصحابة، وفي أثناء الطريق جاءه خبر: أن الطاعون وقع في الشام، فاستشار الصحابة، فقالت طائفة: (خرجت لأمر فامض إليه، وتوكل على الله)، وقالت طائفة أخرى: (معك بقية أصحاب النبي ﵊ ووجهاء الناس فلا تقدم بهم على هذا الوباء)، فرجع، فعند ذلك قال له أبو عبيدة: (أفراراً من قدر الله؟ فقال: لو غيرك قالها، نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله، ثم قال له: أرأيت لو كان لك إبل ومررت بواد له جانبان، جانب فيه مرعى، والجانب الآخر مجدب، أيهما ترعى؟ فقال: الذي فيه مرعى، فقال: أفليس ذلك بقدر الله؟ قال: نعم، فقال: كذلك ما فعلنا)، فهذا كلام واضح وإجماع من الصحابة، وقد رجعوا بعد أن سألوا عن ذلك، ورأوا أنه ليس مخالفاً لما قاله الرسول ﷺ . وقد ثبت عند الأطباء -ثبوتاً لا مجال لإنكاره- أن كثيراً من الأمراض تكون بسبب الجراثيم الصغيرة، وأنها تنتقل من المريض إلى الصحيح، فيحدث المرض بسبب ذلك، والشرع لا يأتي بالشيء الذي يخالف الواقع، بل يكون موافقاً له ودالاً عليه؛ لأنه وحي من عند الله جل وعلا، ويكون هذا المعنى في قوله: (لا عدوى) أرجح من المعنى الأول.

стр. 1003

معنى قوله: (ولا طيرة) أما قوله: (ولا طيرة)، ظاهره أنه نهي، وليس المقصود: نفي وجود الطيرة، فالطيرة موجودة في الناس، وكثير من الناس يتطير، وليس المعنى أن الرسول ﷺ ينفي أن تكون الطيرة موجودة في الخلق، وإنما أراد صلوات الله وسلامه عليه أن ينهى عن التطير، وهذا مما يرجح المعنى الثاني الذي قلناه في قوله: (لا عدوى)، فيكون النسق واحداً، وكلاهما نهي، فيكون معنى (لا طيرة): أي: لا تفعلوا الطيرة فتقعوا في الشرك، فإن الطيرة من الشرك وحد الطيرة -كما سيأتي- ما جاء في الحديث: (الطيرة ما أمضاك أو ردك)، أما أن يقع في نفسك شيء من التطير ثم تمضي ولا تلتفت إليه فليس هذا طيرة، وإنما الطيرة أن تعمل بها، بأن تمضي إذا رأيت أنها تدل على خير، أو تحجم وترجع إذا رأيت أنها تدل على شر.

стр. 1004

معنى قوله: (ولا هامة) وقوله: (ولا هامة)، الهامة جاء فيها تفسيران: أحدهما: أن المقصود بالهامة: البومة، الطائر المعروف الذي يكون في الخرابات ويأتي في الليل، وقد يقع على الحيطان أو على البيوت، فكانت العرب تتشاءم به أشد الشؤم، وإذا وقع على بيت أحدهم قالوا: نعى إلينا أنفسنا أو نعى إلينا أحدنا، وأنه سوف يموت واحد منهم؛ فأبطل الرسول ﷺ ذلك فقال: (لا هامة) يعني: ما كان يعتقده الكفار بالهامة، وما يعتقده أهل الجاهلية في ذلك لا حقيقة له، فأبطله ﵊، وقد يكون من باب النهي عن فعل ما يفعله أولئك؛ لأن شأن المؤمن غير شأن المشرك. والتفسير الثاني: أن أهل الجاهلية كانوا يعتقدون أو بعضهم: أن الإنسان إذا قتل مظلوماً ووضع في قبره يخرج من هامته طائر، فلا يزال يصيح ويقول: اسقوني اسقوني على قبري، حتى يؤخذ بثأره ويقتل قاتله، أما إذا لم يقتل قاتله، فإنه لا يزال كذلك، هذا شيء كان يعتقده بعض العرب. فبين الرسول ﷺ أن هذا لا حقيقة له، والمعنيان كلاهما صحيح، وكلاهما منهي عن اعتقادهما أو فعلهما.

стр. 1005

معنى قوله: (ولا صفر) وقوله ﷺ : (ولا صفر) فيه ثلاثة تفاسير، وكلها صحيح، أحدها: أن كثيراً من أهل الجاهلية يتشاءمون بشهر صفر، ويرون أنه مشئوم، فيتركون الأسفار فيه والأعمال مثل التجول وغيره، ويقولون: هذا شهر مشئوم، من سافر فيه وصنع شيئاً فيه فإنه لا يوفق ولا يتم له، فأبطل الرسول ﷺ هذه العقيدة. التفسير الثاني: أن المقصود: النسيء الذي ذكره الله في القرآن عنهم، وهو أنهم كانوا يؤخرون شهر محرم إلى صفر، ويقدمون صفر ويجعلونه بدل محرم في السنة، وفي السنة الثانية يتركونه كما هو، يؤخرونه عاماً ويقدمونه عاماً، ويتركونه على ما هو عليه عاماً. فبين ﷺ أن هذا من فعل الجاهلية وأنه باطل، وذلك أن القتال في محرم محرم لا يجوز، وكانوا يعتقدون هذا ولا يقاتلون في شهر محرم، ولكن لما كانت الأشهر الحرم ثلاثة متوالية: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم صاروا يقولون: طال علينا الأمد بترك القتال، مما جعلهم يقاتلون في محرم ويحرمون صفر، وهذا من التحريف والتغيير لدين الله جل وعلا. فبين الرسول ﷺ أن هذا لا يجوز، والله جل وعلا أخبر أن ذلك زيادة في الكفر، ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة:٣٧] وهذا هو النسيء: ينسئون صفر إلى محرم، ومحرم يؤخرونه ويقدمون بدله صفر، ومرةً أخرى يتركونه على ما هو عليه، هذا هو النسيء. التفسير الثالث: أن المقصود بصفر: دابة أو حية تكون في صفر، وأنها تعدي أشد من إعداء المجذوم، فهذه العقيدة باطلة لا حقيقة لها. والصواب أن هذه التفاسير كلها باطلة أبطلها الرسول ﷺ .

стр. 1006

معنى قوله: (ولا نوء) أما قوله: (لا نوء) في زيادة مسلم: النوء واحد الأنواء، وكانوا يعتقدون أن المطر يكون بالأنواء، وأن بعضها محموداً وبعضها منحوساً، بعضها أنواء نحس لا يأتي فيها خير وبعضها محمودة، ولهذا كانوا يسمون بعضها: سعداً أو سعد السعود، أو سعودات، وبعضها يتشاءمون بها أشد التشاؤم كسعد الذابح، فيقولون: هذا نوء غير محمود، يعني: أنه لا يحصل فيه المطر ولا يحصل فيه الخير أو لا يحصل به الخير. وقد ثبت أنه ﷺ لما كان في الحديبية وقع مطر في الليل، فلما صلى واستقبل المسلمين، قال لهم: (أتدرون ما قال ربكم الليلة؟ قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب)، فالأنواء: هي الكواكب التي هي منازل للقمر، بمعنى أنه كل ليلة يكون موازياً لواحد منها، وسميت: أنواء؛ لأنه كلما طلع واحد غرب واحد مقابله من الغرب، وعددها ثمان وعشرون نوءاً، منازل القمر كل ليلة في واحدة منها، ويرى منها أربعة عشر، كلما غرب واحد خرج مقابله واحد من الشرق، ويكون منها أربعة عشر فوق الأرض تنظر، وأربعة عشر تحتها مغطيةً لها، وهي مدبرة مأمورة تسير بأمر الله تعالى، وقد أخبر جل وعلا أنه قدر القمر منازل؛ وأن ذلك لمعرفة عدد السنين والحساب حكمةً من الله جل وعلا. وسيأتي أن الكواكب خلقت لأمور ثلاثة -وأن من اعتقد غير ذلك فإنه ضال-: خلقت رجوماً للشياطين، وزينةً للسماء، وعلامات يهتدى بها في ظلمات البر والبحر في المسير. كما أنها أيضاً علامات على عظمة الرب جل وعلا، وآيات دالة على أنه هو الخالق المتصرف، وأنه هو الذي يجب أن يعبد، ومن اعتقد غير ذلك فهو ضال، فليس عند النجوم تقدير وليس عندها سر من الأسرار، وإنما هي مدبرة مأمورة مطيعة لله جل وعلا، فهذا معنى قوله: (ولا نوء) يعني: أن ما يعتقده أهل الجاهلية من أن المطر ينزل بالأنواء لا حقيقة له وباطل، بل هو من الشرك.

стр. 1007

معنى قوله: (ولا غول) أما قوله: (ولا غول) فالغول واحد الغيلان، والغيلان يقولون: هم سحرة الجن؛ لأن الجن فيهم سحرة، وهم يتغولون المسافر يعني: يتراءون للمسافر ليضلوه، وقد يأتونه بنار أو يأتونه بأمور تزعجه وتخيفه، هكذا كانوا يعتقدون، فأخبر ﷺ أن هذا لا حقيقة له، ولكن جاءت آثار تدل على وجود الغيلان، منها حديث: (إذا تغولت الغيلان فنادوا بالأذان)؛ لأن الأذان يطرد الجن والشياطين؛ ولأنه ذكر لله. وجاء عن بعض الصحابة أنه قال: كان أحد الصحابة عنده طعام، وكان قد وضعه في مكان، وكانت الغيلان تأخذ منه إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على وجود الغيلان. أما ما كان يعتقده أهل الجاهلية من أن الغيلان تتسلط على الناس، وتضلهم في أسفارهم، فهذه عقيدةٌ باطلة، ولا حقيقة لها. وليس المعنى نفي وجود الغيلان، ولكن المعنى أنهم لا يستطيعون أن يضلوا أحداً إلا من تولى الشيطان، فإن هذا قد تضله الجن والشياطين، وقد تلابسه، وقد تؤذيه، وقد تقتله. أما المؤمن الذاكر فإنه يتحصن بذكر الله، فلا يصيبه شيء من أذاهم، فيكون المعنى المراد: أنه لا حقيقة لما يعتقده أهل الجاهلية من أن الغيلان تضل المسافرين وتتراءى لهم، وإنما ذلك يكون بالكفار جزاءً لأعمالهم وكفرهم. أما المؤمن الذي يؤمن بالله فإنه لا يصيبه ذلك الغول؛ لأنه يتحرز بذكر الله وبالإيمان، والله لم يجعل للشيطان على المؤمنين سلطاناً.

стр. 1008

الجمع بين حديث: (لا عدوى) وحديث: (لا يورد ممرض على مصح) قال الشارح ﵀: [قال أبو السعادات: العدوى: اسم من الإعداء. كالرعوى. يقال: أعداه الداء، يعديه إعداءً: إذا أصابه مثل ما بصاحب الداء، وقال غيره: لا عدوى، اسم من الإعداء وهو مجاوزة العلة من صاحبها إلى غيره، والمنفي نفس سراية العلة، أو إضافتها إلى العلة، والأول هو الظاهر]. الأول ليس هو الظاهر؛ لأن سراية العلة إلى الصحيح هذا أمر متفق عليه اليوم وقد ظهر، وكذلك معروف أن وجود الصحيح بين المرضى قد يكون سبباً لتعدي المرض إليه. والرسول ﷺ لا يقول شيئاً يخالف الواقع، فيكون المعنى الظاهر للحديث هو النهي، ودل على هذا المعنى النصوص الأخرى، كما دل عليه الواقع الذي اتفق عليه بين الأطباء، وبين من اطلع على ذلك. قال الشارح ﵀: [وفي راوية لـ مسلم: أن أبا هريرة ﵁ كان يحدث بحديث: (لا عدوى)، ويحدث عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يورد ممرض على مصح) ثم إن أبا هريرة اقتصر على حديث: (لا يورد ممرض على مصح) وأمسك عن حديث: (لا عدوى) فراجعوه، وقالوا: سمعناك تحدث به، فأبى أن يعترف به. قال أبو سلمة -الراوي عن أبي هريرة: - فلا أدري أنسي أبو هريرة أو نسخ أحد القولين الآخر؟] النسخ لا يكون بعد رسول الله ﷺ ، ولكن المعنى: أن أبا هريرة علم أن الأخير قد نسخ الأول فترك التحديث به، علم ذلك في زمن رسول الله ﷺ ؛ لأن ظاهر هذين الحديثين التعارض، وكلا الحديثين في الصحيح، حديث: (لا عدوى)، وحديث: (لا يورد ممرض على مصح) فكلاهما ثابت عن رسول الله ﷺ ، ومعلوم أنه إذا أمكن الجمع بين الحديثين فإنه لا يصار إلى النسخ، وقد بينا الجمع بينهما، وأنه لا معارضة بينهما، فإذا قيل: إن معنى قوله: (لا عدوى) النهي، يعني: لا يكون أحدكم سبباً لإعداء أخيه، سواءً بنفسه أو بفعله أو بغير ذلك، فإنه يكون على هذا متفق مع الحديث الآخر،: (لا يورد ممرض على مصح) وليس بينهما أية معارضة، بل كل واحد يصدق الآخر ويوافقه، وهذا أولى من أن يقال: إن هذا الأخير ناسخ للأول. أما كون أبي هريرة ﵁ أنكر أنه حدث بهذا، فهذا لأنه نسي، وهذا نادر جداً، بل لم يأت أن أبا هريرة نسي شيئاً إلا هذا، فإنه كان من الحفاظ، وبدعوة الرسول ﷺ له بالحفظ، وقد حفظ ما لم يحفظه غيره من الصحابة، وكثرت الأحاديث عنه، ومن أجل ذلك أغاظ كثيراً من أعداء الإسلام فصاروا يقدحون فيه، ومعلوم أن صحابة الرسول ﷺ عدول، عدلهم الله جل وعلا فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [التوبة:١٠٠]، فأخبر الله جل وعلا أنه رضي عنهم، وأنهم راضون عنه، فدل هذا على أنهم خير الناس بعد الأنبياء؛ لأنه أخبر أنه أعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار، وإذا أخبر الله جل وعلا عن أحد من الخلق أنه قد رضي عنه فلا يمكن أنه يكفر أو يرتد؛ لأن الله علام الغيوب، يعلم ما سيكون، فهو يعلم أنهم سيستمرون على ذلك إلى أن يلقوا ربهم. وهكذا في الآيات الأخرى قوله جل وعلا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٢٩] إلى آخر الآية، ولهذا اتفق أهل السنة على أنهم عدول بتعديل الله لهم، وتعديل رسوله ﷺ ، وقد جاء تحذير الرسول ﷺ عن الوقوع فيهم، فقال: (الله الله، لا تتخذوا أصحابي غرضاً، فإن من أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم)، وفي الحديث الصحيح أنه قال ﷺ : (دعو لي أصحابي، فوالله لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه) يعني: لو أنفق مثل أحد ذهباً -لو أمكن هذا- لم يبلغ المد الذي أنفقه أحدهم في سبيل الله ولا نصف المد، وذلك أن الله اختارهم لرسوله ﷺ ، فسعدوا بصحبته، وبتلقي العلم والإيمان من الرسول ﷺ ، وبمجالسته وامتثال أمره، والقتال بين يديه، وغير ذلك مما فضلهم الله جل وعلا به.

стр. 1009

الجمع بين أحاديث نفي العدوى وأمر النبي ﷺ بالفرار من المجذوم يقول الشارح ﵀: [وقد روى حديث: (لا عدوى) جماعة من الصحابة: أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، والسائب بن يزيد، وابن عمر ﵃ وغيرهم، وفي بعض روايات هذا الحديث: (وفرّ من المجذوم كما تفر من الأسد)، وقد اختلف العلماء في ذلك، وأحسن ما قيل فيه: قول البيهقي وتبعه ابن الصلاح وابن القيم وابن رجب وابن مفلح وغيرهم، أن قوله: (لا عدوى) على الوجه الذي يعتقده أهل الجاهلية، من إضافة الفعل إلى غير الله تعالى، وأن هذه الأمور تعدي بطبعها، وإلا فقد يجعل الله بمشيئته مخالطة الصحيح من به شيء من الأمراض سبباً لحدوث ذلك، ولهذا قال: (وفر من المجذوم كما تفر من الأسد)]. هذا قبل أن يعلم أن كثيراً من الأمراض بسبب الجراثيم، وأن الجراثيم تنتقل من المريض إلى الصحيح، أما إذا علم ذلك فيتبين مراد الرسول ﷺ ، وأنه لا يخالف الواقع. قال الشارح ﵀: [وقال (لا يورد ممرض على مصح)، وقال في الطاعون: (من سمع به في أرض فلا يقدم عليه)، وكل ذلك بتقدير الله تعالى. ولـ أحمد والترمذي عن ابن مسعود مرفوعاً (لا يعدي شيء شيئاً -قالها ثلاثاً- فقال أعرابي: يا رسول الله! إن النقبة من الجرب تكون بمشفر البعير أو بذنبه في الإبل العظيمة فتجرب كلها؟ فقال رسول الله ﷺ : فمن أجرب الأول؟ لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر، خلق الله كل نفس وكتب حياتها ومصائبها ورزقها)]. وهذا معناه أيضاً لا يخالف ما سبق، فالإنسان قد يكون سبباً لمرض غيره، وإذا كان سبباً فليس معنى ذلك أنه هو الذي يفعل هذا، فالأسباب كتبها الله جل وعلا، وقد أمر الإنسان أن يفعل السبب الذي يتوقع فيه الخير، ويجتنب السبب الذي يتوقع منه الأذى والشر، وإن أصيب بشيء من ذلك فيؤمن بأن هذا بقدر الله وقضائه، وأنه لا مفر له من ذلك، وإلا لو كان على ظاهر ما يقال -وهو أن المراد به النفي- فإن فعل الصحابة من رجوعهم من بلاد الشام يكون مخالفاً لقول الرسول ﷺ ، بل هم أحرى الناس وأولى الناس في فهم ما قاله، وهم الذين يمتثلون قوله أكثر من غيرهما، ثم قول الرسول ﷺ لا يخالف الواقع؛ لأنه وحي من الله. قال الشارح ﵀: [فأخبر الرسول ﷺ أن ذلك كله بقضاء الله وقدره، والعبد مأمور باتقاء أسباب الشر إذا كان في عافية، فكما أنه يؤمر أن لا يلقي نفسه في الماء وفي النار، مما جرت العادة أنه يهلك أو يضر، فكذلك اجتناب مقاربة المريض كالمجذوم، والقدوم على بلد الطاعون؛ فإن هذه كلها أسباب للمرض والتلف، فالله سبحانه هو خالق الأسباب ومسبباتها، لا خالق غيره ولا مقدر غيره. وأما إذا قوي التوكل على الله، والإيمان بقضاء الله وقدره -فقويت النفس على مباشرة بعض هذه الأسباب اعتماداً على الله، ورجاءً منه أن لا يحصل به ضرر- ففي هذه الحال تجوز مباشرة ذلك، لاسيما إذا كانت مصلحة عامة أو خاصة]. وهذا الكلام أيضاً فيه نظر؛ لأنه وإن قويت نفس الإنسان وقوي توكله فإنه غير مأمور بأن يلقي نفسه في الضرر، ولا يجوز، إلا إذا كان هناك مصلحة للإسلام والمسلمين ظاهرة، مثل ما يروى أن خالد بن الوليد احتسى سماً، لما قيل له في حصن حاصره: لن ننزل إلا أن تأكل هذا السم، فأخذه بكفه وقال: باسم الله توكلاً على الله وثقة به، فأكله، فأصابه عرق ولم يضره، وهذا لأنه لمصلحة الإسلام، فبين لهم أن هذه آية من آيات الله جل وعلا، وكذلك حدث لـ سعد بن أبي وقاص ومن معه عندما مشى على البحر بالخيل، وأصبحت تمشي كأنها تمشي على الرمال، وذلك أنهم وثقوا بالله وتوكلوا عليه، وقالوا: نحن في سبيل الله، وعباد الله، ولن يضيعنا ربنا، فمثل هذا فيه مصلحة عامة ظاهرة، ويجعلها الله جل وعلا آية، أما أن يلقي الإنسان يلقي بنفسه في المهالك بدون معنى ولا جدوى فهذا لا يجوز. قال الشارح ﵀: [وعلى هذا يحمل الحديث الذي رواه أبي داود والترمذي أن النبي ﷺ (أخذ بيد مجذوم فأدخلها معه في القصعة، ثم قال: كل باسم الله، ثقة بالله، وتوكلاً عليه)، وقد أخذ به الإمام أحمد، وروي ذلك عن عمر وابنه وسلمان ﵃]. لا يلزم أن تكون مخالطة المريض على كل حال تعدي هذا شيء، ثم إن المقصود بالنفي: هو المبالغة في المخالطة، لا كما يعتقده، كثير من الناس من أنه لا ينبغي أن يقرب المريض، ولا أن ينظر إليه، حتى إن بعض العلماء أصيب بشيء من الوسوسة في هذا، وكان لا يعود المريض! فلما قيل له: إن هذا جاء في الشرع! فكيف لا تعود المريض؟! قال: ينبغي أن تكون عيادته من بعيد، وأن يكون الكلام والسلام بالإشارة، لا يكون قريباً منه، إن قربانه والإتيان إليه يكون سبباً للعدوى بالمرض، وهذا إسراف في الواقع، والمنهي المخالطة: كأن يأخذ ثيابه، أو يجلس في لحافه، أو ما أشبه ذلك من الأمور التي هي معروفة أنها تكون من الأسباب المعدية، فهذا هو الذي لا ينبغي، والوسط هو المطلوب، والرسول ﷺ عندما قال هذا القول، هو الذي قال القول الآخر، فلا تكون متضاربة ومتخالفة.

стр. 1010

توكل الصحابة والتابعين وثقتهم بالله قال الشارح ﵀: [ونظير ذلك ما روي عن خالد بن الوليد ﵁ أنه أكل السم، ومنه مشي سعد بن أبي وقاص وأبي مسلم الخولاني ﵃ على متن البحر، قاله ابن رجب ﵀]. أما مشي سعد بن أبي وقاص فكان في نهر دجلة، وذلك لما كان في قتال القادسية، فإنه لما وصل إلى المدائن فر الفرس وعبروا النهر، ثم كسروا الجسور، ولم يبق جسر يعبر عليه المسلمون، فبقوا أياماً على ضفة النهر، وأولئك على الضفة الأخرى، فقال لهم سعد: إنه وقع في نفسي شيء سأقوله لكم، ولا أدري هل ستوافقونني عليه أم لا؟ قالوا: ما هو؟ قال: وقع في نفسي أننا نخوض هذا النهر، فقالوا: تقدم ونحن معك، نحن في سبيل الله، ونحن عباد الله، ولن يضيعنا ربنا، فركب فرسه وقال: اتبعوني، فركب فرسه، وقال: باسم الله، ودخل النهر في غرق، ثم تبعوه، فصارت الخيل تمشي من فوق الماء كأنها تمشي على الرمال، فلما رآهم الفرس صاروا يصيحون: مجانين! مجانين! ليسوا مجانين، وإنما هم وثقوا بالله جل وعلا، فأعطاهم ما رجوا. وأما أبو مسلم الخولاني فليس صحابياً وإنما هو تابعي، وهو الذي قال له الأسود العنسي: أتشهد أني رسول الله؟ قال: لا أسمع، قال: أتشهد أن محمد رسول الله؟ قال: نعم. فألقاه في النار فلم تضره، ثم جاء إلى المدينة فاستقبله عمر، وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى رأيت في أمة محمد ﷺ من فعل به كما فعل بإبراهيم، وكانت النار عليه سلاماً وبرداً كما كانت على إبراهيم. وسار مرة وهو في الجهاد مع فريق، واعترضهم البحر، فقال: اتبعوني، فتبعوه، فصاروا يمشون على متن البحر، حتى قطعوه على خيولهم، فلما وصل إلى البر وقف وقال: هل فيكم أحد فقد شيئاً، فأدعو الله أن يأتي به، فقال رجل: أنا فقدت قعباً لي كنت أتوضأ به -وكان العقب خلف راحلته- فالتفت وإذا هو قد تعلق بناقته، وهذه قصة مشهورة، وليس معنى ذلك أن الإنسان يلقي بنفسه ويقول: أثق بالله وأتوكل عليه! لا إذا كان الإنسان عنده ثقة بالله تامة، وفي نصرة الله، وخدمة دينه وإظهاره، فتكون هذه آية من آيات الرسول ﷺ ، وهي من كرامات من وقعت على يده.

стр. 1011

الطيرة المنفية في الحديث قال الشارح ﵀: [قوله: (ولا طيرة)، قال ابن القيم: يحتمل أن يكون نفياً أو نهياً، أي: لا تطيروا، ولكن قوله في الحديث: (ولا عدوى، ولا صفر، ولا هامة) يدل على أن المراد النفي، وإبطال هذه الأمور التي كانت الجاهلية تعانيها، والنفي في هذا أبلغ من النهي؛ لأن النفي يدل على بطلان ذلك وعدم تأثيره، والنهي إنما يدل على المنع منه]. النفي، أي: نفي الشيء الذي يعتقده الكفار، وليس نفي وجود الطيرة أو ما ذكر معها، فإن هذا موجود ولا ينفى، وإنما ينتفي الشيء الذي يترتب عليها كما هي عقيدة أهل الجاهلية فيها، والنهي موجه لمن يمتثل أمر الرسول ﷺ أن لا يفعل شيئاً من ذلك، وإذا جاء النهي فمعنى ذلك أنه باطل، وهو يشمل أيضاً النفي، وإن كان النفي في مثل هذا أبلغ. قال الشارح ﵀: [وفي صحيح مسلم عن معاوية بن الحكم أنه قال لرسول الله ﷺ : (ومنا أناس يتطيرون، قال: ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم)، فأخبر أن تأذيه وتشاؤمه بالطير إنما هو في نفسه وعقيدته، لا في المتطير به]. ولكن قد يبتلى الإنسان إذا استرسل مع ذلك، أو تحراه ونظر إليه، فيصاب بالشيء الذي يتخيله أو يتوقعه جزاءً له؛ لأنه مال إلى وهم الشيطان وتخييله وتزيينه، ولو كان توكل على ربه جل وعلا وعلم أنه لا يقع شيء إلا بإذنه تعالى، وأن الطيور والبهائم والدواب وأصوات الناس ومناظيرهم وأحوالهم لا تغير شيئاً، ولا توجد نفعاً ولا ضراً، إذا علم الإنسان ذلك وتوكل على ربه لن يضره شيء إلا بإذن ربه جل وعلا، فالواقع أنه لا حقيقة له، وإنما يزينه الشيطان ويخوف به من ينظر إلى ذلك، فالمقصود أنه قد يبتلى الإنسان، إما فتنة له؛ لينظر هل يميل إلى ذلك ويصدقه، أم أنه سيعرض عنه نهائياً، ويعلم أن هذا شيء وقع بقدر الله، فوافق ذلك الشيء موافقة فقط، وأن ذلك الشيء -أعني فعل الطير، أو الكلام الذي يسمعه، أو الشيء الذي ينظره- لا صلة له بتقدير الله جل وعلا، ولا ما يصيب الإنسان من خير أو شر.

стр. 1012

قطع النبي ﷺ لعلائق الشرك والتشبه بأهل الجاهلية قال الشارح ﵀: [فأخبر أن تأذيه وتشاؤمه بالطيرة إنما هو في نفسه وعقيدته لا في المتطير به، فوهمه وخوفه وإشراكه هو الذي يطيره ويصده، لاما رآه وسمعه. فأوضح ﷺ لأمته الأمر، وبين لهم فساد الطيرة؛ ليعلموا أن الله سبحانه لم يجعل لهم عليها علامة، ولا فيها دلالة، ولا نصبها سبباً لما يخافونه ويحذرونه، ولتطمئن قلوبهم، وتسكن نفوسهم إلى وحدانيته تعالى التي أرسل بها رسله، وأنزل بها كتبه، وخلق لأجلها السماوات والأرض، وعمر الدارين الجنة والنار بسبب التوحيد، فقطع ﷺ علق الشرك من قلوبهم؛ لئلا يبقى فيها علقة منها، ولا يتلبسوا بعمل من أعمال أهل النار ألبتة]. والوحدانية هنا كالربوبية، والله جل وعلا هو رب كل شيء وخالقه، والمتصرف فيه، ولا أحد من الخلق يؤثر في شيء من الوجود إلا إذا جعله جل وعلا سبباً في ذلك، والله جل وعلا لم يجعل أفعال الطيور وأصواتها، وأفعال البهائم، أو أصوات الناس أو ما أشبه ذلك سبباً لجلب الخير أو جلب الشر، وقد أخبر أن الأمور كلها بيده جل وعلا، فيجب أن يوحد الإنسان ربه في هذا، ويعلم أنه هو المتوحد في التصرف والتدبير والخلق والتقدير والمشيئة، لا يقع شيء إلا بمشيئته وتدبيره، وبعد إذنه وعلمه. ثم بعد ذلك يأتي توحيد العبادة، في أن يتجه إلى الله جل وعلا بالعبادة، ولهذا صار توحيد الربوبية دليلاً على وجوب توحيد الإلهية؛ لأنه هو المطلوب أولاً، ثم توحيد الإلهية ثانياً، وإن كان توحيد الإلهية يتضمن توحيد الربوبية، إلا أن توحيد الربوبية مستلزم توحيد الإلهية، فإذا عرفت أن الله ربك ورب كل شيء، وأنه هو الذي بيده الخير والشر، وجب عليك أن تعبده وحده، وهذا معنى التضمن، فلهذا أخبر الله جل وعلا كتابه أن الناس -بعد أن أقام عليهم الحجج- يقرون بتوحيد الربوبية في الجملة، ولكنهم يناقضون ذلك عندما يتطيرون مثلاً، أو يجعلون وساطة بينهم وبين الله في الدعوة والتوجه والتوسل وما أشبه ذلك، فيكون هذا منافياً لتوحيد الربوبية، كما قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١]، وكلهم مقرون بأن الله هو خالقهم، وخالق من قبلهم، ومن بعدهم، ليس معه خالق آخر تعالى وتقدس. ثم قال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢]، يعني: يعلمون أن الله جل وعلا هو الذي مهد الأرض، وجعلها على هذا الوضع، وهم عليها مستقرون، ويستطيعون الانتفاع بها، والمشي على ظهرها والحرث، والسماء فوقهم ينظرون إليها ويرون عظمها، فما من مخلوق من بني آدم يعتقد أن أحداً شارك الله جل وعلا في وضع الأرض، أو في بناء السماء، كما أنه لا يوجد أحد يعتقد أن شيئاً من المخلوقات أنزل المطر من السماء، وأنبت النبات الذي يأكله الناس والأنعام، ولهذا قال: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢]، يعني: أنتم تعلمون أنه هو المتفرد فيما ذكر، فكيف إذاً تعبدون معه غيره؟ والعبادة التي تصدر منهم في مثل هذا هي أنهم يجعلون الأشجار والأحجار أو الملائكة أو الأولياء أو الجن وسائط يتوسلون بهم إلى الله، يقولون: ندعوهم، ثم هم يشفعون لنا عند الله، ويتوسطون لنا؛ فمنهم من ليس عليه ذنوب، ومنهم صالحون مقربون عند الله، هذا هو شركهم. فما فيهم أحد يعتقد أن الشجر يدبر مع الله، أو يتصرف مع الله، بل ما فيهم أحد يعتقد أن الملائكة تدبر مع الله، وتتصرف مع الله تعالى الله وتقدس! فالإنسان يجب عليه أن يعرف الشيء الذي خاطب الله جل وعلا به عباده في كتابه، ويعرف الوضع الذي كان عليه المشركون، حتى يستفيد من ذلك، بأن يجتنب ما كانوا يفعلونه.

стр. 1013

ما يحمل عليه حديث: (الشؤم في ثلاثة) قال الشارح ﵀: [فمن استمسك بعروة التوحيد الوثقى، واعتصم بحبله المتين، وتوكل على الله، قطع هاجس الطيرة من قبل استقرارها، وبادر خواطرها من قبل استمكانها، قال: عكرمة كنا جلوساً عند ابن عباس فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير خير، فقال: ابن عباس ﵁: لا خير ولا شر، فبادره بالإنكار عليه؛ لئلا يعتقد تأثيره في الخير والشر، وخرج طاوس مع صاحب له في سفر، فصاح غراب، فقال الرجل: خير، فقال طاوس: وأي خير عند هذا؟ لا تصحبني انتهى ملخصاً. وقد جاءت أحاديث ظن بعض الناس أنها تدل على جواز الطيرة، كقوله ﷺ : (الشؤم في ثلاث: في المرأة، والدابة، والدار) ونحو هذا، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: إخباره ﷺ في الشؤم في هذه الثلاثة ليس فيها إثبات الطيرة التي نفاها الله سبحانه، وإنما غايته أن الله سبحانه قد يخلق منها أعياناً مشئومة على من قاربها وساكنها، وأعياناً مباركة لا يلحق من قاربها منها شؤم ولا شر، وهذا كما يعطي سبحانه الوالدين ولداً مباركاً يريان الخير على وجهه، ويعطي غيرهما ولداً مشئوماً يريان الشر على وجهه، وكذلك ما يعطاه العبد من ولاية أو غيرها فكذلك الدار والمرأة والفرس]. قوله: (إن يكن الشؤم في شيء ففي ثلاث) (إن) هنا شرطية، يجوز وقوع الشرط ويجوز عدمه، والمقصود بالشؤم: الأخلاق التي تصدر ممن يتشاءم بأخلاقه وأفعاله، وليس أن هناك أموراً مقدرة في الغائب تقع على هذا في مصاحبته أو مقارنته له، وهذه الأمور الثلاثة غالباً ما تلازم الإنسان: فالمرأة قد تطول صحبتها مع الإنسان، وكذلك الدار، وكذلك الفرس؛ والفرس عند العرب كالولد، فإذا اشترى العربي فرساً فإنه يعتنى بها ويخدمها؛ لأنهم يرون أن بها عزهم ومنعتهم من الأعداء، فلهذا يقدمونها على الأولاد في الإكرام والطعام، ويعتنون بها كثيراً، بخلاف غيرها من الدواب، فإنها سرعان ما تستبدل أو تذهب عند أي مناسبة. فلما كانت هذه الأشياء تكثر ملازمتها للإنسان، ويصعب مفارقته إياها، فالمرأة قد تكون حسنة الأخلاق مطيعة، وتنظر الشيء الذي يلائم زوجها فتفعله، فيكون فيها سعادة له وبركة، وقد تكون بالعكس، فإذا كانت بعكس ذلك صار ذلك شؤماً عليه من جراء أخلاقها، وليس من الأمور المستقبلة، والدار كذلك قد تكون مثلاً ضيقة، وقد يكون فيها أو حولها ما يتأذى به، وهو يصعب عليه استبدال تلك الدار بدار بأخرى، فيقع عليه الشؤم، ولكن إذا وقع شيء من ذلك للإنسان فينبغي أن يستبدل به غيره، فيفارق المرأة، ويفارق الفرس بفرس غيرها، ويفارق كذلك الدار إلى دار أخرى ترتاح فيها نفسه، هذا هو المعنى المقصود من قوله: (إن كان الشؤم في شيء). قال الشارح ﵀: [والله سبحانه خالق الخير والشر، والسعود والنحوس، فيخلق بعض هذه الأعيان سعوداً مباركة، ويقضي بسعادة من قاربها، وحصول اليُمن والبركة له، ويخلق بعضها نحوساً يتنحس بها من قاربها. وكل ذلك بقضائه وقدره، كما خلق سائر الأسباب وربطها بمسبباتها المتضادة والمختلفة، كما خلق المسك وغيره من الأرواح الطيبة، ولذذ بها من قاربها من الناس، وخلق ضدها وجعلها سبباً لألم من قاربها من الناس. والفرق بين هذين النوعين مدرك بالحس، فكذلك في الديار والنساء والخيل، فهذا لون والطيرة الشركية لون. انتهى]. إذا اعتقد أن عيناً من الأعيان تكون منحوسة أو مسعدة، فهذا هو الذي جاء النهي عنه، لأن المقصود في الحديث إنما هو ذلك الشيء الذي تعمله هذه العين: أخلاقها وأعمالها، فإنها قد تكون شراً، وكإنسان مطبوع على الشر، وعلى كراهية الخير، وأعماله سيئة، فمفارقة مثل هذا راحة ومقاربته شؤم، وقد يكون بخلاف ذلك، فيكون كل من قاربه أو صاحبه مرتاحاً معه، بل يكون معاوناً له على الخير، أما الدار فليس لها أخلاق، ولكن قد يصاب الإنسان فيها بمصائب، فيجد نفسه يكره هذا المكان فله أن يفارقه لأن النفس جبلت على أن تنفر من المكان الذي أصيبت فيه بمصيبة، أما المكان فليس له تأثيراً بداً، هذا هو المقصود، أما أن يعتقد أن هناك مخلوق منحوس ومخلوق سعود، فهذا ليس بصحيح، والصحيح أن أخلاقه وأعماله هي التي تكون نحساً أو سعداً.

стр. 1014

حقيقة التشاؤم بصفر ومعناه قال الشارح ﵀: [قوله: (ولا هامة) بتخفيف الميم على الصحيح، قال الفراء: الهامة: طير من طيور الليل، كأنه يعني البومة. قال ابن الأعرابي: كانوا يتشاءمون بها إذا وقعت على بيت أحدهم، يقول: نعت إلي نفسي أو أحداً من أهل داري، فجاء الحديث بنفي ذلك وإبطاله. قوله: (ولا صفر) بفتح الفاء، روى أبو عبيدة في غريب الحديث عن رؤبة أنه قال: هي حية تكون في البطن تصيب الماشية والناس، وهي أعدى من الجرب عند العرب، وعلى هذا: فالمراد بنفيه ما كانوا يعتقدونه من العدوى، وممن قال بهذا سفيان بن عيينة والإمام أحمد والبخاري وابن جرير. وقال آخرون: المراد به شهر صفر، والنفي لما كان أهل الجاهلية يفعلونه في النسيء، وكانوا يحلون المحرم ويحرمون صفر مكانه، وهو قول مالك. وروى أبو داود عن محمد بن راشد عن من سمعه يقول: إن أهل الجاهلية يتشاءمون بصفر، ويقولون: إنه شهر مشئوم، فأبطل النبي ﷺ ذلك]. وهذا معنى ثالث من معاني قوله (ولا صفر)، أي: أنهم كانوا يتشاءمون فيه، فلا يسافرون فيه، ولا يتزوجون فيه، ولا يبنون فيه، فأبطل الرسول ﷺ ذلك. ومعلوم أن التشاؤم بالشهور أو بالأيام من فعل الجاهلية، فالشهور والأيام خلقها الله جل وعلا مطيعة وتقع فيها الحوادث التي تكون من الخلق كالطاعات والمعاصي، وإلا فهي ليس لها تصرف في شيء ولا لها إسعاد أو إنحاس، وكثير من الناس ما زال على ما كانت عليه الجاهلية، فتجد بعضهم يتشاءم بيوم الأربعاء، وبعضهم يتشاءم ببعض الشهور، ويتزوج في ليلة معينة؛ لأنه يرى أنها خير من غيرها، وهذا كله من العقائد الفاسدة، فالإنسان ليس له إلا ما قدر له، ولا يجزى إلا بعمله الذي عمله، فإن عمل الخير فله الخير في وإلا أي وقت كان، وفي أي يوم كان، وفي أي شهر كان، فلا شهر يكون فيه خير من شهر إلا بالأعمال التي تقع فيها، ما وقع من تفضيل الله لبعض الشهور والأيام على بعض فيكون العمل في تلك الشهور أو الأيام أفضل من العمل في غيرها: كرمضان مثلاً وأيام الحج وليلة القدر قال تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:٣] يعني: العمل فيها أفضل من عمل ألف شهر، فهذا إلى الله، أما أن يقول الإنسان: إن هذا الشهر إذا عملت فيه كذا وفقت، أو هذا اليوم إذا فعلت فيه كذا وفقت، واليوم الآخر لو عملت فيه عملاً فلن يأتي التوفيق، فهذا تخييل من الشيطان، وإيهام منه، وهو من فعل الجاهلية. قال الشارح ﵀: [قال ابن رجب: ولعل هذا القول أشبه الأقوال، والتشاؤم بصفر هو من جنس الطيرة المنهي عنها، وكذلك التشاؤم بيوم من الأيام كيوم الأربعاء، وتشاؤم أهل الجاهلية بشوال في النكاح فيه خاصة. قوله: (ولا نوء) النوء: واحد الأنواء، وسيأتي الكلام عليه في بابه إن شاء الله تعالى].

стр. 1015

معنى الغول والمراد بنفي النبي ﷺ له في الحديث قال الشارح ﵀: [قوله: (ولا غول) هو بالضم اسمه، وجمعه أغوال وغيلان، وهو المراد هنا، قال أبو السعادات: الغول: واحد الغيلان، وهو جنس من الجن والشياطين، كانت العرب تزعم أن الغول في الفلاة تتراءى للناس، تتلون تلوناً في صور شتى، وتغولهم أي: تضلهم عن الطريق وتهلكهم، فنفاه النبي ﷺ وأبطله]. ليس معنى نفي النبي ﷺ للغول نفي وجود الجن والشياطين، فهؤلاء موجودون، وكثير منهم يريد أذى ببني آدم، ويتعرضون لهم، ويظهرون كثيراً بأنهم أعداؤهم، وقد أخرج أبوهم من الجنة؛ بسبب عداوته لآدم كما هو معلوم، فأقسم لربه جل وعلا أنه سوف يحتنك ذرية بني آدم، يعني: يستولي عليهم ويضلهم، إلا من استثناه الرحمن جل وعلا، فهم حريصون جداً على أذية بني آدم، ومن كان منهم على نهج أبيه فإنه يحرص كل الحرص على أذيتهم بأي شيء كان. ولكن من رحمة الله جل وعلا أنه ما جعل لهم سلطاناً على المؤمنين، فإن المؤمن يتحصن بحصن حصين لا يستطيعون أن يأتوا إليه أو يقربوه إذا جاء به وهو ذكر الله، فإذا قال: طردهم وحمى منهم، وكذلك تلاوة القرآن، والأذان، وغير ذلك من الأذكار فليس على المؤمنين منهم ضرر. أما تسلطهم على المشركين والغافلين، فهذا يجوز أن يقع كما هو معلوم للناس، لهذا لا يكون الإيذاء منهم إلا للغافل الذي لا يذكر الله جل وعلا، فلا يتعرضون للمسافر، ولا لغيره إذا كان ذاكراً لله جل وعلا، وإذا ظهر له شيء فذكر الله، فإنه يزول ذلك ويذهب عنه، لهذا جاءت الآثار: (أنه إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان)، يعني: إذا رأيتم شيئاً من هؤلاء فاذكروا الله جل وعلا، فإنهم يهربون. قال الشارح ﵀: [فإن قيل: ما معنى النفي وقد قال النبي ﷺ : (إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان)؟ أجيب عنه: بأن ذلك كان في الابتداء، ثم دفعها الله عن عباده]. هذا الجواب غير صحيح، وهي ما زالت موجودة، وقد تتعرض للرجل، فإذا ذكر الله زالت وذهبت واختفت، كما بشهد بذلك الواقع. قال الشارح ﵀: [أو يقال: المنفي ليس وجود الغول، بل ما يزعمه العرب من تصرفه في نفسه، فيكون المعنى بقوله: (لا غول)، أنها لا تستطيع أن تضل أحداً مع ذكر الله والتوكل عليه]. هذا هو الصواب، فلا تستطيع أن تضل أحداً مع ذكره لله جل وعلا والإيمان به، فإنها تذهب وتزول وتنتهي، وإنما يكون تسلطهم على الكافرين المشركين، وعلى الغافلين الذين يغفلون عن ذكر الله جل وعلا، ويعرضون عنه، ويكثرون من المعاصي، ويقلّون من الطاعات. قال الشارح ﵀: [ويشهد له الحديث الآخر: (لا غول ولكن السعالي: سحرت الجن)، أي: ولكن في الجن سحرة لهم تلبيس وتخييل، ومنه: الحديث (إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان)، أي: ادفعوا شرها بذكر الله، وهذا يدل على أنه لم يرد بنفيها عدمها، ومنه: حديث أبي أيوب: (كان لي تمر في سهوة، وكانت الغول تجيء فتأخذ)]. الغول يعني: الجن الشياطين، والجن من تمرد منهم يكون شيطاناً، وحتى الإنس يكون منهم شياطين، كما قال الله جل وعلا: ﴿شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام:١١٢]، وفي حديث أبي ذر: (تعوذ بالله من شياطين الجن والإنس، فقلت: أو للإنس شياطين؟ قال: نعم) كذلك الحديث الذي في الصحيحين، في قصة زكاة الفطر التي جمعها الصحابة عند رسول الله ﷺ ، ووضعها في المسجد حتى يفرقها، وسأل أبا هريرة أن يحرسها في الليل، فجاءه رجل وصار يحثو من التمر فأمسكه، فجعل يترجاه ويقول: دعني؛ فإني فقير محتاج وعندي عيال، يقول: فرحمته فتركته، فلما غدوت على رسول الله ﷺ ، قال ﷺ : (ما صنع أسيرك يا أبا هريرة؟ فقلت: زعم أنه بحاجة وعليه عيال فرحمته وتركته -وذلك لأن هذا التمر سيوزع لذوي الحاجة والفقراء- فقال له ﷺ : أما إنه سيعود، فرجع الليلة الثانية، فأمسكته، وقلت: مرة ثانية، مرة لا أتركك حتى أذهب بك إلى رسول الله ﷺ ، فصار يترجاه كثيراً، ويلح ويقول: أنا محتاج، وأنا فقير، وعندي عيال فقراء، فتركه، فلما غدا على النبي ﷺ قال له كما قال في الأولى، وقال: إنه سيعود، فجاءه في الليلة الثالثة، فقال: الآن لا أتركك، هذه ثالث مرة تزعم فيها أنك لن تعود فتعود -والكذب ظاهر- فقال: دعني أعلمك شيئاً ينفعك الله به -وكانوا حريصين على الخير- قال: نعم، فقال له: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنه لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فلما ذهب إلى النبي ﷺ أخبره بهذا، قال: صدقك وهو كذوب، أتدري من تخاطب منذ ثلاث؟ قلت: لا، قال: ذاك الشيطان) أي: شيطان من الشياطين وقوله: (صدقك وهو كذوب)، يعني: أن هذا صحيح وصدق، ولكن هذا الشيطان ما استطاع أن يضر الصحابة في دينهم، فحاول أن يضرهم ولو بأخذ هذا التمر، وكيد الشيطان ضعيف دائماً. فالمقصود أنه يعرض للإنسان، وقد يراه في صورة إنسان يخاطبه ويكلمه، ويظن أنه من بني آدم، ويتخاطب معه، وقد يأتي -مثل ما ذكر- في صورة غول، يعني: صورة منكرة مخيفة، حتى يخيف الإنسان، وهذا الغول مأخوذ من غول؛ لأنه يتصور بصورة منكرة مخيفة، فيرعب الإنسان ويخوفه، وقد يهرب الإنسان عنه حتى يضل ويهلك، وهذا لا يقع للمؤمن الذي يذكر الله جل وعلا، هذا هو المنفي عنه.

стр. 1016

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٨٠] ليس في الإعجاب بالفأل ومحبته شيء من الشرك، بل ذلك إبانة عن مقتضى الطبيعة، وموجب الفطرة الإنسانية؛ ولذلك كان النبي ﷺ يعجبه، ويحث عليه، أما الطيرة: فهي نوع من الشرك؛ لأنه تعلق بغير الله، وسوء ظن به، فمن وجد ذلك في قلبه، فعليه أن يصرفه، ويتوكل على الله، قائلاً: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك

стр. 1017

الفأل معناه وعلاقته بالطيرة قال المصنف ﵀: [ولهما عن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل، قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة)].

стр. 1018

التعريف الشرعي للفأل كان الفأل يعجب النبي ﷺ ، والشيء الذي يعجب النبي ﷺ يكون محبوباً مطلوباً مرغوباً فيه، والسبب في هذا أن الإنسان إذا رجا الخير، وظن أنه يكون على خير، فإن الله جل وعلا عند ظن عبده به؛ وليس معنى ذلك أن الفأل يكون دليلاً على وقوع القدر، لا، ولكنه رجا الخير وظن حصوله فصار مطلوباً ومحبوباً. والفأل فسر في الحديث أنه: الكلمة الطيبة، يسمعها الإنسان، ويتساءل في الطيب والخير، فالتساؤل مطلوب؛ لأنه رجا الخير وظنه، أي: أنه يظن أن يقع الخير ويرجوه، كأن يكون مثلاً مريضاً فيسمع قائلاً يقول: يا معافى! فيتفاءل أنه سيعافى ويبرأ، أو مثلاً يكون فاقداً شيئاً فيسمع إنساناً يقول: يا واجد! أو يا راشد! فيتفاءل أنه سيجده أو يرشد إلى ما يطلبه وهكذا، فهذا هو الفأل، وليس هذا من الطيرة؛ لأنه ليس معنى ذلك أن يجعل هذا الكلام الذي يقوله دليلاً على وقوع الشيء كما يفعله المتطير، ولكنه يرجو ويظن خيراً بالله جل وعلا، ومن ظن بربه خيراً فإن الله يكون عند ظنه به.

стр. 1019

الفرق بين الفأل والطيرة قال الشارح ﵀: [قوله: (ويعجبني الفأل) قال أبو السعادات: الفأل -مهموز- فيما يسر ويسوء، والطيرة لا تكون إلا فيما يسوء، وربما استعملت فيما يسر، يقال: تفاءلت بكذا وتفاولت، على التخفيف والقلب، وقد أولع الناس بترك الهمز تخفيفاً، وإنما أحب الفأل؛ لأن الناس إذا أملوا فائدة الله، ورجوا عائدته عند كل سبب ضعيف أو قوي فهم على خير، وإذا قطعوا آمالهم ورجاءهم من الله تعالى كان ذلك من الشر. وأما الطيرة: فإن فيها سوء الظن بالله، وتوقع البلاء، والتفاؤل: أن يكون رجل مريض فيسمع آخر يقول: يا سالم! أو يكون طالب ضالة فيسمع آخر، يقول: يا واجد! فيقع في ظنه أنه يبرأ من مرضه ويجد ضالته]. ليست الطيرة ظن الشر فقط، وأنها ممنوعة من أجل ذلك، فهذا ممنوع ولا يجوز أن يظن الإنسان الشر، والله جل وعلا أخبر أنه لا يصيب الإنسان شيء إلا بما كسب: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]، ولكن الطيرة تمنع لهذا، ولأن الإنسان يعتقد أن هذا الطائر أو هذا الذي تطير به أنه سبب عليه وقوع الشر والحوادث، وأن هذا علامة على وقوعه، وهذا رجم بالغيب وكذب، فالله ما جعل هذا علامة، ويجب على الإنسان أن يتبع أمر الله وأمر رسوله ﷺ ، ويعلم أن الله جل وعلا هو المتصرف في كل شيء، وأنه ليس نعيق الغراب -مثلاً- سبباً في غربة الإنسان أو موته، أو ظهور الثعلب أمامه سبب في ظفره وسعادته، هذا كذب على قدر الله وتصرفه، فإن هذه الأشياء ليس عندها الخير لا الغراب ولا الثعلب ولا غير ذلك، فالطيرة ممنوعة، ليس لأنها ظن الشر فقط، بل لأن الإنسان رتب على ذلك وقوع أشياء يقدرها الله، وهذا تكذيب لله جل وعلا، فهو لا يقع شيء إلا بإذنه وإرادته. أما قول القائل: إن الله جعل التقدير مرتباً على وجود ذلك، فهذا كذب أيضاً، فمن أين له أن الله جعل ذلك مرتباً على هذا؟ فالرسول ﷺ أخبرنا أن هذا باطل وشرك، فتعلق الإنسان بهذا الطائر -مثلاً- أو ذاك الحيوان، وظنه أن التصرفات والأمور تقع بسبب نعيقه أو حركته أو ظهوره، فهذا أشرك بالله في ذلك، حيث أضاف الحوادث إلى غير إرادة الله ومشيئته، فالله ما جعل ذلك دليلاً على أنه أراد شيئاً؛ لأن هذا تكذيب بخبر الرسول ﷺ ، ولقول الله جل وعلا. فالمقصود أن الطيرة ممنوعة؛ لأنها ظن الشر، ولأنه يزعم المتطير أن هذا الشيء -طائر أو غيره- تقع الحوادث بسببه، أو بظهوره، فهذا هو معنى كونها شركاً. [قوله: (قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة)، بين ﷺ أن الفأل يعجبه، فدل على أنه ليس من الطيرة المنهي عنها. قال ابن القيم: ليس في الإعجاب بالفأل ومحبته شيء من الشرك، بل ذلك إبانة عن مقتضى الطبيعة، وموجب الفطرة الإنسانية، التي تميل إلى ما يوافقها ويلائمها، كما أخبرهم ﷺ أنه حبب إليه من الدنيا النساء والطيب، وكان يحب الحلواء والعسل، ويحب حسن الصوت بالقرآن والأذان ويستمع إليه، ويحب معالي الأخلاق ومكارم الشيم]. يعني: أنه جبل في الطبيعة على حبها والميل إليها، ولكن الفأل ليس هو هذا، الفأل: ظن الخير ورجاؤه كما سبق، وقد يكون الفأل في إظهار الحق وقمع العدو، مثلما وقع للنبي ﷺ يوم ذهب إلى خيبر وأتاهم صباحاً، وهم لا يعلمون به، فرآهم قد استقبلوه بالعمال ومعهم المساحي والفئوس للعمل، قال ﷺ : (الله أكبر! خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بقوم فساء صباح المنذرين)، يعني: لما رأى آلات الهدم كالمساحي والفئوس، تفاءل بأن خيبر خربت؛ لأنها عمرت على المعصية، وعلى محاربة الله ورسوله ﷺ ، فتفاءل بذلك، فحقق الله جل وعلا ذلك له، وهذا لا يمنع العمل والاجتهاد والجد، ولكنه رجاء وظن، يرجو من الله ويظن به أن يحقق له هذا الرجاء، وهو مثلما سبق، إذا رجا الناس ربهم -ولو كان السبب ضعيفاً أو العلامة ضعيفة- فإنهم على خير؛ لأن رجاء الله عبادة، وظن الخير به عبادة، فيكونون على خير، بخلاف الطيرة، فإنها تطبيق للشيطان، واتباع لمخلوق ليس عنده أي تصرف، وتكون شركاً.

стр. 1020

الدعاء الوارد في إذهاب الطيرة والتشاؤم [وبالجملة يحب كل كمال وخير، وما يفضي إليهما، والله سبحانه قد جعل في غرائز الناس الإعجاب بسماع الاسم الحسن، ومحبته، وميل نفوسهم إليه، وكذلك جعل فيها الارتياح والاستبشار والسرور باسم الفلاح، والسلام والنجاح والتهنئة، والبشرى والفوز والظفر ونحو ذلك، فإذا قرعت هذه الأسماء الأسماع استبشرت بها النفوس، وانشرح لها الصدر، وقوي بها القلب، وإذا سمعت أضدادها أوجب لها ضد هذه الحال، فأحزنها ذلك، وأثار لها خوفاً وطيرة وانكماشاً وانقباضاً عما قصدت له وعزمت عليه، فأورث لها ضرراً في الدنيا، ونقصاً في الإيمان، ومقارفة الشرك. وقال الحليمي: وإنما كان ﷺ يعجبه الفأل لأن التشاؤم سوء ظن بالله تعالى بغير سبب محقق، والتفاؤل حسن ظن بالله، والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله تعالى على كل حال. قال المصنف ﵀: ولـ أبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله ﷺ فقال: (أحسنها الفأل، ولا ترد مسلماً، فإذا رأى أحدكم ما يكره، فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك). ] هذا معناه أنه أدخل الفأل في الطيرة فقال: (أحسنها الفأل) وأن الطيرة لا يلتفت إليها المسلم، ولا يعتمد عليها، والفأل أيضاً لا يعتمد عليه، ولا يبني عليه شيئاً، وإنما يبني عليه ظناً ورجاءً فقط، يظن الخير ويرجوه، وإلا فهي مقطوعة عن التصرف. وكذلك فيه الإرشاد إلى اللجوء إلى الله، والهروب إليه، والتوسل إليه بدعائه أنه لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، والحسنات: كل خير، وكل ما فيه أنس ومسرة من أمور الدنيا والآخرة، والسيئات: كل مضر، وكل ما يسوءه ويضره في الدنيا والآخرة فهو سيئة، فصار هذا عاماً شاملاً في أن الأمور كلها بيد الله. قوله: (لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يذهب بالسيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك)، يعني: أنني لا أستطيع أن أتحول من حال إلى أخرى إلا إذا قويتني وأعنتني على ذلك، فمعنى ذلك أنه لجوء إلى الله، وتبرؤ من قوة النفس وتصرفها، وأنه لا قوة له ولا تصرف له إن لم يجعل الله جل وعلا له قوة وتصرفاً، فهو توحيد لله جل وعلا بالأفعال، وبالخضوع له والالتجاء إليه، والتبري من القوة أو التحول من حال إلى أخرى إلا بالله جل وعلا. هذا من أعظم ما ينبغي للإنسان أنه يسأله ويلجأ إليه، ألا يعتمد على فأل ولا طيرة. أما قوله: (ولا ترد مسلماً) ففيه تنبيه على أن الذي ترده الطيرة قد يكون خارجاً عن الإسلام؛ لأن المسلم لا ترده الطيرة، يعني: لو رآها -مثلاً- وقعت له فإنه يعرض عنها، ويتوكل على ربه جل وعلا، ويقول هذا الدعاء، ولا يأتيه إلا خير بإذن الله تعالى. قال الشارح ﵀: [قوله: وعن عقبة بن عامر هكذا وقع في نسخ التوحيد، وصوابه: عن عروة بن عامر كذا أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما]. فالمؤلف ﵀ نقله من كتاب ابن السني، وابن السني هكذا وقع الخطأ في كتابه عقبة بن عامر، وليس الخطأ من الشيخ، وإنما وقع الخطأ في المصدر الذي هو كتاب عمل اليوم والليلة لـ ابن السني، فالمؤلف ﵀ نقله منه، وهذا الخطأ الذي فيه إما من الناسخ أو من بعض الرواة. والله أعلم. قال الشارح ﵀: [وهو مكي اختلف في نسبه، فقال أحمد: عن عروة بن عامر القرشي وقال غيره: الجهني، واختلف في صحبته فقال البارودي: له صحبة، وذكره ابن حبان في ثقاة التابعين، وقال المزي: لا صحبة له تصح. قوله: (فقال: أحسنها الفأل) قد تقدم أنه ﷺ كان يعجبه الفأل، وروى الترمذي وصححه عن أنس: (أن النبي ﷺ كان إذا خرج لحاجته يحب أن يسمع يا نجيح! يا راشد!!) وروى أبو داود عن بريدة: (أن النبي ﷺ كان لا يتطير من شيء، وكان إذا بعث عاملاً سأله عن اسمه، فإذا أعجبه فرح به، وإن كره اسمه رئي كراهية ذلك في وجهه) وإسناده حسن. وهذا فيه استعمال الفأل. قال ابن القيم: أخبر ﷺ أن الفأل من الطيرة، وهو خيرها، فأبطل الطيرة، وأخبر أن الفأل منها ولكنه خير منها، ففصل بين الفأل والطيرة لما بينهما من الامتياز والتضاد، ونفع أحدهما، ومضرة الآخر، ونظير هذا: منعه من الرقى بالشرك، وإذنه في الرقية إذا لم يكن فيها شرك؛ لما فيها من المنفعة الخالية من المفسدة. قوله: (ولا ترد مسلماً)، قال الطيبي: تعريض بأن الكافر بخلافه. قوله: (اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت)، أي: لا تأتي الطيرة بالحسنات، ولا تدفع المكروهات، بل أنت وحدك لا شريك لك الذي تأتي بالحسنات وتدفع السيئات، والحسنات هنا النعم، والسيئات المصائب، كقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا * مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٨ - ٧٩]، ففيه نفي تعلق القلب بغير الله في جلب نفع أو دفع ضر وهذا هو التوحيد، وهو دعاء مناسب لمن وقع في قلبه شيء من الطيرة، وتصريح بأنها لا تجلب نفعاً ولا تدفع ضراً، ويعد من اعتقدها سفيهاً مشركاً. قوله: (ولا حول ولا قوة إلا بك) استعانة بالله تعالى على فعل التوكل، وعدم الالتفات إلى الطيرة التي قد تكون سبباً لوقوع المكروه عقوبة لفاعلها، وذلك الدعاء إنما يصدر عن حقيقة التوكل، الذي هو أقوى الأسباب في جلب الخيرات ودفع المكروهات، والحول: التحول، وهو الانتقال من حال إلى حال، والقوة على ذلك بالله وحده لا شريك له، ففيه: التبري من الحول والقوة والمشيئة بدون حول الله وقوته ومشيئته، وهذا هو التوحيد في الربوبية، وهو الدليل على توحيد الإلهية الذي هو إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة، وهو توحيد القصد والإرادة، وقد تقدم بيان ذلك بحمد الله].
следующие страницы →