Полный текст (2 090 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
فوائد حديث الحبر الذي قال: (يا محمد! إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع)
هذا الحديث يدلنا على أمور: أولاً: يدلنا على عظمة الله وكبريائه، وأنه أكبر وأعظم من كل شيء، وأن السموات على سعتها وعظمها تصبح بالنسبة إلى الله حقيرة صغيرة جداً، كما قال عبد الله بن عباس: إن الله يقبض السماوات كلها، فتكون في كفه جل وعلا كالخردلة، لا يجوز للإنسان أن يتصور أن هناك شيئاً أكبر أو أعظم من الله، وإذا كان بهذه العظمة فكيف يسوغ للإنسان أن يقول: إنه مع خلقه بذاته حال معهم؟ وكيف يسوغ لإنسان أن يقول: إن السموات تكون فوقه إذا نزل، كما قال الرسول ﷺ في الأحاديث الصحيحة: (إذا بقي ثلث الليل الآخر ينزل الله إلى السماء الدنيا، فيبسط يده فيقول: هل من تائب فيتاب عليه؟ هل من مستغفر فيغفر له؟ هل من سائل فيعطى؟ إلى أن يطلع الفجر) ما يجوز أن يتصور متصور أن هذا النزول الإلهي في آخر الليل إلى السماء الدنيا تكون فيه السماء الثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والعرش والكرسي والبحر فوقه تعالى الله وتقدس، بل ينزل وهو فوق كل شيء، وهو عال على كل شيء.
ثانياً: قوله جل وعلا: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] هذا يوم القيامة، وقوله جل وعلا: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [البقرة:٢١٠] هذا أيضاً يوم القيامة حين يحشر الناس على وجه هذه الأرض بعدما يمدها، ويزيد فيها، ويذهب جبالها ووهادها؛ فتصير قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً؛ حتى تتسع للخلق من الجن والإنس، منذ خلقوا إلى آخر مولود منهم، فيجمعهم عليها راغمين ذليلين حقيرين، ترى الذي عصوا الله كالذر تطؤهم الأقدام، فإذا طال بهم الوقوف استشفعوا بالأنبياء أن يأتي ربهم جل وعلا ليقضي بينهم؛ فيأتي جل وعلا وهو على عرشه فوق سماواته بل فوق كل شيء؛ لأنه أكبر من كل شيء وأعظم من كل شيء.
ثالثاً: فيه أن لله يدين يقبض بهما إذا شاء أن يقبض، فيقبض السماوات والأرض، وإحداهما يمين، كما قال جل وعلا: ﴿وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، وفي صحيح مسلم: (يطوي السموات بيمينه، والأرض بشماله) وهذا قول رسول الله ﷺ .
وصح تفسير هذه الآية عن عبد الله بن عباس في قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ يقول في تفسيرها: يطوي السموات بيمينه، والأرضين بيمينه، وشماله خلو ما فيها شيء، أي: أن جميع مخلوقاته يطويها بيمينه فقط، هكذا قال حبر الأمة، ومثل هذا لا يقوله عن رأيه، إنما يقوله عن علم تلقاه من مشكاة النبوة.
رابعاً: في هذا النص التصريح بأن ليديه أصابع جل وعلا، يمسك بها ما يشاء، ويضع عليها ما يشاء، وفيها أيضاً إثبات هزه الأشياء هزاً قوياً وقوله: أنا الملك، يعني: الملك الحق الذي ليس لأحد معه ملك تعالى وتقدس، وجاء هذا موضحاً في تفسير قوله جل وعلا: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٨ - ١٩] وقبلها قوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦]، يقول العلماء فيها: إن الله جل وعلا إذا كان يوم القيامة قبض على سمواته وأرضيه، ويطويها بيده، ثم يهزهن ويقول: لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه أحد، فيجيب نفسه فيقول: لله الواحد القهار، جاء هذا في آثار مروية عن السلف، وفيه ما هو مرفوع إلى رسول الله ﷺ ، وهذا من الأمور التي يجب الإيمان بها، ويجب أن يعلم الإنسان عظمة الله جل وعلا، وأن نصفه بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله على حد قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ تعالى وتقدس، فكل ما وصف الله جل وعلا به نفسه، وجاء عن رسوله ﷺ ، يجب أن نؤمن به على ظاهره، خلافاً لما يقوله الأشاعرة وأهل الكلام الذين يقولون: هذه ظواهر لا يجوز اعتقادها؛ لأنا لو اعتقدنا ظاهرها لدلت على التشبيه لله تعالى وتقدس، ونحن نقول: هذا باطل، وظن سوء بالله وبرسوله ﷺ .
أما كونه ظن سوء بالله؛ لأن الذي دعاهم إلى هذا القول هو تصورهم أن هذه الصفات مثل صفاتهم التي يعقلونها من أنفسهم، تعالى الله وتقدس، ولهذا إذا سمعوا مثل قول الرسول ﷺ : (إن الله ينزل إلى السماء الدنيا) قالوا: كيف ينزل إلى السماء الدنيا آخر الليل، وآخر الليل يختلف باختلاف المناطق والأقاليم؟ فلو قلنا بهذا لكان النزول دائماً متواصلاً طوال أربع وعشرين ساعة! ونحن نقول: هذا القول الذي تقولونه، والتقدير الذي تقدرونه؛ لو كان النزول مثل النزول المعهود لكم، نزول جسم إلى جسم، ولكن هذا نزول الله، والله جل وعلا يستمع لخلقه كلهم في آن واحد وهم يناجونه ويعبدونه، كل واحد منهم يقول: يا رب يا رب، وهو يسمع كل واحد، لا يشغله سماع هذا عن سماع الآخر.
وكذلك يرزقهم كلهم في آن واحد، ويعلم ما في نفوسهم في آن واحد، وكذلك إذا صار يوم القيامة يحاسبهم كلهم في ساعة واحدة، وكل واحد يكلمه رب خالياً به، يرى أنه ما يكلم غيره، وهو يكلم الخلق كلهم، فالرب جل وعلا لا يجوز أن نقيسه بالمخلوقين في أفعاله وأوصافه، فالذي يقول مثل هذا القول؛ ما قدر الله حق قدره تعالى الله وتقدس.
فالمقصود: أنه يجب علينا أن نعتقد ما قاله الله في نفسه، وما قاله الرسول ﷺ عن ربه، على ما يليق بالله وعظمته وكبريائه، ولهذا يقول الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فأثبت لنفسه السمع والبصر الذي هو موجود في المخلوقات، ولكن سمعه وبصره ليس كسمع المخلوق وبصره، وكذلك سائر أوصافه جل وعلا، فهذا ظن السوء بالله.
أما ظنهم السوء بالرسول ﷺ فواضح، فعلى قولهم فإن الرسول ﷺ بلغ أمته ما ظاهره الكفر، وتركهم بدون أن يوضح لهم، تعالى الله وتقدس أن يقر نبيه على هذا، فالرسول ﷺ وضح للأمة غاية الإيضاح، ولم يأت عنه ﷺ أنه لما ذكر لنا مثل هذه الأحاديث قال: لا تعتقدوا ظاهرها أبداً، بل جاء ما يدل على أنه يريد منا أن نعتقد ظاهرها على ما يليق بالله، ففي السنن عنه ﷺ أنه قال: (إن الله ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك؛ يعلم أن فرجكم قريب) يعني: إذا تأخر المطر، وإذا أجدبت الأرض، فمن الناس من يقنط ويستبعد الخير، يقول الرسول ﷺ في هذه الحالة: (ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك؛ يعلم أن فرجكم قريب، فقال أبو رزين العقيلي: يا رسول الله! أو يضحك ربنا؟ قال: نعم، فقال: إذاً لا نعدم خيراً من رب يضحك -وفي رواية إذاً: لا يعدمنا ربنا خيراً إذا ضحك-) فأقره النبي ﷺ على ذلك.
وفي حديث عائشة أنه قال: (أو يضحك ربنا يا رسول الله؟! قال: إي والله) أقسم ﷺ ، فيجب أن نقبل ما قاله الرسول ﷺ ، وأن نعظم ربنا جل وعلا، فلا يكون ضحكه كضحك المخلوق -تعالى وتقدس-، ولا تكون يده كيد المخلوق، وهكذا بقية أوصافه.
فهذه طريقة أهل السنة: يقبلون ما جاء عن الله وما قاله الرسول ﷺ مخبراً به عن ربه جل وعلا من غير تحريف يسمونه تأويلاً، وهو في الواقع تحريف، فأهل البدع قالوا: يد الله قوته، أو نعمته، أو سلطانه، أو قهره، هكذا قالوا، وهذا في اليد الواحدة فكيف باليدين، كما قال جل وعلا: ﴿قَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] فهل يجوز أن نقول: نعمتان مبسوطتان؟ النعمة لا حصر لها، ولو كان مثل ما يقولون لبين ذلك الرسول ﷺ ، ولا سيما وهم يقولون: اعتقاد ظاهر هذه النصوص كفر، ولازمه أن الرسول ﷺ يقر الأمة على الكفر، فنقول: من اعتقد هذا فهو لم يشهد أن محمداً رسول الله في الحقيقة؛ لأن معنى شهادة أن محمداً رسول الله أنه رسول بلغ ما أنزل إليه من ربه البلاغ المبين، ولم يترك الأمر مشتبهاً ملتبساً على الخلق، بل وضح وبين في آخر مشهد عظيم شهده مع أمته، لما خطب في منى وفي عرفات وفي حجة الوداع قبيل وفاته صلوات الله وسلامه عليه فقال: (إنكم مسئولون عني أيها الناس، فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، -هكذا قالوا له- فصار يشهد ربه عليهم، يرفع أصبعه إلى السماء ثم ينكسها إليهم ويقول: اللهم اشهد، اللهم اشهد) أي: اشهد عليهم أنهم شهدوا لي بالبلاغ، فالذي يقول هذا القول فإنه لم يشهد للنبي ﷺ بالبلاغ.
ثم يجب على العبد المسلم أن يعتقد عقيدة جازمة بأن الرسول ﷺ هو أعلم الخلق بالله، وأنه ﷺ أتقاهم لله وأخشاهم له، وأعظمهم غيرة على الله أن يوصف بغير ما وصف به نفسه، فلا يمكن أن يقر اليهودي على مثل ذلك، قال أحد شراح الأشاعرة في شرحه لهذا الحديث -وللأسف فإنه شرح كلام الرسول ﷺ : إن النبي ﷺ ضحك تعجباً من جرأة اليهودي على التشبيه، وهذا ظن سوء بالنبي ﷺ ، حيث يضحك على الباطل، فالرسول ﷺ إذا سمع الباطل غضب ولا يقوم أحد لغضبه، فلا يقال: إنه يضحك من الباطل والكفر! فيجب أن ينزه رسول الله ﷺ عن هذا القول، بل آحاد الأمة يتنزه عن مثل هذا.
فالمقصود أن ا
стр. 1822
بعض المسائل المستفادة من الحديث
في هذا الحديث مسائل: أولاً: قد يقول قائل: سورة الزمر مكية، فكيف يقول: فنزلت الآية، وقد نزلت في مكة؟ والله جل وعلا يقول قبل هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ * وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٧] إلى آخره؟
الجواب
الواقع أنه جاء في بعض الروايات: (فقرأ رسول الله ﷺ الآية)، وقد يتكرر نزول الآية أكثر من مرة كما جاء في أن الفاتحة نزلت مرتين، وكذلك بعض الآيات، ومثل هذا جاء في قوله جل وعلا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥] كما في الصحيحين: أن هذه نزلت بسبب سؤال اليهود في حديث عبد الله بن مسعود حيث قال: (كنت أمشي مع رسول الله ﷺ في بعض حوائط المدينة، ومعه عسيب يتوكأ عليه، فمررنا على ملأ من اليهود فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقال بعضهم: لا تسألوه لئلا يسمعكم ما تكرهون، فقال واحد: والله لنسألنه، فقال: يا رسول الله! أخبرنا عن الروح، يقول عبد الله بن مسعود فسكت وبقي متكئاً وكأنه يوحى إليه ثم بعد ذلك قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]، فقال بعضهم لبعض: ألم نقل لكم: لا تسألوه لئلا يسمعكم ما تكرهون؟) أي: أنهم ما أوتوا من العلم إلا قليلاً، وهم يزعمون أنهم أوتوا علماً كثيراً.
المقصود: أن سورة الإسراء مكية نزلت في مكة، والجواب أن يقال: إما أن تكون الآية نزلت مرتين، وإما أن يكون كما في الرواية الأخرى: (فقرأ رسول الله ﷺ .
الأمر الثاني مما يؤخذ من هذا الحديث: أن الحق يجب أن يقبل وإن كان من عدو لك، فالرسول ﷺ لما قال له هذا اليهودي ذلك قبل، وجاء بما يصدق قوله مما أنزل عليه.
الأمر الثالث: أن النبي ﷺ ضحك تعجباً وفرحاً بذلك؛ لأنه ﷺ يفرح أن يكون هناك شهود له ممن سبقه، ونزل عليه علم يشهدوا له بالحق الذي جاء به، فهذا هو سبب ضحكه وتعجبه ﷺ .
ثم الأمور الأخرى التي أشرنا إلى بعضها سابقاً تؤخذ من هذا أيضاً.
стр. 1823
حكم الإشارة عند ذكر صفات الله تعالى
قال الشارح ﵀: [وقال الإمام أحمد: حدثنا الحسين بن حسن الأشقر قال: حدثنا أبو كدينة عن عطاء بن أبي الضحى عن ابن عباس قال: (مر يهودي برسول الله ﷺ وهو جالس، فقال: كيف تقول يا أبا القاسم يوم يجعل الله السماوات على ذه -وأشار بالسبابة- والأرض على ذه، والجبال على ذه، وسائر الخلق على ذه؟ كل ذلك يشير بأصابعه، فأنزل الله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾) وكذا رواه الترمذي في التفسير بسنده عن أبي الضحى مسلم بن صبيح به].
وهذا يؤخذ منه: أن الإشارة عند ذكر صفات الله توضيحاً وتبييناً لا بأس به، وأما ما جاء عن البعض أنه قال: لو أن إنساناً قرأ قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] أو ما أشبه ذلك، أو قال: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] وأشار بيده، فإنه يجب أن تقطع يده؛ لأن هذا تشبيه، نقول: هذا من قول الجهمية الذين لا يريدون أن يسمعوا أوصاف الله جل وعلا وقول رسول الله ﷺ وإقراره لهذه الإشارة أولى بالقبول، وقد جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن عمر قالت: (رأيت رسول الله ﷺ يذكر قبض الله جل وعلا للسماوات والأرض يوم القيامة، فجعل يقول بيده هكذا يمجد الرب نفسه، حتى رأيت المنبر يتحرك من تحته، فقلت: أساقط هو برسول الله ﷺ ؟).
وكذلك جاء في صحيح مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي قال: (كانت لي جارية ترعى غنماً لي قبل أحد، فاطلعت عليها يوماً فوجدت الذئب قد أخذ شاة منها، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون، فأسفت -يعني: غضبت- فضربتها في وجهها، ثم ندمت -فالإنسان في حالة الغضب يقع في أشياء لا يريدها- ثم ذهبت إلى رسول الله فأخبرته بذلك، فعظم ذلك عليه -يعني: كوني ضربتها- فقلت: يا رسول الله! أفلا أعتقها؟ فقال: ائتني بها، فأتيته بها، فقال ﷺ لها: أين الله؟ فأشارت بيدها وقالت: في السماء، فقال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فقال: اعتقها فإنها مؤمنة) وهؤلاء يقولون: لو أشارت اليد إلى الله لوجب قطعها؛ لأنهم معطلة، عطلوا الله جل وعلا عن أوصافه تعالى الله وتقدس عما يقولون ويعتقدون.
стр. 1824
أدلة إثبات اليدين لله تعالى
قال الشارح ﵀: [قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ثم قال البخاري: حدثنا سعيد بن عفير قال: حدثنا الليث قال: حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه، فيقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟) تفرد به من هذا الوجه، ورواه مسلم من وجه آخر.
وقال البخاري في موضع آخر: حدثنا مقدم بن محمد قال: حدثنا عمي القاسم بن يحيى بن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ قال: (إن الله تعالى يقبض يوم القيامة الأرضين، وتكون السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك) تفرد به أيضاً من هذا الوجه، ورواه مسلم من وجه آخر.
وقد رواه الإمام أحمد من طريق آخر بلفظ أبسط من هذا السياق وأطول فقال: حدثنا عفان قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: أنبأنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن عبيد الله بن مقسم عن ابن عمر (أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية يوماً على المنبر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]، ورسول الله ﷺ يقول هكذا بيده يحركها، يقبل بها ويدبر، يمجد الرب تعالى نفسه: أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم، فرجف برسول الله ﷺ المنبر حتى قلنا: ليخرن به)].
قال المصنف ﵀: [ولـ مسلم عن ابن عمر مرفوعاً: (يطوي الله السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين السبع، ثم يأخذهن بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟)].
في هذا الحديث إثبات الشمال، والمقصود أن لله جل وعلا يدين، وأما ما جاء في الصحيحين في قصة آدم أن الله جل وعلا (قبض بيديه فقال له: اختر؟ فقال: اخترت يمين ربي، وكلتا يديه يمين) فمقصود هذا أن كلتاهما كاملة تامة لا يلحقها نقص، ليس كالمخلوق الذي يمينه أكمل من شماله، هذا هو المقصود بقوله: (وكلتا يديه يمين).
وإذا جاء عن رسول الله ﷺ النص وجب قبوله والقول به؛ لأنه معصوم فيما يبلغ عن الله جل وعلا.
قال الشارح ﵀: [كذا في رواية مسلم، وقال الحميدي: وهي أتم، وهي عند مسلم من حديث سالم عن أبيه، وأخرجه البخاري من حديث عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: (إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين، وتكون السماء بيمينه)].
يعني ليس في البخاري لفظ (شماله).
قال الشارح ﵀: [وأخرجه مسلم من حديث عبيد الله بن مقسم.
].
قال المصنف ﵀: [وروي عن ابن عباس قال: ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم].
في هذا إثبات الكف لله جل وعلا، فليده كف، وقد ثبت هذا عن رسول الله ﷺ في صحيح البخاري وغيره، وهو من قول رسول الله ﷺ ، وكذلك القبض.
стр. 1825
عظم الكرسي بالنسبة للسماوات
قال المصنف ﵀: [قال: وقال: ابن جرير: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: حدثني أبي قال: قال رسول الله ﷺ : (ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس)].
هذا هو الصواب الصحيح من أقوال العلماء أن الكرسي غير العرش، فقد قال الله جل وعلا: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة:٢٥٥] فالكرسي تحت العرش، وجاء عن السلف أنهم قالوا: الكرسي يكون المرقاة للعرش، يعني: الشيء الذي يجعل تحت الكرسي توضع عليه القدم، ولهذا قال ابن عباس: الكرسي موضع قدمي الرحمن جل وعلا، وإذا كانت السموات بالنسبة للكرسي على سعتها كسبعة دراهم ألقيت في ترس، فإن العرش أعظم من الكرسي، فالكرسي بالنسبة للعرش كدرهم ألقي في فلاة، فالعرش هو أكبر المخلوقات وأعظمها وأعلاها، والله جل وعلا فوق العرش تعالى وتقدس.
стр. 1826
عظم العرش بالنسبة للكرسي
قال المصنف ﵀: [وقال أبو ذر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض)].
يعني: أن الكرسي مع كونه: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] أوسع من السموات والأرض وأكبر، فهو بالنسبة للعرش كحلقة ألقيت في أرض فلاة، والعرش كما جاء في الآثار له قوائم، ويحمل كما قال الله جل وعلا: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧]، فأخبر جل وعلا أن له حملة، وأن له ملائكة يحفونه، ويسبحون بحمد ربهم، ويقدسونه، وهؤلاء هم أقرب الملائكة إليه، وأعظمهم طاعة له جل وعلا، وأعظمهم خلقاً، وأخبر أن هؤلاء يستغفرون للذين آمنوا.
стр. 1827
سمك ما بين كل سماء والتي تليها
قال المصنف ﵀: [وعن ابن مسعود قال: بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماء وسماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، أخرجه ابن مهدي عن حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله].
وهذا اعتقاد أهل السنة، حيث يعتقدون أن الله فوق عرشه تعالى وتقدس كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، وأن علم الله في كل مكان، وأن قول الله جل وعلا: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] معناه: بعلمه واطلاعه وسمعه وبصره وقبضته وإحاطته، وهو فوق عرشه تعالى وتقدس، فهو أعظم من كل شيء، وأكبر من كل شيء.
стр. 1828
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٣٧]
الأدلة متوافرة على أن أسماء الله وصفاته الأصل فيها التوقف، فلا يثبت منها إلا ما ثبت في القرآن والسنة الصحيحة، وإثبات صفات الله ﵎ يكون على ظاهرها دون تشبيه أو تأويل.
стр. 1829
دلالة مخلوقات الله على عظمته
قال الشارح ﵀: [وهذه الأحاديث وما في معناها تدل على عظمة الله، وعظيم قدرته، وعظم مخلوقاته، وقد تعرف إلى عباده بصفاته وعجائب مخلوقاته، وكلها تعرف وتدل على كماله، وأنه هو المعبود وحده لا شريك له في ربوبيته وإلهيته، وتدل على إثبات الصفات له على ما يليق بجلال الله وعظمته إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل، وهذا هو الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وعليه سلف الأمة وأئمتها ومن تبعهم بإحسان، واقتفى أثرهم على الإسلام والإيمان].
قوله: (في هذه الأحاديث) المقصود التي سبق ذكرها، مثل حديث: أن الرب جل وعلا يضع السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والثرى والشجر على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزهن، ويقول: أنا الملك أنا الملك، ومثل حديث ابن عمر الذي سبق (أن الرسول ﷺ ذكر أن الله يقبض السماوات بيده، والأرضين باليد الأخرى، ثم يقول هكذا يمجد الرب نفسه، فجعل الرسول ﷺ يشير بيده، يقول ابن عمر: فرأيت المنبر يتحرك من تحته، فقلت: أساقط هو برسول الله ﷺ ؟) وتحرك المنبر هو بسبب الذكر الذي يذكر عليه من عظمة الله، وإلا فالمنبر ثابت، وهذا مثل قصة الجذع الذي كان يخطب عليه، ثم اتخذ له منبراً منجوراً من خشب الطرفاء، فلما صعد على هذا المنبر أول مرة، صار ذلك الجذع يحن على ما فقد من الذكر الذي يتلى عليه، حتى سمع أهل المسجد كلهم حنينه، فنزل الرسول ﷺ من المنبر، وذهب إليه والتزمه، فهدأه مثل ما يهدأ الصبي الذي يبكي، وقال: (لو تركته لبقي يحن إلى يوم القيامة)، فالرسول صلوات الله وسلامه عليه كان يعلم أصحابه معرفة الله جل وعلا، ويعلمهم الإيمان به، ومن الإيمان المعرفة بما تعرف الله به إلى عباده على لسان رسوله ﷺ بأسمائه وأوصافه، فقد سمى نفسه بأسماء ووصف نفسه بأوصاف؛ فيجب أن نتقبل ذلك كما جاء به المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، بدون تحريف ولا تعطيل، وبدون تمثيل ولا تشبيه للرب جل وعلا بالمخلوقات.
стр. 1830
معنى التحريف والتأويل
التحريف معناه: أن يعدل بمعاني هذه النصوص عما أراد المتكلم بها إلى معان أخرى، فهذا تحريف في الواقع، وإن سماه أصحابه تأويلاً، والتأويل جاء على لسان السلف يقصد به شيئان: أحدهما: التفسير، كما يقول ابن جرير ﵀ في تفسيره: القول في تأويل قوله تعالى كذا وكذا، أي: في تفسيره، فهذا معنى صحيحاً من معاني التأويل.
المعنى الثاني: أن التأويل هو ما يئول إليه الشيء المخبر عنه، كما قال الله جل وعلا: ﴿يَومَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف:٥٣] يعني: يأتي حقيقة ما أخبر الله جل وعلا عنه يوم القيامة إذا عاينوه، فهذا تأويله.
ومن ذلك قوله تعالى في قصة يوسف: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف:١٠٠] يعني: هذا حقيقة الرؤيا التي رأيتها، جاءت واقعة مشاهدة.
أما المعنى الثالث الذي يقوله المتأخرون فهو مبتدع مخترع، ما جاء لا في اللغة ولا عن رسول الله ﷺ ولا في كتاب الله، وهو ما اصطلحوا عليه من صرف اللفظ عن ظاهره إلى غير ظاهره؛ لدليل يدل على ذلك، وهذا الدليل: إما أن يكون عقلياً، وهذا لا حصر له، ولا ضابط له، فكل يدعي أن العقل معه، وإما أمر آخر يزعم أنه دليل وهو ليس بدليل، وهذا الذي أنكره العلماء، وعده الإمام ابن القيم في كتابه: (الصواعق المرسلة) طاغوتاً من الطواغيت التي أُفسد بها دين الله، حيث جعله أحد الطواغيت الأربعة التي ذكرها، وقال: إن هذه الطواغيت هي التي أُفسد بها دين الله جل وعلا.
والواجب على الإنسان أن يأخذ دينه من كتاب الله ومن أحاديث رسول الله ﷺ فقط، ولا ننكر كون الإنسان يستعين بأقوال العلماء على فهم كتاب الله وفهم كلام رسوله، بل ينبغي هذا، ولكن إذا جاءت أقوال تصادم كتاب الله وتصادم قول الرسول ﷺ فلا يجوز أن نأخذ بها، ولا يجوز أن نعتبرها من المقبول، بل يجب أن نردها؛ لأنها تخالف قول الله وقول رسوله، فكل قول من أقوال الناس خالف قول الله أو قول رسوله يجب أن يرد ولا يقبل على أي حال، ومهما كان صاحبه.
ومعلوم: أن كل أحد من الخلق -من العلماء أو من غيرهم وإن بلغ في العلم درجة رفيعة- يجوز أن يخطئ وأن يقع في الخطأ؛ لأن المعصوم هو رسول الله ﷺ فقط، أما ما عداه من الخلق فيجوز عليهم الخطأ؛ فإن بني آدم كلهم خطاء.
إذاً: أمامنا كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ إذا ثبتت، فيجب الاعتصام بهما كما قال جل وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣] ففسر حبل الله بأنه كتابه، وأنه دينه، وفسر بأنه الرسول ﷺ ، وكلها تفسيرات صحيحة.
стр. 1831
موقف المتكلمين من النصوص وحيرتهم واضطرابهم
قد تكاثرت النصوص من كتاب الله ومن أحاديث رسوله ﷺ في وصف الله جل وعلا بأوصاف متعددة، وأبى المتكلمون كثيراً منها، وحرفوها، بل ردوها صراحة، فقالوا: إن الله لا يوصف بأن له يداً، وقالوا: لا يوصف بأن يده لها أصابع، وقالوا: لا يوصف بأن له رجلاً، ولا يوصف بالغضب والرضا والمحبة، وهذا كله ثابت في كتاب الله، فكيف نعتاض عن كتاب الله بقول هؤلاء الذين عمدتهم واستنادهم على عقولهم؟!! فالأمر كما ثبت عن الإمام مالك ﵁ حين جاءه رجل فقال له: أريد أن أناظرك؟ فقال: لا، أنا ما عندي شك في ديني، فاذهب إلى إنسان آخر عنده شك في دينه فناظره.
فالمناظرات هي بالعقول، والعقول تتفاوت، وكل من كان مفرطاً في الذكاء من هؤلاء المتكلمين كانت نهايته الحيرة، فيصبح لا يدري ماذا يقول! كما ذكر عن أحد تلامذة الفخر الرازي الأذكياء أنه كان له صديق من أهل السنة الذين يتبعون السلف في الاعتقاد، وفي يوم من الأيام دخل عليه فسلم فلم يرد ﵇، ثم سلم فلم يرد السلام، ثم سلم الثالثة فلم يرد السلام، فعجب الرجل فما دهاه! فوقف حائراً ما يدري يجلس أو يرجع، وفي أثناء ذلك رفع رأسه إليه فقال: ماذا تعتقد يا فلان؟ فضحك وقال: ماذا أعتقد؟ أعتقد ما يعتقده المسلمون، فأطرق رأسه وجعل يبكي ويقول: ولكني والله ما أدري ماذا أعتقد!.
والفخر الرازي نفسه خرج يوماً من الأيام إلى سوق نيسابور ومعه تلامذته وهم أكثر من ثلاثمائة تلميذ، وعجوز واقفة على باب بيتها، فسألت واحداً من تلامذته: من هذا الملك؟ فقال لها: ليس هذا بملك، ولكنه فخر الدين الرازي يعرف على وجود الله ألف دليل، فضحكت العجوز، وقالت: والله لو كان عنده ألف شك ما احتاج إلى أن يبحث عن ألف دليل، أوفي معرفة الله شك حتى يبحث عنه؟! فهم يشكون في الأمور الظاهرة الجلية.
وكان الجويني يسمى إمام الحرمين؛ لأنه جاور في مكة زمناً، وجاور في المدينة زمناً، وصار يدرس في مسجد النبي ﷺ ، وفي يوم من الأيام كان يتكلم على كرسي في هذا المسجد الطاهر، ويقول: كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما كان عليه قبل خلق المكان؛ ليس فوق ولا تحت، ليس يمين ولا شمال، فقام رجل فقال: ما قولك فيمن إذا دعا رفع يديه نحو السماء قائلاً: يا رب؟! فوضع يده على رأسه، ونزل من على الكرسي، وصار يبكي ويقول: حيرني الرجل، حيرني الرجل، لماذا؟! لأن استناده واعتماده كان على عقله فقط، ما هو على كتاب الله وعلى أحاديث رسوله ﷺ .
ولما أدركه الموت صار يقول لأصحابه: لا تشتغلوا بالكلام، والله لو كنت أظن أنه يصل بي إلى ما وصل بي الآن ما اشتغلت به.
ثم يقول: ها أنا أموت على عقيدة عجائز نيسابور لم أعرف شيئاً، ولا عجب، فبعد طول جهد وطول مسير يموت على عقيدة العجائز!! بل تمنى ذلك؛ لأن كثرة الشكوك التي تلقى عليه لا تدعه يعتقد ذلك، فهؤلاء كثير منهم يتمنى أن يكون على عقائد عوام الناس؛ والسبب أنهم أعرضوا عن طريق الهدى والشفاء الذي يشفي من الشكوك، أعرضوا عن كتاب الله، وزعموا أن آيات كتاب الله ظواهر لا تفيد اليقين، وإنما اليقين ما تدلهم عليه عقولهم، هذا هو السبب الذي جعلهم يحارون.
يجب أن تثبت صفات الله بلا تمثيل ولا تعطيل، والتعطيل هو تعطيل أوصاف الله وأسمائه من المعاني التي أريد بها، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ [الحج:٤٥] معطلة يعني: ما تستعمل بل تركت، ويقال في اللغة العربية: جيد عاطل: وهو رقبة المرأة إذا لم يكن عليها حلي، فمعنى التعطيل التخلية أي: أن يخلوها عن معانيها التي أرادها الرب جل وعلا، مثل ما يصنعه هؤلاء.
стр. 1832
معنى التحريف
التحريف: هو التأويل الباطل، والعدول بها وبمعانيها عما أراده الله جل وعلا، كقولهم: يد الله أي: نعمته، وكقولهم: غضب الله أي: نقمته، وكقولهم: رحمة الله أي: إحسانه، وهكذا.
وهذا كثير جداً في تفاسير هؤلاء وفي شروحهم للحديث، فيجتهدون غاية الاجتهاد في صرف معاني أوصاف الله وأسمائه إلى ما يعقلونه هم، وما يتعارفون عليه، ويحرفونه من أجل ذلك؛ لأنهم ما عرفوا من اليد إلا أيديهم التي يتعارفون عليها، ولهذا كثير منهم يقول: يد الله ليست جارحة، فالله لا يوصف بالجوارح، فمن قال لك: إنها جارحة، فقل: إن الله له يد، ويجب أن نثبتها كما جاءت، أما كلمة جارحة فهي من عندك، فلا يجوز أن نثبتها، ولا يجوز أن ننفيها؛ لأنه شيء ما جاء إثباته ولا نفيه فيتوقف فيه.
ثم إن الله جل وعلا قد أخبرنا أنه ليس كمثله شيء، وأنه لا سمي له، وأنه لم يكن له كفواً أحد، وأنه لا ند له، والناس جميعاً متفقون على أن الله في ذاته جل وعلا ليس له مثيل، ولا يشبهه شيء، فإذا كان الأمر كذلك فالصفات تبع للذات، يحتذى فيها حذو الذات، فإذا كان جل وعلا ليس له مثيل في ذاته، فهو كذلك ليس له مثيل في أوصافه وأسمائه؛ لأن الصفة والاسم تبع للذات.
فالواجب أن نفهم كلام الله، وأن نوقعه الموقع الذي أراد منا جل وعلا، وألا نؤول ولا نحرف، فإن التأويل والتحريف كله صد عن معرفة الله جل وعلا، وقد قال جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠] فهذا وعيد من الله للملحدين أنهم أنه سوف يلقون جزاءهم حين يلقوه ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ فندعوه بأسمائه ونعبده بها، فنقول: يا منان من علينا، يا غفار اغفر لنا، وهكذا نسأله بأسمائه، ونعبده بها جل وعلا، وكل اسم له صفة أخذ منها، فالأصل الصفات، والأسماء فرع عن الصفات، فالرحمن أخذ من الرحمة، والعزيز من العزة، والحكيم من الحكمة، والغفور من المغفرة، وهكذا.
стр. 1833
سبب رد أهل الكلام لأدلة الصفات
العقلانيون هم عباد العقل -الذين يسمون سابقاً بالمعتزلة، وقد قدموا العقل على كتاب الله وسنة رسوله، ويقولون: تثبت الأسماء وترد الصفات، لماذا قالوا ذلك؟ لأن ذكر أسماء الله جل وعلا في كتابه أكثر من ذكر الحلال والحرام، وأكثر من ذكر الأوامر التي يؤمرون بها، فردها معناه: رد لكتاب الله جملة وتفصيلاً، ومعنى قولهم: ترد الصفات: أن أسماء الله مجرد أعلام لا تدل على معاني، ومثال ذلك -ولله المثل الأعلى-: إذا سميت شخصاً زيداً، والآخر عمراً، فأنت تميز هذا عن هذا بهذا الاسم فقط، وإلا فليس له من معنى الاسم شيء، تعالى الله عن ذلك، فهذا يدلنا على إلحادهم، وعلى بعدهم عن معرفة الله؛ ولهذا ترى قلوبهم أقسى القلوب، وصاروا أجرأ الناس على الله جل وعلا، يتجرءون عليه ويصفونه بما لا يستطيع الإنسان أن يتكلم به، قال الإمام عبد الله بن المبارك: إننا لنحكي قول اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي قول هؤلاء في الله؛ لأن قولهم جرأة عظيمة على الله.
فالمسلم يجب أن يكون قدوته كتاب الله، وأن يحذر من أقوال هؤلاء، والمصيبة أن أتباع هؤلاء ملئوا الدنيا بالكتب، وصارت المطابع تلفظ ما لا حصر له من كتب هؤلاء، وهم يزعمون أنهم أهل السنة والجماعة، وهم محرفون حيث يقولون: غضب الله هو نقمته، ويد الله: نعمته، ورحمة الله: إحسانه، وهكذا، فهؤلاء يزعمون أنهم أهل السنة، ومن أثبت لله غضباً على ظاهر اللفظ، وأثبت له رحمة ومحبة ويداً ورجلاً على ما جاءت به النصوص؛ سموه مشبهاً، ويحذرون من بعض الكتب مثل كتاب خلق أفعال العباد للبخاري، وكتاب الدارمي , وكتاب الإمام أحمد، وكتاب ابن خزيمة، وغيرها من كتب أعلام السنة، ويقولون: هذه ما ينبغي أن يقرأها الإنسان؛ لأن فيها خطورة، ولانحرافها عن التنزيه، فيسمون تعطيل صفات الله: تنزيهاً، وقد قال أحد هؤلاء في كتاب التوحيد للإمام محمد بن خزيمة: هذا كتاب الشرك، وقال الآخر في كتاب الإمام عبد الله بن أحمد -كتاب السنة- هذا كتاب البدعة.
وليس هناك عداوة أكثر من معاداة الإنسان في العقيدة، فإذا خالفك أحد في العقيدة فلا يتفق معك في شيء، ولهذا صار بعضهم يلعن بعضاً، حتى قال بعضهم لأحد هؤلاء -وهو يرد على إمام معروف من أئمة السنة- وهو يريد أن يهدئه، وأن يطفئ شيئاً من غضبه: يا فلان! إني لأرجو أن تلتقي مع هذا الذي ترد عليه في الجنة، وتصطحبان هناك، فماذا قال هذا الرجل نسأل الله العافية؟ قال: الجنة التي يكون فيها فلان لا أريدها، إلى هذا الحد! نسأل الله العافية، كل هذا لأنه خالفه في وصف الله جل وعلا بما وصف به نفسه.
فالواجب على العبد الحذر، فالأمر ليس سهلاً، ونضرب مثلاً لمصير الطائفتين: لو كان هناك اثنان: أحدهما يقول: إن الله لا يوصف بيد، أو رجل، ولا يوصف بأنه يغضب، أو يحب أو يفرح، ولا يوصف بأنه يضحك؛ لأننا إذا وصفناه بهذه الأوصاف شبهناه بالمخلوقين، لأن هذه صفات المخلوقين.
وآخر يقول: أنا أثبتها على ظاهرها، وأعتقد أن الله له هذه الصفات المذكورة على ما يليق به، ثم مات هذا وهذا، والتقيا بين يدي الله، وسألهما الله جل وعلا، فقال للأول: ما مستندك؟ فسيقول: عقلي، وقول فلان وفلان من الأئمة، ولو قال للثاني: ما مستندك؟ فسيقول: كتابك، وقول رسولك، فأيهما أولى بالنجاة؟ وأيهما أولى بالعذر؟ لا شك أنه الثاني؛ لأنه اعتمد على كتاب الله وسنة رسوله.
ثم هناك شيء ينبغي أن ننبه عليه، وهو أنه ما دام هؤلاء يقولون: إن هذه الأشياء ظاهرها مشابهة الخلق، فمعنى ذلك أن كتاب الله ظاهره التشبيه، وكذلك سنة رسول الله ﷺ ، فهل يجوز أن يقال هذا؟ هكذا صرح الصاوي في حاشيته على الجلالين في تفسير سورة الكهف فإنه قال: الأخذ بظواهر كتاب الله كفر، وصل إلى هذا الحد؛ لأنه يقول: لا يجوز أن نقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] على ظاهر القرآن، لكن نقول كما قال الجعد بن درهم الذي أتانا بعقائد الصابئة والزنادقة، ويريد أن يفرق بين المسلمين ويشتت أذهانهم ويفسد عقائدهم، هذا هو غرضه ومراده، ولهذا ضحى به خالد بن عبد الله القسري ﵀ لما قيل له: إن هذا الرجل ينكر أن يكون الرب جل وعلا يتكلم، وينكر أن يكون الرب جل وعلا يحب، فإنه يقول: إن الله لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً، لماذا يقول هذا؟ لأن الكلام عنده يتطلب لساناً، وشفتين، ولهاة، وحنجرة، ومقاطع أصوات، وكذلك المحبة والخلة تقتضي الميل إلى المحبوب، والحاجة إليه، ويقال لهذا المبطل: الذي يحتاج إلى لسان ولهاةٍ وحنجرة وشفتين كلامك أنت وأمثالك، أما الله جل وعلا فلا نظير له ولا شبيه.
فلما قال هذا القول، ونمي إلى أحد قواد بني أمية خبره؛ طلبه، فأمسكه وقيده بالحديد، وكان الوقت وقت عيد الأضحى، وكانت العادة أن القائد هو الذي يخطب الناس ويصلي بهم، وإذا لم يكن القائد عالماً ما يصلح أن يكون قائداً في ذلك الوقت، فجاء بهذا الرجل مقيداً إلى المصلى، وقد خرج الناس إليه، فصلى بهم صلاة العيد ثم قام يخطب، وفي آخر الخطبة قال: أيها الناس! ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بـ الجعد بن درهم؛ لأنه يزعم أن الله لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً، تعالى الله عن قول الجعد بن درهم علواً كبيراً، ثم نزل من على المنبر وذبحه أضحية؛ فشكره العلماء على هذا، شكروا صنيعه ودعوا له؛ لأن هذا طاغوت زنديق يريد أن يفسد الدين.
стр. 1834
الرد على من أنكر صفة الكلام
الذين يقولون: إن الكلام يتطلب لسان وشفه وغيرهما أن نقول: هذه المتطلبات هي لكلام المخلوقين، وقد أخبرنا الله جل وعلا أن هناك مخلوقات تتكلم وليس لها لسان، فقد صح عن النبي ﷺ أن حجراً من الحجارة كان يسلم عليه ويقول: السلام عليك يا رسول الله، وأخبر الله أن الجبال تسبح مع داود، وأخبر جل وعلا أن الجلود والأسماع والأبصار تنطق وتتكلم، والأيدي تشهد على أصحابها يوم القيامة، فهل لهذه ألسنة؟ قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت:٢٠ - ٢١] فإذا كان هذا موجوداً في مخلوقات حقيرة بالنسبة لله جل وعلا، فكيف يقال: إنه يتطلب ذلك بالنسبة لله! فالواجب أن نثبت ما أثبته الله من غير تشبيه بالمخلوقات، وأن نعتقد أن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في أوصافه إذا تكلم فهو يتكلم حقيقة، والذي ينكر صفة الكلام يلزمه أن ينكر الشرع كله؛ لأن شرع الله كله أوامر وأقوال يقولها جل وعلا يخاطب بها عباده، ولقد تكاثرت النصوص عن الله وعن رسول الله ﷺ في هذا، ففي كتاب الله ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] فمن أين يسمع كلام الله؟ أيسمعه من الله؟! بل يسمعه من المبلغ، من الرسول أو ممن يبلغه، فكتاب الله هو كلامه الذي تكلم به وأنزله على رسوله ﷺ ، فهو كلامه حقيقة، ولهذا لما قال رجل عند ابن عباس: الله رب القرآن؛ زجره وقال: مه! القرآن ليس مخلوقاً، القرآن صفة الله، فيقال: الذي تكلم بالقرآن، أو الذي أنزل القرآن؛ لأن كل مربوب مخلوق، أما قول الله جل وعلا: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ﴾ [الصافات:١٨٠] فمعنى رب العزة هنا: صاحب العزة التي هي صفته، ورب يأتي بمعنى صاحب، كما يقال: رب الدار ورب الدابة ورب الكتاب، أي: صاحبه.
стр. 1835
النبي ﵊ كان يعلم أصحابه صفات الله تعالى
الواجب على العبد أن يتعرف على الله بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ ، ففي صحيح البخاري عن النبي ﷺ قال: (آخر من يخرج من النار -يعني: من أهل التوحيد- رجل يخرج منها، ويجعل وجهه إليها، فلا يستطيع أن يلتفت بوجهه عنها، فيبقى يدعو: يا رب اصرف وجهي عن النار، فقد آذاني قشبها، ونتن ريحها، لا أسألك غير هذا، فإذا طال سؤاله يقول الله جل وعلا له: لعلك إذا أعطيتك ما سألت تسأل غيره؟! فيقول: لا وعزتك، لا أسألك غيره، فيستجيب الله جل وعلا له، ويصرف وجهه عن النار، ثم ترفع له شجرة خضرة يراها، فيصبر ما شاء الله أن يصبر، ثم بعد ذلك يقول: يا رب أوصلني إلى تلك الشجرة؛ لأستظل بظلها، وأشرب من مائها، فيبقى يدعو وقتاً، فيقول الله جل وعلا له: يا بن آدم! أين ما أعطيت من العهود؟ ما أغدرك! فيقول: يا رب لا تجعلي أشقى خلقك، والله يعذره، لأنه يرى شيئاً لا يصبر عليه، فيقول الله جل وعلا له: لعلك إن أعطيتك ما سألت تسأل غيره؟ فيقسم بالله أنه لا يسأل غير هذه الشجرة، ويعطي العهود والمواثيق، فيوصله الله جل وعلا إلى الشجرة، فإذا وصل إليها ترفع له شجرة أحسن منها وأجمل، فينظر إليها، فيصبر ما شاء الله أن يصبر، هم يقول: يا رب أوصلني إلى تلك الشجرة، لا أسألك غيرها، فيقول الله جل وعلا له: يا بن آدم! ويلك ما أغدرك! ألم تعط العهود والمواثيق أنك لا تسأل غيرها؟ فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك، فيقول: لعلك إن أعطيتكها تسأل غيرها، فيقول: لا والله لا أسألك غيرها وعزتك وجلالك، وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فإذا وصل إليها رأى الجنة ثم ينفتح له باب الجنة، فيرى داخلها ما لا يتصوره، فينفذ صبره ويسأل ربه فيقول: يا رب أدخلني الجنة، يا رب أدخلني الجنة، فيقول الله جل وعلا: أين العهود؟ يقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك، ثم يقول له جل وعلا: أرأيت لو أعطيتك الدنيا ومثلها أيكفيك؟ فيقول هذا الرجل: يا رب أتسخر بي وأنت رب العالمين؟ عند ذلك ضحك النبي ﷺ فقال: ألا تسألوني مما أضحك؟ قالوا: مم تضحك؟ قال: أضحك من ضحك رب العالمين إذ قال له: أتسخر بي وأنت رب العالمين؟ فضحك الله، فيقول: لا ولكني على ما أشاء قدير، ثم يقول: تمنَّ! فيتمنى فتنقطع به أمنيته، فيقول له جل وعلا: تمن كذا وكذا وكذا، يذكره، فإذا انتهت أمنيته قال: لك هذا وعشرة أمثاله، هذا أدنى أهل الجنة منزلة).
فتأمل هذه المحاورة وهذه الخطابات الكريمة التي يُخَاطب بها هذا الرجل، فما موقف أهل البدع من هذا؟ لا يؤمنون به -نسأل الله العافية-.
وفي صحيح البخاري أيضاً: أن النبي ﷺ قال لأصحابه وهو جالس معهم: (إن رجلاً من أهل الجنة يستأذن ربه بالزرع، يقول: يا رب! أريد أن أزرع، فيقول الله جل وعلا له: ألم أكن أغنيتك مما تطلب؟ فيقول: بلى يا رب، ولكن أريد أن أزرع، فيقول الله جل وعلا: نعم فازرع، فيزرع فينبت الزرع ويستوي حتى تكون الحبوب أمثال الجبال، ثم يقول الله جل وعلا له: دونك يا بن آدم، فإنه لا يملأ بطنك شيء، عند ذلك قال أعرابي جالس عند النبي ﷺ : يا رسول الله! هذا الرجل إما من المهاجرين أو من الأنصار، أما نحن فلسنا أصحاب زرع، فضحك النبي ﷺ .
والمقصود من هذا: أن آحاد أهل الجنة يخاطب ربه إذا شاء، ويخاطبه الله ويكلمه بلا واسطة، وفي الصحيحين من حديث عدي بن حاتم أن النبي ﷺ قال: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه بلا ترجمان) كل واحد يكلمه ربه جل وعلا عند المحاسبة فيقول: يا فلان ألم تعمل كذا وكذا؟ ألم تعمل كذا وكذا؟ أشياء كثيرة جداً، كيف نترك ما جاء به رسولنا ﷺ ، ونأخذ قول الذين تربوا في أحضان اليهود، أو تلقوا علومهم من اليونان، أو من حكماء الهنود، أو من الصابئة والزنادقة، والله ما يفعل هذا إلا من ضل سعيه في هذه الحياة الدنيا -نسأل الله العافية-، ولو ذكرنا بعض الأشياء التي تدل على أوصاف الله جل وعلا لطال الكلام جداً، ولكن المقصود التنبيه فقط، وأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتقبلون هذه الخطابات بدون استفسار أيضاً؛ لأنهم مقتنعون بها تماماً، ولم يأت عن الرسول ﷺ أنه قال: لا تعتقدوا ظواهر هذه النصوص أبداً، ومن المعلوم قطعاً عند كل مسلم أن الرسول ﷺ لا يقر الأمة على ما ظاهره الباطل أو الكفر.
وقد جاء في السنن والمسانيد والأحاديث الصحيحة الشيء الكثير من تعليم النبي ﷺ لأمته آداب الأكل وآداب قضاء الحاجة، وآداب دخول الحمام، وآداب النوم، وآداب دخول البيت، وآداب المشي، وآداب الجلوس، جاءت في أحاديث صحيحة كثيرة، يعلمنا إياها صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا قال يهودي مخاطباً أحد الصحابة: إن نبيكم يعلمكم كل شيء حتى الخراءة، يعني: قضاء الحاجة، حيث يقول: (إذا ذهب أحدكم لقضاء الحاجة فليستجمر بثلاثة أحجار، ولا يستجمر بعظم ولا بروث)، فذهب هذا الصحابي إلى النبي ﷺ وقال له هذا القول، فقال الرسول ﷺ : (أجل إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم كل ما ينفعكم) هل يتصور أحد أن الرسول ﷺ يعلمنا هذه الآداب التي لو تركها المسلم ما كان عليه ذنب ولا عقاب، مثل: أدب الأكل أو الجلوس أو المشي، وأدب دخول المنزل، والنوم، ودخول الحمام، فهل يعلمنا هذا ويترك معرفة الرب جل وعلا لا يعملنا إياه، وهو أصل الإيمان وأساس الدين؟ هذا لا يجوز أن يعتقد أصلاً، ومن اعتقد هذا فلم يشهد للنبي ﷺ بالبلاغ.
стр. 1836
لم ينقل عن النبي ﷺ تقسيم النصوص إلى ظاهر وباطن
قال الشارح ﵀: [وتأمل ما في هذه الأحاديث الصحيحة من تعظيم النبي ﷺ ربه، بذكر صفات كماله على ما يليق بعظمته وجلاله، وتصديقه اليهود فيما أخبروا به عن الله من الصفات التي تدل على عظمته، وتأمل ما فيها من إثبات علو الله تعالى على عرشه، ولم يقل النبي ﷺ في شيء منها: إن ظاهرها غير مراد، وإنها تدل على تشبيه صفات الله بصفات خلقه، فلو كان هذا حقاً بلغه أمينه أمته، فإن الله أكمل به الدين، وأتم به النعمة، فبلغ البلاغ المبين صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين].
وكذلك مسألة علو الله على خلقه، فهذه من المسائل الكبار التي خالف فيها هؤلاء المتكلمون، وسموا بالمتكلمين؛ لأن دينهم في الحقيقة الكلام، والجدل، ويسمون كلامهم توحيداً، وهو في الحقيقة شكوك وظنون وشبه، أما التوحيد فهو في كتاب الله وأحاديث رسوله ﷺ ، فأنكروا أن يكون الله عالياً على خلقه، مع أن أحد العلماء استخرج من كتاب الله ما يقرب من ألف دليل على علو الله، وعلو الله مفطور عليه الإنسان، فإنه لا يمكن لإنسان أن يدعو ربه ويقول: يا رب إلا ويجد في نفسه دافعاً يدفعه إلى أن يطلب ربه من فوق، وهذا شيء خلقه الله جل وعلا في الأنفس، وهو مستقر فيها، لا ينكره إلا مكابر، أما أدلة الكتاب والسنة على ذلك فأكثر من أن تحصى، وسبق أن ذكرنا أن الرسول ﷺ سأل أصحابه في آخر حياته صلوات الله وسلامه عليه فقال: (إنكم مسئولون عني، فماذا أنتم قائلون؟ فقالوا: نشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، فصار يرفع أصبعه إلى السماء ثم ينكسها عليهم، ويقول: اللهم اشهد، اللهم اشهد) إشارة إلى أن ربهم في السماء جل وعلا، وفي صحيح مسلم: (أن معاوية بن الحكم السلمي قال: كانت لي جارية -يعني: مملوكة- ترعى لي غنماً عند أحد، فاطلعت عليها يوماً فوجدت الذئب قد أخذ شاة منها، فغضبت فصككتها في وجهها، ثم ندمت، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون، فذهبت إلى النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله! إنه حدث مني كذا وكذا؛ فعظم الرسول ﷺ ذلك، فقلت: يا رسول الله! أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها، يقول: فذهبت فجئت بها إلى النبي ﷺ فقال لها: أين الله؟ فأشارت بيدها وقالت: في السماء، فقال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فقال: اعتقها فإنها مؤمنة)، حكم الرسول ﷺ على أنها مؤمنة بقولها: الله في السماء، مع قولها: أنت رسول الله، وهذا يوافق قول الله جل وعلا: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك:١٦] من الذي يخسف بنا الأرض؟ ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك:١٧] و (في) هنا المقصود به: العلو، أي: أأمنتم من في العلو من فوقكم، وليس (في) هنا ظرفية، إلا أنه يجوز أن تكون (في) هنا بمعنى (على)، أي: أأمنتم من على السماء؛ لأن (في) تأتي بمعنى (على) كما قال الله جل وعلا في قصة فرعون: ﴿َلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١]، وليس المقصود أن يدخلهم في جذوع النخل، بل يصلبهم فوقها، ويقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام:١١] هل المقصود يدخلون في باطن الأرض؟ أبداً، بل يسيرون عليها.
فالمقصود أن (في) تأتي بمعنى (على)، فإما أن يقال هنا: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (في) بمعنى (على)، أو يقال: إن السماء المقصود بها العلو، وهذا حق، ويقول الله جل وعلا في قصة عيسى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥].
ويقول الله جل وعلا في كتابه: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤]، ويقول: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، ويقول: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ [الزمر:١] ينزل الوحي من السماء، والأدلة كثيرة جداً لا حصر لها، ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، وسبق لنا أن العرش هو أعظم المخلوقات وأكبرها، وليس فوق العرش شيء من المخلوقات أصلاً، ما فوقه إلا الله جل وعلا، فما أكثر أدلة علو الله جل وعلا، تقول زينب ﵂ -وهي تفتخر على أزواج النبي- (زوجكن أهاليكن، وأنا زوجني الله من فوق سبع سماوات)، وعلو الله ثابت حتى في كلام أهل الجاهلية.
стр. 1837
الصحابة تلقوا صفات الله بالقبول
قال الشارح ﵀: [وتلقى الصحابة ﵃ عن نبيهم ﷺ ما وصف به ربه من صفات كماله ونعوت جلاله، فآمنوا به وآمنوا بكتاب الله، وما تضمنه من صفات ربهم جل وعلا كما قال تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧]، وكذلك التابعون لهم بإحسان وتابعوهم، والأئمة من المحدثين والفقهاء، كلهم وصف الله بما وصف به نفسه، ووصفه به رسول الله ﷺ ، ولم يجحدوا شيئاً من الصفات، ولا قال أحد منهم: إن ظاهرها غير مراد، ولا أنه يلزم من إثباتها التشبيه، بل أنكروا على من قال ذلك غاية الإنكار، فصنفوا في رد هذه الشبهات المصنفات الكبار المعروفة الموجودة بأيدي أهل السنة والجماعة].
стр. 1838
علو الله تعالى وأدلته
قال المصنف ﵀: [وعن ابن مسعود قال: (بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم) أخرجه ابن مهدي عن حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله].
стр. 1839
أدلة علو الله في القرآن
المقصود بهذا الأثر الاستدلال به على علو الله على خلقه، والنصوص في علو الله جل وعلا كثيرة جداً، حتى لو تتبعتها في كتاب الله ما حصرتها بأفرادها، وإنما بأنواعها، ولهذا يذكرها العلماء أنواعاً في كتاب الله.
فمن أنواعها: كون الله جل وعلا أخبر في آيات كثيرة أنه أنزل الكتاب على عبده، وأنزل الكتب على رسله، فالإنزال لا يمكن أن يكون إلا من فوق إلى أسفل، وكلها جاءت بهذا اللفظ، وهذا نوع من الأنواع، وأفراده كثيرة، فلو تتبع الإنسان ما في القرآن من لفظ التنزيل الذي يخبر الله جل وعلا أنه فعله تنزيلاً من عنده لوجده كثيراً.
ومن أنواعها: الإخبار بأنه جل وعلا في السماء، كما قال جل وعلا: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك:١٦ - ١٧] وهذا أيضاً جاء كثيراً، والسماء المراد بها: العلو الذي فوق، فكل ما علاك يسمى سماء كما قال الله جل وعلا: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ [الحج:١٥] والمقصود بهذا: من كان يتوقع أن الله لا ينصر رسوله، ويترقب هذا ويترصد؛ فليضع حبلاً في السقف، ثم ليضعه في حلقه، ثم ليقتل نفسه، فإن الله لا بد أن ينصر عبده ورسوله.
فالمقصود من السماء العلو، وليس المراد بفي الظرفية مثل ما يقال: الماء في الكوز، والماء في الإناء.
ومن أنواع الأدلة على علو الله: الإخبار بأنه القاهر فوق عباده، وأنه فوق خلقه، وقد جاء هذا في آيات متعددة، كالتصريح بالفوقية.
ومن أنواع الأدلة في كتاب الله على العلو أيضاً: أنه يذكر بعد خلق السماوات والأرض استواءه على عرشه، مرتباً الاستواء على الخلق بكلمة (ثم) التي تقتضي الترتيب مع التراخي، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، وجاء هذا في سبعة مواضع من كتاب الله بهذا الأسلوب، بكلمة (ثم) مرتبة على خلق السماوات والأرض.
ومن أنواع الأدلة: أنه يذكر جل وعلا أن من عباده من هو عنده: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ﴾ [فصلت:٣٨]، والعندية تقتضي التميز والعلو والارتفاع عن خلقه جل وعلا، وأنواع أخرى كثيرة جداً.
стр. 1840
أحاديث رسول الله تثبت العلو
توجد أحاديث عن رسول الله ﷺ كثيرة تدل على علو الله، فمنها: الإشارة الحسية إلى أن الله فوق، سؤالاً وفعلاً وقولاً من الرسول ﷺ ، فقد صح في صحيح مسلم وغيره أنه سأل الجارية: (أين الله؟ فقالت: في السماء) فحكم عليها بعد ذلك بأنها مؤمنة، وكذلك كونه ﷺ سأل الناس فقال: (أنتم مسئولون عني، فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد بإنك قد بلغت، فصار يرفع أصبعه إلى السماء ثم ينكسها عليهم ويقول: اللهم اشهد، اللهم اشهد) أي: اشهد عليهم أنهم شهدوا لي.
ومنها: التصريح بقوله ﷺ كما في الرقية: (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض كما أن رحمتك في السماء، أنزل رحمة من رحمتك، وشفاء من شفاءك على هذا الوجع) هكذا كان يرقي صلوات الله وسلامه عليه بعض أهله.
وكذلك كونه ﷺ يصرح بأن الله ينزل إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، وكذلك يوم عرفة، وغير ذلك من أنواع شتى كثيرة جداً.
وقد قال العلماء: إن اتصاف الله بالعلو دل عليه العقل ودلت عليه الفطرة، مع الكتب المنزلة، وما جاء به الرسول، وكلها متضافرة عليه، فإنكارها إنكار لما عرف بالضرورة، فمن أنكر علو الله على خلقه يكون منكراً لشرع الله، ولفطرة الله التي فطر عليها الخلق، ولدينه الذي أرسل به الرسل.
стр. 1841
العقل يدل على علو الله
العقل يدل على علو الله العلماء: إن الله هو الخالق للسماوات والأرض، والإنس والجن، وكل شيء، وهذا أمر لا يُشك فيه، وكل مخلوق له خالق مدبر هو الله، فقالوا: عندما خلق الله المخلوقات لا يخلو الأمر من تقديرات: أحدها: أن يقدر أنه خلق المخلوقات في ذاته تعالى وتقدس، ومن اعتقد هذا فهو كافر، وهذا التقدير باطل قطعاً، أما التقدير الثاني: فهو أنه خلق المخلوقات خارج ذاته، فإذا كان ذلك فلا يخلو الأمر؛ إما أن يكون تحت المخلوقات، أو مخالطاً لها، أو فوقها، وكونه تحتها أو مخالطاً لها باطل قطعاً؛ لأنه بهذا يساوي الخلق ويماثلهم في الوجود في المكان، فإذا: لا بد أن يكون فوق خلقه، وهذا نوع من الأدلة العقلية، وهناك أنواع أخرى عقلية ذكروها.
стр. 1842
الفطرة تدل على علو الله
مما يدل على علو الله الفطرة، فالإنسان مفطور على دعوة ربه في العلو، فإذا دعا الإنسان ربه رفع يديه إلى السماء وقال: يا رب يا رب، ولا يلتفت لا يمين ولا شمال ولا تحت، فإذاً: هذه فطرة فطر الله جل وعلا عليها خلقه.
وبقي سؤال وهو: ما حكم الذي ينكر علو الله؟ وما شبهته؟ وهل لهم دليل؟ هم في الواقع اعتاضوا عن كتاب الله وعن أحاديث رسوله ﷺ بعقولهم، ولن تستقل العقول بمعرفة الله، مع أن الأصل الذي اتفق عليه علماء الأمة، من الذين لهم مقام صدق، ولهم لسان صدق عند الناس، أنه لا يثبت لله جل وعلا من الأوصاف والأفعال إلا ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ .
أما ما يقوله الناس، فإنه يجب أن يعرض على كتاب الله وعلى أحاديث رسوله ﷺ ، فما وافق كتاب الله وسنة رسوله قبل، وما خالفهما رد على صاحبه مهما كان مقام وعلم هذا القائل.
стр. 1843
إثبات رؤية الله يوم القيامة
الله جل وعلا غيب لم يره أحد، ولم يطلع عليه أحد فيصفه، ولو أمكن لأحد أن يراه لرآه أفضل الخلق وخاتم الرسل محمد صلوات الله وسلامه عليه، فإن الله عرج به -وهذا أيضاً من أنواع الأدلة على العلو- إلى السماء السابعة، بل إلى سدرة المنتهى -وسدرة المنتهى في السماء السابعة- ثم أوحى إليه ما أوحى جل وعلا، والذي جاءنا صريحاً أنه أوحاه إليه الصلاة، ففرض عليه الصلوات الخمس هناك، ولم ير ﷺ ربه في ذلك المقام، فقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر ﵁ أنه قال: (سألت رسول الله ﷺ فقلت: هل رأيت ربك؟ -يعني: في المعراج- فقال: (رأيت نوراً) -وفي رواية- (رأيت ناراً) -وفي رواية- (نور أنى أراه؟)) يعني: لا أستطيع رؤيته.
وكذلك أخبرنا ربنا جل وعلا عن كليمه -الذي كلمه بلا واسطة، وسمع كلامه- موسى ﵇، حيث كلمه الله جل وعلا وهو على عرشه عالياً على خلقه، وموسى بالأرض، فكلمه فسمع كلامه، وخاطبه، ثم طمع في أن يرى ربه، فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾؛ فقال له جل وعلا: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣] يقول علماء التفسير: تجلى الله جل وعلا للجبل شيئاً قليلاً جداً، فما استطاع الجبل الثبات لرؤية الله.
وفي الصحيح عن أبي موسى الأشعري قال: (قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات فقال: إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) وسبحات الوجه: بهاؤه ونوره وجماله جل وعلا، فلو كشف للخلق هذا النور لاحترقوا عن آخرهم.
فالمخلوقات في هذه الحياة الدنيا لا تقوى على مشاهدة الله جل وعلا، ولكن المؤمنين يوم القيامة يرون ربهم؛ لأن تركيبهم يتغير، فيصبح تركيباً كاملاً لا يقبل الموت، ولا يقبل النقص، فيثبتون لرؤية الله، بل تكون الرؤية هي أعلى نعيمهم في الجنة.
ورؤيته تعالى تكون في الجنة، ويرونه أيضاً في الموقف كما جاء صريحاً في أحاديث رسول الله ﷺ كما في حديث أبي هريرة وحديث أبي سعيد الخدري الطويل الذي فيه ذكر الشفاعة، وأن الله جل وعلا بعد الشفاعة يأتي للفصل بين خلقه، فيخاطب خلقه كلهم، فيقول جل وعلا: (أليس عدلاً مني أن أولي كل واحد منكم ما كان يتولاه في الدنيا؟ فيقولون: بلى يا رب) ومعنى (يتولاه في الدنيا) يعني: يتخذه ولياً يدعوه ويرجوه ويسأله ويتضرع إليه، فالذي يتولى الله يكون الله وليه، والذي يتولى صاحب القبر يكون صاحب القبر هو وليه، والذي يتولى الصنم يكون وليه.
وذكر ﷺ أن الله جل وعلا يمثل لهم ما كانوا يعبدونه في الدنيا، فالذين كانوا يعبدون الأصنام تأتي أصنامهم بأعيانها، والذين كانوا يعبدون عيسى وعزيراً ومريم والأولياء تأتي شياطين بصورهم، والذين كانوا يعبدون الشمس والقمر تأتي الشمس والقمر، فإذا اجتمعت لديهم يقول الله جل وعلا: اتبعوهم فهؤلاء أولياءكم، فيتبعوهم، فيذهب بهم إلى النار فيلقون فيها، يلقى أتباعهم خلفهم، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨ - ٩٩] لما نزلت هذه الآية قال مشرك من المشركين: الآن سأفحم محمداً -يعني: أغلبه في الحجة- فأتى إلى النبي ﷺ فقال: نحن نعبد الملائكة، والنصارى يعبدون عيسى وأمه، فالملائكة وعيسى وأمه يكونون في النار، فجاء الوحي من الله جل وعلا وأنزل عليه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١ - ١٠٢] إلى آخر الآيات، وقد أخبر الله جل وعلا عن هذا في القرآن، وأنه إذا حشر الناس إلى يوم القيامة، خاطب الملائكة قائلاً: ﴿أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ:٤٠] فيقولون: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤١] فهم الذين زينوا لهؤلاء تلك العبادة.
المقصود: أنه لا يجوز أن نصف الله جل وعلا إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ ، أما كوننا نستدل على علو الله بالعقل وبالفطرة؛ لأنهما اتفقا مع الشرع، وإلا فإنه لا يجوز أن يكون العقل مستقلاً -وكذلك الفطرة- في دليل لا يشارك الشرع فيه، فنحن كلفنا بالوحي الذي أنزله الله جل وعلا على رسوله؛ ولذلك فكل إنسان أول ما يوضع في قبره يأتيه ملكان عظيمان، مع كل واحد منهما مطرقة من حديد لو ضرب بها جبل لانهد، فيجلسانه، وترد عليه روحه، ويكون كهيئته في الدنيا، فيسألناه فيقولان له: ما كنت تعبد؟ وبأي دين كنت تتعبد؟ ومن الذي جاءك بهذا الدين؟ هذه الأسئلة الثلاثة لا بد منها لكل واحد كما أخبر الرسول ﷺ ، وهذه الأصول الثلاثة التي يجب على كل مسلم ومسلمة أن يتعلمها، فيتعلم أمور العبادة، ويتعرف على ربه ، ورسوله الذي يأخذ الدين من طريقه؛ لأن كل عبادة لم يأت بها الرسول فهي باطلة مردودة؛ لأنها بدعة، والبدع ضلال، قال الله جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٢ - ٤] يقول العلماء: هم أهل البدع الذين يتعبدون الله بالبدع، فيتعبون وينصبون، ويبكون ويخشعون، والنتيجة أنهم يصلون النار، لأنهم تعبدوا بغير دين الله الذي جاء به رسول الله ﷺ ، وهؤلاء هم: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٤].
فالمقصود: أن الدين -سواء كان عقيدة أو عملاً- لا يؤخذ إلا من الكتاب والسنة، وأما صفات الله فلا دخل للعقل فيها.
لهذا يقول علماء أهل السنة في عقائدهم: اتفق العلماء على أن أوصاف الله توقيفية، أي: تتوقف معرفتها على ما في النصوص فقط.
стр. 1844
وجوب الإيمان بالصفات الثابتة في الكتاب والسنة
يجب على الإنسان أن يثبت كل ما أثبته الله جل وعلا لنفسه في كتابه، وفي أحاديث رسوله ﷺ من الصفات، فلو ترك المسلمون على فطرهم لما شكوا فيها، فإذا سمعوا قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] إذا سمعوا هذا اعتقدوا أن الله يقبض مخلوقاته إذا شاء، وأنه يطوي السماوات والأرضين وجميع الخلق بيده، وكذلك إذا سمعوا قول الله جل وعلا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] اعتقدوا أن لله يدين يبسطهما بالعطاء وبالنعم وبالفضل على من يشاء من خلقه.
وكذلك إذا سمعوا قوله جل وعلا في مخاطبته لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] اعتقدوا أن لله يدين، وكذلك إذا سمعوا أن الله سميع بصير اعتقدوا أن له السمع والبصر، كقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١] هذه الآية نزلت بسبب امرأة جاءت إلى النبي ﷺ ، فدخلت عليه وهو في بيت عائشة -أي: في غرفتها، لأن بيت عائشة عبارة عن غرفة واحدة، وكل بيوت زوجات النبي ﷺ عبارة عن غرفة واحدة-، قالت عائشة: لقد جاءت المجادلة وإني في طائفة البيت، والله إنه يخفى عليّ بعض كلامها، فأنزل الله جل وعلا: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ يعني: كونها تحاور الرسول ﷺ حول مظاهرة زوجها لها، والظهار كان معروفاً في الجاهلية، فحرمه الله جل وعلا في الإسلام، وأثبت فيه أحكاماً، وهو أن يشبه زوجته بظهر أمه أو بيد أمه أو ببطن أمه أو بظهر أخته، أو بظهر بنته، فيشبهها ببعض محارمه التي تحرم عليه على الأبد، فمن شبهها بذلك فقد ارتكب محرماً، ولا يجوز له أن يقربها حتى يكفر، والظهار كان طلاقاً في الجاهلية، فجاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إنه رجل كبير وفقير، ولي أولاد منه، فكيف أصنع بهم؟ فقال ﷺ : (لا أراك إلا قد حرمت عليه)، فصارت تقول: اللهم إليك أشكو صبية إن ضممتهم إليّ جاعوا، وإن تركتهم عنده ضاعوا، فأنزل الله جل وعلا الحكم في ذلك بالكفارة فقال: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة:٢] إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:٣] إلى آخر الآية، فلا بد أن يحرر رقبة، فإن لم يجد ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة:٤] فهذه الكفارة التي نزلت في الظهار هي قبل أن يمسها أو يقربها فلا بد أن يكفر.
فالمقصود: أن الله جل وعلا سمع قول هذه المرأة وهو فوق عرشه، فأنزل قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة:١] فالمسلمون يعتقدون أن الله سميع بصير، وأنه لا يخفى عليه شيء، فسمعه يسع كل صوت وإن دق، يسمع دبيب النملة على الصخرة الصماء في ظلمة الليل.
وكذلك يعتقدون أنه عليم بكل شيء، وأنه خبير بكل شيء، ويعتقدون أنه لا يخفى عليه شيء -تعالى وتقدس- فلماذا يراد منهم ما لا يعتقدونه؟
стр. 1845
نفي أهل البدع لصفات الله الثابتة بشبه مضلة
جاء أهل الضلال فقالوا: لا يجوز أن نعتقد أن الله مستوٍ على العرش؛ لأن الذي يكون فوق العرش جسم في جهة، كما قالوا: لا يجوز أن نعتقد أن الله يتكلم؛ لأننا ننزه الله عن التشبيه؛ لأن الكلام لا يكون إلا لمن له لسان ولهاة وحنجرة وشفتان، والكلام له مقاطع، وله مبدأ وله آخر، وإذا قلنا: إن الله يتكلم، فيلزمنا أن الحوادث تحل به -تعالى وتقدس-.
فالجواب أن نقول لهؤلاء الضلال -الذين أرادوا أن يلبسوا على المسلمين، وأن يشككوهم في ربهم- كلمة جسم من أين أتيتم بها؟ هذه كلمة مبتدعة لا وجود لها في كتاب الله ولا في أحاديث رسوله ﷺ ، لا نفياً عن الله ولا وصفاً له بها، فنردها عليكم، ونثبت ما أثبته الله لنفسه، وأثبته له رسوله، ولا نقول كما تقولون، ولسنا بحاجة إلى ذلك؛ لأن الرسول ﷺ لم يبلغنا ذلك.
وأما إذا أردنا التفصيل والجدال فنقول: ماذا تريدون بالجسم؟ فأنتم تختلفون في تعريفه، فهل تريدون بالجسم: البدن المكون من اللحم والدم والعظام؟ إذا كنتم تريدون هذا فالله يتعالى عن ذلك ويتقدس، وهذا تكلف ما جاءنا به كتاب ولا سنة، ولكن جاءنا قوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فهذا الذي تعرفونه أنتم من أنفسكم نعتقد أنه تشبيه، حيث شبهتم الله في أذهانكم أولاً، ثم نطقتم بنفيه، أما أهل الحق فلا يعتقدون هذا، وإن اعتقدتم أن الجسم يشغل مكاناً؛ فنحن نعتقد أن الله فوق، وأنه مستو على عرشه، وأنه أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء؛ لأن نصوص الشرع جاءت بهذا، والرسول ﷺ قد أشار إليه، والله أخبرنا أنه ينزل متى يشاء، وأخبر أنه يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين خلقه، فلا يجوز أن يترك كتاب الله وشرعه ورسالة رسوله ﷺ لقول هؤلاء المبطلة المعطلة الضلال، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا.
أما مسألة الكلام فنقول: هل المخلوق الذي يتصف بالكلام أكمل ممن لا يستطيع أن يتكلم أو أنقص؟ أليست صفة الكلام صفة كمال؟ فالله جل وعلا قد عاب على قوم موسى ﵇ حينما عبدوا العجل وهو لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً، ولا يملك لهم قولاً، فلا يخاطبهم إذا خاطبوه، ولا يجيبهم إذا سألوه.
فدل هذا على أن صفة الكلام صفة كمال وليست صفة نقص، هذا في كلام المخلوق، والله جل وعلا قد أعلمنا أنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، وأن كلامه لا يشبه كلام الخلق، كما أن ذاته جل وعلا لا تشبه ذوات المخلوقات، وأخبرنا أنه يتكلم، وأنه أرسل الرسل بالشرع الذي يوحيه إليهم، ويخاطبهم به، وأنه يخاطب خلقه، وأنه يحاسبهم، فنفي هذا كفر بالله جل وعلا، وقد ثبت عنه ﷺ أنه كان يقول: (أعرف حجراً في مكة كان يسلم عليّ) يقول: السلام عليك يا رسول الله.
حجرٌ أصم يخاطبه خطاب فصيح عربي ويقول: (السلام عليك يا رسول الله) كلما مر عليه، فكلما مر على هذا الحجر سلم عليه.
وثبت أنه صلوات الله وسلامه كان يخطب في مسجده على جذع نخلة يابس اتخذه منبراً له، كما أنه اتخذ سواري المسجد من جذوع النخل، هكذا كان مسجده، بنى سواريه بجذوع النخل اليابس، فجذع النخل يجعله سارية، وسقف المسجد من جريد، وإذا جاء المطر نزل عليهم، ويسجد صلوات الله وسلامه عليه أحياناً في الماء والطين، فيظهر أثر الماء والطين في جبهته صلوات الله وسلامه عليه، كما ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري يقول: (خرج رسول الله ﷺ ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحا رجلان -يعني: تجادل رجلان- فرفعت، فقال ﷺ : خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحا فلان وفلان، فرفعت، وعسى أن يكون خيراً، وقد رأيتني صبيحتها أسجد في ماء وطين)، يقول أبو سعيد الخدري: وكان مسجد رسول الله ﷺ مسقوفاً بجريد النخل، فجاء المطر ليلة إحدى وعشرين من رمضان فوكف سقف المسجد، فرأيت أثر الماء والطين في جبهة رسول الله ﷺ صبيحة تلك الليلة؛ ولهذا كان أبو سعيد يقول: إن ليلة القدر هي ليلة إحدى وعشرين استناداً إلى هذا الحديث عن النبي ﷺ .
فالمقصود أنه كان صلوات الله وسلامه عليه يخطب على جذع نخلة يابس، ثم فيما بعد أمر نجاراً أن يصنع له منبراً، فصنع له منبراً من طرفاء الغابة، فترك ذلك الجذع وصار يخطب على هذا المنبر، فأول ما صعد على هذا المنبر للخطبة وترك الجذع سمع الحاضرون الذين في المسجد حنين الجذع، فصار يحن مثل حنين الناقة إذا فقدت ولدها، حتى نزل صلوات الله وسلامه عليه من على منبره والتزمه فهدأ، وقال: (لو تركته لبقي يحن إلى يوم القيامة)، يحن على الوحي الذي فقده، وكان يُتلى عليه، فعلى ذكر الله وآياته يحن.
فهذا جذع جماد يابس له صوت، فكيف يقول هؤلاء: إذا أثبتنا الكلام لله أثبتنا التشبيه؟ تعالى الله وتقدس، فالله ليس كمثله شيء، فكلامه لا يشبه كلام الخلق، وكلامه لا يتطلب ما تقولون، فالكلام الذي يتطلب ما تقولون هو كلامكم، كلام الآدميين وكلام المخلوقين، فهذا دليل على أنهم مشبهة، وأنه ارتسم عندهم التشبيه أولاً، ثم صاروا ينفونه بالتعطيل.
وعلى كل حال فالإنسان مسئول عما أنزله الله إليه في كتابه، وما جاء به رسوله ﷺ ، ليس عن فلان وفلان، وهذه عقيدة الأمة التي سلكت طريق الصحابة وأتباعهم، يصفون الله جل وعلا بما وصف به نفسه وما وصف به رسوله، فكل ما أثبته الله جل وعلا لنفسه أو أثبته له الرسول يُثبتونه، لا يحرفون، ولا يعطلون، ولا يكيفون، ولا يشبهون ولايمثلون، تعالى الله وتقدس؛ فإن الله ليس كمثله شيء، ولكن يثبتون ما أثبته لنفسه، فكل ما جاء موصوفاً به الرب جل وعلا يجب أن يثبت له، ولا يُلتفت لقول هؤلاء.
ونزيد هذا ونقول: إن الله جل وعلا أخبرنا أنه يخاطب الجلود، وأنها تتكلم يوم القيامة، ويخاطب الأسماع والأبصار، وأن السمع والبصر يتكلم، وكذلك الأيدي، فقد أخبر جل وعلا أنه يختم على أفواه قوم، وأنها تتكلم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فالأيدي والأرجل تتكلم، فيقال لهم: أخبرونا كيف تتكلم الأيدي والأرجل فأنتم تؤمنون بهذا؟ وحينئذ لابد لهم من التسليم للوحي.
أقول: إذا ثبت هذا في المخلوقات بدون أن يكون لها فم ولسان وشفتان، فكيف يشترط في كلام الله وجود هذه الأشياء؟!! وكل ما قالوه من هذا النوع باطل، وبعضه بطلانه ظاهر جداً؛ ولهذا صاروا يردون الكتاب والسنة رداً صريح، ويقولون: ما نقبل هذا، وما نقبل إلا عقولنا، فهل الله يسألكم عن عقولكم، أو يسألكم عما أرسل به رسوله صلوات الله وسلامه عليه؟ فسوف ترون عاقبة أمركم يوم تقفون بين يدي الله جل وعلا.
стр. 1846
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٣٨]
إن مما يجب على العبد المسلم أن يؤمن بصفات الله وأسمائه، فيثبت ما أثبته الله تعالى لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ ، ومن ذلك صفة علو الله تعالى على خلقه، وهذا أمر قد تضافرت النصوص على إثباته، بالإضافة إلى دلالة العقل والفطرة التي فطر الله تعالى عليها خلقه، فلا يخالف في ذلك إلا ضال، حرمه الله من إدراك الحق اليقيني.
стр. 1847
فوقية الله واستواؤه على العرش
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى: وهذا كتاب الله من أوله إلى آخره وسنة رسوله ﷺ ، وكلام الصحابة والتابعين وكلام سائر الأئمة مملوءة كلها بما هو نص أو ظاهر أن الله تعالى فوق كل شيء، وأنه فوق العرش فوق السموات مستوٍ على عرشه، مثل قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، وقوله تعالى: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥]، وقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨]، وقوله تعالى: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٣ - ٤]، وقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥]، وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [البقرة:٢٩]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤]، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس:٣]، فذكر التوحيدين في هذه الآية].
المقصود بالتوحيدين توحيد الأسماء والصفات، وتوحيد العبادة -توحيد التأله-، وهذا هو أعظم ما جاءت به الرسل، وأوجب ما يجب على الإنسان أن يفعله، والله جل وعلا لا يقبل من العبد حتى يوحد، وسمي توحيد الأسماء والصفات لأن الله يختص به وحده لا يشاركه فيه أحد غيره -تعالى وتقدس- فهذه الصفات خاصة به جل وعلا، وكل صفة يتصف بها لا يشاركه فيها خلقه، وإن شاركوه في اللفظ أو في مجرد التسمية أو المعنى العام من بعيد، ولكن إذا أُضيف الشيء لله فهو خاص به، ولا يجوز أن يكون خلقه مشاركين له، فعلوّه خاص به جل وعلا، ولا يمكن أن يكون شيء من الخلق فوقه.
стр. 1848
أقسام صفات الله تعالى
قال العلماء: إن صفات الله تنقسم إلى قسمين: صفة تسمى ذاتيه، أعني: صفة ذات تتعلق بذاته، ولا تنفك عنه في حال من الأحوال، مثل الحياة، ومثل العلم، ومثل السمع، ومثل البصر.
وصفة فعلية مثل الخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، أي: الشيء الذي يتعلق بمشيئته، فإذا شاء أن يفعله فعله، وإذا شاء ألا يفعله لا يفعله، فهذا سموه صفة فعل.
قالوا: وعلو الله من النوع الأول، أي: من صفات الذات، فذاته لا يجوز أن تكون تحت شيء من خلقه أصلاً؛ لهذا إذا جاء إلى الأرض يوم القيامة للفصل بين خلقه يأتي وهو فوق كل شيء، وقد علمنا كما ذكر لنا ربنا جل وعلا في هذه الآية أنه يقبض السموات كلهن بمن فيهن بيده، فتكون صغيرة حقيرة بالنسبة إليه تعالى وتقدس، كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧].
وسبق أن ذكرنا أن ابن عباس يقول في هذه الآية: السماوات والأرض كلها بيمينه.
فهو يرى أن هذه الآية خبر وحي، في قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧]، يعني: أنه يقبض الأرض ويقبض السماء بيمينه، ولهذا قال: (يقبض المخلوقات كلها بيده اليمنى وتكون شماله فارغة) هكذا قال، والسند إليه صحيح ثابت.
وثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ ما يتفق مع هذا القول، وفي غيره من أحاديث رسول ﷺ ، كحديث عبد الله بن عمر المتفق عليه وغيره.
فإذاً لا يجوز أن يتصور متصور أن شيئاً من المخلوقات يمكن أن يساوي الرب جل وعلا، فكل المخلوقات بسمائها وأرضها بالنسبة إلى الله حقيرة صغيرة، فيجب على العبد إذا قال: (الله أكبر) أن يستشعر أنه أكبر من كل شيء تعالى وتقدس.
والحديث الذي جاء في ذكر المسافات أن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة، جاء في بعض الروايات أن ما بين السماء والسماء مسيرة اثنتين أو ثلاث وسبعين سنة، وجاء قول الله جل وعلا: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥].
فهذه المسيرة ألف سنة بين الأرض وبين السماء، وقد يقول قائل: اختلفت النصوص هنا، فكيف يكون الجمع بين القولين في هذا؟ نقول: إن الاختلاف هنا هو اختلاف السير، فالسير قد يكون سريعاً وقد يكون بطيئاً، والله جل وعلا أصعد رسوله إلى السماء في ليلة واحدة، والصواب الذي دل عليه الحق أنه عُرج بجسده وروحه لا بروحه فقط كما يقوله البعض، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١]، ثم عُرج به من هناك، والأحاديث في هذا متواترة عن رسول الله ﷺ .
كذلك ثبت أنه إذا قبض العبد وخرجت فإن روحه يُصعد بها إلى السماء، وإنها كلما مرت على ملأ من الملائكة بين السماء والأرض إذا كانت صالحة سلموا عليها ودعوا لها، وإن كانت خبيثة لعنوها قبل أن تصل إلى السماء الدنيا، فإن كانت صالحة استفتح لها ففُتح لها باب في السماء الدنيا، ثم يُصعد بها إلى الثانية فيُستفتح لها فيُقال: من؟ فيُقال: فلان جيء به -يعني: روحه- فيفتحون له إلى السماء السابعة، فإذا وصل إلى السماء السابعة خاطبهم الله جل وعلا وقال: (اكتبوا كتابه في عليين، وأعيدوه إلى الأرض)، فيعيدونها إلى الأرض، وهذا كله يقع قبل أن يُدفن، أي: ما بين موته وتجهيزه والصلاة عليه ووضعه في قبره، فإذا وُضع في قبره أعيدت روحه إليه، وبعدها يوقف في القبر ويسأل، وهذا ثبتت فيه الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ ، فالمسافات تختلف.
أما ما يقوله الملاحدة اليوم من أنهم يغزون الفضاء، وأنهم أطلقوا صاروخاً إلى الفضاء، وأنهم كذا وكذا، وأنهم ذهبوا إلى كوكب كذا وكوكب كذا، فيسمون الفوق فضاءً، أي: ليس فيه شيء، ويزعمون أنه ليس فيه إلا هذه الكواكب التي يقولون: إنها تسبح.
ويقولون: إذا صعدوا مسافة عالية أصبحوا لا يرون شيئاً، فلا يرون سماءً ولا أرضاً ولا شيئاً، وبهذا يستدلون على أنه ليس هناك سماء.
ونقول: هذا كله باطل، فالسماء لا تُرى إلا إذا كان هناك شيء يعكسها فتُرى، أما إذا انعدم العاكس انعدمت الرؤية لشدة بعدها، فإذا أصبحت الأرض لا أثر لها، ولا تأثير لها في انعكاس الرؤيا فلا تُرى، فهم إذا أبعدوا في الصعود انعدم تأثير الأرض فانعدمت الرؤية، فأصبحوا لا يرون.
ومعنى قولهم هذا: أنه ليس هناك سماء، والله جل وعلا يقول: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ [ق:٦]، فهل يأمرنا جل وعلا أن ننظر إلى شيء عدم؟ كلا أبداً، فالسماء مبنية حقيقة، ولها أبواب لا تُفتح إلا لمن يشاء الله جل وعلا، وقد أخبر أن الكفار لا تُفتح أبواب السماء لأرواحهم ولا يدخلونها.
فالمسافة التي ُذكرت إنما يكون اختلافها باختلاف السير، فإذا كان السير سريعاً كان التحديد أقل في الوقت، وإذا كان بطيئاً كان التحديد أكثر في الوقت فهذا هو الجواب عن اختلاف هذه النصوص.
стр. 1849
النصوص الدالة على الاستواء وما ورد عن السلف في ذلك
قال رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد:٢]].
(ترونها) هنا تكميل لما سبق، يقول جل وعلا: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد:٢]، واختلف المفسرون في رجوع الرؤية هل إلى السماء أو إلى العمد؟ والصواب أنها إلى السماء، فبعضهم يقولون: على عمد ما ترى، وهذا ليس بصحيح، وهي غير مقصود، بل الصحيح: أنها أمسكت السماء بدون أعمدة، فأنتم ترون أن السماء ثابتة أمسكت بقدرة الله جل وعلا، وتعرفون أنكم إذا أردتم أن تبنوا بناء لابد أن يعتمد على أعمدة، فالمقصود هنا: الإخبار عن قدرة الله جل وعلا، وهنا يقول: (ترونها) يعني: نرى السماء بدون أعمدة.
قال رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٤ - ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا * الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٨ - ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ * يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٤ - ٥]، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤]، فذكر عموم علمه وعموم قدرته وعموم إحاطته وعموم رؤيته.
وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك:١٦ - ١٧]، وقوله تعالى: ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، وقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر:١]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧]].
هذه الآية وجه الاستدلال بها هو أن موسى ﵇ أخبر فرعون أن الله في السماء، وجاء بهذا في الشرع الذي جاء به إلى الناس، وكلفهم قبوله والإيمان به ولهذا قال فرعون -يلبس على الناس- لوزيره هامان: ابن لي صرحاً سأصعد فيه فأنظر هل موسى صادق أو كاذب.
ولهذا قال: ((إني لأظنه كاذباً)) يعني: في الخبر تلبيس.
وهكذا المجرمون يفعلون ويُقابلون الرسل بالتكذيب وأنهم جاءوا بما يخالف الواقع.
قال الشارح ﵀: [وقد ذكر الأئمة رحمهم الله تعالى فيما صنفوه في الرد على نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة ونحوهم أقوال الصحابة والتابعين.
فمن ذلك ما رواه الحافظ الذهبي في كتاب العلو وغيره بالأسانيد الصحيحة عن أم سلمة زوج النبي صلى الله وعليه وسلم أنها قالت في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] قالت: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان والجحود به كفر.
رواه ابن المنذر واللالكائي وغيرهما بأسانيد صحاح].
معنى قولها: (الاستواء غير مجهول) أي: معلوم في اللغة، فمعلوم لغة أن الاستواء هو العلو على الشيء، والارتفاع على الشيء، ولا أحد يجهله.
وأما قولها: (الكيف غير معقول) فالكيف المقصود به: كيفية الاستواء، وتعني به الهيئة التي كان عليها لما استوى.
وهذا ما هو معقول، بل هذا يتطلب المشاهدة والرؤية، والرؤية غير واقعة، فالكيفية غير معلومة للخلق، ولا أحد يطلع عليها.
وقولها: (والإقرار به إيمان) تعني: أن هذا جاء في الشرع، وتكاثر في الشرع، فإذا أقر به الإنسان فهو مؤمن بما جاء به من عند الله، وإنكاره كفر، وهكذا جاء عن الإمام مالك ﵁ وعن شيخه ربيعة، كلهم قالوا هذا القول، وكذلك يُقال في جميع صفات الله جل وعلا.
فلو قيل لك: كيف يده؟ نقول: اليد معلومة، وردت في الشرع فيجب الإيمان بها، أما الكيف فالكيف ما نعلمه؛ لأن الكيفية تتطلب المشاهدة والرؤيا، وهكذا السمع والبصر والرجل وغير ذلك، كلها نقول فيها هذا القول.
قال رحمه الله تعالى: [وثبت عن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى أنه قال: لما سئُل ربيعة بن أبي عبد الرحمن: كيف الاستواء؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق].
وهذا معناه أن الاستواء معلوم غير مجهول، والكيف غير معلوم، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق والقبول، أي: نقول: إن هذا شيء ورد في الشرع فيجب علينا أن نقبله، والرسول بلغه عن الله جل وعلا، فلا يجوز أن نعترض عليه بشيء لا تدركه عقولنا، فعلينا أن نؤمن بظاهر النصوص على ما نتعارف عليه، أما الكيفية فنكلها إلى الله جل وعلا.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وقال ابن وهب: كنا عند مالك فدخل رجل فقال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ فأطرق مالك ﵀ وأخذته الرحضاء، وقال: (الرحمن على العرش استوى كما وصف نفسه، ولا يُقال: كيف؟ وكيف عنه مرفوع، وأنت صاحب بدعة، أخرجوه) رواه البيهقي بإسناد صحيح عن ابن وهب، ورواه عن يحيى بن يحيى أيضاً ولفظه قال: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة)].
معنى قوله: (وأخذته الرحضاء) الرحضاء: العرق، يعني: صار يتصبب عرقاً؛ لأن هذا أمر ليس بسهل، يسأله عن قوله تعالى: ((الرحمن على العرش استوى)) كيف استوى؟ والكيفية ما هي معروفة للناس حتى يسأل عنها، ولهذا أنكر عليه الإمام مالك ﵁ وقال: أخرجوه.
لأنه صاحب بدعة، فأخرجوه من مجلسه بعدما أجاب الجواب الصحيح السديد الذي يجب أن يكون أصلاً نتبعه ونسير عليه في كل شيء، قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول.
يعني: ما هو معلوم للخلق، ولا يُعقل أنهم يعلمونه؛ لأنه أمر غيبي، ثم أخبر أن الإيمان بالاستواء واجب، وأن السؤال عن الكيفية بدعة، فما يسأل عنها إلا مبتدع، وهكذا يُقال في جميع صفات الله جل وعلا.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال الذهبي: فانظر إليهم كيف أثبتوا الاستواء لله، وأخبروا أنه معلوم لا يحتاج لفظه إلى تفكيك، ونفوا عنه الكيفية، قال البخاري في صحيحه: قال مجاهد: (استوى: علا على العرش)].
هذا تفسير (استوى) بأنه علا، وكذلك جاء تفسيره أيضاً بأنه صعد، وجاء تفسيره بأنه ارتفع، وجاء تفسيره بأنه استقر، أربعة ألفاظ فقط هي التي جاءت عن السلف في تفسيرهم للاستواء: العلو، والارتفاع، والصعود، والاستقرار.
وكلها رويت بالأسانيد عن السلف، وهي بمعنى الاستواء، ولكن قد يكون إنسان عنده لفظ العلو أوضح من لفظ الاستواء، وآخر قد يكون عنده لفظ الصعود أوضح من لفظ الاستواء، فيفسرون بحسب حال السامع حتى يفهمونه.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وقال إسحاق بن راهويه: سمعت غير واحد من المفسرين يقول (الرحمن على العرش استوى) أي: ارتفع.
وقال محمد بن جرير الطبري في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] أي: علا وارتفع.
وشواهده بأقوال الصحابة والتابعين وأتباعهم، فمن ذلك قول عبد الله بن رواحة ﵁: شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا وتحمله ملائكة شداد ملائكة الإله مسومينا].
يقصد بالملائكة الشداد حملة العرش الذين أخبر الله جل وعلا أنهم يحملونه، وأخبر أنه من الملائكة من يحف بالعرش ويطوف به ويسبح لله جل وعلا، ويعبده، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:٧].
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وروى الدارمي والحاكم والبيهقي بأصح إسناد إلى علي بن الحسين بن شقيق قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: نعرف ربنا بأنه فوق سبع سماواته على العرش استوى، بائن من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية].
والجهمية سموا بذلك نسبة لرجل اسمه الجهم بن صفوان أنكر صفات الله جل وعلا، وصار إماماً فيها بالكفر والإلحاد -نسأل الله السلامة-، وهو الذي يقول عن فرقته الإمام عبد الله بن المبارك: إننا لنحكي قول اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نح
стр. 1850
منكرو الاستواء وعمن أخذوا مقالتهم
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وهذا كثير في كلام الصحابة والتابعين والأئمة، أثبتوا ما أثبته الله في كتابه على لسان رسوله على الحقيقة على ما يليق بجلال الله وعظمته، ونفوا عنه مشابهة المخلوقين، ولم يمثلوا ولم يكيفوا كما ذكرنا ذلك عنهم في هذا الباب.
وقال الحافظ الذهبي: وأول وقت سمعت مقالة من أنكر أن الله فوق عرشه هو الجعد بن درهم، وكذلك أنكر جميع الصفات، وقتله خالد بن عبد الله القسري، وقصته مشهورة، فأخذ هذه المقالة عنه الجهم بن صفوان إمام الجهمية].
الجعد بن درهم كان في آخر دولة بني أمية، وهو معروف أنه ليس من المسلمين، ومتهم بأنه يهودي؛ لأنه تتلمذ على اليهود فصار يريد هدم عقيدة المسلمين، ومعلوم أن أعداء الإسلام من اليهود والنصارى وغيرهم ما استطاعوا أن يقوموا في وجه الإسلام بالقوة، فلما أعجزهم هذا صاروا يدبرون الحيل، ويدبرون الأفكار في تمزيق المسلمين وإضعاف قوتهم، وقد علموا أن قوتهم في عقيدتهم، فقالوا: لابد أن نبدأ في إضعاف العقيدة وإفسادها، فصاروا يؤسسون المؤسسات، ويتخيرون الأشخاص الذين فيهم جرأة وفيهم قوة، وعندهم حجج يدسونها بين المسلمين، وهذا الرجل كان من هذا النوع، وهم كثر، ومن قرأ التاريخ وأمعن نظراً في ذلك عرف يقيناً أن هذا هو الواقع.
فصار أول الأمر ينكر أشياء عند بعض الناس، فيقول: أيجوز أن نعتقد أن الله يحب؟ يقول: المحبة تقتضي الميل والموافقة، فالله ليس كمثله شيء.
وهكذا إلى أن تجرأ فقال: إنه لا يجوز أن يتكلم الله، ولا يجوز أن يتخذ خليلاً، فلما قالوا له: هذا خلاف القرآن قال: وإن كان فنحن نقول بالعقل، فالقرآن يمكن أنه ما جاء بالصواب.
فرفع أمره إلى أحد أمراء بني أمية، وهو خالد بن عبد الله القسري، فأخذه مقيداً، وكان الوقت يوم عيد أضحى، فكان هو الذي يتولى الصلاة، فصلى بالناس ثم خطب خطبة العيد، ثم قال في آخر الخطبة: أيها المسلمون! ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍ بـ الجعد بن درهم؛ إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، فتعالى الله عن قول الجعد بن درهم علواً كبيراً ثم ذبحه أضحية.
стр. 1851
دليل آخر على علو الله تعالى على خلقه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (هل تدرون كم بين السماء والأرض، قلنا: الله ورسوله أعلم قال بينهما مسيرة خمسمائة سنة، ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة، وبين السماء السابعة والعرش بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله تعالى فوق ذلك، وليس يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم) أخرجه أبو داود وغيره].
هذا الحديث من أدلة علو الله جل وعلا على خلقه، وهذا أمرٌ قد تضافرت عليه أدلة الكتاب والسنة، وكذلك دلالة العقل مع دلالة الفطر التي فطر الله جل وعلا عليها خلقه، ولا يخالف هذا إلا ضال مخالف للحق اليقيني، وقد خالف كثيرٌ من الخلق ذلك فتأولوا النصوص الصريحة الواضحة التي جاءت في كتاب الله، وفي أحاديث رسوله ﷺ ، واتفقت عليها الأمة التي اتبعت رسول الله ﷺ ، ولا شك أن مخالفة النصوص الصريحة جرأة على الله جل وعلا، وجرأة على دينه، وكذلك تعطيل لصفاته التي تعرف بها إلى عباده، وهذا الحديث سرد من مجاميع كثيرة تدل على علو الله، ولكن المصنف اختاره لما فيه من الصراحة في ذكر المسافات بين الأرض والسماء، وبين كل سماء مع التي تليها، وكذلك ذكر صراحة المسافة التي تكون في كل سماء، أعني: سمكها وارتفاعها، ثم إنه ذكر أن الله فوق ذلك كله صراحة، أمر لا يحتمل تأويلاً، ولا يحتمل تحريفاً، فاختاره لأجل ذلك، وإلا فكتاب الله مملوءٌ من ذكر علو الله على خلقه، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] في آيات متعددة، في سبع آيات من كتاب الله كلها فيها ذكر استوائه على العرش، مرتباً على خلق السماوات والأرض بـ (ثم) التي تقتضي الترتيب مع التراخي، وفي كتاب الله كثير من الآيات تدل على أن الله فوق خلقه، كما في قوله جل وعلا: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر:١] في آيات متعددة، والنزول لا يكون إلا من العلو إلى الأسفل، وكقوله جل وعلا: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠]، وكقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨].
ولو أن الإنسان أراد أن يحصي النصوص التي جاءت في فوقية الله وعلوه ما تهيأ له ذلك إلا بكلفة وبوقت، فكيف يجوز للمسلم أن يخالف هذه النصوص؟ وما السبب الذي يدعو إلى هذا؟ الواقع أنه ليس هناك إلا سبب واحد فقط، وهذا إذا كان المخالف مسلماً، أما إذا كان غير مسلم فالأمر غير هذا، فسبب قول المخالف المسلم هو ما يتوهم من التشريك، وهي أمور وهمية لا حقيقة لها، فهم يقولون: لو قلنا: إن الله فوق؛ لاقتضى ذلك أن يكون في جهة، والجهة تكون محصورة، وكل ما حوته الجهات فهو جسم.
فهذا هو السبب، وهذه هي الشبهة التي دعتهم إلى إنكار ما هو ثابت في كتاب الله، وفي أحاديث رسوله ﷺ ، وهذه الشبهة باطلة داحضة؛ وذلك أن الله جل وعلا ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في أوصافه التي يتصف بها، وقد بين لنا ربنا ذلك.
ثم إنه يجب على العبد أن يقبل من الله جل وعلا ما قاله وما علمه خلقه وعباده المؤمنين، وكذلك يقبل ما قاله الرسول ﷺ ، ومن الأدلة الواضحة على وجوب ذلك قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧]، فلو كان ما يقولونه حقاً، للزم منه أن الرسول ﷺ لم يبلغ ما أنزل إليه، ومن اعتقد هذا فليس بمسلم فضلاً عن أن يكون على الحق الصواب الذي اختلف فيه؛ لأنه لم يشهد للنبي ﷺ بالبلاغ الذي أخبرنا ربنا جل وعلا أنه بلغه، وقام بما يلزم، فلو كان ما يقولونه هذا حقاً للزم هذا الكفر -نسأل الله العافية-، وذلك أن الأمة التي امتثلت أمر الله، واتبعت الرسول ﷺ شهدت لرسول الله صلى الله عليه سلم بالبلاغ المبين، وبالنصح التام، وبأنه لم يترك شيئاً يقرب الأمة للخير إلا ودلهم عليه، وبينه لهم، ولم يترك شيئاً يبعدهم عن الخير إلا حذرهم منه.
فقد كان في آخر حياته صلوات الله وسلامه عليه يسألهم: (أنتم مسئولون عني فماذا أنتم قائلون؟ فيقولون: نشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، فيقول: اللهم اشهد، اللهم اشهد)، وهذا أمر متواتر.
والمقصود أن هذا من الأدلة الواضحة على وجوب قبول ذلك واتباعه، والأدلة على هذا كثيرة.
ثم إن كل من احتاج إلى ربه لمسألة يسأله لابد أن يرفع يديه إلى السماء، يقول: يا رب! يا رب! ويجد لهذا دافعاً يدفعه في قرارة نفسه، فهو خلق على ذلك، ووضع في قلبه وفي عقله، فما يستطيع أن يكف نفسه عن هذا، وهذه الفطرة التي فطر الله جل وعلا عليها خلقه.
نحن نقول في صلاتنا: (سبحان ربي الأعلى)، وعلى مقتضى قول هؤلاء المبطلين الضالين يجوز أن نقول: سبحان ربي الأسفل! تعالى الله؛ لأنهم يقولون: إن الله في كل مكان.
стр. 1852
المعيّة والعلو
أما ما يتشبثون به مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]، وكون هذا يدل على أن الله في كل مكان فهذا لا ينافي علو الله وارتفاعه؛ لأن ربنا جل وعلا أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، وقد دل هذا الحديث على أن أعظم المخلوقات وأكبرها العرش.
وقد سبق في حديث أبي ذر وحديث ابن عباس أن السماوات السبع على سعتهن لا يساوين شيئاً أمام العرش، فالسماء الدنيا محيطة بالأرض من جميع الجهات، فأي جهة ذهبت إليها من الأرض فالسماء فوقك، والسماء الثانية محيطة بالسماء الدنيا من جميع الجهات، فإذا كان كل من على السماء الدنيا، تكون السماء الثانية فوقه في أي جهة كان من السماء، مثل الذي يكون في الأرض، والسماء الثالثة محيطة بالسماء الثانية من جميع الجهات، والسماء الرابعة هكذا، والخامسة والسادسة والسابعة، وأعظم السماوات وأوسعها وأكبرها السماء السابعة، وهي التي فيها الجنة التي أخبر جل وعلا أن عرضها عرض السماوات والأرض؛ لأنها فوق السماء السابعة أكبر من السماوات كلها وأوسع، فهذه السعة الهائلة والبون الشاسع جاء في حديث ابن عباس وحديث أبي ذر: (السماوات السبع بالنسبة للكرسي كسبعة دراهم ألقيت في الفلاة)، يعني: أن الكرسي أكبر من جميع السماوات كلها، فنسبة السماوات إليه كنسبة الدراهم السبعة التي تلقى في الفلاة، ثم نسبة الكرسي إلى العرش كدرهم ألقي في فلاة، فالعرش هو أعظم المخلوقات وأكبرها وأوسعها وأعلاها.
وفوق العرش رب العالمين جل وعلا، فإذاً جميع المخلوقات السماوات والأرضون ومن فيهما بالنسبة لله صغيرة جداً، وتقدم قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]، فعلى سعة السماوات وعظمها يطويها بيده جل وعلا، فتكون صغيرة بالنسبة إليه فكيف مع هذا يجوز أن يتصور أن سماءً من السماوات أو أرضاً تظل الله جل وعلا أو تقله تعالى الله وتقدس، فلا شك أن الذي يعتقد هذا ضال في دينه وفي عقله، وأنه في الحقيقة لم يعرف ربه، ولم يقدره حق قدره.
стр. 1853
أقسام التوحيد وواجب العبد نحوها
المؤلف عندما ذكر هذه الآثار أراد أن يختم كتابه بالقسم الثاني من أقسام التوحيد؛ لأن التوحيد ينقسم إلى قسمين: توحيد في القصد والإرادة، والقصد والنية والإرادة تصدر من العبد بنيته وقصده وإرادته، فيجب أن يكون هذا خالصاً لله، وهذا الذي ذكر فيه ما ذكر من أول الكتاب إلى آخره إلى هذا الباب، فذكر ما يخلص القصد والنية والإرادة أو يشوبه تحذيراً من ذلك وتنفيراً منه.
وختم الكتاب فجاء بالقسم الثاني الذي هو توحيد العلم والمعرفة الذي يتعلق بالله جل وعلا بأوصافه وما يجب أن يعرف به، وهذا لا يمكن أن يعرفه الإنسان بعقله أو بقياسه ونظره، وإنما يعرفه عن طريق تعريف الله جل وعلا عباده، فهو يتعرف إلى عباده بما ذكر من أوصافه وأفعاله تعالى وتقدس، وهذا أمر واجب لا يجوز التفريق فيه، ولا يكفي أحد القسمين عن الآخر، فلا يكفي قسم من قسمي التوحيد عن القسم الثاني، بل يجب على العبد أن يجمع بينهما، ولكن لما كان ظهور أدلة هذا القسم وقلة الاختلاف فيه اقتصر على شيء يسير منه، بخلاف القسم الأول؛ فإن أكثر الناس ضلوا فيه بسبب التعلق بالأولياء وطلب شفاعاتهم؛ لأن العبد في الأصل خلق عابد ذليل خاضع، فهو يتلمس الشيء الذي يتلبس به ويتعلق به، فأكثر الناس لم يهتد إلى الطريق السواء طريق الحق، فصار يتعلق ويجعل له وسائط بينه وبين ربه يزعم أنها تقربه وتشفع له، فلهذا السبب أكثر من بيانه وما يجب من أجل إكماله، وما يجب اجتنابه لئلا ينقص أو ينتفي تماماً.
ثم إن القسم الثاني قد أولاه العلماء من العناية ما يكفي وردوا على المخالفين، وبينوا الحق في ذلك، والحق فيه واضح وجلي، بخلاف الأول فإن العناية به أقل من العلماء السابقين، والسبب أن المخالفة فيه سابقاً قليلة، وليست منتشرة كالمخالفة الثانية، والمخالفة التي حصلت في القسم الثاني الذي هو توحيد العلم والمعرفة سببها في الأضل الكيد للإسلام والمسلمين من قبل قوم مشبوهين، سواء كانوا يهوداً أو نصارى أو مجوساً دخلوا الإسلام تستراً لأجل إفساده، لا رغبة فيه، بل لأجل أن يفسدوه، فصار -في الحقيقة- إفسادهم بالغاً جداً، حيث شككوا المسلمين في ربهم، وصاروا يشبهون عليهم بذكر الشبه، ولا شك أن هناك شبهاً يتعلق بها المشبه الذي يشبه على الناس، فالذي ليس عنده علم وليس عنده معرفة قد تنطلي عليه هذه الشبهة؛ لهذا تولى العلماء تبيين هذه الشبه وبيان بطلانها، ووضحوا ذلك في كتبهم المعروفة المنتشرة بأيدي المسلمين والحمد لله.
стр. 1854
النصوص الواردة في مقدار ما بين السماء والأرض وكيفية الجمع بينها
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: (عن العباس بن عبد المطلب) ساقه المصنف ﵀ مختصراً، والذي في سنن أبي داود: عن العباس بن عبد المطلب قال: كنت في البطحاء في عصابة فيهم رسول الله ﷺ ، فمرت بهم سحابة فنظر إليها فقال: (ما تسمون هذه؟ قالوا: السحاب قال: والمزن؟ قالوا: والمزن قال: والعنان؟ قالوا: والعنان -قال أبو داود: لم أتقن العنان جيداً- قال: هل تدرون ما بعد ما بين السماوات والأرض؟ قالوا: لا ندري قال: إن بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة، ثم السماء التي فوقها كذلك -حتى عد سبع سماوات- ثم فوق السابعة بحر بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء ثم على ظهورهم العرش بين أسفله وأعلاه كما بين سماء إلى سماء، ثم الله تعالى فوق ذلك)، وأخرجه الترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: حسن غريب.
وقال الحافظ الذهبي: رواه أبو داود بإسناد حسن، وروى الترمذي نحوه من حديث أبي هريرة وفيه: (ما بين سماء إلى سماء خمسمائة عام)].
هذا الاختلاف في كون ما بين الأرض والسماء اثنتين أو ثلاث أو أربع وسبعين سنة، وفي الرواية الأخرى: (خمسمائة سنة) لا يضر؛ لأن هذا الاختلاف بالنظر إلى سرعة المسير من بطئه، ومعلوم أن سير البرج، ليس كالسير العادي، وإلا فهناك أيضاً مسير أسرع من هذا بكثير، فالنبي ﷺ عرج به من الأرض إلى السماء السابعة في ليلة واحدة، فذهب ورجع بصحبة جبريل، ولكنه سير لا نعرفه، فلا صواريخ ولا غيرها مثله، بل أسرع بكثير جداً، والآن هؤلاء الذين لا يؤمنون إلا بالمحسوسات، ولا يؤمنون بأن فوقنا سماء، يقولون: إنما هي كواكب تسبح في الفضاء؛ لأنهم لا يؤمنون إلا بالشيء الذي يشاهد، والآن يريدون أن يصلوا إلى المريخ، ويقدرون الوصول إليه بالصاروخ الذي لا يمكن أن يقاس بسير القوافل أو الأقدام، فيقدرون شهوراً وسنين للوصول إليه، مع أن الكوكب ليس هو السماء، بل دون السماء.
فإذاً الاختلاف بالمسير حسب السرعة من بطئها.
وقد جاءت النصوص في أن الروح إذا قبضتها الملائكة تصعد بها إلى السماء الدنيا، فتستفتح لها السماء الدنيا، فإما أن يفتح لها، وإما أن لا يفتح فتعاد، فإذا كانت صالحة فتحت لها السماء الدنيا وصعدت، ثم استفتحت لها السماء الثانية والثالثة والرابعة إلى السابعة، فإذا وصلت إلى السابعة واستفتح لها وفتح لها وصارت فيها ينادي الله جل وعلا الملائكة: أن اكتبوا كتابه في عليين، وأعيدوه إلى الأرض فيعاد.
هذا الصعود والنزول والإعادة يكون في وقت تجهيز الميت بين موته وتغسيله وتكفينه والصلاة عليه، فإذا وضع في قبره تكون الروح حاضرة، بل إذا حمل على نعشه وسير به إلى مستقره -إلى قبره- تكون الروح موجودة، فتصير تتكلم بكلام يسمعها كل من يليها، ما عدا الجن والإنس فلا يسمعون، فالبهائم والشجر والحجر وغيرها تسمع كلامها، فإما أن تقول: قدموني قدموني، أسرعوا بي.
أو تقول: يا ويلها! أين تذهبون بها؟ وهذا كله يدلنا على اختلاف المسير في الصعود والذهاب، ويسأل الرسول ﷺ عن شيء فينزل جبريل في الحال من السماء بالجواب من عند الله جل وعلا، وجبريل أقرب الملائكة إلى الله جل وعلا، وهو الذي يخاطبه الله جل وعلا مباشرة، ويأمره بأن يذهب حيث شاء الله جل وعلا ليبلغ رسالاته، فهو أمينه على وحيه من الملائكة، كما أن أمينه على وحيه من البشر محمد صلوات الله وسلامه عليه والرسل الذين ائتمنهم على وحيه.
فالمقصود أن هذا كله يدلنا على اختلاف في المسير، وأن هذا التقدير الذي ذكر في هذا الحديث أمر نسبي، ليس ثابتاً لكل شيء، بل هو نسبي يختلف باختلاف السير، فلا يكون هذا مشكلاً؛ فإن بعض العلماء ضعف الحديث من أجل ذلك، وهذا لا وجه له في الواقع.
ثم إن الحديث صحيح، والذين ضعفوه إنما ضعفوه بسبب محمد بن إسحاق، الذي لم يكن ذنبه إلا أنه خالف الجهمية وروى ما يرغم أنوفهم، فلهذا حملوا عليه، وقلد هؤلاء بعض من لم يتنبه لهذا الأمر، وكل المطاعن التي طعن بها عليه لا أصل لها وليست ثابتة، بل الذي روى الطعن مطعون فيه ولا يجوز أن يثبت طعنه؛ لأنه هو في نفسه ضعيف مشكوك في صدقه وفي أمانته، فكيف يطعن في إمام من الأئمة ممن هذه حاله؟ ثم هناك حكاية مشهورة تحكى وتجعل سبباً لتضعيفه، وهي زائفة في الواقع، وقد تولى الإمام ابن القيم رحمه تبيين ذلك في كتابه (تهذيب السنن)، فينبغي مراجعة ذلك.
ثم إن ذكر هذه المسافات إنما هو لتقريب الأمر للأذهان فقط، وليست بالتحديد، فالرسول ﷺ يخاطبنا بما نفهمه وبما نعقله، فهو يقرب لنا الشيء الذي لا نعقله بما هو معقول ومفهوم.
فعليه لا يجوز أن يعترض على هذا الحديث لذلك، ثم إن التصريح بأن الله جل وعلا فوق العرش ليس مختصاً بهذا الحديث، وكذلك التصريح بأن الله عال على خلقه ليس مختصاً بهذا الحديث، فهذا الحديث ليس -في الحقيقة- أصلاً في هذا يعتمد عليه وحده، بل جاء متفقاً مع النصوص الكثيرة، فليس فيه شيء غريب أبداً، وإنما فيه ذكر مسافات فقط، أما ذكر الأوعال التي ذكر أنها ثمانية أوعال فوق البحر الذي بينه وبين السماء السابعة مسيرة خمسمائة عام، وبين أسفل هذا البحر وأعلاه مسيرة خمسمائة عام، وفوق هذا البحر ثمانية أوعال فهؤلاء هم حملة العرش الذين ذكر الله جل وعلا أنهم يحملون العرش، وذكر أنهم أربعة، وإذا كانوا يوم القيامة صاروا ثمانية كما قال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧]، وذكر من عظم خلقهم أن ما بين أقدامهم إلى عواتقهم مسيرة خمسمائة عام، وكل هذا لحكمة أرادها الله جل وعلا، وإلا فالله يحمل كل شيء بقدرته، ويحمل العرش وحملة العرش، والسماوات والأرض كلها قائمة بقدرته جل وعلا، ولكن لحكمة أرادها جل وعلا جعل العرش على هؤلاء الملائكة، والملائكة على البحر، وهذا البحر هو الذي أخبر جل وعلا عنه أن عرشه على الماء لما ذكر مبدأ الخلق كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧] يعني: على هذا البحر الذي فوق السماوات السبع.
وكله ثابت في نصوص كثيرة من كتاب الله وأحاديث رسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر:٧]، فذكر ربنا جل وعلا من وظائفهم أنهم يحملونه، وأن معهم أيضاً من يحف بالعرش من الملائكة يسبحون الله ويحمدونه ويستغفرون للمؤمنين، ويطلبون من الله جل وعلا أن يتوب على التائبين، وكل هذا من رحمة الله جل وعلا، ولكن هذا مما يجب اعتقاده، والإيمان به.
قال رحمه الله تعالى: [ولا منافاة بينهما؛ لأن تقدير ذلك بخمسمائة عام هو على سير القافلة مثلا، ونيف وسبعون سنة على سير البريد؛ لأنه يصح أن يقال: بيننا وبين مصر عشرون يوماً باعتبار سير العادة، وثلاثة أيام باعتبار سير البريد].
من كان في الشام يقول: فلسطين من الشام وبيروت من الشام، وبينهما ثلاثة أيام للبريد، أما نحن في الحجاز فبيننا وبين مصر أكثر من ذلك بكثير.
стр. 1855
دلالة الحديث على عظمة الله ﷻ
قال رحمه الله تعالى: [وروى شريك بعض هذا الحديث عن سماك فوقفه.
هذا آخر كلامه.
قال الشارح ﵀: [فيه التصريح بأن الله فوق عرشه، كما تقدم في الآيات المحكمات والأحاديث الصحيحة وفي كلام السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم.
وهذا الحديث له شواهد في الصحيحين وغيرهما، ولا عبرة بقول من ضعفه لكثرة شواهده التي يستحيل دفعها وصرفها عن ظواهرها، وهذا الحديث كأمثاله يدل على عظمة الله وكماله وعظم مخلوقاته، وأنه المتصف بصفات الكمال التي وصف بها نفسه في كتابه ووصفه بها رسوله ﷺ ، وعلى كمال قدرته، وأنه هو المعبود وحده لا شريك له دون كل ما سواه، وبالله التوفيق].
هذا لا يعرفه الذين يعبدون غير الله، أو يعبدون معه غيره، فلا يعرفون هذا القدر ولا التعظيم، حيث يتعلقون بالمخلوقين ويدعونهم، ويتشفعون بهم، ويجعلونهم مسالك بينهم وبين الله جل وعلا، فما قدر الله حق قدره من هذا فعله، ولا عرف عظمته، وسوف يتبين له إذا وقف بين يدي الله جل وعلا يوم القيامة، بل قبل هذا سيتبين له حينما تحضر الملائكة لقبض روحه، وملائكة الله رسله الموكلون بأمره، والرسول ﷺ وضح الأمر جلياً، وما ترك عذراً لمعتذر أبداً، وليس الذي يفعل هذا معذوراً بجهله، فالله جل وعلا قد أرسل الرسل وأنزل الكتب، فالذي يعرض عن ذلك هو الملوم، فماذا يقول الإنسان لربه يوم القيامة إذا سأله؟ أيقول: ما رأيت.
أو: ما تأملت الكتاب.
أو: ما تلقيت ما جاء به الرسول.
أو يقول: ما بلغنا الرسول؟! فما هناك عذر.
فالإنسان الذي لا يبلغه أن لله رسولاً وديناً وكتاباً أنزله، هذا لابد من إبلاغه، وإذا مات والحالة هذه فأمره إلى الله، فإما أن يعذبه وإما أن يعفو عنه.
فإذا مات ولم يسمع بدين لله وبرسول لله وبكتاب لله فأمره إلى الله، وهذا في الوقت الحاضر الظاهر أنه غير موجود؛ لأن وسائل التبليغ ووسائل العلم أصبحت متوافرة، والأمة والخلق كلهم يعرفون أن الله جل وعلا أرسل رسولاً، ولكن اليهود والنصارى وغيرهم لا يهتمون بهذا، أو يقولون: هو رسول العرب فقط.
وهم الآن كما هو مشاهد يجهدون أنفسهم ويبذلون أموالهم في إطفاء نور الله وإطفاء دينه بكل ما يستطيعون، وهذا أمر معلوم، فهل يسوغ أن يقال: إنهم معذورون في هذا.
فما بالك بمن هو في بلاد المسلمين ويعبد غير الله، فيطوف بالقبور، ويستنجد بها ويسألها، فهل يكون هذا معذوراً؟ كلا.
ما يكون معذوراً، مع أن عبادة الله ومعرفة رسوله ﷺ أمر لا يجوز جهله لأحد، وقد ثبت أن كل ميت يسأل عن مسائل ثلاث، فيقال له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فإن كان الإنسان مقلداً يسير خلف الناس، فإذا فعلوا فعلاً فعله، وإذا تركوا شيئاً تركه بدون بصيرة ولا برهان ولا علم فإنه سيتلعثم في الجواب، فيقول: رأيت الناس يفعلون شيئاً ففعلته أو: سمعتهم يقولون شيئاً فقلته، وهذا هو الواقع؛ لأن المسلمين ينقسمون إلى قسمين: مسلم يسمى مسلم اختيار، أسلم باختياره وبعلمه، فهذا الذي يجيب بلا تلعثم وبلا تردد، والله يثبت من يشاء عند المسألة، كما قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].
وقد فسر القول الثابت في الحياة الدنيا بأنه التلفظ بالشهادة عند الموت، وأنه في الآخرة جواب الملكين اللذين يختبرانه، وقد جاء أن منظرهما وصوتهما مهول مفزع مخيف، وأن كل واحد معه مطراق من نار من حديد لو ضرب به الجبل لانهد، والإنسان ضعيف، وصوت الملك مثل الرعد القاصف، ويسأل بانتهار، لا بسهولة ويسر، بل ينتهر الإنسان انتهاراً.
ولما ذكر الرسول ﷺ ذلك لـ عمر قال: كيف بك إذا سألك وأنت بهذه الصفة؟ قال: له أأكون بعقلي؟ قال: نعم.
قال: إذاً أكفيكهما.
وهذا يكون للمؤمن، فلا يتلعثم ولا يتردد، أما الذي عنده شك، أو يكون إسلامه إسلام دار لا إسلام اختيار، فأصبح يرى الناس يصنعون شيئاً فيصنع مثلهم فقط، ولكن لو جاءه من يشككه في دينه لشك، ولو دعاه داع إلى الضلال لاتبعه، فإن ستر الله جل وعلا عليه، وبقي تابعاً للمسلمين فيجوز أن الله ينجيه؛ لأنه يصلي ويصوم، ولكن ليس عنده يقين وإيمان يمنعه من قبول الشكوك والريب، وهذا يخاف عليه أنه إذا سئل في قبره يتلعثم ويقول: هاه هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، ورأيتهم يصنعون شيئاً فصنعته فيقال له: لا دريت ولا تليت أي: ما علمت العلم اليقيني الذي يمنعك من الشك والريب، ولا تلوت كتاب الله وآمنت به واتبعته، أي أنك تركت ما يجب عليك مما أنزله الله جل وعلا على رسوله وأمره بإبلاغه، فهذا معنى قولهم: (لا دريت ولا تليت).
فالمقصود أن كل ميت يسأل عن هذه الأسئلة: من ربك؟ وما دينك؟ ومن هذا الرجل الذي بعثك فيكم؟ أي: من الذي تعبده؟ وبأي شيء تعبد؟ ومن أي طريق أخذت عبادتك؟ فهذا معنى السؤال، فهل تعبده بالآراء، وتعبده بالقياس وبالبدع؟ ثم يؤكد هذا بالسؤال عمن جاء به، فيقال له: من نبيك؟.
ولهذا يعد العلماء هذه الأصول بأنها الأصول الثلاثة التي يسأل عنها كل مسلم ومسلمة، فيجب على المسلمين أن يتعلموا هذه الأصول ويؤمنوا بها؛ لأنهم يسألون عنها في القبر، ولا يجوز الشك فيها، وهي عبادة الله، ومعرفة رسوله ﷺ ، ومعرفة الذي يتعبد ربه به، فكيف يصلي ومن أين أخذ الصلاة؟ وكيف يزكي؟ وكيف يصوم؟ وكيف يحج؟ وهذه الأمور الخمسة هي التي رتب عليها دخول الجنة، فما يدخل الجنة إلا من أتى بها، وهي أن يعبد الله ولا يشرك به، وأن يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويصوم رمضان، ويحج البيت إذا استطاع إليه سبيلاً، وهذا من رحمة الله جل وعلا، أعني كونه يعلق الحج بالاستطاعة، ومن تقصير كثير من المسلمين في هذا أن أحدهم إذا مرض وجدته يتساهل بالصلاة، وربما يقول: أنا لا أستطيع أن أصلي، فما أستطيع أن أقوم، وما أستطيع أن أتوضأ، فإذا شفيت أصلي وقد يموت ولا يشفى.
стр. 1856
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٣٩]
صفات الله تعالى وأسماؤه قد دلت عليها نصوص الكتاب والسنة، وليس على العبد إلا التسليم بما دلت عليه النصوص، والحذر من اتباع من يعملون فكرهم ويقدمون آراءهم في مثل هذه المسائل، مجافين في ذلك ما دلت عليه النصوص، فلا يلبثون أن يضمحل باطلهم، وينهار أساس معتقدهم، فيبقون في حيرة وشك.
стр. 1857
مسائل في باب ما جاء في قول الله: (وما قدروا الله حق قدره)
стр. 1858
تفسير قوله تعالى: (والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة)
قال المصنف ﵀: [المسألة الأولى: تفسير قوله تعالى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:٦٧]].
تفسير هذه الآية سبق، وهو قوله جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]، وهذا بعدما ذكر عظم الشرك، فلما خاطب رسول الله ﷺ قال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦]، ثم قال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ [الزمر:٦٧].
وهذا خطاب لسيد البشر محمد ﷺ ، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: من الأنبياء ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥]، وهو يدل على أنه ليس بين الإنسان وبين ربه صلة إلا بطاعة الله جل وعلا، فلو قدر أن نبياً من الأنبياء أشرك بالله لحبط عمله، ولأصبح من الخاسرين، وقد حمى الله جل وعلا أنبياءه من ذلك وعصمهم، وإنما ذكر هذا ليعلم المشرك شيئاً من عظمة الله.
قال: ((وما قدروا الله)) يعني: ما عرفوا قدر الله وعظمته، ولهذا يقول المفسرون: وما عظموه حق تعظيمه.
قال تعالى: ((والأرض جميعاً قبضته)) القبضة تكون باليد، وتكون داخل اليد، والأرض جميعاً قبضته، يقول ابن عباس ﵁: تكون الأرض في كف الرحمن كخردلة في كف أحدكم.
ولله المثل الأعلى تعالى وتقدس، فتكون كخردلة صغيرة حقيرة بالنسبة لله جل وعلا.
قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:٦٧]، والله يوم القيامة يقبض الأرض، ويطوي السماء أيضاً بيده الأخرى، فجميع المخلوقات تكون بيديه جل وعلا على سعتها وعظمتها.
стр. 1859
صفات الله تعالى وما عند اليهود منها
[المسألة الثانية: أن هذه العلوم وأمثالها باقية عند اليهود الذين في زمنه ﷺ لم ينكروها ولم يتأولوها].
يعني: الذي جاء في حديث ابن مسعود: (كان الرسول صلى الله وسلم جالساً مع أصحابه، فجاء حبر من أحبار اليهود -والحبر: هو العالم- فقال: يا محمد! إنا نجد -يعني: في الكتاب الذي نزل على موسى ﵇ أن الله يضع السماوات على إصبع، والأراضين على إصبع، والشجر والثرى على إصبع، والجبال على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يهزهن ويقول: أنا الملك أين ملوك الدنيا؟ يقول: فضحك رسول الله ﷺ تصديقاً لما قال، ونزل قول الله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]).
وهذا من العلم المتوارث عن الأنبياء، وهو باق عند اليهود، وقد جاء كتابنا مصدقاً ومقرراً وموافقاً له، وهذا هو سبب ضحك النبي ﷺ ؛ لأنه صلوات الله وسلامه عليه يفرح أن تكثر الشواهد التي تشهد على صدقه، وعلى صحة ما قاله وجاء به، فيفرح بذلك، وهذا سبب ضحكه صلوات الله وسلامه عليه.
ولقد ضل من قال: إن ضحكه من جرأة اليهود على التشبيه.
فهل يجوز أن يضحك الرسول ﷺ من الكفر؟! كلا والله، لا يضحك، وإنما يغضب ويكفهر وجهه وينكر الباطل، فكيف يقال هذا؟! لا يقول هذا عاقل.
[المسألة الثالثة: أن الحبر لما ذكر للنبي ﷺ صدقه، ونزل القرآن بتقرير ذلك].
اعترض معترض على هذا فقال: من المعلوم المتقرر أن هذه السورة مكية -أعني: سورة الزمر- وهذه الحادثة وقعت في المدينة، فكيف تنزل الآية؟ فيقال: هذا الأمر سهل، فإما أن تكون الآية هذه نزلت مكررة، أو أنها نزلت في المدينة ولم تنزل في مكة، وهذا كثير في كتاب الله، فسور مكية تنزل فيها آيات مدنية في المدينة، فتوضع في المكان الذي أمر الرسول ﷺ أن توضع فيه، فليس هذا إشكالاً.
[المسألة الرابعة: وقوع الضحك من رسول الله ﷺ لما ذكر الحبر هذا العلم العظيم].
قلنا: إن الضحك في كونه وافق ما جاء به النبي ﷺ ، وكان مصدقاً له.
стр. 1860
ذكر يدي الله ﷻ وإثبات شماله
[المسألة الخامسة: التصريح بذكر اليدين، وأن السموات في اليد اليمنى والأرضين في الأخرى].
وقد جاء تسمية الأخرى شمالاً في صحيح مسلم وفي غيره أنه ﷺ قال: (إن الله يطوي السماوات بيمينه ويقذف الأرض بشماله)، وإذا قال الرسول ﷺ شيئاً وجب قبوله والإيمان به؛ لأنه معصوم أن يقع في الخطأ، ولأنه صلوات الله وسلامه عليه ما يقول إلا ما يوحيه الله إليه، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣]، وأما ما جاء في الأحاديث الصحيحة أن الرسول ﷺ ذكر أو قال: (المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين) وفي أحاديث أخرى كذلك أنه قال: (وكلتا يديه يمين) فالمقصود بذلك: كلتا يديه كاملة تامة لا يلحقها نقص.
إذ المخلوق شماله ليست كيمينه، فشماله تكون ناقصة، والرب جل وعلا بخلاف ذلك، فكلتا يديه كاملة تامة لا يلحقها نقص، فهذا معنى قوله: (وكلتا يديه يمين).
[المسألة السادسة: التصريح بتسميتها الشمال].
قلنا: إن هذا ثابت في صحيح مسلم وفي غيره أيضاً، وأما قول من يقول: إن هذا شاذ، فهذا في الواقع خطأ، فالشذوذ لا يكون في مثل هذا الشيء المستقر، وإنما الشذوذ يكون في مخالفة ما هو ثابت عن الثقات، أما شيء يأتي تأسيساً في مثل أسماء الله جل وعلا فلا يقال: إن هذا شاذ.
следующие страницы →