← Акыда

Акыда · id 37166

شرح فتح المجيد للغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (2 090 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

معنى كون عيسى ﵇ كلمة الله [قوله ﷺ : (وكلمته) إنما سمى عيسى ﵇ كلمة لوجوده بقوله تعالى: (كن) كما قاله السلف من المفسرين. قال الإمام أحمد في الرد على الجهمية: (بالكلمة التي ألقاها إلى مريم حين قال له: (كن) فكان عيسى بـ (كن)، وليس عيسى هو (كن)، ولكن بـ (كن) كان، فـ (كن) من الله تعالى قول، وليس (كن) مخلوقاً، وكذب النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى. انتهى]. معنى هذا الكلام من الإمام أحمد ﵀ أنَّ هؤلاء شبهوا وقالوا: إن كلام الله مخلوق، وذلك أنه سبحانه أخبر أن عيسى كلمة الله، ومن المعلوم لدى كل الخلق أن عيسى مخلوق مولود من أنثى، ما عدا الضالين من النصارى، فهم الذين خالفوا في هذا وقالوا: إنه الله، وابن الله، وثالث ثلاثة. ولكن هذه ليست من عقائد المسلمين، بل هي منافية تمام المنافاة لعقائد المسلمين. وأما هؤلاء الذين يخاصمون الإمام أحمد من المسلمين فهم يقولون: إن الله لا يتكلم. وهذا تعطيل لله جل وعلا عن صفة الكلام، وجادلوه في هذا واحتجوا عليه بهذه الآية، أي أن عيسى كلمة من الله ألقاها إلى مريم، فقالوا: إذاً الكلام يطلق على المخلوق فمعنى هذا أن كلام الله مخلوق من الله، وإذا قلنا: إن الله يتكلم فمعنى ذلك أنه يخلق الكلام في مكان ما، فيكون هذا هو المعنى الذي يضاف إلى الله جل وعلا للكلام. وهذا من الضلال والانحراف، بل هو بين وواضح أنه ضلال وانحراف عن الحق، وذلك أن الكلام صفة كمال، والذي يتكلم أكمل ممن لا يتكلم، ولهذا عاب الله جل وعلا على عباد الأصنام كونهم يعبدون من لا يتكلم ولا يرد لهم قولاً ولا يجيبهم؛ لأن هذا نقص، وكذلك رسالة الله جل وعلا هي كلامه الذي يسمعه الملك ويأتي به إلى الرسول البشري، ثم يبلغه الرسول البشري أمته، فالذي ينكر الكلام معناه أنه ينكر الشرع وينكر الرسالات، ولكن إذا شبه مشبه بشيء مما في كتاب الله أو في أحاديث رسوله ﷺ وجب كشف ذلك وإيضاحه لئلا تقع الشبهة في قلب أحد من المسلمين الذين لا يعرفون الأدلة. فبين الإمام أحمد أن معنى كون عيسى كلمة الله أنه مخلوق بكلمة الله، وهذا ليس خاصاً بعيسى، بل كل شيء يريده الله جل وعلا ويريد إيجاده وخلقه يقول له: (كن) فيكون، كما أراد الله جل وعلا من سائر المخلوقات، ولم يباشر الرب جل وعلا شيئاً من المخلوقات بيده إلا ما استثني من كونه خلق آدم بيديه، وغرس جنة عدن بيده، وكتب التوراة لموسى ﵇، والتوراة ليست مخلوقة؛ لأنها كلام الله كسائر كتبه، ولكن هذا للتشريف، فهو خصوصية خص بها آدم حيث خلقه بيده كما أخبر جل وعلا في أماكن من القرآن الكريم، وكذلك جنة عدن إكراماً لأوليائه وتخصيصاً للجنة بذلك، أما سائر المخلوقات فهو يقول لها: (كوني) فتكون كما أراد الله جل وعلا. والله جل وعلا يتعالى ويتقدس، فلا تقاس أفعاله وتصرفاته بأفعال خلقه، فهو الذي لا يعجزه شيء ولا يمتنع على قدرته شيء، فعيسى ﵇ كسائر الأرواح التي إذا أراد وجودها لمجرد إرادته يقول لها: (كوني) فتكون، ولا يمكن أن توجد ذرة من الذرات التي تكون في السماء أو في الأرض إلا بإرادة الله جل وعلا، وسائر المخلوقات هكذا. فيكون عيسى معنى كونه كلمة أنه كون بالكلمة التي هي (كن)، وليس عيسى هو الكلمة، وإنما قيل: إنه كلمة الله لأنه وجد من أنثى بلا ذكر، وهذا خارج عما سن الله جل وعلا في الخلق من كون كل مخلوق لابد أن يكون من ذكر وأنثى، فلما خرج عن ذلك جعل بهذه الصفة بأنه (كلمة الله)، أي أنه يُكوَّن بلا أب بكلمة الله، ولا ينافي ذلك أن سائر المخلوقات تكون بكلمة الله؛ لأنها تولدت بين ذكر وأنثى، فأصبح الأمر لدى الخلق كلهم معلوماً وليس غريباً لديهم بخلاف هذا، ولهذا أضافه الله جل وعلا إليه؛ لأنه كلمته تكون بهذه الكلمة، ولهذا قال له: (كن) فكان. وأما كلام الله فهو معنوي صفة من صفاته، وكل شيء يضاف إلى الله جل وعلا يكون على قسمين: فإن كان المضاف إليه عيناً قائمة بنفسها، كناقة الله، وبيت الله، ورسول الله، وعبد الله، وما أشبه ذلك فهذا إضافته تكون إضافة مخلوق إلى خالقه، وقد تكون الإضافة هذه للتشريف، وهو لا يخرج عن ذلك، أي: لا يخرج عن كونه إضافة مخلوق إلى خالقه كناقة الله ورسول الله وبيت الله، فأضيف إلى الله تشريفاً، ولا يخرج بقية الأشياء هذه الإضافة، فما تخرج بقية الأشياء عن كونها مخلوقة لله، ولكنها ليست لها هذه المعاني التي وضعها الله جل وعلا فيها، فالرسول يأتي بحياة روحية من عند الله جل وعلا، فهو يدعو إلى عبادة الله ويبصر بذلك ويدل على الله، فلهذا أضيف إلى الله، وبيت الله لأنه مثابة للناس وأمناً يثبون إليه لأداء العبادة، ويطوفون به تعبداً لله جل وعلا، فأضيف إلى الله لأنه محل عبادته، وأما ناقة الله فلأنها آية دالة على الله جل وعلا، وهي خاصة -هذه الإضافة- بناقة صالح، وإلا فالنوق كلها نوق الله، ولكن ما أضيفت إلى الله كإضافة هذه التي أصبحت آية باهرة دالة على قدرة الله جل وعلا وعلى عظيم قدرته وسلطانه وأنه لا يعجزه شيء. أما القسم الثاني من المضاف إلى الله فهو أن يكون المضاف معنى، كعلم الله، وسمع الله، وقدرة الله، وكلام الله، وما أشبه ذلك، فهذا إضافته إلى الله إضافة صفة إلى موصوف، والصفة تقوم بالموصوف ولا يجوز أن تفارقه، فكلام الله وصفه، وكذلك علمه وسمعه وبصره، أما الأمور التي تكون خارجة عن الإضافة فلا إشكال فيها، فهي ظاهرة وواضحة، فيتبين بهذا أن كون عيسى أضيف إلى الله بأنه كلمته يكون لشيئين: أحدهما: أنه أوجد بالكلمة. والثاني: أنه آية من آيات الله أضيف إلى الله تشريفاً وإكراماً له. [وقوله ﷺ : (ألقاها إلى مريم) قال ابن كثير ﵀: خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل ﵇ إلى مريم ﵍، فنفخ فيها من روحه بأمر ربه فكان عيسى بإذن الله ، فهو ناشئ عن الكلمة التي قال له: (كن) فكان، والروح التي أرسل بها هو جبريل ﵇]. يقول الله جل وعلا: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم:١٧ - ١٩]. فالله جل وعلا أرسل إليها جبريل فتمثل لها بشراً؛ لأن الملك بصورته التي خلقه الله جل وعلا عليها ما يستطيع الإنسان البشر أن يراه أو يقابله، فهو صورة عظيمة جداً، ولهذا الرسول ﷺ لما رآه على صورته فزع وخاف، وقد رآه مرتين فقط على صورته: مرة في الأرض قبل أن يوحى إليه بالتكليف بالرسالة عندما جاء بنبوته، وقد كان في مكة خالياً ببعض الأودية، فسمع مناديا ينادي: يا محمد! فالتفت يميناً وشمالاً فلم ير شيئاً، ثم سمع المنادي فالتفت فلم ير شيئاً، ثم رفع رأسه فإذا هو قد سد الأفق -أي: سد السماء من جميع الجهات بين السماء والأرض- وله أكثر من ستمائة جناح. والمرة الأخرى رآه في السماء السابعة عندما عرج به ﷺ إلى سدرة المنتهى، وقد ذكر هذا ربنا جل وعلا في سورة النجم، فذكر أنه رآه مرتين، وسائر المرات التي كان يأتيه فيها في بعضها كان يتمثل له بشراً، كما جاء في الصحيحين عن عائشة ﵂: أنها سألته: من هذا الذي رأيته معك؟ فقال: (أورأيتيه؟ قالت: نعم. قال: فذاك جبريل)، وكانت تقول: ظننت أنه دحية الكلبي، وذلك أن دحية الكلبي كان رجلاً جميلاً من أجمل الناس، فكان جبريل يأتي أحياناً بصورته. كذلك الحديث الذي في الصحيحين، وهو في صحيح مسلم من حديث عمر، وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة أنهم كانوا جلوساً عند النبي ﷺ فطلع عليهم رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منهم أحد، فجلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع يديه على فخذيه، ثم قال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ إلى آخره وفي آخر الحديث قال ﷺ : (هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم). فهو يأتي متمثلاً بصورة بشر حتى يمكن أن يخاطب من أرسل إليه، أما الرسل فالوحي يأتيهم أحياناً على هذه الصورة، وأحياناً بصورة أخرى لا يرى منها جبريل، وإنما يلقي الكلام إلقاءً ثقيلاً، وقد كان الرسول ﷺ إذا جاءه الوحي يتغشاه شيء يثقل عليه، حتى إنه يرى العرق يتصبب منه في اليوم الشاتي صلوات الله وسلامه عليه. فالمقصود أن الله جل وعلا أرسل جبريل إلى مريم يخبرها بأن الله جل وعلا أراد أن يخلق منها ولداً بغير أب فتعجبت من ذلك، فأخبرها أن قدرة الله جل وعلا ليس فيها عجب، ثم إنه نفخ في درعها -أي: في جيب درعها-، وهذا هو الروح، نفخ جبريل فانحدرت النفخة ودخلت في فرجها، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم:١٢] أي أن جبريل ﵇ نفخ في جيب درعها وذهبت النفخة فدخلت في فرجها، فحملت بعيسى ﵇، فلما جاءها المخاض علمت أن الناس لا يصدقونها، فتمنت أنها كانت نسياً منسياً وأنه ما حدث لها هذا الشيء؛ لأن هذا شيء خلاف العادة التي يتعارفون عليها، ولكن الله جل وعلا جعله آية، ولهذا ضل فيه النصارى عن الحق، وإن كان منهم طائفة علموا هذا وآمنوا به الذين هم أتباع عيسى على الحقيقة، ولكن اليوم النصارى كلهم ضالون، وإذا ماتوا على ذلك فهم في جنهم بلا شك، وذلك أن دين عيسى ﵇ قد نسخ بالشرع الذي جاء به رسول الله ﷺ ، وأن عيسى ﵇ جاء مبشراً برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، فجاء أحمد صلوات الله وسلامه عليه ناسخاً لجميع الأديان، وأخبر أنه لو كان موسى ﵇ حياً ما و

стр. 107

بين البدن والروح [وقوله ﷺ : (وروح منه) قال أبي بن كعب: عيسى روح من الأرواح التي خلقها الله واستنطقها بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢] بعثه الله إلى مريم فدخل فيها. رواه عبد بن حميد، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وابن جرير، وابن أبي حاتم وغيرهم]. هذا يقتضي أن الأرواح مخلوقة قبل الأبدان، كما هو ظاهر من أثر أبي بن كعب، وقد اختلف في هذه المسألة، اختلف العلماء فيها، وجاء في القرآن قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢]، وفي قراءة: ((ذرياتههم)). وقالوا: إن هذا يدل على أن الأرواح مخلوقة قبل الأبدان، وأن الله خلقها ثم استنطقها. أي: طلب نطقها، فاستشهدهم قائلاً لهم: (ألست بربكم)؟ فأقروا بذلك، فقالت الأرواح: (بلى) فشهدوا، وتمام الآية: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٢ - ١٧٣]. فذكر في هاتين الآيتين علتين مانعتين من كونه لا يفعل ذلك: العلة الأولى: لئلا يغفلوا عن أمر الله وعن تكليفه، ((أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين))، يعني: لئلا تقولوا أي: لئلا تحتجوا بالغفلة. فإن الله استنطق هذه الأرواح واستشهدها حتى لا تحتج بأنها كانت غافلة. الثانية: ألا يحتجوا بالتقليد، بأن يقولوا: وجدنا آباءنا مشركين يعبدون غير الله فاتبعناهم على ذلك، وما علمنا أنهم على باطل. ولهذا قال: ((أفتهلكنا بما فعل المبطلون)). ومقتضى هذا أن هذا الاستنطاق وهذا الاستشهاد يكون حجة قائمة عليهم -على الخلق- حتى لا يدعوا أنه ما جاءهم أمر من الله يمنعهم من التقليد ومن الغفلة. ومعلوم أن كل أحد من الناس اليوم لا يشعر بهذا العهد الذي أخذه الله وهذا الميثاق الذي أخذ على روحه، فكيف يكون حجة وهو لا يعلمه ولا يدري عنه شيئاً؟ فهذا مما يرد على هذا القول. والقول الثاني: المراد بأخذ الميثاق الفطرة التي أودعها الله جل وعلا في خلقه، حيث إن كل إنسان فطر على معرفة الله وعلى قبول الحق إذا جاءه، وهذا من الآيات التي تكون مستكنة في الإنسان، ولهذا يقول الرسول ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة)، والفطرة المقصود بها قبول الحق وكونه مستعداً له، وكونه أيضاً سالماً من الانحراف، وكونه محباً لعبادة الله جل وعلا مريداً، فهذه هي الفطرة، وهي في الواقع لا يخلو منها مولود، كما أخبر الرسول ﷺ ، وإنما يغير هذه الفطرة المربي من الوالد والوالدة أو المعلم الذي يتولى تربيته، فهم الذين يغيرونها، ولهذا قال ﷺ في تمام الحديث: (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه). فمعنى هذا أن أولاد الكفار ولدوا مستعدين لقبول الحق وإرادته وكونهم فطروا على ذلك، فيكون شاملاً عاماً لكل أحد؛ لقوله: (كل مولود)، وهذا ظاهر واضح. وكذلك احتجوا بحديث عبد الله بن مسعود المتفق عليه في الصحيحين، وهو قوله ﵁: (حدثنا الصادق المصدوق: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً. نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد)، فقوله: (فيبعث إليه الملك فينفخ فيه الروح) معناه أن البدن خلق قبل الروح. وأجاب أهل القول الأول عن هذا بأن هذا لا يدل على أن البدن خلق قبل الروح، بل كانت الأرواح مخلوقة ثم ترسل إلى أبدانها شيئاً بعد شيء، وهناك حجج غير هذه، والمقصود أن هذه مسألة خلافية. والقول الذي ذكره أبي مشهور جداً، وفيه آثار كثيرة عن السلف، وأكثر المفسرين الذين تكملوا على قوله جل وعلا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] لم يذكروا إلا هذا القول، ولم يذكروا القول الثاني، فيكون ذلك واضحاً وظاهراً في أن روح عيسى ﵇ كسائر الأرواح التي خلقت يوم خلقها الله جل وعلا واستنطقها واستشهدها. [قال الحافظ ﵀: وَوَصفه بأنه منه، فالمعنى أنه كائن منه. كما في قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣]، فالمعنى أنه كائن منه، كما أن معنى الآية الأخرى أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه، أي أنه مكون ذلك وموجده بقدرته وحكمته تعالى.

стр. 108

المضاف إلى الله تعالى بين كونه معنى وكونه عيناً قال شيخ الإسلام ﵀: المضاف إلى الله تعالى إذا كان معنىً لا يقوم بنفسه ولا بغيره من المخلوقات وجب أن يكون صفة لله تعالى قائمة به، وامتنع أن تكون إضافته إضافة مخلوق مربوب، وإذا كان المضاف عيناً قائمة بنفسها كعيسى وجبريل ﵉ وأرواح بني آدم امتنع أن تكون صفة لله تعالى؛ لأن ما قام بنفسه لا يكون صفة لغيره]. المعنى يكون قائماً بنفسه أو غير قائم بنفسه، ومعنى ذلك أن الذي يكون قائماً بنفسه هو الشيء الذي يشاهد ويرى ويظهر، مثل الجسد، ومثل البيت، ومثل الناقة، وما أشبه ذلك؛ لأنها ترى وتشاهد وتشغل مكاناً، فهي قائمة بنفسها. أما الشيء الذي لا يقوم بنفسه فمثل السمع والبصر والكلام والقدرة والإرادة وما أشبه ذلك من المعاني؛ لأنه لا يوجد كلام مستقل بنفسه من غير متكلم، فكل ما جاء من هذا القبيل -أي: الشيء الذي لا يقوم بنفسه- مضافاً إلى الله يكون صفة له جل وعلا. أما الشيء الذي يقوم بنفسه مثل الناقة والبشر والملك وغير ذلك فإضافته إلى الله -كما سبق- إضافة تشريف، وتكون إضافة مخلوق إلى خالقه تعالى وتقدس أضافه إليه تشريفاً له وتكريماً. قال رحمه الله تعالى عن شيخ الإسلام: [لكن الأعيان المضافة إلى الله تعالى على وجهين: أحدهما: أن تضاف إليه لكونه خلقها وأبدعها. فهذا شامل لجميع المخلوقات، كقولهم: سماء الله وأرض الله. فجميع المخلوقين عبيد الله، وجميع المال مال الله. والوجه الثاني: أن يضاف إليه لما خصه به من معنى يحبه ويأمر به ويرضاه، كما خص البيت العتيق بعبادة فيه لا تكون في غيره، وكما يقال في مال الخمس والفيء: هو مال الله ورسوله. ومن هذا الوجه فعباد الله هم الذين عبدوه وأطاعوا أمره، فهذه إضافة تتضمن ألوهيته وشرعه ودينه، وتلك إضافة تتضمن ربوبيته وخلقه. انتهى ملخصا].

стр. 109

الإيمان بالجنة والنار من لوازم التوحيد [وقوله ﷺ : (والجنة حق والنار حق) أي: وشهد أن الجنة التي أخبر بها الله تعالى في كتابه أنه أعدها للمتقين حق -أي: ثابتة لا شك فيها- وشهد أن النار التي أخبر بها تعالى في كتابه أنه أعدها للكافرين حق كذلك ثابتة، كما قال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤]، وفي الآيتين ونظائرهما دليل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، خلافا للمبتدعة. وفيهما الإيمان بالمعاد]. من الأمور الظاهرة والواضحة جداً عند جميع المسلمين كون الجنة مخلوقة، وقول الرسول ﷺ : (وأن الجنة حق والنار حق) الحق في اللغة: هو الشيء الثابت المستقر الذي لا يزول. يعني أن الله خلق الجنة والنار وأعدهما، أعد الجنة للطائعين والنار للعاصين، فلابد من الشهادة بذلك يقيناً. وأما كونها مخلوقة الآن فكذلك الأدلة فيها ظاهرة، والذين خالفوا فيها في الواقع ليس لهم مستند إلا عقولهم وقياسهم على أفعال بني آدم، فقاسوا فعل الله جل وعلا على فعل بني آدم، وهذا ضلال في الواقع، وقد أخبر الله جل وعلا أن الجنة والنار كلاهما معدة، والإعداد هو وجود الشيء وتهيئته، والرسول ﷺ أخبرنا أنه اطلع في الجنة والنار، وأخبر أن أكثر أهل النار النساء، وقال: (إني رأيت أكثر أهل النار النساء)، وأمرهن بالصدقة. وكذلك أخبر أنه رأى فيها عمرو بن لحي الخزاعي يجر قصبه فيها لأنه أول من غير دين إبراهيم، ولأنه أول من سيب السوائب وحمى الحامي وغير دين إبراهيم، وكذلك يقول ﷺ : (دخلت امرأة النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، فرأيتها تخمشها في النار) أي: تخمش وجهها إلى غير ذلك من النصوص التي جاءت صريحة بوجود الجنة والنار الآن. وفي الحديث الصحيح: (أن الله جل وعلا لما خلق الجنة قال لها: تكلمي. فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١])، وفي الحديث الصحيح الآخر: (أن الجنة والنار احتجتا، فقالت الجنة: مالي يدخلني الضعفاء والمساكين وسقط الناس؟! وقالت النار: مالي يدخلني الجبارون والملوك؟! فقال الله جل وعلا للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء. وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء، ولكل واحدة منكما علي ملؤها)، فأما الجنة فإنه إذا دخلها أهلها يبقى فيها فضل مساكن، فينشأ الله جل وعلا لها خلقاً فيسكنهم فضل الجنة، وأما النار فإذا ألقي فيها الكفار وأهلها لا تزال تقول: هل من مزيد. ونسأل الله جل وعلا أن نكون من المستمعين المنتفعين.

стр. 110

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٢] لا يصح إسلام أحد حتى ينطق بكلمة التوحيد، ومع نطقه بها يجب عليه أيضاً الاعتقاد بمعناها، والذي هو إبطال كل مألوه غير الله، والتوجه بالعبادة لله جل وعلا وحده، ثم لابد من العمل بهذا المعنى، وذلك بالتزام ما جاء به الرسول ﷺ من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم والحج.

стр. 111

أثر كلمة التوحيد في الآخرة

стр. 112

عصمتها لصاحبها من دخول النار وقيد ذلك قال المصنف ﵀: [ولهما في حديث عتبان: (فإن الله حرم على النار من قال: (لا إله إلا الله) يبتغي بذلك وجه الله)]. حديث عبادة السابق جاء غير مقيد؛ فإنه قال ﷺ : (من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل)، وحديث عتبان قيد هذا بأن الإنسان يأتي بهذا المشروط بأن يشهد هذه الشهادة عن علم ويقين ومعرفة، وأنها تقتضي العمل، فيعمل بما دلت عليه، فإذا جاء بذلك وإن كانت له ذنوب فإن الله يدخله الجنة، فهو مطلق بدون قيد، وأما في حديث عتبان هذا فإنه قيده بقوله: (لا إله إلا الله) يبتغي بذلك وجه الله، ومعنى (يبتغي بذلك وجه الله) أن يكون مخلصاً في قولها مريداً بذلك النجاة من عذاب الله والفوز بثوابه ونعيمه، لا يريد غير هذا، وهذا معنى ابتغاء وجه الله، فيقولها راغباً في الثواب وهارباً من العذاب. ومعلوم أن الذي يقولها على هذه الصفة تكون رغبته في الآخرة أكثر من رغبته في الدنيا، وأنه يعمل العمل الذي يستطيعه، ولا يدخر عملاً للآخرة؛ لأنه واثق بأنه سيقدم على ربه ويجازيه على عمله فيجتهد في ذلك. فمعنى (يبتغي بذلك وجه الله) أنه يريد من الله جل وعلا ثوابه الذي يثيب به من كان مخلصاً لله جل وعلا في عمله، وكذلك يخشى ضد ذلك، فهو يخشى إن لم يكن مخلصاً في عمله وصادقاً مع ربه أنه يعذب، فيخاف أنه لو لم يقل ذلك صدقاً وإخلاصاً أن يعذبه الله جل وعلا. فإذا كان بهذه المنزلة على هذه الصفة فإن الله جل وعلا يحرمه على النار، وهذا أعظم مما في حديث عبادة؛ لأن الذي في حديث عبادة مجرد وعد بأنه يدخل الجنة على ما كان من العمل، وإدخاله الجنة على ذلك لا ينافي أن يناله ما يناله في مواقف الآخرة أو في القبر أو بعد ذلك، وإنما يدل على أن مآله إلى دخول الجنة، ولابد أن يدخل الجنة، وإن كان عنده أعمال سيئة فهذه الأعمال يتجاوز الله جل وعلا عنها، أو قد يصيبه بعض ما يستحق، أما هذا فإنه يحرم على النار، ومعنى ذلك أنه لا يدخل النار أصلاً، ولكن بشرط أن يكون يبتغي بذلك وجه الله، وابتغاء وجه الله عرفنا أنه الإخلاص، والإخلاص أن يكون العمل خافياً مخلصاً من كل شائبة تلحقه من شوائب الدنيا أو مرادات النفس، أو ما هو مقصود لغير الآخرة، فيكون خالصاً وصافياً ليس فيه شيء. وهذا الذي يكون عمله بهذه المثابة يكون قلبه محباً لله مقبلاً على الله بصدق، وليس فيه إرادة لغير الله جل وعلا، ولا يمكن أن يكون محباً للباطل، ولا يمكن أن يكون محباً لما ينهى الله عنه ويحرمه، ولا يكون مانعاً للواجب الذي أوجبه الله عليه؛ لأنه مخلص لله، ولأنه متجه إلى الله جل وعلا بالمحبة والإخلاص والصدق، فمن كان بهذه المثابة فلا يحول بينه وبين دخول الجنة إلا الموت، فإذا مات فتح له باب إلى الجنة وقيل: انظر إلى منزلك وما أعده الله جل وعلا لك. عند ذلك يقول: يا رب! أقم الساعة حتى أذهب إلى منزلي. لأن الذي خلص من الشرك دقه وجله وكثيره وقليله خلص؛ لأنه قال ذلك ابتغاء وجه الله، ودفعه إلى ذلك محبته التي في القلب لله جل وعلا وإقباله على الله، فهو مغتبط بأمر الله، كاره لكل ما نهى الله عنه مبغض له، ومثل هذا لا يقع في ذنب إلا أن يغره الشيطان وتسول له النفس، ثم إذا وقع في ذلك فسرعان ما يقلع ويتوب، وإلا فلا يوجد أحد ينفك عن الذنوب أبداً، فكل بني آدم خطاء، ولكن مثل هذا لا يستمر على ذنب بإذن الله؛ لما في قلبه من الإقبال على الله ومحبة الله جل وعلا، فهذا معنى كونه يحرم على النار من قال: (لا إله إلا الله) يبتغي بذلك وجه الله. وهناك أحاديث تدل على أن من يقول: (لا إله إلا الله) يدخل النار، وهي أحاديث متواترة عن رسول الله ﷺ ، والجمع بينها أن الذي يقولها غافلاً ويقولها غير صادق وغير مقبل على الله جل وعلا بكليته فله مجرد وعد فقط، فإنه يدخل النار إذا شاء الله ثم يخرج منها إلى الجنة، أما هذا الذي حرم على النار فلابد أن يكون صادقاً مخلصاً مقبلاً على الله جل وعلا، أو أنه يقولها تائباً مما حدث منه توبة نصوحاً مقلعاً عن كل ذنب مقبلاً على ربه ثم يموت على ذلك بعد قولها، فإنه إذا كان أيضاً بهذه المثابة فإن (لا إله إلا الله) إذا صدرت على هذه الصفة لا تقوم أمامها سيئة أبداً، فتمحو السيئات كلها إذا جاءت على هذه الصفة.

стр. 113

كلمة التوحيد مع اكتساب الذنوب قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال شيخ الإسلام ﵀: فمن قال: (لا إله إلا الله) ولم يقم بموجبها بل اكتسب مع ذلك ذنوباً، وكان صادقا في قولها موقناً بها، لكن له ذنوب أضعفت صدقه ويقينه، وانضاف إلى ذلك الشرك الأصغر العملي، فرجحت هذه السيئات على هذه الحسنة ومات مصراً على الذنوب بخلاف من يقولها بيقين وصدق فإنه إما ألا يكون مصراً على سيئة أصلاً، ويكون توحيده المتضمن لصدقه ويقينه رجح حسناته، والذين يدخلون النار ممن يقولها إما أنهم لم يقولوها بالصدق واليقين التام المنافيين للسيئات أو لرجحانها، أو قالوها واكتسبوا بعد ذلك سيئات رجحت على حسناتهم، ثم ضعف لذلك صدقهم ويقينهم، ثم لم يقولوها بعد ذلك بصدق ويقين تام؛ لأن الذنوب قد أضعفت ذلك الصدق واليقين من قلوبهم، فقولها من مثل هؤلاء لا يقوى على محو السيئات فترجح سيئاتهم على حسناتهم. انتهى ملخصا. وقد ذكر هذا كثير من العلماء، كـ ابن القيم وابن رجب وغيرهما، قلت: وبما قرره شيخ الإسلام تجتمع الأحاديث. قال: وفي الحديث دليل على أنه لا يكفي في الإيمان النطق من غير اعتقاد وبالعكس]. المعنى أن الإنسان لا يصح إسلامه ودخوله في الإسلام حتى ينطق بهذه الكلمة، فيتكلم بها ويتلفظ بها، وكذلك لابد أن يعتقد صحة معناها ويعمل بهذا المعنى، فلابد أن يعرف المعنى، وأن معناها إبطال كل مألوه غير الله، والتوجه بالتأله الذي هو العبادة لله وحده جل وعلا، وأن كل عبادة تصرف لغير الله شرك، وأن صاحبها عمله يحبط بذلك، فإذا مات عليه فهو من أهل النار. فهذا لابد من اعتقاده، ولابد من العمل بألا يشرك بالله جل وعلا، وأن يلتزم ما جاء به الرسول من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم والحج، وهي أركان الإسلام الخمسة التي أعلمنا صلوات الله وسلامه عليه أن الإسلام بني عليها، فلابد من الالتزام بذلك. أما أن يقول هذه الكلمة وهو لا يصلي ولا يصوم، أو لا يحرم المحرمات مثل الزنا والربا وما أشبه ذلك فقوله إياها لا يفيد؛ لأنه في الواقع ما عمل بما دلت عليه، وما عمل بمقتضاها، فلابد من اعتقاد ما دلت عليه مع قولها والعمل، ولهذا اتفق أهل السنة أن الإيمان يتكون من أمور ثلاثة، من قول وعقيدة في القلب وعمل، ولو تخلف واحد من هذه الأمور الثلاثة لا يكون الإيمان صحيحاً، فأما الذين خالفوا في هذا فهم في الواقع ضالون؛ لأنهم تركوا ما دل عليه الكتاب والسنة بالنص. فلو أن إنساناً اعتقد في قلبه أنه لا إله إلا الله، وأن كل آلهة غير الله باطلة، ولكنه لم ينطق بذلك ومات على هذا باتفاق العلماء يكون كافراً ليس بمسلم، فلابد من النطق؛ لأن الرسول ﷺ قال: (من شهد)، فلابد من الشهادة، والشهادة تقتضي الإخبار بالكلام عما اعتقده في قلبه، ولهذا كان صلوات الله وسلامه عليه يدعو الناس إلى النطق بها وإلى قولها، وكان يقول لهم: قولوا: (لا إله إلا الله) و (اشهدوا ألا إله إلا الله)، ولما تبعه رجل من المشركين كان معروفاً بالنجدة والشجاعة يوم بدر فلحقه ليقاتل معه ففرح به أصحابه لأنه عرف بشجاعته وإقدامه وقال: إني جئت لأنصرك. ولقال له: (أتشهد ألا إله إلا الله وأني رسول الله؟) قال: لا. قال: ارجع؛ فإني لا أستعين بمشرك. فلابد من الشهادة حتى يبنى عليها العمل، فيشهد أنه (لا إله إلا الله)، ثم بعد ذلك الأعمال تبنى عليها، وإلا فتكون الأعمال كلها باطلة غير معتد بها.

стр. 114

أثر كمال التوحيد ونقصانه في الآخرة قال الشارح رحمه الله تعالى: [وفيه تحريم النار على أهل التوحيد الكامل]. التوحيد الكامل هو الذي يكون مع الإخلاص بالصدق واليقين والعلم والمحبة والإقبال، يعني أن يتحلى الإنسان بهذه الأمور والاستسلام لله جل وعلا، والواقع أن التوحيد الكامل يكون في الذين أخبر الله جل وعلا عنهم أنهم يأتون بقلوب سليمة، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩]، فالقلب السليم هو الذي سلم من التعلق بغير الله جل وعلا، فهو صاحب التوحيد الكامل، وهذا هو الذي يحرم على النار، أما إذا كانت عنده ذنوب فالذنوب إما أن تلحق بالشرك الأصغر أو تلحق بالأكبر، فبخل الإنسان بشيء من زكاة ماله كونه إنما دعاه إليه محبة المال، وحبه للمال قدمه على محبة الله وعلى أمر الله، وهذا نوع من الشرك، وكذلك كون الإنسان يقدم على فعل الباطل حباً له إما شهوة تدعوه إلى ذلك، أو ألفة، أو تسويف من الشيطان وهو يعلم أن الله نهى عنه، فهذا في الواقع قدم هوى نفسه، أو أمر مخلوق قدمه على أمر الله جل وعلا وهو نوع من الشرك، وهكذا في جميع الذنوب. فالإنسان إذا كان مرتكباً للذنوب ليس توحيده كاملاً من كل وجه، بل ناقص، ولهذا يدخل النار ثم بعد ذلك يخرج منها بحسب ذنوبه وإجرامه، ولكنه إذا مات على التوحيد ولو لم يكن توحيده كاملاً وكان ناقصاً فإنه لابد من إخراجه من النار، أما الذي لا يخرج من النار فهو الذي يموت وليس معه توحيد، إنما هو مشرك، والتوحيد لا يمكن أن يجتمع مع الشرك الأكبر أبداً، فإذا وجد الشرك الأكبر انتفى التوحيد تماماً. كإنسان يتقدم إلى عبادة مقبور يسأله ويتضرع إليه ويقول: اكشف الضر عني أو: ادفع عني أذى العدو. أو اشف مرضي. أو هب لي رزقاً. أو: هب لي ولداً. أو ما أشبه ذلك من السؤال الذي لا يجوز أن يكون إلا لله جل وعلا، ويموت على هذا، فإن هذا هو الشرك الأكبر، ولو كان يصلي ويصوم ويتصدق ويعمل الأعمال فعمله مردود؛ لأن الله لا يغفر أن يشرك به، وبقية الذنوب غير الشرك الأكبر علقها ربنا جل وعلا بمشيئته فقال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فكل الذنوب -ما عدا الشرك- معلقة بمشيئة الله، ومعنى كونها معلقة بمشيئة الله أنه إذا شاء أن يغفرها بدون مؤاخذة غفر، وإن شاء أن يؤاخذ عليها ويعاقب عليها عاقب عبده، ثم بعد ذلك مآله إلى الجنة. ولهذا فكل من مات على الإسلام وليس عنده شرك أكبر وإن كانت عنده ذنوب كثيرة فهو يرجى له الخير، ويكون مآله إلى الجنة وإن ناله ما ناله، والذي يناله كله يكون مكفراً لهذه الذنوب، فيكون عقاباً لما ارتكبه من المعاصي.

стр. 115

شرط صلاح العمل وقبوله

стр. 116

الأخلاص لله تعالى قال الشارح رحمه الله تعالى: [وفيه أن العمل لا ينفع إلا إذا كان خالصا لوجه الله تعالى على ما شرعه على لسان رسوله ﷺ ]. هذان الأمران لابد منهما في جميع الأعمال، أي: كون العمل يكون خالصاً لله، وكونه يكون على سنة رسول الله ﷺ في كل عمل، أما إذا تخلف شرط من هذين في عمل من الأعمال فهو مردود على صاحبه، كما إذا وجد الشرك في العمل، وليس معنى هذا أن الإنسان إذا أشرك في عمل من الأعمال يكون جميع عمله حابطاً، وإنما يكون ذلك العمل الذي قارنه الشرك حابطاً باطلاً، وإذا تاب تاب الله عليه، وإذا عمل أعمالاً خالصة لله قبلها الله جل وعلا بشرط ألا يكون فيها شرك. أما العمل الذي يقارنه شرك، مثل إنسان أخرج صدقة ولكنه يريد بإخراجه أن يمدح ويثنى عليه فيقال: هو يتصدق، وهو جواد، وهو كريم فإن مثل هذا غير مقبول، ولا يقبله الله جل وعلا؛ لأنه أراد قول الناس، وأراد ثناءهم ومدحهم، فصدقته هذه حابطة ليس له منها شيء. وكذلك لو صلى وحسَّن صلاته لأن الناس ينظرون إليه فيثنون عليه ويمدحونه فيقولون: هو يصلي بخشوع، وهو تقي، وهو يقبل على صلاته بأدب. فهو يريد مدح الناس، ويريد أن يثنوا عليه ويمدحوه، ثم يريد أن يحبوه على ذلك، فإنه ليس له إلا ما أراد، فصلاته مردودة عليه؛ لأنه جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله جل وعلا يقول: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه). أي: تركت ذلك العمل وشركه. أي: وشريكه الذي أشرك. فيصير العمل خالصاً لذلك الشريك، ولهذا إذا كان يوم القيامة يقول الله له: (اذهب إلى من أشركته في العمل فاطلب أجرك منه)، فليس له شيء، فلا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً لله جل وعلا. ثم لو حدث مثل هذا، كإنسان حسن صلاته وزينها وتأدب فيها لأجل نظر آخر فليس معنى ذلك أن أعماله كلها حابطة، ولكن هذا العمل الذي زينه لأجل نظر الإنسان مردود عليه، أما إذا عمل أعمالاً خالصة لله فهي مقبولة تقبل، وإن كان يعاقب على كونه يشرك بالله جل وعلا؛ لأن هذا من المحرمات العظام، فلا يجوز أن يقصد بالعمل غير الله جل وعلا.

стр. 117

موافقة الشرع أما الشرط الثاني فهو موافقة السنة، ومعنى ذلك أن الإنسان لا يجوز له أن يقدم على عمل من الأعمال إلا وهو مشروع، ولهذا يقول العلماء: إن الأصل في العبادات التوقيف حتى يأتي الدليل على أنها مشروعة. ولا يجوز للإنسان أن يقدم على عبادة من العبادات وهو لا يعرف أنها مشروعة، وإلا كان ممن يشرع برأيه أو نظره، ويكون مبتدعاً. فإن البدع هي العبادات التي لم يأت بها الرسول ﷺ ، فكل عبادة لم يأت بها الوحي فهي بدعة، والبدع مردودة على أصحابها، كما قال ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، فقوله: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا) يعني: ليس على الشرع، وليس مأموراً به بالكتاب والسنة؟ (فهو رد) مردود على صاحبه. فلابد لكل عمل من هذين الشرطين، أي: أن يكون العمل مراداً به وجه الله خالصاً لله جل وعلا، وأن يكون مأموراً به شرعاً ومشروعاً شرعه رسول الله ﷺ . وإلا كان الإنسان يعمل عملاً حابطاً، كما قال الله جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٢ - ٤] فعندها خشوع، وعندها نصب للعمل، ولكن في الآخرة تصلى ناراً حامية؛ لأنها تتعبد الله جل وعلا بالبدع، وإن كانوا يبكون ويخشعون فبكاؤهم وخشوعهم خسارة، فعندهم الخشوع والنصب التعب، ولكن الواقع في الآخرة أنه تصلى وجوههم ناراً حامية، ويسقون من عين آنية؛ لأنهم تعبدوا الله بالبدع لآرائهم وأقوال الناس التي ليس عليها دليل، فلابد أن يكون الإنسان في عبادته متبعاً لا مبتدعاً. [تنبيه: قال القرطبي في تذكرته: وقوله في الحديث: (من إيمان) أي: من أعمال الإيمان التي هي من أعمال الجوارح، فيكون فيه دلالة على أن الأعمال الصالحة من الإيمان، والدليل على أنه أراد بالإيمان ما قلناه ولم يرد مجرد الإيمان الذي هو التوحيد ونفي الشركاء والإخلاص بقول لا إله إلا الله، ما في الحديث نفسه من قوله: (أخرجوا)، ثم بعد ذلك يقبض سبحانه قبضة فيخرج قوماً لم يعملوا خيراً قط، فيريد بذلك التوحيد المجرد من الأعمال. انتهى ملخصاً من شرح سنن ابن ماجة]. قول القرطبي هذا لأن العلماء اتفقوا على أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، كما في الحديث عن النبي ﷺ ، فإنه بعث منادياً ينادي أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة. وهذا عام شامل، فكذلك الأعمال تبع للإيمان، فإذاً يكون معنى قوله: (أخرجوا من النار من قال: (لا إله إلا الله) وفي قلبه مثقال حبة من خير)، وجاء في لفظ آخر: (من إيمان) أنه الشيء الزائد على هذا القول، فهو أمر زائد على أصل الإيمان، أما أصل الإيمان فهو موجود، وهو الذي به يخرج من النار ويدخل الجنة، ولكن لابد من عمل وإن قل؛ فأن الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء:٤٠] يعني: مثقال الذرة إن يك حسنة يضاعفه. وإذا كان للإنسان حسنة ولو مثقال ذرة زائدة على سيئاته فإن الله جل وعلا يضاعف هذا المثقال ويدخله به الجنة، فهذا فضل عظيم. وهكذا في هذا الحديث الذي فيه أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة، أي: مثقال الذرة زائداً على قول (لا إله إلا الله) أصل الإيمان، حتى لا يكون هذا مكرراً فيكون آخره هو أوله، فالرسول ﷺ ينزه كلامه عن ذلك، وهذا شيء معقول في الواقع، ولهذا قال: إن الدليل عليه هو ما في نفس الحديث.

стр. 118

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٣] الله تعالى هو المعبود بحق، فلا معبود بحق سواه، وهذا هو معنى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)، ولعظم هذه الكلمة وما دلت عليه جاءت الأحاديث ببيان فضلها، وأي فضل لها أعظم من أنها لو وضعت المخلوقات كلها في كفة ووضعت هذه الكلمة في كفة لمالت بهن؟ ولهذا كانت أفضل ما قاله النبيون عليهم الصلاة والسلام.

стр. 119

حديث موسى ﵇ ودلالاته

стр. 120

فضل كلمة التوحيد والدلالة على علو الله تعالى قال المصنف رحمة الله عليه: [وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (قال موسى ﵇: يا رب! علمني شيئا أذكرك وأدعوك به. قال: قل يا موسى: (لا إله إلا الله). قال: كل عبادك يقولون هذا! قال: يا موسى! لو أن السموات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة، و (لا إله إلا الله) في كفة مالت بهن (لا إله إلا الله)) رواه ابن حبان والحاكم وصححه]. هذا فيه أيضاً فضل لهذه الكلمة وعظم ثوابها، وأن قولها إذا كان بإخلاص وصدق لا يقاومه شيء، لا في الوزن، ولا في الفضل؛ فإنه قال: (لو أن السموات السبع وعامرهن غيري)، فاستثنى نفسه جل وعلا ممن في السماء، وهذا دليل على أن الله جل وعلا في العلو في السماء.

стр. 121

السماء وما تطلق عليه السماء إذا جاءت في كلام العرب تحتمل شيئين: أحدهما: مطلق العلو، فكل ما فوقك سماء, والثاني: السماء المبنية التي أخبر الله جل وعلا بها، وكله جاء في القرآن. أما المعنى الأول فمثل قوله جل وعلا: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ [الحج:١٥]، فالسبب الذي يمده إلى السماء يجعله في السقف، والمعنى: إذا كان الإنسان يظن أن الله لا ينصر رسوله فليعجل بقتل نفسه بأن يجعل حبلاً في سقف البيت الذي فوقه، ثم ليضعه في حلقه، ثم ليقطع حياته وينتحر، فإن الله لابد أن ينصر رسوله. فإذاً السماء في هذا المقصود بها ما فوق رأس الإنسان، فكل ما فوق رأس الإنسان يسمى سماء، وكذلك قول الله جل وعلا: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، وأما كونها جاءت في السماء المبنية فقوله جل وعلا: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ [ق:٦] في آيات كثيرة جداً. فهنا قوله في هذا الحديث: (لو أن السماوات السبع) قصد بها السماوات المبنية، وأنها سبع سماوات، وهذا جاء في آيات متعددة كثيرة، وكل سماء فوق الأخرى، وأعلاهن السماء السابعة، فجاء في حديث المعراج أن الرسول ﷺ لما ذهب بصحبة جبريل ﵇ كان جبريل يستفتح -أي: يطلب أن يفتح له باب السماء- ثم يسأل فيقال له: من؟ فيقول: جبريل. فيقولون: ومن معك؟ فيقول: محمد. فيقولون له: أوبعث؟ فيقول: نعم. فيفتح له، وهكذا في جميع السماوات كان يقول ويقال له. وكذلك في حديث البراء بن عازب في قصة الاحتضار، وأن الإنسان إذا كان في إقبال من الآخرة وإدبار من الدنيا نزل إليه -إذا كان مؤمناً- ملائكة بيض الوجوه معهم حنوط من الجنة وكفن من الجنة فجلسوا منه مد البصر، ثم جاء ملك الموت وصار يخاطب روحه ويقول: أيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب! أخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان. فتخرج تنسل كما تخرج قطرة الماء من في السقاء، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها ويضعوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط، فيصعدون بها إلى السماء فيستفتحون لها باب السماء فيفتح لها. وهكذا إلى أن تصل إلى السماء السابعة، فإذا وصلوا إلى السماء السابعة واستفتحوا فتح لها، فيقول الله جل وعلا لملائكته: (اكتبوا كتابه في عليين، وأعيدوه إلى الأرض؛ فإني منها خلقتهم وإليها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى). أما إذا كان فاجراً فإنه إذا جاءه ملك الموت يقول له: أيتها الروح الخبيثة في الجسد الخبيث! اخرجي إلى سخط وغضب من الله فتتفرق في بدنه وتتشبث بعروقه وأعصابه، فينتزعها انتزاعاً شديد كما ينتزع السفود إذا أدخل في الصوف المبلول، والسفود: هو الحديدة التي يشوى عليها اللحم، إذا أدخلت في صوف مبلول وهي محماة يلتف عليها الصوف، فينتزعها ويخرج معها ما يخرج من شدة التشبث والتمسك؛ لأنها علمت بالعذاب أنه وصلها، فإذا استخرجها لا يدعها الملائكة الذين نزلوا معهم مسوح من النار وكفن من النار وحنوط من النار، فلا يدعونها في يده طرفة عين حتى يأخذوها ويضعوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط، ثم يصعدون بها إلى السماء، ويخرج منها أخبث رائحة وجدت على وجه الأرض، نسأل الله العافية. فإذا وصلوا إلى السماء الدنيا واستفتحوا لم يفتح له، ولهذا قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الحج:٣١]، فيؤمر أن تطرح طرحاً، وقد قال تعالى: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:٤٠]، وكون الجمل يدخل في ثقب الإبرة لا يمكن، يعني أنه مستحيل دخولهم الجنة، فالمقصود أن السماء لها أبواب مبنية. وقوله في هذا الحديث: (عامرهن غيري) يدل على أن كل سماء لها عمار، والعمار هم الذين يكونون فيها للعبادة والعمل، والذين في السماء ملائكة الله، وكل سماء مملوءة من الملائكة الذين خلقوا للعبادة، والله غني بذاته عن كل ما سواه، فلا يتقوى بملائكته ولا يستنصر بهم، ولكنه خلقهم ليأمرهم وينهاهم، وهم يعبدون الله لا يعصونه طرفة عين. وقد جاء في الحديث ما يدل على كثرتهم الكاثرة؛ فإنه جاء قول الرسول ﷺ : (أطت السماء وحق لها أن تئط)، والأطيط: هو صوت الشيء المحمول فإذا حمل على خشب أو على غيره حمل ثقيل صار له صرير، فهذا الصرير يسمى أطيطاً، فمعنى ذلك أن السماء محملة بكثرة الملائكة. فيقول: (أطت السماء وحق لها أن تئط؛ ليس فيها موضع قدم إلا وملك ساجد أو راكع أو قائم)، وهذا إلى قيام الساعة، فإذا قامت الساعة قالوا: سبحانك ربنا! ما عبدناك حق عبادتك. ولما عرج بالرسول ﷺ رأى البيت المعمور، والبيت المعمور في السماء السابعة على غرار الكعبة، وهو في السماء السابعة مثل الكعبة في الأرض، تزوره الملائكة وتطوف به تعبداً لله جل وعلا. يقول ﷺ : (رأيت إبراهيم ﵇ مسنداً ظهره إليه)؛ لأن إبراهيم ﵇ هو الذي بنى الكعبة، فجوزي بأن جعل في هذا المكان العالي الرفيع الذي يتعبد فيه لله جل وعلا في السماء السابعة، يقول: (فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة لا يعودون إليه أبداً) يعني: ما تحصل لهم فرصة لأن يعودوا مرة أخرى لكثرة الملائكة، وإنما كل ملك لا يأتي إلى هذا البيت إلا مرة واحدة فقط لكثرتهم، وهذا يدل على الكثرة الكاثرة. وقد أخبرنا جل وعلا عن بعض وظائفهم، فمنهم من يحفظ على بني آدم أعمالهم ويحصيها عليهم، يقول الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٠ - ١٢]. وفي الحديث عن النبي ﷺ يقول: (إن معكم من لا يفارقكم فاستحيوهم)، يعني: استحيوا منهم، فهم يستحيون من الأمور التي لا تناسبهم، مثل النظر إلى العورات وما أشبه ذلك، ولهذا لا يجوز للإنسان إذا دخل الحمام أن يتكلم؛ لأنه إذا تكلم يضطر الملك الكريم أن يأتي ليكتب كلامه ويسجله وهو لا يدخل الحمام؛ لأن أماكن القاذورات وأماكن النجاسات أماكن للشياطين، وهي التي تليق بهم، أما الملائكة فلا يدخلونها. وكذلك إذا كشف الإنسان عن عورته لا ينظرون إليه، بل يفارقونه، ولهذا جاء النهي عن كون الإنسان يتعرى وحده، فعليه أن يستتر استحياء من الله ومن عباده من ملائكته، فهذا معنى قوله: (استحيوهم) يعني: استحيوا منهم، ولا تعملوا الأعمال التي تثقلهم ويكرهونها لأنهم لابد أن يكتبوا كل شيء، فكل ما صدر من الإنسان وكل ما قاله الإنسان وتلفظ به يكتبونه، وكذلك ما عمله، كما قال الله جل وعلا: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] أي: يراقبه ومستعد للكتابة فهؤلاء مع كل إنسان، وإذا مات الإنسان طووا صحائفهم، ثم إما أن يجلسوا على قبره يستنصرون له، أو يذهبون إلى حيث شاء الله، والذي يولد يكون له ملائكة أخر غير السابقين، فكل إنسان ليس له إلا كاتبين فقط لا يشاركون غيره في الكتابة، فما يكتبون إلا لواحد فقط، فإذا جاءوا يوم القيامة جاءوا بصحائفهم التي سجلوها وأحضروها بين يديه، وهي -على القول الصواب من أقوال العلماء- الصحائف التي تنشر وتعطى الإنسان يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٣ - ١٤] يعني: حاسب نفسك تجد فيه أنك في يوم كذا في مكان كذا في ساعة كذا قلت كذا وكذا، أو عملت كذا وكذا. وما يستطيع أن ينكر، ومع ذلك فبعض الناس ينكر، فيقول: يا رب! ظلمتني الكتبة أو يقول: يا رب! لا أقبل شهادة هؤلاء. فيقال له: ومن تقبل؟ فيقول: لا أقبل إلا شاهداً من نفسي فيختم الله جل وعلا على فيه، ويقول لأعضائه: تكلمي. فيتكلم الجلد، ويتكلم السمع، ويتكلم البصر، وتتكلم الأيدي والأرجل وتنطق، ثم بعد ذلك يخلى بينه وبينها ويقال له: تكلم. فيعود على أعضائه باللوم والشتم ويقول: بعداً لكن! فعنكن كنت أنافح. قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت:٢٠ - ٢٢] إلى آخر الآية. فقوله تعالى: ((ما كنتم تستترون)) يعني: ما كنتم تخافون الله وتفعلون أمره وتجتنبون معاصيه حتى لا تشهد عليكم هذه الأعضاء ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ [فصلت:٢٢ - ٢٣]. فالمقصود أن الملائكة الذين يكتبون أعمال الإنسان لا يشاركون في كتابة أعمال إنسان آخر، فكل واحد يكتب له اثنان، وكذلك الملائكة الذين وكلوا بقبض الروح وحملها، ومنهم الملائكة الذين وكلوا بنفخ الروح في رحم المرأة وكتابة ما يستقبله من العمل والأجل والرزق والشقاوة والسعادة. وكذلك منهم الحفظة غير الذين يحفظون الأعمال، وهم الذين يقول الله فيهم: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْ

стр. 122

معنى تسبيع الأرض قوله: (والأرضين السبع) جعل الأرضين سبعاً، وقد اختلف العلماء في كون الأرض سبعاً ما معناه؟ فمنهم من يقول: إن الأرضين سبع مفتوقة، وكل أرض فيها سكان، ومعنى أنها مفتوقة أن كل واحدة تحت الأخرى وبينها وبين التي فوقها فضاء إلى سبع طبقات في الأرض. وهذا قول مرجوح، وقد جاء عن ابن عباس أثر في ذلك وعن غيره، والظاهر أن الذي جاء عن ابن عباس مأخوذ عن أهل الكتاب من خرافاتهم التي لا يجوز تصديقها، وإنما الصواب أن الأرضين السبع طبقات غير مفتوقة، فالأرض سبع طبقات كل طبقة تحت الأخرى، ولكن ليس بينها فضاء، وقد قال بعض العلماء: المقصود بسبع أراضين السبعة الأقاليم. يعني القارات السبع، فكل قارة تسمى أرضاً، وهذا ليس بشيء. وقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين) ومعنى هذا أنه يجعل طوقاً له بالسبع الطبقات، فتأتي واحدة تحت الأخرى، ومركز الأرض هو أسفل هذه الطبقات، ومركز الأرض نار تلتهب، ونار شديدة جداً. ولهذا يري الله جل وعلا عباده من ذلك بعض الآيات تخويفاً، فقد يخرج من البراكين التي ترى من قعر الأرض نيران لا تطاق تذيب الصخور، ولا يمكن أن يقوم لها شيء، وهذا في الأرض كلها، فمركز الأرض الأسفل كله نار تلتهب، وهذا يجده الناس ويشاهدونه، فإذا حفروا فكلما نزلوا اشتدت الحرارة، إلى أن يصلوا إلى مكان لا أحد يستطيعه من شدة حرارته، ثم تكون النار الملتهبة. فالمقصود أن الأرضين السبع معناها طبقات سبع خلقها الله جل وعلا، طبقات الواحدة فيها مميزة عن الأخرى، ولا يلزم أن يكون لها فتوق وبينها فضاء، بل كلها واحدة فوق الأخرى بدون فضاء، ولكنها تتغير عن التي فوقها، فهي سبع. ولهذا لما جاء ذكر الأراضين في القرآن فذكر تعالى أنه خلق سبع سماوات قال: ﴿وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:١٢] أي: طبقات سبع. ولا يلزم أن يكون بينها وبين الأخرى فضاء مثل الذي بين السماء والأرض، فإن بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماء والتي فوقها مسيرة خمسمائة عام. أما الأرض فهي مثل البيضة في قلب السماء، والسماء تحيط بها من جميع الجهات -أي: السماء الدنيا-، والسماء التي فوقها كذلك تحيط بالسماء الدنيا من جميع الجهات، والواقع أنه ليس هناك جهات حقيقة إلا جهة الفوقية والسفل فقط، ولهذا تكون السماء دائماً فوق الأرض، ولا يتصور أن السماء تكون تحت الأرض أبداً وإن كانت محيطة بها من جميع الجهات، ولكن الإنسان أينما كان فالسماء فوقه، فأينما كان من الأرض فالسماء فوقه دائماً.

стр. 123

عظم شأن كلمة التوحيد وصيغتها الشرعية قوله في هذا الحديث: (لو أن السموات السبع وعامرهن غيري والأراضين السبع وضعت في كفة و (لا إله إلا الله) في كفة) الكِفَّة -بكسر الكاف- هي كفة الميزان، ولله جل وعلا ميزان يزن به أعمال بني آدم عظيم كبير جداً يسع الشيء الذي قد لا يتصوره الإنسان. فلو أتى إنسان بهذه الكلمة صادقاً مخلصاً من قلبه مقبلاً على الله، وقدر أن له ذنوباً تزن السماوات والأرض فإن هذه الكلمة تثقل بهذه الذنوب، فهي لا يقاومها شيء، وهذا دليل واضح على فضل هذه الكلمة، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يعدل إلى غيرها في الذكر فيتركها ويذهب يطلب غيرها. ومن فضل الله جل وعلا أنه كلما كان الناس إلى شيء أكثر حاجة كان وجوده أكثر والعلم به أظهر، فمن الجهل كون الإنسان يذهب إلى الأذكار الأخرى التي هي مفضولة ويترك هذا الذكر. وفي هذا الحديث أن الذاكر يأتي بها كلها، فيقول: (لا إله إلا الله)، ولا يقتصر على قول (الله) كما يقوله بعض الناس. قال بعض العلماء: قول: (الله) هذا ليس ذكراً. فكون الإنسان يقول: (الله الله) ليس ذكراً؛ لأنه لا يفيد شيئاً، وكذلك كون الإنسان يقول -كما يقول بعض الضلال-: (هو هو)، فيقولون أولاً: (لا إله إلا الله)، ثم يتدرجون فيسقطون بعضها إلى أن يصلوا إلى كلمة (هو هو). وقد ألف ابن عربي الصوفي المحترق كتاباً سماه (كتاب الهو)، يعني أن الإنسان يذكر بهذا الكلام (هو)، ويزعم أن هذا هو الأفضل؛ لأنك تجعل لسانك لا ينطق إلا بكلمة (هو)، فهي عبارة عن أنك نزهت لسانك عن كل ما هو حشو، وهذا ضلال، وإنما يجب على الإنسان أن يقولها كاملة تامة مفيدة؛ لأنها وضعت لنفي الإلهية عن غير الله جل وعلا وإثباتها لله وحده، أما إذا ترك بعضها فإن هذا المعنى يضيع ويذهب ولا يدل على ذلك، والفضل جاء من هذا المعنى، من كونها نفت الإلهية عن غير الله وأثبتتها لله جل وعلا، وهذا لا يكون إلا على هذا الترتيب (لا إله إلا الله). ولهذا صارت هي أصل الدين وأساسه، ولا يقبل من إنسان الدين إلا إذا تكلم بها، ومعلوم أنه لابد من فهمها حتى يحصل الإنسان على فضلها، فلابد أن يفهم معناها وأن يطبقها عملاً واعتقاداً، وهي مبنية على كون التأله يكون لله وحده، ولا يكون التأله لغيره جل وعلا، وأن كل تأله جعل لغير الله يكون محبطاً للعمل لأنه هو الشرك. فهي بنيت على النفي والإثبات، نفي الإلهية عن غير الله جل وعلا وإثباتها لله وحده، وهذا هو أصل دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم، فكل رسول يأتي إلى قومه يقول: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود:٥٠]، ومعلوم أن الإنسان لا ينفك عن التأله، فإن لم يكن تألهه لمولاه الذي لا غنى له عنه صار تألهه لمخلوق مثله ولابد، فيصير تألهه لمخلوق لا يغني عنه من الله شيئاً؛ لأن الإنسان عبد خلقه الله عبداً، فلابد أن يكون عبداً، فإن لم يكن عبداً لله كان عبداً للشياطين شياطين الجن والإنس، أو كان عبداً لشهواته ومرادات نفسه. ثم إنه يجب أن يعرف معنى (الإله) ومعنى (العبادة)، فالإله الذي تألهه القلوب تعظيماً وخوفاً وحباً ورجاءً وإنابة، وأنه هو الذي يملك ما يحتاج إليه العبد في الدنيا والآخرة، وأن غيره فقير إلى الله جل وعلا، فمهما أعطي من أمور الدنيا أو من القوة أو من غيرها فإنه فقير، فيجب ألا يكون له شيء من حقوق الله، ثم إن التأله خاص بالله جل وعلا، لا يجوز أن يكون لنبي ولا لملك ولا لولي. ولهذا صارت هذه الكلمة هي أصل الإسلام ومعناه الذي تبنى عليه جميع الأعمال، ومن هنا صارت أعظم كلمة، وصار الناس إلى معرفة معناها والعمل بها أحوج منهم إلى الأكل والشرب الذي إذا فقدوه ماتوا؛ لأن الإنسان إذا فقد ما يحتاجه بدنه صار أمره إلى أن يموت في هذه الحياة، ولكن إذا فقد التأله لله جل وعلا مات موتاً لا ترجى معه سعادة، موتاً يؤديه إلى الشقاوة الأبدية ليكون خالداً في النار؛ لأن الإنسان ما خلق ليفنى وإنما خلق ليبقى، إلا أنه ينتقل من دار إلى أخرى حتى يصل إلى داره الأبدية، إما في الجنة أو في النار.

стр. 124

أصل العبادة وتقسيم الدعاء قول موسى ﵇: (أذكرك وأدعوك به) فسره الشارح بأن معنى: (أذكرك) أثني عليك به. و (أدعوك) أسألك. فجعل الذكر ثناءً وجعل الدعاء سؤالاً، والواقع أن هذا هو العبادة؛ لأن العبادة لا تخرج عن الثناء والمسألة، والثناء -الذي هو ذكر الله- سواءٌ أكان باللسان أم بالأركان هو في الواقع سؤال؛ لأن العبد يفعل ذلك رجاء الإثابة وهرباً من العذاب والعقاب، فإذا صلى أو تصدق فمعنى ذلك أنه يذكر الله بهذا الفعل حتى يثاب على ذلك، أما إذا سأل فهو يسأل شيئاً معيناً، سواءٌ أكان من أمور الدنيا أم الآخرة. فإذاً العبادة كلها لا تخرج عن الذكر والدعاء، عن كون الإنسان يذكر ربه بأن يفعل ما أمره به ويجتنب ما نهاه عنه راجياً بذلك ثوابه وخائفاً -لو لم يفعل ذلك- من عقابه، أو أنه يظهر حاجاته وفقره، فيسأل سؤالاً معيناً سواءٌ من أمور الدنيا أم من أمور الآخرة. فهذا هي العبادة التي يجب أن تكون لله وحده خالصة ليس لأحد فيها شيء، ولهذا قسم العلماء الدعاء إلى قسمين: قسم يكون دعاء عبادة، وقسم يكون دعاء مسألة، فأما دعاء العبادة فهو شامل عام يدخل فيه ذكر الله وتلاوة القرآن والصلاة والصوم والحج وسائر العبادات؛ لأن الإنسان لا يفعل هذه الأفعال إلا ويرجو ربه أن يثيبه على ذلك، ويخاف منه أنه لو لم يفعل ذلك عاقبه. أما دعاء المسألة فهو أن يسأل شيئاً معيناً، مثل الجنة، ومثل الرزق، ومثل الولد، ومثل النصر على الأعداء، ومثل العلم وما أشبه ذلك، فكل شيء تسأله فهو دعاء مسألة، وكلاهما جاء القرآن به، قال الله جل وعلا: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، فقيل في تفسيرها: اسألوني أعطكم. وقال بعضهم: اعبدوني أزدكم. فالذي قال: المعنى اعبدوني أزدكم معناه أنه يقول: هذا الدعاء -دعاء العبادة- يدخل فيه كل فعل يفعله الإنسان متقرباً به إلى الله إذا كان قد شرع. والذي قال: المعنى: سلوني أجبكم معناه أنه جعله دعاء مسألة. والواقع أن الآية تشمل هذا وهذا، أي: أنها تدل على دعاء العبادة ودعاء المسألة، وكذلك غيرها مما جاء في القرآن، ومثله هذا الحديث: (اذكرك وادعوك به) يعني: أتعبد به لك خوفاً من عذابك ورجاء لثوابك الذي تعطيه من عبدك، وأما (أدعوك) فمعناه أني إذا احتجت إلى شيء معين أتوسل به إليك حتى أنال مقصودي، فهو كله عبادة، إلا أن دعاء المسألة أخص من الذكر وأخص من دعاء العبادة.

стр. 125

حاجة البشر إلى كلمة التوحيد وقوله: (يا رب كل عبادك يقول هذا) روي بلفظ (يقولون) و (يقول)، وكلاهما جارٍ على القواعد العربية؛ لأن لفظة (كل) تدل على العموم، فإذا قال: (يقولون) فهو لمراعاة هذا المعنى، وإذا قال: (يقول) فهو مراعاة للفظ (كل)؛ لأن لفظها مفرد، فراعى لفظها معرضاً عن معناها، وكل هذا جائز لغة، ولكن المقصود المعنى، والمعنى أن كل عبادك يعرف هذا ويدعوك به ويذكرك به، فأنا أريد شيئاً اختص به لا يعرفه أكثر خلقك أو كلهم تخصني به. فهذا الذي قصده، ولهذا جاء صريحاً في بعض الروايات أنه قال: أريد شيئاً تخصني به. ومعلوم أن الإنسان يفرح بالشيء الذي يختص به دون غيره، ولكن هذا الذكر وهذا الدعاء ما أحد يستغني عنه، وهو أفضل من كل ذكر يذكر الإنسان ربه به مع حاجته إليه. ولهذا يقال بناءً على هذا: إن هذا يدل على أن أنبياء الله وأولياء الله يحتاجون إلى التنبيه إلى فضل هذه الكلمة وعظمها، لهذا كان فيه تنبيه لموسى ﵇ إلى عظم هذه الكلمة، فكيف بمن عداه؟! كيف بالذين قد لا يفهمون حتى المعاني اللغوية التي دلت عليها فضلاً عن المعاني الشرعية التي جاءت بها الرسل بهذه الكلمة؟ فإنها تتطلب دراسة وبحثاً وفهماً لدعوة الرسل وما جاؤوا به.

стр. 126

أسماء الله وصفاته وتقسيماتها ثم إن هذا أيضاً يدلنا على أن الله جل وعلا يسأل ويعبد بأسمائه وأوصافه التي يتوسل بها إليه حتى يرضى وحتى يعفو عن السيئات ويثيب، ويدلنا أيضاً على أن أسماءه وأوصافه تعالى لا حصر لها، وأن منها ما يعلمه العباد ومنها ما لا يعلمه إلا الله جل وعلا، وقد جاء هذا المعنى واضحاً في بعض الأحاديث، كالحديث الذي يرويه الإمام أحمد وغيره حيث يقول ﷺ : (ما من عبد يصيبه هم ولا غم فيقول: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم نور صدري) إلى آخره. فجعل أسماءه تعالى ثلاثة أقسام: قسم علمه من يشاء من خلقه، وقسم أنزله في كتبه؛ لأن قوله: (أو أنزلته في كتابك) المقصود فيه بـ (كتابك) اسم الجنس، يعني: كتبك التي أنزلتها على رسلك وقسم لم يعلمه أحداً من خلقه ولم ينزله في كتبه، بل استأثر به في علم الغيب عنده. فموسى ﵇ يطلب من هذا القسم، ومن هذا النوع الذي استأثر الله جل وعلا به في علم الغيب عنده ما يخصه به، فأرشده الله جل وعلا إلى عظم هذه الكلمة التي هي معروفة لكل أحد، معروفة اللفظ، أما المعنى فالإنسان يحتاج إلى إدراك معناها وإلى تفهمه وإلى معرفته حتى يعمل به، فمن كان لمعناها أعرف وله ألزم وأكثر عملاً فهو أقرب إلى الله وأرفع درجة عنده، وهو من الذين يسبقون إلى الجنة ويدخلونها بغير حساب؛ لأن هذا هو تحقيق التوحيد كما سيأتي في الباب الذي بعد هذا. وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ قوله: (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر)، إلى هنا انتهى حديث رسول الله ﷺ المتفق عليه، ورواه الترمذي وأهل السنن والإمام أحمد وغيرهم، ثم سردوا تسعةً وتسعين اسماً، والحفاظ يقولون: إن سرد الأسماء مدرج، وليس مرفوعاً إلى النبي ﷺ . ومعنى الإدراج أن يكون كلاماً من الراوي أدخله في الحديث فيتوهم السامع أنه من كلام رسول الله ﷺ وهو ليس منه. وقد يقول بعض من لم يفهم الفهم الذي يجب: إن هذا يدل على أن أسماء الله جل وعلا تسعة وتسعين والواقع أنه لا يدل على حصر أسماء الله جل وعلا في تسعة وتسعين، وإنما يدل نصاً على أن لله هذه الأسماء، فمن أحصاها وعبد الله بها فإن الله يعده بأن يدخله الجنة، ومعنى إحصائها إطاقة العمل بها على القول الصواب الصحيح، كما قال الله جل وعلا في كتابه: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل:٢٠] يعني: تطيقون العمل به. وأما كون الإنسان يحفظها مجرد حفظ فهذا لا يكفي، وقد قال البخاري بعد إخراجه هذا الحديث: أحصاها: حفظها. ولكن ليس المراد مجرد الحفظ، وإنما المراد الحفظ مع معرفة المعنى وسؤال الله جل وعلا وعبادته بها حتى يحصل على هذا الموعود، وليس هذا المقصود من ذكره، وإنما المقصود من ذكره أنه لا يتعارض مع ما قلنا في مفهوم هذا الحديث من أنه يدل على أن لله جل وعلا أسماء وأوصافاً لا حصر لها؛ لأن موسى ﵇ طلب شيئاً يخص به لم ينزل عليه في التوراة، وقد أعلمه الله جل وعلا ما أنزله عليه في كتابه، وكذلك أعلمه ما يشاء مما لم ينزله عليه في التوراة مما أنزله على أنبيائه السابقين. وإنما معنى هذا الحديث: (إن لله تسعة وتسعين اسماً) أن الإنسان إذا حفظ هذه الأسماء وعبد الله جل وعلا بها فإنه موعود بدخول الجنة، ولا يدل على أن الله جل وعلا حصرت أسماؤه في تسعة وتسعين، فهذا مثل ما لو قال القائل: عندي مائة ألف أعددتها للجهاد في سبيل الله أو للدعوة إلى الله. أو قال: عندي مائة كتاب أعددتها للمطالعة أو العارية، فما ينافي أن يكون عنده غيرها، إنما يذكر هذا الشيء للغرض الذي بينه، وهو الجهاد أو الدعوة أو الإعارة. كذلك هذا الحديث معناه أن من تعبد الله جل وعلا بالتسعة والتسعين اسماً فإنه موعود بدخول الجنة، فهذا المقصود، وليس المقصود حصر الأسماء؛ فإن أسماء الله لا حصر لها.

стр. 127

كلمة التوحيد مع الإخلاص منجاة لصاحبها من النار ثم في هذا الحديث من المعاني ما يدل -فضلاً على ما تقدم- على عظم هذه الكلمة، وأن المخلوقات كلها لو وضعت في كفة ميزان مَنْ في السماوات ومن في الأرض، ثم وضعت هذه الكلمة في كفة أخرى لرجحت هذه الكلمة، ولكن ليس من كل أحد، وإنما ممن قالها صادقاً مخلصاً موقناً عالماً عاملاً بما تقتضيه وتدل عليه، فإذا صدرت ممن هذه صفته فلا يقاومها شيء. وقد جاء في سنن الترمذي، وفي المسند، وغيرهما كصحيح ابن حبان، وغيرها من كتب الحديث عن النبي ﷺ أنه أخبره أنه يصاح برجل من أمته يوم القيامة على رؤوس الناس وهم مجموعون في مكان واحد، يعني يدعى باسمه: يا فلان بن فلان! هلم تعال. فيأتي والناس ينظرون إليه. وإتيانه هنا إما أن يكون فضيحة يفضح بها على رؤوس الناس، أو يكون شرفاً وذكراً وفضلاً وسعادة يسعد بها تنشر في العالم كله من أولهم إلى آخرهم، فيؤتى به، فإذا حضر بين يدي الله نشر له تسعة وتسعون سجلاً، والسجل كتاب مسجل عليه، أي: تسعة وتسعون كتاباً، وأما كبره وطوله فالله أعلم. فيقال له: أتنكر من هذا شيئاً؟ -وكل أعماله سيئات من أولها إلى آخرها- فيقول: لا يا رب، هذه أعمالي. فيقول الله جل وعلا له: أظلمتك الكتبة؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: ألك عذر؟ فيقول: لا. فيقول الله جل وعلا له: ألك حسنة؟ فيهاب ويقول: لا. فيقول الله جل وعلا: بلى. إن لك عندنا حسنة واحدة فيخرج له بطاقة صغيرة مكتوب فيها: أشهد ألا إله إلا الله. فيقول: يا رب! ما هذه البطاقة أمام هذه السجلات -أي ماذا تصنع-؟ فيقال: إنك لا تظلم شيئاً. ويؤتى بالميزان فتوضع السجلات في كفة الميزان وتوضع البطاقة في الكفة الأخرى فتطيش السجلات وترتفع وتثقل البطاقة بهذه السجلات الكثيرة، فهي كلمة واحدة رجحت بهذه السئات المسجلة في تسعة وتسعين كتاباً كل كتاب مملوء. وهذا يكون لأفراد، ويجوز ألا يكون لرجل واحد، فيكون له نظراء على هذا المنوال، ولكن قد صحت الأحاديث الكثيرة عن رسول الله ﷺ أن كثيراً ممن يقول لا إله إلا الله يدخل النار ويبقى فيها وقتاً طويلاً وهو في النار تأكله، ومنهم من يكون حمماً يحترق فيها، ومنهم من يبقى أثر السجود لا تأكله النار، وكل أهل الإسلام واتباع الرسل يقولون هذه الكلمة، وكثير منهم يدخلون النار مع قولهم هذه الكلمة، وخروجهم من النار يتفاوت تفاوتاً عظيماً، ومنهم من تأخذه النار إلى كعبيه فقط، ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار إلى حقويه، ومنهم من تأخذه النار إلى ثدييه، ومنهم من تأخذه إلى رأسه وترقوته، ومنهم من يكون في النار في غمرات النار مغموراً فيها، وكله على تفاوت الأعمال، وكلهم يقولون: (لا إله إلا الله)؛ لأن الذي لا يقولوها لا يكون مسلماً أصلاً. ثم إخراجهم من النار يتفاوت تفاوتاً عظيماً، فمنهم من يغمس فيها غمسة ويخرج، ومنهم من يبقى مدة طويلة كعمر الدنيا منذ خلقت إلى أن تنتهي، ومنهم من هو أقل من ذلك، حسب جرائمهم مع قولهم هذه الكلمة، فدل هذا على تفاوت الناس في قولها، وكل التفاوت يرجع إلى ما يكون في القلوب من العلم واليقين والإخلاص، ويتبع ما في القلب العمل. فالذي يقولها بعلم وصدق وإخلاص ومحبة وقبول واستسلام لا يمكن أن يكون محباً لمعصية أو مخالفاً لأمر الله وهو يقدر، أو تاركاً لواجب من واجبات الله وهو يستطيعه، بخلاف الذي يقولها بلسانه؛ فإنه قد يقولها وهو يشرب الخمر، وقد يقولها وهو يزني، وقد يقولها وهو يأكل أموال الناس بالإثم والباطل، ويقولها وهو يحارب أولياء الله وربما يشتمهم ويلعنهم، إلى غير ذلك. فالمقصود أن معرفة هذه الكلمة والعمل بما دلت عليه هو الذي يتفاوت فيه أهل الإسلام في الدرجات يوم القيامة، وقد أخبر الله جل وعلا في كتابه أن أهل الجنة أقسام ثلاثة: قسم ظالم لنفسه، وقسم مقتصد، وقسم سابق بالخيرات بإذن الله، فقال الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢]، ففُسر الظالم لنفسه بمن يفعل بعض المنكرات ويترك بعض الواجبات، فيفعل بعض المحرمات التي حرمت عليه ويترك بعض ما أوجبه الله عليه، ولكنه ملتزم بـ (لا إله إلا الله ومعناها)، ولكنه مقصر في الفهم والعلم والعمل، فهذا ظالم لنفسه. والقسم الثاني: المقتصد. والمقتصد هو الذي اقتصر على فعل ما أوجبه الله عليه وامتنع عن فعل ما حرمه الله عليه، ولم يتقرب إلى الله جل وعلا بالنوافل والمستحبات وباجتناب المكروهات، بل يفعل المكروه ولا يفعل المستحب، فاقتصر على فعل الواجب وترك المحرم، ومثاله الذي يقيم الصلوات الخمس ويؤدي زكاة ماله بعد كونه لا يعبد غير الله، ويصوم شهر رمضان فقط، وحج في عمره مرة واحدة فقط. فإذا تمسك بهذه الأمور الخمسة التي هي أركان الإسلام الخمسة فهو من أهل الجنة بلا شك، ولكن تفوته الدرجات في الجنة؛ لأن الدرجات تقتسم بالأعمال، فمن كان عمله أزكى وأكثر فدرجته أرفع عند الله جل وعلا، ولا يجوز للمسلم أن ينافس غيره في الدنيا في المال وأمور الدنيا، أو العمارات وحسنها، أو السيارات، أو ما أشبه ذلك فلا يريد أن يكون غيره أحسن منه بيتاً، ولا أكثر منه مالاً، ولا أحسن منه مركباً وما أشبه ذلك ويترك منافسة المؤمنين في الدرجات العالية يوم القيامة، فهذا لا ينبغي، وهذا من الخسارة. أما القسم الثالث فهم الذين يسبقون إلى الدرجات العالية، بأن يتقربوا إلى الله جل وعلا بعد أداء الفرائض بالنوافل التي لم تجب، ويتقربون إليه جل وعلا بعد اجتناب المحرمات باجتناب المكروهات التي يخشى أحدهم أنه يكون فيها مترخصاً أو متبعاً نفسه شهواتها ولو في بعض الأشياء. وقد جاء عن السلف تحذيرهم من كون الإنسان يتتبع الشهوات وإن كانت مباحة، كما جاء عن عمر ﵁ أنه رأى رجلاً يشتري لحماً فقال: أوكلما اشتهيتم شيئاً اشتريتموه؟! لقد ذكر الله قوماً فنعى عليهم بأنهم أذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا. أما إذا خرج الناس عن هذه الأقسام الثلاثة فمعنى ذلك أنهم من أهل النار، فالظالم لنفسه ليس معنى ذلك أنه يدخل الجنة من أول وهلة، بل إما أن يعذب في الدنيا فيكون ذلك كفارة له، كأن يصاب بمصائب وكوارث تكفر عنه، وهذا من حظه إذا حصل له ذلك، وأما إذا لم يصب في الدنيا فقد تكون مصائبه في القبر بأن يعذب في قبره، وقد لا يكفي تعذيبه في قبره فيمتد العذاب إلى أن يبعث، ثم يعذب في الموقف وشدائده؛ لأن الوقوف في الموقف يتفاوت على حسب أعمال الناس، فمنهم من يكون عليه كألف سنة، ومنهم من يكون عليه كخمسين ألف سنة وهو واقف على قدميه، ومن يطيق هذا؟ فهو وقوف لا يوجد معه جلوس، ومع ذلك هو عريان ليس عليه ثوب ولا نعال، ولا هناك ظل يستظل به، والشمس واقفة فوق رأسه، ومنهم من يكون وقوفه كأنه ساعة، والعجيب أن منهم من يأكل ويشرب والناس في شقاء وفي عذاب. فتفاوت الناس في الموقف أمره على حسب أعمالهم، ثم منهم من لا يكفيه ذلك، فلابد أن يدخل النار ويطهر؛ لأن هذه الأمور التي مرت عليه وهذه النيران نار عذاب القبر ونار الموقف ما كفت في تطهيره، فلابد أن يدخل جهنم حتى يطهر وتأكل الخبث منه، فكل الخبث الذي في جسده تأكله النار حتى يخلص ويكون صالحاً لدخول الجنة، ثم بعد ذلك يخرج، والأمر ليس سهلاً، الأمر صعب جداً، ولكن في الواقع كأننا لا نعنى بذلك، فكأن المعني غيرنا، وكأننا خلقنا لشيء آخر وإنما يراد بذلك قوم آخرون، وكما قيل: ستعرف إذا انجلى الغبار أفرس تحتك أم حمار فهل أنت شقي أو سعيد؟ وهذا قريب جداً، وما بين الإنسان وبينه إلا أن يقال: مات فلان. وما أقرب ذلك، فإذا مات الإنسان فقد قامت قيامته؛ لأن عمره الذي يكتسب به العمل انقطع وانتهى، ولهذا كان السلف يبكون البكاء الشديد المر المؤلم الذي يمنعهم من الأكل والشرب والنوم، ويقول أحدهم: أنا خلقت للجنة أو النار فما أدري ما مصيري. ويقول آخر: إني عبارة عن أنفاس وأيام، فإذا انقضت انقضى عملي، فمن يصلي لي؟ ومن يذكر عني؟ ومن يدعو الله عني؟ لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى، فلابد للإنسان أن يفكر في هذه الأمور، ولهذا يقول لنا الناصح الأمين صلوات الله وسلامه عليه: (لا تنسوا العظيمتين الجنة والنار)، ولابد لنا منهما، لابد لنا من واحدة منهما، فهل نصل إلى الجنة سالمين أو نحبس في جهنم أبد الآبدين؟ العلم عند الله، والإنسان لا يستطيع أن يعمل لنفسه على حسب إرادته، فلابد أن يتعلق بالله جل وعلا ويسأله دائماً بفقر وإلحاح وحاجة لا ينفك عنها أبداً. ثم إن الرسول ﷺ أخبرنا عن أخف أهل النار عذاباً الذي يبقى في النار أبداً، وهو رجل يجعل في أخمصه جمرة من النار يغلي منها دماغه، فهذا هو أخف أهل النار عذاباً، فيطأ على جمرة من جمرات جهنم ولكنه يغلي من هذه الجمرة دماغه، وهو أبو طالب عم الرسول ﷺ جزاء إحاطته لرسول الله ﷺ ودفاعه عنه، ولكنه لا يخرج من النار، ويرى أنه أشد الناس عذاباً وهو أهونهم، فهو في نفسه يرى أنه أشد أهل النار عذاباً وهو أهونهم عذاباً، فهذا هو أهون أهل النار عذاباً -نسأل الله العافية- فكيف بالذي يكون في طبقات جهنم؟ قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة:١ - ٩]. أي: مغلقة الأبواب، وموضوع عليها عمد من حديد ممددة فهي أعمدة من حديد، فهل يستطيعون أن يخرجوا من الأبواب؟ أبداً. ولو لم توضع هذه الأعمدة، ولكن نكالاً وإبلاغاً في النكاية بهم

стр. 128

علو الله تعالى وملكه وعظمته قال الشارح رحمه الله تعالى: [وقوله: (وعامرهن غيري) هو بالنصب عطف على السموات، أي: لو أن السموات السبع ومن فيهن من العمار غير الله تعالى والأرضين السبع ومن فيهن وضعوا في كفة الميزان، و (لا إله إلا الله) في الكفة الأخرى مالت بهن لا إله إلا الله]. هذا أيضاً يدلنا على أن السماوات فيها عمار، أي: عباد يعبدون الله جل وعلا ويعمرونها بالعبادة لأن عمارة السموات والأرض بالعبادة، أما المعاصي فهي إفساد في الأرض، كما قال الله جل وعلا عن أهل المعاصي: ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء:١٥٢]، وهذا عجيب؛ لأن غير العقلاء لا يعصون الله، ولهذا أخبرنا ربنا جل وعلا أن الشجر والدواب والجبال تسجد لله، وأن كثيراً من الناس حق عليهم العذاب، فأهل العقل والفكر هم الذين يتنكرون لله جل وعلا ويعرضون عن عبادته، فعمارة الأرض هي بعبادة الله جل وعلا واتباع وحيه واجتناب مناهيه. ويدلنا أيضاً على أن ربنا جل وعلا في السماء، ومعنى كونه في السماء أنه في العلو، ولا يجوز أن يعتقد أن الله في السفل تعالى وتقدس. فالسماء إذا جاءت في مثل هذا الكلام فإما أن يراد بها السماء المبنية التي هي السبع الطقات التي ذكر الله جل وعلا أن لكل واحدة منهن مكاناً معيناً، وبينها وبين التي تليها مسافة معينة وفضاء، وأن فيها عماراً يعمرونها بامتثال أمر الله وفعل ما أمروا به. وإما أن يراد بها مجرد العلو، كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] يعني: من في العلو. فهذا معناه، وليس (في) هنا تدل على الظرفية، كقول القائل: الماء في الإناء. قوله: (لو أن السموات السبع وعامرهن غيري) الله جل وعلا يعمر كل شيء، بمعنى أنه هو الذي أوجده، وهو الذي يقوم على مصالحه، كما في الحديث الذي في صحيح مسلم: عن أبي موسى الأشعري قال: (قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات) يعني أنه قام خطيباً، وهذه عادته صلوات الله وسلامه عليه، فيعلم أصحابه الأصول والكلمات الجامعة البليغة، ولا يزيدهم كثيراً، وهنا قام فيهم خطيباً بخمس كلمات فقط، فقال: (إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلق)، فهو القائم على خلقه بما يصلحهم، وهو الذي يقيم السماوات والأرض، فهو قيوم السموات والأرض، ولو أراد إذهاب السماء ومن فيها بلحظة فعل، ولو أراد تغييرها إلى ما يشاء فعل، ولكنه أقامها على هذا الوضع المعين المنسق المتقن الذي لا يختل حتى يشاء جل وعلا، وليس الملائكة ولا غيرهم ولا الطبيعة ولا غير ذلك، فهو جل وعلا فوق، وهو مستوٍ على عرشه، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف:٥٤]. يعني أنه يتصرف في الكون كله حسب إرادته جل وعلا، فهو القائم على كل شيء بما يصلحه، السماء وما فيها والأرض وما فيها، فاستثنى نفسه في هذا الحديث. فنص على أن السموات سبع، ثم استثنى نفسه فقال: (غيري)؛ لأنه جل وعلا أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، ولا يمكن أن يقاس بشيء من خلقه، وإن كان هذا من صفاته، أي: قول (لا إله إلا الله) من صفاته التي يستحقها، فليس مخلوقاً، وإنما المخلوق عمل الإنسان، فعمل الإنسان هو المخلوق، ولو وضعت كل المخلوقات في مكان لكانت صغيرة حقيرة بجانب الله جل وعلا، وقد جاء قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر:٦٧]، يعني: ما عظموا الله حق تعظيمه، وما عرفوه حقه حق المعرفة، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]. فيوم القيامة يفعل ذلك، وإلا فلو شاء لقبض كل مخلوقاته بيده السموات والأرض ومن فيهما وصارت بيده كلها صغيرة حقيرة ليست بشيء، وعلى هذا فكيف يسوغ لإنسان أن يقول في مثل قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد:٤]: إنه معنا في البيوت وفي الأرض وفي الأمكنة؟ تعالى الله وتقدس، فهل هذا عرف الله؟ كلا -والله- لم يعرفه، فضلاً عن أن يقدره حق قدره. فالله جل وعلا لا يعرفه من لم يتعرف عليه بأوصافه التي وصف بها نفسه، أما إذا رجع إلى فكره أو إلى شيخه أو إلى ما تلقاه ممن هو نظير له فلن يعرف الله أبداً؛ لأن العقل لا يوصله إلى هذا، وكذلك الأفكار البشرية لن توصله إلى هذا، وإنما هذا يكون من الله جل وعلا، قال تعالى: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٤٠]، فالله جل وعلا هو الذي يجب أن يكون الإنسان متبعاً لقوله، ويتعرف على ربه بما عرف به نفسه وتعرف به إلى عباده. فإذا قال الرسول ﷺ : (إن الله يمهل حتى إذا بقي ثلث الليل الأخير نزل إلى السماء الدنيا فبسط يده وقال: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ هل من تائب فيتاب عليه؟)، فمن يقول: هذا النزول معناه عبارة عن نزول أمره أو نزول رحمته أو نزول ملك من الملائكة من يقول ذلك لم يعرف به. وكذلك إذا سمع قول الله جل وعلا: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠] قال: (يأتي) أي: يأتي أمره وقضاؤه، أو يأتي حكمه، أو يأتي ملكه، أو ما أشبه ذلك، أما إتيانه فهو مستحيل؛ لأن الانتقال من مكان إلى مكان من خواص الأجسام هكذا يقول، فنقول: هل عرف هذا ربه؟ كلا والله، الذي يقول هذا القول لم يعرف ربه، لم يعرف إلا الرب الذي يعتقده هو، فليس هو الله، أما لو تعرف على الله لعلم أنه ينزل وهو على عرشه، ويأتي يوم القيامة وهو فوق كل شيء، وأنه لا يمكن أن تكون سماء تظله أو تقله تعالى وتقدس، بل هو أكبر وأعظم من كل شيء؛ حيث إنه جل وعلا يقبض جميع مخلوقاته بيده، كما قال ابن عباس ﵁ في تفسير هذه الآية: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر:٦٧]: قبض السماوات السبع والأراضين ومن فيهن بيمينه، وبقيت يده الأخرى فارغة ليس فيها شيء، وإنما يستعين بيده الأخرى من شغلت إحدى يديه، هكذا جاء عنه ﵁ وهو حبر الأمة، والرسول ﷺ بين لنا هذا ووضحه، فيجب على الإنسان أن يؤمن بربه وفق ما أخبر عن نفسه وأخبرت عنه رسله وإلا زل وضل. فقوله هنا: (لو أن السموات السبع وعامرهن غيري) استثنى نفسه لأنه أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، ولا يمكن أن يكون المخلوقات كلها بالنسبة إلى الله شيئاً أبداً.

стр. 129

الميزان حق يجب الإيمان به ويدلنا هذا على أن الميزان له كفتان، وله لسان كذلك، وهذا اللسان يعرف به ميل أحد الكفتين ورجحانها بالأخرى، وأن الأعمال توضع فيه، وقد جاءت الأحاديث دالة على أن الأعمال توضع فيه، وجاءت أحاديث أخرى تدل على أن الإنسان نفسه يوزن، فيجوز أن يكون هذا وهذا، ثم لسنا بحاجة أن نقول: إن الأعمال تقلب وتجعل أجساداً حتى تظهر مشاهدة في الميزان، لسنا بحاجة إلى هذا، فأمور الآخرة -والله على كل شيء قدير- على خلاف المعهود لنا، ويكفينا أن نعلم أن الأعمال توضع في الميزان، وأنها توزن، كما قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:٨]، فلابد من الوزن، ولهذا ينص العلماء على وجوب الإيمان بالميزان في عقائدهم، والسبب في هذا أن بعض أهل البدع أنكر ذلك، وإلا فالعقائد يجب أن تكون مشتملة على كل ما جاء به الرسول ﷺ ، وليس معنى كونهم نصوا على مسألة معينة وتركوا الأخرى أن هذه أهم، أو أن هذه يجب اعتقادها وتلك لا يجب، ولكن العلماء هذه طريقتهم، فإذا أُنكِر شيء مما جاء به الرسول ﷺ نصوا عليه في العقائد. ولهذا تجد في كثير من كتب العقائد أنهم ينصون على أن المسح على الخفين سنة؛ لأن بعض أهل البدع أنكر ذلك فنصوا عليه، وهكذا الميزان، وهكذا حوض النبي ﷺ ، والصراط؛ لأن بعض أهل البدع أنكر هذه الأشياء فنصوا عليها، وإلا فالواجب أن يعتقد الإنسان كل ما جاء به الوحي، سواءٌ أكان في كتاب الله، أم ما بلغه رسول الله ﷺ من الوحي الذي أوحاه الله جل وعلا غير القرآن، وكل ما يلقى إليه وما يقوله صلوات الله وسلامه عليه فهو وحي، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].

стр. 130

تفاضل القلوب في اعتقاد كلمة التوحيد قال الشارح رحمه الله تعالى: [وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ : (أن نوحاً ﵇ قال لابنه عند موته: آمرك بـ (لا إله إلا الله)؛ فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة و (لا إله إلا الله) في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السموات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة لقصمتهن لا إله إلا الله)، وقوله: (في كِفة) هو بكسر الكاف وتشديد الفاء، أي: كفة الميزان. وقوله: (مالت بهن) أي: رجحت. وذلك لما اشتملت عليه من نفي الشرك، فتوحيد الله الذي هو أفضل الأعمال وأساس الملة والدين، فمن قالها بإخلاص ويقين وعمل بمقتضاها ولوازمها وحقوقها واستقام على ذلك فهذه الحسنة لا يوازنها شيء، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف:١٣]، ودل الحديث على أن (لا إله إلا الله) أفضل الذكر، كحديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً: (خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) رواه أحمد والترمذي، وعنه أيضاً مرفوعا: (يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر، ثم يقال: أتنكر من هذا شيء؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب. فيقال: أفلك عذر أو حسنة؟ فيهاب الرجل فيقول: لا. فيقال: بلى. إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليك اليوم. فيخرج له بطاقة، فيقول: يا رب! ما هذه مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم شيئاً. فيخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. فيقول: يا رب! ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم. فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة) رواه الترمذي وحسنه، والنسائى، وابن حبان، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم. وقال الذهبي في تلخيصه: صحيح. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فالأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب، فتكون صورة العملين واحدة وبينهما من التفاضل كما بين السماء والأرض. قال: وتأمل حديث البطاقة التي توضع في كفة ويقابلها تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر، فتثقل البطاقة وتطيش السجلات فلا يعذب، ومعلوم أن كل موحد له هذه البطاقة، وكثير منهم يدخل النار بذنوبه. قوله: رواه ابن حبان والحاكم) ابن حبان اسمه محمد بن حبان -بكسر المهملة وتشديد الموحدة- بن أحمد بن حبان بن معاذ أبو حاتم التميمي البستي الحافظ صاحب التصانيف كالصحيح والتاريخ والضعفاء والثقات وغير ذلك، قال الحاكم: كان من أوعية العلم في الفقه واللغة والحديث والوعظ، ومن عقلاء الرجال. مات سنة أربع وخمسين وثلاثمائة بمدينة بست -بضم الموحدة وسكون المهملة-، وأما الحاكم فاسمه محمد بن عبد الله بن محمد النيسابورى أبو عبد الله الحافظ، ويعرف بـ ابن الربيع، ولد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وصنف التصانيف كالمستدرك وتاريخ نيسابور وغيرهما، ومات سنة خمس وأربعمائة].

стр. 131

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٤] من رحمة الله تعالى بعباده أن فتح لهم باب المغفرة، وقبول دعاء الداعي ورجاء الراجي مهما كان ذنبه عظيماً، ومن رحمته بهم أن جعل التوحيد سبباً للنجاة من النار يوم القيامة، إما نجاة أولية بحيث إن الموحِّد لا يدخلها، وإما أن يعذبه بقدر ذنوبه ثم يدخله الجنة، وبهذا فارق أهل التوحيد أهلَ الشرك.

стр. 132

حديث قدسي في المغفرة ودلالاته

стр. 133

الاستغفار والرجاء عبادتان تكفران الذنوب قال المصنف ﵀: [وللترمذي -وحسنه- عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (قال الله تعالى: يا بن آدم! إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة)]. في هذا الحديث حديث أنس يخبر النبي ﷺ عن ربه جل وعلا أنه قال: (يا ابن آدم! إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة)، وأول هذا الحديث: (إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي)، و (قراب الأرض): ملؤها أو قرب ملئها. وهذا على سبيل الفرض، فلو أن إنساناً تحمل من الذنوب والخطايا ما يملأ الأرض ثم استغفر ربه ومات ولم يشرك بالله شيئاً فإن الله يغفر له مغفرة أوسع من ذنوبه وأكثر وأعظم، فمعنى (لقيتك بقرابها مغفرة): قابلتك بأكثر من ذنوبك مغفرة وأعظم مغفرة وهذا معلق بالاستغفار والرجاء، والاستغفار المقصود به التوبة، أي أن الإنسان يتوب إلى الله جل وعلا، والتوبة لابد فيها من ترك الذنب حسب الاستطاعة، والعزم على أنه لا يعود إليه، والندم على كونه وقع فيه، وأن يعزم في قلبه على أنه يطيع الله جل وعلا ولا يعود إلى ذلك الذنب، فهذا هو الاستغفار المقصود هنا. وأما كونه يرجو فمعنى ذلك أنه أيضاً عبادة تتعلق بقلبه من رجاء الله جل وعلا وكونه جل وعلا واسع المغفرة، وأن رحمته وسعت كل شيء، فيتعلق بهذا، ويكون رجاؤه في ذلك أعظم من خوفه من ذنوبه، فيرجو الله جل وعلا أعظم من خوفه من أن الله يعاقبه على ذنوبه، فيلقى الله على هذه الحال، فإذا لقيه على هذه الحال فإن الله جل وعلا يغفر له مهما كانت ذنوبه بشرط أن يكون غير مشرك.

стр. 134

الشرك وتقسيماته والموجب منه للخلود في النار قوله: (يا ابن آدم! إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً)، معنى قوله: (لا تشرك بي شيئاً)، أنه ليس هناك شرك معه قليل ولا كثير، ولا كبير ولا صغير. فهو شرط صعب في الواقع؛ لأن الذي يسلم من الشرك قليله وكثيره وكبيره وصغيره هو القلب السليم الذي أخبر الله جل وعلا أنه في يوم القيامة لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم سالم من الشرك، سالم من عبادة غير الله، مستسلم لله منقاد له، ولكن الشرك ينقسم إلى قسمين: شرك أكبر كعبادة غير الله مع الله العبادة الظاهرة، فهذا لا ينفع معه عمل، وإذا مات الإنسان عليه فمقطوع بأنه في النار وخالدٌ فيها؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فجعل الشرك غير مغفور وغير قابل للمغفرة، وأما ما عداه فعلقه بمشيئته، فإذا شاء أن يغفره غفره وإذا شاء أن يؤاخذ عليه أخذ عليه وعاقب، ولكن تكون هذه صفته، فمآله إلى الجنة ولو عوقب ولو أدخل النار. فهو بعد يخرج ويدخل الجنة، وهذا يرجى له الخير؛ لأن الذي لا يرجى له خير أصلاً هو الذي يموت مشركاً، فإنه يبقى في النار أبداً ما دامت السموات والأرض. القسم الثاني: شرك أصغر. والشرك الأصغر مثل قليل الرياء، مثل كون الإنسان يدخل في عمله شيئاً مما ينويه للدنيا، ولكن في بعضه ليس كله، فلا يكون العمل من أصله مقصوداً به شيء من الدنيا، ومثل الحلف بغير الله، ومثل قول الرجل: لولا الله وفلان. وما أشبه ذلك، فهذا من الشرك الأصغر؛ لأن إسناد الأعمال والأفعال والحوادث إلى أسبابها التي جعلها الله سبباً في وجودها من الشرك الأصغر. وقد قال الرسول ﷺ لرجل قابله بقوله: ما شاء الله وشئت. فقال: (أجعلتني لله نداً؟! بل ما شاء الله وحده)، مع أنه له مشيئة يتصرف فيها حسب ما أعطاه الله جل وعلا ذلك، فهذا الشرك الأصغر لا يخلو إما أن يكون كثيراً يتجمع عند الإنسان بكثرة فإذا وزن مع حسناته رجح على حسناته فهذا يدخل النار، ويكون من أهل النار، ولكن لا يخلد فيها، أو يكون الشرك الأصغر قليلاً وحسناته أغلب وأكثر، فمثل هذا يغفر له، ولكن المغفرة معلقة بمشيئة الله إن شاء أن يغفر غفر وإن شاء أن يأخذ بالذنب أخذ وعاقب، ثم بعد ذلك يكون مآله إلى الجنة. وقد قال بعض العلماء: إن الشرك الأصغر لا يغفر منه شيء؛ لقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فجعل الشرك عامة غير مغفور، ومعنى هذا القول أن الذي يكون عنده شرك أصغر لابد أن يعاقب، وليس معنى هذا أن الذي يكون عنده شرك أصغر يكون خارجاً من الإسلام ويكون خالداً في النار، لا. فقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] يقول هذا القائل: إنه يقصد به ما عدا الشرك، أما الشرك فإذا كان كبيراً فصاحبه من أهل النار، وإن كان صغيراً فصاحبه معذب، ثم بعد ذلك إذا عذب وهذب يكون من أهل الجنة ولكن القول الأول -والله أعلم- هو الأقرب والأصوب؛ لأنه ما دام أنه بهذا الشرك لم يخرج من الدين الإسلامي فيكون ذنبه هذا مثل سائر الذنوب يوزن مع الحسنات، فإن كانت الحسنات أثقل وأكثر فإنه يكون من أهل السعادة وأهل الفوز، وإن رجحت سيئاته عذب حسب ما عنده من السيئات.

стр. 135

الدعاء وفضله وآدابه وقوله في هذا الحديث -وهو حديث قدسي-: (إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة) يدلنا على أن الدعاء عند الله جل وعلا أمره عظيم، فالدعاء من العبادة التي يحبها الله جل وعلا. وقد جاء في الحديث أن الرسول ﷺ قال: (الدعاء هو العبادة)، وجاء في حديث آخر: (إن الله يغضب إذا لم يدع)، والله جل وعلا يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، فأمر بدعوته، وقال: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف:٥٥] في آيات كثيرة يأمر الله جل وعلا عباده أن يدعوه. فالدعاء هو الافتقار إلى الله وإظهار الحاجة، أن يظهر الإنسان حاجته إلى ربه بفقره، ويتوسل إليه بفقره، ويطلب غناه وفضله، وأن يكون خاضعاً لربه مقبلاً عليه، وإذا فتح للإنسان باب الدعاء فينبغي أن ينتهز الفرصة؛ فإن الله كريم لا يرد عبده إذا دعاه، ولهذا كان السلف رضوان الله عليهم يقولون: إنا لا نهتم للإجابة وإنما نهتم للدعاء فكون الإنسان يفتح له باب الدعاء فيدعو فإن الإجابة قريبة؛ لأن الله وعد عباده بذلك فقال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، وهو لا يخلف وعده جل وعلا، وإن كان الدعاء له آداب وله شروط ينبغي للداعي أن يتعرف عليها وأن يعمل بها. فقد جاء في الحديث -وهو حديث من جوامع كلم رسول الله ﷺ أنه ذكر الرجل يطيل السفر أشعث رأسه مغبرة قدماه يرفع يديه إلى السماء يقول: يا رب يا رب ومطعمه حرام، ومشربه حرام، فأنَّى يستجاب لذلك؟! فأخذ من هذا الحديث شيء من آداب الدعاء، وهو أن الإنسان يكون مظهراً فقره إلى الله لقوله: (أشعث أغبر)، وأن يكون مظهراً الحاجة والذل والافتقار والتبذل لله جل وعلا. وقد روي عن بعض السلف أنه كان له ابن أخ في الجهاد، فأسره العدو، وكان الرجل من العلماء الكبار، فظهر بثياب رثة وفي مسكنة، فقيل له: لماذا تصنع هذا؟ فقال: استكين لربي حتى يعطيني مطلبي. فأطلق قريبه وجاء. فإذا كان السائل موقناً مقبلاً لم يخالف أمر الله جل وعلا فإن الله يعطيه مسألته، بل إذا سأل الإنسان باضطرار فإنه يجيبه وإن كان بعيداً عن الله جل وعلا، ولهذا يقول جل وعلا للكفار الذين يحتج عليهم بأن شركهم غير مقبول شرعاً ولا عقلاً ولا وضعاً، يقول جل وعلا: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢]، يعني أنكم أنتم المشركون تعرفون ذلك، أن الذي يجيب المضطر ويكشف السوء هو الله وحده. وهذا يدلنا على أن كل عبد من عباده يقع في ضرورة وفي كرب فيتجه إليه فإنه يجيبه وإن كان بعيداً عن الله جل وعلا. والمقصود أن هذا من الآداب التي إذا فعلها الإنسان كان حرياً بالإجابة، وهو أن يكون خاشعاً لله خاضعاً له. الثاني: رفع اليدين إليه جل وعلا، أن يرفع يديه في الطلب. وقد جاء في الحديث: (إن الله حيي كريم يستحيي من عبده المؤمن أن يرفع يديه إليه فيردهما صفراً) يعني: بلا عطية. بل إذا رفع يديه أعطاه جل وعلا، ورفع اليدين يكون عند الدعاء العام، أما الأدعية التي جاءت مخصصة ومقيدة مثل الدعاء في صلاة الفرض أو بعد الفرض فهذه يجب أن يتبع فيها رسول الله ﷺ ، فلم يجيء أنه رفع يديه في هذه الأماكن، وإنما في النوافل وفي الدعاء عموماً في غير ذلك. الأمر الثالث: قوله: (يا رب يا رب)، فكونه يسأل ربه بهذا الاسم الكريم ويكرره فإن هذا من أسباب الإجابة، وقد جاء في القرآن -لمن تأمل القرآن- أدعية الرسل الذين ذكر الله قصصهم وغالبها بهذا الاسم الكريم العظيم، وقد قيل: إنه هو اسم الله الأعظم (رب)، فكذلك الله يعلمنا، ويعلمنا ذلك أيضاً في قوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] إلى آخر الآية، ففيها التعليم بأن نسأله جل وعلا بهذا الاسم: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] إلى آخره. وكذلك في آخر سورة آل عمران وغيرها كثير في القرآن، فأكثر الأدعية التي جاءت عن الرسل كانت هذا الاسم. الأمر الرابع الذي يؤخذ من هذا الحديث من آداب الدعاء التي ينبغي للإنسان أن يحرص عليها: اجتنابك للحرام ولبس الحرام لهذا قال: (ومطعمه حرام وملبسه حرام، فأنى يستجاب له؟) يعني: هذا هو المانع من الإجابة، وهو أكل الحرام ولبس الحرام. فإذا اجتنب الإنسان ذلك فإن دعاءه يستجاب بإذن الله، ثم إنه جاء في الحديث عن النبي ﷺ -وهو حديث صحيح- أن سعداً قال للنبي ﷺ : يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني مجاب الدعوة فقال له: (يا سعد! أطب مطعمك تجب دعوتك)، فما سأل له، وإنما أرشده إلى الطريق الذي به إجابة الدعوة، وكان سعد ﵁ مجاب الدعوة، فإذا دعا بدعوة أجيبت. وكثير من السلف كانت تجاب دعوته حتى وإن كانت في الشيء الذي قد لا يقصده، كما روي عن سعيد بن جبير ﵁ أنه كان له ديك يوقظه لصلاة آخر الليل، فإذا صاح قام، وليس هناك ساعة ولا منبهات، وفي ليلة لم يصح هذا الديك حتى طلع الفجر، فلما نظر وإذا الفجر قد طلع قال: ماله قطع الله عنقه؟ فانقطع عنقه، عند ذلك قالت له والدته: يا بني لا تدع على مسلم. فالمقصود أن إجابة الدعوة في هذه الأمور وغيرها كثير. ثم ليعلم الإنسان الداعي أنه إذا دعا ولم تظهر الإجابة لا يجوز له أن يترك الدعاء وأن يقول: دعوت فلم يستجب لي. أو يقول: إن الله جل وعلا صرف عني الإجابة أو ما أشبه ذلك؛ لأنه قد أخبر صلوات الله وسلامه عليه أنه لا يدعو المسلم بدعوة إلا حصل له واحدة من ثلاث خلال: إما أن تعجل دعوته وتستجاب، أو يصرف عنه من البلاء ما هو أعظم من ذلك، أو تدخر له يوم القيامة. فالداعي على خير على كل حال، وقد يكون الأمر في إجابة الدعوة ليس من مصلحة الداعي -والله أعلم بحال عبده- فيصرف ذلك عنه لمصلحته، وهو العليم الخبير جل وعلا، ولهذا جاء النهي عن كون الإنسان إذا دعا يعجل فيقول: دعوت فلم يستجب لي. فينبغي له أن يوقن بأن الله جل وعلا يعطيه ما فيه الخير، أو يصرف عنه ما هو أعظم، أو يدخر له ذلك. ثم يتبع الدعاء الرجاء، والرجاء: هو الرغبة فيما عند الله جل وعلا. وتزيد الرغبة والتعلق به والإقبال عليه وإيقان القلب بأن الله جل وعلا لا يخيب رجاءه، ولهذا جاء إرشاد الرسول ﷺ لنا بقوله: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه)، وجاء في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي)، فإذا ظن خيراً لقيه ووجده، وإذا ظن خلاف ذلك وجده، فينبغي أن نعظم الرغبة في الله جل وعلا، ولهذا حرم على الإنسان أن يعلق مسألته بالمشيئة -كما سيأتي- فيقول: يا رب! أعطني كذا إن شئت. فهذا من المحرمات التي لا يجوز للإنسان أن يفعلها، والسبب قوله صلوات الله وسلامه عليه: (فإن الله لا مكره له)، فإذا أراد أن يفعل شيئاً فعله، فلا حاجة إلى التعليق، فهذا شيء. الشيء الثاني: أن التعليق يشعر بالاستغناء عن هذا الدعاء، كأن القائل يقول: إن أعطيتني ذلك وإلا فلا يلزم وهذا الذي يستغني عن الله جل وعلا يكون غير عارف بوضعه وبحال نفسه، وغير عالم بالله جل وعلا وبكرمه وجوده، فيجب أن يُعظم الرغبة، وأن يعظم الرجاء في الله جل وعلا، ثم يتبع هذا كله كونه حاضر القلب صادقاً فيما يقول، يواطئ لسانه قلبه، فإن الله جل وعلا لا يستجيب دعاء من قلب لاه غافل يدعو بكلام يتكلم به وقلبه سارح في أماكن أخرى بعيد عما يقوله، فجدواه قليلة، وهذا قد يكون شبيهاً بالهذيان الذي يقوله النائم أو غيره، فالمقصود أن هذه الأمور ينبغي للإنسان أن يعملها، ويثق بأن الدعوة مستجابة، ويعظم الرغبة في الله جل وعلا.

стр. 136

ذكر اللقاء ودلالته قوله في هذا الحديث: (لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة) يقول العلماء: كل ما جاء من هذا النوع في كتاب الله وفي أحاديث رسوله ﷺ من ذكر لقاء الله، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٤٦] وما أشبه ذلك كله يدل على رؤية الله، أن العبد سيرى ربه يوم القيامة، وأنه يقف بين يديه، وقد جاء في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم قول الرسول ﷺ : (ما منكم من أحد إلا سيكلم ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة)، فيكلم ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه، وهذا خلاف ما يقوله أهل البدع الذين هم في الواقع يتبعون أهواءهم وزعموا أنهم يتبعون عقولهم، ولكن العقول قاصرة لا تغني من الحق شيئاً، وإنما الواجب اتباع كتاب الله وما أرشد إليه رسول الله ﷺ . وقوله: (لقيتني لا تشرك بي شيئاً) هذا هو الشرط الذي علق عليه أنه يأتيه بأكثر من ذنوبه مغفرة، ثم هذا أيضاً يكون معلقاً بمشيئته، ولا يقال: يلزم أن يكون مغفوراً له. بل ذلك معلق بمشيئة الله جل وعلا؛ لأنه قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وهذا عام في كل من كان مذنباً ولقي الله بذنوب، فإن الأمر يتعلق بمشيئة الله جل وعلا.

стр. 137

عموم المغفرة وعموم شرطها قال الشارح رحمه الله تعالى: [ذكر المصنف رحمه الله تعالى الجملة الأخيرة من الحديث، وقد رواه الترمذي بتمامه، فقال: عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (قال الله تعالى: يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم! إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة) الحديث، والترمذي اسمه محمد بن عيسى بن سورة -بفتح المهملة- ابن موسى بن الضحاك السلمي أبو عيسى، صاحب الجامع، وأحد الحفاظ، كان ضرير البصر، روى عن قتيبة والبخاري وخلد، ومات سنة تسع وسبعين ومائتين، وأنس هو ابن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي، خادم رسول الله ﷺ ، خدمه عشر سنين، وقال له: (اللهم أكثر ماله وولده، وأدخله الجنة)، مات سنة اثنتين -وقيل: ثلاث- وتسعين وقد جاوز المائة. والحديث قد رواه الإمام أحمد من حديث أبي ذر بمعناه، وهذا لفظه: (ومن عمل قراب الأرض خطيئة ثم لقيني لا يشرك بي شيئاً جعلت له مثلها مغفرة)، ورواه مسلم وأخرجه الطبراني من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ ]. من المعلوم أن هذا النداء (يا ابن آدم) عام وشامل لكل هذا النوع وهذا الجنس من الناس، فلا يخص قوماً دون آخرين، فكل من جاء بهذا الشرط فاستغفر ودعا ورجا ربه فإن الله جل وعلا يعطيه ما ذكر، وكذلك كل من أتى بالخطايا الكبيرة التي تكون ملء الأرض أو قريباً من ملئها ثم مات غير مشرك بالله فإنه يكون مغفوراً له إذا شاء الله جل وعلا، ثم ليس معنى هذا أنه يلزم أن يكون عدم الشرك طول عمره، بل يكفي أن يكون حال وفاته مات وهو لا يشرك بالله شيئاً، فتاب مما وقع منه توبة صادقة ومات على هذا، وإن لم يعمل أعمالاً صالحة بعد ذلك فإنه يصدق عليه هذا الوعد، بشرط أن يتوب توبة صادقة ويموت غير مشرك بالله جل وعلا، فيشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خالصاً صادقاً من قلبه، فمات على هذه الشهادة فإنه يدخل في هذا الوعد وعد الكريم.

стр. 138

تفاوت أهل التوحيد والرد على الخوارج والمعتزلة قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: (لو أتيتني بقراب الأرض) بضم القاف، وقيل: بكسرها والضم أشهر، وهو ملؤها أو ما يقارب ملأها. وقوله: (ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً) شرط كفيل في الوعد بحصول المغفرة، وهو السلامة من الشرك كثيره وقليله، صغيره وكبيره، ولا يسلم من ذلك إلا من سلم الله تعالى، وذلك هو القلب السليم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]. قال ابن رجب ﵀: إن جاء مع التوحيد بقراب الأرض خطايا لقيه الله بقرابها مغفرة. إلى أن قال: فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله تعالى فيه، وقام بشروطه بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند الموت أوجب ذلك مغفرة ما قد سلف من الذنوب كلها، ومنعه من دخول النار بالكلية، فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه أخرجت منه كل ما سوى الله محبة وتعظيماً وإجلالاً ومهابة وخشية وتوكلاً، وحينئذ تحرق ذنوبه وخطاياه كلها وإن كانت مثل زبد البحر. انتهى ملخصاً. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في معنى الحديث: ويعطى لأهل التوحيد الذين لم يشوبوه بالشرك ما لا يعطى لمن ليس كذلك، فلو لقي الموحد الذي لم يشرك بالله شيئاً البتة ربه بقراب الأرض خطايا أتاه بقرابها مغفرة، ولا يحصل هذا لمن نقص توحيده؛ فإن التوحيد الخالص الذي لا يشوبه شرك لا يبقى معه ذنب؛ لأنه يتضمن من محبة الله وإجلاله وتعظيمه وخوفه ورجائه وحده ما يوجب غسل الذنوب ولو كانت قراب الأرض، فالنجاسة عارضة والدافع لها قوي. انتهى. وفي هذا الحديث كثرة ثواب التوحيد، وسعة كرم الله وجوده ورحمته، والرد على الخوارج الذين يكفرون المسلم بالذنوب، وعلى المعتزلة القائلين بالمنزلة بين المنزلتين وهي الفسوق، ويقولون: ليس بمؤمن ولا كافر، ويخلد في النار والصواب قول أهل السنة والجماعة: إنه لا يسلب عنه اسم الإيمان ولا يعطاه على الإطلاق، بل يقال: هو مؤمن عاص، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وعلى هذا يدل الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة]. الذنوب كلها أخبرنا ربنا جل وعلا أنه إذا شاء أن يغفرها غفرها، كما قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣]، فما ترك شيئاً، حتى الشرك دخل في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا)، ولهذا يقول العلماء: هذه الآية في التائب من الذنب، فمهما كان ذنبه فإن الله يغفره، ولكن في الآية التي ذكرناها سابقاً في سورة النساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] هذا لمن مات غير تائب، سواءٌ أكان مشركاً أم غير مشرك، فإذا مات على ذنوب ولم يتب منها فإن كانت شركاً فإن الله لا يغفرها، وإن كانت غير شرك فهي معلقة بمشيئة الله جل وعلا، إذا شاء أن يغفرها غفرها. أما ما ذكر أن الحديث فيه الرد على الخوارج فالخوارج سموا (خوارج) لأنهم خرجوا عن الحق إلى الباطل، وخرجوا على أهل الحق لأنهم أهل باطل، وهم في الواقع أناس جهلة أرادوا أن ينزلوا كتاب الله على مفاهيمهم القاصرة، فاقترحوا أن الناس قسمين فقط: بر تقي، أو فاجر شقي، ولا ثالث لهما، فصاروا يحكمون هذا الرأي الذي رأوه، فكل من وقع في ذنب، جعلوه كافراً، ثم بحثوا عن هذا المنهاج في كتاب الله فوجدوا بعض الآيات التي تعلقوا بها وهم لم يفهموها، مثل قول الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١٩]، وكقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣]، وكقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]، وما أشبه ذلك من الآيات التي جاء فيها توعد العصاة بأنهم في النار، وأنهم مغضوب عليهم، أو أنهم ملعونون، فجعلوا كل من فعل كبيرة من الكبائر يكون هذا حكمه. ثم صاروا يقتلون من فعل هذا؛ لأنهم حكموا بأنه كافر، فلهذا صاروا يقتلون المسلمين ويدعون الكافرين، فلما ظهروا صاروا يرفعون أسلحتهم في وجوه الناس، وظهر الكلام في صاحب المعصية والكبيرة، وكان من الناس من يسأل عن حكمه هل هو مؤمن أو كافر، وممن سئل عنها الإمام الحسن البصري، وكان عنده رجل يقال له: واصل بن عطاء الغزال من تلامذته، فبادر وأجاب السائل بقوله: لا كافر ولا مسلم. ثم اعتزل حلقة الحسن، وجعل يقرر هذا المبدأ، فصار هذا هو مبدأ الاعتزال؛ لأن الحسن قال له: اعتزلنا. فسمي معتزلاً، ثم سمي أتباعه معتزلة، ثم صاروا فرقة كبيرة من الفرق التي خالفت الحق، فصار من قولهم أن الذي يرتكب ذنباً من الذنوب كالكبيرة يخرج من الإيمان ولكنه لا يدخل في الكفر، فيبقى بمنزلة بين الإيمان والكفر، وجعلوا هذا من أصول دينهم؛ فإنهم بنوا دينهم على أصول خمسة بدل الأصول التي ذكرت في حديث عبد الله بن عمر: (بني الإسلام على خمس: شهادة ألا إله إلا الله) إلى آخره، وهم بنوه على خمس جاؤوا بها من عندهم هذا أحدها، وهو المنزلة بين المنزلتين. فمرتكب الكبيرة حكمه في الدنيا عندهم أنه خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، أما حكمه في الآخرة عندهم فإنه في النار، فاتفقوا مع الخوارج في حكم الآخرة، واختلفوا معهم في حكم الدنيا، والواقع أنهم اختلفوا في التسمية واتفقوا في الحكم، والتسمية لا قيمة لها إلا أنهم لا يقاتلون ويقتلون من كان هذا وصفه، بخلاف الخوارج. وأهل الحق في هذه المسألة على أن مرتكب الكبيرة لا يقال له مؤمن كامل الإيمان، ولا يقال: مؤمن دون قيد، فلا بد أن يقيد، فيقال: مؤمن فاسق. أو: مؤمن عاصٍ، أو: مؤمن ناقص الإيمان حسبما جاء في النصوص؛ لأنا إذا قلنا مؤمن أو هو المؤمن فإن هذا يدخل الإيمان فيه كله، وقد قال رسول الله ﷺ : (لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن)، فهنا قيد هذه الحالة بأنه ليس مؤمناً، وليس معنى ذلك أنه لو سرق ثم مات يكون كافراً، أو زنى ثم مات يكون كافراً، لا. ليس هذا مراد الرسول ﷺ ، وإنما مراده صلوات الله وسلامه عليه أنه في هذه الحالة ليس عنده إيمان يمنعه من اقتراف هذه المعاصي، وليس عنده الإيمان الذي يمنع صاحبه من الوقوع في المعصية، وإلا فأصل الإيمان لا يخرج منه ولا يفارقه؛ إذ لو كان مقصوده أنه سلب الإيمان نهائياً لأصبح كافراً، ووجب عليه أن يرجع إلى الإسلام مرة أخرى، ويكون ذلك موافقاً لمنهج أهل الباطل الخوارج والمعتزلة وغيرهم، فلا بد من تقييده بأنه ناقص الإيمان، أو أنه عاصٍ، أو أنه فاسق أو ما أشبه ذلك، حتى لا يفهم أنه عنده الإيمان كله وأنه كامل الإيمان، ومعلوم أن الناس يتفاوتون في هذا تفاوتاً عظيماً، وعلى هذا التفاوت تفاوتت منازلهم في الجنة، فمنهم من يكون بجوار الرسل، ومنهم من يكون في أدنى الجنة، والتفاوت في منازل الجنة أعظم من التفاوت بين السماء والأرض، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إن في الجنة مائة درجة، ما بين درجة وأخرى مثل ما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله)، فهذه فقط للمجاهدين، والدرجة المقصود بها هنا المنزلة، يعني: منزلة ينزلها فإذا كان هذا في المجاهدين فكيف بغيرهم؟ فالمقصود أنه يجب أن يجتنب قول أهل البدع الذين يكفرون بالمعاصي، أو يخرجون المسلمين بكونهم وقعوا في معاصٍ من الإسلام ويجعلونهم كفرة، أو يستحلون دماءهم وأموالهم، وهذا من أكبر الباطل، وقد حذرنا رسول الله ﷺ من هؤلاء، وقال: (يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية)، وأمر بقتلهم لأنهم يقتلون الناس، فكل من كانت هذه صفته يجب أن يقاتل، ثم إنه جاء في حديث أن آخرهم يكون مع الدجال الذي هو من أعظم الفتن، الذي يخرج فتنة للناس فيزعم أنه مصلح وأنه يريد أن يصلح في الأرض ويقضي على الظلم، ثم بعد ذلك تتدرج به الأمور ويقول: إنه نبي. ثم تتدرج به الأمور ويرتقي في باطله حتى يقول: أنا ربكم. ويكون معه من الأمور التي يلبس بها على كثير من الناس شيء كثير. فالمقصود أنه من الباطل الواضح كونهم يكفرون الناس ويدخلونهم النار أو يستحلون دماءهم.

стр. 139

التوحيد ومغفرة الكبائر قال الشارح رحمه الله تعالى: [وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (لما أسري برسول الله ﷺ انتهى به إلى سدرة المنتهى أعطي ثلاثاً: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئاً المقحمات) رواه مسلم]. المقحمات معناها الذنوب الكبيرة التي تقحم صاحبها في النار، فيغفر لمن لا يشرك بالله من أمته هذه الذنوب المقحمات، أما الصغائر فإن الله جل وعلا يغفرها في اجتناب الكبائر، كما صحت بذلك أحاديث رسول الله ﷺ ، ودل عليه كتاب الله، قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١]، والرسول ﷺ يقول: (الصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر). أما الكبائر فهي التي قصد بها المقحمات هنا، فيغفر لمن مات لا يشرك بالله شيئاً المقحمات، ثم هذا معلق بمشيئة الله إن شاء غفر وإن شاء آخذ به. قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال ابن كثير في تفسيره: وأخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة والنسائي عن أنس بن مالك ﵁ قال: (قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر:٥٦] وقال: قال ربكم: أنا أهل أن أتقى، فلا يجعل معي إله، فمن اتقى أن يجعل معي إلهاً كان أهلاً أن أغفر له)، قال المصنف ﵀: تأمل الخمس اللواتي في حديث عبادة، فإنك إذا جمعت بينها وبين حديث عتبان تبين لك معنى قول (لا إله إلا الله)، وتبين لك خطأ المغرورين. وفيه أن الأنبياء يحتاجون للتنبيه على فضل لا إله إلا الله، والتنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات مع أن كثيراً ممن يقولها يخف ميزانه، وفيه إثبات الصفات خلافاً للمعطلة، وفيه أنك إذا عرفت حديث أنس وقوله في حديث عتبان: (إن الله حرم على النار من قال (لا إله إلا الله) يبتغي بذلك وجه الله) تبين لك أنه ترك الشرك، ليس قولها باللسان فقط].

стр. 140

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٥] لقد أعد الله للموحدين ثواباً جزيلاً عظيماً بالإضافة إلى تكفير ذنوبهم، وعلاوة على هذه الفضيلة التي ينالها الموحدون فإن هناك فضائل أخر أوردها المصنف في مسائل هذا الباب.

стр. 141

مسائل في باب فضل التوحيد

стр. 142

سعة فضل الله تعالى قال المصنف ﵀: [فيه مسائل: الأولى: سعة فضل الله]. هذا واضح في سائر النصوص التي ذكرها، ففيها أن من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل، فإذا جاء بهذا وإن كانت ذنوبه كثيرة فإن الله يدخله الجنة، وهذا فيه سعة فضل الله وكرمه وسعة مغفرته، وكذلك في غيره من النصوص التي ذكرها الشارح.

стр. 143

كثرة ثواب التوحيد وتكفيره للذنوب [المسألة الثانية: كثرة ثواب التوحيد عند الله. ] وهذا أيضاً واضح ظاهر، وهو كون ثواب التوحيد فضله وثوابه كثير جداً، وأن الله يغفر لمن لقيه موحداً وإن كانت ذنوبه ملء الأرض، فأي شيء أفضل من هذا؟ فما هناك شيء أفضل من التوحيد، والتوحيد معناه أن يكون عمله خالصاً لله ليس فيه شيء لغيره، فالتوحيد عبادة الله وترك الشرك، وأن تكون العبادة مقصوداً بها وجه الله وحده جل وعلا رجاء ثوابه وخوفاً من عقابه. [المسألة الثالثة: تكفيره مع ذلك للذنوب]. يعني أنه إذا جاء بالتوحيد فله الفضل العظيم ويكفر الذنوب، ومعنى تكفيرها: إزالة أثرها.

стр. 144

تفسير الظلم في آية سورة الأنعام [المسألة الرابعة: تفسير الآية الثانية والثمانين التي في سورة الأنعام]. يعني بذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]، فعرفنا أن المقصود بالآية أن الذي وحد الله جل وعلا وعبده ولم يخلط عبادته بشيء من الشرك فإنه يحصل له الأمن والاهتداء في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فباتباع الرسل والطمأنينة بالله جل وعلا، وبكونه يأمن من العذاب الذي يحصل للكفار المخالفين للرسل، وأما في الآخرة ففي القبر أول منازل الآخرة يحصل له النعيم، ثم ما بعد القبر خير له منه، فهو آمن من عذاب الله ومهتد إلى الطمأنينة والحياة السعيدة.

стр. 145

خمس حديث عبادة وثمرتهن [المسألة الخامسة: تأمل الخمس اللواتي في حديث عبادة ﵁]. الخمس هنا قوله ﷺ : (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له) فهذه واحدة، (وأن محمداً رسول الله) هي الثانية، وإن كانتا في الواقع كلتاهما واحدة؛ لأن شهادة أن (لا إله إلا الله) لا تفرق عن شهادة أن (محمداً رسول الله)، ولكنها شرط في الإتيان بها، فلا بد منها، ومن شهد أنه (لا إله إلا الله) ولم يشهد لمحمد صلوات الله وسلامه عليه بالرسالة وأنه رسول إلى الثقلين الجن والإنس جميعاً، وأنه خاتم الرسل، وأنه ليس بعده رسول فإن شهادته مردودة، وهو ليس بمسلم، بل هو من أهل النار إذا مات على ذلك، فلا بد مع شهادة ألا إله إلا الله أن يشهد أن محمداً عبده ورسوله، وهكذا جاء (عبده ورسوله)، أي أنه عبد تعبده الله جل وعلا بعبوديته، وليس له من الإلهية شيء، وليس له من الربوبية كذلك شيء. الثالثة قوله: (وأن عيسى عبد الله ورسوله)، وهذا يقتضي أنه لا بد من أن يشهد للرسل كلهم؛ لأن عيسى ﵇ واحدٌ منهم، فكذلك بقيتهم، وإنما زاد عيسى على الرسل بأنه كلمة الله ألقاها إلى مريم، وأنه روح منه، يعني أنه ليس إلهاً، وليس شريكاً لله جل وعلا، ولا ثالث ثلاثة، وليس ابناً لله، تعالى الله وتقدس عما يقول الضالون، فلا بد أن يتبرأ من قول أهل الضلال في ذلك، وإذا كان الإنسان الذي يشهد بهذا نصرانياً فلا بد من ذلك، وإلا فتكون شهادته باطلة؛ لأنه يعتقد شيئاً من هذا النوع، وهو باطل مناف للتوحيد. الرابعة قوله: (وأن الجنة حق والنار حق) الجنة والنار اثنتان، ومعنى أن الجنة حق أنها موجودة مستقرة، وأن الله خلقها وأعدها لأوليائه، والنار كذلك موجودة مستقرة حيث شاء الله جل وعلا، وأنه أعدها لأعدائه، وسوف يسكنونها ولا يخرجون منها، فهؤلاء هن الخمس اللاتي يجب الإيمان بهن، وإذا تأمل الإنسان ذلك وجد أن الإسلام يدل على ذلك كله.
следующие страницы →