← Акыда

Акыда · id 37166

شرح فتح المجيد للغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (2 090 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٣٩] صفات الله تعالى وأسماؤه قد دلت عليها نصوص الكتاب والسنة، وليس على العبد إلا التسليم بما دلت عليه النصوص، والحذر من اتباع من يعملون فكرهم ويقدمون آراءهم في مثل هذه المسائل، مجافين في ذلك ما دلت عليه النصوص، فلا يلبثون أن يضمحل باطلهم، وينهار أساس معتقدهم، فيبقون في حيرة وشك.

стр. 1857

مسائل في باب ما جاء في قول الله: (وما قدروا الله حق قدره)

стр. 1858

تفسير قوله تعالى: (والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة) قال المصنف ﵀: [المسألة الأولى: تفسير قوله تعالى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:٦٧]]. تفسير هذه الآية سبق، وهو قوله جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]، وهذا بعدما ذكر عظم الشرك، فلما خاطب رسول الله ﷺ قال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦]، ثم قال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ [الزمر:٦٧]. وهذا خطاب لسيد البشر محمد ﷺ ، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: من الأنبياء ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥]، وهو يدل على أنه ليس بين الإنسان وبين ربه صلة إلا بطاعة الله جل وعلا، فلو قدر أن نبياً من الأنبياء أشرك بالله لحبط عمله، ولأصبح من الخاسرين، وقد حمى الله جل وعلا أنبياءه من ذلك وعصمهم، وإنما ذكر هذا ليعلم المشرك شيئاً من عظمة الله. قال: ((وما قدروا الله)) يعني: ما عرفوا قدر الله وعظمته، ولهذا يقول المفسرون: وما عظموه حق تعظيمه. قال تعالى: ((والأرض جميعاً قبضته)) القبضة تكون باليد، وتكون داخل اليد، والأرض جميعاً قبضته، يقول ابن عباس ﵁: تكون الأرض في كف الرحمن كخردلة في كف أحدكم. ولله المثل الأعلى تعالى وتقدس، فتكون كخردلة صغيرة حقيرة بالنسبة لله جل وعلا. قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:٦٧]، والله يوم القيامة يقبض الأرض، ويطوي السماء أيضاً بيده الأخرى، فجميع المخلوقات تكون بيديه جل وعلا على سعتها وعظمتها.

стр. 1859

صفات الله تعالى وما عند اليهود منها [المسألة الثانية: أن هذه العلوم وأمثالها باقية عند اليهود الذين في زمنه ﷺ لم ينكروها ولم يتأولوها]. يعني: الذي جاء في حديث ابن مسعود: (كان الرسول صلى الله وسلم جالساً مع أصحابه، فجاء حبر من أحبار اليهود -والحبر: هو العالم- فقال: يا محمد! إنا نجد -يعني: في الكتاب الذي نزل على موسى ﵇ أن الله يضع السماوات على إصبع، والأراضين على إصبع، والشجر والثرى على إصبع، والجبال على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يهزهن ويقول: أنا الملك أين ملوك الدنيا؟ يقول: فضحك رسول الله ﷺ تصديقاً لما قال، ونزل قول الله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]). وهذا من العلم المتوارث عن الأنبياء، وهو باق عند اليهود، وقد جاء كتابنا مصدقاً ومقرراً وموافقاً له، وهذا هو سبب ضحك النبي ﷺ ؛ لأنه صلوات الله وسلامه عليه يفرح أن تكثر الشواهد التي تشهد على صدقه، وعلى صحة ما قاله وجاء به، فيفرح بذلك، وهذا سبب ضحكه صلوات الله وسلامه عليه. ولقد ضل من قال: إن ضحكه من جرأة اليهود على التشبيه. فهل يجوز أن يضحك الرسول ﷺ من الكفر؟! كلا والله، لا يضحك، وإنما يغضب ويكفهر وجهه وينكر الباطل، فكيف يقال هذا؟! لا يقول هذا عاقل. [المسألة الثالثة: أن الحبر لما ذكر للنبي ﷺ صدقه، ونزل القرآن بتقرير ذلك]. اعترض معترض على هذا فقال: من المعلوم المتقرر أن هذه السورة مكية -أعني: سورة الزمر- وهذه الحادثة وقعت في المدينة، فكيف تنزل الآية؟ فيقال: هذا الأمر سهل، فإما أن تكون الآية هذه نزلت مكررة، أو أنها نزلت في المدينة ولم تنزل في مكة، وهذا كثير في كتاب الله، فسور مكية تنزل فيها آيات مدنية في المدينة، فتوضع في المكان الذي أمر الرسول ﷺ أن توضع فيه، فليس هذا إشكالاً. [المسألة الرابعة: وقوع الضحك من رسول الله ﷺ لما ذكر الحبر هذا العلم العظيم]. قلنا: إن الضحك في كونه وافق ما جاء به النبي ﷺ ، وكان مصدقاً له.

стр. 1860

ذكر يدي الله ﷻ وإثبات شماله [المسألة الخامسة: التصريح بذكر اليدين، وأن السموات في اليد اليمنى والأرضين في الأخرى]. وقد جاء تسمية الأخرى شمالاً في صحيح مسلم وفي غيره أنه ﷺ قال: (إن الله يطوي السماوات بيمينه ويقذف الأرض بشماله)، وإذا قال الرسول ﷺ شيئاً وجب قبوله والإيمان به؛ لأنه معصوم أن يقع في الخطأ، ولأنه صلوات الله وسلامه عليه ما يقول إلا ما يوحيه الله إليه، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣]، وأما ما جاء في الأحاديث الصحيحة أن الرسول ﷺ ذكر أو قال: (المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين) وفي أحاديث أخرى كذلك أنه قال: (وكلتا يديه يمين) فالمقصود بذلك: كلتا يديه كاملة تامة لا يلحقها نقص. إذ المخلوق شماله ليست كيمينه، فشماله تكون ناقصة، والرب جل وعلا بخلاف ذلك، فكلتا يديه كاملة تامة لا يلحقها نقص، فهذا معنى قوله: (وكلتا يديه يمين). [المسألة السادسة: التصريح بتسميتها الشمال]. قلنا: إن هذا ثابت في صحيح مسلم وفي غيره أيضاً، وأما قول من يقول: إن هذا شاذ، فهذا في الواقع خطأ، فالشذوذ لا يكون في مثل هذا الشيء المستقر، وإنما الشذوذ يكون في مخالفة ما هو ثابت عن الثقات، أما شيء يأتي تأسيساً في مثل أسماء الله جل وعلا فلا يقال: إن هذا شاذ.

стр. 1861

منازعو الله ﷻ في صفاته ومصيرهم [المسألة السابعة: ذكر الجبارين والمتكبرين عند ذلك]. يعني: عند ذكر عظمة الله جل وعلا يذكر الجبارون والمتكبرون الذين يتكبرون في الدنيا، ولهذا يكونون أحقر الخلق، فقد جاء أنهم يكونون أمثال الذر يطؤهم الناس بأقدامهم، فالجبارون والمتكبرون يحشرون مع الناس أمثال الذر، فيصبحون تحت أقدام الناس؛ لأنهم نازعو الله جل وعلا في شيء من صفاته، فاستحقوا هذا الجزاء بذلك. [المسألة الثامنة: قوله كخردلة في كف أحدكم]. هذا التمثيل -ولله المثل الأعلى- تقريب للأذهان فقط، وليس هذا تشبيهاً لصفات الله، وإنما هو تفهيم للمخاطبين للتقريب، كقوله ﷺ : (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر) فهذا هو المثل.

стр. 1862

عظم الكرسي والعرش وماهية العرش [المسألة التاسعة: عظم الكرسي بالنسبة إلى السماء]. يعني: أنه أوسع من السماوات وأكبر. [المسألة العاشرة: عظم العرش بالنسبة إلى الكرسي]. يعني: أن العرش هو أعظم المخلوقات على الإطلاق، فأكبر المخلوقات على الإطلاق هو عرش الرحمن جل وعلا. [المسألة الحادية عشرة: أن العرش غير الكرسي والماء]. فهذا رد على من قال: إن الكرسي هو العرش، وقد جاء في القرآن ذكر الكرسي وذكر العرش، وأعظم آية في كتاب الله هي آية الكرسي، وفيها قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقد فسر بعض الناس الكرسي بالعلم، وهذا خطأ في التأويل، ولهذا رده الأئمة، وقرر ذلك ابن كثير ﵀ في تفسيره، وقال: لو كان كذلك لكانت الآية فيها تكرار، والله جل وعلا ينزه أن يكون في كلامه تكرار.

стр. 1863

المسافة العظيمة بين السماوات وبين السماء السابعة والكرسي وبين الكرسي والماء [المسألة الثانية عشرة: كم بين كل سماء إلى سماء. ]. المقصود بهذا ذكر المسافة التي بين السماء والأرض، وبين السماء والسماء إلى آخر ما ذكر، وأن هذه المسافة وإن جاء الاختلاف في تحديدها بأنها مسيرة اثنين وسبعين عاماً أو خمسمائة عام فإن هذا يختلف باختلاف السير كما سبق. [المسألة الثالثة عشرة: كم بين السماء السابعة والكرسي]. المقصود أن البعد بين الكرسي والسماء السابعة مثل ما بين سماء وسماء، وهذا ارتفاع هائل جداً، ثم إن الكرسي تحت العرش، والعرش فوقه، والعرش على ماء، والماء ارتفاعه أيضاً وسمكه مثل ما ذكر في السماء، والمقصود ذكر علو الله جل وعلا، وأنه عالٍ على جميع المخلوقات بذكر هذه المسافات، وهذا أمر صرح به تصريحاً مع التحديد الذي لا يحتمل تأويلاً، ولا يحتمل غير العلو لله جل وعلا، لا علو القدر الذي فسروه به، ولا عظمة الخلق فقط، وإنما علو الله جل وعلا وارتفاعه على جميع مخلوقاته. [المسألة الرابعة عشرة: كم بين الكرسي والماء]. المقصود بالماء البحر الذي عليه العرش، وهو فوق الكرسي.

стр. 1864

فوقية الله تعالى على عرشه وكون العرش على الماء [المسألة الخامسة عشرة: أن العرش فوق الماء. المسألة السادسة عشرة: أن الله فوق العرش]. نعم، وهذا تصريح من رسول الله ﷺ يتضح منه أن الله فوق العرش، ولا يجوز أن يقال: (فوق) بمعنى أعظم كما يقوله الملاحدة الذين ألحدوا في أسماء الله، حيث قالوا: معنى (فوق العرش) أنه أكبر من العرش وأعظم. والمعنى واضح في كلام الرسول ﷺ ، فالفوق هنا معناه العلو، أي أنه عال عليه مستوٍ عليه، ولهذا فسره السلف بالارتفاع والعلو، وبأنه مستقر على العرش ومستو عليه، ومرتفع وعال وصاعد عليه، هكذا جاءت تفاسيرهم بألفاظ أربعة، ففسروه بالعلو كما في صحيح البخاري عن أبي العالية، وكذلك أنه ارتفع، وكذلك أنه استقر على العرش، وكذلك أنه صعد على العرش، فهذه التفاسير الأربعة جاء مفسراً بها قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ومع ذلك فالأصل واضح لا يحتمل تأويلاً.

стр. 1865

المسافة بين الأرض والسماء وصفة العرش [المسألة السابعة عشرة: كم بين السماء والأرض]. يعني: أن السماء الدنيا بينها وبين الأرض مثل ما ذكر في المسافة بين سماء وسماء، وبين السماء السابعة والكرسي، وبين الكرسي والبحر الذي عليه العرش، وفوق الماء عرش الرحمن، وهو أعظم المخلوقات وأوسعها، وقد أخبرنا ربنا جل وعلا أن كرسيه وسع السماوات والأرض. وسبق أن نسبة الكرسي إلى العرش كحلقة من حديد ألقيت في أرض من الفلاة، فهو صغير بالنسبة إلى العرش، فالعرش أعظم مخلوقات الله على الإطلاق وأوسعها وأكبرها، ولهذا يسأل الله بذلك، فيقال: (ورب العرش العظيم)، كما جاء في صحيح مسلم أن النبي ﷺ كان يقو ل في دعائه: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض) إلخ. فيأتي التوسل في ذكر ربوبيته للعرش وعظمة العرش بقوله: (رب العرش العظيم). وقد جاء هذا في مواضع متعددة من القرآن، فمرة يوصف بالكرم ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٦]، والكريم معناه: الواسع العظيم، ومرة يوصف بالعظمة ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة:١٢٩]، والشيء الذي يعظمه الله جل وعلا عظيم، فهو أعظم المخلوقات على الإطلاق. والعرش ليس مكوراً كالسماوات؛ لأنه له قوائم، وله حملة، أما السماوات فإنها مستديرة كل سماء محيطة بالتي تحتها، والسماء الدنيا محيطة بالأرض من جميع الجهات، والسماء التي فوقها محيطة بالتي تحتها، وهكذا. أما العرش فهو له قوائم، وله حملة، فليس مستديراً، بل هو أوسع من كل المخلوقات على الإطلاق وأعظمها وأكبرها. وقد جاء في الأحاديث عن رسول الله ﷺ -كما في الصحيح- أنه قال: (إذا سألتم الله الجنة فسألوه الفردوس؛ فإنه أعلى الجنة وأوسطها، ومنه تفجر أنهار الجنة، وسقفه عرش الرحمن)، فسقف الفردوس عرش الرحمن، فعرش الرحمن أعلى المخلوقات، والفردوس هي أعلى الجنان، ولا يكون الشيء وسطه أعلاه إلا إذا كان مكوراً على شبه الكرة، فهو الذي يكون وسطه أعلاه، لهذا قال وسط الجنة وأعلى الجنة. أما إذا كان مسطحاً فلا يكون كذلك، أي: لا يكون وسطه أعلاه، فما يلزم أن يكون وسطه أعلاه، ولهذا ذكر أنه منه تفجر أنهار الجنة، وأنهار الجنة تفجر من أعلى شيء في الجنة، فالفردوس هو أعلى الجنان، وهو أرفعها، وهو مستقر عباد الله الذين وصفهم بأنهم لا يعبدون غيره، ولا يعصونه وهم يستطيعون، ولا يتركون أمره، وهم أولياؤه.

стр. 1866

كثف كل سماء وعمارها [المسألة الثامنة عشرة: كثف كل سماء خمسمائة سنة]. هذا بالإضافة إلى مسيرة المسافة التي بين سماء وسماء، والكثافة: هي سمك السماء؛ لأن كل سماء فيها سكان، وفيها عمّار يعمرونها بالطاعة، وعددهم لا يعلمه إلا الله، فالملائكة الذين فيها يعمرونها بالطاعة، وقد جاء قول الرسول ﷺ : (أطت السماء وحق لها أن تئط، ليس فيها موضع قدم إلا وملك ساجد أو راكع)، وهذا ليس المقصود به السماء الواحدة، بل السماوات كلها. وأخبر صلوات الله وسلامه عليه أنه لما عرج به رأى البيت المعمور، والبيت المعمور في السماء السابعة حيال الكعبة على الأرض، يقول: (فرأيته يدخله سبعون ألفاً من الملائكة لا يعودون إليه إلى يوم القيامة)؛ لأنهم لا يستطيعون أن يعودوا لكثرة الملائكة، إنما يدخله الملك مرة واحدة ثم يترك الأمر لغيره، والملائكة هم جند الله الأعظم، وقد قال جل وعلا: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١] لما ذكر أن النار عليها تسعة عشر من الملائكة الذين يقومون على إيقادها وتعذيب أهلها، فتقال الكفار هذا العدد، فصاروا يهزءون بالقرآن وبالرسول ﷺ ، يقول قائل منهم: أنا أكفيكم كذا عدداً، أكفيكم سبعة عشر. أو قال: أكفيكم عشرة. فالإنسان ظلوم جهول، والله جل وعلا وصفهم بأنهم غلاظ شداد، وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. وأخبرنا جل وعلا أن ملكاً من الملائكة يطلع على الأمة القاهرة في البلاد المترامية الأطراف فيصيح صيحة فيهم فيموتون عن آخرهم بصيحة فقط، وعنده شيء أكثر من ذلك، وجبريل ﵇ لما أتى إلى لوط ومعه عدد من الملائكة في صورة شباب حسان الوجوه فأضافهم إبراهيم وقدم لهم العجل الحنيذ المشوي فرأى أنهم لا يأكلون، فعند ذلك خاف منهم؛ لأن الذي يأتيك في صورة ضيف ثم تكرمه وتقدم له الطعام فيأبى أن يأكل لابد أنه مضمر شيئاً ويريد أمراً. فعند ذلك خاف منهم وأوجس في نفسه خيفة منهم، فلما رأوا ذلك قالوا له: لا تخف؛ لسنا من بني أدم الذين يأكلون ويشربون، إنا أرسلنا إلى قوم لوط -يعنون أنهم ملائكة- ثم أتوا إلى لوط ﵇، ولوط هو ابن عم إبراهيم، وقد آمن بإبراهيم فجعله الله رسولاً، وأرسله إلى قومه، وكانوا قد ابتدعوا بدعة لم يسبقوا إليها، فكانوا يأتون الذكران من العالمين ويتركون أزواجهم، فنهاهم نبيهم فلم ينتهوا، وتمادوا في ذلك حتى أصبحوا إذا أتى إليهم آت تسارعوا إليه ليفعلوا به الفاحشة. فلما جاءت الملائكة في صورة أضياف كان من تمام الفتنة والابتلاء أن جاءوا بصورة شباب حسان الوجوه، فجاءوا يهرعون مسرعين إليهم ليفعلوا بهم الفاحشة، فحاول معهم لوط ﵇ بكل ممكن، حتى قال: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد، وقد قال الرسول ﷺ : (يرحم الله لوطاً، لقد كان يأوي إلى ركن شديد)؛ لأنه يأوي إلى الله، وأي ركن أشد من ركن الله جل وعلا؟! ولكن المقصود أنه ضاقت عليه الأرض، وضاق بما فعل قومه، فلقد حاولوا فعل الفاحشة بأضيافة، وقال لهم: لا تخزوني في ضيفي، أليس منكم رجل رشيد؟! وما فيهم رجل رشيد في الواقع. فعند ذلك لما رأى جبريل ﵇ الأمر قد وصل إلى نهايته عند لوط قال له: لا تخف؛ لن يصلوا إلينا ولن يصلوا إليك، نحن رسل الله أتينا لتعذيبهم وإهلاكهم، فأومأ بطرف جناحه فطمس أعينهم فعموا، عند ذلك قال لوط ﵇: خذوهم الآن وأهلكوهم. قالوا: موعدهم الصبح، أليس الصبح بقريب؟! وأمروه بأن يخرج من هذا البلد هو وأهله، وألا يلتفت إليهم بجسده لئلا يصيبه ما أصابهم؛ لأن الالتفات يدل على الحنو وعلى التعلق بهم، فالذي يتعلق بهم يخشى أن يصيبه ما أصابهم. فلما جاء الوقت المحدد اقتلع جبريل ﵇ المدن -وكانت سبع مدن- من الأرض، وحملها على طرف جناحه - وله أكثر من ستمائة جناح- فطار بها وعلا بها حتى كانت الملائكة الذين في العنان يسمعون نباح الكلاب وصياح الديكة، عند ذلك قلبها فجعل عاليها سافلها، ثم أمطروا بحجارة من سجيل على كل حجر اسم صاحبه الذي يرميه ويهلكه. ثم قال الله جل وعلا بعد ذلك: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣] يعني: هذه العقوبة ليست من ظالمي هذه الأمة الذين يفعلون هذه الفعلة ببعيد، بل قريب. ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه في آخر الزمان يكون في هذه الأمة خسف وقذف بالحجارة، فيقذفون مثلما قذف قوم لوط إذا فعلوا فعلهم، نسأل الله العافية. فالمقصود أن الملائكة عظام شداد، فلو أذن لأحدهم أن يقتلع الأرض لاقتلعها كلها، ومع كثرتهم وقوتهم لا يعصون الله ما أمرهم من شدة خوفهم، فجبريل ﵇ مع هذه العظمة وهذا الكبر الهائل والقوة الهائلة يقول عنه الرسول ﷺ لما عرج به ووصل جبريل إلى سدرة المنتهى يقول: (رأيته خاضعاً لله ساجداً له كالحلس البالي) خضوعاً وذلاً لله جل وعلا؛ لأن من عرف الله كان له أخوف، وله أطوع. فالمقصود أن عظمة السماء وسعتها وكبرها بهذه المثابة التي ذكرت، وذلك لما فيها من كثرة الخلق ومن كثرة العباد الذين خلقهم الله جل وعلا لطاعته، والملائكة قسم كبير جداً منهم خلقوا للعبادة فقط، ومنهم من خلق لوظائف معينة منها القيام على مصالح بني آدم، ومنها حفظهم، كما قال الله جل وعلا: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١]؛ لأن الملائكة تتعاقب عليه لتحفظه، فلو نام إنسان في البر بقي فمه مفتوحاً وأذنه مفتوحة، فتأتيه الهوام فيصدها الملائكة الذين يحفظونه فلا يدخل في فمه، ولا في منخره، ولا في أذنه شيء، فيحفظه الله بالملائكة، فإذا جاء القدر تخلوا عنه وتركوه، وسلموه لما قدره الله جل وعلا. ومنهم الذين يحفظون أعماله، ويسجلون عليه كل ما نطق وتكلم به، ومنهم الذين يتولون قبض روحه، ومنهم الذين يتولون إنزال المطر، إلى غير ذلك مما ذكر الله جل وعلا من وظائفهم التي تكون في مصالح بني آدم. ومنهم الذين لا نعرفهم، ولا نعرف إلا أنهم في الجملة عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، أكرمهم الله جل وعلا بطاعته، فهم الذين يسكنون السماء، وهم كذلك يتولون المصالح التي تكون للمؤمنين حتى في الجنة، كما جاء في قول الله جل وعلا: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٣ - ٢٤] فيسلمون عليهم ويحيونهم ويهنئونهم لدخلوهم الجنة وكرامة الله جل وعلا لهم.

стр. 1867

الجمع بين علو الله ومعيته لخلقه [المسألة التاسعة عشرة: أن البحر الذي فوق السماوات أسفله وأعلاه خمسمائة سنة، والله أعلم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين]. المقصود بهذا الحديث ذكر علو الله جل وعلا، وعلو الله جل وعلا ثابت بالكتاب والسنة والعقل والفطرة التي فطر الله جل وعلا عليها عباده، فكل إنسان يريد أن يسأل ربه يجد دافعاً من نفسه يدفعه أن يسأل ربه من فوقه ويمد يده إليه، فيمد يديه إلى السماء ويقول: يا رب! يا رب! وهذا أمر لا يتخلص منه أحد، حتى الكفار إذا وقعوا في الضرورة يجدون هذا في نفوسهم، فهو أمر مقطوع به، ولهذا يقول العلماء: إن صفة الله بالعلو صفة ذاتية، أي: أنها ملازمة لله دائماً وأبداً، وما جاء في ذكر معية الله جل وعلا لخلقه، أو للمؤمنين، أو لأوليائه، كقوله جل وعلا لموسى وأخيه هارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، وكقوله جل وعلا في قصة سيد الرسل محمد ﷺ مع صديقه ورفيقه في الغار: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] يعني: معنا دون الكفار الذين يحيطون بالغار. وكذلك قوله جل وعلا ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]، مثل المعية مع المؤمنين الأتقياء والأولياء والأنبياء فهذه تسمى معيّة خاصة، وهي تقتضي النصر والتأييد والحفظ، أي: النصر على الأعداء، وتأييدهم، وحفظهم، وحمايتهم مما يريد العدو بهم، فهذا مقتضاها، ومعناها أن الله محيط بهم يراهم ويسمعهم ويحفظهم، فهم في تقلباتهم في قبضته. وأما المعنى الثاني الذي جاءت المعية به فهي معية عامة، كقوله جل وعلا: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] في آيات متعددة، فهذه المعية لا تنافي علو الله، وذلك أن الله أعظم من كل شيء، وأكبر من كل شيء، فهو فوق عرشه يسمع كلام عباده، ويرى تصرفاتهم، وهم في قبضته. والمعية في اللغة العربية تأتي بمعنى المصاحبة، والمصاحبة تكون بحسب ما أضيفت إليه، فإذا قال القائل: سرت مع القمر صح الكلام، وقد جاء هذا عن العرب، يقولون: سرنا مع القمر. فالقمر في السماء وهم في الأرض، وهذا الكلام يكون صحيحاً، فيجوز للإنسان أن يقول: مالي معي. وإن كان ماله في بلد وهو في بلد، ويجوز أن يقول: زوجي معي وإن كانت في بلد وهو في بلد. وكذلك قول الله جل وعلا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح:٢٩] يعني: المصاحبين له. وليست المعية هنا المخالطة والممازجة كما يتوهمه من ضل في دينه وعقله. فتراه يقول: إن المعية معناها المخالطة. ويقول: إن هذه الآية التي فيها ذكر المعية تنافي العلو. وهي في الواقع لا تنافي علو الله، بل المعية معناها المصاحبة، وهي إما أن تقتضي التخويف والاطلاع والعلم، أو تقتضي الحفظ والكلاءة والنصر والتأييد، فإذا كانت خاصة اقتضت الحفظ والنصر والتأييد، وإذا كانت عامة اقتضت التخويف والاطلاع والعلم. ولهذا السلف يفسرون المعية بالعلم، فقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد:٤] يعني: بعلمه. وهذا جزء من معناه، وليس كل معناه. ثم كذلك ما ذكر في النصوص الصحيحة المتواترة عن رسول الله ﷺ من أن الله جل وعلا ينزل إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، وذلك في كل ليلة، فإذا بقي ثلث الليل الآخر نزل إلى سماء الدنيا فقال -ينادي عباده-: (هل من داع فأجيبه؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر)، وهذا كل ليلة. فهذا لا يقتضي أن نزول الله جل وعلا إلى السماء الدنيا تكون معه السماء الثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والعرش والكرسي والبحر فوقه، كلا! بل هو ينزل وهو على عرشه فوق جميع مخلوقات؛ لأن المخلوقات كلها بالنسبة إليه صغيرة حقيرة، ولا يجوز أن يتوهم متوهم أن السماء تقل الله أو تظله تعالى وتقدس، فهو أكبر وأعظم من ذلك. وكذلك أخبر الله جل وعلا عنه في كتابه بقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]، وهذا يوم القيامة إذا جاء للفصل بين عباده، وكذلك قوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠]، فيوم القيامة يأتي إلى الأرض ليفصل بين خلقه، فيأتي وهو على عرشه أعلى من كل شيء وفوق كل شيء، فعلوه ثابت له ثبوتاً ذاتياً لا ينفك عنه جل وعلا، وهذا معنى قول السلف: إن علو الله صفة ذاتية؛ لأن صفة الذات معناها الصفات التي تكون ملازمة لا يمكن أن يخلو الرب جل وعلا منها في وقت من الأوقات، بخلاف صفة الأفعال، فإن صفات الأفعال يفعلها في وقت دون آخر، وكذلك قوله جل وعلا. فهو الحامل لخلقه وللعرش ولحملة العرش وللسماء التي تراها مرفوعة بلا عمد، كل ذلك بقدرته، ولكن لحكمته جعل هذه الأشياء حتى يبتلي عباده ليؤمن من يؤمن، ويأبى الإيمان بذلك من يأباه، فالمؤمن يستحق الإثابة والكرامة، ومن يأبون ذلك الله يحكم فيهم بما يستحقون، وكل الخلق عباد الله وفي ملكه يتصرف بهم كيف يشاء، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] تعالى وتقدس. ثم إن العلو الثابت لله أقسام ثلاثة: علو الذات، وعلو القهر، وعلو القدر. كلها ثابتة لله جل وعلا، ولا يجوز أن نثبت واحداً دون البقية، والمخالفون يجعلون العلو علو قدر، وعلو القدر معناه: تقديره وتعظيمه في قلوب عباده. فهذا علو القدر، ويجعلونه كذلك علو قهر، أي أنه هو الذي يحكم ويتصرف في خلقه، أما علو الذات فينكرونه ويأبون قبوله. وشبهتهم -ما سبق أن ذكرناه- أنهم يقولون: هذا إذا أثبتناه دل على التشبيه؛ لأنه يعني أن الله في مكان، والله جل وعلا -كما يقولون- لا تحويه الأمكنة، ولا تحصره، ولا يكون في جهة، ومعلوم أن الذي لا يكون كذلك يكون عدم، ولهذا يصفون الله جل وعلا في كتبهم فيقولون: إن الله ليس في فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا هو في داخل العالم ولا في خارج العالم. إذاً أين يكون؟ فلن يكون هذا إلا العدم. وإذا قيل لهم: إنكم تذكرون عدما. ً قالوا: الله في كل مكان، أي: حتى في بطونكم تعالى الله وتقدس، فكونه في كل مكان هذا كفر بالله جل وعلا وإلحاد؛ لأنه لا يجوز أن يكون في الأمكنة النجسة والأمكنة السفلى الخبيثة -تعالى الله وتقدس-، وإذا كان الأمر هكذا يقال لهم: أخبرونا! لما خلق الله جل وعلا السماء والأرض أين كان ربنا؟ فهل كان فيهما وخلق السماء والأرض في ذاته جل وعلا؟ فمن قال هذا فقد كفر، فلابد أن يقال: إنه خلقها خارج ذاته، فإذا كان خلقها خارج ذاته فلابد أن يكون فوقها وعالياً عليها، وهذا عند المجادلة بالعقل فقط، ولكن لا نحتاج إلى هذا؛ لأن كتاب الله وحديث رسوله ﷺ أغنيانا عن ذلك، فيجب أن نتبع ذلك ونؤمن به، ونتعرف على ربنا بما عرفنا به نفسه تعالى وتقدس، فيجب أن نعرف الله في ذاته، والله جل وعلا يهدي من يشاء إلى الحق ويضل من يشاء، وله الحكم، وهو الذي يفصل بين خلقه تعالى وتقدس.

стр. 1868

نتيجة الاستعاضة عن هدي رسول الله ﷺ ومن القصص والحكايات التي وقعت في مسجد الرسول ﷺ في القرن السادس أن أحد كبار العلماء الذين توغلوا في الكلام، وصار لهم أثر كبير، وهو مشهور جداً، بل هو قطب من أكبر أقطاب المتكلمين، وهو معروف بإمام الحرمين الجويني، وسمي بإمام الحرمين لأنه جاور بمكة والمدينة أوقاتاً، وكان يعلم ويدرس في المسجد النبوي، وكان مذهبه مذهب أهل الكلام في نفي علو الله جل وعلا ولا يقر بذلك، فكان على كرسي في المسجد، وكان يقول: كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما كان عليه قبل خلق المكان، لا فوق، ولا تحت، ولا يمين، ولا شمال، ولا مداخلاً للعالم، ولا خارجاً منه، فقام رجل ممن كان حاضراً فوقف أمامه حتى تنبه له ورآه، وعند ذلك قال: عندي السؤال قال: نعم، قال: دعني من هذا الكلام الذي تقوله، كان ولا مكان إلى آخره، وأخبرني عن شيء أجده أنا في نفسي وتجده أنت وغيرك، والناس كلهم يجدونه، أخبرني عن الضرورة التي أجدها في نفسي ويجدها غيري، فعندما أدعو ربي أجد دافعاً يدفعني من داخل نفسي أني أطلب ربي من فوق، فمن أين جاءت هذه الضرورة؟ فوضع رأسه وجعل يفكر ثم صار يبكي، ونزل من على الكرسي، وقال: حيرني الرجل حيرني. فلم يدر بم يجيب، وقد التبس عليه علمه الذي كان يقرره، وذهب بهذه الكلمة فحار. وهكذا الذي يترك كتاب الله ويعتاض عنه بأقوال الرجال وأفكارهم ويجعلها هي مستنده في النتيجة فيحار. ثم إن هذه الحيرة أصبحت ملازمة له حتى إنه لما حضرته الوفاة صار يوصي أصحابه ويقول: لا تشتغلوا بالكلام، والله لو كنت أظن أنه يصل بي إلى ما وصل ما اشتغلت به. ويقول لهم عند وفاته: إنني لم أعلم حقيقة من الحقائق، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي. ويقول: لقد تركت أهل الإسلام وعلومه، وخضت البحر الخضم، والآن إن لم يتداركني ربي فالويل لي. ثم يقول: ها أنا ذا أموت على عقيدة عجائز نيسابور. لأنه نيسابوري، ومات هناك، ولكن هل يمكن هذا؟ إنه لا يستطيع أن يموت على عقائد عجائز نيسابور؛ لأن العجائز على فطرة سلمت من الانحراف وسلمت من الشكوك، وما يستطيع الذي عنده شكوك وانحرافات أن يموت عليها. ومن القصص الغريبة في هذا الموضوع أن هناك رجلاً آخر عظيماً أيضاً قد ملأت كتبه الدنيا، وهو معروف بـ الفخر الرازي، وله في التفسير وفي الفقه وفي الأصول وفي الكلام وفي غيرها من سائر العلوم، وكان أيضاً في نيسابور، فخرج يوماً من الأيام إلى السوق ومعه أكثر من ثلاثمائة تلميذ خلفه، فوقفت عجوز في بابها تتفكر، فقالت لأحد المارة: من هذا الملك -وكان تلميذاً من تلامذته-؟ فقال لها: ليس هذا ملكاً، هذا فخر الدين الرازي يقيم على وجود الله ألف دليل. عند ذلك ضحكت العجوز وقالت: واعجباً! والله لو لم يكن عنده ألف شك ما احتاج إلى أن يتعرف إلى ألف دليل، وهل وجود الله يحتاج إلى أدلة. إنه تعالى يعرف. فالمقصود أن الذي يعتاض عن كتاب الله بالآراء والأفكار لابد أن يضل، وهو أيضاً قال في آخر كتاب ألفه -أعني: فخر الدين -: لقد جربت المناهج الكلامية والطرق الفلسفية، فلم أرها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق إلى الحق طريقة القرآن. ثم جعل يمثل: اقرأ قول الله كذا، اقرأ قول الله كذا. وهذا يدل على أنه رجع في آخر حياته عما كان عليه، وكذلك كان للفخر الرازي تلميذ من أبرز تلامذته وأذكاهم، وكان لهذا التلميذ صاحب ممن لم يسلك مسلك المتكلمين، بل ترسم طريق الكتاب والسنة، وكان يزوره، وفي مرة من المرات دخل عليه في بيته والرجل يتفكر، فسلم فلم يرد ﵇، ثم أعاد السلام فلم يرد السلام، ثم أعاده ثالثة فلم يرد عليه، عند ذلك قال: ما الذي دهاه؟ إن الرجل ليس في عقله. فهم أن ينصرف لكونه يسلم على الرجل ولا يرد السلام، فعند ذلك تنبه ورفع رأسه إلى صاحبه الواقف الذي حار مما علاه، وبادره عندما رفع رأسه فقال: يا فلان! ماذا تعتقد؟ فضحك عليه صاحبه الواقف ساخراً منه، وقال: ماذا أعتقد؟ أعتقد ما يعتقده المسلمون. فأطرق وجعل يبكي ويقول: ولكني والله ما أدري ماذا اعتقد في ربي. فهذه نتائج الاشتغال في علم الكلام وكتب أهل الآراء الذين يعتاضون بآرائهم عن كتاب الله وأحاديث رسوله ﷺ . ولهذا يقول العلماء: أكثر الناس شكاً عند الموت الذين يشتغلون بالكلام. فأكثر الناس شكاً عند الموت هؤلاء؛ لأنه عند حضور الموت تذهب البهارج ويذهب الباطل، ويبقى الحق، فالباطل الذي معهم يذهب فيحارون ويشكون، ويبقون في حيرة وشك. وعلى كل فعلينا الاعتصام بكتاب الله، والله جل وعلا أمرنا بالاعتصام به في العقيدة وفي العمل، ففي العمل نعتصم به عن البدع، وفي العقيدة نعتصم به عن الانحراف الذي وقع لمثل هؤلاء وهو كثير.

стр. 1869

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٤٠]

стр. 1870

أصل اللات والعزى السؤال سمعت عن اللات والعزى أنهما اسمان لرجلين صالحين في قوم نوح، فما مدى صحة ذلك؟ الجواب اللات والعزى غير ذلك، فاللات اسم لرجل في الطائف كان يلت السويق، فمات فدفن تحت صخرة فعبد، أما العزى فهي ثلاث شجرات (سمرات) في وادي نخلة قرب عرفات، كانت قريش تعبدها، والعزى أحدث من اللات، واللات أحدث من مناة.

стр. 1871

الدليل على منع تكرار زيارة قبر النبي ﷺ السؤال ما هو الدليل على منع تكرار الزيارة والإكثار منها؟ الجواب الدليل قول الرسول ﷺ : (اللهم لا تجعل قبري عيداً)، فيخشى إذا اعتيد ذلك أن يكون عيداً، وإنما الزيارة أحياناً فقط، وتكون للاتعاظ.

стр. 1872

الحكمة من شرعية زيارة قبر النبي ﷺ السؤال هل زيارة قبر النبي ﷺ لتذكر الموت فقط؟ أزيلوا عنا هذا اللبس. الجواب الزيارة ينبغي أن يكون مقصدها هذا مطلقاً، ولكن زيارة قبر النبي ﷺ للسلام عليه، وليس للدعاء له؛ لأنه ليس في حاجة لتدعو له صلوات الله وسلامه عليه، بل أي عمل تعمله من الصالحات فله مثله من الأجر؛ لأنه صلوات الله وسلامه عليه سبب هداية الناس. فكل إنسان من أمته يعمل خيراً منذ بعثه الله إلى أن تقوم الساعة فله من الأجر مثل أجر هذا الإنسان، فكذلك الله جل وعلا أخبرنا أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأنه أعطاه الوسيلة، ولكن شرع لنا الصلاة عليه لزيادة أجورنا، وإلا فقد صلى الله -جل وعلا- عليه وسلم. ولهذا أخبرنا أنه إذا سمع أحدنا المؤذن فقال مثلما يقول، ثم سأل له الوسيلة -وهي منزلة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله، قال: (وأرجو أن أكون أنا) - حلت له شفاعته ﷺ ، هذا جزاؤه، وقد قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، فنحن نفعل ذلك امتثالاً لأمر ربنا جل وعلا، ويحصل لنا بذلك ما قاله كما في الصحيح: (من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه بها عشراً) أي: عشر صلوات. والذي يصلي عليه ربه جل وعلا سعيد، فالصلاة خلاف اللعن، فهذا هو المشروع.

стр. 1873

معنى السلام على النبي ﷺ السؤال أليس السلام دعاءً بالسلامة؟ الجواب الدعاء في السلام عليه صلوات الله وسلامه عليه ليس كله دعاء، فليس كل سلام يكون دعاءً، وإنما هو إخبار له بأني مسالم وأنا مسلم، وأنا ممن يتبعك ويستسلم وينقاد لشرعك الذي جئت به، وإذا كان دعاءً فهو لأجل نفعك أنت، فيحصل لك بكل دعوة عشر حسنات، لأنه ما كان معروفاً عند الصحابة أنهم يسألون هذا، كان أحدهم إذا دخل المسجد صلى على النبي صلى الله عليه، وسلم، ولا يدخل القبر، فما كانوا يدخلونه مع تمكنهم من الوصول إليه في وقته، وما أحد يحول بينهم وبينه، مع ذلك ما كانوا يأتون إليه، ولم يرو إلا عن عبد الله بن عمر فقط أنه كان يذهب إليه إذا أراد أن يسافر أو إذا قدم من السفر.

стр. 1874

حكم وضع علامة على قبر الميت السؤال هل يجوز وضع علامة على قبر الميت للدعاء له ولزيارة أهله له والدعاء أم أن الدعاء للأموات جميعاً أفضل؟ الجواب ما يجوز إلا إذ كان يريد أن يعرف قبر أمه أو قبر أبيه؛ فيضع علامة يتميز بها، ولا تلفت النظر، بل تكون علامة له يعرفها حتى لا يختلط بالقبور الأخرى.

стр. 1875

حكم التوسل بالرسول ﷺ السؤال هل التوسل بالرسول ﷺ فيه خلاف بين السلف؟ وهل لا ينكر على من توسل بالرسول ﷺ ؟ الجواب التوسل في الواقع لفظ مجمل قد يقصد به باطل وقد يقصد به حق، فإذا أريد بالتوسل بالرسول التوسل بذاته، فيقول الإنسان: اللهم إني أتوسل إليك برسولك، اللهم إني أتوسل إليك بنبيك نبي الرحمة، وأسألك بجاهه أو ما أشبه ذلك؛ فهذا بدعة من البدع، ما أحد فعله من الصحابة ولا من التابعين. أما إذا أريد بالتوسل التوسل باتباعه، والإيمان به، ومحبته صلوات الله وسلامه عليه، ومحبة شرعه، ومناصرته؛ فهذا مشروع، وأما التوسل الذي كان يفعله الصحابة فهو غير ممكن، وهو التوسل بدعائه، فيسألون منه أن يدعو لهم، فهذا انقطع بموته صلوات الله وسلامه عليه. ولهذا ما أحد من الصحابة ذهب إلى القبر يطلب منه أن يدعو له، أو ذهب يتوسل إليه، ولما حصل القحط في زمن عمر بن الخطاب ﵁ وخرجوا يستسقون قال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنينا فتسقينا، وإننا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، ثم قال: قم -يا عباس - فادع. فقام العباس ورفع يديه وصار يدعو والمسلمون يؤمنون على دعائه. فهذا معناه توسل بالدعاء، ولو كان توسلاً بالذات فلا يمكن أن يعدلوا عن الرسول ﷺ إلى العباس؛ لأن التوسل بالذوات ممكن في الحياة وبعد الموت، فعدولهم إلى العباس دليل على أن المقصود بالتوسل هو التوسل بالدعاء.

стр. 1876

حكم الصلاة على الميت بعد دفنه السؤال هل تجوز الصلاة على الميت بعد دفنه؟ الجواب الميت إذا صلي عليه لا يصلى عليه في القبر؛ لأن الصلاة في القبور ممنوعة لنهي الرسول ﷺ عن الصلاة في القبور، ولا حجة لمن يقول: إنه ﷺ صلى على المرأة. لأن الصلاة عليها تحتمل خصوصية، وتحتمل أن يقصد بها الدعاء، والرسول ﷺ كثيراً ما كان يصلي على أهل البقيع، أي: يدعو لهم، وصلاته دعاء، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣] يعني: ادع لهم، فيحمل على هذا.

стр. 1877

حكم الصلاة في المساجد التي فيها قبور السؤال يوجد في بلد إسلامي مساجد فيها قبور للصالحين والشهداء، ويطوف الناس بهذه القبور ويستغيثون بأصحابها، فما حكم الصلاة في هذه المساجد خاصة إذا كان بين القبر والمسجد حائط به أبواب على المسجد؟ الجواب المسجد الذي فيه قبر لا تجوز الصلاة فيه ولا تصح، سواء أكان القبر في مؤخره، أم في يمينه، أم في شماله، أم في مقدمته، أم في وسطه، فلا فرق. أما إذا كان المسجد مسوراً قائماً، والقبور خلفه -أعني: بينه وبينه الحوائط- فهذا تصح الصلاة فيه، ولكن لا يجوز أن تدفن القبور قرب المسجد، بل ينبغي أن تكون القبور بعيده عن المساجد. فالمسجد لا تصح الصلاة فيه إن كان فيه قبر، ويجب أن يهدم إذا بني على القبور، وإذا كانت القبور أدخلت فيه فيجب أن تنبش وتخرج منه، ويطهر المسجد منها، فنهي الرسول ﷺ عن ذلك صريح، وليس هو مسألة اجتهاد، ومسألة خلاف بين العلماء، بل هذه نصوص عن النبي ﷺ .

стр. 1878

حكم تكرار زيارة المقابر وحكم اتباع الجنائز السؤال هل يجوز تكرار الزيارة للمقابر بغرض أخذ العظة والعبرة؟ وما حكم اتباع جنازة والوقوف عندها حتى الدفن للحديث الوارد؟ الجواب أما اتباع الجنازة فقد جاء الحث على ذلك بأن من صلى على جنازة فله قيراط، ومن صلى عليها وتبعها فله قيراطان، فاتباع الجنازة غير الزيارة، فكونه يتبع الجنازة حتى تصل إلى مكانها وتوضع فيه ولا ينصرف إلا وهي مدفونه؛ هذا اتباع، وليس لأجل الزيارة، أما الزيارة فلا تكرر حتى لا يعتاد الإنسان التردد على القبور، وإنما تفعل لما ذكر في الحديث، أي: ليتعظ الإنسان إذا وجد من قلبه قسوة، فيزور لعله يرق قلبه، وينظر في القبور، ويتذكر أنه سوف يكون فيها، ويدعو لأصحابها لعل الله يقبل منه شيئاً ينفعهم به، وهذا لا يكون دائماً، وإنما يكون لهذا الغرض فقط.

стр. 1879

حكم من أجاز علماؤهم البناء على القبور السؤال ما حكم الذين أجاز علماؤهم زيارة القبور للنساء، وتعلية القبور، وبناء الأضرحة عليها، والدعاء لها؟ الجواب لا شك أن هذا من أعظم المحرمات، أعني: البناء على القبور، وجعل الأضرحة عليها، ثم الدعوة إلى زيارتها، هذا ضد دعوة الرسول ﷺ تماماً، فيكون هذا الفاعل مضاداً لرسول الله ﷺ ، وهذه هي المحادة التي ذكر الله جل وعلا أن من يحاد الله ورسوله فإنه مكبوت، وهو جل وعلا سوف يعاقبه، وهذا إذا سلم من كونه يدعو صاحب القبر، أو يعتقد أنه ينفع وأنه يدفع، وكانت دعوته للزيارة وليست لأجل تعظيم القبر، أما إذا كانوا يدعون صاحب القبر فهذا شرك، والدعاة للشرك هم الذين يتقدمون من استجاب لهم يوم القيامة، كما قال الله جل وعلا في فرعون وغيره ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود:٩٨]. فهكذا دعاة عبادة القبور، وليس للإنسان عذر في كونه سمع فلاناً يدعو أو اغتر بفلان؛ لأن فلاناً ليس رسولاً، وليس معصوماً، وأنت ما كلفت باتباع فلان، وإنما كلفت باتباع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولا يجوز للإنسان أن يقدم على عمل من الأعمال وهو لا يدري حكم الله فيه، فيجب عليه أن يعرف حكم الله، فهل الله أمر بهذا أم لم يأمر؟ أما أن يقدم على ذلك لأن فلاناً أمر به أو قاله فهذا لا يجوز.

стр. 1880

جزاء الصالحين عند نزول البلاء العام السؤال إذا ابتلى الله قوماً بسبب ذنوبهم فما جزاء صالحيهم وهم يعانون نفس الابتلاء؟ فهل لهم أجر أم لا؟ الجواب في صحيح البخاري عن عائشة ﵂ أن الرسول ﷺ قال: (يغزو هذا البيت جيش من الشام، فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بأولهم وآخرهم، ولا يبقى منهم إلا من يخبر عنهم، فقلت: يا رسول الله! كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟! - تعني: الذين ليس لهم تصرف، وإنما جيء بهم بالقوة- فقال: يخسف بهم ثم يبعثون على نياتهم)، فيبعثون يوم القيامة على نياتهم، فمن كانت نيته صالحة كان جزاؤه الثواب، ولكن العذاب يعم الجميع، ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥] فإنها إذا جاءت أصابت الكل وعمت. وكذلك إذا جاء جزاؤها وهو العقاب فقد يعم، ولكن إذا بعثهم الله جل وعلا يكونون على نياتهم.

стр. 1881

معنى رؤية الله تعالى في المنام السؤال إن كانت رؤية الله تعالى في المنام ممكنه فكيف يكون ذلك، مع اتفاق العلماء سلفاً وخلفاً أنه لا يمكن لأحد من الخلق أن يرى الله في هذه الحياة الدنيا؟ الجواب الرؤية المنامية ليست هي رؤية لله جل وعلا، لا يفهم هذا، فرؤية المنام لا يرى فيها الله حقيقة، ولكن الرائي في منامه يرى شيئاً من المرائي التي يعهدها، كأن يتصور ذلك الشيء المعهود، وذلك الشيء ما هو عنده، هو نائم مغلق عليه بيته، ولم يأته هذا الشيء الذي يراه، ومع ذلك يرى إما شخصاً، وإما مدينة، وإما غير ذلك، فالرؤيا في المنام ليست حقيقة، والإنسان إذا رأى ربه في المنام إذا كان إيمانه صحيحاً وحسناً رأى شيئاً يناسب هذا الإيمان، وإن كان دون ذلك رأى دونه، ولهذا لما كان الرسول ﷺ أحسن الناس إيماناً وأكملهم، قال في الحديث الذي رواه أحمد: (رأيت ربي في أحسن صورة) يعني: في المنام. فالرؤية في المنام ليست هي الرؤية البصرية التي تكون في اليقظة، لا يفهم هذا، فلا يقال: معلوم اتفاق السلف أنه لا يرى في الدنيا، فهذا نصت عليه الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، ولا يدخل في هذا أنه لا يرى في المنام، وقد يرى الإنسان في المنام شيئاً على خلاف المطلوب شرعاً، وقد يرى الشيطان، وقد يراه أيضاً في اليقظة، فالشيطان يتمثل ويقول له: أنا ربك، كما جاء عن عبد القادر الجيلاني قال: رأيت الشيطان قد وضع كرسياً بين السماء والأرض فقال: يا عبد القادر! أنا ربك. فقلت: اخسأ فإن الله جل وعلا لا يرى، ولا يأتي إلى الناس. فالمقصود أن الشيطان قد يضر الإنسان، وقد يتراءى له في المنام في شيء، ففرق بين الرؤية الصالحة والرؤية التي تقع من الشيطان أو تكون أضغاث الأحلام.

стр. 1882

حكم الموالد السؤال يوجد عندنا في مصر كثير من الأضرحة أو المساجد المسماة بقبر الإمام الحسين، والسيدة زينب، والسيد البدوي، وإبراهيم الدسوقي، ويعملون لها موالد كل عام، فما حكم الإسلام في ذلك؟ الجواب يجب على الإنسان أن يجتنب هذه الأشياء، أعني: الموالد والذهاب إليها؛ لأن هذه من البدع التي هلك فيها كثير من الخلق.

стр. 1883

هل كانت الكعبة قبل إبراهيم ﵇ ؟ السؤال قال الله تعالى على لسان إبراهيم: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم:٣٧] ألا يفهم من هذه الآية أن البيت كان مبنياً؟ الجواب البيت ما كان، ولكن مكان البيت، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج:٢٦]، هكذا جاءت الآية، ولقد جاء أن البيت قديم، وأن آدم ﵇ طاف به، وأن الملائكة بنته قبل آدم، ولكن لما جاء الطوفان دمره فبقي مكانه ربوة، حتى جاء إبراهيم فبناه، هكذا ذكروا في التاريخ، والمقصود أن إبراهيم هو الذي وضع القواعد.

стр. 1884

العذر بالجهل السؤال نرجو منكم أن تبينوا لنا بياناً يشفي الصدر مسألة العذر بالجهل؟ الجواب الجهل لا يعذر به مطلقاً، وإنما يعذر به في المفاهيم والأمور الذي ترجع إلى مفهوم النصوص، فالإنسان يعذر بها إذا جهل ذلك، أما عبادة الله مثل الصلاة مثل الصوم ومثل الحج والصدقة والأمور الواضحة والجلية فالإنسان لا يعذر بجهلها، بل يعاقب بهذا، فيجب أن يكون عارفاً بهذا الأمور، فلا عذر لمن تركها، ولهذا كل مقبور يسأل إذا قبر: من تعبد؟ ومن الذي جاءك بالعبادة؟ وهل تعرفه؟ وبأي شيء تعبد؟ فيسأل عن هذه المسائل: من ربك؟ وما دينك؟ وما نبيك؟ وهو مقبور، فإن أجاب قيل له: وما يدريك؟ فإنه إذا قال: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد، قيل له: وما يدريك -أي: ما الدليل؟ - فإن أجاب قال: قرأت كتاب الله وآمنت بما فيه واتبعته. فيقال له: قد علمنا، ولكن هذا اختبار لك. أما إذا قال: هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً أو رأيت الناس يعملون شيئاً فعملت، قيل له: ما دريت ولا اهتديت. ثم يعذب فيضرب بمطراق من نار فيلتهب عليه قبره ناراً وهذا لكل واحد، فهل عذر هذا بالجهل؟ إذا قال: أنا أعبد أحمد البدوي، أو أعبد الدسوقي، أو أعبد الحسين لأني ما أدري، فهل هذا عذر بالجهل؟ المقصود أن العذر بالجهل لا يعذر به مطلقاً، ولا كل جاهل يقال له: إنه غير معذور، والناس يختلفون، فقد يكون الإنسان في مكان بعيد ما يبلغه شيء عن الإسلام، فمثل هذا ليس كمثل من يكون في بلاد المسلمين.

стр. 1885

التوسل بجاه النبي ﷺ وحكمه السؤال ما معنى التوسل بجاه النبي ﷺ ؟ وما حكمه؟ وما هي الأشياء التي يجوز أن يتوسل بالنبي ﷺ بها؟ الجواب التوسل بالجاه بدعة لم يشرعه الرسول ﷺ ، ولم يفعله أحد من السلف، كونه يقول: يا ربي! أسألك بجاه محمد ﷺ أو أسألك بجاه نبينا ﷺ فإن جاهه عند الله عظيم فيسأل به، هذا بدعة ما شرعت لنا، ولم يفعله أحد ممن يهتدى به من أهل الهدى، وإنما فعله الخلوف الذين ضلوا طريق الهداية، وأصبحوا يتخبطون في أمور لا يدرون أمشروعة هي أم لا، ويأخذ بعضهم عن بعض. ذلك أن السؤال بالجاه كما إذا سألت الله بصلاته وبصومه وبإيمانه فأي صلة بينك وبين هذا؟! بخلاف ما إذا قلت: اللهم إني أسألك بأني أتبع محمداً ﷺ ، وأسألك بأني أؤمن به. فهذا مشروع؛ لأن هذا إيمانك، وهذا عملك، والتوسل بعمل الإنسان مشروع إذا كان خالصاً لله جل وعلا، كما جاءت الأحاديث في ذلك. وأما الأمور التي يجوز التوسل بها فهي بدعائه إذا كان حياً حاضراً يسمع ذلك، فتسأله أن يدعو لك، فهذا من التوسل الجائز.

стр. 1886

الحجة على الطائفين بالقبور السؤال نرجو توضيح صفة إقامة الحجة على الطائفين بالقبور، وهل يكفرون بعد إقامة الحجة إذا استمروا على ذلك؟ الجواب ما يحتاج إلى إقامة حجة، فإقامة الحجة أن العبادة لله جل وعلا، والرسول محمد ﷺ جاء بها واضحة، ولا يجوز لمسلم يدعي الإسلام أن يكون جاهلاً بعبادة الله جل وعلا، فليس في الدنيا كلها شيء يطاف به في الشرع إلا الكعبة فقط، والطواف عبادة، والعبادة لا تجوز أن تكون لغير الله جل وعلا، فهم يجب أن يعرفوا معنى (لا إله إلا الله)، وإذا كان الإنسان ما عرف معنى (لا إله إلا الله)، فكلامه بها ما يفيد، ونطقه بها ما يفيد، فالإنسان لا يدخل الإسلام إلا بهذه الكلمة إذا قال: (لا إله إلا الله)، ومعنى (لا إله إلا الله) أن يكفر بجميع الآلهة التي تؤله من دون الله جل وعلا، ويجعل العبادة لله وحده.

стр. 1887

حكم تكرار تحية المسجد لتكرر الخروج والدخول السؤال إذا خرج أحد من باب من المسجد ودخل من آخر هل تجب عليه تحية المسجد؟ الجواب إذا خرج الإنسان من المسجد ثم عاد، فذهب لغرض ما من الأغراض إما لوضوء أو لغير الوضوء ثم عاد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، إلا إذا وجد الصلاة قد أقيمت؛ لأن الرسول محمداً ﷺ يقول: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين). وعلى كل حال إذا صلى الإنسان ثم خرج من المسجد ودخل يدخل في عموم هذا الحديث؛ لأنه خرج ودخل. أما إذا كان خروجه لغرض يتردد فيه، كمن هو موظف في المسجد مثلاً ويتردد من هنا إلى هنا فهذا لا يلزم أن يصلي كلما جاء؛ لأن هذا عمله، فهو مضطر لهذا الشيء.

стр. 1888

رحمة النبي ﷺ العامة والخاصة السؤال كيف الجمع بين الآيتين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] وقوله جل وعلا: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]؟ الجواب الآيتان تتفقان، وما فيهما خلاف حتى نجمع بينهما، فقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] أي: رحمة ظاهرة. وقد يقول القائل: هي للعالمين، فيدخل فيها الكافرون والمنافقون! فأجاب العلماء على هذا بأن رحمته شملت الكافرين، ولكن إذا أصروا على كفرهم وتمادوا فإن عذابهم يكون أشد. ولكن الرسول محمداً ﷺ قد يقاتل الكافرين ويقتل من يقتل، وقتل ﷺ في غزواته خلقاً كثيراً من الكافرين، فأين الرحمة هنا؟ وقتله إياهم لماذا؟ ف الجواب إن الكافر يزداد بحياته إثماً، والتعجيل بموته أحسن من بقائه؛ لأنه لا يزداد بحياته إلا إثماً، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران:١٧٨] يعني: طول حياتهم شر لهم لا خير، فالخير ألا تطول حياة الكافر لئلا يزداد عذابه.

стр. 1889

حكم طاعة الأب في الأمر بطلاق الزوجة السؤال لقد طلق إسماعيل زوجته عن أمر أبيه دون السؤال عن السبب؟ الجواب هذا في السلف كثير، يأمر الإنسان أبوه أن يطلق زوجته، والقصص في هذا معروفة، وقد وقع في الصحابة، ولكن إذا كان بلا سبب وبلا جرم للزوجة فهذا لا يلزم، ومع ذلك لو أطاعه لا يلام؛ لأن طاعة الوالد متعينة.

стр. 1890

نقل الناس إلى المزارات وحكم ذلك السؤال أنا أعمل على سيارتي في المدينة، وآخذ بعض الزوار والمعتمرين المارين إلى المدينة إلى مزاراتها مثل مسجد قباء وشهداء أحد ومسجد القبلتين والسبعة المساجد، فهل علي شيء من ذلك؟ الجواب أما كونه يذهب إلى قباء أو إلى القبلتين والشهداء فليس عليه شيء، أما أن يذهب إلى المساجد السبعة، أو موضع الناقة، أو إلى شيء من هذا؛ فهذا لا يجوز؛ لأن هذا من البدع، ولا تجوز زيارتها، ولا بذل الأموال فيها.

стр. 1891

صلاة عائشة في حجرتها والنبي ﷺ مدفون فيها السؤال عائشة كانت تصلي في الحجرة والنبي مقبور فيها، فيستدل بذلك على جواز الصلاة في المواطن التي فيها مقابر، فما الرد على هذه الشبهة؟ الجواب إذا صلت في الغرفة فهذا ظن منه أنها تصلي عند القبر، ولكن إذا وجد هذا فهذا يكون خاصاً بها؛ لأن هذا منزلها ضرورة، فما تستطيع أن تذهب إلى غيره، فيكون هذا خاصاً يستثنى لهذه الضرورة فقط، ولا يكون هذا قاضياً على الأحاديث، لاسيما أن هذا ليس في حديث عن رسول الله ﷺ ، وإذا جاءنا فعل من أحد الناس لا يجوز أن نجعله كحديث الرسول محمد ﷺ .

стр. 1892

حكم الإكثار من زيارة قبر النبي ﵊ السؤال يحتج بعض المسلمين على زيارة قبر الرسول ﷺ كل يوم أو كل أسبوع بأن الرسول قال: (قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة)، وهذه قبور يشرع زيارتها والسلام عليها، لأنها ثلاثة قبور مجموعة مع بعضها، فما الجواب على هذا؟ الجواب هذا كلام الجهلاء، وكلام الجهلاء لا يجاب عليه، فزيارة القبور كانت ممنوعة أصلاً، فهذا معنى: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور) يعني: لا تزوروها أصلاً، ثم بعد ذلك أذن فيها، وقيدت بالقيود الذي جاءت في الأحاديث، ولا يجوز ضرب النصوص بعضها ببعض أو تكذيب بعضها وقبول بعضها.

стр. 1893

حكم الذبح باسم الله تعالى عند القبر السؤال أنكرت على أحد القبوريين ذبحه عند القبر فقال: إنما أذبح باسم الله، والشرك إنما هو الذبح باسم الميت. فما جوابكم عليه؟ الجواب هذا تلبيس منه وتبرير لفعله، وإلا فمعلوم أن قصد القلب هو الركن الأعظم، ولو قال: باسم الله، وهو يقصد بهذا الذبح التقرب إلى الميت فهو من الشرك الأعظم، ولا يجوز أكل هذه الذبائح لأمرين -كما قال النووي ﵀: الأمر الأول: لأنها مما أهل به لغير الله. والأمر الثاني: لأنها ذبيحة مرتد عن الإسلام، وذبيحة المرتد حرام لا تؤكل. وكونه يدعي ويقول: إني سميت الله فلماذا يتقرب بها للميت إذا كان قصده أنها ذبيحة لله؟! فالمقصود أن الأعمال الظاهرة التي تدل على المقاصد لا تخفى على الناس، والقبر ليس محلاً للعبادة لا لذبح ولا لصلاة ولا لغير ذلك، فصورة فعله هذا تكذب قوله، فلا يلتفت إلى قوله.

стр. 1894

حكم الصلاة في مسجد فيه قبر ولا يوجد غيره السؤال شخص يسكن في منطقة بها مسجد مقام على قبر، ولا يوجد غير هذا المسجد، فهل يجوز له ترك الصلاة مع الجماعة أو يصلي مع الجماعة في هذا المسجد؟ الجواب الصلاة في هذا المسجد باطلة ولا تصح، ولكن يصلي جماعة في غيره ولو في بيته أو في مكان آخر، أما أن يصلي في المسجد الذي فيه قبر فصلاته غير صحيحة، وهذا المسجد يجب أن يهدم إذا كان القبر سابقاً له، أما إذا كان القبر أدخل فيه فيجب أن يخرج منه، ويوضع في القبور حتى تصح الصلاة فيه.

стр. 1895

حكم قول: اعتمادي عليك بعد الله السؤال قول: اعتمادي عليك بعد الاعتماد على الله في قضاء حاجتي الفلانية هل هو من الشرك؟ الجواب ليس من الشرك بشرط أن يكون هذا الشيء يستطيع فعله الذي يقول له: أعتمد عليك، فإن كان مستطيعاً لفعله فليس بشرك.
следующие страницы →