← Акыда

Акыда · id 37166

شرح فتح المجيد للغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (2 090 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

تعريف الصحابي وبيان فضله الصحابي هو من رأى النبي ﷺ مؤمناً به مات على ذلك، وقد يكون الصحابي صغيراً، وقد يراه ولا يسمع منه، فما يحمل عنه العلم، ولكنه يحمل عن الصحابة. والصحابة كلهم عدول بتعديل الله إياهم، فلا يجوز النظر في أحدهم هل هو ثقة أو غير ثقة؛ لأن الله رضيهم لصحبة نبيه، وأثنى عليهم في كتابه، فتعديل الله أولى وأحق من تعديل الخلق، وإنما يكون النظر فيمن عداهم، وهذا الحكم في الصحابة ينطبق عليهم سواءٌ تحمل أحدهم الحديث بنفسه أو تحمله عن غيره؛ لأنه لا يتحمل إلا عن الصحابة، أما لو قدر أن صحابياً أخذ عن تابعي فهذا لا بد من النظر فيه هل التابعي هذا ثقة أو غير ثقة، أما الصحابة فلا ينظر فيهم؛ لأنهم كلهم عدول بتعديل الله جل وعلا لهم، وإذا كان محمود بن لبيد قد رأى النبي ﷺ وهو مؤمن به فهو من الصحابة، ولكن إذا كان -كما قال بعض العلماء- لم يسمع من النبي ﷺ فتكون أحاديثه بواسطة الصحابة قد سمعها من غيره، فإذا قال: قال الرسول كان قد أسقط الواسطة، ولا حاجة إليها؛ لأنه أخذ عمن هو عدل، ولا ينظر فيه، فيكون الحديث في ذلك صحيحاً لا مطعن فيه. فالقول الصحيح في تعريف الصحابي عند العلماء أنه: من رأى النبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك، وهذا القيد الأخير يخرج الذين ارتدوا إذا وجد ذلك، ولم يعلم أن أحداً من الصحابة ارتد إلا اثنين أو ثلاثة فقط خذلهم الله جل وعلا وماتوا كفاراً، أحدهم كان يكتب الوحي، فكان إذا جاء مثل (وكان الله عزيزاً حكيماً) يقول للنبي ﷺ : أكتب (عزيزاً حكيماً) أو (سميعاً عليماً) أو (سميعاً بصيراً)؟ فيقول: اكتب ما تشاء فوقع في نفسه أن الرسول ﷺ ما يدري، فصار يقول: أنا الذي أكتب ما أريد، والرسول لا يعلمني شيئاً. فوقع في نفسه الغرور، وجاءه الشيطان وغره، فارتد وهرب إلى الكفار، فأدركه الموت فصار كلما دفنوه لفظته الأرض، حتى أصبح آية من آيات الله، كلما دفن أخرجته الأرض ولفظته، فترك على وجه الأرض تأكله الكلاب، وهذا واحد. أما الثاني فهو ابن أبي السرح، وقد رجع وتاب، ولا أعلم أحداً غيرهما، أما قوله ﷺ الذي في الصحيحين: (إني أكون قائماً على الحوض أذود عنه رجالاً، فيأتي قوم أعرفهم، فإذا عرفتهم حال بيني وبينهم رجل، فأقول: إلى أين؟ فيقول: إلى النار والله. فأقول: أليسوا بأصحابي؟! فيقول: إنك لا تعرف ما صنعوا بعدك، إنهم لم يزالوا مرتدين على أدبارهم، فأقول: سحقاً سحقاً) فالمقصود أنه عرفهم من أمته، وليسوا من أصحابه، وقد عرفهم بآثار الوضوء، ولا يلزم أن يكونوا في جهنم خالدين، ولكنهم يحرمون من ورود الحوض ويدخلون في النار، ثم بعد ذلك يخرجون إذا لم يكن معهم شرك كغيرهم. أما الصحابة فقال أبو زرعة ﵀ -وكذلك ابن حزم -: إنهم في الجنة قطعاً، وهم أولى من يكونوا فيها؛ لأنهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ ، ومات رسول الله ﷺ وهو راض عنهم، وهم الذين نشروا الدين وبلغوه الأمة بعد الرسول ﷺ . ولهذا ما تجد منهم من مات في المدينة أو في بلده إلا النادر، ولو حسب الذين ماتوا في المدينة ما يتجاوزون مائة من الصحابة، هذا مع أن الصحابة كثير، قال أبو زرعة: كانوا مائة ألف الذين مات عنهم الرسول، وقال غيره: ثلاثمائة ألف الذين مات عنهم رسول الله ﷺ . وكلهم أين ماتوا؟ بعضهم في شرق الأرض، وبعضهم في غربها، وبعضهم في شمالها، كلهم خرجوا إلى الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله، فماتوا في بلاد شاسعة جداً، يتعجب الإنسان كيف وصلوا إلى تلك البلاد وهم على أرجلهم وعلى خيولهم وعلى ركائبهم، وذلك لأن أحدهم يخرج ولا يريد أن يرجع، يخرجون إلى الجهاد في سبيل الله وهم يقولون: قد حملنا ربنا جل وعلا رسالة لا بد أن نبلغها خلقه أو نقضي دونها. أي: نموت دونها. هذا شأنهم، وهذا ما كانوا يقولونه دائماً رضوان الله عليهم، فلهذا حبهم إيمان وبغضهم كفر ونفاق.

стр. 212

الشرك الأصغر مخوف على الصحابة قال الشارح ﵀: [وقول النبي ﷺ : (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. فسئل عنه فقال: الرياء) قال الشارح ﵀: هذا من شفقته ﷺ بأمته ورحمته ورأفته بهم، فلا خير إلا دلهم عليه وأمرهم به، ولا شر إلا بينه لهم وأخبرهم به ونهاهم عنه، كما قال ﷺ فيما صح عنه: (ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم) الحديث، فإذا كان الشرك الأصغر مخوفاً على أصحاب رسول الله ﷺ مع كمال علمهم وقوة إيمانهم فكيف لا يخافه وما فوقه على من هو دونهم في العلم والإيمان بمراتب؟ خصوصاً إذا عرف أن أكثر علماء الأمصار اليوم لا يعرفون من التوحيد إلا ما أقر به المشركون، وما عرفوا معنى الإلهية التي نفتها كلمة الإخلاص عن كل ما سوى الله! وأخرج أبو يعلى وابن المنذر عن حذيفة بن اليمان عن أبي بكر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (الشرك أخفى من دبيب النمل، قال أبو بكر: يا رسول الله! وهل الشرك إلا ما عبد من دون الله أو ما دعي مع الله؟ قال: ثكلتك أمك! الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل) الحديث، وفيه: (أن تقول: أعطاني الله وفلان، والند أن يقول الإنسان: لولا فلان قتلني فلان). انتهى من الدر]. الشرك الخفي قسيم للشرك الأصغر، وقد يكون قسماً ثالثاً؛ لأن الخفي قد يكون كبيراً وقد يكون صغيراً، وسمي خفياً لأنه لا يعلمه إلا الله، فالمقصود بهذا شرك النيات، الشرك الذي يكون في المقاصد والنية، فهذا تنطوي عليه نية الإنسان، لهذا قد يكون أكبر وقد يكون أصغر، مثل الآية التي هي قوله جل وعلا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ [هود:١٥ - ١٦]، فهذا من الشرك الخفي وهو شرك أكبر، كما جاء تفسيره عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم فسروه بمن يعمل أعمالاً ظاهرها صالح يراد بها وجه الله وهو في نيته لا يريد بها إلا الدنيا فقط، ومثل العلماء لذلك بأشياء كثيرة، كمن يصلي إماماً للناس من أجل الراتب الذي يأخذه، ولو انقطع ذلك لترك الإمامة، ومقصودهم بذلك إذا كان هذا الشيء الذي يأخذه من الناس أنفسهم وليس من بيت المال؛ لأن هذا من الأمور التي ينفق عليها بيت المال؛ لأنها من مصارف المسلمين العامة، ولكل أحد حق فيها، ولكن إذا قدر أن أناساً يقومون بالتبرع لإمام يصلي، فهذا الذي يصلي لأجل ذلك في الواقع يصلي لأجل الدنيا، وإن كان ظاهر عمله أنه صالح وأنه يريد نيل الآخرة؛ لأنه إذا صار العمل فيه اشتراك بين الرب جل وعلا وبين مقاصد أخرى أو وجوه الناس فهو متروك، فالله يتركه لصاحبه، فهذا شرك خفي، وكذلك إذا كان الإنسان يعلم وقصده في التعليم أن يظهر على الناس ويشار إليه ويعظم ويقال: إنه عالم. إنه كذا وكذا. فهذا مراده، ولكن هذا في نيته، فنيته خفية ما يعلمها إلا الله، وهذا بينه وبين الله، والناس ليس لهم إلا الظاهر، فمثل هذا أيضاً من الشرك الخفي، وقد يكون أكبر، وقد يكون أصغر إذا كان الأمر تابعاً، والعمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً لله جل وعلا، أما إذا كان فيه إشراك لغير الله جل وعلا فهو مردود على صاحبه، والله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً لوجهه، فهو طيب لا يقبل إلا طيباً تعالى وتقدس. يقول الله في الحديث القدسي الذي يرويه رسوله ﷺ عنه: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)، وسبق الحديث أنه يقول جل وعلا للمرائي يوم القيامة: (اذهب إلى من كنت ترائيهم في الدنيا فاطلب أجرك عندهم)، ومعنى هذا أنه يرد العمل على صاحبه، وهذه مشكلة في الواقع، فيجب أن تخلص الأعمال كلها لله، أما إذا جاءت أمور أخرى فيجب ألا تكون مقصودة، كالذي -مثلاً- يأخذ المال ليحج يريد الحج ويريد المال، فالذي يأخذ هذا المال والأمر في نيته خفي ونيته خفية إن كان قصده بالحج المال وما يريد إلا المال فهذا حج باطل وعمل شركي، ولا يقبل منه، أما إن كان يأخذ المال ليتقوى به وليذهب إلى المناسك والمشاعر المعظمة، ويدعو الله لعل الله جل وعلا أن يقبله ويقبل من دفع المال فهذا حجه صحيح ونيته سليمة، فالمقصود أن هذا من الشرك الخفي، فهو يتعلق بنية الفاعل، فالذي يفعل الأفعال التي ظاهرها صالحة، ولكن النية لا يعلمها إلا الله، ولهذا سمي شركاً خفياً. ومنه أيضاً حب الرئاسات، وحب المدح والثناء، فإن هذا يسمى الشهوة الخفية؛ لأن النفوس تحب ذلك وتشتهيه، وغالباً مثل هذه الأمور يتوصل إليها بالأعمال الصالحة، وإذا كان الإنسان يقصد بالعمل الصالح أن يصل إلى هذه المقامات فعمله شرك، وهو على حسب ما يقوم في نفسه، إن كان يريد بقصده ونيته هذا الشيء فهو من الأمور المعظمة، أما إن كان الأمر مشتركاً بين هذا وهذا فهذا للغالب عليه، وقد يكون العمل مردوداً لهذا الاشتراك.

стр. 213

حديث: (من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار) قال المصنف ﵀: [وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار) رواه البخاري]. الند هو المنادد، أي: المناظر والمماثل ولو في صفة من الصفات و (ند الشيء) نظيره ولو في صفة من الصفات، ولا يمكن أن يكون المخلوق مماثلاً للخالق في وجوه شتى، وإنما قد يكون المشرك يجعله مماثلاً له في الفعل الذي يفعله، ولا يلزم أن يعتقد أنه منادد لله، بل إذا جعل له شيئاً مما يجب لله فقد جعله نداً، كما قال الرجل للرسول ﷺ : (ما شاء الله وشئت. فقال: أجعلتني لله نداً؟ بل ما شاء الله وحده)؛ لأنه شرك بينه وبين الله بالواو التي تقتضي الجمع والمشاركة، ولو بالفعل، وإن كان فعله متميزاً وفعل الله متميزاً عنه، ولكن الجمع الظاهر يقتضي ذلك، ولهذا قال: (أجعلتني لله نداً؟). وكذلك إذا أضاف الإنسان الأمور إلى الأسباب الظاهرة، فإنه يكون قد جعل لله نداً، ولهذا جاء في الحديث عندما أمطروا ليلة الحديبية وصلى بهم النبي ﷺ الصبح وقال: (أتدرون ماذا قال ربكم البارحة؟ قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك مؤمن بالكوكب وكافر بي)، ومعلوم أن الناس لا يعتقدون أن الكواكب هي التي تنزل المطر، ولكن يضيفون المطر إلى طلوعها أو غروبها فقط، ويقصدون بذلك أن هذا الوقت جاء فيه المطر، فأضافوه إلى الكوكب وإلى النوء، فأصبحت هذه الإضافة -وإن كانت بهذه المثابة- من الكفر؛ لأنها تنديد، وذلك أنهم أضافوا رحمة الله ونعمته إلى غيره من المخلوقات، ومثله أن يقول: لولا الله وفلان لصار كذا وكذا. أو يقول مثلاً: لولا البط في الدار لدخل اللصوص. ولكن البط ينبه، ومثل أن يقول مثلاً: لولا أن السيارة جديدة ما وصلنا في هذا الوقت إلى هذا المكان. وما أشبه ذلك من إضافة النعم التي تحصل للإنسان إلى الأسباب، فهذا من التنديد بالألفاظ، وهو نوع من أنواع الشرك؛ لأن الشرك يكون باللفظ، ويكون بالفعل، ويكون بالنية والقصد، وإذا سلم الإنسان من هذه الأمور من الأفعال التي تكون مُشّرَّكة بين الله وبين المظاهر الأخرى من المقاصد والأقوال، إذا سلم من الأفعال المشركة والمقاصد والأقوال فقد سلم من الشرك دقيقه وجليله، فالشرك جليل ودقيق، وظاهر وخفي، ويجب على الإنسان أن يعتني بهذا الأمر أشد العناية، والرسول ﷺ كان يعتني بذلك، ويعلم الأمة هذه الأمور، ويحذرهم من الشرك، كما قال في هذا الحديث: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر)، وكذلك الحلف بغير الله فإنه من هذا القبيل، كأن يحلف بالنبي أو يحلف بأبيه أو بأمه أو بالأمانة أو بالكعبة أو ما أشبه ذلك؛ فإن الحلف بغير الله من التنديد وشرك الألفاظ، وإن كان لم يقصد بالحلف أن هذا المحلوف به يستطيع أن يوقع العذاب به إذا كان كاذباً، أما إذا كان يعتقد هذا فهذا من الشرك الأكبر؛ لأن هذا معناه أنه جعل لهذا المحلوف به ما لله جل وعلا، والله وحده هو الذي يطلع الغيب ويعلم ما في النفوس، وإذا كان الإنسان كاذباً فإن الله جل وعلا يعاقبه ويعذبه على ذلك، إذا كان الإنسان إذا حلف بالمخلوق يعتقد أن المخلوق بهذه المثابة صار حلفه ليس من الشرك الأصغر بل من الشرك الأكبر، ولهذا يقول ابن عباس في قوله جل وعلا: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] يقول: أتدري ما الأنداد؟ الأنداد أن تقول: لولا الله وفلان، لولا البط في الدار لدخل اللصوص. لولا الكلب لعدى علينا السبع. لولا كذا لصار كذا. وهذا يقوله الناس ويكثر في أقوالهم، فهم يجعلون ما يحصل لهم من الخير بسبب أمر من الأمور التي قد تكون سبباً وقد لا تكون سبباً، والأسباب كلها بيد الله هو الذي جعلها أسباباً، وإذا شاء أن يعطلها عطلها، وإذا شاء أن يوجد موانع تمنع حصول ما يترتب على السبب أوجد ذلك، فالأمر بيده، ويجب أن يرد الشيء إليه، ولهذا يستحب إذا أراد الإنسان أن يضيف شيئاً إلى شيء أن يقول: لولا الله ثم كذا وهذا في الأمر الذي يكون سبباً لحصوله، أما الأمر الذي يتعلق بنفس الإنسان وبفعله فالشيء الذي مضى لا يعلق، فلا يقال لمن يسأل: متى قدمت؟ أو على أي شيء قدمت؟ فيقول: قدمت إن شاء الله أمس. أو قدمت إن شاء الله على الطائرة. أو قدمت إن شاء الله على السيارة. هذا ما يعلق بالمشيئة؛ لأن هذا قد حصل، والأمور التي حصلت ومضت قد علمنا أن الله شاءها، ولولا مشيئة الله ما حصلت، فيقول: قدمت على كذا وكذا بدون أن يقول: إن شاء الله، وإنما يقال هذا في الأمور المستقبلة، وكذلك إذا كان السبب الذي يذكر لا يجوز أن يكون مستقلاً، فيجب أن يقول: لولا الله ثم فلان، ثم كذا وكذا؛ لأن هذا فعل وقع بسبب، بخلاف الشيء الذي يقع من الإنسان نفسه وقد مضى، فإن هذا علمنا أن الله شاءه، ولولا مشيئته ما حصل.

стр. 214

معنى الند قال الشارح ﵀: [قال ابن القيم ﵀: الند الشبيه، يقال: فلان ند فلان ونديده أي: مثله وشبيهه انتهى]. المقصود شبيهه بالفعل أو شبيهه بالحق الذي جعل له، أو شبيهه بالقصد الذي قصد إليه، أما أن أحداً يقول: إن المخلوق شبيه لله جل وعلا فهذا لا يقوله مؤمن، لا أحد يقول ذلك، فالمخلوق لا يكون نداً لله، والكفار المشركون الذين بعث فيهم الرسول ﷺ ما كانوا يقولون: إن الأشجار والأحجار والمقبورين والملائكة والجن والأنبياء إن أحداً منهم شبيه لله، ما كانوا يقولون هذا أبداً، ولكن كانوا يقولون: هؤلاء وسائطنا إلى الله، ويسمونها آلهة، بمعنى أنها تقبل الوساطة وتشفع، فهم يتألهونها من هذا المعنى، ولهذا يقول الله جل وعلا عنهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم:٢٣]، ومعنى هذا أنها ليس لها شيء من معنى هذا الاسم، فتسميتها آلهة كذب وضعوه على غير موضعه؛ لأن الإله هو الذي يملك ويخلق ويرزق، يملك للمتأله النفع والضر، أما هؤلاء فليس لهم من ذلك شيء، وكذلك قوله جل وعلا عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] يعني: ما نقصد عبادتهم لأنهم يستحقون العبادة، أو لأنهم آلهة يعبدون، أو لأنهم شركاء مع الله، لا. بل كما يقول كثير ممن يتوسل بالقبور اليوم: نجعلهم وسيلة لنا، نتوسل بهم، هذا معنى كلام أهل الجاهلية: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) يعني: يشفعوا لنا. هذا معناه وحقيقته، والشرك الذي وقع في بني آدم أصله طلب الشفاعة فقط، لا أحد أبداً من بني آدم اعتقد أن مخلوقاً يساوي الله جل وعلا ويشابهه، ولا يعقل هذا، وإنما لما صرفوا ما هو من حق الله إلى هذه المخلوقات صاروا بذلك مؤلهين لها عابدين لها جاعلينها أنداداً لله في هذا الفعل فقط، هم الذين اعتقدوا هذا، وإلا فهي في الواقع ليس لها من هذا المعنى شيء، وهو كذب وزور. فمعنى قول ابن القيم أن يجعله شبيهاً ونظيراً لله في عقيدته أن يجعل له ما لله، هذا هو المقصود، وإلا هو في نفسه لا يعتقد أن أحداً من الخلق يكون شبيهاً لله جل وعلا وتقدس. فمعنى قوله جل وعلا: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] يعني: في الدعاء، وفي الشفاعة، وفي التشفع ولهذا قال قبل ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١] يعني: إنكم تعترفون أنه ليس مع الله خالق خلقكم، ولا معه خالق خلق من قبلكم، فكيف إذاً تدعون معه غيره؟ فالدعاء يجب أن يكون لمن يتصرف التصرف الكامل بالإيجاد وبالنفع، وكذلك بدفع الضر، أما إذا كان الذي يقصد بالدعاء ما يستطيع أن يفعل ذلك فهذا ضلال. ثم قال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [البقرة:٢٢] يعني: هل أحد مع الله تعالى فعل ذلك؟ هم يعترفون تماماً أن هذا مما انفرد الله جل وعلا به وحده، ثم قال: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢] يعني: إنكم تعترفون أن هذا فعل الله وحده، وليس معه من يفعل ذلك. ثم بعد هذا يقول: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] يعني: أنتم تعلمون أنه هو الفاعل لما ذكر وحده، ولا مشارك له في ذلك، وإذا كان ليس له مشارك في ذلك فكيف تدعون غيره؟ هذا المدعو فقير مثلكم، لا يستطيع أن يجلب لنفسه نفعاً ولا يدفع عنها ضراً، فهو مثلكم، فلماذا تتجهون إليه بالدعاء وتزعمون أنه يشفع لكم؟! فهذه الأنداد قصدت في الدعاء وفي الشفاعة، وكونهم يدعونهم ليشفعوا لهم؛ ولهذا يقول العلماء في قوله جل وعلا عن الكفار لما كانوا في جهنم يخاطبون من كانوا يدعونهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٧ - ٩٨] يقولون: ما سووهم برب العالمين في الخلق والإيجاد والفعل والصفات، وإنما سووهم برب العالمين في المحبة والدعاء فقط، وهذا هو التنديد الذي وقع للمشركين قديماً وحديثاً. وفي الآية الأخرى يقول جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، فأخبر أن الأنداد في الحب فقط، (يحبونهم كحب الله) ليس في الخلق والإيجاد والتصرف، أما هذا فما قاله أحد من الخلق، وكثير من الناس اليوم يعتقد أن المشركين كانوا يعتقدون أن الحجارة تخلق وترزق وتحيي وتميت وكذلك الشجر، هذا ما اعتقده عاقل أبداً، والمشركون القدامى أعقل من هؤلاء بكثير، ولهذا كانوا إذا وقعوا في الشدائد ووقع لهم اضطرار أخلصوا الدعاء لله جل وعلا وتركوا كل ما يقصدونه من دون الله، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥]، يخلصون له الدعوة وحده، أما هؤلاء ففي الواقع أنهم إذا وقعوا في الكربات أخلصوا الدعاء لغير الله، فتجد أحدهم يبكي ويضرع ويخشع عند القبر، يبكي بكاءً ما يكون في المسجد بين يدي الله؛ لأنه يخاف صاحب القبر أكثر من خوفه من الله! فهؤلاء ما فعل مثل فعلهم أحد من المشركين كـ أبي جهل وإخوانه. وعلى كل حال فالتشبيه والتنديد يجب أن يفهم أنه في الدعاء وفي الطلب وفي المحبة، لا في كونهم شبهوا المخلوق بالله جل وعلا وجعلوه شبيهاً له في الإيجاد والإعدام والتصرف، أو في الصفة أو الذات، هذا ما قاله أحد من الخلق.

стр. 215

التحذير من الشرك الأكبر قال الشارح ﵀: [وقوله ﷺ : (من مات وهو يدعو من دون الله نداً -أي: يجعل لله نداً في العبادة، يدعوه ويسأله ويستغيث به- دخل النار)، قال العلامة ابن القيم ﵀: والشرك فاحذره فشرك ظاهر ذا القسم ليس بقابل الغفران وهو اتخاذ الند للرحمن أياً كان من حجر ومن إنسان يدعوه أو يرجوه ثم يخافه ويحبه كمحبة الديان]. إذا جاء الرجاء والخوف فلا بد أن يكون هناك محبة، إذا كان الإنسان يرجو الشيء أو يخافه فلا بد أن يكون معه محبة، إلا أن يكون المخوف ظالماً متجبراً فإنه يخافه وقلبه يلعنه، فمثل هذا ليس فيه شيء من العبادة، وخوفه هذا يكون خوفاً طبيعياً ليس خوف عبادة، وإنما هو الخوف إذا كان مخالطاً له الحب والرجاء، وكذلك إذا كان يرجو شيئاً ولا يحبه قلبه فإن هذا لا يكون عبادة، وإنما هذا لأنه سبب فقط، والإخلاص أن يكون الإنسان خوفه ورجاؤه لربه جل وعلا لا يخاف غيره. ومعنى ذلك أنه ينظر إلى الأسباب على أنها أسباب جعلها الله جل وعلا أسباباً، ويجوز أن يوجد بها ما رتب عليها ويجوز ألا يوجد، وإذا حصل شيء من الأمور بسبب من الأسباب على يد إنسان يشكره لأنه سبب، لا لأنه هو الذي استقل بذلك، بل يشكره ويحمده لأن الله جل وعلا جعله سبباً، ولكن حبه ونظره في التصرف والإيجاد والنعمة إلى الله وحده جل وعلا، فالأسباب لا تنافي الإخلاص في النظر إليها، فالاعتماد على السبب شرك، وتعطيل السبب وعدم الالتفات إليه قدح في الشرع وفي العقل؛ لأن الله جل وعلا جعل لكل شيء سبباً، وأمرنا ببذل الأسباب، ولكن أمرنا أن نعتمد عليه ونعلم أن الإيجاد والإعدام والإنعام وكذلك المنع والعطاء من الله، فلا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا راد لما قضى جل وعلا. فأما أن يكون الإنسان يخاف من سبع أو من حية أو من ظالم أو ما أشبه ذلك فهذا أمر جبلي طبعي طبع الإنسان عليه، ولا يلام على ذلك؛ لأن المحذور هو أن يكون مع الخوف محبة وتأله، بأن يتألهه قلبه، وهذا الذي لا يجوز أن يكون إلا لله وحده، ومثله الحب، ومثله الرجاء، بل كل أفعال القلب من هذا القبيل، فيجب أن يفرق بين ما هو جائز وما هو ممنوع، فربنا جل وعلا أخبرنا عن موسى ﵇ أنه خرج من بلد فرعون وقومه خائفاً يترقب، خائفاً منهم يترقب وينظر ويتلفت، وهذا من الأسباب، وخوفه منهم ليس عبادة لله، ولكن لأنهم ظلمة، ولأنهم يستطيعون أن ينفذوا ما يقولون وما يفعلون وما يريدون فعله، فهو يخافهم لأنهم ظلمة، وكثير من الناس يقول: الذي لا يخاف الله خف منه، فهذا الكلام باطل، فلا تخف منه، لا تخف إلا من الله جل وعلا، ولكن إذا كان الإنسان تحت يدي ظالم متسلط فإن خوفه منه خوف طبيعي، ولا يكون ذلك ضائراً له، وليس خوفه خوفاً قلبياً يختلط بالحب وبالرجاء، بل هو يخافه وقلبه يلعنه.

стр. 216

نوعا اتخاذ الند قال الشارح ﵀: [واعلم أن اتخاذ الند على قسمين: الأول: أن يجعله لله شريكاً في أنواع العبادة أو بعضها -كما تقدم-، وهو شرك أكبر. والثاني: ما كان من نوع الشرك الأصغر، كقول الرجل: ما شاء الله وشئت، ولولا الله وأنت، وكيسير الرياء، فقد ثبت أن النبي ﷺ لما قال له رجل: (ما شاء الله وشئت قال: أجعلتني لله نداً؟ بل ما شاء الله وحده)]. النوع الثاني لا يخرج الإنسان من الدين الإسلامي، النوع الثاني يكون تنديداً ولكنه شرك أصغر، وإذا وقع من الإنسان فالإنسان يكون مسلماً، وليس خارجاً من الإسلام بذلك، ولكنه في الواقع ارتكب ذنباً عظيماً يجب عليه أن يتوب منه، فإن مات وهو غير تائب بل مصر على هذا الأمر فأمره إلى الله، ولا يقال: إنه في النار. بل يكون أمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه بدون عذاب، ثم مآله إلى الجنة، بخلاف القسم الأول الذي هو الشرك الأكبر، فمن مات عليه فهو في النار قطعاً خالداً فيها، ولا يمكن أن يدخل الجنة؛ لأن الله جل وعلا أخبرنا أن الجنة حرام على المشركين، ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة:٧٢]، فالجنة حرام على من يموت على الشرك الأكبر، فالله جل وعلا أخبرنا أن من يموت على الشرك أن الله لا يغفر له، ففي هذا الحال نقطع قطعاً يقينياً بأن من يموت على الشرك الأكبر أنه خالد في النار، وإن كان يصلي، وإن كان يزكي، وإن كان يقول: (لا إله إلا الله)، لا يفيده كل هذا؛ لأن المقصود بـ (لا إله إلا الله) وبالأفعال هذه أن تقوم على الإخلاص، فالذي يفعل الشرك ويكفر ويقول: (لا إله إلا الله) معناه أنه ما عرف معنى (لا إله إلا الله)، ولم يأت بما دلت عليه، وإنما جاء بالمتناقضات، فهذا لا يفيده، مع أن اليهود يقولون: (لا إله إلا الله)، وهم في النار. ولا يغتر الإنسان بما يفهمه بعض الجهلة من أن من قال: (لا إله إلا الله) حرم على النار، وأنه يخرج من النار من قال: (لا إله إلا الله)، فالمقصود في هذا غير مشرك؛ لأن من شرط (لا إله إلا الله) أن تقع من غير مشرك؛ لأنها تنفي الشرك، وإلا فما هي الفائدة في قولها إذا كان الإنسان يقولها وهو يشرك؟ وقد علم هذا في وضعها، ولكن يعلمه أهل اللغة، أما الذين فسدت ألسنتهم وأصبحوا لا يفهمون معنى الكلام فهم يقولون: (لا إله إلا الله) وهم يعبدون أصحاب القبور، فيأتون بالمتناقضات، وقد مر معنا أن الرسول ﷺ قال لعمه عند موته: (قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله)، فقال له جلساء السوء أصحابه المشركون: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ وما معنى هذا؟ معنى هذا أنه لو قال هذه الكلمة لخرج من دينهم ودخل في دين آخر، وهذا هو الذي تنفعه كلمة (لا إله إلا الله)، الذي يفهم أنه إذا قالها خرج من دين الكفار كله ومن دين المشركين كله ودخل في دين محمد صلوات الله وسلامه عليه الذي جاء به، فلما أعاد عليه أعادوا عليه الكلام، ففي النهاية قال: هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقولها ومات على ذلك. فلا يجوز للمسلم أن يكون أبو جهل وعتبة بن ربيعة أعلم منه بمعنى (لا إله إلا الله)، وللأسف فإن كثيراً ممن يدعي الإسلام أولئك أعلم منهم بـ (لا إله إلا الله)؛ لأنهم أهل اللغة الذين نزل القرآن بلغتهم فعلموه، لهذا لما قال لهم النبي ﷺ : (قولوا: لا إله إلا الله) قالوا: أجعل الآلهة إلهاً واحداً. أنكروا هذا لأنهم يعلمون أنهم إذا قالوا هذه الكلمة اتجهوا إلى إله واحد فقط وهو الله وحده.

стр. 217

دعاء غير الله شرك أكبر قال الشارح ﵀: [وفيه بيان أن دعوة غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك جلي، كطلب الشفاعة من الأموات؛ فإنها ملك لله تعالى وبيده، ليس بيد غيره منها شيء، وهو الذي يأذن للشفيع أن يشفع فيمن لقي الله بالإخلاص والتوحيد من أهل الكبائر، كما يأتي تقريره في باب الشفاعة إن شاء الله تعالى]. الشفاعة في الواقع هي أصل الشرك قديماً وحديثاً؛ لأنه لا أحد من الخلق يقول: إن أحداً من هذه التي تدعى ويتجه إليها مثل الله في التصرف وفي الإيجاد وفي الخلق أو في الذات أو في الصفات، لا أحد يقول هذا، وإنما يعتقدون أنها مقربة لهم عند الله، وأنهم إذا طلبوا منها شيئاً فهي تطلب بدورها من الله، والله يعطيها لكرامتها عليه، هذا هو أصل عقيدة المشركين قديماً وحديثاً، وقد بين الله جل وعلا أن هذا باطل، وأن الشفاعة لا تقع إلا بإذنه ولمن رضيه. فالشفاعة التي جاءت في القرآن جاءت على قسمين: شفاعة منفية، وهي التي يزعم المشركون أنها تقع لأصنامهم ولمن يدعونه ولو لم يأذن الله جل وعلا، فهذه نفيت، قال الله جل وعلا: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٣ - ٤٤]، فأخبر أن الشفاعة كلها له، ولا يوجد شفاعة يملكها غيره، وهذا لا ينافي كون الله جل وعلا يأذن لمن يشاء أن يشفع، ولكن إذنه بشفاعة الشافع لا يقع إلا بشرطين قد ذكرهما الله جل وعلا في القرآن: الشرط الأول: إذنه لمن يشفع أن يشفع كما قال جل وعلا: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وهذا استفهام إنكاري، يعني: لا يمكن أن يقع هذا الشيء من شافع يشفع إلا أن يأذن الله له. فهذا شرط. الشرط الثاني: أن يكون الله راضياً عن المشفوع له، كما قال جل وعلا: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦]. فالإذن والرضا شرطان، يقول الله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ:٣٨]، فقوله: (إلا من أذن له الرحمن) يعني: في الشفاعة، وقوله: (وقال صواباً) يعني المشفوع له قال صواباً، يعني: قال الحق وقال التوحيد، ورضي الله عنه. فلا بد من هذين الشرطين، وبذلك يبطل ما يتعلق به هؤلاء الذين يزعمون أن أحداً من الخلق يشفع لهم ولو لم يأذن الله جل وعلا، وكثير من الناس يزعم أنه إذا اتجه إلى النبي ﷺ ودعاه يكفيه هذا، وقد نشرت بعض الكتب التي يكتبها بعض من يعد من العلماء، وقال فيها: نحن نعبد الله ونعبد الرسول. يصرح صراحة ويقول: نعبد الله ونعبد رسوله؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ [الفتح:٩]، فجعل التسبيح للرسول كالتعزير والتوقير، وهذا فهم عجيب وكذلك يقول: إننا نتجه إلى الله وإلى رسوله، وإننا نطلب الشفاعة من الرسول. ويجعلها مستقلة، وكذلك يقول هذا بعض الشعراء وغيرهم الذين جعلوا حظهم من رسول الله ﷺ أنهم يمدحونه، كما يقول صاحب البردة: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم وأين الله؟ يعني: إذا ما أخذ الرسول بيده زلت قدمه. ثم يقول: فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم عجيب! يعني الدنيا والآخرة من جملة جود النبي ﷺ ، ومن جملة جوده ما خط في اللوح المحفوظ، وما خطه القلم الذي أمره الله جل وعلا أن يكتب كل شيء، إذاً: فماذا بقي لله جل وعلا؟! ما بقي له شيء، ثم يقول: ولن يضيق رسول الله جاهك بي إذا الكريم تحلى باسم منتقم معناه: إني ألوذ بك من غضب الله. وهذا شيء ما وصل إليه شرك المشركين، نسأل الله العافية، والعجيب أن كثيراً من الناس يجعل هذه القصيدة ورداً له يقولها مساء وصباحاً، ويتقرب بقولها وذكرها وحفظها وتلاوتها إلى الله جل وعلا، وهي شرك صريح، نسأل الله العافية، وكثير من الشعراء غير هذا هكذا يقولون، يأتي عند قبر النبي ﷺ ويكشف رأسه تعبداً ويقول في شكواه: هذه علتي وأنت طبيبي ليس يخفى عليك في القلب داء يجعل الرسول ﷺ يعلم ما في القلوب، وهو يزعم أنه من العلماء، وإذا أنكر عليهم منكر قالوا: هذا لا يحب الرسول، هذا لا يرى شفاعة الرسول وهذا مصداق قول الرسول ﷺ : (لتتبعن سنن من كان قبلكم قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: فمن) حتى قال: (لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)، ولماذا ذكر جحر الضب دون الجحور الأخرى؟ لأن الضب جحره من أعسر الجحور؛ فإنه يكون ملتوياً ويكون نازلاً إلى أسفل مع تلويه، فالدخول فيه صعب جداً، ويقول: لو دخلوا في هذا الحجر لدخلتم خلفهم، ويقول في الرواية الأخرى: (لو أن أحداً منهم أتى أمه على قارعة الطريق لكان من هذه الأمة من يفعل ذلك)، وهم قالوا: إن عيسى ابن الله، وقالوا: إنه الله، وقالوا: إنه ثالث ثلاثة، قالوا ذلك، ولكن هؤلاء ما تجرءوا أن يصرحوا بذلك، وإنما أخذوا المعاني التي هي لله جل وعلا وجعلوها للنبي ﷺ دون الألفاظ، فهذا في الواقع أمر صعب، وصعوبته من هذا التركيب في هذا الكلام: (من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة) فكلمة (شيئاً) هنا نكرة عمت الشرك كله كبيره وصغيره وجليه وخفيه، تعم الكبير والصغير والخفي والظاهر، جميع الشرك، فمن لقي الله غير مشرك به في شيء من هذه الأمور دخل الجنة بدون أن يعذب؛ لأنه رتب الدخول على اللقاء، واللقاء يكون بعد المحشر، إذا بعثهم الله جل وعلا من قبورهم وجمعهم في صعيد واحد يقفون وقوفاً طويلاً في يوم عسير ثقيل، كما أخبر الله جل وعلا بأنه يوم عسير ويوم ثقيل، ولكننا ننساه، ثم بعد ذلك يأتي الله جل وعلا ليقضي بينهم، فكل واحد يلاقي ربه، كما قال ﷺ : (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) كل واحد يكلمه على كثرة الخلق، والعجيب أنه يكلمهم في لحظة واحدة كلهم، فهو سريع الحساب جل وعلا، وكل واحد يرى أنه يكلمه وحده وهو يكلم الخلق كلهم؛ لأنه جل وعلا لا يقاس تكليمه ولا فعله بفعل الخلق تعالى وتقدس، فإذا لقي الله وهو لم يشرك به شيئاً فبعد هذه المكالمة يذهب إلى الجنة بلا عذاب إذا كان لا يشرك بالله شيئاً. الوجه الثاني الخطر كونه قال: (ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار)، وهذا من الأدلة التي استدل بها من يقول: إن الشرك كبيره وصغيره غير مغفور لمن مات عليه، أما إن كان كبيراً فصاحبه خالداً في النار، وأما إن كان صغيراً فلا بد من تعذيبه، ولهذا قال في هذا الحديث: (ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار)، فدل على أن الذي يلقى الله ومعه شيء من الشرك وإن كان صغيراً أنه يدخل النار، ثم بعد ذلك إذا كان الشرك صغيراً يخرج من النار إلى الجنة، أما إن كان كبيراً فيبقى فيها أبداً. وهذا في الواقع يخاف منه، وهذا سبب إيراد المؤلف له في باب الخوف من الشرك؛ لأنه أخبر أن من لقي الله ومعه شيء من الشرك فإنه يدخل النار، وهو نص صريح واضح في هذا، ولكن هذا لمن مات من غير توبة، ولهذا قال: (من لقيه يشرك به شيئاً دخل النار) يعني أنه لقيه مصراً على هذا الشرك الصغير فإنه يدخل النار، أما إذا كان الشرك كبيراً فيكون خالداً فيها.

стр. 218

فضل جابر بن عبد الله وأبيه ﵄ قال الشارح ﵀: [قوله: عن جابر هو ابن عبد الله بن عمرو بن حرام -بالمهملتين- الأنصاري ثم السلمي -بفتحتين- صحابي جليل هو وأبوه، ولأبيه مناقب مشهورة ﵄، مات بالمدينة بعد السبعين وقد كف بصره وله أربع وتسعون سنة]. أبوه عبد الله بن حرام قتل في غزوة أحد، وقد كان تخلف عن غزوة بدر فأسف على ذلك، وقال: إن قدر الله جل وعلا غزوة أخرى فسيرى ما أصنع. فهاب أن يقول شيئاً غير هذا، فلما جاءت غزوة أحد قال لولده: يا بني! ما يصلح أن أخرج أنا وأنت ونترك البنات -وقد كان له سبع بنات-، ولست بمؤثرٍ لك الخروج يعني: أنا أولى منك بأن أخرج فخرج مع الرسول ﷺ ، فلما حصل ما حصل من انتكاس الصحابة وقتل من قتل منهم وصاح الشيطان بأعلى صوته: قتل محمد، تقدم إلى الكفار فقاتل حتى استشهد ﵁، فلما أتي به عند رسول الله ﷺ كان جابر يبكي والناس ينهونه، يقول: والرسول ﷺ يبصرني ولا ينهاني. ثم إنه قال لي: (أتدري ماذا قال الله لأبيك؟ إنه لما لقيه قال: يا عبدي! تمن علي. فقال: كيف أتمنى وقد أعطيتني ما أريد، وما لا أتصور؟ فقال: تمن. فلما رأى أنه لا بد قال: يارب! أريد أن تحييني مرة أخرى فأقتل في سبيلك. قال: أما هذه فليس إليها من سبيل. قال: فأبلغ عني من خلفي)، فنزل قول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران:١٦٩] إلى آخر الآية، فالمقصود أن الله كلمه بدون واسطة بعد موته.

стр. 219

حديث: (من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة) قال الشارح ﵀: [وقوله: (من لقي الله لا يشرك به شيئاً) قال القرطبي ﵀: أي: لم يتخذ معه شريكاً في الإلهية، ولا في الخلق، ولا في العبادة، ومن المعلوم أن من الشرك المجمع عليه عند أهل السنة أن من مات على ذلك فلا بد له من دخول الجنة وإن جرت عليه قبل ذلك أنواع من العذاب والمحنة، وأن من مات على شرك لا يدخل الجنة ولا يناله من الله رحمة، ويخلد في النار أبد الآباد من غير انقطاع عذاب ولا تصرم آماد. قال النووي ﵀: أما دخول المشرك النار فهو على عمومه، فيدخلها ويخلد فيها، ولا فرق فيه بين الكتابي اليهودي والنصراني وبين عبدة الأوثان وسائر الكفرة، ولا فرق عند أهل الحق بين الكافر عناداً وغيره، ولا بين من خالف ملة الإسلام وبين من انتسب إليها ثم حكم بكفره بجحوده وغير ذلك، وأما دخول من مات غير مشرك الجنة فهو مقطوع له به، لكن إن لم يكن صاحب كبيرة مات مصراً عليها دخل الجنة أولاً، وإن كان صاحب كبيرة مات مصراً عليها فهو تحت المشيئة، فإن عفا الله عنه دخل الجنة أولاً وإلا عذب في النار ثم أخرج من النار وأدخل الجنة]. هذا في الأمور الأخرى غير الشرك، وكلام النووي هذا مما أجمع عليه، أي: أن من مات وهو مشرك أو كافر من أي صنف كان فنقطع قطعاً جازماً للآيات وأحاديث الرسول ﷺ القطعية أنه خالد في النار، أما الذي يموت بغير شرك فإن لم يكن صاحب كبائر وكان صاحب صغائر فإنه يدخل الجنة بلا عذاب، أما إن كان مصراً على كبائر الذنوب ومات عليها فهذا أمره إلى الله إن شاء عذبه على الكبائر وإن شاء عفا عنه وأدخله الجنة بلا عذاب. ومعلوم أن العذاب الذي يقع للإنسان كله تكفير، والعذاب قد يكون في القبر، وقد يكون في بعض الأوقات في قبره ثم ينقطع عذابه في القبر إذا كان ذنبه ليس كبيراً، والله جل وعلا لا يعذب إلا على قدر الذنب، ولكن الذنوب قد تكون عند الإنسان صغيرة وهي عند الله كبيرة، ثم بعض الناس قد لا يكفي تعذيبه في القبر طيلة ما كان في قبره وإن كان تراباً؛ لأن المقبور يصبح بدنه تراباً بعد سنوات، ولكن الروح ما تموت، فتعذب الروح مع حبات التراب التي صارت تراباً من البدن، فيذوق بدنه العذاب مع الروح، وهذا من أمور الآخرة التي أخبرنا بها، ويجب أن نؤمن بها. ثم بعض الناس يتصل تعذيبه بالموقف؛ لأن الموقف أيضاً نوع من العذاب، فالناس يقفون فيه حفاة عراة عطاشاً جائعين، والشمس فوق رءوسهم، ويعرقون عرقاً عظيماً، وهذا كرب شديد، فهو نوع من العذاب يكون مكفراً للذنوب، ولهذا جاء أن بعض الخلق يكون الموقف عليه سهلاً ميسوراً وليس طويلاً، فما كلهم يكون بهذه الصفة، وبعضهم لا يكفي كونه يعذب في الموقف، وأهل الموقف يقولون فيه: ربنا اقض بيننا ولو إلى النار. هكذا يقولون من شدة الوقوف والكرب، يرون أن المصير إلى النار أسهل منه، وإن كانت القاعدة أن كل ما بعد الموت أشد مما يلقى الإنسان إذا كان كافراً، فالنار أشد من الوقوف بلا شك، ولكن هكذا يتصورون، فإذا كان لا يكفي تعذيبه في الموقف أدخل النار، ثم دخول النار يتفاوت، فمن الناس من يكون دخوله مجرد دخول فقط، يغمس فيها فيخرج، ومنهم من يبقى وقتاً، والوقت يتفاوت أيضاً، فمنهم من يطول بقاؤه، ومنهم من يبقى طوال الدنيا منذ خلقت إلى أن تفنى ثم بعد ذلك يخرج، ومنهم من يكون أقل من ذلك بحسب ذنوبهم، فالأمر في هذا يتفاوت تفاوتاً عظيماً جداً حسب الإجرام والكبائر العظيمة، ولكن إذا كان الإنسان مات على التوحيد وهو يشهد أن لا إله إلا الله وليس عنده شرك، وإن كان قد أتى بمعاصٍ كثيرة وكبائر كثيرة فمآله إلى الجنة وإن عذب.

стр. 220

مسائل باب الخوف من الشرك قال المصنف ﵀: [فيه مسائل: المسألة الأولى: الخوف من الشرك. المسألة الثانية: أن الرياء من الشرك]. المسألة الأولى: الخوف من الشرك، يعني: أن الخوف من الشرك يجب أن يهتم الإنسان به؛ لأن الشرك -كما سبق- فيه أشياء خفية قد يقع فيها الإنسان وهو لا يدري، فينبغي أن يهتم الإنسان به، ويتعرف على مسائل الشرك وما جاء عن الرسول ﷺ من تحذيره أمته من الشرك، فإنه صلوات الله وسلامه عليه حريص على هداية الأمة، ويعز عليه عنتها، الشيء الذي يشق عليها يشق عليه صلوات الله وسلامه عليه، فلهذا بين كل ما يخاف أن يقعوا فيه، بينه ووضحه، فإذا رجع الإنسان إلى بيان الرسول ﷺ تبين له ذلك، فليس فيه خفاء في الواقع، وإنما الخفاء عند الجاهل الذي يجهل ما جاء به الرسول ﷺ ، والجاهل يخاف عليه أن يقع فيه. وأما قوله: إن الرياء من الشرك فهذا الرياء قد يكون من الشرك الأصغر، وقد يكون من الأكبر، إن كان الرياء يسيراً قليلاً فهذا من الشرك الأصغر الذي يقول العلماء عنه: إذا خالط عملاً من الأعمال أبطل ذلك العمل خاصة، وأما سائر عمل الإنسان فإنه لا يبطل، وإنما يبطل العمل الذي قارنه، هذا إذا كان يسيراً، وإذا كان الرياء عرض للإنسان ثم أعرض عنه وجاهد نفسه في تركه فمثل هذا لا يضره، ولكن الذي يضره إذا استرسل معه، أي: استدعاه واستمر معه في عمله، فهذا يبطل العمل بلا شك؛ لأن الأحاديث جاءت فيه صريحة عن النبي ﷺ ، أما إذا كان الرياء كثيراً أو كان هو الباعث على العمل فهذا يكون من الشرك الأكبر، ولكن هذا لا يقع للمسلم، المسلم لا يبعثه على العمل الرياء، وإنما يكون هذا للمنافق، نسأل العافية، كما أخبر الله جل وعلا عن المنافقين بقوله: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٤٢]، ومن علامة ذلك أنهم إذا كانوا عند الناس جدوا في العمل وأدوه، وإذا صاروا وحدهم لم يعملوا، فهذا من صفات المنافقين، أما المسلم الموحد فإنه لا يقع منه ذلك، وإنما يخاف عليه الرياء اليسير، أي: الشرك الأصغر. [المسألة الثالثة: أنه من الشرك الأصغر. المسألة الرابعة: أنه أخوف ما يخاف منه على الصالحين]. وذلك أن الخطاب وجهه الرسول ﷺ إلى أصحابه، وأصحابه هم أصلح الأمة على الإطلاق، فإذا خافه صلوات الله وسلامه على أصحابه فغيرهم أولى أن يخاف عليهم، ولهذا قال: إنه يخاف منه على الصالحين.

стр. 221

قرب الجنة والنار [المسألة الخامسة: قرب الجنة والنار]. يعني قرب الجنة والنار من العبد، وهذا مأخوذ من قوله: (من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار)، فليس بين الإنسان والجنة أو النار إلا الموت على نوع من هذه الأنواع، موت على التوحيد وعدم الشرك، وموت على الشرك بالله جل وعلا -نسأل الله العافية-، فالذي يموت على التوحيد مخلصاً لا يشرك بالله شيئاً يدخل الجنة بعد الموت، وليس معنى ذلك أنه منذ مات يذهب به إلى الجنة لا. فالجنة ما تكون إلا يوم القيامة، ولا يدخلها الناس إلا بعد الحساب، وأول من يستفتح باب الجنة هو رسول الله ﷺ ، ولا تفتح لأحد قبله، وإنما يشفع للمؤمنين في دخولهم الجنة، أي: الذين خلصوا من النار ومن الحساب. ولكن معنى ذلك -كما جاء في الحديث- أنه إذا وضع في قبره وجاءه الملكان يحاسبانه يقولان له: من ربك؟ وما نبيك؟ وما دينك؟ وفي رواية: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فأما المؤمن الموقن فإنه يجيب بغير تردد وتلعثم، وإذا أجاب وثبته الله جل وعلا بالقول الثابت فإنه يفتح له باب إلى الجنة، ويقال له: انظر إلى مسكنك في الجنة. ثم يأتيه من هذا الباب من ريحها وروحها ما يستأنس به، ولهذا يقول إذا رأى ذلك: يا رب! أقم الساعة حتى أذهب إلى منزلي. ولا يذهب إليه إلا بعد قيام الساعة وبعد الحساب، فهذا معنى دخول الجنة، أي: أنه بعد الموت والحساب سيكون مآله إلى الجنة، ويكون في القبر آمناً من العذاب، وكذلك يوم يبعث ويوقف بين يدي الله لا يخاف العذاب كما يخافه غيره. وأما صاحب النار فكذلك، ولكن يأتيه نصيبه من النار في القبر، فيكون القبر ناراً نسأل الله العافية! وليست النار على ما نعهدها نحن، قد يقول قائل: أنا أذهب إلى القبور، وكثيراً ما تحفر المقابر التي قبر بها الناس، ولا يرى فيها أثر عذاب ولا أثر نعيم، نقول: نعم ما يرى هذا ولا يشاهد؛ لأنه أمر غيبي؛ ولهذا يقول الرسول ﷺ : (لولا ألا تدافنوا، لدعوت الله أن يريكم من عذاب القبر)، ولكن لو رأينا شيئاً من عذابه ما استطاع أحد أن يدفن أحداً من الهول العظيم، وأحياناً يظهر الله جل وعلا لبعض من يشاء من عباده شيئاً من ذلك، إما موعظة له ورحمة به ليتعظ، وإما آية يظهرها حتى يرتدع غيره، ويكون عظة لغيره، وقد شاهد الناس أشياء كثيرة جداً من هذا النوع، من عذاب القبر ونعيمه، وأما كونه يشاهد النار أو آثار النار فلا، فما تشاهد، وهذه النار جعلها الله جل وعلا أمراً غيبياً، وإلا فالتراب نفسه الذي يهال عليه يصبح ناراً لا تطاق، ومع ذلك أهل الدنيا لا يشاهدون هذا، وقدرة الله لا تحد بشيء، وإذا ظهرت الأمور وصارت تشاهد بطل المعنى الذي يكون الإنسان مستحقاً للثواب عليه إذا آمن بالغيب، وهذه ثمرة الإيمان بالغيب بالأخبار التي نخبر بها غيباً، بل قد يقبر اثنان في قبر واحد أو ثلاثة، فيكون أحدهما منعماً والآخر معذباً، وهذا لا يصل إليه من عذاب هذا شيء، وهذا لا يصل إليه من نعيم هذا شيء، وهم في قبر واحد. فالله جل وعلا قدرته فوق هذا كله، والمقصود أنه إذا مات فإنه يعرض على النار، ويفتح له باب إلى النار مثلما يفتح للمؤمن باب للجنة، ويقال: انظر إلى مقعدك من النار، ثم يأتيه من حرها ومن لهبها ومن عذابها من هذا الباب ما يأتيه، مما يعذبه ويحرقه إلى قيام الساعة؛ ولهذا إذا شاهد ذلك يقول: يا رب! لا تقم الساعة؛ لأنه يعلم أن ما بعد يومه أشد من يومه هذا، فهذا معنى قوله: (من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار) يعني: يكون بعد موته ولبثه في القبر مآله إلى الجنة أو النار، والمقصود أن ما يكون للناس في القبر أمر قد كثرت الأدلة عليه من الكتاب ومن السنة؛ ولهذا فرض علينا رسولنا ﷺ أن نقول في كل صلاة: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر)، وإن كان ليس فرضاً لازماً لا تصح الصلاة إلا به، ولكنه من الواجب على المصلي الذي علمنا إياه رسولنا ﷺ ، فقال: (إذا تشهد أحدكم التشهد الأخير فليقل: اللهم إني أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال)، فهذا مما شرعه لنا رسولنا ﷺ ، وقد جاءت أحاديث كثيرة في إثبات عذاب القبر والاستعاذة منه، كما أنه ظهر لخلق كثير ما يظهره الله جل وعلا لمن يشاء من عذاب القبر، أشياء كثيرة جداً، ومن تتبع الأموات ونظر أحوالهم وجد ذلك لا محالة، يجد ويشاهد، ولكن هذا لا يكون متعظاً به إلا من يريد الله جل وعلا هدايته.

стр. 222

من لقي الله وهو يشرك به شيئاً دخل النار ولو كان من أعبد الناس [المسألة السادسة: الجمع بين قربهما في حديث واحد. المسالة السابعة: أنه من لقيه لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار ولو كان من أعبد الناس]. عرفنا أن (شيئاً) نكرة تعم القيل والكثير، والدقيق والجليل، فإذا قال: (لا يشرك به شيئاً)، فمعنى ذلك أنه يدخل فيه حتى الرياء، حتى الشرك الأصغر، وإذا كان الإنسان عنده شرك أصغر يشمله هذا ويدخل فيه، وقوله كذلك: (يشرك به شيئاً) نفس المعنى، فكلمة (شيء) نكرة تعم كل ما أطلق عليه أنه شرك، سواء أكان كبيراً أم صغيراً.

стр. 223

سؤال الخليل له ولبنيه الوقاية من عبادة الأصنام [المسألة الثامنة: المسألة العظيمة سؤال الخليل له ولبنيه وقاية عبادة الأصنام]. أي أن الخليل ﷺ يقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥] يدعو ربه جل وعلا أن يجعله في جانب بعيد عن عبادة الأصنام هو وبنيه، وعلل هذا بقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم:٣٦] فخاف -وهو نبي كريم يوحي الله جل وعلا إليه- أن يقع في الشرك، وذلك أن الله جل وعلا خلق الإنسان، وخلق له قوى وفكراً، وجعل الأمر إليه، وقال له: هذا طريق الخير فافعله، وهذا طريق الشر فاجتنبه، فالجزاء يتعلق بأفعاله الاختيارية التي يفعلها باختياره، والإنسان قد لا يملك نفسه، فقد يزين له شيء هو من أسوء الأمور عند الله فيتبعه، فهو إن لم يهده الله ضال، وإن لم يجعل الله جل وعلا له نوراً يهتدي به فإنه يتخبط في الظلمات، وإن كان يعمل بحريته حسب ما أعطيه من الأفكار والنظر والقوة على العمل أو الإحجام عنه، فهذا جعله الله إليه، وهو الذي صار مناط التكليف، ومناط التكليف كونه يفعل باختياره، وإذا فقد الاختيار صار غير مكلف، ولكن هذا الاختيار لقصور الإنسان في الإرادة وفي القوة وفي المآل يخاف أنه يجني، ويقع في الأمور التي تعرض له وتزين له من الباطل، سواء من شهوات أو أهواء أو دنيا أو شيطان، والشيطان قد يكون من شياطين الإنس، وقد يكون من شياطين الجن، فأسباب الانحراف كثيرة جداً تحيط بالإنسان إن لم يعافه الله جل وعلا من ذلك ويتفضل عليه وإلا ضل، فإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه شاهد هذه الأمور، واستحضر هذا المشهد أنه إن لم يهده الله ويعصمه فإنه يقع فيما وقع فيه الكثير من الناس. والإنسان إذا نظر إلى الناس اليوم رأى أن أكثرهم على الضلال، وإن كانوا يسمون الوقت هذا وقت النور ووقت العلم ووقت الازدهار والحضارة، ولكنها حضارة في أمور معينة مادية، أمور الدنيا، وهذه لا تجدي عن الآخرة شيئاً، أما السعادة التي يسعد بها الإنسان في حياته الدنيا وفي آخرته فأكثر الخلق أخطأها وما استطاع أن يصل إليها، وهذه بيد الله، والإنسان عليه أن يسأل ربه هدايته، مع أن الله لا يظلم أحداً، وكل الخلق بالنسبة للأوامر والنواهي سواء، فما خص قوماً دون آخرين بأن خفف عنهم شيئاً من الأوامر أو أباح لهم بعض المنهي عنه، فالخلق كلهم سواء، وإنما المهتدي من هداه الله جل وعلا وحبب إليه الإيمان وزينه في قلبه وكره إليه المعاصي والذنوب وجعله راشداً، وهذا فضل الله يعطيه من يشاء، وإذا منع الله جل وعلا فضله عبداً وكله إلى نظره وإلى قوته وبصيرته وعلمه، فلا يستطيع أن يهتدي بذلك.

стр. 224

عدم الاغترار بالكثرة [المسألة التاسعة: اعتباره بحال الأكثر؛ لقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم:٣٦]]. هذه مسألة ليست سهلة، لا يتساهل بها الإنسان، كونه يرى أكثر الناس على عمل من الأعمال فيقتدي بكثرة الناس، وهذا معروف الآن، فالإنسان يقول: الناس كلهم يفعلون هذا، فكيف لا أفعل شيئاً يفعله الناس؟! فأصبحت حجة، وهذه الحجة توارثها العالم كله من أوله إلى آخره، كما قالت الأمم لرسلها: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]، وفرعون يقول لموسى: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ [طه:٥١] يعني: لماذا عملت الشيء الذي تنهانا أنت عنه، فهي أشركت فما بالها؟ فإذا قال له: إنهم ضالون قال: كيف الناس كلهم يضلون وتبقى أنت وحدك؟! ويصعب على الكثير من الناس اتباع الحق؛ لأن تابعه قليل، فهذا الذي يشير إليه ما ذكره الله جل وعلا عن الخليل: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم:٣٦]، فالناس ينظرون إلى الكثرة غالباً ويتبعونها، وما يميزون بين الأمر هذا والأمر هذا، كما هو فعل أهل الحق، ولهذا يقول العلماء: لا تستوحش من الحق لقلة السالكين نهجه، ولا تغتر بالباطل لكثرة الهالكين. أي: لا يغرك كثرة الناس فتغتر بهم، وكذلك لا يغرك قلة من يعمل بالحق، اعمل الحق وأحبه واتبعه، وإن كان الذي معه قليل؛ فإن الله جل وعلا فرق بين الحق والباطل، فإذا عرف الإنسان الحق وجب عليه أن يتمسك به ولو كان وحده، ولو بقي وحده.

стр. 225

تفسير (لا إله إلا الله) [المسألة العاشرة: فيه تفسير (لا إله إلا الله) كما ذكره البخاري]. مقصوده: أن معنى (لا إله إلا الله): ترك الشرك رأساً مع عبادة الله، هذا هو التفسير الذي يشير إليه، وليس تفسير (لا إله إلا الله) أن يقول الإنسان: (لا إله إلا الله)، وهو يأتي بخلاف ما وضعت له، بأن يكون -مثلاً- يتعلق بأصحاب القبور، ويدعوهم ويطلب منهم المدد والعون، ويتوسل بهم وهو يقول: (لا إله إلا الله)، فهذا أفعاله تناقض أقواله، فتفسيرها هو ترك الشرك كله، والإتيان بعبادة الله جل وعلا.

стр. 226

فضيلة من سلم من الشرك [المسألة الحادية عشرة: فضيلة من سلم من الشرك]. يشير إلى الآية التي أثنى الرب جل وعلا على الذين هم بربهم لا يشركون، فقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٥٩]، فأثنى عليهم لكونهم اجتنبوا الشرك.

стр. 227

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٢١] يجب على الداعية إلى الله أن يبدأ بالأهم فالأهم، وأهم شيء هو التوحيد، فهو أصل الأصول، فعلى من يدعو إلى الله أن يصحح توحيده وعقيدته أولاً، ثم يدعو الناس إلى التوحيد ثانياً، فالتوحيد هو لبُّ دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم.

стр. 228

وجوب الدعوة إلى التوحيد قال المصنف ﵀: [باب: الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله]. قوله: [باب: الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله] يعني الدعاء إلى توحيد الله جل وعلا، والمصنف لما ذكر وجوب هذا الأمر على المسلمين عموماً، وأنه يجب على كل مكلف أن يعبد ربه وحده، وأن يجتنب الشرك -وهذا واجب عيني يتعين على كل فرد من المسلمين ذكورهم وإناثهم- ذكر فضل من حقق هذا، وأن من حقق التوحيد يدخل الجنة بلا حساب ولا عذاب، ثم ذكر الخوف من كون الإنسان إذا فعل ذلك وعلم أنه ينبغي له أن يخاف أن يناله الشيطان في شيء ينقص توحيده أو يدخل عليه ما يضعف إيمانه. ثم بعد هذا يقول: إذا تحلى الإنسان بهذا الأمور فهو الكامل في أمور التوحيد؛ لأنه عرف وعمل وحقق وخاف، والإنسان إذا خاف من شيء اجتنب الأسباب التي تؤدي إلى ذلك المخوف، وإذا وصل إلى هذا الحد فهو قد تمسك بالتوحيد. وبقي أنه لا يجوز أن يقصُر هذا على نفسه، بل يجب عليه أن ينشره، وأن يدعو إليه؛ لأن السعادة التي ذكرها الله جل وعلا للذين ذكرهم في قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣] ذكر فيها التواصي بالحق والتواصي بالصبر، وهو الدعوة إلى التوحيد، وإلى الخير، فهم يعرفون المعروف ويدعون إليه، ويعرفون المنكر ويدعون إلى تركه وينهون عنه. ثم يصبرون على ما ينالهم في طريق الدعوة؛ لأن الذي يدعو لابد أن يؤذى سواء بالكلام أو بالفعل، بل قد يضرب وقد يسجن، وقد يهدد بالقتل وقد يقتل، فعليه أن يصبر؛ لأن هذا هو الطريق إلى الله، وهو طريق الرسل، وليس معنى هذا: أن هذا يجب على طائفة معينة، بل يجب على كل أتباع الرسول ﷺ الدعوة، ولكن بحسب حالهم، كما قال سبحانه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، فلا يقال للإنسان الذي لا يستطيع أن يدعو: يجب عليك أن تدعو. ولكن الذي عرف وعمل يجب عليه أن يدعو على قدر المستطاع، وقد قال صلوات الله وسلامه عليه: (بلغوا عني ولو آية)، فلا يكون الإنسان قاصراً الخير على نفسه، بل يجب أن يبدأ بنفسه ثم بالأقرب فالأقرب إلى أن يُوصِل الخير إلى عباد الله، ولا يحصره على قوم معينين. فمن هنا أتى المصنف بهذا الباب، فقال: [باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله]، وقصده بالدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله الدعاء إلى الإسلام، والدعاء إلى التوحيد؛ لأن الإسلام مبناه على هذه الكلمة -شهادة أن لا إله إلا الله-، والرسل صلوات الله وسلامه عليهم كلهم كانوا يدعون إلى هذه الكلمة، بل أول ما يبدءون به هو هذه الكلمة، وهذا هو الذي يجب على الداعي، وهو أن يدعو الإنسان إلى تصحيح عقيدته أولاً، وإلى تصحيح العلم الذي ينطوي عليه قلبه، بأن يعتقد الحق ويعلمه، ثم يبعث الجوارح للعمل بهذا العلم؛ لأن العلم قبل القول والعمل، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [محمد:١٩]، فبدأ بالعلم أولاً. فيجب على الداعي أن يبدأ بالأهم فالأهم، والأهم هو: الأصل الذي يبنى عليه غيره، والذي يبنى عليه غيره هو التوحيد شهادة أن لا إله إلا الله، وقد اتفق العلماء على أنه لا يعتبر الإنسان مسلماً حتى يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ولابد أن ينطق بها، أما لو علم بقلبه أن الإسلام هو الدين الصحيح وأحبه في قلبه ورأى أنه هو الحق ولكنه لم ينطق بالشهادتين فهو كافر، وإذا مات على ذلك فهو في النار، ولهذا كان الرسول ﷺ يقول: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)، فلابد من القول. ويبني على هذه الشهادة سائر الأعمال، فإذا كان الإنسان -مثلاً- مخلاً بمعنى هذه الشهادة، كأن يتوسل بالصالحين، أو يدعو أصحاب القبور ويرى أنهم يشفعون له، وأنهم يسمعون دعاءه ويستجيبون له فلا يصح أن تذهب إليه وتقول: صل الصلوات. أو: قم الليل وتصدق وصم. لأن صلاته وصومه وصدقته باطلة وهو يدعو غير الله، فلابد أن يخلص أولاً عقيدته، وأن تكون خالصة لله، ويعلم أنه لا يجوز أن يُصرف من الدعاء شيء لغير الله جل وعلا، بل يكون الدعاء خالصاً لله جل وعلا، فالدعاء الغيبي النفعي أو الخوف الغيبي لا يكون لغير لله جل وعلا، فإذا لم يكن مخلصاً فهو ما عرف التوحيد كما ينبغي، فيجب أن يدعى إليه أولاً، كما سيأتي في الأحاديث التي تنص على هذا.

стр. 229

شروط الدعوة إلى الله ثم الدعوة إلى الله جل وعلا لها شروط ثلاثة لابد منها: الشرط الأول: أن تكون الدعوة مراداً بها وجه الله جل وعلا، ولا يُراد بها الظهور أمام الناس ليقال: هذا داعية ناجح، وهذا متكلم فصيح وبليغ، وهذا يعرف من العلم ما لا يعرفه غيره، فإنه إذا أراد شيئاً من ذلك فعمله لنفسه، وهو يدعو الناس إلى نفسه في الواقع، وإن أظهر أنه يدعو إلى الله فهو كاذب في دعوته، بل هو يدعو إلى عبادة نفسه وأن الناس يعظمونه، وهو بهذا يدعو إلى شهواته ومراده، فلابد أن يكون الداعي مريداً بدعوته وجه الله لا يريد جزاءً غير ذلك من عرض الدنيا ولا من ثناء الناس ومحبتهم له وقربهم إليه، فلا يجوز أن يريد شيئاً من ذلك، فإن أراد شيئاً من ذلك فهو لا يدعو إلى الله وإنما إلى غير الله. الشرط الثاني: أن يكون الداعي متبعاً في ذلك طريق رسول الله ﷺ ، فلا يدعو على حسب أوضاع يضعها هو أو جماعته، أي: لا يضع قوانين أو أنظمة أو قواعد يقعدها بعقله ونظره ويسميها (منهج الدعوة)، فإن هذا باطل، بل الدعوة يجب أن تكون على سنة النبي ﷺ ، ويجب أن يُترسَّم طريقه، والرسول ﷺ بقي عشر سنوات يدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأول ما دعا يبدأ الناس إلى ذلك، ودعوته ﷺ محفوظة، فكل ما قاله وما قيل له أو جله، ما ذهب عن الأمة منه شيء، بل حُفِظ والحمد لله، فعلى الداعية أن يعرف سيرة رسول الله ﷺ حتى يترسم طريقه. الشرط الثالث: أن يكون الداعي على بصيرة بدعوته، بأن يكون على علم، ويدعو على علم، ويعرف ماذا يدعو إليه، وماذا يجب أن يترك ويجتنب، وإن لم يكن كذلك صارت دعوته تفسد أكثر مما تصلح.

стр. 230

الواجبات على الداعية في دعوته هناك واجبات على الداعية منها: أن يكون رفيقاً في دعوته، فلا يدعو الناس بالعنف والكلام البذيء والكلام المنفر، أو التحكم بالناس، أو استنقاصهم وما أشبه ذلك، بل يجب أن يكون عنده بصيرة في ذلك، وعنده رفق بالناس، والإنسان -مثلاً- قد يفعل أفعالاً قد أقام عليها أكثر عمره، فإذا جئت إليه من أول وهلة قلت له: هذا حرام وهذا لا يجوز أن تقيم عليه. أو: أنت لم تفعل شيئاً وما أشبه ذلك فقد يستصعب هذا القول، بل يجب أن يأخذه الداعية بالرفق شيئاً فشيئاً، حتى يحبب إليه الطاعة وطريق اتباع الرسول ﷺ ، بعد أن يعرفه الأصل الذي هو شهادة أن لا إله إلا الله، ثم يعلمه الواجبات. أن يكون حليماً، فلابد أن يكون الداعية حليماً، فإذا وقع له كلام يخدش شعوره أو يسيء إليه، ولا يعجل، يحلم ويصبر، ولو كانت دعوته لله فلا يستعجل على الناس، ولا يغضب عليهم؛ لأن الأذى الذي يسمعه من الناس أو يناله منهم يحتسبه عند الله، ويرجو أن الله يثيبه عليه. ويكون كذلك رحيماً، فمن الواجبات أن يكون رحيماً، فهو عندما يدعو الناس يدعوهم شفقة عليهم من أن يدخلوا النار، ثم هذا لا يدعوه إلى أنه يود العصاة ويحبهم، بل يبغضهم في الله جل وعلا، ولكن في دعوته إياهم يرحمهم؛ لأنه يعرف أن الناس لا يستطيعون مقاومة النار ومقاومة عذاب الله جلا وعلا، فهو يرحمهم خوفاً عليهم من أن يقعوا في عذاب الله، ويبين لهم الحق من خلال هذه الأمور. وأصل الدعوة في هذا ما سيأتينا في الآية التي سيذكرها المؤلف، وهي قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]. هذا هو الأصل الذي ينبغي للداعية أن يتبناه دائماً، وهو ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، فالله جل وعلا يأمر رسوله ﷺ أن يقول هذا القول: ((قل هذه سبيلي))، فهذه الإشارة هي إلى دعوته ﷺ التي يدعوا الناس إليها، أي: هذه الدعوة التي أدعو الناس إليها هي سبيلي التي أرسلت من أجلها، وهذا الطريق هو الذي أحيا عليه، وأموت عليه، فأعمل له ما حييت، ولا أنافس أهل الدنيا في دنياهم، أو أطلب ملك الدنيا أو غيرها، وإنما أحيا لدعوة لله جل وعلا.

стр. 231

أقسام الناس المدعوين ويلزم أن يكون الداعية حاصلاً على القوة؛ حتى يمكن أن يدعو بطريقة ناجحة، وذلك أن الناس الذين يدعون يكونون ثلاثة أقسام غالباً: قسم يكون جاهلاً بالحق ولو تبين له لاتبعه، فهذا دعوته فقط لبيان الحق، فيبين له ويزاح عنه ما يعترض سبيل الحق إذا كان عنده شبهه فقط. وقسم آخر قد تلبَّس بأمور يصعب عليه تركها من دنيا أو رئاسة أو ما أشبه ذلك، فهذا يُدعى بالحكمة والموعظة، بالترهيب والترغيب، فيؤتى له بالترهيب والترغيب، أي: بالنصوص التي تتوعد المعرض والذي يفعل المعاصي وهذا القسم يكفيه ذلك. قسم ثالث لا يكون عنده عناد، ولكن عنده تكبر وعنده إباء عن قبول الحق، فمثل هذا يحتاج إلى قوة، فأن أفادت معه المجادلة وبيان الحكمة وبيان العظات والزواجر والوعيد فهذا هو المطلوب، وإن لم يفد معه ذلك ينتقل معه إلى السلاح فيقاتل، ولهذا ذكر الله جل وعلا في بعض الآيات في القرآن الحديد مقروناً بالكتاب؛ ليبين أن الذي يعرض عن الكتاب ولا يقبله يصار معه إلى الحديد وإلى القوة قوة السلاح، فالذي يقف بوجه الدعوة ويصد عنها ويتكبر ويتجبر، ليس أمام أهل الدعوة الذين يدعون إلى الله معه إلا استعمال القوة، فلهذا الداعي الناجح يجب أن يكون متصفاً بهذه الأمور، وإلا فتكون الدعوة ناقصة قاصرة، أن يكون عنده العلم، وعنده الحلم، وعنده المقدرة على إبطال الشبهة وإيصال العلم إلى من عنده شبهة، وإزاحة ما أمامه من غشاوة، ثم كذلك يكون عنده قوة إذا أرادوا أن يبطلوا دعوته أو يقاتلوه أو يصدوه عن دعوته، فيقاومهم كما كان الرسول ﷺ يفعل ذلك.

стр. 232

بيان بداية دعوته ﷺ الرسول ﷺ في مبدأ دعوته كان مثل ما قال صلوات الله وسلامه عليه: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ)، وذلك أن الإسلام بدأ بالرسول ﷺ وحده فقط، وواحد كيف يعمل أمام أمة كافرة كلها لا تعرف شيئاً من الحق، بل هي على الباطل وعلى الكفر والشرك والظلم؟! وإن كان عندهم عقول في الواقع، والإنسان الذي يتأمل بعقله يعلم أنهم ليسوا على شيء. كما ثبت في صحيح مسلم عن عمرو بن عبسة قال: (كنت في الجاهلية أرى أن الناس ليسوا على شيء وهم يعبدون الأصنام والشجر والحجر)، فهو رجل في البادية ما عنده علم ولا تعلم، ومع ذلك يقول: (كنت أرى أن الناس ليسوا على شيء)؛ لأن عقله وفطرته دلته على ذلك، قال: (فكنت أتخبر الأخبار وأسأل الناس الذين يأتون من هنا وهنا، وآتي موارد الماء وأسألهم: هل من خبر؟ هل من علم؟ وكل من سألت لم يخبرني بشيء، وفي يوم من الأيام جاء قوم من قبل مكة فقلت لهم: هل من خبر؟ قالوا: نعم. رجل يخبر خبر السماء. قال: فقعدت على راحلتي) يعني أنه ما استراح لما هم عليه، بل هو قلق مما هم فيه، فالله فطر الناس على كونهم يعبدونه. قال: (فقعد ت على راحلتي- أي: ركب راحلته -وذهبت إلى مكة، فلما جئت إلى مكة إلى هذا الذي يخبر خبر السماء: وسألت عنه فإذا الناس عليه جرآء) أي: كل واحد عليه جريء يعني أنهم يؤذونه ويشتمونه ويتكلمون فيه. يقول: (فخفت وتلطفت -أي: صار لا يسأل، وإنما يتحسس يبحث عنه وهو مختف صلوات الله وسلامه عليه- حتى دخلت عليه فوجدته مختفياً في بيت، فقلت: ما أنت؟ قال: (أنا نبي. قلت: وما نبي -أي: أنه لا يعرف كلمة نبي-؟ فقال: أرسلني الله. فقلت: وبم أرسلك؟ قال: أرسلني بأن يُعبد الله وحده، وبمحق الأصنام والأزلام. فقلت: ومن معك على هذا؟ فقال: معي حرٌ وعبد، ومعه يومئذ أبو بكر وبلال، فقلت له: إني متبعك) فرجع إلى قومه حتى سمع أن الرسول ﷺ هاجر إلى المدينة فجاء إليه. قال: فقلت له: أتعرفني؟ فقال: (نعم، أنت الذي أتيتني بمكة)، وذكر بقية الحديث. والمقصود أن الرسول ﷺ جاء إلى قومه وحده على الإسلام، فهل يسوغ أنه يؤمر بالقتال أو يؤمر بالقوة؟! لو قاومهم بالقوة لقضوا عليه، ولقتلوه عند أول وهلة، مع أنه واثق بوعد الله جل وعلا له تمام الثقة، ولهذا توعدهم وهو وحده، وقال: والله! إن لم تؤمنوا بي فسوف ينصرني الله جل وعلا عليكم، وأقتل رجالكم وآخذ أموالكم. وهل يمكن أن يقول هذا عاقل وهو غير واثق؟! بل هو وحده، وليس معه جنود ولا دولة تحميه، ولكن كان معه الله جل وعلا، وهو الذي يحميه، ولكن المقصود: أن الإنسان إذا جاء وحده بهذا الأمر وصدع به بدون خوف فإنه يدل على أنه نبي من عند الله، كما قال هود ﵇ لما قال له قومه: ﴿مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود:٥٣] يقولون: لماذا نترك عبادة الآلهة والأصنام وغيرها والأشجار وغيرها؟ ألأنك قلت لنا: هذا شرك، اعبدوا الله؟ لا نتركها عن قولك. ثم قالوا في مجادلتهم إياه: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود:٥٤]، أي: هذا قولنا: إن آلهتنا أصابتك بجنون فأصبحت تخالفنا كلنا وتأتي بشيء غريب عند ذلك قال لهم: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود:٥٤ - ٥٥]، يعني: اجتمعوا أنتم كلكم مع آلهتكم فافعلوا ما تستطيعون فعله نحوي من قتل أو سجن أو تعذيب، لن تصلوا إلي، لهذا ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود:٥٥]، تحداهم جميعاً مع أنهم عاد الذين أوتوا من القوة ومن الجبروت ومن عظم الأجسام ما ذكره الله عنهم، ومع ذلك ما استطاعوا أن يفعلوا به شيئاً. وكذلك الله جل وعلا أمر رسوله أن يقول لمشركي قريش هذا. ويتحداهم بذلك، وكل رسول يتحدى قومه بأن يكيدوه ولا ينظرونه، أما كونهم حاولوا قتله فنعم، ولكن هذا هي سنة الله، ولما جاءهم بالدعوة تبين لهم الحق كلهم إلا إنسان معرض، والمعرض لا عبرة به، أما الذي يتأمل قوله ويتأمل ما جاء به، فلابد أن يتبين له الحق. ولهذا يقول المسور بن مخرمة ﵁ -والمسور بن مخرمة خاله أبو جهل -: قلت لخالي: يا خال! أكنتم تتهمون محمداً قبل أن يقول مقالته بالكذب؟ فقال: يا ابن أخي! والله لقد كنا نسميه وهو شاب الأمين، ووالله ما جربنا عليه كذبة واحدة، ولم يكن عندما خطه الشيب ليكذب على الله جل وعلا يقول المسور: فقلت: يا خال! ولمَ لا تتبعونه؟ فقال أبو جهل: إننا وبنو هاشم تسابقنا، أطعموا فأطعمنا، وسقوا فسقينا، وأجاروا فأجرنا، فلما تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي. متى ندرك هذا؟ والله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه. يعني: ما منعه إلا الحسد والكبر، وكل من لم يسلم كان على هذه الطريقة. ذكر ابن إسحاق ﵀ في السيرة والبيهقي في الدلائل وغيرهما من العلماء عن عدد من كبراء قريش مثل: أبي جهل، والأخنس بن شريق، وأبي سفيان، وغيرهم ممن سماهم ابن إسحاق من كبراء قريش، قال: كانوا إذا جنّهم الليل ذهبوا يستمعون قراءة النبي ﷺ ، وكل واحد يكون في مكان لا يدري عنه الثاني في ظلمة الليل، فيبقون يستمعون له إلى الصباح، وفي أول مرة استمعوا له حتى أصبحوا فرجعوا فالتقوا في الطريق فلام بعضهم بعضاً، وقالوا: لو رآكم سفهاؤكم لتسارعوا إلى اتباعه فلا تعودوا إلى مثلها. وفي الليلة الثانية عادوا، وكل واحد يقول: لعل الآخر لا يعود. فالتقوا ثم تلاوموا، ثم عادوا في الليلة الثالثة، ثم تلاوموا كذلك، ثم عادوا في الليلة الرابعة، وبعد ذلك تماسكوا. وقالوا: لا نبرح من هنا حتى نتعاهد على ألا نعود. فتعاهدوا وتعاقدوا على أنهم لا يأتون مرة أخرى يستمعون إليه خوفاً من أن يراهم الناس الذين ليسوا رؤساء فيقتدون بهؤلاء ويتبعون الرسول ﷺ ، ثم مشى بعضهم إلى بعض فقال كل واحد للآخر: ما ترى؟ فيقول: والله إني لأسمع شيئاً أعرفه، ووالله إنه لحق فيعترفون أنه حق، وفي النهاية قالوا: لن نتبعه فلم يتبعوه لأنه ليس من قومهم، وقد كانوا يتنافسون الشرف فأبوا اتباعه. والمقصود أن الرسول ﷺ بقي في مكة ما يقرب من اثنتي عشرة سنة وهو يدعو إلى توحيد الله جل وعلا، وهو يتحمل الأذى ويصبر على ما يناله، ولم يؤمر بالقتال، بل يقول الله جل وعلا له: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج:٥] يأمره بالصبر، ويأمره بالتحمل والدفع بالتي هي أحسن، حتى هاجر إلى المدينة وصار له قوة وأنصار ودولة، وصار له رجال يدافعون عن الحق معهم قوة عند ذلك أمره الله بالقتال. وهكذا ينبغي للداعية أن يكون على نهج النبي ﷺ ، فلا يذهب إلى قومٍ يتحداهم ويهددهم ويتوعدهم وهو لا يستطيع أن يملك شيئاً، بل يجب أن يترسم طريق الرسول ﷺ في المنهج، وكذلك فيما يدعو إليه في القول والعمل، فإن فعل ذلك فهو في الواقع ناجح. وليس مهمة الداعية أن الناس يستجيبون له، فالاستجابة إلى الله، وإنما مهمته أن يبين الحق، فإن قُبل حمد الله على ذلك، وإن لم يُقبل الحق منه صبر واحتسب وعلم أن العباد عباد الله هم ملك الله يتصرف فيهم، فهو يتصرف في الجميع جل وعلا كيف يشاء.

стр. 233

السبيل في الدعوة إلى الله تعالى قال الشارح ﵀: [وقوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨] يأمره جل وعلا بأن يبين طريقته التي أرسله الله بها، وأن يبلغها الناس، وأن يبين: هذه سبيل الدعوة التي أدعو بها إلى عبادة الله وحده، إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله]. قل: هذه سبيلي التي أحيا من أجلها، وأموت عليها، وهي أنه يدعو إلى الله على بصيرة، والبصيرة هي العلم اليقيني الذي تكون نسبة العلم فيها للقلب كنسبة المرئي للبصر، هذا معناها، وهذه البصيرة التي يقول العلماء: اختص بها الصحابة فالصحابة كان علمهم علم بصيرة على بصيرة، حتى صارت المعلومات في قلوبهم كالمشاهدات التي نشاهدها بأبصارنا، فقوله: ((ادعو إلى الله على بصيرة)) يعني: على علمٍ يقيني بأن الله جل وعلا سيؤيدني وينصرني وأرجع إليه ويثيبني على ذلك. وقوله: ((أنا ومن اتبعني)) يعني: أتباعي كذلك يدعون إلى الله على بصيرة. فكل من كان اتباعه الرسول ﷺ أكثر تكون دعوته إلى الله بهذه الصفة أعظم. وقوله: ((وسبحان الله)) يعني: تنزيهاً لله وإبعاداً له أن يشرك به وهذا يدل على أن الداعية يجب أن يبدأ بما هو تنزيه لله جل وعلا، وهو الدعوة إلى ترك الشرك، ولا يكون ذلك إلا بتوحيد الله جل وعلا. وقوله: ((أدعو إلى الله)) يؤخذ من هذه الكلمة -أدعو إلى الله- أن الدعوة يجب أن تكون لله، ولا تكون لدنيا، ولا لملك، ولا لأرض، ولا لمنفعة دنيوية، وإنما تكون لله جل وعلا، أما إن استعملت الدعوة لشيء من هذه الأمور وهذه الأغراض فإنها تكون فاسدة في الواقع، ولا تكون على طريقة الرسول ﷺ . ولهذا سيذكر لنا الشيخ ﵀ من الفوائد على هذه الجملة قوله: [فيه تنبيه على الإخلاص في الدعوة] لأن كثيراً من الناس وإن دعا في الظاهر إلى الله فهو في الحقيقة يدعو إلى نفسه، فيكون عنده غرض معين. ثم إن صاحب الدعوة إلى الحق لابد أن يعتريه ما يعتريه من الأذى، وربما النفي، وربما السجن، وربما القتل، كما أخبر الله جل وعلا عن الرسل أن أممهم قالت لهم: ﴿لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [إبراهيم:١٣] يعني: ترجعون إلى الكفر والشرك وإلا نفيناكم وأخرجناكم. وكذلك ذكر الله جل وعلا عن خليله إبراهيم أن قومه لما لم يكن لهم حجة عليهم المضائق فاضطرهم إلى أن يقفوا بدون حجة وبدون أن يعارضوا دعوته بشيء لجأوا إلى القوة كعادة المحاربين دائماً، فجمعوا له حطباً كثيراً وأججوا النار وألقوه فيها، ليس ذلك إلا لأنه قام بالحق ودعاهم إليه وأبطل حججهم، وبين أنهم ليسوا على شيء، فأرادوا أن ينتقموا منه بقوتهم. وكذلك فرعون لعنه الله لما جاءه موسى أصبح يموه على الناس، ثم حاول أن يقتل موسى ويقتل أتباعه ويترك النساء اللآتي لا يقاتلن، وهذا أكثر الله جل وعلا من ذكره في قصص الأنبياء ليكون أسوة للنبي ﷺ ؛ لأنه سيلاقي الأمور والشدائد في ذلك. ولهذا أخبر الله جل وعلا أنه يقص عليه من أنباء الرسل ما يكون له فيه تسلية، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام:٣٤]، ويقول جل وعلا: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت:٤٣] فهكذا ينبغي للداعي الذي يدعو إلى الله، أن يدرس سيرة رسول الله ﷺ ، ويدرس ما ذكره الله جل وعلا عن الأنبياء والأصفياء من القصص مع أممهم، فيتخذ ذلك نبراساً له وطريقاً، ويعلم أن الدعوة إلى الله محفوفة بالمخاطر دائماً، وأن الداعي لا يمكن أن يواجه بكل قبول وبكل تسليم، بل لابد أن يكون له من يعارضه ومن يرد عليه ومن يؤذيه، ولاسيما إذا كانت النفوس قد أُشربت حب الفساد والشهوات، فإن الداعي إلى الله يريد أن ينقلهم من حالة إلى أخرى، وهذا صعب على كثيرٍ من الناس. والإنسان لا يريد أن يكون مهزوماً دائماً في الحجة وفي النهج وفي الظاهر، وإن كان على باطل، بل يريد أن يبرر نفسه ويبرر ما هو عليه، ولهذا قال الذين خالفوا الرسل لرسولهم -كما حكى الله عنهم-: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود:٥٤] ويقول بعضهم وهو ينتقد الرسول الذي أرسل إليه -كما حكى الله عنه-: ﴿مَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود:٢٧] وكم نسمع الآن من كثيرٍ من الناس من يقول: هؤلاء المتخلفون، وهؤلاء المتزمتون. يعني أن الأمور تشابهت، وكأن بعضهم يوصي بعضاً، كما قال الله جل وعلا: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ [الذاريات:٥٣] يعني: بهذه التي يقولونها للأنبياء، ويكذبون الرسل بها: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات:٥٣] أي: بل كل قوم له وارد. والمقصود أن الله جل وعلا ذكر هذه الآية لتكون متمسكاً للداعي الذي يدعو إلى الله، ليكون صابراً محتسباً ينتظر أجره من الله، ولا ينظر إلى وجوه الناس، ولا إلى قولهم، وإنما يقوم لله جل وعلا، مقتفياً أثر رسول الله ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]، ذكر ابن القيم أن الآية فيها تقديران: أحدهما: أن تكون الواو في قوله: (أنا ومن اتبعني) عاطفة على الضمير البارز الظاهر. الثاني: أن تكون عاطفة على الضمير المستتر المرفوع في قوله (أدعوا). فإذا كانت عاطفة على الضمير البارز فمعنى ذلك أن أتباعه أهل الدعوة هم أهل البصائر، فقوله تعالى: (أدعو إلى الله على بصيرة أنا) يعني: أنا على بصيرة في دعوتي، وكذلك أتباعي هم على بصيرة في دعوتهم. وإذا كانت الواو عاطفة على الضمير المستتر المرفوع فالمعنى أن أتباعه هم أهل الدعوة، فأهل الدعوة التي تكون لله جل وعلا خالصة وصادقة هم أتباع الرسول ﷺ ، وسبق أن الداعي إلى الله جل وعلا يحتاج إلى أمور، كما أن الدعوة إلى الله لها شروط منها: الأول: أن تكون الدعوة خالصة لله. يدعو إلى الله جل وعلا ولا ينتظر شيئاً آخر غير إثابة الله له. الثاني: أن تكون الدعوة على منهج رسول ﷺ وطريقته، فلا تكون بالبدع والآراء والمناهج التي يستحدثها الناس. الثالث: أن يكون الداعي ذو علم وبصيرة، فلا يكون جاهلاً، فإن الجاهل يفسد أكثر مما يصلح، بل لابد أن يكون عالماً بما يدعو إليه، عارفاً بالأمور التي يجب أن ينهى الناس عنها، فيعرف أنها لا تجوز وأنها محرمة بالأدلة الشرعية، لا بالآراء والأنظار والقياسات. ثم هو كذلك يحتاج إلى أن يكون حليماً على من يجهل عليه، فإذا جهل عليه أحد يحلم عنه، وإذا آذاه أحد يعفو ويصفح عنه، وإذا أساء إليه أحد يحسن إليه، فإنه إذا فعل هذا قبلت دعوته غالباً، وكذلك هو بحاجة إلى أن يكون رحيماً؛ الناس لأن دعوته تكون لإنقاذ الناس من عذاب الله، يرحمهم أن يقعوا في عذاب الله، وقد قال الرسول ﷺ فيما يمثل به لنفسه وللأمة: (مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد ناراً، فصارت الفراش والجنادب تتهافت فيها، وهو يحول بينها وبين أن تقع في النار، فأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقتحمون النار) يعني: بفعل المعاصي. فلابد أن يكون الداعي رحيماً الراعي بهم، يرحمهم أن يقعوا في النار، ويبين لهم أن الله غني عنهم وعن طاعتهم، وإنما يطيعون لأنفسهم؛ لأن الناس كلهم -كما قال النبي ﷺ : (غادٍ ورائح، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها)، فالخلق واحد منهم يموت أول النهار والآخر يموت آخر النهار، فلابد من الموت، فإذا مات، فإما ِأن يكون قد عمل بطاعة الله وأمسك نفسه عن معاصيه فيكون بذلك قد اشترى نفسه بطاعة الله وتقواه وسيلقاه الله جل وعلا بما يسره، أو يكون قد أتبع نفسه شهواتها وأتبع قلبه هواه، فيكون عندما يلاقي الله كالعبد الآبق المجرم، فيؤخذ ويغل ويوضع في أعظم عذاب، والناس كلهم ما أحقرهم إذا عصوا الله فالله جل وعلا لا ينتفع بطاعة الطائعين كما أنه لا يتضرر بمعصية العاصين، ولكن الطاعة لأنفسهم والمعصية عليها، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت. المهم أن ينظر الداعي إلى هذا المعنى، ثم يجب أن يكون رفيقاً في دعوته، فلا يكون عنده عنف وشدة، فإن الله جل وعلا يقول لنبيه: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] يعني: لتفرقوا وتركوك، فإذا كان الله جل وعلا يقول لنبيه هذا فكيف بآحاد الناس؟! فيجب أن يكون الإنسان رفيقاً بالناس ويحبب إليهم الخير ويكره إليهم الشر، ويأتيهم بالطرق التي يألفونها في اتباع الخير، أما إذا كان شديداً وقاسياً فالغالب أنهم ينصرفون عنه ويعرضون عنه ولا يستفيدون من دعوته، ويكون قد جنى على الدعوة ولم يجن لها. وكثيراً من الدعاة يفسد أكثر مما يصلح، فالواجب أن يكون الإنسان متحلياً بما دلت عليه هذه الآية، يدعو إلى الله باتباع الرسول ﷺ وبدراسة سيرته ونهجه، فإنه صلوات الله وسلامه عليه كان يأتي إلى الرجل المشرك ويقول له: يا أبا فلان! يدعوه بكنيته، ثم يقول له: يا أبا فلان! ألا تسمع مني؟ فيعرض عليه عرضاً هكذا: يا أبا فلان! ألا تسمع مني؟ فإن قال: بلى كلّمه، وإن قال: لا أعرض عنه وتركه، فهو لم يبعث مسيطراً على الناس، وإنما عليه البلاغ فقط، وعلى الله الهداية، وهكذا ينبغي لأتباعه الدعاة، ثم إذا خالفه من خالفه فلا يكن عنده التضجر وضيق النفس، وربما يدعو على الناس أو يلعنهم، بل يترك الأمر لله جل وعلا. فعليه أن يدعو إلى الحق ويبينه فإن اسُتجيب له حمد الله، وإن لم يُستجب له فالأمر إلى الله جل وعلا، وليس

стр. 234

أهمية الإخلاص في الدعوة إلى الله جل وعلا قال الشارح ﵀: [قال المصنف رحمه الله تعالى: فيه مسائل، ومنها: التنبيه على الإخلاص؛ لأن كثيراً ولو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه]. هذا مأخوذ من قوله: ((أي: أن الدعوة يجب أن تكون خالصة لله. ويقول: إن كثيراً من الدعاة وإن أظهر أنه يدعو إلى الحق فإنه في الواقع يدعو إلى نفسه، وهذا أمر قد تنطوي عليه النية فلا يُدرى، والله جل وعلا هو الذي يحاسب ولكن الأمور غالباً تظهر، فالأمور التي تكون باعثة على العمل قد تظهر من فلتات اللسان ومن تصرف الإنسان، ولهذا يظهر الرياء ومداراة الناس وغيرها. فكثير من الناس إذا سمع أو رأى من هذه طريقته قال: هذا مراءٍ، أو: هذا يدعو إلى غير الله، وهذا مما ظهر له، وإن كان الإنسان يتخيل أن هذا يخفى، والله جل وعلا هو الذي يحاسب الإنسان على نيته، فإذا كان الإنسان -مثلاً- يريد الظهور على الناس بأن يكون رأساً فيهم يشار إليه، أو يقال: إنه عالم. أو: إنه يحسن الكلام أو يحسن الدعوة وما أشبه ذلك من الثناء إن كان يريد ذلك فبئس ما أراد، وهو يدعو إلى نفسه، وهي دعوة فاشلة، والغالب أنه لا ينتفع بدعوته، وقد ينتفع به غيره، كما جاء في الحديث، قال ﷺ : (إن الرجل يؤتى به فيلقى في النار فتندلق أقتابه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع عليه أهل النار فيقولون: يا فلان! ألم تكن تأمرنا المعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: بلى. كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه)، فهذا هو أشقى الناس بدعوته. لهذا يقول الحسن البصري ﵀: (أشقى الخلق رجلان: أحدهما: رجلٌ جمع مالاً فشقي به وسعد به غيره، فيرى الذي سعد بماله يوم القيامة فيتحسر ويقول: كيف سعد بمالي وأنا شقيت به؟! والآخر: رجل تعلم علماً فانتفع به غيره وشقي هو به). فلا يجوز للإنسان أن يكون هو أشقى الخلق بدعوته أو بعلمه. والإنسان قد لا يملك الهداية، فعليه أن يعود إلى الله جل وعلا، ويتعلق برجائه ودعائه دائماً، ويبتهل وينطرح بين يديه أن لا يكله إلى نفسه، فإن نفس الإنسان ضعيفة، كما قال جل وعلا في آخر سورة الحشر: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [الحشر:١٥ - ١٧]، فالشيطان الذي جاء بصورة ناصح للإنسان، لما كفر وتورط بكفره تبرأ منه، ويقول الله جل وعلا: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد:١٧]، وليس المراد من هذه الآية نزول المطر ونبات الأرض، بل الآية أعم من ذلك، فالله جل وعلا يحيي بالعلم الميت بالجهل والكفر بعد ما كان ميتاً، كما أنه يميت من كان حياً بالعلم والتقى، فقد يتبدل علمه ويكون غير نافع، فيصبح عاصياً لله جل وعلا. والمقصود أن الدعوة يجب أن تكون خالصة لله، وليست الدعوة فقط، بل كل الأعمال التي يراد بها الآخرة يجب أن تكون خالصة لله، فلا يراد بها أمر آخر، لا زيادة مال، ولا رفعة على الناس، ولا جاه، ولا غير ذلك. فإن جاء الاشتراك في العمل الذي يرجى به الثواب فإن هذا الاشتراك بهذه النية يبطل ذلك العمل، وهنا يقول: فيه التنبيه على أن الدعوة يجب أن تكون لله جل وعلا خالصة، فإن كثيراً ممن يدعو إلى الحق في الظاهر يدعو إلى نفسه في الواقع، كأن يدعو إلى أن يكون له أنصار وأتباع كثيرون، وكأن يدعو -مثلاً- ليكون منافساً لمن يراه داعياً فقط، وليكون كلامه أحسن من كلام غيره ويستطيع أن يرد عليه، وما أشبه ذلك من الأغراض السيئة.

стр. 235

البصيرة في الدعوة واجبة [ومنها أن البصيرة من الفرائض]. يعني قوله: ((على بصيرة أنا)) فأخبر أن الرسول ﷺ على بصيرة، ثم عطف على ذلك أتباعه، فدل على أن البصيرة متعينة، فيجب على الداعية أن يكون على بصيرة، ولهذا قلنا: إن من شروط الداعية أن يكون على علم، وأن يكون عالماً بما يدعو، وهنا يقول: إن البصيرة من الفرائض. أي: من الفرائض في الداعي الذي يدعو إلى الله، وإذا ترك الفريضة فهو آثم.

стр. 236

تنزيه الله من دلائل حسن التوحيد [ومنها: أن من دلائل حسن التوحيد أنه تنزيه لله تعالى من المسبة]. هذا مأخوذ من قوله: ((وسبحان الله))، ولهذا كثيراً ما يأتي تنزيه الله مقروناً بما يتعالى ويتقدس عنه مما يفعله المشركون، كما قال تعالى: (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور:٤٣]، وقال: (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩١]، أي: عن وصفهم أن الله له شريك. ولو لم يقولوا هذا الكلام ففعله كذلك، فهذا دليل على أن التسبيح هنا المقصود به تنزيه الرب جل وعلا عما يفعله كثير من الخلق مما يتعبدون به، حيث إنهم يتجهون إما إلى حجر أو إلى شجر أو إلى وثن من الأوثان أو إلى غير ذلك، وهذا مسبة وتنقص لله جل وعلا، لهذا أخبر جل وعلا أنهم لم يقدروا الله حق قدره فقال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] بعد قوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦]، ثم قال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر:٦٧] يعني: الذين وقعوا في الشرك ما قدروا الله وما عرفوا قدره، وما عرفوا عظمته، فجعلوا له شريكاً في الحق، والشريك في الحق يعني: في حقه الذي أوجبه على الخلق ولهذا يحتج الله جل وعلا عليهم بذلك.

стр. 237

وجوب الابتعاد عن المشركين [ومنها أن من قبح الشرك كونه مسبة لله تعالى. ومنها: إبعاد المسلم عن المشركين لا يصير منهم ولو لم يشرك أ. هـ. ]. هذا مأخوذ من قوله: ((وما أنا من المشركين))، يقول: إنه ينبغي للمسلم أن يكون بعيداً عن المشركين، لا في الدار والمسكن، ولا في الاجتماع، ولا في الرأي، فضلاً عن الدين والعقيدة، فإن هذا شيء معروف أنه كفر.

стр. 238

مراتب الدعوة قال الشارح رحمه الله تعالى: [وقال العلامة ابن القيم في معنى قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] ذكر سبحانه مراتب الدعوة وجعلها ثلاثة أقسام بحسب حال المدعو، فإنه إما أن يكون طالباً للحق محباً له مؤثراً له على غيره إذا عرفه فهذا يدعى بالحكمة ولا يحتاج إلى موعظة وجدال]. الحكمة هي العلم، فليس هناك حكمة إلا ما جاء به الرسول ﷺ ، فيبين للمدعو الوحي الذي جاء به الرسول ﷺ ، فإذا بين له فإنه يكتفي بذلك ويتبعه؛ لأنه يطلبه ولكنه يجهله، فهذا الذي يريد الحق وهو يجهل الحق إذا تبين له أن هذا وحي جاء به الرسول ﷺ فإنه لا يؤثر غيره عليه، بل يتبعه. [وإما أن يكون مشتغلاً بضد الحق، لكن لو عرفه آثره واتبعه، فهذا يحتاج إلى الموعظة بالترغيب والترهيب، وإما أن يكون معانداً معارضاً فهذا يجادل بالتي هي أحسن، فإن رجع وإلا انتقل معه إلى الجلاد إن أمكن. انتهى]. القسم الثاني: أن يكون المدعو مريداً للحق ولكنه مشتغلاً بغيره لدنيا يحبها أو لرئاسة يؤثرها أو ما أشبه ذلك من أمور الدنيا، فهذا يحتاج إلى أن يدعى بالترهيب والترغيب، ويذكر له الأمور التي تترتب على إيثار الدنيا على الآخرة، فإذا ذكر له ذلك فالغالب أنه يرجع ولا يحتاج إلى قتال. القسم الثالث: أن يكون المدعو معانداً، فيكون واقفاً في طريق الدعوة ويكون مجادلاً وعنده شبهة، وإذا أقيمت عليه الحجج لا يقتنع بها، بل لا يقبلها، بل يردها، ومثل هذا إذا أقيمت عليه الحجج فردها ووقف في وجهها فإن أمكن أن ينتقل معه إلى القتال فعل ذلك، وذا لم يمكن يصبر الداعية ويحتسب، كما كان الله جل وعلا يأمر نبيه ﷺ بالتحمل والصبر، وهذا لما كان في مكة، أما لما انتقل إلى المدينة وصار له دار إسلام وله أنصار وله قوة أُمر بقتال من لا يقبل الحق ومن يقف في وجهه معترضاً وصاداً وراداً يقاتل، فإذا أمكن أن الإنسان يفعل ما فعله الرسول ﷺ أخيراً فعل ذلك.

стр. 239

معنى حديث: (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب) قال المصنف ﵀: [وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله -وفي رواية: إلى أن يوحدوا الله-، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنياءهم فترد على فقراءهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)، أخرجاه]. هذا الحديث في الصحيحين، وهو عن ابن عباس في قصة بعث النبي ﷺ معاذاً إلى اليمن، وبعثه صلوات الله وسلامه عليه كان في السنة العاشرة كما ذكر ذلك البخاري ﵀ في كتاب المغازي، ولم يكن معاذاً وحده، بل بعث معاذاً وأبا موسى وعلي بن أبي طالب ﵃، ولكن كل واحد بعثه إلى جهة من اليمن، وبعثه داعياً ونائباً عن النبي ﷺ في الحكم والقضاء، ولهذا قال: لما بعث معاذاً وكلمة البعث جاءت ويراد بها أمور في اللغة، فقد يراد بها بعث البعير، أي: إثارته. وكذلك (بعث الصيد): إذا أثاره ليصطاده، وقد يراد به إحياء الموتى، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:٧]، و (الله يبعث من في القبور) يعني: إخراجهم أحياءً بعدما صاروا رفاتاً وتراباً ويراد به الإرسال إلى جهة من الجهات، فيقال: بَعث فلان فلاناً ومنه أن الله بعث رسله، أي: أرسلهم، وهذا مثل قوله هنا: (لما بعث معاذاً) أي: لما أرسله إلى اليمن رسولاً له فـ معاذ هو رسول رسول الله ﷺ ليبلغ عنه وينوب عنه في الحكم والدعوة إلى الله. ثم أرشده إلى ما ينوب فيه عن النبي ﷺ فقال له: (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب)، وقد عرفنا أنه بعثه في السنة العاشرة من الهجرة، وهي السنة التي توفي فيها رسول الله ﷺ ، فإنه توفي في ربيع في تلك السنة. ولهذا جاء في هذا الحديث في بعض الروايات أنه لما خرج معه يودعه -ومعاذ راكب والنبي صلوات الله وسلامه عليه يمشي- قال معاذ: يا رسول الله! إما أن تركب وإما أن أنزل. فقال: (لستَ بنازل ولستُ براكب. ثم قال له: لعلك لن تراني بعد اليوم)، فعند ذلك بكى معاذ ﵁، وعرف أن الرسول ﷺ قد قرب أجله، فقال له: (لا تبك)، ثم أوصاه. ومعاذ ﵁ من سادات الصحابة وكبرائهم وعلمائهم، وقد جاء في سنن النسائي وسنن الترمذي أن النبي ﷺ قال له: (يا معاذ! إني أحبك)، فهو ممن يحبهم الرسول ﷺ زيادة على غيرهم، وقال له في حديث آخر: (إني أحبك فلا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)، وجاء أنه صلوات الله وسلامه عليه قال: (يحشر معاذ أمام العلماء برتوة يوم القيامة). والرتوة: قيل: إنها المكان المرتفع فهو في مرتفع عليهم، وقيل: إنها رمية حجر، أي: يتقدم العلماء. ولهذا جاء أنه أعلم الأمة بالحلال والحرام، وثبت عن ابن مسعود أنه كان يقول: (إن معاذاً أمة قانت لله)، فقيل له: إن إبراهيم كان أمةً قانتاً فقال: (كنا نشبه معاذاً بإبراهيم)، وهو أنموذج من النماذج الكثيرة لصحابة الرسول ﷺ . فلما أرسله إلى اليمن بقي فيها حتى توفي رسول الله ﷺ ، ثم رجع في خلافة أبي بكر لما استخلف، ثم ذهب إلى الشام للقتال في سبيل الله، فمات في الشام في الوباء الذي حدث فيه والذي سمي (طاعون عمواس)، مات هو وولده عبد الرحمن، وكان ولده من أحب الناس إليه، ولما سارع بعض الناس ليفر قال: مالكم؟ أتفرون من قدر الله؟! هذه رحمة يرسلها الله جل وعلا على عباده يرحم بها من يشاء، ثم قال: اللهم اجعل لي من رحمتك نصيباً، اللهم اجعل لآل معاذ من رحمتك نصيباً. فأصيب ولده فمات، وكان ممن يلازمه ومن الذين يأخذون عنه العلم، ثم أصيب هو ﵁. ولما قربت وفاته صار يسأل من عنده ويقول له: انظر هل أصبحنا؟ فقال: لا، ثم سأله مرة أخرى، ثم سأله ثالثة، فقال: نعم، فقال: أجلسني. فأخذ بيده وأجلسه فرفع يديه إلى الله وقال: اللهم إني أعوذ بك من ليلة صبيحتها إلى النار، اللهم إنك تعلم أني أحبك، اللهم إنك تعلم أني لا أحب البقاء في الدنيا لحفر الأنهار ولا لغرس الأشجار، وإنما لظمأ الهواجر ومزاحمة العلماء بالركب). والمقصود أن بعث النبي ﷺ معاذاً إلى اليمن كان في آخر حياة النبي ﷺ ، وهذا بالاتفاق، غير أنهم اختلفوا فمنهم من قال: في السنة العاشرة. ومنهم من قال: في السنة التاسعة. كـ الواقدي، وكذلك ابن سعد، والصواب أنه في السنة العاشرة. ثم قوله: (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب) المقصود بأهل الكتاب اليهود والنصارى، وهذا هو الذي تعورف عليه، وهم أهل كتاب، أي: أهل كتاب سماوي جاء من السماء، وإن كان وقع فيه من التحريف والتبديل، ولكن عندهم علم، وهذا يدلنا على أن دعوة العالم للذين عندهم علم لا تكون كدعوة الجهال الذين ليس عندهم علم، والسبب في هذا أن الذي عنده علم يكون عنده حجج وعنده شبه فيحتاج إلى المجادلة وإلى كشف الشبه عنه، ولهذا ذكر ذلك له ليتهيأ ويستعد. ومعلوم أن أهل الكتاب ليسوا كالوثنيين العرب الذين في اليمن، وإن كان أكثر من كان في اليمن هم من الوثنيين العرب، وأهل الكتاب أقل منهم، وسواء أكانوا يهوداً أم نصارى، والنصارى جاؤوا من الحبشة، واليهود قيل: إنهم ذهبوا من المدينة إلى اليمن وبقوا هناك وتكاثروا، ولا تزال بقاياهم إلى اليوم في اليمن. والمقصود أنه قال: (فليكن أولَ ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله)، وهذا يدلنا على أن الذي يجب على الداعية أن يصحح العقائد أولاً، فلا يذهب إلى الناس ويقول: صلوا وزكوا وحسنوا أخلاقكم واتصلوا بالله بالتهجد وغير ذلك وعقائدهم خاربة؛ لأن أي عمل يعملونه إذا كانت العقيدة ليست صحيحة فلن يفيد، بل العمل عمل فاسد، ومعلوم أن الذي يريد أن يبني بيتاً يبدأ أولاً بالأساس ويقويه ويجعله متيناً ثابتاً قابلاً لما يوضع عليه، فإذا كان الأساس غير صحيح فإنه ينهار البناء ويفسد، والذي ليس عنده عقيدة ليس عنده أساس، فبناؤه مثل الذي يبني على الماء، والبناء على الماء لا يثبت أبداً، ولهذا ذكر الله جل وعلا لنا هذا عن جميع الرسل، وأن كل رسول كان يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، فكان أول ما يقول لهم: (اعبدوا الله)، وخاتمهم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين يقول: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولو الا إله إلا الله)، وقبل أن يؤمر بالقتال كان يقول لهم: (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا) هكذا كان يقول لقريش، ويقول: (بعثني ربي بأن يعبد وحده ولا يشرك به شيء)، وكان يمشي بهذا على الناس في موسم الحج؛ لأن العرب وإن كانوا مشركين، فقد كانوا يأتون إلى الحج في الموسم، وكانوا قبائل كل قبيلة تكون في مكان منحازة عن القبيلة الأخرى، فكان يمشي على القبائل قبيلة قبيلة ويقول: (من رجل يأويني إلى قومه حتى أبلغ رسالة ربي -وفي رواية: كلام ربي-؟ وإذا سئل فقيل له: ما هي الرسالة يقول: جئت بأن يعبد الله وحده لا يشرك به شيء)، فهذا الذي يجب على الداعية أن يعتني به كثيراً، فهذا هو أول ما يبدأ به إقتداءً برسول الله ﷺ وامتثالاً لأمر الله جل وعلا في قوله ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]، فهذه هي دعوته صلوات الله وسلامه عليه. ثم إذا الإنسان ترسم هذا الطريق الذي رسمه رسول الله ﷺ ، وكان يسير عليه فإنه يكون على بصيرة من ذلك، بخلاف الذي يبتدع طرقاً ويأتي بها ويسميها (منهج الدعوة) أو ما أشبه ذلك، فإن هذا غالباًَ يكون غير مجد، وإذا نفع نفعاً ما فيكون نفعه في شيء معين. والمهم أن الداعية يجب أن يدعوا إلى التوحيد والإخلاص وترك الشرك، والأمور التي تقدح في عبادة الله جلا وعلا يبينها للناس ويوضحها وينهاهم عنها بالعلم والبيان الذي يُقتنع به، ولهذا قال: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله)، وفي رواية يقول: (إلى أن يوحدوا الله -أو إلى أن يعبدوا الله-)، وهذا أراد به أن يبين فيه معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن تكون العبادة له وحده، وأن يجعل العمل لله وحده، ولا يكون العمل لأحد غيره. ثم بعد ذلك قال: (فإن هم أجابوك إلى ذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات)، فرتب دعوتهم لإقامة الصلاة وأداء فرض الله فيها على إجابتهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فدل على أنهم إذا لم يستجيبوا إلى ذلك لا يدعون إلى الصلاة، وهكذا ما بعدها: (فإن هم أجابوك إلى ذلك) أي: إلى شهادة أن لا إله إلا الله. وقد عرفنا ما معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن معناها أن يعبد الله وحده، وأن يكون الإنسان متألهاً بقلبه وحبه وتعظيمه لله وحده، لا يحب حب الذل والخضوع والتعظيم إلا الله، ولا يتجه بالدعاء والرجاء والخوف والإنابة إلا إلى الله وحده، فهكذا جميع العبادة داخلة في هذه الكلمة (لا إله إلا الله).

стр. 240

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٢٢] مدار الإسلام على النطق بالشهادتين، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وقد خص النبي ﷺ هذه الأركان الثلاثة بالذكر -كما في حديث معاذ ﵁ لأهميتها ومكانتها من الدين، فلا يكون الدين كاملاً إلا بها.

стр. 241

شرح حديث معاذ عند بعثته إلى اليمن يقول المصنف ﵀: [وعن ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله -وفي رواية: إلى أن يوحدوا الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) أخرجاه. ].

стр. 242

مخاطبة الناس بما يناسب حالهم بعث معاذ ﵁ كان في آخر حياة النبي ﷺ ، وبعث معاذاً معلماً وداعياً ونائباً عنه في الحكم وإبلاغ الرسالة التي أرسل بها إلى أهل الأرض، وقال له: (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب) يعني: في اليمن. ولا يعني ذلك أن أهل اليمن من أهل الكتاب كلهم، ولكن فيهم أهل الكتاب الذين هم اليهود والنصارى، وأكثرهم ليسوا منهم، بل هم أهل أوثان من العرب، يعبدون الأوثان، ولكنه نبهه إلى أن مخاطبة أهل الكتاب وكلامهم ليس كمخاطبة الجهال أهل الأوثان الذين ليس عندهم علم، فهؤلاء قد تكون عندهم شبه ومجادلات، فنبهه لذلك ليستعد لما عساهم أن يلقوه عليه من الشبه، أو يجادلوه في علوم قد يكون منها ما هو مأخوذ من كتب الله السابقة. هذا هو السر في قوله ﷺ : (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب) يعني: لتستعد لذلك، وتعد نفسك وتتهيأ، ويكون عندك ما تستطيع أن تجيبهم به. ثم إن هذا يدلنا أن مخاطبة الناس ليست سواء، وكل الإنسان يخاطب بما يناسبه، ولا يخاطبون خطاباً واحداً؛ لأن بعضهم قد يكون -مثلاً- عنده علوم وأفكار ليست عند الأخرين، والآخر لا يصل إلى هذا، ويخاطب هذا بما يناسبه وهذا بما يناسبه. ثم قال له: (فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة ألا إله إلا الله)، وهم أهل كتاب، ومعلوم أن أهل الكتاب الذين هم اليهود -خصوصاً- ما كانوا يعبدون أوثاناً، بل كانوا يعيبون على العرب ذلك، وكان يهود المدينة يقولون للعرب: آن وقت نبي سيبعث نتبعه ثم نقتلكم معه قتل عاد وإرم، لأنكم كفرة أصحاب أوثان. ولكن الله يمن على من يشاء، ولما بعث النبي ﷺ آمن به أصحاب الأوثان وكفر به أصحاب العلم الذين يتوعدونهم، وذلك لأنهم ما كانوا يظنون أنه من العرب، فقد كانوا يظنون أنه يبعث منهم، فلما بعث من العرب حسدوه وأبغضوه، وتركوا الحق من أجل الحسد والبغضاء. وهذا يدلنا على أن العلم ليس كل شيء، فإن الإنسان قد يكون عالماً ويكون ضالاً على علم، إما لحسد وإما لمنافع معينة يريد أن يتحصل عليها من رئاسات أو أموال أو غير ذلك، وهذه معروفة، وعلل الناس التي يتعللون بها لكونهم لا يتبعون الحق إما لأنه يخالف أهواءهم، أو لأنه يمنعهم من شهواتهم، كما قال أحد النصارى لما قيل له: لماذا لا تسلم وتترك النصرانية لأنها ضلال، ولأن في دينك ما يلزمك باتباع محمد ﷺ ؟ فقال: كيف أسلم وأترك شرب الخمر وأنتم في دينكم تحريم الخمر؟ لا أستطيع. وقيل لنصراني آخر: لماذا لا تُسلم وتَسلم من عذاب جهنم وما يترتب على كفرك وبقائك على دينك الفاسد؟ فقال: أنا محتاج إلى الأموال، وأقاربي يعطونني الأموال، ولو أسلمت لمنعوني ذلك. وكذا علل الناس من هذا القبيل. ومنهم من يمنعه الملك، مثل ما منع هرقل ملك الروم لما جاءه كتاب رسول الله ﷺ وعلم أنه الحق؛ لأنه تيقن وقال: والله لو أستطيع لأتيته ولغسلت نعليه ولحملتها، والله إن كان ما تقوله الحق -يقوله لصاحب الكتاب الذي جاء به- ليملكن ما تحت قدمي هاتين. وهو على سرير ملكه. يقسم ويحلف، ثم بعد ذلك أمر بمن عنده بأن يخرجوا، وأمر بالأبواب التي تصل إليه أن تغلق وتوصد، وأمر بقواده وكبرائه أن يوضعوا في مكان قريب منه ولكن لا يصلون إليه. فلما فعلوا ذلك قال: هل لكم في السعادة؟ هل لكم في الرشد والهدى؟ فقالوا: وما هو؟ قال: نتبع هذا النبي. فأسرعوا ذاهبين إلى الأبواب يريدون أن يقتلوه، فوجدوها موصدة، ثم قال: ردوهم عليّ، فلما ردوهم عليه قال: إنما قلت ما قلت لأختبر دينكم وصلابتكم فيه، وقد رضيت منكم بذلك ونحن على ديننا. أي أنه اختبرهم ليرى ماذا لو أسلم هل يبقى على ملكه ويتركونه أو لا يتركونه، فلما رأى أنهم لا يتركونه بقي على كفره معتاضاً به عن الإسلام. ومنهم من رضي باتباع العادات واتباع ما وجد عليه قومه وما وجد عليه أبناء جنسه، وهذا هو الذي منع كثيراً من المشركين، ومنهم عم رسول الله ﷺ أبو طالب، فإنه لما دعاه قال: لولا أن أجر على أشياخي وكبرائي مسبة لاتبعتك وانقدت لقولك. والمسبة التي يزعمها هي أنه يحكم عليهم بالضلال؛ لأنهم كانوا يعبدون الأوثان. فالمقصود أنه ليس من كان عالماً يلزم أن يكون مهتدياً، بل كثيرٌ ممن يكون عالماً يكون ضالاً على علم، ولهذا يقول علماء التفسير في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] لما ذكروا عن النبي ﷺ أنه أخبر أن المغضوب عليهم اليهود، والضالين هم النصارى؛ لأن النصارى يتعبدون على جهل فضلوا، وأما اليهود فهم أهل عناد وتكبر وأهل علم قال العلماء: من ضل من علمائنا فهو شبيه باليهود، ومن ضل من عبادنا فهو شبيه بالنصارى.

стр. 243

قوله: (إنك تأتي قوماً) قوله: (إنك تأتي قوماً من أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة ألا إله إلا الله) يعني: يبدأهم في الدعوة بأن يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فهذا أول ما يبدأهم به، مع أنهم ما كانوا يعبدون الأوثان، ومع ذلك يدل هذا على أنهم يجب أن يشهدوا ألا إله إلا الله قبل كل شيء، وأنهم لا يصح دخولهم في الإسلام ولا يقبل منهم حتى يتشهدوا هذه الشهادة وينطقوا بها؛ لأن هذه الكلمة وضعت لكون الإنسان يتحقق أن العبادة لله وحده، وأنه يكفر بكل معبود سوى الله جل وعلا؛ لأن عبادة الله لا تستقيم إلا بالكفر بما يعبد من دونه، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦]، والعروة الوثقى هي (لا إله إلا الله)، فإذا قالها الإنسان مؤمناً بها مصدقاً موقناً محباً لها قابلاً بها عاملاً بما تقتضيه فقد استمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، وهذا هو أصل الدين الذي جاءت به الرسل كلها من أولها إلى آخرها، فكل رسول يأتي بهذا إلى قومه ويدعوهم إليه أول شيء، ودين الرسل كلها هو دين الإسلام، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، وذكر الله جل وعلا عن الرسل أن كل واحد منهم يقول: ((أسلمت لك)) يسلمون لله، ويأمرهم بالإسلام، فالإسلام معناه الاستسلام لله جل وعلا بالإنقياد والطاعة التامة والخضوع له. وهو مقتضى (لا إله إلا الله)، أن يكون القلب متحليّاً بالتأله لله جل وعلا وحده، والتأله هو عبادة القلب عبادة الحب والذل والتعظيم، كما سيأتي تقسيم المحبة، وأنها يجب أن تكون لله وحده؛ لأنها هي التألة، وهي محبة مشتركة بين الخلق كلهم.

стр. 244

معنى الشهادتين ثم يضاف إلى شهادة التوحيد ووجوب التشهد بها شهادة أن محمداً رسول الله. ومعناها: أنه رسول من عند الله جاء بالدين الذي يلزم كل إنسان قبوله والعمل به، وأنه ليس هناك طريق يسلك إلى الله جل وعلا إلا ما جاء به هذا الرسول ﷺ ، أما الطرق الأخرى سواءٌ أزعم أنها موروثة عن الأنبياء وأنها وحي أوحي به إليهم أم لا، كلها يجب مجانبتها وتركها، واتباع محمد صلوات الله وسلامه عليه الذي هو خاتم الرسل، كما قال ﷺ : (والله لو كان أخي موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي) موسى ﵇ كليم الله لو كان حياً موجوداً لاتبع رسول الله ﷺ ؛ لأنه هو خاتم الرسل الذي بعث للخلق كلهم. فمعنى شهادة أن محمداً رسول الله: العلم اليقيني بأنه رسول من الله جل وعلا، أوحى إليه شرعه، وأكرمه بذلك، وهو عبد يعبد الله جل وعلا، ليس له من الإلهية ولا من الربوبية شيء، وإنما قام بعبادة الله جل وعلا حسب أمر الله جل وعلا، وألا يُعبد الله جل وعلا إلا بما جاء به صلوات الله وسلامه عليه. هذا هو معنى: (أشهد أن محمداً رسول الله) رسول أوحي إليه بالشرع، كلف الناس بطاعته وتوقيره وتعظيمه واتباعه في ذلك، وألا نعبد الله جل وعلا إلا بما جاء به عن الله، وكل ما يقوله ويأمر به من الرسالة التي أرسل بها؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٣ - ٥] الذي هو جبريل ﵇ هو الذي جاءه بالوحي. ثم هذا ليس خاصاً بأهل الكتب، فهذا يُدعى به الناس كلهم، ولكن هذا يدل على أنه لا يقبل من إنسان يريد الدخول في الإسلام حتى يتلفظ بهاتين الشهادتين، والتلفظ يلزم منه أن يعلم معناهما، فيعرف معنى الشهادتين، ويعلم أن التلفظ بغير معنى يتضمنه الكلام لا يفيد شيئاً، فيكون شبه هذيان، وشبه كلام النائم السكران الذي لا يعقل ما يقول. ومعلوم أن الكلام: اسم للفظ والمعنى، والكلام لا يكون في للفظ دون المعنى، ولا للمعنى دون اللفظ، وهذا هو الحق الذي دل عليه كتاب الله ولغة العرب، وكذلك إجماع أهل الحق على هذا، ولهذا لابد من معرفة هاتين الشهادتين حتى يكون الإنسان مسلماً حقاً، أما إذا نطق بهما وهو لا يعرف معناهما فيحكم له بالإسلام ظاهراً، وأما الباطن فإن كان لا يعرف معناهما ولا يعمل بهما فليس بمسلم، ولا بد من معرفة معناهما والعمل بهما، فإذا فعل ذلك وجب عليه قبول كلما جاء به الرسول، والالتزام بالصلاة والزكاة والصوم والحج وسائر الأوامر التي أوجبها رسول الله ﷺ ، وكذلك ينبغي اجتناب ما نهى عنه، فإن فعل ذلك فهو من المؤمنين المتقين السعداء في الدنيا والآخرة، وإن كان على ظاهره وترك بعضها، والتزم ببعضها فأمره إلى الله جل وعلا إن شاء آخذه وعذبه، وإن شاء عفا عنه، إلا أنه لا بد من شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقامة الصلاة. أما البقية التي هي أداء الزكاة وصوم رمضان والحج فالكلام فيها يختلف عن هذا؛ لأن الزكاة أمر يتعلق بذمة الإنسان وبماله الظاهر الذي يرى ويشاهد، أما المال الباطن الذي لا يعلمه إلا صاحبه فهذا إليه، إن كان عنده إيمان وتقى ومخافة من الله دفع زكاته، وإن لم يفعل ذلك فالله الذي يحاسبه، إلا أنه يجب على الإمام -إمام المسلمين- إذا كان ظاهر الإنسان الإسلام، وله أموال ظاهرةٌ فيجب عليه أن يأخذ الزكاة منه، فيضعها حيث أمر الله جل وعلا كما سيأتي، أما الأموال الباطنة فموكولة إلى إيمان الإنسان نفسه. وأما الصوم وهو ركن من أركان الإسلام كما هو معلوم فهو موكول إلى إيمان الإنسان وأمانته، إن كان عنده أمانة وإيمان صام، وإلا لم يفعل. فالصيام بين العبد وبين ربه جل وعلا؛ لأن الإنسان يمكن أن يظهر أمام الناس أنه صائم، وهو يأكل ويشرب ويفعل ما يريد، ويذهب إلى البيت أو إلى أي مكان ويفعل ما يشاء، ولا يراقبه إلا الله، ولهذا السبب لم يذكر الصوم في هذا الحديث، وفي بعض الأحاديث لم يذكر في الأركان. وأما الحج فالحج له أمر آخر، وهو أنه لا يجب على كل أحد، وإنما يجب على المستطيع القادر، وكذلك هو لا يجب في كل عام، وإنما يجب في العمر مرة، فإذا كان كذلك فليس كبقية الأركان. ولهذا السبب أيضاً لم يذكر الحج في هذا الحديث، وهذا هو الصحيح من أقوال العلماء في كون الصوم والحج لم يذكرا في هذا الحديث، وليس كما يقول بعضهم: إن بعض الرواة اختصر الحديث. لأن هذا طعن برواة الحديث، ولو قبل مثل هذا الطعن لأمكن لكل مبطل أن يقول: هذا الحديث مختصر، وهذا محذوف منه كذا ومزيد فيه كذا، وما أشبه ذلك. وإنما الرسول ﷺ يذكر عندما يذكر أركان الإسلام فيقول: (بني الإسلام على خمس: شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً)، وكذلك إذا سئل عن الإسلام فإنه يذكر أركان الإسلام كاملة، وإذا ذكر الإيمان ذكر أركان الإيمان كاملة، أما إذا جاء الأمر ويترتب على الأمر القتال أو الحكم بالإسلام أو الضلال فإنه يذكر ذلك حسب ما يناسب المقام؛ لأن الخطاب بالصوم ليس لكل أحد، وهو أمانة بين العبد وبين ربه، فمثلاً الحائض لا يلزمها الصيام، وإنما تقضي أياماً بعدما يزول المانع، وكذلك المسافر لا يلزمه، وإنما يقضي أياماً بعد زوال المانع، وكذلك الكبير الذي لا يستطيع الصوم لا يلزمه، وإنما يفطر ويأكل ويطعم بدل كل يوم مسكيناً، وكذلك الحامل إذا خافت على ولدها فإنه لا يلزمها، فإنها تأكل ثم تطعم وتصوم، وكذلك المرضع، وهكذا. بخلاف الصلاة؛ فإن الإنسان ما دام فيه عقله وما دام قد كلف لا تسقط عنه الصلاة بحال من الأحوال، سواءٌ أكان صحيحاً أم مريضاً، وسواءٌ أكان يستطيع أن يجلس أم لا يستطيع الجلوس، يستطيع القيام أم لا يستطيع، فيجب عليه أن يصلي حسب حاله، ولا تسقط الصلاة بحال من الأحوال. وكذلك شهادة ألا إله إلا الله، شهادة التوحيد، وشهادة أن محمداً رسول الله ملازمة دائماً للقلب والعلم، وكذلك الاعتقاد، يعتقد ذلك، فتلازمه دائماً وأبداً لا تسقط بحال من الأحوال. وبهذا يتبين الفرق بين هذه التي يذكرها رسول الله ﷺ في سائر الأحاديث وبين الأركان التي قد لا يذكرها في بعض الأحاديث، وليس الأمر كما قيل: إن ذكرها وعدم ذكرها حسب تنزل الفرائض. ففي أول الأمر نزلت الصلاة، ثم بعد ذلك الزكاة، فصارت تذكر الصلاة ثم تذكر الزكاة، ثم بعد ذلك الصوم، وقد مر معنا أن الصوم فرض في السنة الثانية للهجرة، أي: فرض في المدينة، بخلاف الصلاة فإنها فرضت قديماً في مكة. وأما الحج فقد اختلف فيه كثيراً، وقد علم أن الرسول ﷺ لم يحج إلا في السنة العاشرة السنة التي توفي فيها صلوات الله وسلامه عليه، وبهذا يتبين الفرق، ولكن ليس الأمر كما يقول هذا القائل: أنه حسب تنزل الفرائض، وإنما الصواب هو ما ذكرنا من الفرق أن الشهادتين والصلاة تلازم المسلم دائماً وأبداً، ولا تنفك عنه بحال من الأحوال ما دام عقله معه وما دام مكلفاً، بخلاف الصوم والحج فليس الأمر كذلك.

стр. 245

فرضية الصلاة ثم قوله صلوات الله وسلامه عليه: (فإن هم أطاعوك لذلك) يعني: استجابوا وقبلوا منك بأن شهدوا ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله: (فأعلمهم -مرتباً على ذلك- أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة)، وهذا دليل واضح على أنه لا يلزم المسلم إلا خمس صلوات في كل يوم وليلة، ولا يلزمه تحية المسجد ولا الرواتب التي قبل الظهر وبعدها، والتي بعد المغرب وقبل العشاء وبعدها، ولا الوتر ولا غير ذلك، وإنما هذه كلها سنن إذا أتى بها الإنسان فله الفضل والجزاء، له الفضل من الله يتفضل عليه بالإحسان بأن يجزيه على ذلك، وإن لم يأتِ بها فليس ظالماً وليس عاصياً بترك ذلك، إذا أتى بالصلوات الخمس فقط يكون قد أتى بما يلزمه. ولهذا ثبت في صحيح مسلم: (أن رجلاً أتى إلى النبي ﷺ فصار يتكلم وهو رجل كبير السن، يقول الصحابي-: نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول، حتى دنا من رسول الله ﷺ ، فإذا هو يسأل عن فرائض الإسلام وشرائعه، فقال له رسول الله ﷺ : (تشهد ألا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ولا تشرك به شيئاً -وصار يمسك بأصابعه- ثم قال: أخبرني عن شرائع الإسلام؟ فقال: خمس صلوات في كل يوم وليلة. فأمسك بإصبعه فقال: هل علي غيرها شيء؟ قال: لا إلا أن تطوع -يعني: تأتي بشيء من عند نفسك تطوعاً-، ثم قال: تزكي المال -تؤدي الزكاة- فقال: هل علي غيرها؟ قال: لا. إلا أن تطوع. ثم قال: فماذا؟ فذكر الصوم -صوم شهر رمضان- فقال: هل علي غيره؟ قال: لا إلا أن تطوع. ثم قال: وماذا بعد ذلك؟ فقال: تحج البيت؟ فقال: وهل علي غيره؟ قال: لا إلا أن تطوع فأمسك بأصابعه وقال: والله لا أزيد عليها ولا أنقص منها شيئاً ثم ولى، فقال رسول الله ﷺ : إن صدق دخل الجنة). وجاء في رواية: (من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا) أمسكها بأصابعه وقال: والله لا أزيد عليها شيئاً ولا أنقص عليها شيئاً. فإذا جاء الإنسان بهذه ولم ينقص منها شيئاً فهو من أهل الجنة. ولما قال معاذ ﵁: (يا رسول الله! دلني على عمل يدخلني الجنة؟ قال: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه)، عظيم لأن دخول الجنة ليس سهلاً؛ ولأن الإنسان إذا دخل الجنة يبقى فيها ما دامت السموات والأرض منعماً، وملائكة الرحمن تدخل عليه من كل باب قائلة له: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٤]، وإلا صار في الدار الأخرى في جهنم. فقال له: (لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، ثم قال: تعبد الله ولا تشرك به شيئاً -هذه واحدة- وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت)، فقط هذه الخمس التي دله عليها لما سأله عن عمل يدخله الجنة، وأخبره بهذه الأمور الخمسة، فالجنة مرتب دخولها على الإتيان بهذه الخمسة الأشياء: شهادة ألا إله إلا الله، وهي التي يقول فيها: (تعبد الله ولا تشرك به شيئاً)، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج مرةً واحدة في العمر، وما عدا ذلك فليس بلازم على الإنسان، إلا أن يلزم نفسه به، كالذي ينذر مثلاً، والنذر هو إلزام الإنسان لنفسه ما ليس بلازم له. فإذا كان الأمر هكذا فلا يلزم الإنسان إلا خمس صلوات في اليوم والليلة كما هو واضح، وقد علمنا أن بعث معاذ إلى اليمن كان في السنة العاشرة من الهجرة. في السنة التي توفي فيها رسول الله ﷺ ، وقد عُلم أن معاذاً ﵁ لما ذهب إلى اليمن توفي رسول الله ﷺ وهو في اليمن، وما جاء إلى المدينة إلا بعد وفاة رسول الله ﷺ في خلافة أبي بكر الصديق.

стр. 246

الصلاة المفروضة خمس وما عداها سنة وتطوع هذا متفق عليه بين أهل العلم، فدل هذا على أن هذا القول من رسول الله ﷺ في آخر الأمر، فلا يتأتى على ذلك قول من يقول: إن فرضية الوتر وغيره صارت بعد قوله لـ معاذ. لا يتأتى هذا، وهذا يشكل عليه ما جاء في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (الوتر حق على كل مسلم)، أو نحو ذلك، وقال (أوتروا -أهل القرآن- فإن الله وتر يحب الوتر) وقال في حديث يروى عنه ﷺ : (لا تتركوا ركعتين قبل الفجر وإن طلبتكم الخيل)، وهذا الأمر قال كثير من العلماء: إنه يدل على الوجوب. والجواب أن هذا أمر دل على أنها سنة مؤكدة، وقد يعبر عن السنة المؤكدة بالوجوب، كما قال: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم)، وقد علم أنه ليس حتماً وفرضاً، وإنما هو سنة؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم فهموا هذا وعملوا به، فقد ثبت أن عثمان ﵁ لم يغتسل يوم الجمعة، وجاء وعمر يخطب فأنكر عمر عليه، وقال: أنتم قوم يقتدى بكم فلماذا لا تتقدمون. فأخبره أنه كان في شغل، وأنه ما زاد على أن توضأ، فقال: وهذه. وجاء في صحيح مسلم أن الرسول ﷺ قال: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)، فهذا أيضاً يدل على أن الغسل ليس بواجب، وهكذا الكلام في الوتر وفي ركعتي الفجر وغيرها مما جاء من الأحاديث، وكلها ترغيب في الصلوات. أما قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل:١ - ٤]، وكذلك في آخر السورة، والعفو عن كونهم لا يقومون أكثر الليل، وكذلك قوله جل وعلا: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩] فهذا خاص بالنبي ﷺ ، ولهذا قال: (نَافِلَةً لَكَ) يعني: ليست على أمتك. ولهذا كان الرسول ﷺ في رمضان يصلي ويجتهد، وفي آخر عمره صلى التراويح جماعة ليلتين أو ثلاث، وفي اليوم الثالث امتلأ المسجد وذهب الناس إليه فلم يخرج عليهم، واليوم الرابع لم يخرج عليهم، حتى صاروا يتكلمون ويتنحنحون، وربما حصبوا الباب، ثم قال لهم بعد ذلك: (لقد علمت مجيئكم ومكانكم ولكني خشيت أن تفرض عليكم)، فدل هذا أنها ليست فرضاً، بل هي سنة، وهكذا صلاة الاستسقاء، وصلاة العيدين، وصلاة الكسوف، كلها ليست واجبة بنص هذا الحديث، وأنه لا يجب على المسلم إلا خمس صلوات في اليوم والليلة، فالكسوف، والعيدان والاستسقاء وصلوات التطوع كلها ليست واجبة، وإنما هي سنة إذا فعلها الإنسان أجر عليها، وإن لم يفعلها فليس عليه إثم، غير أنه ينبغي للإنسان أن لا يزهد في الخير، وينبغي عليه أن يرغب فيما عند الله؛ لأن الجنة درجاتها تقتسم بالأعمال الصالحة، ولا ينبغي للإنسان أن يرضى بالدون، وينبغي له أن يكون له نصيب من التطوع، من الذكر، ومن القراءة، ومن الصلاة، ومن الصوم، ومن الحج، وهكذا، هذا أمر. الأمر الثاني: أنه جاء في بعض الأحاديث أن الإنسان أول ما يحاسب عليه صلاته، فإن كانت كاملة فقد أفلح، وإن كانت ناقصة فإنه يقال: انظروا هل له من تطوع فتكمل به صلاته. إذاً كان الأمر هكذا، فينبغي للإنسان أن يكثر من التطوع، ولا سيما نحن، فلسنا كالصحابة ومن بعدهم من السلف، إذا قام أحدهم إلى الصلاة أصبح كأنه بين يدي الله جل وعلا يشاهده ويخاطبه، أما نحن فتجد الجسم في المسجد في الصفوف، والقلب تجده سارحاً في مكان آخر، يفكر في أمور أخرى، وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال (لا يكتب للإنسان من صلاته إلا ما عقل منها) الشيء الذي يعقله، فقد يكتب للإنسان كل صلاته، وقد يكتب له نصفها، وقد يكتب له ثلثها، وقد يكتب ربعها، وقد لا يكتب له إلا عشرها، وقد يخرج من الصلاة ما عقل منها شيئاً فتلف كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها فتقول: (ضيعك الله كما ضيعتني). أما إذا أداها بخشوع وحضور قلب وطمأنينة فإنها تصعد ولها نور، وتقول: (حفظك الله كما حفظتني). فنحن في الواقع بحاجة إلى أن نرقع صلاتنا؛ لأنها مخرقة بل ممزقة صلواتنا تكون ممزقة، بكثرة التفكير في أمور الدنيا، وبكثرة كون القلب يسرح في أماكن أخرى، وربما إذا انتهى الإمام لا ندري ماذا قرأ، ولا ندري أي سورة وأي آية، وهذه مشكلة، وربما الإنسان لا يدري صلى ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً، فهو سارح، وإذا كان الأمر هكذا فنحن بحاجة إلى أن نكمل صلاتنا. وفضل من الله جل وعلا كونه يقبل منا أن تجبر الفريضة بالتطوع، فضل يتفضل به على من يشاء، فالرسول ﷺ يقول فيما يروى عنه: (الصلاة خير موضوع، فازدد منها ما شئت)، ولهذا كان الصحابة رضوان الله عليهم يكثرون من الصلاة، مع ما ذكرنا من حضور قلوبهم في الصلاة وخشوعهم، حتى إن أحدهم يضرب بالرماح وتسيل الدماء منه وهو في صلاته لا يقطعها، ولما عوتب على ذلك قال: كنت في آيات كرهت أن أقطعها. أأقطع المعاني المترتب بعضها على بعض؟ ثم قال: (والله لولا أني خشيت أن يؤتى المسلمون من قبلي ما أيقظتك)، وهذا في رجلين جعلهما الرسول ﷺ حارسين وهم في غزوة من الغزوات، فوكل الحراسة إلى رجلين، فقال أحدهما للآخر: كوننا نبقى مستيقظين ليس له فائدة، اختر إن شئت أن تنام أول الليل أو آخر الليل. فقال لصاحبه: أنام الآن وأقوم آخر الليل. فصار صاحبه يصلي وهو ينظر، فجاء أحد الأعداء فرأى شخصه فصوب إليه السهم فضربه فلم يتحرك، ثم صوب إليه السهم الثاني وضربه، فصارت الدماء تسيل، ثم الثالث، عند ذلك خاف أن يموت فأيقظ صاحبه، فلما استيقظ صاحبه قال: سبحان الله! ما الذي حملك على هذا؟ لماذا لم تيقظني من أول الأمر؟ فقال: والله لولا أني خشيت أن يؤتى المسلمون من قبلي ما أيقظتك؛ لأنني كنت في آيات كرهت أن أقطعها أي: قبل إكمالها. فالمقصود أن هذه حالتهم ولهذا: (كان الرسول ﷺ إذا حزبه أمر- أي: أصابه أمر شديد- فزع إلى الصلاة)، والله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:١٥٣]. فالصلاة يستعان بها؛ لأنها صلة بين العبد وربه، إذا وقف الإنسان متجهاً إلى ربه ورفع يديه قائلاً: (الله أكبر) يجب أن يعلم ما يقول، وأنه ليس هناك شيء أكبر من الله، لا مال ولا أولاد، ولا مناصب، ولا منافع، ولا أي شيء في الكون، ويحب أن يقبل على الله ويشتغل بالله، ولا يلتفت بقلبه يميناً ولا شمالاً، وقد جاء في الحديث: (أن الله ينصب وجهه في وجه المصلي ما لم يلتفت، فإذا التفت أعرض الله عنه)، فأي مسلم يود أن الله يعرض عنه؟! وجاء في حديث آخر أن الإنسان إذا التفت في صلاته أعرض الله عنه، وقال: (أإلى خير مني) يعني: تلتفت إلى خير مني؟! تعالى الله وتقدس. والالتفات ينقسم إلى قسمين: التفات أصغر والتفات أكبر، فالالتفات الأصغر هو التفات البدن بالرقبة أو بالبدن، وقد علم من أقوال العلماء أن الالتفات عن القبلة بالجملة بالجسد كله يبطل الصلاة؛ لأن الله أمرنا بالتوجه إلى الكعبة فقال: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤]، وهذا يدل على الوجوب، فنستقبله دائماً في الصلاة، والالتفات هاهنا اختلاس من الشيطان، وكون الإنسان يلتفت برقبته أو ببدنه عن القبلة فهذا نقول: إنه التفات أصغر. أما الالتفات الأكبر فهو الالتفات بالقلب، وكون القلب يلتفت إلى غير الله ويسرح ويمرح ويشتغل بالأمور الأخرى. إذاً: فالصلاة من أعظم أركان الإسلام، ولهذا بدأ بها بعد الشهادتين، فقال: (فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة).

стр. 247

صلاة الجماعة وقد فرض الله الصلوات جماعة، فمن واجبات الصلاة كونها في الجماعة، وواجب على المسلمين أن يصلوها جماعة، كما قال عبد الله بن مسعود: (إن نبيكم سن سنن الهدى، وإن الجماعة من سنن الهدى، فلو تركتم الجماعة وصليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم)، ويقول في حديث آخر: (لقد رأيت أحدنا يؤتى به يهادى بين اثنين حتى يجلس في الصف) من شدة ما يحافظون على الجماعة، وجاء في الحديث أن الرسول ﷺ قال: (لقد هممت بالصلاة فتقام، ثم أخالف إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرّق عليهم بيوتهم بالنار)، وجاء في رواية أنه قال: (لولا ما في البيوت من الذرية والمتاع لحرقتها عليهم)، وهذا لا يكون إلا لترك واجب متعين، فالمقصود أن الصلاة جماعة من سنن الهدى التي سنها رسول الله ﷺ وأوجبها على المسلمين، فعليهم أن يصلوها جماعة في المساجد. ثم إذا فاتت الإنسان الجماعة فعليه أن يحرص بأن يؤدي صلاته في جماعة، سواءٌ في المسجد الذي فاتته صلاة الجماعة إذا وجد من لم يصل جماعة، أم في غيره من المساجد إذا كان يستطيع أن يدرك جماعة ولو لم يكن معه من صلى فريضته، فقد جاء أن رجلاً دخل المسجد وقد صُليت الصلاة فأراد أن يصلي، فقال رسول الله ﷺ : (من يتصدق على هذا فيصلي معه) (يتصدق عليه) حتى تكون صلاته جماعه، ولما كان ﷺ في مسجد الخيف يصلي وانتهت الصلاة رأى رجلين جالسين فقال: (علي بهما فجيء بهما ترتعد فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصليا معنا، ألستما بمسلمين؟ قالا: بلى -يا رسول الله- ولكننا صلينا في رحالنا -أي: صلينا مع جماعتنا في المكان الذين نحن نازلون فيه- فقال: لا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما إلى جماعة فصلوا معهم تكن لكم نافلة)، وهذا نوع من الإعادة. والمقصود أنه يجب على المسلمين أن يحافظوا على الصلاة، كما فعل رسول الله ﷺ ؛ لئلا يطالبهم الله جل وعلا لمخالفة خالفوها، ومن طالبه الله أدركه، ومن أدركه أخذه، ولن يفوت أحد من الخلق ربه جل وعلا، ولهذا يقول: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٥ - ٢٦]. (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ): أي: رجوعهم. سيكون رجوع الخلق كلهم إلى الله ثم يحاسبهم.

стр. 248

فرضية الزكاة فبعد ذلك يقول: (فإنهم أجابوك إلى ذلك)، يعني: أدوا الصلاة وأقاموها (فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم)، وهذا دليل على أن الزكاة لا تجب إلا على الأغنياء، وهذا نوع مما تفارق به الصلاة، فالصلاة تجب على الفقير والغني، وعلى المرأة والرجل، وعلى العبد الحر، وعلى كل بالغ، وعلى المريض والصحيح، تجب على كل مكلف حسب استطاعته، بخلاف الزكاة فإنها لا تجب إلا على الأغنياء، وفيه دليل على أن الزكاة تجب أيضاً في مال الصغير ومال المجنون؛ لأنه يدخل في عموم قوله: (صدقة تؤخذ من أغنيائهم)، وفيه دليل على جواز صرف الزكاة لنوع من أنواع الزكاة؛ لأنه قال: (فترد على فقرائهم)، وقد اختلف العلماء في هذا الضمير هل يراد به فقراء المسلمين أو فقراء أهل اليمن؟ فإن أريد به الأول جاز نقل الزكاة من بلد إلى آخر، وإن قيل: إنه يقصد بها ضمير القوم فلا يجوز نقل الزكاة، وهي مسألة خلافية بين العلماء، والصواب في هذا أنه إذا كان في نقلها مصلحة وفائدة وحاجة لمن تنقل إليه أعظم فإنها تنقل، أما إذا لم يكن ذلك فلا، بل تفرق في البلد التي أخذت منه. ثم فيه دليل على أن الزكاة تؤخذ من الأغنياء، ويأخذها الإمام أو عامله الذي يكل إليه ذلك. وقوله أيضاً (على أغنيائهم) استدل به بعض العلماء على أن من كان عليه دين، وعنده أموال ولكن الدين يستغرقه أنه ليس عليه الزكاة؛ لأنه ليس غنياً.

стр. 249

أخذ كرائم الأموال زكاة ظلم ثم قال: (فإنهم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم) وكرائم المال أحاسنه وأطايبه، لأن الكرم معناه السعة والجمال والحسن والخير، ولهذا قالوا: كريمة الغنم أحسنها منظراً، وأكثرها صوفاً وأكثرها لبناً وأسمنها وأكبرها. فهذه كرائمها، وفيه دليل على أن الزكاة لا تجب في أطايب المال، كما أنه لا يجوز لصاحب المال أن يخرج الزكاة من أراذله وأسافله وأشراره. فلا يخرج التيوس، أو يخرج الجرباء، وكذلك إذا كان غير حيوانات، فلا يذهب يقصد الرديء من التمر أو الحب فيخرجه، وعليه أن يتقي الله، وكذلك العامل لا يجوز له أن يأخذ أحسن المال، فإن هذا ظلم، فإن فعل ذلك فإن صاحب المال يطالبه عند الله يوم القيامة لأنه ظلمه، ولكن لو أن صاحب المال جادت نفسه بأن يخرج أحسن الأموال فإنه يجوز أن يأخذها بعد أن يعلمه بأن هذا ليس واجباً عليه، ويقول له: ليس هذا بواجب عليك، الواجب عليك أن تخرج من أوسط المال لا من شراره ولا من خياره، وإنما تخرج من أوسطه، سواءٌ أكان المال من الحبوب أم التمور أم الحيوانات. والحيوانات معروفة، منها الإبل والغنم والبقر، والغنم تشمل الماعز والضأن، كما أن البقر يشمل الذكور والإناث، وعلى الإنسان أن يتقي ربه جل وعلا في ذلك فيخرج ما تبرأ به الذمة وتطيب نفسه به؛ لأنه فريضة من فرائض الله، يخرجه طيبة به نفسه يرجو ثواب الله ويخاف عقابه لو منعه وأمسكه؛ لأنه فريضة.

стр. 250

اتقاء دعوة المظلوم ثم قوله: (واتق دعوة الظلوم) يعني: اجعل بينك وبين دعوة المظلوم وقاية. وقوله: (واتق دعوة المظلوم) بعد قوله: (وإياك وكرائم أموالهم) يدل على أن أخذ محاسن الأموال وكرائمه ظلم يخشى أن يدعو صاحب المال عليه فيصاب به. ومعنى: (اتق دعوة المظلوم) أي: امضِ على العدل الذي به تتقي أن تظلم فيترتب على الظلم الدعاء الذي يصدر من المظلوم. والظلم قد حرمه الله جل وعلا في جميع كتبه، وحرمه على نفسه، وجعله بين العباد محرماً.
следующие страницы →