← Акыда

Акыда · id 37166

شرح فتح المجيد للغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (2 090 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الصلاة المفروضة خمس وما عداها سنة وتطوع هذا متفق عليه بين أهل العلم، فدل هذا على أن هذا القول من رسول الله ﷺ في آخر الأمر، فلا يتأتى على ذلك قول من يقول: إن فرضية الوتر وغيره صارت بعد قوله لـ معاذ. لا يتأتى هذا، وهذا يشكل عليه ما جاء في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (الوتر حق على كل مسلم)، أو نحو ذلك، وقال (أوتروا -أهل القرآن- فإن الله وتر يحب الوتر) وقال في حديث يروى عنه ﷺ : (لا تتركوا ركعتين قبل الفجر وإن طلبتكم الخيل)، وهذا الأمر قال كثير من العلماء: إنه يدل على الوجوب. والجواب أن هذا أمر دل على أنها سنة مؤكدة، وقد يعبر عن السنة المؤكدة بالوجوب، كما قال: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم)، وقد علم أنه ليس حتماً وفرضاً، وإنما هو سنة؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم فهموا هذا وعملوا به، فقد ثبت أن عثمان ﵁ لم يغتسل يوم الجمعة، وجاء وعمر يخطب فأنكر عمر عليه، وقال: أنتم قوم يقتدى بكم فلماذا لا تتقدمون. فأخبره أنه كان في شغل، وأنه ما زاد على أن توضأ، فقال: وهذه. وجاء في صحيح مسلم أن الرسول ﷺ قال: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)، فهذا أيضاً يدل على أن الغسل ليس بواجب، وهكذا الكلام في الوتر وفي ركعتي الفجر وغيرها مما جاء من الأحاديث، وكلها ترغيب في الصلوات. أما قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل:١ - ٤]، وكذلك في آخر السورة، والعفو عن كونهم لا يقومون أكثر الليل، وكذلك قوله جل وعلا: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩] فهذا خاص بالنبي ﷺ ، ولهذا قال: (نَافِلَةً لَكَ) يعني: ليست على أمتك. ولهذا كان الرسول ﷺ في رمضان يصلي ويجتهد، وفي آخر عمره صلى التراويح جماعة ليلتين أو ثلاث، وفي اليوم الثالث امتلأ المسجد وذهب الناس إليه فلم يخرج عليهم، واليوم الرابع لم يخرج عليهم، حتى صاروا يتكلمون ويتنحنحون، وربما حصبوا الباب، ثم قال لهم بعد ذلك: (لقد علمت مجيئكم ومكانكم ولكني خشيت أن تفرض عليكم)، فدل هذا أنها ليست فرضاً، بل هي سنة، وهكذا صلاة الاستسقاء، وصلاة العيدين، وصلاة الكسوف، كلها ليست واجبة بنص هذا الحديث، وأنه لا يجب على المسلم إلا خمس صلوات في اليوم والليلة، فالكسوف، والعيدان والاستسقاء وصلوات التطوع كلها ليست واجبة، وإنما هي سنة إذا فعلها الإنسان أجر عليها، وإن لم يفعلها فليس عليه إثم، غير أنه ينبغي للإنسان أن لا يزهد في الخير، وينبغي عليه أن يرغب فيما عند الله؛ لأن الجنة درجاتها تقتسم بالأعمال الصالحة، ولا ينبغي للإنسان أن يرضى بالدون، وينبغي له أن يكون له نصيب من التطوع، من الذكر، ومن القراءة، ومن الصلاة، ومن الصوم، ومن الحج، وهكذا، هذا أمر. الأمر الثاني: أنه جاء في بعض الأحاديث أن الإنسان أول ما يحاسب عليه صلاته، فإن كانت كاملة فقد أفلح، وإن كانت ناقصة فإنه يقال: انظروا هل له من تطوع فتكمل به صلاته. إذاً كان الأمر هكذا، فينبغي للإنسان أن يكثر من التطوع، ولا سيما نحن، فلسنا كالصحابة ومن بعدهم من السلف، إذا قام أحدهم إلى الصلاة أصبح كأنه بين يدي الله جل وعلا يشاهده ويخاطبه، أما نحن فتجد الجسم في المسجد في الصفوف، والقلب تجده سارحاً في مكان آخر، يفكر في أمور أخرى، وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال (لا يكتب للإنسان من صلاته إلا ما عقل منها) الشيء الذي يعقله، فقد يكتب للإنسان كل صلاته، وقد يكتب له نصفها، وقد يكتب له ثلثها، وقد يكتب ربعها، وقد لا يكتب له إلا عشرها، وقد يخرج من الصلاة ما عقل منها شيئاً فتلف كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها فتقول: (ضيعك الله كما ضيعتني). أما إذا أداها بخشوع وحضور قلب وطمأنينة فإنها تصعد ولها نور، وتقول: (حفظك الله كما حفظتني). فنحن في الواقع بحاجة إلى أن نرقع صلاتنا؛ لأنها مخرقة بل ممزقة صلواتنا تكون ممزقة، بكثرة التفكير في أمور الدنيا، وبكثرة كون القلب يسرح في أماكن أخرى، وربما إذا انتهى الإمام لا ندري ماذا قرأ، ولا ندري أي سورة وأي آية، وهذه مشكلة، وربما الإنسان لا يدري صلى ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً، فهو سارح، وإذا كان الأمر هكذا فنحن بحاجة إلى أن نكمل صلاتنا. وفضل من الله جل وعلا كونه يقبل منا أن تجبر الفريضة بالتطوع، فضل يتفضل به على من يشاء، فالرسول ﷺ يقول فيما يروى عنه: (الصلاة خير موضوع، فازدد منها ما شئت)، ولهذا كان الصحابة رضوان الله عليهم يكثرون من الصلاة، مع ما ذكرنا من حضور قلوبهم في الصلاة وخشوعهم، حتى إن أحدهم يضرب بالرماح وتسيل الدماء منه وهو في صلاته لا يقطعها، ولما عوتب على ذلك قال: كنت في آيات كرهت أن أقطعها. أأقطع المعاني المترتب بعضها على بعض؟ ثم قال: (والله لولا أني خشيت أن يؤتى المسلمون من قبلي ما أيقظتك)، وهذا في رجلين جعلهما الرسول ﷺ حارسين وهم في غزوة من الغزوات، فوكل الحراسة إلى رجلين، فقال أحدهما للآخر: كوننا نبقى مستيقظين ليس له فائدة، اختر إن شئت أن تنام أول الليل أو آخر الليل. فقال لصاحبه: أنام الآن وأقوم آخر الليل. فصار صاحبه يصلي وهو ينظر، فجاء أحد الأعداء فرأى شخصه فصوب إليه السهم فضربه فلم يتحرك، ثم صوب إليه السهم الثاني وضربه، فصارت الدماء تسيل، ثم الثالث، عند ذلك خاف أن يموت فأيقظ صاحبه، فلما استيقظ صاحبه قال: سبحان الله! ما الذي حملك على هذا؟ لماذا لم تيقظني من أول الأمر؟ فقال: والله لولا أني خشيت أن يؤتى المسلمون من قبلي ما أيقظتك؛ لأنني كنت في آيات كرهت أن أقطعها أي: قبل إكمالها. فالمقصود أن هذه حالتهم ولهذا: (كان الرسول ﷺ إذا حزبه أمر- أي: أصابه أمر شديد- فزع إلى الصلاة)، والله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:١٥٣]. فالصلاة يستعان بها؛ لأنها صلة بين العبد وربه، إذا وقف الإنسان متجهاً إلى ربه ورفع يديه قائلاً: (الله أكبر) يجب أن يعلم ما يقول، وأنه ليس هناك شيء أكبر من الله، لا مال ولا أولاد، ولا مناصب، ولا منافع، ولا أي شيء في الكون، ويحب أن يقبل على الله ويشتغل بالله، ولا يلتفت بقلبه يميناً ولا شمالاً، وقد جاء في الحديث: (أن الله ينصب وجهه في وجه المصلي ما لم يلتفت، فإذا التفت أعرض الله عنه)، فأي مسلم يود أن الله يعرض عنه؟! وجاء في حديث آخر أن الإنسان إذا التفت في صلاته أعرض الله عنه، وقال: (أإلى خير مني) يعني: تلتفت إلى خير مني؟! تعالى الله وتقدس. والالتفات ينقسم إلى قسمين: التفات أصغر والتفات أكبر، فالالتفات الأصغر هو التفات البدن بالرقبة أو بالبدن، وقد علم من أقوال العلماء أن الالتفات عن القبلة بالجملة بالجسد كله يبطل الصلاة؛ لأن الله أمرنا بالتوجه إلى الكعبة فقال: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤]، وهذا يدل على الوجوب، فنستقبله دائماً في الصلاة، والالتفات هاهنا اختلاس من الشيطان، وكون الإنسان يلتفت برقبته أو ببدنه عن القبلة فهذا نقول: إنه التفات أصغر. أما الالتفات الأكبر فهو الالتفات بالقلب، وكون القلب يلتفت إلى غير الله ويسرح ويمرح ويشتغل بالأمور الأخرى. إذاً: فالصلاة من أعظم أركان الإسلام، ولهذا بدأ بها بعد الشهادتين، فقال: (فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة).

стр. 247

صلاة الجماعة وقد فرض الله الصلوات جماعة، فمن واجبات الصلاة كونها في الجماعة، وواجب على المسلمين أن يصلوها جماعة، كما قال عبد الله بن مسعود: (إن نبيكم سن سنن الهدى، وإن الجماعة من سنن الهدى، فلو تركتم الجماعة وصليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم)، ويقول في حديث آخر: (لقد رأيت أحدنا يؤتى به يهادى بين اثنين حتى يجلس في الصف) من شدة ما يحافظون على الجماعة، وجاء في الحديث أن الرسول ﷺ قال: (لقد هممت بالصلاة فتقام، ثم أخالف إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرّق عليهم بيوتهم بالنار)، وجاء في رواية أنه قال: (لولا ما في البيوت من الذرية والمتاع لحرقتها عليهم)، وهذا لا يكون إلا لترك واجب متعين، فالمقصود أن الصلاة جماعة من سنن الهدى التي سنها رسول الله ﷺ وأوجبها على المسلمين، فعليهم أن يصلوها جماعة في المساجد. ثم إذا فاتت الإنسان الجماعة فعليه أن يحرص بأن يؤدي صلاته في جماعة، سواءٌ في المسجد الذي فاتته صلاة الجماعة إذا وجد من لم يصل جماعة، أم في غيره من المساجد إذا كان يستطيع أن يدرك جماعة ولو لم يكن معه من صلى فريضته، فقد جاء أن رجلاً دخل المسجد وقد صُليت الصلاة فأراد أن يصلي، فقال رسول الله ﷺ : (من يتصدق على هذا فيصلي معه) (يتصدق عليه) حتى تكون صلاته جماعه، ولما كان ﷺ في مسجد الخيف يصلي وانتهت الصلاة رأى رجلين جالسين فقال: (علي بهما فجيء بهما ترتعد فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصليا معنا، ألستما بمسلمين؟ قالا: بلى -يا رسول الله- ولكننا صلينا في رحالنا -أي: صلينا مع جماعتنا في المكان الذين نحن نازلون فيه- فقال: لا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما إلى جماعة فصلوا معهم تكن لكم نافلة)، وهذا نوع من الإعادة. والمقصود أنه يجب على المسلمين أن يحافظوا على الصلاة، كما فعل رسول الله ﷺ ؛ لئلا يطالبهم الله جل وعلا لمخالفة خالفوها، ومن طالبه الله أدركه، ومن أدركه أخذه، ولن يفوت أحد من الخلق ربه جل وعلا، ولهذا يقول: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٥ - ٢٦]. (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ): أي: رجوعهم. سيكون رجوع الخلق كلهم إلى الله ثم يحاسبهم.

стр. 248

فرضية الزكاة فبعد ذلك يقول: (فإنهم أجابوك إلى ذلك)، يعني: أدوا الصلاة وأقاموها (فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم)، وهذا دليل على أن الزكاة لا تجب إلا على الأغنياء، وهذا نوع مما تفارق به الصلاة، فالصلاة تجب على الفقير والغني، وعلى المرأة والرجل، وعلى العبد الحر، وعلى كل بالغ، وعلى المريض والصحيح، تجب على كل مكلف حسب استطاعته، بخلاف الزكاة فإنها لا تجب إلا على الأغنياء، وفيه دليل على أن الزكاة تجب أيضاً في مال الصغير ومال المجنون؛ لأنه يدخل في عموم قوله: (صدقة تؤخذ من أغنيائهم)، وفيه دليل على جواز صرف الزكاة لنوع من أنواع الزكاة؛ لأنه قال: (فترد على فقرائهم)، وقد اختلف العلماء في هذا الضمير هل يراد به فقراء المسلمين أو فقراء أهل اليمن؟ فإن أريد به الأول جاز نقل الزكاة من بلد إلى آخر، وإن قيل: إنه يقصد بها ضمير القوم فلا يجوز نقل الزكاة، وهي مسألة خلافية بين العلماء، والصواب في هذا أنه إذا كان في نقلها مصلحة وفائدة وحاجة لمن تنقل إليه أعظم فإنها تنقل، أما إذا لم يكن ذلك فلا، بل تفرق في البلد التي أخذت منه. ثم فيه دليل على أن الزكاة تؤخذ من الأغنياء، ويأخذها الإمام أو عامله الذي يكل إليه ذلك. وقوله أيضاً (على أغنيائهم) استدل به بعض العلماء على أن من كان عليه دين، وعنده أموال ولكن الدين يستغرقه أنه ليس عليه الزكاة؛ لأنه ليس غنياً.

стр. 249

أخذ كرائم الأموال زكاة ظلم ثم قال: (فإنهم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم) وكرائم المال أحاسنه وأطايبه، لأن الكرم معناه السعة والجمال والحسن والخير، ولهذا قالوا: كريمة الغنم أحسنها منظراً، وأكثرها صوفاً وأكثرها لبناً وأسمنها وأكبرها. فهذه كرائمها، وفيه دليل على أن الزكاة لا تجب في أطايب المال، كما أنه لا يجوز لصاحب المال أن يخرج الزكاة من أراذله وأسافله وأشراره. فلا يخرج التيوس، أو يخرج الجرباء، وكذلك إذا كان غير حيوانات، فلا يذهب يقصد الرديء من التمر أو الحب فيخرجه، وعليه أن يتقي الله، وكذلك العامل لا يجوز له أن يأخذ أحسن المال، فإن هذا ظلم، فإن فعل ذلك فإن صاحب المال يطالبه عند الله يوم القيامة لأنه ظلمه، ولكن لو أن صاحب المال جادت نفسه بأن يخرج أحسن الأموال فإنه يجوز أن يأخذها بعد أن يعلمه بأن هذا ليس واجباً عليه، ويقول له: ليس هذا بواجب عليك، الواجب عليك أن تخرج من أوسط المال لا من شراره ولا من خياره، وإنما تخرج من أوسطه، سواءٌ أكان المال من الحبوب أم التمور أم الحيوانات. والحيوانات معروفة، منها الإبل والغنم والبقر، والغنم تشمل الماعز والضأن، كما أن البقر يشمل الذكور والإناث، وعلى الإنسان أن يتقي ربه جل وعلا في ذلك فيخرج ما تبرأ به الذمة وتطيب نفسه به؛ لأنه فريضة من فرائض الله، يخرجه طيبة به نفسه يرجو ثواب الله ويخاف عقابه لو منعه وأمسكه؛ لأنه فريضة.

стр. 250

اتقاء دعوة المظلوم ثم قوله: (واتق دعوة الظلوم) يعني: اجعل بينك وبين دعوة المظلوم وقاية. وقوله: (واتق دعوة المظلوم) بعد قوله: (وإياك وكرائم أموالهم) يدل على أن أخذ محاسن الأموال وكرائمه ظلم يخشى أن يدعو صاحب المال عليه فيصاب به. ومعنى: (اتق دعوة المظلوم) أي: امضِ على العدل الذي به تتقي أن تظلم فيترتب على الظلم الدعاء الذي يصدر من المظلوم. والظلم قد حرمه الله جل وعلا في جميع كتبه، وحرمه على نفسه، وجعله بين العباد محرماً.

стр. 251

أقسام الظلم

стр. 252

الظلم بين العباد والظلم أقسام ثلاثة: قسم منه ظلم يكون بين العباد، وهذا كثير جداً، يقع في الأعراض والأموال والدماء، ويقع في غير ذلك، فهذا مبناه على التقصي وأن لا يُترك منه شيء؛ لأن الإنسان ضعيف ويريد حقه، ولكنه إذا وقف بين يدي الله فإنه يود لو يكون على والدته له حق فيأخذه أو على والده، أو يود الوالد أن يكون على ولده له حق فيأخذه، ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦]. لماذا يفر منهم؟ خوفاً من المطالبة بالحقوق، ولأن الأمر عظيم، فكل واحد له شأن يغنيه، ويشتد الأمر شدة عظيمة، حيث يصبح الإنسان لا يهمه إلا نفسه وتخليصها، ولهذا جاء في الأثر: إن الرجل تأتي إليه والدته وتقول له: يا بني! ألم يكن بطني لك وعاء، وثديي لك سقاء، وحجري لك غطاء؟ ألم أكابد الشدائد وأسهر الليالي في مصالحك؟ فيقول: بلى. فتقول: أريد منك حسنة واحدة، فيقول: لا. نفسي نفسي. لا أحد ينفع أحد يوم القيامة: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١٩]. فهذا الظلم الذي يكون بين العباد بعضهم لبعض لا بد من أخذه واستقصائه، ولا يكون هذا إلا بالحسنات والسيئات فقط، فيؤخذ من حسنات الظالم فيعطى المظلوم حتى يستعفي وحتى يوفى حقه، فإن نفذت حسنات الظالم أخذ من سيئات المظلوم فطرحت على الظالم ثم طرح في النار. هذه هي الطريقة الوحيدة التي تؤخذ الحقوق فيها يوم القيامة. والحقوق كثيرة، منها: ظلم في المعاملات، فالإنسان قد يعامل ولا يسلم من المعاملة، فإذا أخفى عيب السلعة التي يبيعها فسوف يسأل عنها يوم القيامة ويطالبه الذي اشترى منه فيقول: أخفى علي العيب وظلمني، خذ لي يا رب حقي منه. وقد يكون في غير ذلك بالكلام واستطالة العرض، ويتكلم عليه، ويقول فيه ما ليس فيه، أو يقول فيه ما هو فيه وهو غائب فيذكره بما يكره، وهذا من أعظم الظلم، وهو كثير جداً، حتى -وللأسف- بين طلبة العلم يوجد هذا بكثرة، كل واحد يتكلم في الثاني في غيبته بالشيء الذي يسوؤه، وقد قال رسول الله ﷺ لما سئل عن الغيبة: (ذكرك أخاك بما يكره) فقال قائل: أرأيت إن كان فيه ما أقول؟ قال: (إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته)، والبهت هو أشد الظلم، فيرميه بالشيء الذي ليس فيه فهذا ظلم.

стр. 253

ظلم العبد لنفسه ثم القسم الثاني من الظلم ظلم العبد لنفسه، وهذا هو أسهل أنواع الظلم، ما عدا ظلمه للعباد فإنه يخرج من هذا؛ لأنه أمر عظيم، بمعنى أنه لا يترك منه شيء، ولا بد من استقصائه، ولكن ظلم العبد لنفسه فيما بينه وبين ربه في تقصيره في أوامر الله، وفي ارتكابه لنواهي الله التي لا يتعلق بها أمر مخلوق من الناس، فهذا الظلم هو الذي يقول الله جل وعلا فيه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فقد علق المغفرة بمشيئته، ما عدا الشرك وما عدا ظلم العباد بعضهم مع بعض، ولهذا نقول: هذا أسهل أنواع الظلم وأيسرها؛ لأن الله غفور رحيم، وبر كريم جل وعلا، إذا شاء أن يعفو عن ذنب عبده عفا ولا يبالي، وقد مر معنا في الحديث القدسي قوله جل وعلا في الحديث الذي يرويه عنه رسوله ﷺ : (يا ابن آدم! لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً للقيتك بقرابها مغفرة) يعني: بملئها أو ما يقارب ملئها مغفرة. فالله أوسع وأجود جل وعلا.

стр. 254

الشرك بالله القسم الثالث من أقسام الظلم الشرك، وهو من أعظم الظلم، وهو الذي أخبر جل وعلا أنه لا يغفره لمن مات عليه، فإذا سلم الإنسان من هذه الأقسام الثلاثة فهو الغانم السالم الذي يسبق إلى الجنة أول وهلة بلا عذاب، ولكن الغالب أن الناس لا يسلمون من نوع من هذه الأنواع. فالرسول ﷺ يقول لـ معاذ: (واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) يعني: اجعل واقياً يقيك منها. والواقي الذي يقي هو تقوى الله جل وعلا، كون الإنسان يتقي الله ويخافه ويراقبه، كلما أقدم على عمل صارت تقوى الله تمنعه أن يفعله إذا كان معصية، ويحول بينه وبين ذلك، فيكون واقياً له.

стр. 255

دعوة المظلوم مستجابة وقوله: (فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) يعني: فإن الأمر والشأن أن دعوة المظلوم مستجابة. ومعنى (ليس بينها وبين الله حجاب) أنها تستجاب وأن الله يستجيبها، ويوقع في الظالم ما دعا على المظلوم. وهذا وإن كان مقيداً بقوله جل وعلا فيما أخبر بأنه يستجيب لمن يشاء فإنه خبر صدق عن الرسول ﷺ ، وقد جرب ذلك لأكثر العالمين، أن المظلوم إذا دعا يصاب الظالم بالدعوة ولو كان المظلوم فاجراً، ولو كان فاجراً ففجوره على نفسه، ولكن الله جل وعلا لا يقر الظلم، ولهذا يقول العلماء: من عادة الله جل وعلا أن الله لا يترك ظالماً يتمادى في حياته وفي سعيه، حتى الدول، فالدول إذا صارت تظلم الشعوب وتظلم الناس فإن مدتها لن تطول، وسوف تزول، بخلاف الدول العادلة التي تعدل وإن كانت كافرة فإن مدتها قد تطول وإن كانت كافرة، وذلك أن الظلم لا يقره الله جل وعلا في حالة من الحالات، فقد حرمه على نفسه وجعله بين عباده محرماً، ومن أعظم الإجرام أن يتطاول متطاول بقوته وسلطته على ضعيف ليس له ناصر ولا حيلة له إلا أن يرفع يديه إلى السماء ويقول: يا رب يا رب. ولهذا لا يتركه الله جل وعلا، فمن فعل به ذلك لم يفلت الله جل وعلا الظالم. ثم هذا يدلنا على أن أخذ الزائد على الحق في الزكاة ونحوها يكون ظلماً؛ لأن هذا هو سبب ورود هذه الكلمة؛ لأنه قال: فإذا بذلوا لك ما طلبت منهم في الزكاة فإياك وكرائم أموالهم. والكرائم من المال عرفنا أنها أطايبه وأحاسنه، فأخذها زكاة ظلم يستحق عليه الآخذ الدعاء من المظلوم وقمن أن يستجاب له.

стр. 256

الاحتجاج بخبر الواحد ثم إن الرسول ﷺ لم يخص معاذاً في بعثه إلى اليمن، وقد علم أنه بعث معاذاً، وبعث علي بن أبي طالب ﵁، وبعث أبا موسى الأشعري، كلهم بعثهم إلى اليمن وكلهم ملتهم واحدة، يدعون إلى الله ويبلغون عن رسوله ﷺ ، ويحكمون نيابة عن النبي ﷺ ، وكل واحد منهم جعله على مخلاف من مخاليف اليمن، والمخلاف كقولنا: مقاطعة. وكذلك كان صلوات الله وسلامه عليه يبعث الرسل ويبعث الدعاة الذين يبلغون عنه، وفي هذا دلالة واضحة أنه يجب على الأمة قبول خبر الواحد العدل، فإذا جاء بخبر عن الرسول ﷺ أنه قال له كذا، أو أنه سمعه يقول كذا، أو أنه أمر بكذا وجب قبول ذلك؛ لأن هؤلاء أفراد بعثهم إلى اليمن، كما كان صلوات الله وسلامه عليه يبعث إلى الرسل والملوك وإلى البلاد النائية، فقد بعث رسله إلى قيصر رسولاً، وبعث إلى المقوقس ملك مصر، وبعث إلى ملك الروم هرقل، وفي هذا كله يبعث رجلاً واحداً، وأحياناً قد يرسل اثنين، وكتبه كذلك، أعني كونه يكتب الكتاب ويرسله مع شخص، وإذا بلغ الإنسان كتابه أو رسوله وجب عليه قبول ذلك وقامت عليه الحجة، فالذين يقولون: إن أخبار الآحاد لا تفيد العلم ولا تقبل ضلاّل أهل بدع، أما أهل الحق وأهل السنة الذين اتبعوا الصحابة رضوان الله عليهم فلا إشكال عندهم في ذلك. والأدلة على هذا كثير جداً غير ما ذكرنا. منها: أنه لما نزلت الآيات التي فيها نسخ القبلة من الشام إلى الكعبة كانت أطراف المدينة بعيدة عن مسجد النبي ﷺ ، فكان بنو عوف في قباء، فأتاهم آت وهم يصلون مستقبلين الشام، فقال: أشهد لقد أنزل على رسول الله ﷺ قرآن فأمر بالتوجه إلى الكعبة. فاستداروا وهم في الصلاة نحو الكعبة، وبقوا على صلاتهم السابقة، مما يدل على سرعة امتثال الصحابة رضوان الله عليهم وانقيادهم الكامل للأمر الذي يأتيهم بسرعة، وهذا ليس سهلاً، وانحرافهم وهم في الصلاة، وكذلك تغيير القبلة، وغير ذلك، أشياء كثيرة تدل على أن مثل هذا يجب قبوله وتقوم به الحجة.

стр. 257

العلة من تخصيص ذكر اليهود والنصارى قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله ﷺ : (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب) قال القرطبي: يعني به اليهود والنصارى؛ لأنهم كانوا في اليمن أكثر من مشركي العرب أو أغلب، وإنما ينبه على هذا ليتهيأ لمناظرتهم]. والأمر في الواقع ليس كذلك، ولا أن أهل الكتاب في اليمن أكثر، بل أهل الأوثان من العرب أكثر من اليهود والنصارى، ولكن السبب في ذلك أن أهل الكتاب عندهم حجج وعلوم، وليسوا كعبّاد الأصنام العرب الجهلة، فأمره أن يستعد لمحاجتهم ولكشف الشبه التي ربما ألقوها عليه، وقد وقع لبعض الصحابة شيء من ذلك، فلما أرسله إلى نجران -ونجران فيها نصارى كما هو معروف- قالوا له: إنكم تقرأون في كتابكم في مريم: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم:٢٨]، وبين مريم وهارون مئات السنين أو آلآف السنين، فكيف تقولون هذا؟ فما درى ماذا يقول، حتى رجع إلى النبي ﷺ فذكر له ذلك فقال: (ألا أخبرتهم أنهم يتسمون بأسماء أنبيائهم) يعني أن هارون الذي ذكر أن مريم أخته ليس هو هارون أخو موسى، وإنما هو اسم على اسمه، يتسمون بأنبيائهم. فالمقصود أنهم يدلون بحجج وبشبهات، فيجب على الداعية الذي أرسل إليهم أن يكون عنده تسلح بالعلم وكشف الشبه التي قد يلقونها، وليس السبب أن اليهود والنصارى كانوا أغلب في اليمن، لا. وعند المؤرخين أن الأغلب والأكثر هم العرب، وهؤلاء دخلاء عليهم.

стр. 258

معنى العروة الوثقى وقال الشارح رحمه الله تعالى: [وقال الحافظ ﵀: هو كالتوطئة للوصية، ليجمع همته عليها. قوله: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله) (شهادة) رفع على أنه اسم (يكن) مؤخر، و (أول) خبرها مقدم، ويجوز العكس. وقوله: وفي رواية: (إلى أن يوحدوا الله) هذه الرواية ثابتة في كتاب التوحيد من صحيح البخاري، وأشار المصنف بذكر هذه الرواية إلى التنبيه على معنى شهادة ألا إله إلا الله، فإن معناها توحيد الله تعالى بالعبادة ونفي عبادة ما سواه. وفي رواية: (فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله)، وذلك هو الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة:٢٥٦]، والعروة الوثقى هي (لا إله إلا الله)]. قوله: [العروة الوثقى هي: لا إله إلا الله] يعني: ما دلت عليه واقتضته. ومعلوم أنها تدل على ما جاء به الرسول ﷺ ، أي: الإسلام كله، وليس المعنى أنه من قالها فقد استمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ولو لم يعمل، فإن هذا لا يفيد، ولهذا سيأتي أن القتال لا يكف عمن قالها إذا لم يعمل بفرائض الإسلام وشرائعه، فلو قال: (لا إله إلا الله) وهو لا يصلي، ولا يؤدي الزكاة، ولا يصوم، ولا يمتثل ذلك، ولا يحج فإنه يقاتل حتى يمتثل أمر الإسلام، ولهذا يقول الرسول ﷺ في الحديث المشهور: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها). يعني: بحق (لا إله إلا الله)، وكل الإسلام حق لها، لأن معناها الانتقال من دين إلى دين آخر، أي: ترك الدين الذي يكون عليه الإنسان والدخول في دين الإسلام، وهذا ما كان يفهمه الكفار تماماً، ولهذا مر معنا أن الرسول ﷺ لما دخل على عمه أبي طالب وهو في مرض الموت قال له ﷺ : (يا عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج بها لك عند الله؟) فقال له جلساء السوء الكفار الذين عنده: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فهو يعلم أنه إذا قال هذه الكلمة خرج من ملتهم ودخل في ملة جديدة، وهي التي جاء بها الرسول ﷺ ، وهذا هو الذي يجعلها العروة الوثقى، كون الإنسان يترك جميع الكفر والشرك ويتباعد عنه ويقبل على عبادة الله وطاعته وامتثال ما جاء به، وهذا هو العروة الوثقى.

стр. 259

شروط (لا إله إلا الله) قال الشارح رحمه الله تعالى: [وفي رواية للبخاري: فقال: (ادعهم إلى شهادة ألا إله إلا الله وأني رسول الله). قلت: لا بد في شهادة أن لا إله إلا الله من سبعة شروط، لا تنفع قائلها إلا باجتماعها: أحدها: العلم المنافي للجهل. الثاني: اليقين المنافي للشك. الثالث: القبول المنافي للرد. الرابع: الانقياد المنافي للترك. الخامس: الإخلاص المنافي للشرك. السادس: الصدق المنافي للكذب. السابع: المحبة المنافية لضدها]. هذه شروط لنفع (لا إله إلا الله)، ويكون قائلها ممن يسبق إلى الجنة. الأول: العلم. أن يعلم معناها فلا بد من ذلك. والثاني: اليقين. أي يتيقن من كون ما جاءت به وما اقتضته أنه حق، وهو دين الله الذي لا يجوز التردد والشك فيه. الثالث: الصدق الذي ينافي الكذب في قولها. فإذا قال لا إله إلا الله يكون صادقاً، وإلا لم يكن صادقاً بل كان منافقاً، ولا ينفعه قولها، فإن الله جل وعلا يقول: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١] يشهدون ومع شهادتهم وكونهم يقولون: (نشهد إنك لرسول الله) يقابلونه ويقولون: نشهد إنك لرسول الله، والله يعلم إنك لرسوله. وهذا نفي للشهادة، ولو قالوا بألسنتهم وشهدوا وتكلموا وقلوبهم فارغة من ذلك فهم كذبة. إذاً فلا بد من الصدق. والرابع: القبول المنافي للرد. كونه لا يرد شيئاً من الإسلام ولا يقبله. والخامس: الانقياد المنافي للترك. أن ينقاد ويستسلم لذلك، والانقياد معناه أنه يكون راغباً ذالاً لذلك، ولو قيل: إن حكم الله كذا وكذا فلا يتوقف فيه، ولا بد أن ينقاد له، فلا يكون مثل كثير من الناس إذا صار عليه حق من الحقوق وقيل له: نذهب إلى الشرع يقول: لا حتى تأتيني بجندي. فهذا ليس إنقياداً في الواقع؛ لأنه يدله إلى الشرع. والذي يدعى إلى الشرع يجب أن ينقاد، ولا يجوز أن يتوقف بحال من الأحوال، ولا يقول: ائتني بجندي. فالحق لله في هذا، وإذا كان غير صادق فيتبين بالحجج، وإنما أنت تدعى إلى حكم الله فلابد من الانقياد. السادس: المحبة المنافية للبغضاء. أن يحب هذه الكلمة وما دلت عليه، ويغتبط بذلك. والسابع: الإخلاص. أن يخلص في القول والعمل لله جل وعلا، فلا يريد بذلك غير ولا يقصد بعمله غير الله. ويضاف شرط ثامن لا بد منه، وهو الكفر بكل ما يعبد من دون الله، فلا بد أن يكفر بكل ما يخالفها، ولذلك يقول الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:٢٥٦]، فيبدأ بالكفر بالطاغوت أولاً. [وفيه دليل على أن التوحيد الذي هو إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه هو أول واجب، ولهذا كان أول ما دعت إليه الرسل ﵈: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، وقال نوح ﵇: ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [هود:٢٦]، وفيه معنى لا إله إلا الله مطابقة]. أي: مطابقة ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠]، فقوله (ألا تعبدوا) هو معنى (لا إله)، وقوله (إلا إياه) هو معنى (إلا الله) مطابق في المعنى، وهذا كثير في القرآن في دعوات الرسل كلهم، فكل رسول يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، فقوله: (اعبدوا الله) هو معنى (إلا الله)، وقوله: (ما لكم من إله غيره) هو معنى: (لا إله)، وهذا يرد في القرآن كثيراً، فدعوة الرسل واحدة من أولهم إلى آخرهم، وقول رسولنا ﷺ للمشركين: (قولوا: لا إله إلا الله) هو معنى قول نوح: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، هو معناه تماماً.

стр. 260

منزلة الشهادتين من الدين قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال شيخ الإسلام ﵀: وقد علم بالاضطرار من دين الرسول ﷺ واتفقت عليه الأمة أن أصل الإسلام وأول الإسلام وأول ما يؤمر به الخلق شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فبذلك يصير الكافر مسلماً، والعدو ولياً، والمباح دمه وماله معصوم الدم والمال، ثم إن كان ذلك من قلبه فقد دخل في الإيمان، وإن قاله بلسانه دون قلبه فهو في ظاهر الإسلام دون باطن الإيمان]. أي: يكون منافقاً. والمنافق مسلم في الظاهر، بمعنى أنه تجري عليه أحكام الإسلام، ويعامل معاملة المسلم مع المسلمين من المناكحة والمعاملة وغيرها، وفي الباطن هو كافر أمره إلى الله جل وعلا، وإذا مات على نفاقه فهو في الدرك الأسفل من النار تحت الكفار، بل أشد عذاباً من الكفار، وذلك لأنه جعل مخافة الناس أشد من مخافة الله، وصار يفعل ويقول من أجل الناس لا يخاف الله، وأما في باطنه فهو يعتقد أن دين الإسلام باطل. ولهذا إذا خلا وحده أو انفرد مع أصحابه بدأ بالاستهزاء والتهكم والكفر والسخرية وعدم المبالاة، وكذلك التخطيط والمؤامرة في تدمير الإسلام والمسلمين. وهذا في الواقع من أضر الأمور على الإسلام والمسلمين، كونه يندس في صفوفهم من ليس على دينهم بل هو عدو لهم، وهو في الظاهر يظهر الموافقه، ولكنه في الباطن قد أبطن المنافقة والكفر، ولهذا لما ذكر الله جل وعلا أقسام الناس في أول سورة البقرة ذكر المؤمنين في أربع آيات، ثم ذكر الكافرين في آيتين، ثم ذكر المنافقين في بضع عشر آية، وذلك لشدة خطرهم، وكذلك لما ذكرهم في سورة المنافقين قال عنهم: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون:٤] يعني: لهم مناظر جميلة وهيئة. ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤] يعني إنهم عندهم فصاحة وعندهم لسان. إذا قالوا قولاً أعجبك قولهم وسمعت له، ولكن داخلهم خبيث. وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤] لماذا شبهوا بالخشب المسندة؟ لأن الخشبة إذا أسندت صارت حملاً على غيرها، ولا فائدة فيها أصلاً، ومادامت الخشبة في شجرتها فهي تتحمل وتقوم بنفسها، وقد تنفع بظلها وغير ذلك، أما إذا قطعت وصارت خشبة مسندة فإنها تصير عبئاً على غيرها، وهكذا المنافق عبء على غيره لا خير فيه، ومع ذلك ذكرهم بالخوف والهلع: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون:٤]، فإذا سمعوا شيئاً من حولهم خافوا، ولهذا يبادرون إلى تخطيطاتهم وإلى تنفيذها خوفاً من أن يأتيهم الضرر. ثم قال: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون:٤]، ثم بين جل وعلا أنهم لا يبالون بالأعمال الصالحة، ولا تهمهم ولا يلتفتون إليها: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون:٥] مستكبرين ومعرضين ومستهينين لا يبالون بذلك. فالمقصود أن الله جل وعلا بين أوصافهم هنا بياناً شافياً، وكذلك في سورة التوبة، ولهذا سماها الصحابة (الفاضحة) لأنها فضحت المنافقين حيث بينت أوصافهم، قالوا: لم يزل الله جلا وعلا يقول: ومنهم ومنهم ومنهم حتى تبين أمرهم جلياً. والحاجة شديدة إلى معرفتهم، فهم مندسون بين صفوفنا بكثرة، ويجب على المسلم أن يتنبه لهم، فإنهم في الواقع ضرر عظيم جداً، ولهذا السبب أكثر الله جل وعلا من أوصافهم وجلاها وبينها حتى يكون المسلم على بينة منهم.

стр. 261

كفر من لم ينطق بالشهادتين [وأما إذا لم يتكلم بها مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين باطناً وظاهراً عند سلف الأمة وأئمتها وجماهير العلماء. اهـ]. يعني: إذا كان الإنسان يستطيع أن يقول: (لا إله إلا الله) ولم يقلها، وإن اعتقد في باطنه أن الإسلام هو الدين الحق، وإن أحب الإسلام في باطنه، ولكنه لم ينطق بهذه الكلمة وهو يستطيع فهو كافر ظاهراً وباطناً، وكذلك لو نطق بها، ولكن نطقه ليس عن علم، ولا عن يقين، ولا عن اقتناع بها، فإنه يكون منافقاً، ولا ينفعه ذلك في الآخرة، وإن منع ذلك عنه القتل، ولهذا لما غزا بعض الصحابة بأمر رسول الله ﷺ غزوة ولاقوا عدوهم وصار بينهم القتال، وكان من الكفار رجل لا يترك أحداً من المسلمين إلا وأخذه يقتله، يغير من هنا وهنا ويقتل، فتبعه رجلان من المسلمين واحد من الأنصار والآخر من المهاجرين وهو أسامة بن زيد بن حارثة، فلما أدركاه ورفعا عليه السيف قال: (لا إله إلا الله) عند ذلك كف عنه الأنصاري، ولكن أسامة ضربه فقتله، فلما بلغ ذلك رسول ﷺ عظّم الأمر، فجاء أسامة يقول: (يا رسول الله! إنما قال هذه الكلمة تعوذاً من السيف) يعني قالها لأجل أن يمتنع من القتل فقط، وإلا فهو كافر، فقال له الرسول ﷺ : (هلا شققت عن قلبه)، فلم يزل يكرر الأمر عليه ويعظمه حتى قال أسامة ﵁: (وددت لو أني لم أسلم قبل ذلك اليوم) يعني: مما سمع من قول الرسول ﷺ ، قال: (كيف تصنع بـ (لا إله إلا الله) إذا جاءت يوم القيامة؟)؛ لأنه إذا تكلم الإنسان بشيء فأمره إلى الله، ولا يدري ذلك حتى الرسول ﷺ ما يعلم الغيب إلا ما علمه الله إياه، ولهذا قال: (ما أمرت أن أشق عن قلوب الناس)، ولما قيل له عن فلان: إنه منافق. أو أنه ليس على ديننا. قال: (أليس يشهد ألا إله إلا الله؟ قالوا: بلى يشهد. ولا شهادة له. قال: أليس يصلي؟ قالوا: بلى يصلي ولا صلاة له. قال: أولئك الذين نهيت عن قتالهم) أي: إذا شهدوا وصلوا فقد جاء النهي عن قتالهم؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥] يعني: لا تقاتلوهم، ويوكل أمرهم إلى الله، فإن كانوا صادقين صارت بواطنهم -نياتهم ومقاصدهم- مثل ظواهرهم، فهؤلاء هم المسلمون حقاً، وإن كان ظاهرهم الموافقة فقط وباطنهم مخالف لما أظهروه فهؤلاء هم المنافقون، وسوف يأخذهم الله جل وعلا ولا يتركون، فالأمر على الظاهر في أحكام الدنيا، وهي تجرى على الظاهر، وليس للإنسان إلا ما يظهر، إلا إذا تبين خلاف الظاهر بالأدلة فنعم، أما إذا لم يتبين فيوكل باطنه إلى الله، ويعمل بما أظهر، إذا أظهر أنه موافق مسلم قبل منه ذلك، وإذا كان إذا خلا وحده في بيته أو في غير بيته يبارز الله جل وعلا بالكفر والمعاصي فهذا معناه أنه أسلم من أجل الناس ومن أجل الدنيا فقط.

стр. 262

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٢٣] بعث النبي ﵊ معاذاً إلى اليمن داعياًً ومعلماً وقاضياً وجابياً، وأوصاه بوصايا عظيمة، وقد أخذ منها العلماء أحكاماً كثيرة وفوائد عديدة، فينبغي الحرص على فهم هذا الحديث والتفقه فيه.

стр. 263

بعض العلماء لا يعرف معنى لا إله إلا الله أو لا يعمل بما دلت عليه قال الشارح رحمه الله تعالى: [وفيه: أن الإنسان قد يكون عالماً وهو لا يعرف معنى (لا إله إلا الله)، أو يعرفه ولا يعمل به. قلت: فما أكثر هؤلاء لا كثرهم الله تعالى!]. هذه من المسائل التي أخذت من الحديث السابق؛ لأنه ﷺ بعد قوله: (إنك تأتي قوم أهل كتاب) قال: (ادعهم إلى شهادة ألا إله إلا الله)، وهذا معناه أنهم لا يعرفون شهادة ألا إله إلا الله وهم من أهل الكتاب وهم علماء، ولهذا يقول الشارح: [فما أكثر هؤلاء لا كثرهم الله]، وهو يشير إلى الذين يعبدون غير الله وهم يقولون: (لا إله إلا الله)، تجد أحدهم -مثلاً- يطوف بالقبر، ويستنجد بصاحبه، ويسأله كشف الكروب، ويسأله ربما غفران الذنوب، ويسأله إزالة الخطوب التي قد تقع، ويدعوه بما لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا، وهو يقول: (لا إله إلا الله)! فهذه مناقضة تمام المناقضة؛ لأن معنى (لا إله إلا الله): إبطال كل دعوة لغير الله جل وعلا، ومعناها أن الدين كله لله، وقوله لهذه الكلمة يكون مثل المستهزئ الذي يستهزئ بهذا القول؛ لأنه يأتي بفعله ما يناقضها، والفعل أبلغ من القول بغير شك، فلهذا لا يقع أحد من المسلمين في الاستنجاد بالأموات وسؤالهم إلا وهو مناقض لهذه الشهادة تمام المناقضة مهما كانت، سواءٌ سموا الاستنجاد والدعوة توسلاً أو شفاعةً أو محبةً للصالحين، أو غير ذلك من الأسماء التي يزينون بها الشرك، وإلا فهي شرك صريح أعظم من شرك مشركي العرب الذين بعث فيهم الرسول ﷺ بدرجات، وذلك أن مشركي العرب ما كانوا يدعون الأصنام والأشجار والأحجار عند الكربات، وما يدعونها لكشف الخطوب، وإذا وقع خطب فإنهم يقبلون على الله جل وعلا يدعونه وحده، كما قال الله جل وعلا محتجاً عليهم: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢] يعني أنهم يعتقدون أنه لا يكون ذلك إلا لله وحده، ويعلمون هذا تماماًَ. ولهذا احتج الله به عليهم، بخلاف هؤلاء الذين يدعون المقبورين ويتجهون إليهم، عندما يقعون في الشدائد يخلصون الدعاء لهم، وينسون الله جل وعلا، وهذا لم يقع للمشركين الأولين، بل شرك هؤلاء أعظم بكثير من شرك الأولين، هذا وهم يقولون: (لا إله إلا الله)، والسبب في هذا أنهم ما علموا معنى (لا إله إلا الله)، ولا علموا معنى العبادة، ولا علموا معنى التأله، لا يعرفون ما معنى الإله، ويظنون أن الإله هو الذي يخلق ويرزق وهو الذي يدبر الكون فقط، وليس هو الذي تألهه القلوب وتدعوه وترجوه وتخافه وتحبه، ما عرفوا هذا، فلكونهم جهلوا اللغة العربية التي جاء بها القرآن وجاء بها الرسول ﷺ وقعوا في المتناقضات، ووقعوا في الشرك فهذا هو السبب.

стр. 264

الصلاة أعظم واجب بعد الشهادتين قال الشارح: [وقوله ﷺ : (فإن هم أطاعوك لذلك) أي: شهدوا وانقادوا لذلك: (فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات) فيه أن الصلاة أعظم واجب بعد الشهادتين. قال النووي ما معناه: إنه يدل على أن المطالبة بالفرائض في الدنيا لا تكون إلا بعد الإسلام، ولا يلزم من ذلك ألا يكونوا مخاطبين بها، ويزاد في عذابهم بسببها في الآخرة، والصحيح أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة المأمور به والمنهي عنه، وهذا قول الأكثرين. اهـ]. ما الفائدة بكونهم مخاطبين بفروع الشرع؟ ليس هناك فائدة إلا زيادة عذابهم فقط، ومعنى مخاطبتهم بها أنهم يعذبون على ترك الواجبات، ويعذبون على فعل المحرمات، هذا معنى المخاطبة، أي: أنه إذا فعل محرماً أو ترك واجباً يكون مرتكباً لجريمة، ويدل على هذا قوله جل وعلا في ذكر الكافرين عندما سئلوا وهم في النار: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر:٤٢]؟ كان الجواب ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر:٤٣ - ٤٦]، فذكروا أنهم ما يصلون، ولا يؤدون الزكاة، وكانوا لا يتركون محرماً إلا وفعلوه: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر:٤٥]، فبين بهذا أنهم يعاقبون على ترك الصلاة وترك الزكاة وغيرها، وأن هذا هو الذي سلكهم في سقر، وإن كان الأصل في هذا هو الكفر وعدم الإيمان، هذا هو الأصل، ولكنهم يعذبون على البقية. أما كون الصلاة هي أعظم الواجبات بعد الإيمان بالله وشهادة ألا إله إلا الله فهذا تدل عليه أدلة كثيرة من الشرع، منها: أن الله جل وعلا قرن الصلاة بحقه في مواضع متعددة، كقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [الأنفال:٢ - ٣]، وقال في سورة المؤمنون: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٩]، بدأ الأعمال بالصلاة وختمها بالصلاة، وكذلك في سورة سأل: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج:١٩ - ٢٣]، ثم ذكر أوصافهم وختمها بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج:٢٤ - ٣٥]، فهذا كله يدلنا على عظم الصلاة، حيث إنها تبدأ في ذكر الأعمال الصالحة ويختم بها ذكر الأعمال الصالحة.

стр. 265

كفر تارك الصلاة في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، وهذا يدل على أن ترك الصلاة كفر، ولا فرق بين تركها كسلاً وتهاوناً أو تركها جحوداً وكفراً بها؛ لأن كل من جحد ما ثبت عن النبي ﷺ فإنه يكون كافراً، حتى سنية السواك، فإذا ثبت عند إنسان أن الرسول ﷺ أمر بالسواك وجعله سنة، ثم جحد ذلك فإنه يكون كافراً وإن جحد سنة، فلا فرق بين الشيء الواجب والشيء المسنون في الجحود، وإنما الكلام في التهاون والكسل، فالصلاة إذا تركها تهاوناً بها وكسلاً وعدم مبالاة فإنه يكون خارجاً من الدين -نسأل الله العافية- وكثيرٌ من الناس يتهاونون بالصلاة وللأسف، وبعضهم قد يصلي إذا فرغ من شغله، وبعضهم لا يصلي ولا يبالي، فالذي لا يصلي ليس بمسلم، ولا يجوز أن تكون زوجته مسلمة، وإن كانت عنده زوجة مسلمة فيجب أن تؤخذ منه ويفرق بينه وبينها؛ لأنه ليس كفؤاً لها، ولا يجوز أن يكون الكافر زوجاً لمسلمة، كما أنه لا يجوز للمسلم أن يكون زوجاً لكافرة إلا ما استثني من أهل الكتاب.

стр. 266

تعظيم قدر الصلاة جاءت أحاديث كثيرة تدل على تعظيم الصلاة، منها قوله صلوات الله وسلامه عليه: (أول ما يحاسب عنه العبد الصلاة، فإن صلحت صلاة فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت لم ينظر في سائر عمله)، ومنها أنه صلاة الله وسلامه عليه كان في سياق الموت يوصي بها ويقول: (الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم)، والأحاديث في هذا كثيرةٌ جداً عن النبي ﷺ في تعظيم الصلاة، فيجب على المسلمين أن يهتموا بها غاية الاهتمام، وألا يتهاون المسلم في شيء من صلواته؛ لأن الصلاة -كما جاء في الحديث- آخر ما يفقد من الدين، وإذا فقدت الصلاة فقد ذهب الدين كله، (أول ما يفقد من الدين الأمانة، وآخر ما يفقد الصلاة)، والأمانة ما كلٌ يستطيع القيام بها، وقد أخبر الله جل وعلا أن الأمانة عرضت على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان لأنه ظلوم جهول، لهذا السبب، وإذا اجتمع الظلم والجهل أصبح كل شر يحتمل أن يكون في شخص ظلوم جاهل لا يبالي ولا يقدر الأمور ولا ينظر في العواقب، فيجتمع عليه كل شيء، نسأل الله العافية. والمقصود أن الصلاة أمرها عظيم جداً، ومن ذلك ما جاء في الحديث أن الله يسأل الملائكة الذين وكلوا بحفظ أعمالنا في الليل والنهار؛ لأنه يتعاقب جماعة منهم علينا بالليل وجماعة منهم بالنهار، فيجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، فيصعد الذين باتوا ويبقى الذين يريدون أن يبقوا في النهار حتى تأتي صلاة العصر، فإذا صعدوا سألهم الله جل وعلا وهو أعلم: (كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون)، والمشكلة إذا كانوا نياماً أو يلعبون فما الجواب؟ هذه مشكلة، أتيناهم وهم يلعبون. أو تركناهم وهم يلعبون أو نائمون، وهذا في المصلين فقط، أما غيرهم فقد علم ماذا يكون مصيرهم عند الله جل وعلا. والمقصود أن هذا يدل أيضاً على تعظيم الصلاة، ولهذا أمر بإقامتها في آيات كثيرة، وكلما جاء ذكر الصلاة يقول جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [الأنفال:٣]، ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام:٧٢]، وما جاء في القرآن (صلوا) أو (أدوا الصلاة)، بل (أقيموا)، فالإقامة يقصد بها أن يؤتى بها تامة بشروطها وما يلزم لها، لا مجرد قيام كل إنسان فيها؛ لأن الصلاة صلة بين العبد وربه، وإذا دخل في الصلاة فقد دخل على الله جل وعلا، وإذا رفع يديه عند التكبير وقال: (الله أكبر) يقول العلماء: هذا عبارة عن رفع الحجاب بينه وبين ربه، فإنه يخاطب ربه جل وعلا، فليتأدب مع الله وليحضر قلبه؛ لأن الله ينظر إليه ويسمع كلامه، وهو قريب منه، ولهذا يقول ﷺ : (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، فعلى الإنسان أن يهتم بصلاته.

стр. 267

مصارف الزكاة قال الشارح: [وقوله ﷺ : (فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) فيه دليل على أن الزكاة أوجب الأركان بعد الصلوات، وأنها تؤخذ من الأغنياء وتصرف إلى الفقراء، وإنما خص النبي ﷺ الفقراء لأن حقهم في الزكاة آكد من حق بقية الأصناف الثمانية]. من الأصناف الثمانية الفقراء والمساكين، والمساكين صنف آخر، وقد اختلف العلماء في الفرق بين الفقير والمسكين، فمنهم من يقول: إن المسكين أكثر حاجة. ومنهم من يقول: الفقير أكثر حاجة. والذين قالوا: إن المسكين أكثر حاجة يستدلون بقول النبي ﷺ : (ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان، وإنما المسكين الذي لا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس) وهذا معناه أنه ما عنده شيء. واستدل الذين قالوا: إن الفقير أكثر حاجة بأن الله بدأ به، والله جل وعلا لا يبدأ إلا بما هو أهم، ولأنه جلا وعلا قال في سورة الكهف: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف:٧٩]، فأخبر أنهم مساكين ولهم سفينة، فدل على أن المسكين يكون عنده مال. ولهذا قالوا: الفقير أشد حاجة. فعرفوه وقالوا: الفقير الذي لا يجد شيئاً، والمسكين الذي يجد نصف الكفاية. مثلاً نصف كفاية السنة، وأما الفقير فهو الذي لا يجد إلا أقل من ذلك. والعاملون هم الذين يعملون على الزكاة، فمن أرسلوا لجباية الزكاة وأخذها من أصحابها فإنهم يعطون أجر عملهم من الزكاة. وقوله: ((وفي سبيل الله)) يعني: في الجهاد. يشتري بالزكاة أسلحة، وكذلك يشري بها ما يحمل الناس، ويعطى منها الذين يجاهدون. وقوله: ((وابن السبيل)) يعني: المسافر الذي يترك بلده ويسافر وتنقطع نفقته أو تقل. فإنه يعطى من الزكاة وإن كان غنياً في بلده، فيعطى منها الشيء الذي يوصله. وقوله: ((والغارمين)) الغارم هو الذي يتحمل الأموال في سبيل الإصلاح وغير ذلك. والمؤلفة قلوبهم هم رؤساء الكفار، وهذا خاص بهم فقط، ولا يجوز إعطاء كافر من الزكاة إلا هؤلاء، فإذا كان للكفار رؤساء ولو أسلموا أسلم بهم ناس كثير فإنهم يعطون منها تأليفاً لهم وترغيباً لهم في الدخول في الإسلام. (وفي الرقاب): أي: يشترى الرقيق من مالكيهم ويعتقون من الزكاة. فهؤلاء هم أهل الزكاة.

стр. 268

من أحكام صرف الزكاة قال الشارح ﵀: [وفيه: أن الإمام هو الذي يتولى قبض الزكاة وصرفها إما بنفسه أو نائبه، فمن امتنع من أدائها إليه أخذت منه قهراً]. هذا يدل عليه حديث فيه أن الإمام من المسلمين هو الذي يأخذ الزكاة أو نائبه الذي ينيبه، ثم إذا أخذها فقد برئت ذمة صاحبها. [وفي الحديث دليل على أنه يكفي إخراج الزكاة في صنف واحد، كما هو مذهب مالك وأحمد. وفيه أنه لا يجوز دفعها إلى غني، ولا إلى كافر غير المؤلَّف، وأن الزكاة واجبة في مال الصبي والمجنون، كما هو قول الجمهور؛ لعموم الحديث]. الحديث يدل على أن الزكاة لا تجوز للغني، ولذا روي عن النبي ﷺ أن الله جل وعلا هو الذي تولى قسمة الزكاة بين الأصناف الثمانية، فلا يجوز أن يتعدى المسلم بزكاته أحد هذه الأصناف. أما كونه يجوز أن يدفع الزكاة لصنف واحد منها فقد أخذ من قوله ﷺ : (فأخبرهم أن الله جلا وعلا افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم)، والفقراء صنف واحد من أصناف الصدقة؛ فإن الله جل وعلا قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠] ثم عطف عليهم بقية الثمانية. وكونها لا تجوز لكافر فقوله: (تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم)، فالضمائر تعود على المسلمين، فالكافر لا تؤخذ منه الصدقة، وكذلك لا يعطاها، ولكن خص من ذلك الكافر الذي يتألف لدخوله في الإسلام، وليس كل كافر، وإنما الرؤساء الذين إذا أسلموا أسلم بإسلامهم أناس كثير؛ لأن الله جل وعلا يقول في الآية: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة:٦٠] يعني أنهم يعطون ولو كانوا كفاراً تأليفاً لهم وترغيباً لهم في الدخول في الإسلام. قال الشارح: [والفقير إذا أفرد في اللفظ تناول المسكين، وبالعكس كنظائره كما قرره شيخ الإسلام]. يعني أنه إذا قيل: (الفقير) دخل فيه المسكين، وإذا قيل: (المسكين) دخل فيه الفقير، أما إذا اقترنا كما في الآية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠] فكل واحد يفسر بنوع من أنواع الناس، ولا يكون هذا داخلاً في هذا، فيكون هذا مثل الإيمان والإسلام، فإذا جاء أحدهما دخل فيه الآخر، أي: إذا جاء مفرداً دخل فيه الآخر، كقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] فهذا يدخل فيه الإيمان كله، أما إذا اجتمعا -كما في حديث جبريل- فإن لكل منهما معنىً، فإنه سأله عن الإسلام أولاً، ثم سأله عن الإيمان، ففسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، وفسر الإيمان بالأعمال الباطنة التي تكون في القلب، وهكذا الفقير والمسكين، وهذا له نظائر في لغة العرب.

стр. 269

حرمة أخذ كرائم أموال الناس عند قبض الزكاة قال الشارح: [قوله: (وإياك وكرائم أموالهم) بنصب (كرائم) على التحذير، جمع كريمة، قال صاحب المطالع: هي الجامعة للكمال الممكن في حقها من غزارة لبن، وجمال صورة، وكثرة لحم وصوف، ذكره النووي. قلت: وهي خيار المال وأنفسه وأكثره ثمناً]. الكرائم لا يجوز أن تؤخذ في الزكاة؛ فإنه ظلم، وإنما المتعين أن يؤخذ من الوسط، لا يؤخذ من نفائس الأموال وخياره، ولا من شراره وأردئه، وهذا يكون في الأموال إذا كانت حبوباً أو ثماراً أو كانت ماشية، أما إذا كانت من الذهب والفضة أو ما يقوم مقامهما فهذا غالباً لا يكون فيه تفاوت. قال الشارح: [وفيه: أنه يحرم على العامل في الزكاة أخذ كرائم المال، ويحرم على صاحب المال إخراج شرار المال، بل يخرج الوسط، فإن طابت نفسه بالكريمة جاز.

стр. 270

التحذير من الظلم قوله: (واتق دعوة المظلوم) أي: اجعل بينك وبينها وقاية بالعدل وترك الظلم. وهذان الأمران يقيان من رُزِقَهُما من جميع الشرور دنيا وأخرى. وفيه تنبيه على التحذير من جميع أنواع الظلم. قوله: (فإنه -أي: الشأن- ليس بينها وبين الله حجاب) هذه الجملة مفسرة لضمير الشأن، أي: فإنها لا تحجب عن الله فيقبلها. وفي الحديث أيضاً قبول خبر الواحد العدل، ووجوب العمل به، وبعث الإمام العمال لجباية الزكاة، وأنه يعظ عماله وولاته، ويأمر بتقوى الله تعالى، ويعلمهم، وينهاهم عن الظلم ويعرفهم بسوء عاقبته، والتنبيه على التعليم بالتدرج، قاله المصنف. قلت: ويبدأ بالأهم فالأهم]. قوله: (واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) فسر عدم الحجاب بأنها تقبل، فالمظلوم إذا دعا أجابه الله جل وعلا. والتقوى المقصود بها مخافة الله وإقامة العدل، فإذا كان الإنسان يخاف ربه جل وعلا فإنه يفعل المأمور ويترك المحذور، فمن رزق ذلك فإنه يكون عنده وقاية تقيه من عذاب الله جل وعلا. ومن أسباب العذاب العاجل -وليس الآجل- الظلم، والظلم أنواع: قد يكون بأخذ الأموال، وقد يكون بالاستطالة في الأعراض، وقد يكون بالاحتقار والازدراء، أي أنه قد يكون بالفعل وقد يكون بالقول، وقد يكون بغير ذلك، فالواجب على العبد أن يتقي ربه، وألا يرى نفسه فوق الناس وأحسن من الناس، فإنه إذا رأى نفسه بهذه الصورة فإنه يزدري كثيراً من الناس ويظلمهم، سواءٌ بالفعل أو بالقول، ومعلوم أنه ليس كل أحد يستطيع الظلم بالفعل، وإنما يستطيع ذلك من كان بيده شيء من أمور المسلمين العامة، ولو لم يكن الأمر له فيه استقلال، فإنه إذا كان بهذه المثابة استطاع أن يظلم، فيظلم نفسه أولاً بعدم أداء الواجب، ثم يظلم عباد الله لعدم قضاء الأمور التي أنيطت به، والسبب في هذا عدم مخافة الله جل وعلا، ثم كونه لا يتقي أسباب العذاب الذي سوف يكون عاجلاً. وقد يقول قائل: إننا نرى كثيراً من الناس يظلمون وما رأينا عذاباً عاجلاً يصيبهم! ف الجواب جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله ليملي الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) يملي له ليزداد عذابه، ما يملي له لأنه ترك معاقبته، بل ليزداد عذاباً، ولكن لو رجع وتاب إلى الله فإن الله تواب رحيم جل وعلا، ولهذا ذكر في كتابه المشركين ثم عرض عليهم التوبة فقال: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ﴾ [المائدة:٧٤]، يقول لهم هكذا: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ﴾ بعدما ذكر طغيانهم مما يدل على كرمه وجوده جل وعلا. فالمقصود أن الظلم سبب عاجل للعذاب، وإذا وقع الظالم في شدة لم يفلت منها، فيأخذه الله جل وعلا أخذاً قريباً جداً، ومهما امتد به العمر أو فسح له في الأجل فهو قريب، وإذا أخذه لم يفلته، فأخذ الله أليم شديد جل وعلا.

стр. 271

معنى قوله: (ليس بينها وبين الله حجاب) فسر قوله ﷺ : (فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) بأنها تستجاب، وهذا مقتضى سياق الحديث؛ لأنه لما قال: (اتق دعوة المظلوم) أردفه بقوله: (فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)، وتقوى دعوة المظلوم. بأن يجتنب الظلم ويتقي الله جل وعلا، وليس معنى ذلك إبطال الحُجُب لله جل وعلا، فقد ثبت أن لله حُجُباً يحتجب بها عن خلقه، وهي مما يجب الإيمان به، ففي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: (قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات، فقال: إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)، وقد سأل أبو ذر ﵁ النبي ﷺ لما عرج به إلى السماء فقال له: هل رأيت ربك؟ فقال: (نور أنى أراه؟)، وفي رواية: (رأيت نوراً) يعني أنه رأى الحجب التي أخبر عنها بقوله: (حجابه النور)، والله جل وعلا لا أحد يراه في الدنيا، فقد أخبر ﷺ عن الدجال الكذاب الأكبر الذي سيخرج ويزعم أنه رب الناس، ثم قال صلوات الله وسلامه عليه: (واعلموا أن أحداًَ منكم لن يرى ربه حتى يموت)؛ لأن تركيب الخلق كلهم في هذه الحياة الدنيا تركيب ضعيف، ما يستطيع أحد أن يقوم برؤية الله جل وعلا، فإنه لو كشف الحجاب لأحرق نور وجهه وبهائه وجماله كل الخلق، كما قال: (لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره)، وسبحات وجهه أي: بهاؤه وجماله جل وعلا. فالحجب ثابتة كما أخبر رسول الله ﷺ ، وهي حجب حقيقية يجب الإيمان بأن الله جل وعلا احتجب بها عن خلقه.

стр. 272

رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة في يوم القيامة يكشف الله هذه الحجب، فينظر إليه عباده المتقون الأبرار فيرونه، يرون وجهه جل وعلا، وهو أعلى نعيمٍ في الجنة، وقد جاء هذا متواتراً عن رسول الله ﷺ ، وجاء في القرآن، يقول جل وعلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] ثبت في صحيح مسلم من حديث صهيب أن الرسول ﷺ فسر الحسنى بالجنة، والزيادة بالنظر إلى وجه الله جل وعلا، ويقول جل وعلا: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، فهؤلاء المحجوبون عن الله هم الكفرة والفجرة، فإذا حجب الفجرة والكفرة فإن المؤمنين والمتقين يرون ربهم ولا يحجبون عنه. ويقول جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] فـ (ناضرة): بهية جميلة، ظهر بهاؤها ونعيمها. فهي ناضرة من (النضرة)، (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) من النظر، فهي تنظر إلى الله جل وعلا، فهذا أعلى نعيم لأهل الجنة. وقد ثبت عن النبي ﷺ في أحاديث كثيرة أن الصحابة سألوه فقالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: (هل تضامون في القمر ليلة البدر -يعني: ليلة أربع عشرة- ليس بينكم وبينه حجاب؟ قالوا: لا. قال: فإنكم ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر)، فهذا كلام واضح جلي، ولو تكلف أحد من الناس أن يأتي بكلام أبلغ من هذا وأوضح منه وأفصح منه ما استطاع، فالذي ينكر الرؤية بعد هذا قد ضل.

стр. 273

خطر مخالفة أمر النبي ﵊ من ترك قول رسول الله ﷺ فهو على خطر عظيم، بل يجوز أن يكون في جهنم، فقد جاء ما يؤيد هذا عن رسول الله ﷺ ، فجاء في قصة فتح خيبر قضيتان كلاهما تؤيد هذا: الأولى: أن الرسول ﷺ لما خرج من المدينة قال لمن معه: (من كان معه بعير ضعيف أو صعب فليرجع) يعني: من كان معه بعير ضعيف أو صعب لا يستطيع أن يتحكم به فليرجع. فأبى رجل كان معه بعير صعب أن يرجع، فشرد به فسقط فاندق عنقه، فجيء به إلى النبي ﷺ ليصلي عليه فقال: (ماله؟ قالوا: كان على بعيرٍ صعب. فقال لـ بلال: ألم آمرك أن تؤذن في الناس: من كان معه بعير ضعيف أو صعب فليرجع؟ فقال: بلى. أذنت فيهم. فقال: لا أصلي عليه. ثم قال: لا يدخل الجنة من عصى رسول الله ﷺ . الثانية: لما حضر القتال مع اليهود في خيبر صف أصحابه وقال: (لا يقاتلن أحد منكم حتى آمره)، فخرج يهودي ليبارز فانتدب له واحدٌ من المسلمين فقتله اليهودي، فقالوا: شهيد. فجاؤوا به إلى النبي ﷺ فقال (هل قتل بعد ما قلت: لا يقاتلن أحد؟ قالوا: نعم. قال: لا يدخل الجنة من عصى رسول الله ﷺ ، فكيف إذا جاء أمر صريح واضح جلي وخالفه مسلم؟! فإنه على خطر عظيم، فالأمر ليس سهلاً، وكثير من الناس يتساهل في أمر رسول الله ﷺ ، والواجب على المسلم أن يعظّم أمر رسول الله ﷺ أكثر من أمر أي أحد من الخلق، وأن يمتثل أمره ويجتنب نهيه، وإلا فهو على خطر عظيم، فكيف بالذي يخالفه صراحة وعناداً لأجل أن مذهبه لا يتبنى هذا القول فقط؟ فمعنى ذلك أنه قدم إمامه على رسول الله ﷺ ، ومن كان كذلك يجوز أن يذهب به يوم القيامة إلى جهنم ويقال له: اتبع ما كنت تعظمه. ففي يوم القيامة كل من كان يتولى شيئاً يؤتى به فيساقان معاً إلى جهنم. قوله في هذا الحديث: (إنه ليس بينها وبين الله حجاب) معناه: إن الله قريبٌ سميعٌ، إذا دعاه المظلوم استجاب دعوته. وأوقع في الظالم هذه الدعوة التي صدرت من المظلوم. وهذا يدلنا على أن الظلم وإن كان قليلاً فإن الله يستجيب للمظلوم؛ لأن كون الساعي الذي أُمر بأخذ الصدقة يأخذ شاة حسنة جميلة وقد أمر أن يأخذ شيئاً متوسطاً، فهذا أظلم والفرق ليس كثير، فيمكن أن الفرق شاة فقط؛ لأن بعض الشياه تساوي اثنتين، فكون مثل هذا ظلم، مع أنه لا يأخذها لنفسه وإنما يأخذها للفقراء، ومع ذلك يكون ظالماً يستحق أن الله يستجيب لمن أُخذ منه ذلك ويوقع به عقابه، فكيف بالذي يظلم الناس ظلماً صريحاً ليس له فيه شبهة؟ فهذا أحق بأن يعاقب، وأحق بأن يُجاب للمظلوم عليه، وهذا في الواقع محاربة لله جل وعلا، ومن يحارب الله فإن الله يغلبه تعالى الله وتقدس.

стр. 274

سبب عدم ذكر الصوم والحج في حديث معاذ قال الشارح: [واعلم أنه لم يذكر في الحديث الصوم والحج، فأشكل ذلك على كثير من العلماء، قال شيخ الإسلام ﵀: أجاب بعض الناس أن بعض الرواة اختصر الحديث، وليس كذلك؛ فإن هذا طعن في الرواة؛ لأن ذلك إنما يقع في الحديث الواحد، مثل حديث وفد عبد القيس، حيث ذكر بعضهم الصيام وبعضهم لم يذكره، فأما الحديثان المنفصلان فليس الأمر فيهما كذلك. ولكن عن هذا جوابان: أحدهما: أن ذلك بحسب نزول الفرائض، وأول ما فرض الله تعالى الشهادتين، ثم الصلاة، فإنه أمر بالصلاة في أول أوقات الوحي، ولهذا لم يذكر وجوب الحج كعامة الأحاديث، إنما جاء في الأحاديث المتأخرة. الجواب الثاني: أنه كان يذكر في كل مقام ما يناسبه، فيذكر تارة الفرائض التي يقاتل عليها كالصلاة والزكاة، ويذكر تارة الصلاة والصيام لمن لم يكن عليه زكاة، ويذكر تارة الصلاة والزكاة والصوم، فإما أن يكون قبل فرض الحج، وإما أن يكون المخاطب بذلك لا حج عليه. وأما الصلاة والزكاة فلهما شأن ليس لسائر الفرائض، ولهذا ذكر الله تعالى في كتابه القتال عليهما؛ لأنهما عبادتان ظاهرتان، بخلاف الصوم فإنه أمر باطن من جنس الوضوء والاغتسال من الجنابة ونحو ذلك مما يؤتمن عليه العبد، فإن الإنسان يمكنه ألا ينوي الصوم وأن يأكل سراً، كما يمكنه أن يكتم حدثه وجنابته، وهو ﷺ يذاكر الأعمال الظاهرة التي يقاتل الناس عليها. ويصيرون مسلمين بفعلها]. لا يصلح أن يقال: (يذاكر)؛ فالرسول لا يذاكر أحداً، والمعنى: يذكر لهم الأعمال التي يقاتل عليها. قال الشارح ﵀: [فلهذا علق ذلك بالصلاة والزكاة دون الصوم وإن كان واجباً، كما في آيتي براءة نزلت بعد فرض الصيام باتفاق الناس، وكذلك لما بعث معاذاً إلى اليمن لم يذكر في حديثه الصوم؛ لأنه تبع وهو باطن، ولا ذكر الحج؛ لأن وجوبه خاص ليس بعام، ولا يجب في العمر إلا مرة. انتهى بمعناه. وقوله: (أخرجاه) أي: البخاري ومسلم، وأخرجه أيضاً أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه].

стр. 275

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٢٤] لقد أثنى الله جل وعلا على الصحابة في كتابه ثناء كثيراً، وشهد لهم بأنهم مؤمنون متقون سابقون، وأخبر أنه رضي عنهم وأنهم رضوا عنه، كما جاء عن النبي ﷺ في كثير من المناسبات التحذير من بغض أصحابه وسبهم وتنقصهم، وبين أن الذين يبغضون الصحابة هم في الأصل يبغضونه ﷺ ويبغضون ما جاء به من عند الله تعالى.

стр. 276

حديث: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله) قال المصنف ﵀: [ولهما عن سهل بن سعد ﵄ أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه، فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها. فقال ﷺ : أين علي بن أبي طالب؟ فقيل: هو يشتكي عينيه. فأرسلوا إليه، فأتي به فبصق في عينيه ودعا له، فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية فقال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) (يدوكون) أي: يخوضون]. هذا الحديث كسابقه في الصحيحين. قوله: (لهما) أي: للبخاري ومسلم عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن النبي ﷺ قال يوم خيبر: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه، فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبحوا غدوا على رسول الله ﷺ وكل واحد منهم يرجو أن يعطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: هو يشتكي عينيه -أي أرمد- فأرسل إليه فأتي به يقاد، فبصق في عينيه فبرأ، ثم دفع إليه الراية وقال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)، وفسر المؤلف (يدوكون) بـ (يخوضون). غزوة خيبر وقعت في أول السنة السابعة؛ لأن الرسول ﷺ ذهب لعمرة الحديبية في السنة السادسة في ذي القعدة ورجع في ذي الحجة، فحال المشركون بينه وبين دخول مكة أنفة وحمية، وقد ساق الرسول ﷺ إبلاً كثيرة يريد أن ينحرها عند البيت هدياً، فأبوا أن يدخل مكة، فحصل صلح بينه وبينهم بأن توضع الحرب بين رسول الله ﷺ وبين قريش عشر سنوات، فحصلت مهادنة وكتبوا الصلح، وفي هذا الكتاب: من أراد أن يدخل في عقد رسول الله ﷺ وعهده دخل -أي: من قبائل العرب- ومن أراد أن يدخل في عقد قريش وعهدها دخل. فدخل في عهد رسول الله ﷺ بعض القبائل القريبة من مكة، وهم خزاعة، وبعضها دخل مع قريش وهم بنو بكر، ثم بعد انقضاء كتابة الصلح ورجوعه إلى المدينة أنزل الله عليه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١] إلخ السورة، وفيها وعد الله جل وعلا للمسلمين بغنائم يأخذونها، وأنه عجل لهم هذه -لغنائم أشار إليها- فأخبرهم الرسول ﷺ بأن هذه الغنائم هي غنائم خيبر، وأنها قريبة، وأمره الله جل وعلا ألا يخرج معه إلا من حضر الحديبية، ولهذا لما خرج من المدينة أبى على الأعراب الذين جاؤوا يستأذنونه للخروج معه لأمر الله جل وعلا، يقول ابن إسحاق: فبقي رسول الله ﷺ في المدينة بقية ذي الحجة عشرين يوماً وأول المحرم، ثم خرج إلى خيبر، وكانت حالتهم ضعيفة، حتى إن بعض اليهود الموجودين في المدينة لما علموا بذلك صاروا يتعلقون بكل من لهم عليه دين حتى لا يخرج، وحصلت أشياء من هذا القبيل ذكرت في الأحاديث والسير، وكل ذلك ليمنعوا من يستطيعون خروجه إلى أصحابهم. وكان اليهود بالعكس عندهم قوة واستعداد، وقد كانوا يتدربون لما سمعوا بأن الرسول ﷺ سيغزوهم، فصاروا كل يوم يخرجون ألفاً منهم يتدربون على القتال والسلاح الذي معهم، وكانوا يرون أن الرسول ﷺ لا يستطيع لهم لكثرتهم؛ لأنهم يبلغون أضعاف أهل المدينة، وهم أقوياء، ولهم أيضاً حلفاء وهم غطفان. فوصل الرسول ﷺ قرب خيبر بعد العصر، فأمر بالأزواد أن يؤتى بها فلم يوجد إلا السويق، فجئ بالسويق فعجن بالماء فأكل من أكل، وكان عندهم عوز شديد، ثم قال للأدلاء: من الذي يذهب بنا فنأتي خيبر من جهة الشام حتى نحول بينهم وبين حلفائهم. وذكر القصة، وأنه قاتل أول يوم وثاني يوم وثالث يوم.

стр. 277

قصة فتح خيبر كان علي بن أبي طالب ﵁ أرمد، وقد تخلف في المدينة، ثم بعد ذلك لام نفسه وقال: كيف أتخلف عن رسول الله ﷺ ؟ فخرج وهو أرمد راكباً، وفي صحيح مسلم عن سلمة بن الأكوع قال: ما كنا نرجو أن يأتي علي، فلما كانت تلك الليلة إذا هو قد جاء وعيناه لا يرى بهما، فقال النبي ﷺ بعد مضي بعض الأيام في القتال: (لأعطين الراية غداً)، وهذا يدلنا على أن لرسول الله ﷺ راية، وقد جاء أن الراية اتخذت في تلك الغزوة، وأنها سوداء، وأنها من ثوب لـ عائشة ﵂، وأنه مكتوب فيها: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، وجاء أن له لواء أيضاً، وأن لواءه أبيض، وقد تعددت الرايات في تلك الغزوة، حتى صار للأنصار راية ولغيرهم راية، فعندما قال هذه المقالة وهي بشرى، والمسلمون بحاجة إلى الفتح حاجة شديدة؛ لأنهم بأمس الحاجة إلى الطعام، ثم قد أصيبوا بالحمى الشديدة؛ لأن خيبر كانت موبوءة، وهم نزلوا في أرض رطبة بين أشجار نخيل، فأكلوا من بعض الثمار الرطبة الطرية فأصيبوا بالحمى، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فأمرهم أن يبردوا الماء بالقرب، فإذا كانوا بين صلاة المغرب وصلاة العشاء أفاضوه على أنفسهم، فشفوا بسبب ما وصف لهم رسول الله ﷺ . وكان هذا الخبر مفرحاً جداً؛ لأنه قال: (يفتح الله على يديه)، فالفتح يفرحهم، ولكنهم نسوه اشتغلوا عنه بما هو أهم عندهم منه، واشتغلوا بقوله ﷺ في وصف هذا الرجل: (يحبه الله ورسوله)، أما كونه يحب الله ورسوله فهذا وصف للمسلمين كلهم، فالمؤمنون يحبون الله ورسوله، فلا فرق بين واحد وآخر في ذلك إلا تفاوت المحبة على حسب تفاوت الإيمان وقوته، وإنما الشأن عندهم في قوله ﷺ : (يحبه الله ورسوله)، ومعلوم عند الصحابة أن الله يحب المؤمنين ويحب المتقين، وكذلك رسوله، فقد أخبر الله جل وعلا عن ذلك في آيات كثيرة في القرآن، ولكن سبب حرصهم على هذا أن الرجل عين بعينه، وكل يحب أن يعينه الرسول ﷺ بالشهادة له بمحبة الله أو الشهادة له بالجنة؛ لأن الإنسان لا يثق بعمله مهما كان اجتهاده، ومهما كانت قوة إيمانه، فإنه يجوز على الإنسان أن يخالف بعض المخالفات فيبطل عمله، أو أن الله جل وعلا يرد عمله ولا يقبله، قال عبد الله بن عمر: لو أعلم أن الله تقبل مني حسنة لتمنيت الموت؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧]. فإذا شهد للإنسان بالتقوى وتيقن ذلك أحب أن يلقى الله على هذه الصفة، فلما سمعوا هذا الكلام فمن شدة حرصهم على الخير ورغبتهم فيما عند الله صار كل يتطلع إلى أن تدفع إليه الراية، وجاء في صحيح مسلم أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: ما أحببت الإمارة إلا ذلك اليوم. وقال: لقد رأيتني أمام رسول الله ﷺ أتطاول لعله يراني فيدفع إلي الراية. ما هو لأجل أن يكون قائداً، أو يكون أميراً، بل لأجل هذا الخبر، أنه (يحبه الله ورسوله)، وكلهم أراد هذا، وهذا دليل واضح على مسابقة الصحابة رضوان الله عليهم إلى ما يحبه الله ورسوله، وإلى ما وعد الله جل وعلا به في الآخرة، وعدم رغبتهم في الدنيا، هذه صفتهم رضوان الله عليهم.

стр. 278

ثناء الله على الصحابة والتحذير من بغضهم وسبهم وقد أثنى الله جل وعلا على الصحابة في كتابه ثناءً كثيراً، وشهد لهم بأنهم مؤمنون ومتقون وسابقون، وأخبر أنه رضي عنهم وأنهم رضوا عنه، قال الله جل وعلا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٢٩]، وليست السيما التي تكون في الجبهة مختلفة اللون عن لون الجلد، ليس هذا هو المقصود، إنما المقصود بالسيما أثر الخشوع والذل والخضوع والنور الذي يعلو وجوههم من الإيمان ومتابعة الرسول ﷺ . وقد أخبر الله جل وعلا نبيه بأنه سيأتي من يسب أصحابه ويلعنهم، فروي عنه أنه قال: (إذا لعن آخر هذه الأمة أولها فمن كان عنده علم فليظهره) يعني: علم في ذلك. وإن كان العلم يجب أن يظهر دائماً، ولكن عند الحاجة يتعين أكثر. وقد حذر النبي ﷺ من بغضهم ومسبتهم وقال (الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم)، وهذا هو الواقع، فالذين يبغضونهم إنما يبغضون رسول الله ﷺ ، ولكن لا يجرؤون أن يصرحوا بأنهم يبغضون رسول الله ﷺ ، فيصبون البغض على الصحابة، وإلا فالواقع أن البغض يقع للرسول وللإسلام؛ لأن الواسطة بين الأمة وبين الرسول ﷺ هم الصحابة، فهم الذين نقلوا الإسلام إلينا، وهم الواسطة بيننا وبين رسولنا ﷺ ، فإذا كانوا -كما يزعم الضلال- كفرة مرتدين أصبحنا نحن ضالين؛ لأننا أخذنا ديننا عن كفار، وهذا هو المقصود من الطعن فيهم، فهذا شيء من صفتهم. وتوجد أشياء كثيرة يجب على المسلم أن يتعرف عليها، فالمسلم اليوم يغزى من كل مكان، وتدبر له المؤامرات لصده عن دينه، فيجب عليه أن يتعرف على سيرة رسول الله ﷺ ، وسيرة من كان يناصره ويواليه ويقاتل بين يديه بأمر الله جل وعلا ويبذل ماله ونفسه حتى أظهر الله جل وعلا هذا الدين، فيتولى الصحابة، ويصبح ممتثلاً أمر الله في قوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]، فيجب أن يكون المسلم بهذه الصفة وعلى هذا النهج الذي بينه الله جل وعلا، وإلا فهو على خطر عظيم، وقد يكون ممن كفر بالله جل وعلا، ولهذا يقول الله : ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩] يقول الإمام مالك ﵀: من غاضه شأن الصحابة فهو كافر؛ لقوله جل وعلا: (لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ). وهو شيء ظاهر من الآية.

стр. 279

حرص الصحابة على الخير لما قال النبي ﷺ للصحابة: (لأعطين الراية غداًَ رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله) باتوا يدوكون ليلتهم، وما ناموا، ومعنى (يدوكون) يخوضون ويتساءلون: من ترون سيعطاها؟ ومنعهم ذلك من النوم، فصاروا يشتغلون بهذا، وكل واحد يرجو أن يكون هو الذي تدفع إليه، فنسوا بشارة النبي ﷺ بالفتح، ثم لما غدوا إليه في الصباح كان كل واحد عنده أمل أن تدفع إليه الراية حتى يكون هو الذي يحبه الله ورسوله، ولكن لم تحصل لواحدٍ من الحاضرين، فقال الرسول ﷺ : (أين علي بن أبي طالب؟) يسأل عنه، وهذا يدلنا على أن الرسول ﷺ لا يعلم الغيب، ولا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله، وما عرف أن علي بن أبي طالب كان أرمد يشتكي عينيه، ولهذا سأل عنه: أين هو؟ واستبعد أن يكون ليس في الحاضرين، ولكن غاب لسبب، فأخبروه فقالوا: هو يشتكي عينيه. فأرسل إليه، وفي صحيح مسلم أن الذي ذهب وجاء به هو سلمة بن الأكوع، جاء به يقوده وهو لا يرى شيئاً؛ لأنه أرمد العينين، فأحضره بين يدي رسول الله ﷺ ، فتفل في عينيه فزال الألم، وصار ينظر كأحسن ما يكون، وجاء عن علي ﵁ أنه قال: بعد تفلة رسول الله ﷺ لم أشتك عيني، ولم أشتك الصداع. ما أصيب بمرض العينين ولا مرض الصداع لبركة تفلة الرسول ﷺ ودعائه، فتفل في عينيه ودعا له فبرأ وزال عنه المرض، وهذه علامة من علامات النبوة، وآية من آيات الله، وإلا فغير النبي ﷺ لو تفل في عين إنسان أرمد لزاد مرضه، وكذلك كونه أخبر بأنه يفتح الله على يديه، وهذه بشارة وعلم آخر من أعلام النبوة.

стр. 280

الدعوة إلى الله قبل القتال لما برأ علي دفع إليه النبي ﷺ الراية وقال له: (امض على رسلك) يعني: على تؤدة وسكينة بغير عجلة ولا صراخ ولا صياح (حتى تنزل بساحتهم -وفي رواية ولا تلتفت-) حتى يكون هذا دليل التصميم وقوة العزيمة وعدم النكوس، ولهذا لما أخذ علي ﵁ الراية وسار قليلاً وقف فصرخ: علام أقاتلهم يا رسول الله؟! فقال: (امض على رسلك حتى تنزل بساحتهم، فإذا نزلت بساحتهم فادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه) أي: من حق الله في الإسلام. وهذا هو المقصود في القتال والدعوة إلى الله جل وعلا، من أجل أن الكفار يدخلون في الإسلام ويعرفون حق الله الذي عليهم، وهو ما ذكر في الحديث الذي قبل هذا، أن يشهدوا ألا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويصوموا، ويحجوا، هذا هو المطلوب منهم، فإذا امتثلوا ذلك واستجابوا له وجب الكف عنهم، وصاروا مسلمين لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، فيترك المجاهدون أموالهم وبلادهم، ولا يجوز أن يتعرضوا لهم بشيء، وفي هذا دليل واضح على وجوب الدعوة إلى الله جل وعلا، وأن الدعوة تكون إلى الإسلام أولاً، إلى الأصول، إلى شهادة ألا إله إلا الله كما سبق، ولهذا قال: (ادعهم إلى الإسلام)، ولا يمكن أن يكون الإنسان مسلماً حتى يشهد ألا إله إلا الله، وقبل أن يشهد ألا إله إلا الله فإن صلى وتصدق وعمل أي عمل من أعمال البر ما يقبل منه، ولا يعتد به حتى يشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وفي هذا دليل على أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى يجب أن يدعوا إلى شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولا بد أن يشهدوا أن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، بالإضافة إلى شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وهكذا كل من كان يدين بدينٍ قد اتخذه مصدر ديانة وتمسك به وزعم أنه هو الحق، فلابد أن يبرأ منه مع شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولكن هنا ما ذكر ذلك لأسباب، منها: أن اليهود علموا علماً يقينياً بصدق رسول الله ﷺ وبما جاء به، ومع ذلك ما اكتفى صلوات الله وسلامه عليه بأن يقاتلهم دون دعوة، بل دعاهم قبل المقاتلة، وهذه الدعوة التي تكون قبل المقاتلة قال العلماء فيها: إنها ليست حتماً واجباً على الإمام قبل المقاتلة إلا إذا لم تبلغهم الدعوة، أما إذا كانت الدعوة قد بلغتهم فيجوز مداهمتهم وأخذهم على غرة، وقتل من يقاتل منهم، وسبي الأموال والذرية، ثم بعد ذلك إذا أسلم من أسلم منهم فهو في حكم المماليك. والدليل على هذا أن رسول الله ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارّون -أي: غافلون- يسقون على مياههم، فما علموا برسول الله ﷺ حتى دهمهم وأغار عليهم، وقتل مقاتلتهم وسبى أموالهم وذريتهم؛ لأن الدعوة قد بلغتهم، وكان قد بلغه أن رئيسهم يجمع لرسول الله ﷺ يريد مقاتلته، فباغته الرسول ﷺ قبل ذلك، وهذه سنته صلوات الله وسلامه عليه التي سنها لأمته، إذا علم أن قوماً يستعدون لقتاله فإنه يغزوهم في بلادهم قبل أن يغزوه؛ لأن الذي يغزى في بلاده يذل، وفي الأثر: (ما غزي قوم في بلادهم إلا ذلوا)، فالنبي صلوات الله وسلامه عليه يفعل ذلك امتثالاً لأمر الله. وقوله: (حتى تنزل بساحتهم) الساحة: هي الفناء القريب من البيوت. حيث يسمعون الكلام ويتحققونه إذا دعاهم وكلمهم، فأمره ألا يكلمهم حتى يكون قريباً منهم ليتحققوا كلامه، وأنه لا يبدأهم بالقتال، بل يدعوهم أولاً إلى الدخول في الإسلام، وأن يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويخبرهم بما هو حق لله عليهم في الإسلام، وهو ما ذكرنا من وجوب الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم والحج، وغير ذلك مما هو فرض متعين، وهذه الأمور الخمسة هي أركان الإسلام التي لا بد منها، ثم إن مما يخبرهم به أنهم إذا قبلوا ذلك فإنه يكف عنهم، ويتركهم وبلادهم وأموالهم، ولا يكون له عليهم من سبيل.

стр. 281

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٢٥] حديث سهل بن سعد في بيان (لا إله إلا الله) والدعوة إليها حديث عظيم، جمع من أخلاق التعامل مع الأعداء ومن الفضائل الشيء الكثير، وفيه بيان فضل هداية الناس ودعوتهم، وأن هداية الناس إلى الدين ليست أمراً سهلاً؛ فعلى الإنسان عندما يدعو الناس إلى الله أن يستحضر ما في ذلك من الفضل والأجر العظيم.

стр. 282

حديث: (لأعطين الراية) في بيان الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولهما عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه. فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبحوا غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقيل: هو يشتكي عينيه. فأرسلوا إليه، فأتي به فبصق في عينيه ودعا له. فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية فقال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) يدوكون: أي: يخوضون]. مضى الكلام على هذا الحديث، وبقي قوله: (انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)، والحديث سيق من أجل وجوب الدعوة إلى الإسلام وإلى توحيد الله جل وعلا. ولا شك أن الله جل وعلا كلف عباده بعبادته، ومن عبادته جل وعلا الدعوة إليه، بل هذا من أفضل العبادة، كون الإنسان يدعو إلى الله على بصيرة. ولا يكون الإنسان له نصيب وحظ من اتباع رسول الله ﷺ حتى يأخذ شيئاًَ مما كان يتحلى به صلوات الله وسلامه عليه من الدعوة إلى الله تعالى؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]، فأتباعه كذلك يدعون إلى الله على بصيرة، أما الذي يتخلى عن الدعوة نهائياً فليس من أتباعه في الحقيقة، وإن كان من أتباعه في الظاهر؛ لأن أتباعه في الحقيقة هم الذين يناصرونه في دعوته ويترسمون خطاه. وقوله هنا: (انفذ على رسلك) مضى أن هذا يدل على أن المسلم يكون عنده الطمأنينة والسكينة وعدم الخوف من الخلق؛ لأنه يكون واثقاً بوعد الله جل وعلا وبنصره، ولأنه متيقن أنه يحصل على إحدى الحسنيين، إما النصر والتأييد في الدنيا والظفر، وإما الشهادة والفوز بها عند الله جل وعلا. وكان الصحابة رضوان الله عليهم يستبشرون بأن يفوز أحدهم بالشهادة، فإذا قتل أحدهم قالوا: هنيئاً لك الشهادة، وإذا حصل لأحدهم شيء من هذا القبيل قال: فزت ورب الكعبة. فكانوا يتمنونها ويطلبونها؛ لأنهم واثقون بوعد الله جل وعلا، فلهذا لا يكون عنده طيش، ولا يكون عنده خوف، وإنما يكون على تؤدة وبأدب وسكينة، ولهذا قال: (امض على رسلك حتى تنزل بساحتهم)، وساحة القوم: هي ما يقرب من أفنية بيوتهم، فناء البيت الذي أمامه قريباً منه، بمعنى أنك تصل إليهم حتى تسمع كلامهم ويسمعون كلامك حينما تدعوهم، فتسمعهم وتسمع جوابهم وما يردون عليك.

стр. 283

شهادة أن لا إله إلا الله مفتاح الواجبات ثم قال: (ثم ادعهم إلى الإسلام)، والدعوة إلى الإسلام هي الدعوة إلى شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله كما مضى، ولا يدخل الإنسان في الإسلام إلا بهذا، وإن كان من مثل هؤلاء الذين يزعمون أنهم أهل علم وأهل كتاب، فلا بد أن يدعون إلى شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسوله الله، ومضى أن معنى شهادة ألا إله إلا الله: العلم اليقيني الذي يكون في القلب ثم يتلفظ به اللسان؛ لأن الله جل وعلا هو المعبود وحده، وأنه لا يتوجه بعبادته قلباً وقالباً إلا إلى الله وحده -تعالى وتقدس-، ثم يلزم على هذا أن يأتي بكل ما كلفه الله جل وعلا وفرضه عليه على لسان رسوله ﷺ ، وهذا هو الذي يقصده صلوات الله وسلامه عليه بقوله: (وأخبرهم، بما يجب عليهم من حق الله فيه)، فهذه الشهادة إذا تشهدوها وقالوها يخبرهم بالواجب الذي يكون عليهم، والواجب الذي يكون عليهم بعد أداء هذه الشهادة والعلم بها والارتباط بها ومحبتها وقبولها والاستسلام لها والانقياد لها أن يقيم الصلاة، ويؤدي الزكاة المفروضة طيبةً بها نفسه، راجياً ثواب الله، خائفاً -لو منعها- أن يعاقبه الله جل وعلا. وكذلك الصوم، أن يصوم رمضان، ويحج إلى بيت الله الحرام في عمره مرة، هذا هو الحق الذي يجب على من دخل في الإسلام، أما ما عدا ذلك فليس بواجب، إنما هو تطوع، فإذا جاء به فإنه يكون له الثواب عند الله جل وعلا، الحسنة بعشر أمثالها، وإن لم يأت به لا يطالب ولا يعاقب، بشرط أن يأتي بهذه الأمور الخمسة شاملة غير منقوصة، فإن نقص منها شيء فأمره إلى الله جل وعلا يحاسبه على ذلك، إن شاء عفا عنه وإن شاء أخذه به. أما شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فلا بد منها لكل من يدخل الإسلام، ولا بد من العلم بها والعمل بمقتضاها، ولا يجوز أن يجهلها المسلم، فإن جهلها فاللوم عليه، وهو غير معذور؛ لأن الله جل وعلا أرسل رسوله بها صلوات الله وسلامه عليه، وأنزل كتابه شارحاً لها ومبيناً لها، فيجب على المسلم أن يتعرف على ذلك، على أمر الله فيها، ولا يسعه الجهل في ذلك، فالذين يصدون عن مقتضى ذلك ويأتون بما يناقضه من كونهم يعبدون أمواتاً لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، ويتوجهون إليهم بالدعاء، والاستغاثة بهم وطلب الحاجات، ويطلبون النصر على الأعداء منهم فإن هذا يناقض شهادة ألا إله إلا الله تمام المناقضة، وإذا زعم أنه وجد الناس على هذا وما وجد من يبين له فالجواب أنه معرض عن دين الله، ولا يلزم الإنسان أن يأتيك ليبين لك، بل أنت يلزمك أن تتعرف على رسالة رسول الله ﷺ وما كلفك الله به من عبادته، يجب على كل إنسان ذلك. ولهذا إذا وضع الإنسان في قبره فكل مقبور يأتيه الاختبار يسأل ثلاثة أسئلة إن أجاب عنها سئل عن البقية وإلا عذب لأنه هالك، يقال له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ والمعنى أنه يقال: من الذي كنت تعبده؟ وبأي شيء كنت تعبد؟ وعمن أخذت هذه العبادة التي تتعبد بها؟ هذه الأسئلة لابد منها لكل إنسان، وإذا قال: أنا وجدت أهل بلدي. أو وجدت الشيخ الفلاني يقول لي كذا وكذا فهذا ليس جواباً وليس عذراً، فأهل البلد والناس كلهم ليسوا رسلاً، وإنما الإنسان مكلف باتباع الرسول ﷺ ، ومكلف بمعرفة كتاب الله جل وعلا، ولهذا أخبر جل وعلا أنه أنزل الكتاب عربياً مبيناً، أي: بيناً واضحاً. فمن عرف اللغة لابد أن يعرف المعاني، وإن كان القرآن فيه معانٍ دقيقة ومعانٍ جليلة ومعانٍ كثيرة، ولكن الظاهر من الخطاب كل من عرف اللغة يعرفه، وهذا هو المطلوب من كل أحد، أما ما وراء ذلك من الدقائق والأمور التي تتطلب الفهم فهذه إلى العلماء، وليست لعامة الناس، وإذا كان الإنسان محتاجاً إلى ما يكون من نصيب العلماء فقد أمر الله جل وعلا بسؤالهم فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] أما ما يعم الناس فكلهم يستطيع أن يدركه، بشرط أن يعرف اللغة التي نزل بها القرآن، والعلماء يذكرون أن من الواجب المتعين على كل مسلم أن يعرف اللغة العربية؛ لأنه لا يفهم عن الله وعن رسوله ﷺ إلا إذا عرف اللغة.

стр. 284

أحكام ما بعد الشهادتين ثم إذا أجابوه إلى هذا فالقتال ينتهي ويتوقف، ولا يقاتلهم، بل أصبحوا إخواناً للمسلمين لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، فينصرفون عنهم ويتركونهم وبلادهم، أما إذا أبوا فلابد من المقاتلة. ثم بعد هذا يقسم صلوات الله وسلامه عليه: (والله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)، وقسم الرسول ﷺ هنا لتعظيم الأمر وتضخيمه لدى السامع، وإلا فالرسول ﷺ صادقٌ مصدوق فيما يخبر به، لو أخبر بخبر بدون قسم يجب قبوله وتصديقه، ولكن جاء بالحلف والقسم لتعظيم الأمر حتى يُتنبه له ويرغب فيه. فهداية رجل واحد خيرٌ لمن دعا إلى الهدى من حمر النعم، وحمر النعم هي النوق الحمر، وهي أنفس ما لدى العرب من الأموال، والمعنى -كما يقول العلماء- أن هداية رجل واحد خيرٌ لك من أموال الدنيا وما طلعت عليه الشمس، ثم الأمر مثلما يقول النووي ﵀ في شرحه لهذا الحديث، يقول: هذا تمثيل تقريبي للأفهام، وإلا فذرةٌ من الآخرة تساوي ما في الأرض ومثله معه. يعني أن الأموال التي في الدنيا لا تساوي هداية الرجل الذي يهتدي على يدي الداعية، بل ولا ما هو أقل من ذلك، بل إنما هذا هو تقريبٌ للأفهام، ومن المعلوم أن الناس يحرصون على أمور الدنيا، ويرغبون فيها، وأكثرهم يزهد في أعمال الآخرة، فيحتاجون إلى تبيين وإيضاح وإلى ضرب الأمثال، من أجل ذلك جاء ضرب المثل؛ لأن أكثر الناس تكون رغبته وتعلقه في أمور الدنيا، ويغفل عن أمور الآخرة. فقد جاء أن مكان سوط في الجنة أفضل من الدنيا مائة مرة؛ لأن الدنيا زائلة وذاهبة، ومهما حصل للإنسان من الأموال والأغراض التي يريدها فسوف تنقطع وتذهب كأن لم تكن، بخلاف ما يحصل عليه من أسباب رضا الله جل وعلا، فإنه يوصله إلى السعادة الأبدية التي لا تفنى، ومعلوم أن الإنسان يتنقل من دار لأخرى، وجعل في هذه الدار ليزرع ويعمل ثم يموت، فلابد من الموت، وبعد الموت يكون جزاؤه على قدر عمله في هذه الحياة، إن كان امتثل أمر الرسول ﷺ وأطاع الله جل وعلا فهو السعيد الذي يلقى ما لا عين رأته، ولا أذن سمعت به، ولا خطر على قلب بشر، أما إذا كان أطلق لنفسه العنان وأصبح لا يبالي بطاعة رسول الله ﷺ واتباعه فإنه أمده قصير ومرجعه إلى الله، وسوف يعذبه العذاب الذي لا يتصور، فعذاب الله ليس كعذاب الخلق، الخلق مهما أوتوا من البطش والظلم. ومن عدم الرأفة والرحمة فإن عذابهم ينقطع بموت المعذب، فمهما أوجدوا له من أنواع العذاب سوف يموت، ولكن رب العالمين يعذب بغير موت، يعذبه العذاب الذي لا يطاق، ولا يأتيه الموت، بل كما يقول الله جل وعلا في وصف المُعذب: ﴿يَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم:١٧] يعني: أسباب الموت تأتيه متنوعة ولكن لا يموت فيها ولا يحيا، لا حياة ولا موت، عذاب أبدي: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦]، وهذا أبد الآباد ما دامت السماوات والأرض، وينساهم الله جل وعلا في جهنم، نارٌ أوقد فيها حتى صارت لا تطاق: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]. إذا قال الله جل وعلا: خذوه -أي: المجرم- تبادره من الملائكة من لا عدد لهما -فما يعلم عددهم إلا الله- أيهم يأخذه ويلقيه في جهنم. فالمقصود أن الإنسان أعد لأمر عظيم: قد هيأوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل الإنسان خلق لأمر عظيم، خلق للجنة أو للنار، ولهذا الناصح الأمين صلوات الله وسلامه عليه يقول: (لا تنسوا العظيمتين الجنة والنار) لا يجوز للعاقل أن ينساهما؛ لأن مصيره إلى واحدة منهما ولابد، لا يوجد مكان ثالث، إما أن تكون في الجنة أو تكون في النار فقط، ثم بعد هذا إذا استقر الإنسان في واحدة منهما يجاء بالموت في صورة كبش، فيقال لأهل الجنة: يا أهل الجنة فينظرون ويشرئبون وهم يرجون فضلاً على فضل، فيقال لهم: أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم. هذا الموت. ثم ينادى أهل النار: يا أهل النار فيشرئبون كأنهم يرجون فرجاً، فيقال لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم. هذا الموت. فيذبح بين الجنة والنار، ويقال: خلود ولا موت. انتهى الموت، فلو أن أحداً يموت من الحسرة منهم لماتوا عند ذلك؛ لأنهم يطلبون وينادون: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧]، فمالك خازن النار يدعونه: ((ليقضِ علينا ربك)) أي: ليمتنا حتى نرتاح من هذا العذاب. جاء أنهم يدعون سنين طويلة، وبعد آلاف السنين يقال لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] فالجواب يأتي بعد وقت طويل جداً جواباً شديداً جداً: ((اخسئوا فيها ولا تكلمون))، فعند ذلك لا يبقى إلا الزفير والشهيق، ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود:١٠٦] خالدين أبداً. فكيف يهنأ الإنسان بالنوم والأكل والضحك وهو يعرف أن مصيره إلى هذا؟! إن الأمر مثلما قال أحد السلف لما كان يبكي ويدع النوم فعوتب على البكاء فقال: والله لو توعدني ربي أن يسجنني في حمام لحق لي أن أبكي وأن أقلق، فكيف وقد توعدني إن عصيته أن يسجنني في جهنم،؟! والإنسان ما له عمر آخر، فإذا مات وانقضت حياته لا يعود. فإذاً لابد إذا كان له نصيب من السعادة أن يقبل عن الله وعن رسوله ﷺ بكل ما يستطيع.

стр. 285

فوائد من هذا الحديث
следующие страницы →