← Акыда

Акыда · id 37166

شرح فتح المجيد للغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (2 090 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

مسائل في باب فضل التوحيد

стр. 142

سعة فضل الله تعالى قال المصنف ﵀: [فيه مسائل: الأولى: سعة فضل الله]. هذا واضح في سائر النصوص التي ذكرها، ففيها أن من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل، فإذا جاء بهذا وإن كانت ذنوبه كثيرة فإن الله يدخله الجنة، وهذا فيه سعة فضل الله وكرمه وسعة مغفرته، وكذلك في غيره من النصوص التي ذكرها الشارح.

стр. 143

كثرة ثواب التوحيد وتكفيره للذنوب [المسألة الثانية: كثرة ثواب التوحيد عند الله. ] وهذا أيضاً واضح ظاهر، وهو كون ثواب التوحيد فضله وثوابه كثير جداً، وأن الله يغفر لمن لقيه موحداً وإن كانت ذنوبه ملء الأرض، فأي شيء أفضل من هذا؟ فما هناك شيء أفضل من التوحيد، والتوحيد معناه أن يكون عمله خالصاً لله ليس فيه شيء لغيره، فالتوحيد عبادة الله وترك الشرك، وأن تكون العبادة مقصوداً بها وجه الله وحده جل وعلا رجاء ثوابه وخوفاً من عقابه. [المسألة الثالثة: تكفيره مع ذلك للذنوب]. يعني أنه إذا جاء بالتوحيد فله الفضل العظيم ويكفر الذنوب، ومعنى تكفيرها: إزالة أثرها.

стр. 144

تفسير الظلم في آية سورة الأنعام [المسألة الرابعة: تفسير الآية الثانية والثمانين التي في سورة الأنعام]. يعني بذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]، فعرفنا أن المقصود بالآية أن الذي وحد الله جل وعلا وعبده ولم يخلط عبادته بشيء من الشرك فإنه يحصل له الأمن والاهتداء في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فباتباع الرسل والطمأنينة بالله جل وعلا، وبكونه يأمن من العذاب الذي يحصل للكفار المخالفين للرسل، وأما في الآخرة ففي القبر أول منازل الآخرة يحصل له النعيم، ثم ما بعد القبر خير له منه، فهو آمن من عذاب الله ومهتد إلى الطمأنينة والحياة السعيدة.

стр. 145

خمس حديث عبادة وثمرتهن [المسألة الخامسة: تأمل الخمس اللواتي في حديث عبادة ﵁]. الخمس هنا قوله ﷺ : (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له) فهذه واحدة، (وأن محمداً رسول الله) هي الثانية، وإن كانتا في الواقع كلتاهما واحدة؛ لأن شهادة أن (لا إله إلا الله) لا تفرق عن شهادة أن (محمداً رسول الله)، ولكنها شرط في الإتيان بها، فلا بد منها، ومن شهد أنه (لا إله إلا الله) ولم يشهد لمحمد صلوات الله وسلامه عليه بالرسالة وأنه رسول إلى الثقلين الجن والإنس جميعاً، وأنه خاتم الرسل، وأنه ليس بعده رسول فإن شهادته مردودة، وهو ليس بمسلم، بل هو من أهل النار إذا مات على ذلك، فلا بد مع شهادة ألا إله إلا الله أن يشهد أن محمداً عبده ورسوله، وهكذا جاء (عبده ورسوله)، أي أنه عبد تعبده الله جل وعلا بعبوديته، وليس له من الإلهية شيء، وليس له من الربوبية كذلك شيء. الثالثة قوله: (وأن عيسى عبد الله ورسوله)، وهذا يقتضي أنه لا بد من أن يشهد للرسل كلهم؛ لأن عيسى ﵇ واحدٌ منهم، فكذلك بقيتهم، وإنما زاد عيسى على الرسل بأنه كلمة الله ألقاها إلى مريم، وأنه روح منه، يعني أنه ليس إلهاً، وليس شريكاً لله جل وعلا، ولا ثالث ثلاثة، وليس ابناً لله، تعالى الله وتقدس عما يقول الضالون، فلا بد أن يتبرأ من قول أهل الضلال في ذلك، وإذا كان الإنسان الذي يشهد بهذا نصرانياً فلا بد من ذلك، وإلا فتكون شهادته باطلة؛ لأنه يعتقد شيئاً من هذا النوع، وهو باطل مناف للتوحيد. الرابعة قوله: (وأن الجنة حق والنار حق) الجنة والنار اثنتان، ومعنى أن الجنة حق أنها موجودة مستقرة، وأن الله خلقها وأعدها لأوليائه، والنار كذلك موجودة مستقرة حيث شاء الله جل وعلا، وأنه أعدها لأعدائه، وسوف يسكنونها ولا يخرجون منها، فهؤلاء هن الخمس اللاتي يجب الإيمان بهن، وإذا تأمل الإنسان ذلك وجد أن الإسلام يدل على ذلك كله.

стр. 146

شرط النجاة بكلمة التوحيد [المسألة السادسة: أنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان وما بعده تبين لك معنى قول (لا إله إلا الله)، وتبين لك خطأ المغرورين]. حديث عتبان قوله: (من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله)، فقيد قول (لا إله إلا الله) بابتغاء الوجه، أما حديث عبادة الذي فيه: (من شهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) إلى آخره فلم يقيد ذلك، بل جاء مطلقاً، فاغتر كثير من الناس بأن كل قائل لهذا الكلام إذا قاله صدق عليه الوعد الذي وعد بآخره: (أدخله الله الجنة على ما كان من العمل)، ولو كان لا يصلي، ولو كان لا يزكي، ولو كان يعمل الفجور، بل ولو كان يطوف بالقبور، هكذا يقولون، وهؤلاء هم المغرورون الذين قصدهم بقوله: (وليتبين لك خطأ المغرورين)، وهذا القول يقصد به البراءة من الشرك والبعد عن المشركين ومعاداتهم، وأنه ليس منهم لا في المكان ولا في القصد والعمل، ولا في المحبة والإرادة، بل هو مفارقٌ لهم مكاناً، مبغضٌ لهم عقيدة، منافح ومكافح لشركهم، وداعٍ إلى الله جل وعلا، ولا بد أن يكون على هذا؛ لأن قوله في حديث عتبان: (يبتغي بذلك وجه الله) قيد هذا كله؛ لأنه لا بد من الإخلاص في ذلك، فلا بد أن يكون مخلصاً، والذي يعمل شيئاً من المعاصي إما أن يكون عمله ناتجاً عن قلة إيمانه وبعده الذي يقتضي أنه لم يحقق التوحيد، أو يكون مبطلاً لقوله بالكلية، بمعنى أنه لا بد أن يكون قد نقص قوله أو أبطله، فإذا كان مجرد معصية فهو منقص لقوله: (لا إله إلا الله)، أما إذا كان شركاً فإنه يكون مبطلاً لقوله؛ لأن التوحيد لا يجامع الشرك، فلا يجتمع توحيد وشرك في إنسان؛ لأن الشرك مبطل لجميع الأعمال، قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥]، والخطاب لسيد الخلق لرسول الله ﷺ ليتبين للإنسان عظم هذا الأمر، ولما ذكر أصفياءه وأنبياءه قال: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨]، وهم الرسل، فإذاً معنى هذا أنه لا بد للإنسان أن يكون مخلصاً عمله لله جل وعلا، متبرئاً من الشرك تاركاً له قصداً، وليس بدون قصد، بل بالقصد والفعل، فيتركه ويتبرأ منه ويبتعد عنه. [المسألة السابعة: التنبه للشرط الذي في حديث عتبان]. الشرط هو قوله: (يبتغي بذلك وجه الله)، وكرر ذلك للاهتمام به؛ لأنه مهم جداً، وهو الذي يقول: إنه يبين خطأ المغرورين.

стр. 147

الأنبياء وحاجتهم إلى الله تعالى [المسألة الثامنة: كون الأنبياء يحتاجون للتنبيه على فضل لا إله إلا الله. ] هذا واضح من الحديث الذي رواه ابن حبان في صحيحه وغيره، وهو (أن موسى ﵇ قال: يا رب! علمني شيئاً أذكرك وأدعوك به. فقال: يا موسى! قل: (لا إله إلا الله) قال: يا رب! كل عبادك يقولون هذا. وإنما أريد شيئاً تخصني به! فقال: يا موسى! لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع وضعت في كفة و (لا إله إلا الله) في كفة مالت بهن (لا إله إلا الله))، فهذا واضح؛ لأن فيه التنبيه على فضل هذه الكلمة لكليم الله جل وعلا الذي كلمه واصطفاه بكلامه، فهو على هذا، فإذاً الأنبياء لا يعلمون، إنما علمهم الله جل وعلا العلم الذي لم يوحه الله جل وعلا إليهم، فهم بحاجة إلى تعليم الله جل وعلا لهم، ولم يستغنوا عن الله جل وعلا طرفة عين، ولم يستغن أحد من خلق الله عنه، بل إذا حصل خير فمن الله، وقد قال الله جل وعلا لنبيه: ﴿إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ:٥٠]؛ لأن الضلال من عند النفس والفعل، وأما الاهتداء فبالوحي الذي اهتدى به رسول الله ﷺ وكذلك غيره، وهذا لا يقتضي عدم التعظيم للرسل، بل يجب معرفة حقوق الرسل ومعرفة قدرهم، ولكن لا يجوز أن يعطوا شيئاً مما هو لله جل وعلا، فيجب على الإنسان أن يكون متبعاً لربه جل وعلا، ويكون عبداً له، ولا يكون عبداً لمخلوق مهما كان رسولاً أو ملكاً أو غير ذلك، وهذا في الواقع يبين أن كثيراً من الناس اغتر وغلا حتى خلط بين حق الله وحق الرسول، بل جعل بعض خصائص الله أو كثيراً منها أو كلها لغير الله جل وعلا، ولا سيما الشعراء الذين صار حظهم من اتباع رسول الله ﷺ المدح والإطراء الذي حذر منه رسول الله ﷺ ، كما يقول صاحب البردة: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم يقول: إذا حدث أمر يعم الخلق بالكرب والعذاب فليس لي ملجأ إلا أنت ألجأ إليك من هذا الكرب فإلى أين يذهب عن الله جل وعلا؟ يقول: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم يعني: إن لم يأخذ بيده رسول الله ﷺ فقدمه تزل لأنه هالك ومذنب. ويقول: فإن من جودك الدنيا وضرتها. وضرة الدنيا هي الآخرة، و (من) هذه تبعيضية، يعني: من بعض جود الرسول ﷺ الدنيا والآخرة. فماذا بقي لله؟! فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم ويا للعجب! القلم الذي كتب الله به كل شيء، واللوح المحفوظ الذي فيه كل شيء من جملة علوم النبي ﷺ . وهذا ما وصل إليه شرك المشركين الذين عبدوا اللات والعزى وغيرهم، وكثير من هذا القبيل، ثم إن كثيراً من الناس يجعل هذه القصيدة شبه الورد، ويحفظها مثلما يحفظ الفاتحة لأجل هذا الإطراء وهذا الغرور، ولن ينفعه ذلك، وإنما ينفعه الاتكال على الله جل وعلا وإخلاص الدعوة له، وإلا فهو صلوات الله وسلامه عليه يقول لأقرب الناس إليه -وهي ابنته فاطمة ﵂: (لا أغني عنك من الله شيئاً، سلني من مالي ما شئت)، ويقول لأصحابه: (لا ألفين أحدكم يوم القيامة يأتي وعلى رأسه بعير له رغاء فيقول: يا رسول الله! أغثني. فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً، قد أبلغتك)، فهو صلوات الله وسلامه عليه أفضل الخلق، ولكنه ليس له مع الله شيء، والشفاعة التي يزعم البوصيري أنه يملكها كذب على الله جل وعلا، فما يملك من الشفاعة إلا إذا أذن الله له، والله جل وعلا يقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وهم يطلبون الشفاعة منه، والشفاعة لا تطلب من الرسول ﷺ ، وإنما تطلب من الله، يقول جل وعلا: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [الزمر:٤٣]، ويقول: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر:٤٤]، فليس لأحد شيء من الشفاعة، فالشفاعة لله، ولكنه إذا أراد رحمة أحد من أهل التوحيد أذن لمن يريد أن يكرمه بأن يشفع، والأمر له، ولهذا بين ذلك رسول الله ﷺ بياناً واضحاً كما سيأتي، فليس لهؤلاء الذين غلوا وضلوا وجانبوا الحق متعلق بالشفاعة؛ فإن الله جل وعلا وضح ذلك وبينه.

стр. 148

شرط رجحان كلمة التوحيد بجميع المخلوقات [المسألة التاسعة: التنبه برجحانها لجميع المخلوقات مع أن كثيراً ممن يقولها يخف ميزانه]. يعني أنها ترجح بجميع المخلوقات على الإطلاق، كما في هذا الحديث الذي ذكرناه: (لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع وضعت في كفة و (لا إله إلا الله) في كفة مالت بهن (لا إله إلا الله))، وهل هذا يكون لكل أحد؟ أبداً. بل يكون للخواص من خلق الله الذين اصطفاهم الله جل وعلا، والذين أتوا الله بقلب سليم، أما أكثر الخلق فهم يقولون: (لا إله إلا الله) ويدخلون النار، ويخف ميزانهم؛ لأنهم لم يحققونها ولم يعرفوا معناها ولم يعملوا بمقتضاها، فهذا بين واضح، وقد جاءت الأحاديث متواترة أن كثيراً ممن يصلي ويصوم ويزكي يدخل النار ثم يخرج منها، وهؤلاء ليسوا مشركين؛ لأن المشرك محرمة عليه الجنة، وإنما توحيدهم ناقص، وذنوبهم رجحت بحسناتهم، ومن أعظم حسناتهم قول (لا إله إلا الله)، فلم تكن عندهم ترجح بالسيئات، بل السيئات رجحت بها، فهذا كله يدلنا على أن رجحان (لا إله إلا الله) ليس لكل أحد، بل للخواص، بل لمن يقولها مخلصاً وصادقاً وموقناً ومستسلماً لله وقابلاً للحق ومعرضاً عن كل ما سواه، ثم لا يلتفت عن هذا، فيبقى متمسكاً بهذا المنهج إلى أن يموت، فهذا هو الذي إذا قالها بهذه الصفة تكون راجحة على جميع المخلوقات، فلو أتى بملء الأرض خطايا رجحت بهن (لا إله إلا الله) إذا كان قالها على هذه الصفة. وقد يقال: كيف يأتي بملء الأرض خطايا وهذه الكلمة إذا قالها لا يصمد لها شيء؟ والجواب أنه إذا قدر أنه عمل الخطايا ثم أقبل على الله صادقاً وتائباً وقال هذه الكلمة فإنه يكون بهذا المنزلة.

стр. 149

تسبيح الأرض ومعناه [المسألة العاشرة: النص على أن الأرضين سبع كالسماوات]. يقول الله جل وعلا: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:١٢]، والمثلية في العدد، أي: كونها سبعاً. ويقول الرسول ﷺ : (من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين) يعني: جعل طوقاً لعنقه يحمله يوم القيامة. وهل كل أرض مثل هذه الأرض التي نحن فوقها، أو أنها طبقات سبع كل طبقة تحت الأخرى مثل السماوات، كما قال الله جل وعلا: (وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ)؟ والصواب الرأي الثاني، ولا يلزم أن يكون فيها سكان, ولا يلزم أن تكون هناك فتوق، أي: أن يكون هناك فضاء بين أرض وأخرى. ليس لازماً، وإنما خلقها الله جل وعلا كذلك لحكمة، أما ما يذكر عند تفسير هذه الآية أن كل أرض فيها مثل هؤلاء الخلق بأسمائهم وأوصافهم وألوانهم وأجناسهم فهذا مروي عن بني إسرائيل الذين يريدون أن يفسدوا عقائد المسلمين بخرافاتهم وكذبهم الذي يضعونه على الله جل وعلا، وليس عليه من دليل، نعم صح هذا القول عن ابن عباس، ولكن الظاهر أنه أخذه عن بني إسرائيل.

стр. 150

عمار السموات والأرض [المسألة الحادية عشرة: أن لهن عماراً]. أي: لهن عمار حيث يشاء الله ويعلمه، وعمار السماوات واضح أنهم الملائكة، وأما الأرضين -ما عدا الأرض العليا- فالله أعلم بعمارهن، والله جل وعلا يسبح له كل شيء حتى الجمادات، فكل شيء يسبح بحمده، فإذا كان كل شيء يسبح بحمده حتى الجبال والجماد والشجر والدواب والماء والحصى وكل شيء فمعنى ذلك أن هؤلاء هم عمارها، فهذه الأمور هي عمارها.

стр. 151

إثبات صفات الله تعالى [المسألة الثانية عشرة: إثبات الصفات خلافاً للمعطلة]. قصده في إثبات الصفات هنا أنه يجب أن يوصف الله جل وعلا بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، لا يحرف الكلام عن وضعه الذي وضع له ولا يعطل عن معانيه التي دلت عليها اللغة العربية، ولا يكيف فيقول: هذه الصفة على كذا وكذا ومثل كذا وكذا. وكذلك لا يمثل فيقول: مثل كذا وكذا. فإن هذا بالنسبة لله ممنوع؛ لأن الله جل وعلا غيب لم يشاهده أحد، ولم ينظر إليه أحد، وهو جل وعلا لا سمي له ولا كفء له ولا ند له فيقاس عليه -تعالى وتقدس-، فلم يبق طريق إلى معرفة الله جل وعلا إلا ما أخبر به عن نفسه فقط، فنحن نتعرف على الله جل وعلا بالخبر الذي جاءنا عنه بالأوصاف التي وصف بها نفسه، فهذا الذي يجب على المسلم أن يفعله، وهذا في الواقع ضل أكثر الناس فيه، فأكثر الخلق اليوم لا يصفون الله جل وعلا بما وصف به نفسه، بل يحرفون، بالتحريف الذي يسمونه تأويلاً، وكثير منهم يعتقد أن ظاهر النصوص كفر، وأن القرآن لو أخذنا بظاهره لقادنا إلى الكفر، كثير منهم يقول هذا ويصرح به، والذي لا يصرح به يكون ذلك مستكناً في نفسه، ولهذا إذا قرأت كتب هؤلاء القديمة والحديثة وجدت أنه إذا تمكن من التصريح صرح، وإذا لم يتمكن قال: هذه متشابهات. يعني قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٤]، وما أشبه ذلك، فهذه عنده يسميها متشابهات، والمتشابه يجب أن يرد إلى المحكم، والمحكم عنده أن الله لا يوصف بهذه الصفة؛ لأنه ليس كمثله شيء، ولا سمي له ولا ند له، فيأخذ العمومات ويجعلها هي المحكمات، ويرد النصوص الجلية التي نص عليها عكس فعل أهل السنة؛ لأن أهل السنة قاعدتهم أن العموم والشمول جاء في النفي، أما النصوص التي تخص كل صفة بنص من النصوص فهذه تكون في الإثبات، وهي طريقة القرآن وطريقة الرسول ﷺ فيما عرف به ربه إلى عباد الله، فهو يحدث في كل مقام يناسب ذلك، ويخبر بأن الله يعجب، وبأن الله يضحك, وبأن الله ينزل إلى سماء الدنيا، وبأن الله يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، وأن الله يأخذ الصدقة بيمينه فيربيها للمتصدق إذا كان مخلصاً كما يربي أحدكم فلوه -يعني: ولد فرسه الذي يعتني به كما يعتني بولده في ذلك الوقت-، إلى غير ذلك من الأوصاف التي يصف بها رسول الله ﷺ ربه، ويعلم أمته ذلك، ثم يأتينا بعد القوم الذين زعموا أنهم أعلم وأحكم من الصحابة، وأن الصحابة لم يحكموا هذا الباب ولم يعلموه حق العلم، وإنما علمه الذين تلقوه من الفلاسفة ومن اليونان وحكماء الهند وغيرهم من الأعاجم، وهم الذين أحكموا ذلك، وإذا كان الأمر هكذا فإننا نقول: إن من عقيدة المسلم التي لا بد أن يعتقدها كل مسلم، وإلا فلا تكون عقيدته صحيحة -بل لا يكون مسلماً- من عقيدة المسلم أن رسول الله ﷺ بلغ عن الله جل وعلا، ولا بد للمسلم أن يعتقد هذا، فيعتقد أن رسول الله ﷺ بلغ عن الله، فأين تبليغه بأن الله ليس مستوياً على عرشه، وأنه لا يجوز أن يوصف بأن له يدين، وأن ليديه أصابع، وأنه جل وعلا لا يبسط يده، وأنه جل وعلا ليس فوق عباده، وأنه جل وعلا لا يحب أحداً، ولا يحبه أحد، إلى غير ذلك من أقوال هؤلاء الضلال، أين تبليغ الرسول ﷺ ؟ كذلك من عقيدة المسلمين التي لا بد لكل مسلم أن يعتقدها أن رسول الله ﷺ هو أعلم الخلق بالله، وهو أعرف الخلق بالله، وهو أتقى الخلق لله، وأنه صلوات الله وسلامه عليه أقدر على البيان من كل أحد، وأنه صلوات الله وسلامه عليه أفصح الخلق وأنصحهم للخلق، فإذا وجد هذا اقتضى ذلك أنه لا يترك شيئاً نحتاج إليه في ديننا -لا سيما في عقائدنا- إلا ويبينه لنا ويوضحه نصحاً وإبلاغاً وامتثالاً لقول ربه جل وعلا ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧] يعني: إن لم تبلغ فأنت متوعد من الله جل وعلا بأنك لم تبلغ الرسالة. ولهذا جعل العلماء هذه الآية دليلاً على إبطال كل بدعة يأتي بها المبتدع؛ لأن هذه البدعة ما بلغها رسول الله ﷺ ، ولو كانت ديناً لبلغه رسول الله ﷺ ، فهذه العقيدة تكفي في إبطال قول هؤلاء النفاة الضلال، وهي عقيدة لازمة، والذي لا يعتقدها معناه أنه ما شهد الشهادة بالرسول ﷺ على الوجه الذي ينجيه من عذاب الله جل وعلا ويخلصه من التبعة. ثم إن الذي ذكر في هذه النصوص أن الله جل وعلا يتكلم جاء في عدد منه أنه يتكلم ويخاطب ويجزي، وأنه يحب من يشاء من خلقه، وأنه يبغض من يشاء من خلقه، وأنه كذلك يرحم من يشاء، وأنه يثيب، وأنه يعاقب، وكل هذا من صفات الله جل وعلا التي يوصف بها، وهي كلها مرت معنا في هذه النصوص، وكذلك منها أنه في السماء؛ لأنه قال: (لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري) فاستثنى نفسه، فدل على أنه في السماء، والسماء يقصد بها العلو، وكذلك غير هذا من الصفات، وستأتي الإشارة إلى شيء منها فيما بعد. [المسألة الثالثة عشرة: أنك إذا عرفت حديث أنس ﵁ عرفت أن قوله ﷺ في حديث عتبان: (فإن الله حرم على النار من قال (لا إله إلا الله) يبتغي بذلك وجه الله) أنه تَرْكُ الشرك ليس قولها باللسان]. يقصد بهذا أن يبين أن النصوص لا تتعارض، وأنها كلها خرجت من مشكاة النبوة، وكلها بعضها يتفق مع بعض، فإخباره أن من قال (لا إله إلا الله) يحرم على النار، وقوله: إنه يدخل الجنة، وإخباره أن كثيراً ممن يقول (لا إله إلا الله) يدخل النار ثم يخرج منها، وكذلك كون كثير من المصلين يدخل النار ويبقى يصلاها وقتاً حتى يمن الله جل وعلا عليه بإخراجه منها كل هذه لا تتعارض؛ لأنها كلها صدرت عن رسول الله ﷺ ، فتحمل كل طائفة منها على طائفة من الناس في الحالة التي تكون فيهم، ويستمرون عليها من إخلاص وعدمه، ومن صدق وعدمه، ومن يقين وعدمه، ومن محبة وعدمها، وما أشبه ذلك، ومعلوم أن التفاوت بين الناس في هذا لا يعلمه إلا الله جل وعلا، فهو تفاوت عظيم، فتجد واحداً يكون مؤمناً صادقاً موقناً لا يتزعزع الإيمان من قلبه، وإيمانه يمنعه من اقتراف المعاصي، ويمنعه من ترك شيء من الواجبات، وتجد آخر يسارع إلى المعاصي وهو يقول: (لا إله إلا الله)، وتجد آخر يحجم عن فعل بعض الواجبات، وهكذا، وهذا شيء مشاهد في الناس كلهم، ومن هنا تفاوتت هذه الجزاءات وهذه الإخبارات عنه حسب تفاوتهم في الإيمان والصدق مع الله جل وعلا.

стр. 152

حقيقة محمد وعيسى صلى الله عليهما وسلم ومنزلتهما عند الله [المسألة الرابعة عشرة: تأمل الجمع بين كون عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم عبدي الله ورسوليه]. يقصد بهذا أنه حصل الغلو في كل منهما -أي: عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم-، أما الغلو في عيسى فقد ذكره الله جل وعلا في القرآن، وهو معلوم إلى اليوم، فالذين يزعمون أنهم نصارى يجعلونه الله، أو يجعلونه ابن الله، أو يجعلونه شريكاً لله جل وعلا وتعالى وتقدس عن قولهم، وهذا الذي عليه النصارى اليوم في جميع الأرض إلا من شاء الله، ومعلوم أن كل من زعم أنه متبع لنبي من الأنبياء يجب عليه -لو كان صادقاً- أن يتبع محمداً صلوات الله وسلامه عليه، وإن لم يفعل ذلك فهو في النار في جهنم، حتى وإن اتبع عيسى كما جاء فلم يقل: إنه ابن الله، ولا ثالث ثلاثة. ولا هو الله، وإن قال: إنه عبد الله ورسوله واتبعه وآمن به واتبع كتابه الذي جاء به، فإذا لم يؤمن بمحمد ﷺ ويتبعه فهو في جهنم خالداً مخلداً فيها، والرسول ﷺ يقول: (والله لو كان أخي موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي) يعني: ما تسعه شريعته أن يقول: أنا جئت بشريعة وأبقى عليها. فلا بد أن يتبع رسول الله ﷺ ؛ لأنه أرسل إلى الناس كافة. وبهذا المعنى استدل العلماء على ابطال قول الصوفية -أو كثير منهم-: إن الخضر موجود، وإنه يأتي ويحضر بعض المجالس؛ لأن الخضر لو كان موجوداً وجب أن يأتي إلى رسول الله ﷺ ويؤمن به ويجاهد معه ويتعلم ما جاء به؛ لأنه لا يسعه إلا ذلك، وليس الأمر كما كان للرسل الذين قبل رسولنا ﷺ ، وقد كان كل رسول يرسل إلى قومه خاصة، ولهذا يوجد في آن واحد عدد من الرسل كل رسول في بلد، وكل رسول يأتي بشرع، فيكون له دعوة مستقلة، أما رسولنا صلوات الله وسلامه عليه فإنه من خصائصه أنه أرسل إلى الجن والإنس كافة، ولم يشذ شيء عن ذلك، وهذا الذي يجب أن يعتقد. وكيف وهؤلاء النصارى دينهم الذي يدينون به كفر وضلال وشرك مخالف لما جاء به عيسى ﵇ مخالفة ظاهرة جلية، وإن زعموا أنهم أتباعه، فهم أتباع الشيطان في الواقع، وهو الذي زين لهم هذا الدين. فمعنى كلامه أن عيسى ادعيت فيه الربوبية والإلوهية والشركة والبنوة -تعالى الله عن ذلك-، وهذا ينافي كونه عبداً، وإذا كان عبداً لا يكون له شيء من ذلك، ومحمد صلوات الله وسلامه عليه ادعيت فيه مشاركة الله في المعنى، فما أحد قال: إنه ابن الله. أو: إنه شريك لله جل وعلا في الملك، مثلما تقوله النصارى في عيسى: إنه ثالث ثلاثة. وقد يقول ذلك بعض الجهال هذا، فيقول: أنا أعبد الله وأعبد محمداً. ويقول: أنا أتوكل على الله وعلى رسول الله. كثير من الجهال يقول هذا، وهذا شرك ظاهر جلي واضح. ولكن المقصود أن كثيراً من العلماء الذين يؤلفون ويكتبون شروحاً للحديث وشروحاً للتفسير وقعوا في المعنى الذي وقعت فيه النصارى؛ حيث غلوا في رسول الله ﷺ وجعلوه يعلم الغيب، وجعلوه يملك لداعيه النفع ويصرف عنه الضر، وجعلوا الدعوة له، فيدعونه وهم علماء يكتبون للناس ويوجهونهم، ولكنهم دعاة للوثنية في الواقع، ودعاة للشرك، وقد تبرأ رسول الله ﷺ أن يكون شريكاً لله في شيء، ولذلك قال: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، وإنما أنا عبد الله ورسوله فقولوا: عبد الله ورسوله)، وقال: (لا يستجرينكم الشيطان) يعني: لا يتخذكم مطايا يجريكم في الباطل فتدخلوا في الشرك من هذا الطريق. فهذا مقصود المؤلف في قوله: [تأمل الجمع بين كون عيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما عبدي الله ورسوله]، وهذا من ناحية العبودية، أما من ناحية الرسالة فإن اليهود -عليهم لعائن الله- أنكروا رسالة عيسى، بل رموه بالبهت هو وأمه مقابلة لقول النصارى: إنه ابن الله أو إنه ثالث ثلاثة. فقالوا: هو ابن زانية وابن بغي؛ لأنها جاءت به بغير أب. ولم يصدقوا أنه رسول الله، وهذا يقابل قول النصارى، ومحمد صلوات الله وسلامه عليه أهل الجفاء والفجور أبوا أن يقروا له بالرسالة، فلا بد من الجمع بين هذين الوصفين لهذين الرسولين، وهما من أولي العزم من الرسل، وهذا أمر معلوم تظافرت عليه النصوص.

стр. 153

ما اختص به عيسى ﵇ ومالم يختص به مما جاء في حديث عبادة [المسألة الخامسة عشرة: معرفة اختصاص عيسى ﵇ بكونه كلمة الله]. اختص عيسى ﵇ بذلك لأنه تكون بالكلمة التي قال الله جل وعلا له: (كن) فكان، فيكون بدون أب، بخلاف غيره من الخلق، فكل مخلوق يقول الله جل وعلا له: (كن)، ولكنه يتكون بسبب وبواسطة جعلها الله سبباً في إيجاده، وهو ماء الرجل والمرأة، أما عيسى فاختص من بين هؤلاء الناس كلهم في كونه وجد بالكلمة تكون بها بغير أب. [المسألة السادسة عشرة: معرفة كونه روحاً منه]. معرفة كونه روحاً منه هذا لا يخصه، ولكن المعنى أنه روح من الأرواح التي خلقها، ثم أودعها في مريم، ولهذا أخبر أنه نفخ فيها من روحه، فقال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم:١٢]، يعني: في فرجها جاءت النفخة ودخلت فيه فتكون عيسى. يقول أهل التفسير: إن الله أرسل إليها جبريل -كما أخبر في سورة مريم أنه تمثل لها بشراً سوياً -فتعوذت بالله منه، فقال: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم:١٩]، فتعجبت وقالت: كيف يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغياً؟ أي: ما كنت زانية حتى يكون لي ولد! فأخبرها أن الله جل وعلا على كل شيء قدير، يقول أهل التفسير: نفخ في جيب درعها فذهبت النفخة إلى فرجها ودخلت فيه. ولهذا احتج النصارى بهذا على بعض العلماء وقالوا: هذا كتابكم يدل على ما نقوله، وهو أن عيسى روح منه! فقال هذا العالم: إن الله جل وعلا يقول: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣]، فليس هذا من الله إلا من باب التسخير والخلق والإيجاد والتكوين، وليس هذا خاصاً بعيسى.

стр. 154

الإيمان بالجنة والنار [المسألة السابعة عشرة: معرفة فضل الإيمان بالجنة والنار]. يعني أنه نص على وجوب الإيمان بالجنة والنار، فقال: (والجنة حق والنار حق)، فدل على الاهتمام بذلك، وأنه يجب أن يؤمن بالجنة والنار، وأن الإنسان لا يكون مؤمناً إلا إذا آمن بهما، والجنة والنار في الواقع يدخل في الإيمان بهما الإيمان بكل ما يكون بعد الموت وأخبر به الوحي من فتنة القبر، ومن عذابه، ومن البعث، ومن الجزاء، والجمع بين يدي الله، وتطاير الصحف، والمحاسبة، والوزن، والحوض الذي يكون في الموقف لرسول الله ﷺ ، والصراط، وغير ذلك من كل ما جاءت به النصوص يدخل في الإيمان بالجنة والنار.

стр. 155

التوحيد ودخول الجنة على ما كان من العمل [المسألة الثامنة عشرة: معرفة قوله ﷺ : (على ما كان من العمل). ] عرفنا أن معنى قوله: (على ما كان من العمل) أنه إذا جاء بما شرط وإن كانت له ذنوب فإنه يدخل الجنة على ما كان من العمل، فإن جاء بالذنوب مع وجود هذا الشرط يدخل الجنة، ولكن دخوله الجنة هنا لا يدل على أنه لا يجازى بذنوبه، بل يدل على أنه لا بد من دخوله الجنة وإن ناله ما ناله في الموقف أو بعد الموقف أو في القبر قبل الموقف، بخلاف ما في حديث عتبان؛ فإنه يقول: (من قال (لا إله إلا الله) يبتغي بذلك وجه الله حرمه الله على النار)، فإن الله حرم على النار من قال: (لا إله إلا الله) يبتغي بذلك وجه الله، فإن هذا إذا جاء بهذا الشرط فقالها مبتغياً بها وجه الله فإنه لا تناله النار بأذى، لكن معنى (يبتغي) أنه لا بد من الإخلاص.

стр. 156

الإيمان بالميزان وكفتيه [المسألة التاسعة عشرة: معرفة أن الميزان له كفتان]. كون الميزان له كفتان هذا بالنص؛ لأنه قال: (لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع وضعت في كفة و (لا إله إلا الله) في كفة)، والله جل وعلا خاطبنا بلغة العرب، ولغة العرب الميزان فيها يطلق على ما يكون له الكفتان اللتان يوزن بها، فيوضع في جانب منه شيء وفي الجانب الآخر شيء آخر، ثم هل نَصِفُ الميزان بأن له لساناً؟ و الجواب لا يلزم؛ لأنه إذا جاء النص بذلك لزم، وإذا لم يأت فأمور الآخرة لا تقاس على أمور الدنيا، وأحوال الآخرة وما يقيمه الله جل وعلا لعباده لا يقاس بما نتعارف عليه في الدنيا حتى يأتي النص.

стр. 157

إثبات الوجه لله ﷻ [المسألة العشرون: معرفة ذكر الوجه]. قوله: [يبتغي بذلك وجه الله] يدل على أن المقصود بابتغاء الوجه أنه يكون مخلصاً لا يصدر منه العمل إلا لله خالصاً ليس فيه شيء لغيره. كما يدل على أن لله وجهاً جل وتقدس، وهو وجهه الكريم الذي النظر إليه أعلى نعيم في الآخرة، وقد فسر الرسول ﷺ ذلك جلياً، كما جاء في صحيح مسلم من حديث صهيب: (أن الرسول ﷺ ذكر قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] فقال: الحسنى الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله جل وعلا)، وجاءت الأحاديث متواترة عن رسول الله ﷺ ، كما في حديث جرير بن عبد الله البجلي، وحديث أبي هريرة، وحديث أنس، وحديث أبي سعيد الخدري، وأحاديث كثيرة جداً، وهي ثابتة في الصحيحين وغيرهما أن الصحابة قالوا للرسول ﷺ : يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: (هل تضارُّون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا. قال: إنكم ترونه كما ترون القمر ليلة البدر)، وجاء هذا في روايات كثيرة متعددة وألفاظ مختلفة، فهذا مما يجب الإيمان به. والنظر إليه إلى وجهه جل وعلا، وإلا فهو أكبر من كل شيء وأعظم من كل شيء، وقد جاء الدعاء المشهور عن النبي ﷺ : (وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم)، وهذا دعاء ينبغي للمسلم أن يدعو به، فالنظر إلى وجهه جل وعلا له لذة أعظم من لذة الجنة، وأخبر جل وعلا عن أعدائه أنهم يعذبون بالحجاب عنه، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، فالحجاب: ضد الرؤية، فيحجب أعداءه وينظر إلى أوليائه وينظرون إليه، أما نظره هو جل وعلا فهو لا يحول دونه حائل، ولا يمكن أن يستر نظره شيء جل وتقدس، ولكن العباد ينظرون إليه في الجنة فقط، وأما في الدنيا فلا أحد ينظر إليه، كما قال صلوات الله وسلامه عليه في حديث الدجال الذي أخبرنا أنه يأتي ويزعم أنه الله رب العالمين، وهو من أكذب الكاذبين، يقول لنا الرسول ﷺ : (واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت) يعني: إلى أن يأتي يوم القيامة. فإن كان من أهل الجنة رأى ربه، أما قبل ذلك فلا يمكن. وقد يلتبس على بعض الناس أنه جاء في المسند وفي غيره عن النبي ﷺ أنه قال: (رأيت ربي في أحسن صورة)، فهذه الرؤية المقصود بها رؤية النوم، رآه في المنام، ورؤية النوم ليست هي الرؤية الحقيقية، وإنما هي مثل يضربه الملك الموكل بالرؤيا، فالرائي يرى شيئاً يليق بإيمانه واتباعه للرسول ﷺ وحبه لله وطاعته له، فإن كان إيمانه كاملاً وصحيحاً وحسناً رأى صورة تناسب هذا، وإن كان ناقصاً رأى كذلك؛ لأنها ليست رؤية حقيقية، فعلى هذا يجوز للمؤمن أن يرى ربه في النوم، ولكن يراه على حسب إيمانه، وتكون الرؤية مثلاً يضربه الملك الموكل بالرؤيا، والرؤيا قسمها العلماء إلى أقسام ثلاثة: قسم ليس برؤيا، وإنما هي أضغاث أحلام، بل هي حديث النفس وما تشتغل به، فإذا كان الإنسان منهمكاً في عمل من الأعمال، أو في فعل من الأفعال، سواءٌ أكان خيراً أم شراً فغالباً إذا نام يجد أنه يزاول ذلك العمل، ولو كان حديثاً بينه وبين أصحابه يجد أنه يزاول ذلك العمل ويراه؛ لأن نفسه منهمكة فيه، وأصبحت كأنها لا تتجزأ ولا تنفصل عنه، فهذه ليست رؤيا، ولكن هذا يخاف منه في الواقع، لأن النوم شبيه بحضور الموت، فيخاف أن الإنسان إذا حضره الموت يكون مشغولاً بهذه الأمور، ويموت على ذلك، والمفروض أنه يموت على (لا إله إلا الله) والإيمان بالله واليقين به والإقبال على الله والإقلاع عن كل ذنب. القسم الثاني: تخويفات تأتي من الشيطان يخوف بها الإنسان، ويمثل له تمثيلاً يخيفه، وهذا الذي قال فيه الرسول ﷺ : (إذا رأى أحدكم ما يكره فلينفث عن يساره ثلاثاً وليستعذ بالله من الشيطان، ثم ليتحول إلى الجنب الآخر، ولا يحدث بما رأى أحداً، فإن ذلك لا يضره)؛ لأن هذا من تخويف الشيطان، والشيطان يطرده الذكر والاستعاذة بالله جل وعلا، وعمله يبطل بذلك. القسم الثالث: الرؤيا التي يقول الرسول ﷺ فيها: (الرؤيا جزء من بضع وأربعين جزءاً من النبوة)، وذلك لأنه يأتي بها الملك الموكل بالرؤيا، والوحي يأتي به الملك إلى الرسول ﷺ ، ولكن هذا شيء جزئي، فهي أمثال يضربها الملك لما سيفعل الإنسان وما سيستقبله، فيمثله له ويقربه له، وقد يكون التقريب والتمثيل ظاهراً جلياً يفهمه الإنسان، وقد يكون فيه خفاء لا يعرفه إلا أهل العلم بذلك، ولهذا لا يجوز أن تقص الرؤيا إلا على عالم ومحب، فلا تقص على جاهل ولا على عدو أو على كاره؛ لأنها قد تأول فتقع على التأويل الذي أولت عليه وهو الشيء المكروه، وقد جاء أن الرؤيا على جناح طائر ما لم تأول، فإذا أولت وقعت، وجاء في التفسير أن الفتيين اللذين أخبرا يوسف في السجن أن أحدهما رأى أنه يعصر خمراً والآخر يحمل خبزاً في النهاية قالا: لم نر شيئاً، وإنما نحن كاذبين فقال: ﴿قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف:٤١]، يعني: وقع كما أخبرتكما. فإذا أولت الرؤيا وقعت.

стр. 158

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٦] على قدر تحقيق العبد للتوحيد يكون ثوابه وأجره، فمن حقق التوحيد على وجهه كان أهلاً لدخول الجنة بغير حساب، ويتم تحقيق التوحيد بما ذكره الله تعالى عن إبراهيم ﵇ الذي كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يكن من المشركين، كما يتم بتحقيق ما ذكره النبي ﷺ من أوصاف السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب في كونهم لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون.

стр. 159

تحقيق التوحيد

стр. 160

تحقيقه في أنواعه الثلاثة قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب]. أي: بلا عذاب، والتوحيد هو أن يكون العمل موحداً لله جل وعلا، وألا يكون لأحد فيه شيء، والتوحيد حق الله جل وعلا الذي أوجبه على عباده بأن يكون خالصاً لله جل وعلا، ويكون التوحيد أيضاً فيما يخص الله جل وعلا من الأسماء والصفات والأفعال، فيجب أن يوحد الله جل وعلا في أمور ثلاثة: الأول: في حقه الذي أوجبه على عباده، بأن يُجعل واحداً لله جل وعلا، ولا يوزع بين الله وبين مقاصد أخرى. الثاني: أن يوحد الله جل وعلا بخصائصه من أوصافه وأسمائه التي اختص بها فسمى بها نفسه أو سماه بها رسوله ﷺ ، فيجب أن يوحد فيها وألا يشرك معه أحد من الخلق في ذلك. الثالث: أن يوحد في أفعاله وملكه الذي يفعله ويملكه، فالملك كله لله وحده، والفعل الذي يفعله من الخلق والإحياء والإماتة وغير ذلك يكون خاصاً به، ولا يجوز أن يُلحق به غيره من الخلق. وهذه الأمور الثلاثة دل عليها القرآن في مواضع متعددة, وكذلك دعوات الرسل كلها التي قصها الله جل وعلا علينا دلت على ذلك، فيجب أن يوحد الله جل وعلا في هذه الأمور، وأن يحقق التوحيد، وتحقيقه أن يؤتى بحقائقه، وحقائقه تتطلب العلم به والاطلاع عليه ثم العمل به، ويلزم من ذلك أن يخلص من جميع شوائب الدواخل التي قد تدخل عليه من الرياء والمقاصد التي لا يراد بها الله جل وعلا، وكذلك يلزم من ذلك اجتناب المعاصي والبدع، فإذا وجدت هذه الأمور فصاحبها من الذين يسبقون إلى الجنة بغير حساب ولا عذاب، فهذه هي حقيقة تحقيق التوحيد، أن يأتي به الإنسان عالماً بحقائقه مطلعاً عليها، ثم يتحلى بها عملاً وعلماً، ثم يلزم منه أن يجتنب جميع شوائب الدواخل من المعاصي والبدع وغيرها؛ لأن من حقق التوحيد انجذب بكليته إلى الله فأصبح يحبه الحب كله، وأصبح يوافق أمره موافقة لا ينفك عنها، ولا يجد في نفسه مخالفة لأمر الله جل وعلا، ويكره كل ما نهاه الله عنه أشد كراهة، فمن حقق التوحيد كان بهذه المثابة، ولهذا تحقيق التوحيد صار عزيزاً في الناس، وإن كان في صدر هذه الأمة موجوداً بكثرة، ولكنه فيما بعد أصبح قليلاً، ومن تحلى بذلك فهو لا يحاسب ولا يعذب، ويكون من السبعين ألفاً الذين يسبقون إلى الجنة بغير حساب ولا عذاب.

стр. 161

بم يحقق التوحيد قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب أي: ولا عذاب. قلت: تحقيقه تخليصه وتصفيته من شوائب الشرك والبدع والمعاصي. قال المصنف رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠]]. استدل بهذه الآية على تحقيق التوحيد، وأن من فعل واتصف بما اتصف به خليل الرحمن فقد حقق التوحيد، والله جل وعلا وصفه بأربع صفات في هذه الآية: فوصفه بأنه كان حنيفاً، والحنيف: المائل قصداً عن غير مراد الله إلى مراده. فإبراهيم هذه صفته، كان متجهاً إلى ربه جل وعلا بكليته قاصداً ذلك، أي أنه كان راغباً فيه مقبلاً عليه بعزم ونشاط وجد وقوة، وهذا معنى كونه حنيفاً، وأما كونه أمة فالأمة جاء تفسيرها في هذه الآية عن السلف بمعنيين: المعنى الأول: القدوة في الخير. أي أنه كان قدوة في الخير والدعوة إليه، فهو قدوة في عبادة الله وحبه والإقبال عليه والدعوة إلى ذلك، وهذه القدوة لا تنال إلا باليقين والصبر، فإذا أيقن العبد بأمر الله جل وعلا وبواجباته التي أوجبها عليه وصبر عليها عملاً ودعوة فإنه يكون قدوة. التفسير الثاني: أنه كان واحداً في الحق، ليس معه أحد غيره؛ لأنه كان هو الذي على طريق الحق، وهو الذي اتخذه الله خليلاً، وأما من عداه من قومه فكلهم كفار وكلهم مشركون، ولهذا جاء في الصحيح أنه قيل للطاغية أحد الجبابرة: إنه قدم عليك رجل معه امرأة فيها من الجمال ما لا يصلح إلا أن تكون زوجة لك. وعلم أنه لو قال: إنها زوجتي لأخذها، فقال لما سأله: هي أختي. لأنه علم أنه إذا قال: أختي لا يأخذها، فلما رجع إليها قال: لا تكذبيني، فإني قلت: إنك أختي وأنت أختي في الإسلام، ليس اليوم مسلم غيري وغيرك. وهذا يشهد لقولهم بهذا القول أنه كان وحده على الحق، أمة وحده على الحق والتوحيد، وهذا في الواقع لا ينافي القول الأول، فهو كان في أول أمره واحداً في الحق، وهو أيضاً القدوة، ولهذا أمرنا الله جل وعلا بالتأسي به، قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة:٤]، فأمرنا بالتأسي به لأنه هو القدوة في ذلك، وهو إمام الحنفاء وإمام الموحدين الذين حققوا التوحيد. الصفة الثالثة: أنه كان قانتاً. والقنوت في اللغة: هو دوام الطاعة، فمن داوم على الطاعة مستقيماً عليها فإنه يكون قانتاً، وكذلك إذا أطال الإنسان الصلاة وأطال الركوع والسجود فإنه يكون قانتاً، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩]، وسماه قانتاً، فالقنوت هو المداومة على الطاعة ولزومها مع الخشوع والذل والخضوع لله جل وعلا. الصفة الرابعة: أنه ما كان من المشركين، فما كان معهم في القصد والإرادة، ولا كان في المكان، وما كان في الدين والعمل معهم، بل كان مفارقاً لهم في جميع الأحوال، وهو كذلك لم يقع في الشرك، ولهذا أخبر الله جل وعلا عنه في مواضع متعددة أنه ما كان يهودياً ولا نصرانياً ولا كان مشركاً، وكل من الخلق يدعي أنه على طريقته، فاليهود يدعون أنهم أتباعه وعلى نهجه وعلى ملته، والنصارى كذلك، والمشركون كذلك، والله جل وعلا برأه من الجميع، وأخبر أن أولى الناس بإبراهيم اَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ، وهو نبينا صلوات الله وسلامه عليه، فهؤلاء هم أولى الناس به وأقربهم إليه. فهذه الأوصاف الأربعة إذا تحلى بها العبد فقد حقق التوحيد وكان أسوته خليل الرحمن، ويصير ممن لا يعذب يوم القيامة ولا يحاسب، بل يسبق إلى الجنة مع الذين يسبقون إليها.

стр. 162

أوصاف إبراهيم ﵇ في تحقيق التوحيد قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠] وصف إبراهيم ﵇ بهذه الصفات التي هي الغاية في تحقيق التوحيد: الأولى: أنه كان أمة. أي: قدوة وإماماً معلماً للخير، وما ذاك إلا لتكميله مقام الصبر واليقين الذين تنال بهما الإمامة في الدين]. هذا أحد المواضع التي وردت في القرآن في (الأمة) يقصد بها القدوة الذي يقتدى به؛ لأن القرآن ورد فيه لفظ (الأمة) في معان عدة هذا أحدها، والمعنى الثاني: الجماعة من الناس. كقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص:٢٣] يعني: جماعة، وهذا كثير، والمعنى الثالث: أنه يقصد بالأمة طائفة من الزمن. كما قال الله جل وعلا في قصة يوسف: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف:٤٥] يعني: بعد وقت وبعد مدة تذكر ما حدث معه ومع يوسف، وما حدث من تأويل الرؤيا. وكذلك قوله: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ [هود:٨] يعني: إلى طائفة من الزمن. الرابع: أنه يقصد بالأمة الدين والملة، كقوله تعالى عن الكفار: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢]، فهذه المعاني التي وردت بلفظ الأمة، أحدها: القدوة. والثاني: الجماعة من الناس. والثالث: الطائفة من الزمن والوقت. والرابع: الملة والدين. قال الشارح رحمه الله تعالى: [الصفة الثانية كونه قانتاً. قال شيخ الإسلام ﵀: القنوت: دوام الطاعة. والمصلي إذا أطال قيامه أو ركوعه أو سجوده فهو قانت، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩] انتهى ملخصاً. الثالثة: أنه كان حنيفاً. قلت: قال العلامة ابن القيم: الحنيف المقبل على الله المعرض عن كل ما سواه. انتهى] لا بد لكل مقبل على الله أن يكون إقباله قصداً وإرادة واختياراً، وأن يكون معرضاً عن كل ما سواه، ويتضمن هذا الحب والارتباط بذلك، وكراهة ما عداه كراهة شديدة، ويكون بذلك فاعلاً للخير تاركاً للشر رغبة فيما عند الله وحباً له وبغضاً للابتعاد عن الله جل وعلا ومخالفته، فلا بد أن يكون بهذه الصفة. قال الشارح رحمه الله تعالى: [الصفة الرابعة: أنه ما كان من المشركين، أي: لصحة إخلاصه وكمال صدقه وبعده عن الشرك. قلت: ويوضح هذا قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة:٤] أي: على دينه من إخوانه المرسلين. قاله ابن جرير رحمه الله تعالى، ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة:٤]. الاستثناء في الآية: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة:٤] إلى قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة:٤] يعني: لا تتأسوا بقول إبراهيم حين قال لأبيه: ((لأستغفرن لك))، فهذه لا يجوز لكم أن تتأسوا بها؛ لأنها ما كانت إلا عن موعدة وعدها إياه، يعني أن إبراهيم وعد أباه أن يستغفر له، ولكن لما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه وأصبح معادياً له ومبغضاً له وكارهاً له. فهذا معنى الاستثناء، ولهذا أخبر الله جل وعلا بذلك لما حصل ما حصل من النبي ﷺ واستغفاره لعمه لما حضرته الوفاة وجاء إليه وقال له: (ياعم! قل: (لا إله إلا الله) كلمة أحاج لك بها عند الله جل وعلا). فقال له جلساء السوء: أترغب عن ملة عبد المطلب فأبى أن يقولها ومات على ملة عبد المطلب، وملة عبد المطلب الشرك، عند ذلك قال النبي ﷺ : (والله لأستغفرن لك ما ألم أنه)، فصار يستغفر له؛ لأنه كان يحوطه ويحميه، فلما سمع المسلمون الذين مع النبي ﷺ ذلك صاروا يستغفرون لآبائهم الذين ماتوا على الشرك يقتدون بالرسول ﷺ ، فأنزل الله جل وعلا: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:١١٣] إلى آخرها، ثم قال لهم: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٤]، وفي هذه الآية استثنى الله جل وعلا استغفاره لأبيه من أن نتأسى به في ذلك، فنتأسى به فيما عدا استغفاره لأبيه. [وذكر تعالى عن خليله ﵇ أنه قال لأبيه آزر: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم:٤٨ - ٤٩]، فهذا هو تحقيق التوحيد، وهو البراءة من الشرك وأهله واعتزالهم والكفر بهم وعداوتهم وبغضهم، فالله المستعان]. الواقع أنه لا يحصل التوحيد إلا بالكفر بالطاغوت، والطاغوت: اسم لكل ما يصد عن عبادة الله جل وعلا، سواءٌ أكان معنوياً أم كان حسياً. فكل ما صد عن عبادة الله من المعاني والحسيات فهو طاغوت، ولا يمكن أن يتحلى الإنسان بعبادة الله وتوحيده إلا إذا تبرأ مما يضاد ذلك، لهذا بدأ الله جل وعلا بالكفر بالطاغوت أولاً، فقال: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦]، فهذان أمران متضادان لا يجتمعان أبداً، أي: حب الكفار والمشركين وموالاتهم مع توحيد الله جل وعلا وإخلاص العبادة له. فلا يجتمع هذا مع هذا أبداً، كما قال الله جل وعلا: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢] يعني: ولو كانوا أقرب الناس إليهم لا بد أن يبغضوهم ويعادوهم ويتبرأوا منهم ويزايلوهم ويفارقوهم، ولا يلتقون بهم إلا عند الجهاد أو الدعوة، أي: حين يدعونهم إلى الله جل وعلا. ولهذا جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (أنا بريء من رجل بات بين ظهراني المشركين)، ثم قال: (لا تتراءى ناراهما إلا في سبيل الله) يعني: لا تكون نار مسلم بجوار نار مشرك، فلا بد أن يزايله ويفارقه. والمزايلة والمفارقة أمر حتمي لا بد منه، إلا إذا اضطر الإنسان اضطراراً لا يستطيع معه المفارقة فحينئذ كما قال تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء:٩٩]، وإذا كان الإنسان في بلاد الكفار يستطيع أن يظهر دينه، ويستطيع أن يدعو إلى ربه، ويستطيع أن يفعل العبادات بكل حرية ولا يخاف أن يصد عن دين الإسلام ويرد، فإن كان كذلك فلا بأس، أي: لا يمنع من كونه يكون في بلاد الكفار إذا كان بهذه الصفة، ولكن يمنع إذا كان يخاف عليه أن يرتد عن دينه، أو أنه يمنع من إقامة شعائر الدين مثل الصلاة والصوم وسائر العبادات، فإذا كان يمنع فتجب الهجرة، ويجب أن يفارق هذا البلد إلى بلد الإسلام، وإلا كان ممن تعرض للوعيد، حيث يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:٩٧]، فيجب أن يتركوا ويهجروا البلد الذي يمنعهم الكفار فيه من إقامة دينهم.

стр. 163

أوصاف للخليل ﵇ بحلة جديدة قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال المصنف ﵀ في هذه الآية: (إن إبراهيم كان أمة)، لئلا يستوحش تارك الطريق من قلة السالكين، (قانتاً لله) لا للملوك ولا للتجار المترفين، (حنيفاً) لا يميل يميناً ولا شمالاً كفعل العلماء المفتونين، ((ولم يك من المشركين)) خلافاً لمن كثر سوادهم وزعم أنه من المسلمين. انتهى]. هذا كلامه على الآية وفوائدها، وهو في الواقع يتكلم من باب اللوازم، ويذكر الأدنى منبهاً على ما هو الأعلى، فقوله: (إن إبراهيم كان أمة لئلا يستوحش سالك الطريق من قلة السالكين) يشير بهذا إلى أنه كان وحده على الحق، وهذا هو المعنى الثاني الذي يروى عن ابن مسعود أن إبراهيم ﵇ كان وحده على الحق، وجاء عن غيره أيضاً من السلف المعنى الثاني الذي ذكرناه. وقوله: (لئلا يستوحش السالك من قلة السالكين) يدلنا على أن الإنسان يجب أن يتعرف على الحق، وأنه ليست الكثرة دليلاً على أن الحق يكون معها، بل قد يكون الحق مع الأقلين، وأن الإنسان لا يستوحش من ذلك، بل يجب عليه أنه إذا عرف الحق يتمسك به ولو كان وحده، فهذا معنى كلامه. وأما قوله: (قانتاً لله لا للملوك ولا للتجار المترفين) فيعني أنه بذلك يشير إلى وجوب الإخلاص، وأن يكون العمل خالصاً لله، لا يقصد به منافع دنيوية ولا أحد من الناس، وإنما يقصد به رب العالمين جل وعلا. وأما قوله: (حنيفاً لا يميل يميناً ولا شمالاً كفعل العلماء المفتونين) فيعني أن الذي يعلم الحق يجب عليه أن يتبعه ويحذر من الفتنة، ولا يغتر بمن مال عن ذلك وإن كان من العلماء؛ فإن العلماء منهم من يفتن ويكون مؤثراً للحياة الدنيا على الآخرة، لهذا قال: (كفعل العلماء المفتونين) الذين فتنوا بالدنيا، أو فتنوا بالجاه، أو فتنوا بالمناصب أو ما أشبه ذلك، فالإنسان لا يغتر بمن جانب الحق، ويجب عليه أن يتعرف على الحق ويتبعه، ولا يغتر بمن مال وحاد عنه وإن كان عالماً. وقوله: (وما كان من المشركين خلافاً لمن كثر سوادهم وزعم أنه من المسلمين) يقصد بهذا أن يكون بعيداً عن الشرك وأهله، لا يكثرهم ولا يكون معهم، وهذا في المكان، وكونه أيضاً في العمل أولى من هذا بكثير، فلا يكون على نهجهم وعلى طريقتهم، ولا يكون موافقاً لهم فيما يفعلونه، بل هذا أولى من الأول، فهو نبه بالأدنى على الأعلى. قال الشارح رحمه الله تعالى: [وقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل:١٢٠] على الإسلام ولم يكن في زمانه أحد على الإسلام غيره. قلت: [ولا منافاة بين هذا وبين ما تقدم من أنه كان إماماً يقتدى به في الخير] هذا في أول الأمر، ففي أول دعوته وأول أمره ما كان على الإسلام غيره، ثم إنه آمن له لوط وهو ابن عمه، فأرسله الله جل وعلا إلى أمة من الناس كما قص الله جل وعلا علينا ذلك، ثم وهبه الله جل وعلا الأبناء الذين صاروا هم آباء الرسل، فكل رسول جاء بعد إبراهيم من أولاده، إلى خاتمهم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، إلا أن الرسل السابقين من بني إسرائيل كلهم من أولاد إسحاق، وأما محمد صلوات الله وسلامه عليه فهو من ولد إسماعيل، فإسماعيل الذي هاجر به هو ابن هاجر التي وهبتها زوجته سارة له، فلما حصل الحمل ووجد غارت؛ لأنها لم تحمل بعد، فغارت من ذلك، فأمره الله جل وعلا أن يهاجر بها، فذهب بها ومعها ابنها طفل يرضع إلى مكة، ولم يكن فيها أنيس ولا جليس، فوضعهما عند مكان البيت وولى راجعاً إلى الشام، وصارت تناديه يا إبراهيم! إلى من تتركنا؟! فلما لم يجبها قالت له: آلله أمرك بهذا؟ فقال: نعم. عند ذلك رجعت وقالت: إذاً لا يضيعنا الله. فرجعت، وكان معها جراب فيه تمر وسقاء فيه ماء، فصارت تأكل من التمرات وتشرب من الماء حتى نفد، فلما نفد التمر والماء نشف ضرعها، فعطش الصبي فأدركه الموت وصار يعاني شدة، فكرهت أن تجلس عنده تنظر وهو يموت، فنظرت فإذا أقرب مرتفع إليها هو الصفا، وصعدت لعلها ترى أحداً وتطلع، فلما لم تر أحداً نزلت متجهة إلى المروة، ولما وصلت إلى بطن الوادي ركضت ركض المجهود، وسعت سعياً شديداً إلى أن وصلت إلى المروة، وصعدت فصارت تتطلع فما رأت شيئاً، وفعلت هذا سبع مرات، وفي السابعة سمعت صوتاً فقالت لنفسها: صه. ثم سمعت فقالت: لقد أسمعت، فإن كان عندك فأغث. فنظرت فإذا جبريل ﵇ عند الصبي، فذهبت إليه، فبحث الأرض فنبع الماء، فصارت تكفكف التراب عليه لئلا يسيل، وفي ذلك يقول الرسول ﷺ : (رحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم لكانت عيناً معيناً)، ثم صارت تشرب وتدر على صبيها، ثم جاء قوم من جرهم ونزلوا في أسفل الوادي، ورأوا الطير تحوم، فأرسلوا واردهم فأخبرهم بالماء، فجاؤوا يستأذنونها أن ينزلوا عندها فأذنت وقالت: لا حق لكم في الماء تعني: ما تملكون شيئاً منه، وتشربون ولا تملكون. فشب إسماعيل ﵇، وتزوج منهم، وتعلم العربية منهم.

стр. 164

السابقون إلى الجنة وكيف حققوا التوحيد قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٥٩]]. هذا أيضاً من أوصاف المؤمنين الذين يسبقون إلى الجنة، حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون:٥٧]، والخشية: هي انفعال القلب تأثراً بحب الله جل وعلا وإقبالاً عليه ورجاء لثوابه وخوفاً من عذابه، ثم التزام أوامره والابتعاد عن نواهيه. ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:٥٨]، والإيمان يقتضي العمل، والآيات يقصد بها الآيات الكونية والآيات الشرعية، والكونية تستلزم الإيمان بالأقدار وأنها تكون لله جل وعلا، وأن كل شيء يوجد فهو بقدر الله جل وعلا وتكوينه وإرادته، فهم يؤمنون بذلك، والشرعية تستلزم التزام الأمر واجتناب النهي ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٥٩]، فمدحهم باجتناب الشرك وتركه، وهذا يدلنا على أن الذي يجتنب الشرك كله دقه وجله قليله وكثيره يكون من خواص المؤمنين، فيكون من الذين حققوا التوحيد فيسبقون إلى الجنة، وهذا هو وجه الاستدلال بالآية على الباب، وهو أن من حقق التوحيد دخل الجنة؛ لأنه أثنى عليهم باجتناب الشرك، فدل على أن اجتناب الشرك كله يقتضي أن يكون الإنسان محققاً للتوحيد، ويكون توحيده خالصاً لله جل وعلا، فيكون من السبعين ألفاً الذين يسبقون إلى الجنة. قال الشارح رحمه الله تعالى: [وصف المؤمنين السابقين إلى الجنة فأثنى عليهم بالصفات التي أعظمها أنهم بربهم لا يشركون، ولما كان المرء قد يعرض له ما يقدح في إسلامه من شرك جلي أو خفي نفى ذلك عنهم، وهذا هو تحقيق التوحيد الذي حسنت به أعمالهم وكملت ونفعتهم. قلت: قوله: حسنت وكملت. هذا باعتبار سلامتهم من الشرك الأصغر، وأما الشرك الأكبر فلا يقال في تركه ذلك، فتدبر. ولو قال الشارح: صحت لكان أقوم]. يعني أن الشرك الأكبر اجتنبوه فسلموا من الكفر والخلود في النار فقط، وليس فيه أنهم دخلوا في السبعين ألفاً وسبقوا إلى الجنة؛ لأن اجتناب الشرك الأكبر لا يقتضي اجتناب الأصغر، ولا ترك الذنوب التي يعاقب عليها الإنسان. قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال ابن كثير ﵀: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٥٩] أي: لا يعبدون مع الله غيره، بل يوحدونه، ويعلمون أنه لا إله إلا الله، أحد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وأنه لا نظير له]. يعني أن هذا يقتضي التوحيد بأقسامه، فقوله: (يعبدونه وحده) مع قوله: (وأنه أحد صمد لا نظير له) يشير بالأول -أنهم يعبدونه- إلى الإخلاص في العبادة وتوحيد الإلهية، ويشير بالثاني إلى الإخلاص في توحيد الصفات والأسماء، وأنه جل وعلا أحد صمد لا شريك له في أحديته وصمديته أيضاً، فيسلم من الشرك في الأقسام الثلاثة كلها.

стр. 165

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٧] هناك سبعون ألفاً من هذه الأمة يدخلهم الله الجنة بلا حساب ولا عذاب، وقد بين النبي ﷺ أبرز الصفات التي ميزت هؤلاء لينالوا هذا الفضل العظيم، فذكر ﵊ أنهم لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون.

стр. 166

حديث حصين بن عبد الرحمن ودلالاته

стр. 167

الرقية من العين والحمة وشرط الراقي قال المصنف ﵀: [وعن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير، فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت: أنا. ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لدغت. فقال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت. قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديثٌ حدثناه الشعبي. قال: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: (لا رقية إلا من عين أو حمة) قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: (عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه. فنظرت إلى سواد عظيم فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ . وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً. وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله ﷺ فأخبروه، فقال: هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: أنت منهم. ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: سبقك بها عكاشة). في الحديث فوائد كثيرة في الواقع، وفيه تحقيق التوحيد، وحصين بن عبد الرحمن من تلامذة سعيد بن جبير، وسعيد بن جبير من كبار التابعين وعلمائهم المشهورين الذين تتلمذوا على ابن عباس وتلقوا عنه التفسير والعلم في كتاب الله جل وعلا، ولهذا اشتهر بالتفسير سعيد بن جبير، ورواياته في التفسير كثيرة جداً، وقد قتله الحجاج بن يوسف ظلماً، وكان هو آخر من قتل الحجاج، وكان ﵀ مجاب الدعوة، فدعا وقال: اللهم لا تسلطه على مسلم بعدي، فهلك بعد قتله سعيداً، والله جل وعلا يأخذ الظلمة أخذ عزيز مقتدر، وقد جاء في قصته معه أنه لما جيء به قال: ما اسمك؟ قال: اسمي سعيد. قال: بل أنت شقي. قال: أمي أعلم حين سمتني فصار بينه وبينه كلام، ولم يخف منه، ولما أراد قتله قال: دعني أصلي ركعتين. فقال: صل. فصلى وقال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً. فقال: اصرفوه عن القبلة. ولما صرفه استمر في صلاته، ثم انتهى وقال: لولا أن تقول إنك خائف من الموت لأطلتها، فاصنع ما شئت فقتله، وكان معروفاً بكونه مجاب الدعوة، حتى إنه مرة دعا على ديك كان يوقظه للصلاة، فكان يصيح آخر الليل، فإذا أذن هذا الديك قام وتهجد، وفي ليلة من الليالي لم يؤذن هذا الديك، فما شعر إلا بطلوع الصبح، عند ذلك قال: ما له قطع الله عنقه؟! فانقطعت عنقه، فلما رأته والدته قالت: يا بني: لا تدع على مسلم. فـ سعيد كان في حلقة التعليم يعلم تلامذته، فقال لهم: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ والبارحة يقول أهل اللغة: هي اسم لليلة التي مضت، فإن كنت قبل زوال الشمس تقول: الليلة، وأما إذا زالت الشمس بعد الظهر تقول: البارحة؛ لأنها برحت ومضت، والكوكب الذي انقض معناه أنه سقط، وهو شهاب، وهو يذكر ذلك ليعلمهم علماً بلغه عن رسول الله ﷺ ، فقال حصين بن عبد الرحمن: أنا ثم إنه خشي أن يذم بأنه لما رآه كان يتهجد يصلي ويتعبد؛ لأن انقضاض الكوكب كان في وسط الليل، فلما خشي أن يذم بذلك نفى هذا، وقال: أما إني ما كنت في صلاة، ولكني لدغت. يعني: أكرهت على السهر، ولم أسهر أتهجد وأتعبد وهذا يدلنا على بعد السلف عن الرياء والسمعة ومدح الإنسان بما ليس فيه، خلافاً لمن يقول: فعلت وفعلت، ويذكر الأشياء للناس ولو لم يكن إليها حاجة حتى يعلمهم بأنه عنده شيء من الصلاح، فهذا يدل على الفساد ولا يدل على الصلاح في الواقع؛ لأن المخلص المؤمن يحرص على ألا يظهر عمله للناس، بل يكون بينه وبين الله خشية أن يلحق العمل النقص؛ لأن النفس في الواقع جبلت على حب المدح والثناء، وجبلت على كونها تترفع على الناس وتترأس، ولهذا قال حصين بن عبد الرحمن: أما إني ما كنت في صلاة، ولكن لدغت. عند ذلك سأله سعيد شيخه: ما صنعت؟ أي: حين لدغت ماذا فعلت؟ وهذا يدل على طلب العلاج، وأنه أمر مستقر عند السلف، فكانوا إذا حصل لهم مرض أو أمور تتطلب العلاج يبحثون عن الدواء ويتداوون كما سيأتي. فقال: ارتقيت. وفي رواية مسلم: (استرقيت) يعني: طلبت من يرقيني والرقية هي القراءة على المصاب حتى يزول الألم أو يخف، عند ذلك قال له شيخه سعيد: فما حملك على ذلك؟ وهذا فيه أن السلف لا يفعلون شيئاً إلا بدليل، وأنه إذا فُعل شيء يسألون الفاعل: ما دليلك؟ وما الذي جعلك تعمل هذا؟ وما مستندك؟ وأما قول: رأيت فلاناً أو رأيت الناس يفعلون هذا أو: كل الناس يفعلون هذا فهذا لا يجوز عندهم، ولا يسوغ عندهم أبداً، فلا بد من الاستناد إلى دليل، والدليل يكون من قول الله جل وعلا، أو من قول رسوله ﷺ ، لهذا قال حصين: حديث حدثناه الشعبي. والشعبي أحد التابعين -أيضاً- الكبار الذين اشتهروا وعرفوا بكثرة الحفظ، حتى إنه يذكر عنه أنه قال: ما كتبت سوداء في بيضاء. وكل ما كان يسمعه يحفظه، حتى إنه ذكر عنه أنه كان إذا ذهب إلى السوق يضع في أذنيه كرسفاً لئلا يدخل شيء من كلام الناس الذي لا يريده؛ لأنه ما سمع شيئاً إلا حفظه. فقال له: وما حدثكم الشعبي؟ قال: حدثنا عن بريدة وهو - بريدة بن الحصيب صحابي مشهور ﵁ أنه قال: (لا رقية إلا من عين أو حمة). فالظاهر أن هذا موقوف هنا، وهكذا في الصحيحين، ولكن هذا جاء في مسند الإمام أحمد وفي الترمذي وغيرهما مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، وهو في مسند الإمام أحمد بسندٍ جيد، فقال: (لا رقية إلا من عين أو حمة)، ومعنى قوله: (لا رقية إلا من عين أو حمه) أن الرقية تكون من العين والحمة أشفى وأبلغ وأنجح من غيرها، وليس معنى ذلك أنه لا تجوز الرقية إلا من هذين المرضين، وإنما تكون في هذين الأمرين أنفع، والعين إصابة العائن بعينه، وهو الحاسد، والعين تقع من إنسان ولو لم يقصد؛ لأن كثيراً من الناس تكون نفسه مجبولة على الحسد -نسأل الله العافية- والتطلع إلى ما عند الناس، ويخرج من نفسه شيء شبه السم متكيف مع وساوس الشيطان وإرادته، فيصيب صاحب النعمة، فمن أصابه شيء من ذلك يمرض وقد يموت، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (العين حق)، ويجب على الإنسان إذا كان مبتلى بشيء من ذلك ألا يحقق هذا، بل إذا حصل شيء من ذلك يبارك على من حصل له من ذلك، ويقول: اللهم بارك عليه فإنه تزول الإصابة بإذن الله، وقد ذكر العلماء الفقهاء أن الإنسان إذا عرف بإصابته بالعين وكان لا يمتنع من ذلك أنه يجب على ولي الأمر أن يسجنه حتى يموت؛ لأنه يؤذي الناس بذلك. فالمقصود أن العين قد تكون عند بعض الناس أمراً مستقراً في قرارة نفسه، وكلما غبط إنساناً أو رأى عنده نعمة قد يصيبه بإذن الله جل وعلا، والعجيب أنها لا تصيب العدو، وإنما تصيب من ليس عدواً له، أما العدو فلا تصيبه، وقد قال الله جل وعلا في وصف الكفار: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ [القلم:٥١] أي: كادوا أن يصيبوك بأعينهم، ولكن الله جل وعلا يحفظ نبيه. فالرقية من هذا المرض -الحسد- نافعة جداً، فمن أنفع علاج العين الرقية، وإذا كان الراقي من المؤمنين الموقنين الذين عندهم قوة في الإيمان وقوة التمسك بالحق ومدافعة الوساوس الشيطانية والنفوس الشريرة فإنه يبرأ بإذن الله. وأما الحمة فالمقصود بالحمة ذوات السموم التي إذا أصابت ضربت بحمتها، والحمة هي إما العقرب -أي: إبرة العقرب تسمى حمة-، وكذلك ناب الحية، وكذلك إبرة الزنبور؛ لأنه يحدث بسببها الحمى والألم الشديد، فالرقية أيضاً من هذا النوع نافعة جداً، بشرط أن يكون الراقي ممن يؤمن بآيات الله، وعنده قوة الإيمان وقوة مدافعة الشرور والنفوس الشريرة؛ لأن هذه تتعاون مع الشياطين، فالحمة وما أشبهها يستعين بها الشيطان، فإذا حصلت الرقية شفي بإذن الله. وثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن الرسول ﷺ بعث سرية في أمر من أموره صلوات الله وسلامه عليه للجهاد في سبيل الله، وكانت السرية قليلة، فاستضافوا حياً من العرب فلم يضيفوهم، فلدغ سيده هذا الحي لدغته حية، فسعوا له بكل ما يمكن فلم يفده شيء، فقال بعضهم لبعض: لو ذهبتم إلى أولئك الركب فلعل عندهم راقياً. فذهبوا إليهم فقالوا: هل فيكم من راقٍ؛ فإن سيدنا قد لدغ؟ فقال أبو سعيد الخدري ﵁: نعم. ولكنكم لم تضيفونا، فلا أرقي إلا بجعل. فاتفقوا على قطيع من الضأن، فأقبل يقرأ الفاتحة وينفث عليه، فانطلقت رجله وصار يمشي كأن لم يصب بشيء، ثم قال أبو سيعد لأصحابه: لا نقرب هذا القطيع بشيء، فلا نأكل منه ولا نشرب منه ولا ننتفع منه بشيء حتى نقدم على رسول الله ﷺ ونسأله عن ذلك، فما ندري هل هو حلال أم حرام فلما قدم عليه سأله، فقال صلوات الله وسلامه عليه: (وما يدريك أنها رقية؟) يعني الفاتحة. فأمرهم أن يقتسموا فاقتسموا هذا الجعل، وجاء أيضاً في الحديث الآخر: (أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)، ويدخل في هذا الرقية، ولكن إذا كان الإنسان يرقي بآيات الله أو بأسمائه وأوصافه، وليس من الدجالين الذين يحتالون على أكل أموال الناس من كل سبيل، و

стр. 168

حال الموحدين يوم القيامة عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: (عرضت علي الأمم). وكل أمة يأتيها نبي من أنبياء الله تأتي يوم القيامة مع نبيها، ولكن الذي يأتي مع النبي هم المؤمنون فقط، أما الذين كفروا به فالكفار بعضهم مع بعض كلهم يجمعون ثم يلقون في جهنم من أولهم إلى آخرهم، ولكنهم يأتون أفواجاً، فكلما ألقي فيها فوج أو أمة لعنت أختها التي سبقتها، وقالت: أنتم الذين عملتم هذا العمل واقتدينا بكم في العمل. ثم تلعن أولاهم أخراهم، وهكذا يصبحون متلاعنين قبل دخولهم جهنم، بخلاف أهل الجنة، فإنه ينزع ما في صدورهم من غل قبل دخول الجنة، ويدخلون الجنة إخواناً متحابين متآلفين، وذلك أن الخير كله في الجنة، وأن الشر كله بحذافيره في النار في جهنم. وعرض الأمم على النبي ﷺ يحتمل أن يكون يقظة وأنها مثلت له إذا أتت يوم القيامة كما مثلت له الجنة والنار في مسجد صلوات الله وسلامه عليه لما قام يصلي صلاة الكسوف، يقول: (لقد عرضت علي الجنة والنار دون هذا الحائط حتى خشيت أن تأتي عليكم، فقلت: يا رب! وأنا فيهم؟ وأما الجنة فإني هممت أن أتناول منها قطفاً، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ثم بدا لي ألا أفعل)، فهي مثلت له، ويجوز أن يكون التمثيل أمراً حقيقياً؛ لأنه شاهد النار وفيها من يعرفهم، وهو يقول: (مثلت لي الجنة والنار)، ويقول: (ورأيت فيها امرأة في هرة حبستها لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، فرأيتها تخمش وجهها في النار)، وقال: (رأيت فيها عمرو بن لحي الخزاعي يجر قصبه في النار)؛ لأنه أول من غير دين إبراهيم، مع أنه يقول: مثلت. فتمثيلها بمن فيها. وكذلك يجوز أن يكون تمثيل رؤيته للأمم مع أنبيائها من هذا القبيل، مثلت له فصار يشاهدها كهيئتها وهي تعرض على الله جل وعلا يوم القيامة، والمؤمنون هم الذين يأتون للعرض على ربهم جل وعلا مع أنبيائهم. ويجوز أن يكون ذلك رؤيا منام، كما جاء في الصحيحين أنه ذكر رؤيا عجيبة فيها مناظر وأشياء ذكرها، فرأى النار، ورأى الجنة، ورأى آدم، ورأى غير ذلك رؤية منام، ومنام الأنبياء وحي يجب العمل به وتطبيقه، وتثبت الأحكام به، فهو نوع من أنواع الوحي الذي يوحى إليه صلوات الله وسلامه عليه، وأي نوع كان فهو حق لا شك فيه، وصدق أتى من عند الله جل وعلا. قال ﷺ : (فرأيت النبي ومعه الرهط) الرهط: هم العشرة فأقل، ما بين الثلاثة إلى العشرة، فإذا زادوا على ذلك فهم جماعة، فمعنى ذلك أنه رأى بعض الأنبياء ليس معه إلا هذا العدد القليل. ثم قال: (ورأيت النبي ومعه الرجل والرجلان) يعني أنه يأتي إلى قومه فيدعوهم إلى الله جل وعلا بالوحي الذي أوحاه الله إليه فلا يتبعه إلا رجل أو رجلان. وهذا عجيب، وأعجب منه قوله: (ورأيت النبي وليس معه أحد) يعني أنه يأتي إلى قومه فيدعوهم فيردون عليه دعوته كلهم، ولا يتبعه واحد منهم، وهذا دليل على أن أكثر الناس هالكون، وأن أكثر بني آدم في النار؛ لأنهم عصوا الرسل، ويدل على هذا نصوص كثيرة، منها ما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله ينادي آدم فيقول: يا آدم! أخرج بعث النار من ذريتك، فيقول: يا رب! وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون)، فمن كل ألف لا يبقى إلا واحد فقط، فمن كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون هم بعث النار يبعثون إليها، ويبقى واحد فقط، وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ﴾ [الأنعام:١١٦]؛ لأنهم ضالون، وقال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٢٠] في نصوص كثيرة تدل على ضلال الناس، فلهذا يجب على العبد أن يتعرف على الحق، ولا يغتر بالكثرة، فيتعرف على الحق مع من سيتبعه، ولا يغتر بأن الكثيرين خالفوا ذلك؛ فإن الحق عليه نور تطمئن إليه القلوب، وإذا عرفه الإنسان اطمأن إليه، أما قبل أن يعرفه فهو ينكره، ويتصور أن الحق مع الكثرة. ثم يقول ﷺ : (ورفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي) السواد معناه أنه يرى أشخاصهم ولا يميز أعيانهم، وإلا فهو صلوات الله وسلامه عليه يعرف أمته لو كانوا من قرب، ولكنه ما ميز أعيانهم، ولهذا ظن أنهم أمته، وقد جاء في الصحيحين أن الرسول ﷺ لما أخبرهم أنه يقف عند الحوض يذود عنه من ليس من أمته قالوا: كيف تعرف أمتك؟ فأجابهم بأنه لو كان لإنسان خيل غر محجلة بين ظهراني خيل بهم دهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى. قال: (فإن أمتي يأتون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء). ثم في هذا دليل واضح على فضل بني إسرائيل وفضل موسى، وعلى كثرتهم حتى ظن أنهم هم أمته، فقيل له: هذا موسى وقومه. وهذا فيما يظهر خاص بموسى وبمن دعاهم واتبعوه، وأما بعد ذلك فقد غيروا وتفرقوا، وقد قال صلوات الله وسلامه عليه: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة -يعني فرق بني إسرائيل الذين هم اليهود والنصارى وفرق هذه الأمة- فقيل: من هم يا رسول الله -أي: الفرقة الواحدة الناجية من هي-؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي)؛ لأنه صلوات الله وسلامه عليه هو القدوة، وأصحابه هم الذين تلقوا الحق عنه وقبلوه تمام القبول، وبلغوه الأمة، وبلغوه إلى من بعدهم، فهم الواسطة بين الأمة وبين رسولها صلوات الله وسلامه عليه الذين نقلوا الدين غضاً طرياً كما أنزل على رسول الله ﷺ ، وهم العدول باتفاق أهل الهدى؛ لأن الله عدلهم في كتابه، وما عدله الله وأثنى عليه وأخبر أنه رضي عنه يجب أن يعدل وأن يترضى عنه وأن يتبع وأن تعلم هدايته، وأما الذين يقدحون فيهم فهم في الواقع يقدحون في الشرع؛ لأن من قدح في الواسطة بيننا وبين رسوله فقد قدح بشرعنا، كما قال الإمام أبو زرعة: إنما يريدون أن يقدحوا في الشرع.

стр. 169

صفات أهل التوحيد الذين لا حساب عليهم قال: (فقيل لي: انظر إلى الأفق) الأفق: هو أن تنظر أمامك أو يمينك أو شمالك أو خلفك فترى السماء وصلت إلى الأرض، فهذا الذي تشاهده يسمى الأفق، وفي رواية: (قيل لي: أنظر إلى الأفق. فنظرت فإذا وجوه الرجال قد سدت الأفق، ثم قيل لي: أنظر إلى الأفق الآخر. فنظرت كذلك. فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب). إلى هنا نهض رسول ﷺ فدخل منزله، وبقي الصحابة يتساءلون لحرصهم على الخير عن هؤلاء السبعين ألفاً، ويسأل بعضهم بعضاً: من ترى منهم؟ فمنهم من قال: لعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ . وهذا لأنهم علموا فضل الصحابة، وفضائلهم معلومة في كتاب الله وفي أحاديث رسوله ﷺ ، ولكن ليس هذا خاصاً بالصحابة. وقال بعضهم: لعلهم الذين ولدوا في الإسلام. فيقولون: نحن كنا مشركين ووقع منا الشرك، أما أبناؤنا فقد ولدوا في الإسلام فلم يقع منهم شرك، فيجوز أن يكونوا هم، وذكروا أشياء، منها أنهم قالوا هم الشهداء. وقد جاء هذا أيضاً، وهو أنهم قالوا: هم الشهداء. وكل هذه لها أوجه من النظر والأدلة، عند ذلك خرج إليهم رسول الله ﷺ وهم يتناظرون ويتساءلون، وهذا دليل واضح على مشروعية المناظرة في مسائل العلم، وطلب المعاني التي يذكرها رسول الله ﷺ بألفاظه أو يذكرها الله جل وعلا، فخرج عليهم فأخبروه بما قالوا، وفيه أيضاً عرض المسائل التي يكون فيها خلاف على العالم والرجوع إليه في ذلك حتى يفصل في المسائل ويبين الحق فيتبع، فقال صلوات الله وسلامه عليه: (هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون)، ذكر أربع صفات لهم، وهي عامة: الأولى: أنهم لا يسترقون، يعني لا يطلبون من غيرهم الرقية إذا احتاجوا إليها من مرض أو غيره. وهذا هو الشاهد الذي ساق سعيد بن جبير الحديث من أجله، ساقه ليستدل به على تلميذه الذي ارتقى لما لدغ، فقال: (هم الذين لا يسترقون).

стр. 170

حكم الرقية اختلف العلماء في حكم الرقية، فمنهم من كرهها لهذا الحديث وأشباهه، ومنهم من استحبها وقال: هي مستحبة. وإذا كانت مستحبة فالإنسان يثاب عليها، ومنهم من فصل، ولكن مع هذا كله يجب أن تكون الرقية مأذوناً بها شرعاً، فتكون بآيات الله والأدعية التي يدعى بها الله جل وعلا بأسمائه وأوصافه، وقد قال السيوطي ﵀: أجمعوا على أن الرقية إذا اجتمع فيها ثلاثة شروط أنها جائزة: الشرط الأول: أن تكون باللغة العربية، وبما يعرفه الناس. الثاني: ألا يكون فيها شيء ممنوع مما يكون شركاً أو وسيلة إلى الشرك. الثالث: أن يكون معتمداً على الله ولا يعتقد أنها تؤثر بنفسها، وإنما بإذن الله جل وعلا. وسيأتي الكلام في الرقية، والصواب أن الرقية مستحبة إذا كان الإنسان يرقى نفسه، أو كانت رقية بلا طلب فلم يطلب من غيره أن يرقيه، وأما الذي يمنع من السبق إلى الجنة هو الاسترقاء، وهو طلب الرقية من الآخرين، وكونه يأتي إلى غيره ويسأله؛ لأن المسألة فيها افتقار القلب إلى غير الله جل وعلا، وهو نوع من الحاجة لغير الله، والحاجة قد تكون شركاً، والمسلم يجب أن يكون غنياً عن الخلق كلهم لله جل وعلا، ويكون فقره إلى الله وحده، ويكون افتقاره إلى ربه وحده، أما الخلق فيستغني عنهم جميعاً حتى يكون عبداً لله حقاً، فلا يؤخذ من قلبه ما يأخذه صاحب المنة والفضل عليه؛ لأن كما قيل: احتج إلى من شئت تكن فقيره أو أسيره، وأنعم على من شئت تكن أميره. فقد جبلت القلوب على الميل والخضوع لمن أحسن إليها، فهذا في الواقع هو السبب في المنع من الاسترقاء، أما الرقية بنفسها فهي جائزة، بدليل أن الرسول ﷺ رقى ورقي، رقاه جبريل ﵇ ولكن بدون طلبه، وإنما عرض عليه عرضاً فقبل العرض، وهو صلوات الله وسلامه عليه رقى الحسن والحسين وغيرهما، والراقي محسن إلى غيره، والإحسان هو الطريق للسبق إلى الجنة، أما ما وقع في صحيح مسلم من هذا الحديث أنه قال: (لا يرقون ولا يسترقون) فقد حكم الحفاظ على كلمة (يرقون) أنها وهم من الراوي، وإنما الصواب: (يسترقون)؛ لأن الراقي محسن إلى غيره، والإحسان ما يكون مانعاً من السبق إلى الجنة، والعلة في ذلك هي ما ذكرنا فقط.

стр. 171

المقصود بقوله: (لا رقية إلا من عين أو حمة) الحديث الذي ذكره حصين بن عبد الرحمن عن بريدة أنه قال: (لا رقية إلا من عين أو حمة) فالعين المقصود بها إصابة الإنسان الحاسد غيره بعينه وهي حق، فالعين حق كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ ، والرقية منها نافعة، والحمة معناها: ذوات الحموم. أي: ذوات الإبر التي تضرب بإبرتها، كالعقرب ونحوها مما يحدث بسبب ذلك حمى وألم ومرض وشدة، فالرقية من هذا نافعة جداً، سواءٌ أكانت عقرباً أم حية أم غيرها، ولكن ليس كل راق تنفع رقيته؛ لأنها تتوقف على الإيمان، وعلى قوة النفس والتوكل على الله، وتصديق خبر الله وخبر رسوله ﷺ واليقين بذلك، أما إذا كان الإنسان متردداً أو شاكاً يقول: تنفع أو لا تنفع فغالباً لا تنفع، فإذا كان متردداً وشاكاً وليس عنده جزم فرقيته لا تنفع، ولهذا تفاوت الناس في الرقية من هذا القبيل تفاوتاً عظيماً، فمنهم من يشفى بمجرد رقية شفاءً عاجلاً، كما ثبت في الصحيح عن أبي سعيد الخدري في قصة اللديغ. وأما قوله: (لا رقية إلا من عين أو حمة) فمعنى ذلك أنه لا رقية شافية ومجدية ونافعة أكثر منها في العين والحمة، وإلا فالرقية تنفع من جميع الأمراض، ولكن نفعها من هذين المرضين -العين والحمة- أنفع وأكثر من غيرهما، وذلك لأن هذه الأمور غالباً تحدث بواسطة النفوس الشريرة، سواءٌ من الإنس أم من الجن؛ لأن الجن يشتركون مع الإنس، ويشتركون مع الدواب الخبيثة كالحية والعقرب، فإذا جاء الإيمان من نفس خيرة متأثرة بآيات الله وبالطمأنينة به فإنها تكون مضادة لهذه النفوس الخبيثة، فيحصل الشفاء بإذن الله، وكل شيء بأمر الله جل وعلا، والإنسان ليس عنده شيء، والأمر كله يعود إلى الله، ولكن للتفاوت بين الناس في قوة الإيمان والثقة بالله يحصل ذلك.

стр. 172

التطير ومعناه وقوله: (ولا يتطيرون) التطير: هو التشاؤم بالطيور. وهو عادة قديمة من عادات الجاهلية، ومعلوم أن الطيور ليس عندها تصرف, ولكن يستدلون على الأمور المستقبلة بطيرانها وبأصواتها، وقد علمت طريقتهم بالتواتر، حتى إنهم كانوا إذا خرج أحدهم يريد سفراً أو غزواً أو طلب رزق فشاهد غراباً فإنه يرجع ويقول الغراب: يدل على الغربة. ويتشاءم بذلك، وإذا نعق صار الأمر أشد عندهم، فيقول: نعى إلي نفسي. أو: نعاني إلى أهلي، والغراب ليس عنده شيء، وليس عنده من التصرف شيء، ولا يغير شيئاً، فهو شرك، إن أضيفت الأسباب إلى غير مسببها، وكذلك الحيوانات، فبعض الأشخاص يتشاءمون ويتطيرون بها، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (الطيرة شرك)، وسيأتي كلام في الطيرة في بابها إن شاء الله، فهذا أعظم من الذي قبله.

стр. 173

الكي وحكمه وقوله: (ولا يكتوون) الكي بالنار من الأدوية المشهورة عند العرب، وقد جاءت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بوصف الكي بأن فيه شفاءً، كما وصف العسل بأن فيه شفاءً، وجاء أن الشفاء في ثلاث: في لعقة عسل، ومشرط حجام، وكية بنار. ولكن بعده قال: (ولا أحب الكي)، وفي رواية: (وأكره لأمتي الكي)، وجاء أنه صلوات الله وسلامه عليه أمر بكي بعض أصحابه، فدعا له طبيباً فأمره بكيه، وجاء عن الصحابة عن بعضهم أنهم فعلوا ذلك، مثل أنس فإنه أخبر أنه فعل ذلك، وكذلك عمران بن الحصين كانت تسلم عليه الملائكة فاكتوى من بواسير كانت فيه فلم يرهم لما اكتوى، ثم ترك ذلك وتاب فعادت تسلم عليه. فهذا يدلنا على جواز الكي وأنه جائز. وقد ورد في حكم الكي أحاديث على أنواع: النوع الأول: أنه مكروه. والحديث الذي معنا يدل على ذلك؛ لأنه قال: (ولا يكتوون)، وهو سبب من الأسباب التي سبقوا بها إلى الجنة. كما أنه جاء أيضاً أن الرسول صرح بكراهته فقال: (ولا أحب الكي)، وقال: (وأكره لأمتي الكي). النوع الثاني: الإذن به -أي: بالكي-، والإذن يدل على الجواز. النوع الثالث: فعل الكي. النوع الرابع: وصفه بأنه فيه شفاء، ولم يمنع منه وقد قال صلوات الله وسلامه عليه: (لم يجعل الله شفاء أمتي فيما حرم عليها)، ولهذا لما سئل عن الخمر قال: (هي داء وليست بدواء، ولم يجعل الله شفاء أمتي فيما حرم عليها). وقد اختلف العلماء في التداوي به على مذاهب، فمنهم من أجاز ذلك وقال: تركه أفضل توكلاً على الله. وهذا المشهور في مذهب الإمام أحمد وطوائف من العلماء، ومنهم من استحبه استحباباً مأكداً حتى دنا به من الوجوب، وهو المشهور عن الإمام الشافعي ﵀، وقال النووي ﵀: مذهب جمهور العلماء أنه مستحب ومنهم من جعله مستوي الطرفين، يعني: تركته أو فعلته فكلاهما سواء، والصواب أنه مستحب؛ لأن الرسول ﷺ سئل عن أمورٍ يُتداوى بها فقال: (تداووا عباد الله؛ فإن الله لم ينزل داءً إلا وأنزل له شفاءً علمه من علمه وجهله من جهله)، وفي رواية: (تداووا؛ فإن الله ما أنزل داءً إلا أنزل له شفاء إلا داءً واحداً وهو الهرم). فإذاً التداوي جائز، ولا يكون ممنوعاً.

стр. 174

التوكل وفعل الأسباب الصفة الرابعة: أنهم على ربهم يتوكلون، وهذا هو الجامع لما سبق، فهذه هي الصفة التي جمعت ما سبق، كونهم يتركون الطلب من الناس وسؤال الرقية وغيرها، وكونهم لا يتطيرون، بل يعلمون يقيناً أنهم لا يصيبهم إلا ما قدره الله وقضاه، وأن الأمور كلها بيد الله، وأن الطيور والحيوانات وغيرها لا دخل لها في تدبير شيء وتغيير أمر من الأمور، وأنها مسخرة مدبرة، فهم يعتمدون على ربهم جل وعلا موقنين بأن ما كتب الله عليهم لا بد أن يقع، وما لم يكتبه فلن يأتي إليهم. وكذلك كونهم لا يفعلون الأسباب المكروهة، والأسباب تنقسم إلى ثلاثة أقسام، ومن هذه الثلاثة قسم وضع سبباً على حصول المطلوب -المسبب- ولا بد منه، ككون الإنسان يطلب العلم فيحصل له ذلك، فلو جلس في بيته بدون طلبه ما حصل له شيء، وكون الإنسان يتزوج ليحصل له الولد، وأن الإنسان متى جلس وقال: أتوكل على ربي فإذا قدر لي شيئاً سيأتي من الرزق ومن الولد ومن العلم ومن غير ذلك فهو إما أن يكون مجنوناً عقله ذاهب، أو يكون جاهلاً جهلاً مركباً قد ترك الشرع وترك العقل؛ لأن الشرع جاء بفعل الأسباب والأمر بالأخذ بالسبب، ثم بعد ذلك التوكل على الله في حصول المطلوب بعد فعل السبب، فلهذا أمرنا جل وعلا أن نأخذ حذرنا من الكفار، وأن نعد لهم ما استطعنا من قوة، فإنه جل وعلا أخبرنا أنه يصل المؤمنين، وأنه مع المحسنين ومع المتقين، فلا بد من فعل الأسباب، وليس التوكل هو تعطيل السبب والإعراض عنه، بل هذا يسمى عجزاً، فترك الأسباب عجز وليس بتوكل، فالتوكل هو فعل الأسباب ثم الاعتماد على الله في حصول المقصود، أي أن الإنسان لا يعتمد على السبب ولا يعطله، فالاعتماد على السبب شرك، وتعطيله قدح في العقل والشرع، فلا بد أن يفعل الإنسان السبب ولا يعتمد عليه، بل يعتمد على ربه جل وعلا في حصول المطلوب، فهذه هي حقيقة التوكل، ولهذا قال الرسول ﷺ : (لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً). يعني: تذهب في الصباح من أوكارها جائعة وترجع في المساء قد ملأت حواصلها فأثبت لها الغدو والرواح، فلم تجلس في أوكارها، بل لا بد أن تروح؛ لأن هذا هو السبب، والله جعل لكل شيء سبباً. وليس معنى ذلك أن الأسباب تؤثر بطبائعها وذواتها، كلا فهذه حكمة الله، وإلا فلو شاء لعطل السبب، ولو شاء لأوجد مضاداً له يمنع من حصول المطلوب، وإنما المقصود أن هذه سنته جل وعلا في خلقه أن رتب المسببات على أسبابها، وأمر بفعل السبب والاعتماد عليه في حصول المطلوب، فهذه هي حقيقة التوكل، ولهذا ذكر الله جل وعلا في القرآن أشياء عجيبة خلاف ما تعاهد عليه الناس. فقد ذكر عن موسى ﵇ أنه لما أدركه فرعون وقومه وقد حال البحر بينه وبين المضي قال له جل وعلا: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ﴾ [الشعراء:٦٣] فوقف كأنه جبال، وأصبح قاع البحر يبساً ليس فيه مدحضة ولا مزلة، قاع يابس، فسار فيه الناس، وما قيمة العصا؟ ومن ذلك أيضاً لما كان قومه في التيه بسبب عنادهم فاستسقى لقومه قال له جل وعلا: ((اضرب بعصاك الحجر))، فانفجر من الحجر اثنتا عشرة عيناً، لكل سبط من أسباط بني إسرائيل عين معينة، وهو حجر يحمل باليد، فمن أين يخرج الماء؟! فليست الأسباب هي التي توجد المسببات، ولكن الله رتب وجودها على فعل هذا السبب، ومن ذلك كونه جل وعلا خلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وهذا خلاف المتعاهد عليه والمعروف في خلق بني آدم، وكونه جل وعلا خلق زوج آدم من رجل بلا أنثى، فخلقت من قطعة من جسده أنثى كاملة الخلقة، كل هذا ليبين لنا جل وعلا تمام قدرته، وأنه على كل شيء قدير، وأنه لا يعجزه شيء، ولكنه يضع الأسباب التي صارت هي سنته بالأمر بفعلها ويختبر عباده هل يعبدون الله أو يعبدون الأسباب، وكثير منهم يعبد السبب، وكثير منهم يضيف الأمر إلى نفسه، فيقول: أنا ماهر في وجوه التجارة، وأعرف كيف أتصرف. وهكذا يقول كثير من الناس، يعني أنه يضيف حصول ما يحصل له إلى نفسه، وينسى ربه الذي لو شاء لأعمى بصيرته وعطل كل سبب يفعله فلا يكون سبباً. فالمقصود أن التوكل لا ينافي فعل الأسباب، بل يقتضيها، فيقتضي فعل السبب، ولكن الذي يفعل السبب يجب عليه ألا يعتمد على السبب، بل يعتمد على ربه جل وعلا. فهذه الأوصاف الأربعة هي التي جعلت هؤلاء يسبقون إلى الجنة بلا حساب. وقد جاء في أحاديث زيادة على السبعين ألفاً، مثل الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه وصححه غيرهما أن مع كل ألف سبعين ألفاً، ومنها ما هو أكثر من ذلك، فجاء أن معهم ثلاث حثيات من حثيات ربنا جل وعلا، وهذا شيء عظيم جداً، وجاء في حديث -وإن كان الضعيف لا ينبغي ذكره لأنه لا يعتمد عليه- أن السبعين ألفاً من مقبرة البقيع، ثم إن الصحابة رضوان الله عليهم لحرصهم على الخير كانوا يعلمون أن هذا بعمل وليس بدون عمل، ولهذا بحثوا عن الأسباب.

стр. 175

خلاصة صفات السبعين ألفاً صفات الذين يسبقون إلى الجنة بغير حساب ولا عذاب أربع: الأولى: أنهم لا يسترقون أي: لا يطلبون من يرقيهم. وعرفنا أن معنى ذلك أن المحذور هو الطلب وليست الرقية، أما الرقية بنفسها فهي جائزة بل مستحبة, والرسول ﷺ كان يرقي نفسه وغيره، وقد رقاه جبريل، وسيأتي الكلام في الرقية إن شاء الله. والصفة الثانية: أنهم لا يتطيرون. والتطير نوع من الشرك، وذلك هو التشاؤم بأفعال الطيور وبأصواتها، بأن يستدلوا بأفعالها على ما سيقع لهم، وهذه أمور يلقيها الشيطان في نفوسهم، وهي وهمية لا حقيقة لها، ولكن قد يبتلى الإنسان بما يعتقده وكله فتنة وبلوى، والذي يتعلق بغير الله جل وعلا يوكل إلى ذلك الذي تعلق به، فهذا معناه أنهم لا يعملون شيئاً من الشرك فـ (لا يتطيرون): لا يعملون شيئاً من الشرك. الصفة الثالثة: أنهم لا يكتوون. والكي جائز في الجملة، وهو سبب، ولكنه من الأسباب المكروهة؛ لأن الأسباب التي يطلب بها حصول المسبب قسمها العلماء إلى أقسام ثلاثة: قسم منها ممنوع محرم، وهذا كل ما حرمه الله جل وعلا وإن كان سبباً لحصول منفعة ما، فمثلاً الخمر قد يقال: إنها سبب للصحة أو ما أشبه ذلك، فهذا ممنوع محرم، وكذلك التداوي بالأمور المحرمة لا يجوز. والقسم الثاني: أسباب مكروهة، مثل كون الإنسان يكتسب الرزق بسبب مكروه مثل الحجامة وما أشبه ذلك مما ذكر في الحديث، ومثل ذلك الكي طلباً للشفاء؛ فإنه قد يكون سبباً ولكنه سبب مكروه؛ لأن الرسول ﷺ كره الكي، وقد أخبر أن فيه الشفاء، ومع ذلك قال: (وأكره لأمتي الكي)، وفي رواية: (ولا أحب الكي)، فهذا لأن العلة -كما يقول بعض العلماء- فيه أن الألم فيه أمر محقق، وأما الشفاء فهو أمر مظنون، فاستعجل الأمر المحقق الذي هو الألم بشيء مظنون مما يدل على تشبثه بالدنيا وتمسكه بها ورغبته فيها، فهنا قال: إنه يكره. وكذلك ما أشبهه، ولكن لا يدخل في هذا -مثلاً- إجراء العمليات التي قد علم أن الغالب عليها السلامة والشفاء، فإنها ليست من هذا الباب، بل هي من باب العلاج الذي سبق أن بعض العلماء يقول: إنه مستحب استحباباً يداني به الوجوب. الصفة الرابعة: أنهم على ربهم يتوكلون، وحقيقة التوكل: فعل السبب الذي أمر به والاعتماد على الله جل وعلا في حصول المطلوب المقصود. وليس ترك الأسباب من التوكل في شيء، فترك الأسباب عجز في الإنسان وقدح في عقله، وكذلك هو قدح في الشرع؛ لأن الشرع أمر بفعل السبب، وأخبر الله جل وعلا أنه جعل لكل شيء سبباً، فيجب أن يفعل ذلك السبب، ولكن يجب أن يكون سبباً أباحه الله، ويجب ألا يكون الإنسان معتمداً على السبب، وألا يضيف إليه الأمر الذي سيقع، بل يضيفه إلى الله، ويعتمد على الله في حصول ذلك، والتوكل من أفضل الأعمال وأجلها، أعني أعمال القلوب، ولهذا صارت هذه الخصلة الرابعة هي الجامعة لما سبق، تجمع ما سبق كله، فلتمام توكلهم لا يطلبون الرقية من أحد، والطلب في غير الرقية من باب أولى، فهم لا يطلبون شيئاً من أمور الدنيا، ولا يتطيرون؛ لأنهم يعلمون أن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم، وما قدره الله لا بد من وقوعه، وأن الله قضى ما هو كائن إلى يوم القيامة، وأن الطيور ليس عندها تصرف، وليس عندها نفع ولا ضر، ولا خير ولا شر، وإنما هي مسخرة مخلوقة كسائر العوالم التي خلقها الله جل وعلا لحكمة، فليس عندها مما يزعمه المشركون فيها. وكذلك كونهم لا يكتوون، فيرضون بما قدر الله لهم، ولكن ليس معنى هذا أنهم يتركون العلاج؛ لأن العلاج قد جاء الأمر به في أحاديث رسول الله ﷺ ، فقال: (تداووا عباد الله؛ فإن الله ما أنزل داءً إلا وأنزل له شفاءً علمه من علمه وجهله من جهله إلا داءً واحداً وهو الهرم)، فأمر بالتداوي وحث عليه، وهو صلوات الله وسلامه عليه كان يتداوى مما أصابه من السم ومن السحر ومن غير ذلك.

стр. 176

استعمال المعاريض والتنافس على الآخرة بعدما ذكر تلك الأمور قام رجل من الصحابة يقال له: عكاشة بن محصن الأسدي ممن سبق إلى الإسلام قديماً، ومن المهاجرين الذين هجروا بلادهم وأموالهم وأقاربهم لله تعالى، وهاجر إلى الله والرسول ﷺ ، وكان من الفوارس الشجعان، وكان أيضاً من أحسن الناس وجهاً، وشهد مع رسول الله ﷺ سائر المشاهد التي قاتل فيها، فلما توفي رسول الله ﷺ ارتد من ارتد من العرب، ومنهم بنو أسد، حيث زعموا أن واحداً منهم نبي، وهو طليحة الأسدي، ادعى النبوة، فذهب الصحابة لقتالهم فهزمهم الله جل وعلا، وكان طليحة الأسدي شجاعاً مقداماً معروفاً بالشجاعة والإقدام، فركب فرسه هارباً فأدركه عكاشة فرجع إلى عكاشة وقتله، فقتل شهيداً، ثم إن طليحة الأسدي تاب وأسلم، وذهب لقتال الفرس، وصارت له وقائع مشهورة ومواقف معلومة في الشجاعة والبسالة والإقدام على العدو، ثم إنه قتل في وقعة الحيرة. فـ عكاشة قام طالباً من النبي ﷺ الشفاعة بأن يدعو الله له أن يجعله من السبعين ألفاً، ففي رواية قال: (أنت منهم)، وفي رواية: (اللهم اجعله منهم)، وجاء في رواية في الصحيح: (أأنا منهم يا رسول الله؟ قال: نعم)، وهذه تحمل على أنه بعدما طلب من الرسول ﷺ الدعاء استفسر مرة أخرى: هل أجيبت دعوته؟ فأخبره أن: نعم. ثم بعدما قال عكاشة ذلك قام رجل آخر وقال: (يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: سبقك بها عكاشة)، وهذا من باب المعاريض التي لا تجرح أحداً، ويظهر أنه صلوات الله وسلامه عليه خشي أن يتتابع الناس في ذلك، فربما يقوم من ليس أهلاً لأن يكون منهم، وكونه يقول: أنت لست منهم قد يكون فيه سوء للإنسان الذي يواجه بهذا، والرسول ﷺ يكره مقابلة الناس بما يكرهون، فهذا يدلنا على حسن أدبه صلوات الله وسلامه عليه وتربيته، فقال: (سبقك بها عكاشة)، عند ذلك أحجم الناس كلهم، وصار هذا سداً لباب الطلب، وليس الأمر كما يقول بعضهم: إن هذا الذي قام منافق. فهذا بعيد جداً؛ لأن المنافق ما يكون في قلبه دافع يدفعه لأن يطلب أن يجعل منهم، بل هو لا يؤمن بذلك، بل يكره هذا، فهذا بعيد جداً، بل هو باطل؛ لأن هذا الذي قام لا بد أن يكون عنده دافع قلبي ورجاء يدفعه إلى أن يسأل رسول الله ﷺ بأن يسأل الله، ولكن العلة هي ما ذكرنا -والله أعلم- أنها خشية التتابع في ذلك، فسد الباب بقوله: (سبقك بها عكاشة)، فصار جواباً لا يخدش شعور أحد، ويكفي في منع الإقدام والطلب من كل واحد، وهذا من حكمته صلوات الله وسلامه عليه. والشاهد في هذا الحديث قوله في هؤلاء السبعين ألفاً: (لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون)، وهذا يدلنا على أن الإنسان ينبغي له أن يطلب الفضل والأمور العالية وإن كان غيرها جائزاً، فإن سعيداً ﵀ لما أخبره حصين أنه استرقى لحديث بلغه في ذلك قال له: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع. يعني: أحسن من عمل بما علم، ولكن هناك شيء أفضل مما صنعت، فينبغي لك أن تبحث عن الأفضل وتترك المفضول وهذا من باب التسابق في درجات الآخرة، وهي التي في الواقع ينبغي أن يتسابق فيها ويتنافس فيها لا أمور الدنيا، فإن أمور الدنيا؛ إما أن تذهب وتترك الإنسان أو الإنسان يذهب ويتركها، ولا بد من واحدٍ من هذين الأمرين ومن هاتين الخصلتين، والأمر يذهب كأن لم يكن، بخلاف الشيء الباقي الأبدي، ولهذا أمرنا الله جل وعلا بالتنافس في الدرجات، فقال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُون﴾ [المطففين:٢٦] يعني: كل واحد ينافس الآخر في أن يكون أقدم منه وأرفع درجة في العمل الصالح، ويجتهد في العمل الصالح وفي طاعة الله جل وعلا وطاعة رسوله ﷺ . قال الشارح رحمه الله تعالى: [هكذا أورده المصنف غير معزو، وقد رواه البخاري مختصراً ومطولاً، ومسلم واللفظ له، والترمذي والنسائي. قوله: [عن حصين بن عبد الرحمن] هو السلمي أبو الهذيل الكوفي، ثقة، مات سنة ست وثلاثين ومائة وله ثلاث وتسعون سنة، وسعيد بن جبير هو الإمام الفقيه، من جملة أصحاب ابن عباس، روايته عن عائشة وأبي موسى مرسلة، وهو كوفي مولى لبني أسد، قتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين ولم يكمل الخمسين. وقوله: (انقض) هي بالقاف والضاد المعجمة، أي: سقط. والبارحة: هي أقرب ليلة مضت. قال أبو العباس ثعلب: يقال قبل الزوال: رأيت الليلة. وبعد الزوال: رأيت البارحة. وكذا قال غيره، وهي مشتقة من (برح) إذا زال. وقوله: (أما إني لم أكن في صلاة) قال في مغني اللبيب: (أما) بالفتح والتخفيف على وجهين: أحدهما: أن تكون حرف استفتاح بمنزلة (ألا)، فإذا وقعت (أنَّ) بعدها كسرت. الوجه الثاني: أن تكون بمعنى (حقاً) أو (أحق) وقال آخرون: هي كلمتان: الهمزة للاستفهام و (ما) اسم بمعنى: (شيء)، أي: ذلك الشيء حق، فالمعنى: أحقٌ هذا؟ وهو الصواب، و (ما) نصب على الظرفية، وهذه تفتح أن بعدها. انتهى. والأنسب هنا هو الوجه الأول. والقائل هو حصين، خاف أن يظن الحاضرون أنه رآه وهو يصلي، فنفى عن نفسه إيهام العبادة، وهذا يدل على فضل السلف وحرصهم على الإخلاص وبعدهم عن الرياء والتزين بما ليس فيهم. وقوله: (ولكني لدغت) بضم أوله وكسر ثانيه، قال أهل اللغة: يقال لدغته العقرب وذوات السموم: إذا أصابته بسمها، وذلك بأن تأبره بشوكتها. وقوله: (قلت: ارتقيت) لفظ مسلم: (استرقيت) أي: طلبت من يرقيني. وقوله: (فما حملك على ذلك؟) فيه طلب الحجة على صحة المذهب. وقوله: (حديث حدثناه الشعبي) اسمه عامر بن شراحيل الهمداني، ولد في خلافة عمر، وهو من ثقاة التابعين وفقائهم، مات سنة ثلاث ومائة. وقوله: (عن بريدة) بضم أوله وفتح ثانيه، تصغير بردة (ابن الحصيب) -بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين- ابن الحارث الاسلمي، صحابي شهير، مات سنة ثلاث وستين، قاله ابن سعد. وقوله: (لا رقية إلا من عين أو حمة)، وقد رواه أحمد وابن ماجه عنه مرفوعاً، ورواه أحمد وأبو داود والترمذي عن عمران بن حصين به مرفوعاً، قال الهيثمي: رجال أحمد ثقات. والعين: هي إصابة العائن غيره بعينه. والحمة -بضم المهملة وتخفيف الميم-: سم العقرب وشبهها قال الخطابي: ومعنى الحديث: لا رقية أشفى وأولى من رقية العين والحمة، وقد رقى النبي ﷺ ورقي]. قد رقى النبي ﷺ الحسن والحسين ﵄، ورقاه جبريل، ودل هذا على جواز الرقية، وأنها جائزة، وأما الذي ينهى عنه ويكره فليس من نوعه، بل هو مكروه فقط، فهو من باب الكمال، وهو كون الإنسان يطلب من الإنسان، وليس هذا خاصاً بالرقية، بل كل طلب يطلبه الإنسان من الآخر مكروه، وذلك لأن الطلب فيه ذل وفيه افتقار للقلب، وقلب العبد الذي يعبد الله حقاً عبادة كاملة يجب أن يكون خالصاً لله ليس لأحد فيه شيء، ولهذا لما اتخذ الله جل وعلا إبراهيم خليلاً وجاءه الولد فأحبه صار له شعبة من حب قلبه، فأراد الله أن يبتليه لينظر هل يكون لهذا الولد اشتراك في الحب الذي هو خالص لله جل وعلا؟ فأمره بذبحه، فأقدم على ذبحه غير مبال، حين ذلك بين أن حبه خالص لله، وليس معنى هذا أنه لم يتبين لله تعالى وتقدس، ولكن المقصود أن يبرز ويظهر للناس وللمبتلى نفسه، وإلا فالله عالم بكل شيء لا يخفى عليه شيء، ولهذا قد كتب الله جل وعلا كل ما يقع من الناس، وعلمه قبل وجودهم، ولا يمكن أن يقع شيء على خلاف علمه، ومع ذلك لا يؤاخذهم بعلمه، بل لا بد من كتابة الأعمال، فالملائكة تكتب أعمالهم، ولا بد أن يسألوا يوم القيامة، كل واحد يسأله الله جل وعلا عن عمله، عملت يوم كذا كذا وكذا فهل تنكر؟ وربما ينكر الإنسان، فإن أنكر جاءت الشهود من كل مكان، تشهد عليه أعضاؤه والأرض وكل شيء، فالأرض تشهد أنه عمل كذا وكذا وتنطق، وأعضاؤه كذلك تنطق. والمقصود أن الله جل وعلا من كمال عدله وحبه للعذر وأن يعذر الناس لا يأخذ بمقتضى علمه، بل لا بد من العمل الظاهر البارز الذي يشاهد ويسجل، فهذا كله يدل على كمال عدل الله جل وعلا.

стр. 177

العمل بالعلم قال الشارح رحمه الله تعالى: [وقوله: (قد أحسن من انتهى إلى ما سمع) أي: من أخذ بما بلغه من العلم وعمل به فقد أحسن، بخلاف من يعمل بجهل أو لا يعمل بما يعلم، فإنه مسيء آثم وفيه فضيلة علم السلف وحسن أدبهم]. هذا في الواقع أمر جليل، وهو كون الإنسان إذا ما علم يأثم ويجب عليه أن يعلم، أي: بالأمور التي يقدم عليها ويعملها، فيجب أن يكون على علم، فإنه إن لم يكن على علم فإما أن يقع في بدع وانحرافات فيضل في نفسه ويضل غيره، وإما أن يقصر ويترك الواجب عليه الذي وجب عليه، وكلا الأمرين مضر، ويترتب عليه إثم، فإذاً العلم أولاً ثم العمل ثانياً، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]، فبدأ بالعلم قبل الاستغفار والعمل، فدل هذا على وجوب العلم، ومعنى ذلك أن كل إنسان لزمه عمل من الأعمال يجب عليه أن يعرف حكم الله فيه، سواءٌ أكان العمل مما يخص نفسه، أم كان يتعدى إلى غيره كالمعاملات والعقود، وسواءٌ أكانت عقود أنكحة، أم عقود بيع أم غيرها؛ لأنه يوشك أن يقع في محرم وهو لا يدري إذا كان لا يعلم، فإذا أقدم على علم فإنه يسلم بإذن الله إذا كان متقياً، أما إذا كان غير متق فيجوز أن يتعمد المخالفة، وهذا أعظم أيضاً، أعظم من الجاهل؛ لأنه ربما عفي عن الجاهل ما لا يعفى عن العالم. فالواجب على الإنسان أن يقوم بما أوجب الله عليه، وقد جاء أن طلب العلم فريضة على كل مسلم، والمقصود بقوله: (فريضة) الشيء الذي يلزمه، وليس كل علم، فالشيء الذي يلزمه مثلاً يلزمه أن يعرف كيف يتطهر للصلاة، ويلزمه أن يعرف كيف يصلي، ولو وقع في سهو كيف يصنع، وما الذي يعمله في صلاته، ويلزمه أن يعرف كيف يؤدي زكاة ماله إذا كان عنده مال، ويلزمه أن يعرف كيف يصوم، وكيف يحج، وقبل هذا كله يلزمه أن يعرف كيف يعبد الله، وكذلك يتعرف على رسوله ﷺ المعرفة التي تثبت في القلب، ويكون موقناً بأنه رسول من الله، وهذا لا يكون إلا بعلم وبآياته التي جاء بها التي تدل يقيناً على أنه رسول من عند الله جل وعلا، أما إذا كان يسير على ما يفعله الناس، ويصنع كما يصنعون فهذا في الواقع مسلم في الظاهر، ولكنه يخشى عليه أن يفتن عن دينه، ويخشى عليه أن يقع في المخالفات، ويخشى عليه في قبره أيضاً أنه إذا سئل قال: رأيت الناس يصنعون شيئاً فصنعته. كما ورد في الحديث. فالأمور التي يجب على العبد العلم بها هي التي يزاولها وتلزمه، أما الأمور التي ليس له بها صلة فما يلزمه أن يعلمها، كما إذا لم تكن له صلة بالبيع والشراء، وإنما يلزمه الشيء الذي يعمله في الصلاة وفي الطهارة والصوم والحج ونحو ذلك.

стр. 178

عمق فهم السلف في توافق النصوص قال الشارح رحمه الله تعالى: [وقوله: (ولكن حدثنا ابن عباس) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم النبي ﷺ ، دعا له فقال: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) فكان كذلك، مات بالطائف سنة ثمان وستين. قال المصنف ﵀: وفيه عمق علم السلف؛ لقوله: (قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن كذا وكذا) فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني]. ما قاله الرسول ﷺ لا يضرب بعضه بعضاً، ولا يناقض بعضه بعضاً؛ لأنه كله وحي، ولكن فهوم الناس قد تختلف، وقد يبدو للإنسان أن هذا معارض للنص الآخر وما أشبه ذلك، فإذا بدا له ذلك فليتهم رأيه ونظره وفهمه، وليعلم أن قول رسول الله ﷺ كله حق، وكذلك قول الله جل وعلا. وهنا يقول: إن فيه عمق علم السلف. يعني أن علمهم علم محيط بالأشياء والأحكام الدقيقة، فلما ذكر له الحديث علم أنه لا يخالف الحديث الذي سيذكره، ولكن الدرجات تختلف، فهذا في الأمر الجائز المباح الذي ليس محرماً، وهذا في الأمر الفاضل الذي يكون من صدق السابقين، وهو يطلب منه أن يكون مع السابقين.

стр. 179

عرض الأمم على النبي ﷺ ومتى كان قال الشارح رحمه الله تعالى: [وقوله: (عرضت علي الأمم)، وفي الترمذي والنسائي من رواية عبثر بن القاسم عن حصين بن عبد الرحمن أن ذلك كان ليلة الإسراء. قال الحافظ ﵀: فإن كان ذلك محفوظاً كان فيه قوة لمن ذهب إلى تعدد الإسراء وأنه وقع بالمدينة أيضاً. قلت وفي هذا نظر]. نعم هذا فيه نظر، بل هذا غير صحيح، فالإسراء لم يقع إلا في مكة فقط، وبعضهم قال: إنه وقع ثلاث مرات. والاختلاف فيه بين علماء في أمور: الأمر الأول: التعدد، فاختلفوا في تعدده، والصواب أنه لم يتعدد، وإنما وقع مرة واحدة في مكة، وفرضت فيه الصلاة مرة واحدة ولم تفرض مرتين ولا ثلاثاً. الأمر الثاني: من حيث ما حصل للنبي ﷺ ، فهل كان بروحه وجسده معاًَ، أو كان بروحه دون جسده؟ والصواب أنه بروحه وجسده يقظة غير منام، فأسري به يقظاً غير نائم، وفرض عليه ما فرض، ولم يذكر من الفرائض التي فرضت عليه إلا الصلاة فقط، وفرضت عليه أول ما فرضت خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فلم يزل يطلب ربه جل وعلا التخفيف بمشورة موسى ﵇ إلى أن صارت خمساً. أما قوله الحافظ: (إذا ثبت هذا دل على تعدده وأنه وقع في المدينة) فليس كذلك، حتى لو ثبت ما يدل على ذلك، وهذا الذي وقع فيه النظر، أي أنه يجوز أن النبي ﷺ حدث عن ليلة الإسراء التي وقعت في مكة وفي المدينة، وما المانع من ذلك؟ وليس فيه -أيضاً- دلالة تدل على أن هذا وقع في المدينة، وهذا كما يقول ابن القيم ﵀: ضعاف النظر ضعاف الفقه والحديث إذا جاءت ألفاظ مختلفة لحديث لجأوا إلى التعدد، وهذا كثير جداً، والواجب أن الإنسان يبحث عن الحق، وإذا تبين له علم أن بعض الألفاظ قد يتصرف فيها الرواة، وبعضها لا تخالف ما قاله سابقاً، وهذا منه، ولا يلزم أن يكون ذلك في الإسراء، وهذا الحديث الذي ذكره عن الترمذي أنه كان في ليلة الإسراء إذا ثبت فمعنى ذلك أنها عرضت عليه الأمم ليلة أسري به وهو في مكة، وحدث بهذا في المدينة، وكان كثيراً ما يحدث بأنه رأى ليلة أسري به كذا وكذا، وكثيراً ما جاءت الأحاديث عن ذلك، وبعضها في المدينة، ولو قلنا مثلما يقول الحافظ ﵀ لكثر التعدد، وهذا غير وارد.

стр. 180

ما ينافي التوكل من الرقية وحكم الاكتواء قال الشارح رحمه الله تعالى: [وقوله: (رأيت النبي ومعه الرهط) الذي في صحيح مسلم: (الرهيط) بالتصغير لا غير، وهم الجماعة دون العشرة، قاله النووي. وقوله: (والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد) فيه الرد على من احتج بالكثرة. وقوله: (إذ رفع لي سواد عظيم) المراد هنا الشخص الذي يرى من بعيد. وقوله: (فظننت أنهم أمتي) لأن الأشخاص التي ترى في الأفق لا يدرك منها إلا الصورة، وفي صحيح مسلم: (ولكن انظر إلى الأفق)، ولم يذكره المصنف، فلعله سقط من الأصل الذي نقل الحديث منه، والله أعلم. وقوله: (فقيل لي: هذا موسى وقومه) أي: موسى بن عمران كليم الرحمن. وقومه: أتباعه على دينه من بني إسرائيل. وقوله: (فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل لي: هذا أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب) أي: لتحقيقهم التوحيد. وفي رواية ابن فضيل: (ويدخل الجنة من هؤلاء من أمتك سبعون ألفاً). وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين أنهم (تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر). وروى الإمام أحمد والبيهقي في حديث أبي هريرة ﵁: (فاستزدت ربي فزادني مع كل ألف سبعين ألفاً) قال الحافظ: وسنده جيد. وقوله: (ثم نهض) أي: قام. وقوله: (فخاض الناس في أولئك) (خاض) بالخاء والضاد المعجمتين، وفي هذا إباحة المناظرة والمباحثة في نصوص الشرع على وجه الاستفادة وبيان الحق، وفيه عمق علم السلف لمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل، وفيه حرصهم على الخير، ذكره المصنف. وقوله: (فقال: (هم الذين لا يسترقون)) هكذا ثبت في الصحيحين، وهو كذلك في حديث ابن مسعود في مسند أحمد، وفي رواية لـ مسلم: (ولا يرقون) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هذه الزيادة وهم من الراوي، لم يقل النبي ﷺ : (ولا يرقون)، وقد قال النبي ﷺ وقد سئل عن الرقى: (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه)، وقال: (لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً). قال: وأيضاً فقد رقى جبريل النبي ﷺ ، ورقى النبي ﷺ أصحابه. قال: والفرق بين الراقي والمسترقي أن المسترقي سائل مستعط ملتفت إلى غير الله بقلبه، والراقي محسن. وقال: وإنما المراد وصف السبعين ألفاً بتمام التوكل، فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم ولا يكويهم. وكذا قال ابن القيم رحمهما الله. وقوله: (ولا يكتوون) أي: لا يسألون غيرهم أن يكويهم، كما لا يسألون غيرهم أن يرقيهم استسلاماً للقضاء وتلذذاً بالبلاء. قلت: والظاهر أن قوله: (لا يكتوون) أعم من أن يسألوا ذلك أو يفعل بهم ذلك باختيارهم، أما الكي في نفسه فجائز، كما في الصحيح عن جابر بن عبد الله ﵁ (أن النبي ﷺ بعث إلى أبي بن كعب طبيباً فقطع له عرقاً وكواه) وفي صحيح البخاري عن أنس ﵁ أنه كُوي من ذات الجنب والنبي ﷺ حي، وروى الترمذي وغيره عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كوى أسعد بن زرارة من الشوكة، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵁ مرفوعاً: (الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنا أنهى عن الكي)، وفي لفظ: (وما أحب أن أكتوي). قال ابن القيم ﵀: قد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع: أحدها: فعله. والثاني: عدم محبته والثالث: الثناء على من تركه، والرابع: النهي عنه. ولا تعارض بينها بحمد الله؛ فإن فعله له يدل على جوازه، وعدم محبته له يدل على المنع منه، وأما الثناء على تاركه فيدل على أن تركه أولى وأفضل، وأما النهي فعلى سبيل الاختيار والكراهة]. مراد ابن القيم أن النهي عنه إنما هو من باب التنزيه، يعني: مكروه تنزيهاً. وأما قوله: وعدم محبته له يدل على المنع منه فغير صواب؛ إذ عدم محبته لا يدل على المنع منه، وإنما هو لا يحبه ولا يمنعه، فهو مثلما قال في الضب: (لا آكله ولا أحرمه) لما سئل عنه، وفي حديث آخر: (ليس بأرض قومي فأجدني أكرهه)، فالمقصود أنه قال: (لا آكله ولا أحرمه)، فهذا لا يدل على أنه مكروه أو أنه ممنوع، بل هو كرهه، والكي مثله، فكرهه وقال: (وما أحب أن أكتوي)، أو: (أنهى أمتي عن الكي)، وقد علم أنه أذن فيه فدل على أنه جائز، ولكنه -مثلما قلنا- سبب من الأسباب المكروهة، إذا تركه الإنسان فهو من باب التنزه والترفع عن الأمور الجائزة التي غيرها أفضل منها، وإذا فعله الإنسان فلا لوم عليه؛ فإنه جائز، ولا يكون آثماً؛ لأنه مباح.
следующие страницы →