← Акыда

Акыда · id 37166

شرح فتح المجيد للغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (2 090 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الواجب على المؤمن أن يكون واثقاً بالله وهكذا المؤمن يجب أن يكون قوياً واثقاً بالله، ويكون أيضاً ضعيفاً إلى ربه جل وعلا ومستنصراً يدعوه بكل افتقار ولهف، كما كان صلوات الله وسلامه عليه كذلك، فإنه يوم بدر صار يمد يديه إلى السماء ويقول: (يا رب يا رب! وعدك الذي وعدتني، يارب! أنجزني وعدك) حتى سقط رداؤه من على كتفه من شدة مبالغته في رفع يديه في الدعاء، فأخذ رداءه أبو بكر ووضعه على كتفيه، وقال: حسبك مناشدتك لربك، والله! لينصرنك الله. وهذا ثقة بوعد الله جل وعلا؛ لأنه وعد رسوله والمؤمنين بالنصر.

стр. 317

فضل الجهاد والشهادة في سبيل الله وعلى كل حال فالجهاد في سبيل الله أفضل الأعمال، كما قال صلوات الله وسلامه عليه في الإسلام: (وذروة سنامه الجهاد) فذروة سنام الإسلام هو الجهاد في سبيل الله، أي: أعلى خصال الإسلام الجهاد في سبيل الله. ومن دخل الجنة لا يتمنى أن يرجع إلى الدنيا إلا الشهيد؛ فإنه إذا رأى من الكرامة التي أعدت عند ربه يتمنى أنه يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى حتى يحصل له أيضاً مما يرى من الشيء العظيم، أما غيره من الأموات من أهل الخير فإذا مات فما عند الله خير له مما خلف، فلا يتمنى الرجوع إلى الدنيا.

стр. 318

الدعوة إلى الله تكون بالجهاد وبغيره ثم إن الدعوة إلى الله مطلقة في غير الجهاد على حسب طاقة الإنسان، فيتعين على المسلمين أن يقوموا بها، فإذا قام بها من يكفي تسقط عن البقية وإلا أثموا جميعاً، وأهم من يقوم بهذا هم أهل المقدرة في المال، وكذلك من كان في السلطة، فهؤلاء الذين يستطيعون أن يقوموا بهذا، فإذا لم يقوموا بهذا فإنه أيضاً واجب على جميع المسلمين كل بحسبه وقدرته.

стр. 319

أجر الداعي إلى الله جل وعلا وإثم الداعي إلى الضلال فيجب أن يدعو الإنسان إلى الله ، وفي الدعوة الخير الكثير. ومما بين لنا صلوات الله وسلامه عليه في هذا الحديث قوله (فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) أي: خير لك من النوق الحمر، وهذا في وقته صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن في وقته كان أفضل الأموال وأنفسها هي النوق الحمر، أما في هذا الوقت فقد تغير الحال، وكما قال النووي: هذا تقريب للأذهان فقط، وإلا فذرة من أمور الآخرة خير مما طلعت عليه الشمس. يعني: خير من الأرض كلها وما عليها، وإنما يقول صلوات الله وسلامه عليه ذلك تقريباً للأفهام فقط، يقول: لرجل يهتدي على يديك فيدخل في الإسلام خير لك من الدنيا لو قدر أنها تحصل لك هذا معنى الكلام، وذلك أن بهدايته يحصل لك من الأجر مثل الأجر الذي يتحصل عليه هو من غير أن ينقص من أجره شيء، وزيادة في ذلك أنك أنقذت إنساناً من النار. وقد قال الله جل وعلا في قتل الأنفس: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة:٣٢] أي أن الذي يحيي النفس كأنما أحيا الناس جميعاً، وليس المقصود بالحياة هنا البعث بعد الموت، فهذا ليس إلى الخلق، ولكن المقصود أن يحول بينها وبين الموت، ومن أعظم الموت موت الكفر، فكل إنسان كافر فإنه ميت، وإذا دخل في الإسلام فقد حيي، كما قال جل وعلا: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] يعني: كان ميتاً كافراً فأحياه الله بالهداية إلى الإسلام، وجعل له نوراً يهتدي به إلى الله. فمن اهتدى على يده رجل يكون بهذه المثابة، وكأنما أحيا الناس جميعاً، كما أن الذي يضل على يديه رجل فيخرج من الإسلام إلى الكفر فإن يكون كأنه قتل الناس جميعاً، فبدل كونه يحصل على الفضل يحصل على الإثم العظيم، وذلك أن الله جل وعلا خلق الناس لعبادته وبين لهم طرق الخير وطرق الشر، وجعل الأمر إليهم باختيارهم؛ لأن هذا هو الذي يستحق عليه الإنسان الثواب أو العقاب، فإذا فعل الخير واقتدى بالرسول ﷺ واتبعه استحق الجنة والثواب العظيم، أما إذا أبى وزُين له سوء عمله وصُد عن هدى الله فإنه لن يعجز الله، وله العقاب الشديد الذي ينتظره بعد الموت. وقد بين ربنا جل وعلا لنا شيئاً من ذلك، أخبر أن الكفار لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها شيئاً، بل يبقون خالدين فيها أبداً ما دامت السماوات والأرض، وجهنم نارٌ تتلظى لا ينطفئ لهبها ولا ينقطع عذابها -نسأل الله العافية! - كما قال سبحانه: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦] والإنسان لو سقط في النار لحظات لمات، ولكن في الآخرة ليس هناك موت، والله جل وعلا القادر على كل شيء يمنع الموت منه، وإلا فالموت يأتيه من كل مكان، ولهذا ينسى الدنيا، وينسى كل ما حصل له من النعيم؛ ولهذا يخبرنا ربنا جل وعلا أنهم إذا وقفوا بين يدي الله يسأل بعضهم بعضاً: كم لبثتم في الدنيا في الأرض؟ فواحد يقول: لبثنا يوماً وبعضهم يقول: لبثنا ساعة، وواحد يقول: لبثنا بعض ساعة. لأن هذا العذاب العظيم لا يُتصور أنه مثل عذاب الدنيا، وهكذا النعيم لا يتصور أنه مثل نعيم الدنيا، بل هو أعظم بمرات، لكن هذا من باب التقريب للأذهان والأفهام، ثم إن الإنسان ليس له أن يقول: لست مكلفاً بالدعوة. كلا، بل الله كلفك، والرسول ﷺ يقول: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، وهل هذا يخص قوماً دون قوم أم يعم الأمة كلها؟ يعم الأمة كلها.

стр. 320

الواجب على الداعي إلى الله جل وعلا يجب على الذي يدعو أن يكون عارفاً بالدعوة، وأن يكون عالما ً بما يدعو إليه، عالماً بأن هذا منكر فيدعو إلى تركه، وأن هذا معروف فيدعو إليه، ولا يدعو بالعادات أو بالجهل؛ فإنه إذا كان بهذه المثابة فإنه يفسد أكثر مما يصلح، بل يجب أن يبدأ بنفسه فيعرف دين الله، فإذا عرفه فلا يقتصر على نفسه، وإنما يدعو الخلق على حسب حاله، والله جل وعلا لم يكلف الإنسان شيئاً لا يستطيعه، فإن استطعت أن تغير بيدك فذاك إليك، وإن لم تستطع فبلسانك، فإن لم تستطع فاسكت عنه، ويبقى الإنكار في القلب، فهو كراهة المنكرات وبغضها وكراهية أهلها وبغضهم، هذا هو إنكاره في القلب، وهذا لا يسقط بحال من الأحوال؛ لأن القلب ليس لأحد عليه سلطة. فالمقصود أن الدعوة واجبة على حسب المقدرة، وبحسب الحال، سواء كانت دعوة الكفار أم دعوة الفسقة والعصاة، كلٌ على حسب المقام والوضع والمكان الذي أنت فيه، ولو أن المسلمين تظافروا على الدعوة إلى الله لتبدلت مجتمعاتهم خيراً، ولكانت أحوالهم أحسن من أحوالهم اليوم، ولكنهم يتساهلون في هذا أو يقصرون فيه أو يجهلونه أو لا يبالون به فحصل بذلك التقصير والنقص كما هو الحال، والله المستعان.

стр. 321

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٢٧] الدعوة إلى الله طريق من اتبع الرسول ﷺ ، والإخلاص من أهم مقومات هذه الدعوة، كما أن الدعوة إلى الله على بصيرة من الفرائض، وباب الدعوة إلى الله يستخرج منه الكثير من الفوائد والأحكام، جمع بعضها المصنف في مسائل هذا الباب.

стр. 322

مسائل باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله قال المصنف ﵀: [فيه مسائل: الأولى: أن الدعوة إلى الله طريق من اتبع رسول الله ﷺ ]. هذا مأخوذ من قوله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]، فكل من كان له نصيب من اتباع الرسول ﷺ فلابد أن يكون له نصيب من الدعوة حسب اتباعه، فإن كان اتباعه كاملاً كانت دعوته إلى الله كاملة، وإن كان الاتباع فيه نقص فستكون الدعوة فيها نقص؛ لأنه سبحانه قال: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] يعني: ومن اتبعني يدعو إلى الله علي بصيرة. وهذا يدلنا على أن الداعي إلى الله يجب أن يكون في دعوته على بصيرة. والبصيرة هي العلم فيما يدعو إليه، وكذلك هي الفهم والفقه في هذا الأمر، فيجب عليه أن يُرجع الأمور إلى القواعد الشرعية والكليات التي جاء بها الرسول ﷺ ، ولا يكون على حسب ما يزين له نظره يتخبط تخبطاً، فإن هذا لن تنجح دعوته، ثم على هذا ستكون الجدوى فيها قليلة، وقد لا يكون مأجوراً فيها.

стр. 323

الدعوة إلى الله جل وعلا يجب أن تكون خالصة له [الثانية: التنبيه على الإخلاص؛ لأن كثيراً من الناس لو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه]. هذا مأخوذ من قوله: ﴿أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:١٠٨]، فقوله: ((إلى الله)) يدلنا على أن الدعوة يجب أن تكون لله، ولا تكون للأنفس ولا للمصالح ولا لغير ذلك، فهنا يقول: فيه التنبيه على وجوب الإخلاص في الدعوة؛ لأن كثيراً من الناس وإن كان ظاهر دعوته أنها إلى الله فهي إلى نفسه، كأن يريد -مثلاً- أن يتبوأ منصباً عندهم، أو أن يعرفوه، أو أن يقال: إنه عالم. أو إنه داعية. أو ما أشبه ذلك مما هو من حظوظ النفس؛ لأن النفس تحب الترأس، وتحب أن ترتفع على الناس وأن يكون لها مقام في قلوبهم، فإذا كان الإنسان يريد هذا الأمر فبئس ما أراد، وستكون دعوته إلى نفسه، وإذا وقف بين يدي الله فسوف يكون ممن ذكر في الحديث الذي في الصحيح: (أول من تسجر بهم النار ثلاثة: رجل قتل في سبيل الله، والآخر أنفق أمواله في سبيل الله -يعني: في الظاهر- وعالم أو متعلم، فيؤتى بالعالم ويقرر بنعم الله عليه، فيقول الله جل وعلا: ماذا صنعت؟ فيقول: يارب! تعلمت فيك العلم وعلمته. فيقول الله: كذبت. وتقول: الملائكة كذبت. ولكنك تعلمت ليقال: هو عالم، فقد قيل. فيؤمر به فيسحب إلى النار)، فهؤلاء ثلاثة أعمالهم من أفضل الأعمال، المجاهد والمتصدق والمتعلم (فيؤتى بالمجاهد الذي قتل في سبيل الله -في الظاهر- فيقرره الله جل وعلا بنعمه فيقر بها، فيقول الله: ماذا عملت؟ فيقول: يا رب! بذلت نفسي في سبيلك حتى قتلت في سبيلك. فيقول الله: كذبت -والله علام الغيوب يعلم ما في قلبه وما في نيته- ولكنك قاتلت ليقال: هو جريء، هو شجاع. فقد قيل) يعني: قد لقيت أجرك وأخذت نصيبك من العمل، وهو قول الناس وقول الناس قد ذهب وانتهى. (ويؤتى بالذي تصدق فيقول الله جل وعلا: ألم أنعم عليك؟ ألم أصح بدنك؟ ألم أهبك المال؟ فيقول: بلى يارب. فيقول: ماذا عملت؟ فيقول: يارب! ما تركت طريقاً من طرق الخير إلا بذلت فيه المال وأنفقته في سبيلك. فيقول الله: كذبت، ولكنك بذلت ليقال: هو جواد، هو كري. وقد قيل، فيؤمر به فيسحب إلى النار) هؤلاء الثلاثة هم أول من تسجر بهم النار -نسأل الله العافية- قبل عباد الوثن؛ لأنهم في الواقع صارت مراءاة الناس والنظر إليهم أعظم عندهم من الله، فهذا الإنسان الذي يدعو ويريد أن يظهر أمام الناس بأنه داعية وأنه عالم وأنه متكلم يستطيع البيان وأنه ذو مقدرة فإنه في الواقع يدعو إلى نفسه لا يدعو إلى الله، وإنما الشيء الذي ينفع ويجدي إذا كان الأمر خالصاً لوجه الله جل وعلا، ومن سنة الله جل وعلا أن المرائي ينكشف، وأن كلامه لا يجدي شيئاً، وأنه لا يدخل القلوب ولا ينفع، وهذا في الغالب وإلا فقد ينفع؛ فإنه جاء في الحديث: (يؤتى بالرجل فيلقى في جهنم فتندلق أقتابه فيدور حولها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع عليه أهل النار، فيقولون: ما بالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى. كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه) فقد انتفع به، لكنه كان هو المتضرر، فأشقى الناس هو الذي يضل بعلمه وينتفع بعلمه غيره، كالذي يجمع المال من أوجه حرام ويمنع حق الله فيه، ثم يرثه بعده غيره فيطيع الله فيه فيدخل بهذا المال الجنة، والذي جمعه يدخل به النار، فكيف تكون حسرة هذا يوم القيامة وهو يرى غيره قد سعد بماله وهو شقي به؟! هذا كالذي يرى أن غيره سعد بعلمه وهو شقي به، فهؤلاء يتحسرون حسرات عظيمة جداً، بل أشد الناس حسرة هو من كان بهذه المثابة. فالواجب على العبد أن يخلص أعماله لله في كل ما يعمل، والدعوة من أعظم الأعمال وأفضلها.

стр. 324

الدعوة إلى الله جل وعلا يجب أن تكون على بصيرة [الثالثة: أن البصيرة من الفرائض]. البصيرة من الفرائض، وإذا كانت من الفرائض فالتفريط بها يعاقب عليه الإنسان؛ لأن الفريضة يلزم الإنسان أن يمتثلها، ولكن البصيرة هنا تكون على حسب حال الإنسان، فالإنسان يجب أن تكون عنده بصيرة في عبادته لربه، فيعبد الله على بصيرة، ويجب أن يكون عنده بصيرة في المعاملات التي يتولاها وإلا فسوف يسقط في الحرام؛ لأن الإنسان مكلف في أن يكون تصرفه وفق الشرع الذي جاء به رسول الله ﷺ ، وإذا لم يكن عنده بصيرة في ذلك فإن يكون آثماً، ويكون واقعاً في المخالفة، ثم ينجر بأسباب ذلك إلى وقوعه في المحرمات، فيستحق بذلك العذاب، وإذا كان الإنسان من ذوي المقدرة في العلم والتعلم ازداد الواجب عليه أكثر من غيره، وهكذا تختلف البصيرة باختلاف المقدرة والاستطاعة، فالذي يجب على العالم ليس مثل ما يجب على العامي، والذي يدخل نفسه في المعاملات وفي شئون المسلمين يجب عليه أكثر ممن لا يكون كذلك، وهكذا، فهذه البصيرة في كل ما يكون منوطاً بالإنسان من الأعمال، سواء الأعمال التي تتعلق بخاصة نفسه وأهله وأولاده، أو الأعمال عامة، فإنه يجب عليه أن يكون عنده بصيرة في الدين لئلا يقع في المخالفات، ولئلا يقع في خلاف الشرع، فإنه إذا وقع في خلاف الشرع فإنه آثم، وليس كونه يقول: أنا جاهل، وأنا ما أعرف يبرر فعله؛ لأن هذا ليس بعذر؛ لأن كتاب الله موجود وسنة الرسول ﷺ التي بلغها إلينا موجودة، ولكن إذا حصل تقصير في عدم معرفة ذلك فبسبب تقصير الإنسان في التعلم، فلا يجوز للإنسان أن يقحم نفسه في أمر من الأمور إلا وهو يعرف حكم الله فيه، ولهذا كان من القواعد التي قعدها العلماء قاعدة يقولون فيها: الأصل في العبادات الحرمة حتى يتبين لك أنها مشروعة. وليس معنى ذلك الأصل في العبادات المعلومة مثل الصلاة والصوم والزكاة والحج، لا. وإنما الأصل في الأعمال التي يُتعبد الإنسان بها والتي يرجو بها الثواب من الله جل وعلا، فهي كأنها ممنوعة حتى يأتي أمر الرسول ﷺ في ذلك؛ لأنه صلوات الله وسلامه عليه يقول: (كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: مردود وهذا في الأعمال التي يتعبد بها، فإذا عمل الإنسان عملاً لم يشرع فهو مردود، فتبين بهذا أنه يجب على الإنسان أن يتعرف على أمر الرسول ﷺ وعلى شرعه حتى لا يُرد عمله، ولا يجوز أن يتعبد بالبدع والشيء الذي لم يأت به الرسول ﷺ ؛ فإن هذا من المحرمات، بخلاف الأمور التي أصلها الإباحة، فإنها تكون مباحة حتى يأتي الدليل على أنها ممنوعة، مثل المطعومات والمشروبات والمعاملات. فالمقصود أن الإنسان عبدٌ لله، يجب أن يكون ممتثلاً أمر الله ونهيه، وليس هو بعبد لنفسه ولا عبد لغير الله جل وعلا، بل هو عبد لله، والعبد لا يكون خارجاً عن طاعة سيده.

стр. 325

التوحيد تنزيه لله [الرابعة: من دلائل حسن التوحيد أنه تنزيه الله تعالى عن المسبة]. وذلك أن الإنسان إذا عمل العمل لله وحده فمعنى ذلك أنه نزه الله عن المسبة، والمسبة معناها أن يُدَّعى أن لله شريكاً، فهذه المسبة المقصود بها أن الإنسان يدعو مع الله أو من دون الله شريكاً، سواءً زعم أنه ولي من أولياء الله أو نبي أو ملك أو حجر أو شجر، أو غير ذلك مما هو موجود في الناس، فكل من طلب منه ما ليس قادراً عليه فإنه يكون بهذا الطالب جاعلاً له شريكاً مع الله جل وعلا، وهذا التنزيه مأخوذ من قوله جل وعلا: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]، ((وسبحان الله)) يعني: تنزيهاً لله أن أقع في الشرك. فدل هذا على أن التوحيد تنزيه لله، وهذا من محاسنه، ولا شك أنه لن ينجو أحد من عذاب الله إلا بالتوحيد، ويكفي في كونه واجباً على الإنسان أن الله خلق الإنسان ليكون موحداً، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].

стр. 326

الشرك مسبة لله [الخامسة: أن من قبح الشرك كونه مسبة لله]. معنى كون الشرك مسبة لله أن يجعل مع الله من يُدعى ومن يُرجى ومن تُطلب منه الشفاعة؛ لأن الله أخبرنا أنه مالك كل شيء، وليس لأحد معه تصرف، كما قال سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ:٢٢] فنفى أن يكون لهم ملك في السموات والأرض، وهذا عام في جميع المدعوين من دون الله، ثم نفى أن يكونوا شركاء للمالك بهذا القدر، ثم نفى أن يكونوا معاونين أو مساعدين للمالك، فماذا بقي؟ لم يبق إلا الشفاعة، فنفاها وقال: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٣]، فكون الإنسان يدعو غير الله جل وعلا ويطلب منه الشيء الذي يطلب من الله أو بعضه يكون بهذا قد تنقص الله جل وعلا، وقد جعل ما هو حق الله للمخلوق الضعيف، وهذا هو معنى مسبة الله جل وعلا، والإنسان يؤذي ربه بكونه يجعل له شريكاً، لهذا قال الرسول ﷺ : (لا أحد أصبر على أذىً سمعه من الله، يدعون له ولداً ويرزقهم ويعافيهم) يدعون له شريكاً ويرزقهم ويعافيهم! أليس هذا عجيباً؟! والله جل وعلا لا يفوته شيء، فمرجعهم إليه، وسوف يجازيهم بما يستحقون، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٥ - ٢٦]، ثم بعد المحاسبة إما ثواب وإما عذاب.

стр. 327

أهم الأشياء على المسلم الابتعاد عن الشرك [السادسة: -وهي من أهمهما- إبعاد المسلم عن المشركين لا يصير منهم ولو لم يشرك]. هذا مأخوذ من قوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]. يقول: إن من أهم المسائل كون المسلم يبتعد عن المشركين، والابتعاد يكون معنوياً ويكون حسياً، فالمعنوي يكون بالاتجاه والديانة والاعتقاد، فلا يجوز للمسلم أن يكون على شيء مما عليه المشرك، وأما الحسي فبالمكان وبالديار، فعلى المسلم أن يكون مبتعداً عنهم، وليقل كما قال الله سبحانه: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨] لا عقيدة وعملاً ونهجاً، ولا موطناً وداراً، بل لابد أن يكون المسلم متميزاً عن المشرك بعيداً عنه، وهذه هي الحنيفية دين إبراهيم الذي أُمرنا بالإقتداء به، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤].

стр. 328

التوحيد أول واجب على العبيد [السابعة: كون التوحيد أول واجب]. التوحيد هو أول واجب، وهو أول ما يُدعى إليه، فعندما يبدأ الداعي إلى الله جل وعلا بالدعوة فإنه يبدأ بالأصل الذي يُبنى عليه غيره، وكل الأعمال تبنى على التوحيد، والتوحيد معناه أن يكون العمل لله وحده، وأن تُخلص العبادة لله جل وعلا وحده، ولذلك الإنسان إذا كان يعبد الله ويبعد معه غيره فعمله غير مقبول بل كل عمله مردود؛ لأن المشرك لا يقبل منه عمل، فلابد أن يبدأ بما يصحح العمل أولاً، ثم بعد ذلك يبنى على أساس صحيح، فإذا جاءت الأعمال من المخلص الموحد ولو كانت قليلة فهي نافعة، أما الأعمال الكثيرة ممن لا يخلص دعوته وعبادته لله جل وعلا فهي مردودة غير مقبولة. وهذا معنى قول العلماء: إن الإسلام مبني على أصلين: أحدهما: أن تكون العبادة لله وحده، ولا يكون فيها شيء لغيره. الأصل الثاني: أن تكون العبادة بما جاء به الرسول ﷺ . وإذا تخلف واحد من هذين الأصلين فإن العبادة مردودة غير معتبرة وغير مقبولة، فإن كانت على غير ما جاء به النبي ﷺ فقد تكون بدعة، وقد تكون شركاً فتكون مردودة؛ لأن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً لوجهه. ثم إن كون أول ما يبدأ به هو التوحيد هذا إقتداء بالنبي ﷺ ؛ فإنه أول ما بدأ دعوته قال للناس: (قولوا: لا إله إلا الله)، وقال: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) وكذلك الرسل قبله كانوا أول ما يبدأون دعوتهم به هو أن يدعوا إلى عبادة الله وحده جل وعلا، كما قص الله علينا في القرآن أن كل واحد منهم كان يقول: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، وهذا معنى قولنا: لا إله إلا الله. فقوله جل وعلا الذي ذكره عنه عن الرسل: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون:٣٢] قوله ((اعبدوا الله)) هو معنى (إلا الله)، وقوله: ((ما لكم من إله غيره)) معنى (لا إله). فالرسل من أولهم إلى آخرهم أصل دينهم واحد، وكلهم جاؤوا بالدعوة إلى عبادة الله وحده جل وعلا، ودليل قول المصنف ما تقدم في هذا الحديث أنه قال لـ معاذ: (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله)، وكذلك قوله لـ علي بن أبي طالب ﵁ لما أعطاه الراية قال له: (انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام)، فالدعاء إلى الإسلام هو الدعاء إلى التوحيد وإلى شهادة ألا إله إلا الله، وهذا هو الذي يجب على الداعي الذي يترسم خطا رسول الله ﷺ أن يفعله وأن يبدأ به أولاً، أما قول القائل: إني أبدأ بتحسين أخلاق الناس وبسلوكهم، ثم بعد ذلك يمكن أن يعرفوا التوحيد فإن هذا لا يصلح؛ لأن العمل إذا لم يكن على التوحيد وعلى دين صافٍ فإنه محبط وباطل ولا فائدة فيه، بل يكون تعباً بلا فائدة، كما قال الله جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٢ - ٤]، وهذا في الذين يتعبدون على غير أساس، إما لأنهم غير مخلصين لله جل وعلا، أو لأنهم لا يتعبدون على طريقة النبي ﷺ ويتعبدون بالبدع، وكل واحد من هذين الأمرين يكفي في إحباط العمل، وإن كان الإنسان يخشع وإن كان يتعب وهو على هذه الطريقة فعمله مردود، فكل الاهتمام يجب أن يكون في إخلاص العمل، وفي كونه صواباً، كما قال جل وعلا: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود:٧] قال بعض السلف في تفسير هذه الآية: يعني: أيكم أصوبه وأخلصه؛ فإن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لا يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لا يقبل يعني أنه إذا كان على السنة ولم يكن خالصاً لله فهو مردود، وإن كان خالصاً لله وليس على السنة فهو مردود، فلابد أن يكون خالصاً موافقاً لما جاء به الرسول ﷺ .

стр. 329

التوحيد يبدأ به قبل الأعمال [الثامنة: أن يبدأ به قبل كل شيء حتى الصلاة]. لأن التوحيد هو الأصل، وعليه تبنى سائر الأعمال كلها، فيجب أن يكون الأساس صحيحاً مكيناً معتبراً وإلا فسوف يكون البناء فاسداً كما هو معلوم في العقل والشرع والنظر.

стр. 330

التوحيد هو معنى شهادة (أن لا إله إلا الله) [التاسعة: أن معنى أن يوحدوا الله معنى شهادة ألا إله إلا الله]. توحيد الله هو ما دلت عليه شهادة ألا إله إلا الله؛ لأن معنى (لا إله) نفي لتأله لغير الله، و (إلا الله) إثبات التأله لله وحده، فصار في هذا النفي والإثبات، فتوحيد العمل العبادة والالتجاء إلى الله وحده، والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، سواءٌ أعمال القلوب أو أعمال الجوارح، كلها يجب أن تكون على وفق الشرع، وأن تكون خالصة لله، وأن يكون التأله لله وحده، وإذا حصل تأله لغير الله فإن هذا هو الشرك، والتأله معناه تأله القلب بالحب والخضوع والذل، ويجب أن يكون الحب والخضوع والذل والتعظيم في أداء العبادات لله وحده.

стр. 331

جهل أهل الكتاب بكلمة التوحيد [المسألة العاشرة: أن الإنسان قد يكون من أهل الكتاب وهو لا يعرفها، أو يعرفها ولا يعمل بها]. المقصود بقوله: [من أهل الكتاب] يعني: من العلماء. فيمكن أن يكون من العلماء وهو لا يعرف معنى هذه الكلمة، أو أنه يعرفها ولكن لا يعمل بها، والعلم إذا لم يهتد به صاحبه فهو شر، ويكون حجة عليه وزيادة عذاب، وعذابه أشد من عذاب الذي لا يعلم، فالذي لا يدعوه العلم إلى أن يكون عبداً لله ولم يكن كلما علم شيئاً زادت عبوديته لله وزاد ذله وخضوعه له وزادت سكينته وتواضعه فإنه لا يزداد بعلمه إلا بعداً من الله جل وعلا. وقد يكون لا يعرف الحق الذي أوجبه الله عليه، وليس المقصود أنه يكون من أهل الكتاب من اليهود والنصارى فقط، فقد قال لنا رسول الله ﷺ : (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة)، فلما سئل عن الواحدة قال: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، فأخبر أن هذه الأمة تزيد على التفرق السابق بواحدة. والمقصود بالأمة اليهودية التي افترقت على إحدى وسبعين، وبالأمة النصرانية التي افترقت على اثنتين وسبعين، وبأمة محمد ﷺ التي افترقت على ثلاث وسبعين هي التي استجابت للرسل، ما هي بالأمة التي بعث فيها الأنبياء، بل الأمة المستجيبة، فالمسلمون أنفسهم يفترقون إلى هذه الفرق، أما غيرهم فما يقال: إنهم يفترقون على كذا وكذا. أو إنهم في النار. لأنه مفروغ منهم، فهم كفار في الأصل، فالكفر مهما تعددت طرقه ومناهجه فهو ملة واحدة، الكفر كله ملة واحدة، فإذا كان الأمر هكذا فكل من تشبه باليهود أو بالنصارى من هذه الأمة فهو ملحق بهم، وقد أخبرنا رسولنا ﷺ أن هذه الأمة ستترسم طريق اليهود والنصارى شبراً بشبر فقال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة)، والقذة: هي ريشة السهم. يعني: مثل الرصاصة التي توضع الآن في البندق، هل الواحدة تختلف عن الأخرى؟ لا تختلف، كل واحدة مثل الأخرى، يعني أنكم تسيرون خلفهم متبعين لهم كما ساروا (حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)، ومثل صلوات الله وسلامه عليه بجحر الضب لأن جحر الضب من أصعب الجحور؛ لأنه يحفر جحراً ملتوياً، فهو يتلوى في حفره، لا يحفر جحراً مستوياً كما في سائر الجحور، فالدخول فيه صعب جداً، فيقول: لو قدر أنهم يسلكون هذا المسلك المعوج الضيق الصعب لسلكتم خلفهم. حتى إنه جاء في بعض الروايات: (حتى لو كان فيهم من يأتي أمه علانية لكان في هذه الأمة من يفعل ذلك) مبالغة في اتباعهم، والواقع يشهد لما أخبر به الرسول ﷺ ، فإننا نرى المسلمين -وللأسف- يتأسون باليهود والنصارى في كل شيء، في اللباس، وفي المركب، وفي الهيئة، وفي المأكل، وفي المشرب، حتى تجد أن كثيراً من الناس يأكل بشماله؛ لأنه رآهم يأكلون بشمائلهم، يقتدي بهم، وربما يتدين بأنه يأكل بالشمال، ويرى أن هذا تقدم وأن هذا تطور، ويتزين بذلك -نسأل الله العافية-، وهذا انحطاط في الواقع ومهانة، فإن المسلم يجب أن يكون معتزاً بإسلامه، وتجد بعضهم يأتي بالكلاب ويضعها في البيت أو يضعها في السيارة، وما هناك حاجة لها إلا أنه رأى أولئك يصنعون هذا الشيء فصار يقتدي بهم. وهكذا في كل شيء إذا نظر الإنسان بعينه واعتبر فإنه يرى ما وقع في الأمة مما أخبر به الرسول ﷺ ، والذي لم يقع سيقع، فالرسول ﷺ يخبرنا بهذا من باب التحذير، يحذرنا ويقول: إياكم أن تسلكوا هذه المسالك، لا تفعلوا كما فعلوا. وفي مسند الإمام أحمد ﵀ أن النبي ﷺ قال: (بعثت بين يدي الساعة، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم). فالواقع يشهد بما نطق بهذا الحديث، فالمسلمون لما كانوا مترسمين طريق رسول الله ﷺ كانوا أعزة وأقوياء ولهم هيبة وسيطرة، فكلما ابتعدوا عن طريق رسول الله ﷺ ذلوا وسقطت هيبتهم وتسلط عليهم الأعداء وكثر تفرقهم وتشتت القلوب؛ فإن من أعظم المصائب أن تصاب قلوب المسلمين، ويصبح كل واحد يبغض الآخر، ويصبح كل واحد عدواً للآخر، وقد يكون نهجهم سواء في العلم وفي العمل، ولكن تنافسوا في الدنيا أو في المناصب أو في غير ذلك فسلط الله جل وعلا عليهم الذلة لكونهم تركوا السنة التي جاء بها رسولهم ﷺ ، وكلما تركوا سنة استحدثوا بدعة أو مخالفة يعاقبون بها؛ فإن سنة الله جل وعلا أنه يعاقب من يعرفه أكثر من عقاب من لا يعرفه، كما في الأثر القدسي: (إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني) -نسأل الله العافية- فيصبحون -مثلما قال في الحديث الآخر-: (غثاء كغثاء السيل)، فإنه ﷺ قال: (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها. قالوا: أومن قلة نحن يا رسول الله؟! قال: لا. أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل)، وغثاء السيل هل فيه نفع وفائدة؟ لا. والغثاء الذي يرمي على جانب الوادي ما فيه خير، يقول: (ولكنكم غثاء كغثاء السيل، تنزع من قلوبكم المهابة ويقذف فيها الوهن. قالوا: وما الوهن -يا رسول الله-؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت) كراهية الموت للرغبة في الدنيا، إذا حصلت رغبة في الدنيا كره الناس الموت؛ لأنهم عمروا دنياهم وأفسدوا آخرتهم، ومن كان بهذه المثابة يكره الموت؛ لأنه يعرف أن مستقبله غير مرضي عنه، فما يرضى بعمله الذي عمله للمستقبل، يخاف ويكون كالهارب الذي يؤتى به مقيداً إلى سيده، أو يؤتى به مقيداً إلى سلطانه، يكون مثل هذا خائفاً. والمقصود أن العباد يجب عليهم أن يتبعوا رسول الله ﷺ ، فإن من كان يريد العزة فالعزة لله، العزة في طاعة الله، وطاعة الله في اتباع رسوله ﷺ .

стр. 332

التعليم بالتدرج [المسألة الحادية عشرة: التنبيه على التعليم بالتدريج. المسألة الثانية عشرة: البداءة بالأهم فالأهم]. وهذا ظاهر من حديث معاذ بن جبل، حيث قال: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله، فإن هم أجابوك إلى ذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات) إلى آخره، فبدأ بالأهم ثم ما يليه ثم ما يليه، وهذا معنى التدريج، أن يبدأ بالشيء المهم. وهكذا ينبغي لطالب العلم أن يبدأ في طلبه العلم بالأهم، ثم بما هو مهم وإن كان قليلاً، ثم بالشيء الذي يليه في الأهمية، وهكذا وإن كان قليلاً، ومعلوم أن الإنسان إذا كان يريد أن يبني أو ما أشبه ذلك لا يأتي من آخر الشيء فيبدأ -مثلاً- بالسقف أو بالحيطان، لا بد أن يبدأ بالتأسيس أولاً، والتأسيس يكون قوياً، ولا يكون قوياً إلا بالأصول، فيبدأ بالأصل شيئاً فشيئاً ويثبته، فإذا ثبت يبني عليه، وكلما ازداد البناء كثر، فهكذا في الأعمال وفي طلب العلم وفي غيرها، أعمال الدين يجب أن تكون على هذا الأساس، على وفق ما أرشدنا إليه رسولنا ﷺ .

стр. 333

مصارف الزكاة [الثالثة عشرة: مصرف الزكاة]. ذلك من قوله: (تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم)، وقد عرفنا أن الله جل وعلا هو الذي تولى صرف الزكاة بنفسه، حيث قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة:٦٠]، فذكر أهل الزكاة وهم ثمانية: أولهم الفقراء والمساكين. وقد اختلف فيهم، فقيل: إن الفقير هو الأكثر حاجة؛ لأن الله جل وعلا يبدأ بما هو أهم، فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾، ثم عطف عليهم المساكين ومن بعدهم. وقالوا: إن المسكين هو الذي يجد بعض الحاجة أو يجد حاجة سنته فقط، والفقير الذي لا يجد الكفاية، يجد بعضها ولكن لا يجد ما يكفي، والمسكين قد يكون عنده مال، وقد يكون عنده أشياء، ولكن هذه التي عنده لا تكفي، وقد أخبرنا الله جل وعلا في قصة موسى والخضر أنه قال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف:٧٩]، أخبر أنهم مساكين ولهم سفينة، فدل هذا على أن المساكين أقل حاجة من الفقراء، هذا إذا جاء ذلك في مثل هذه الأسلوب، أي: عطف واحد على الآخر. أما إذا ذكر الفقراء وحدهم أو قيل: المساكين، فهم عبارة عن شيء واحد، فالفقراء والمساكين يكونون كلهم داخلين في هذا الخطاب، مثل الإسلام والإيمان، فإذا قيل: (الإسلام) دخل فيه الإيمان، وإذا قيل: (الإيمان) دخل فيه الإسلام. وأما العاملون فهم السعاة الذين يسعون في جباية الزكاة، إذا لم يكن لهم مرتبات من بيت المال فإنهم يعطون منها بقدر عملهم. وأما المؤلفة قلوبهم فقد اختلف العلماء فيهم، قيل: هذا كان في وقت النبي ﷺ وانتهى، واليوم لا يجوز أن يعطى أحد من الكفار رؤساء القبائل. وقد كان رؤساء القوم الذين إذا أسلموا صار لإسلامهم أثر في الإسلام بأن يسلم بإسلامه أناس كثير، فكان الرسول ﷺ يعطيهم من الصدقة ويكثر لهم، حتى قد يعطي الواحد مائة من الإبل، ويتألفهم، والتألف معناه أن يعطون من الدنيا ترغيباً لهم بأن يدخلوا الإسلام، فإذا دخلوا الإسلام وتمكن من قلوبهم عندها يرغبون فيه ولا يرغبون في الدنيا، ويتركون ما دخلوا الإسلام من أجله، وإذا دخل الإسلام في قلب الإنسان أصبح لا يهتم بزينة الدنيا. فمن العلماء من يقول: إن الحكم باقٍ. ومنهم من يقول: انتهى في وقت النبي ﷺ . فالذين يقولون: إنه انتهى يقولون: إن الله جل وعلا قد أعز الإسلام، وتبين الحق والهدى، فلسنا بحاجة إلى تأليف الكفار على الإسلام، والصواب أن الحكم باقٍ إذا وجدت الحالة التي تشابه الحالة في زمن الرسول ﷺ ، فلو وجد من لو أعطي من الزكاة لكان هذا يرغبه في دخول الإسلام بشرط ألا يكون فرداً، فالفرد الواحد ما يعطى لأجل أنه فرد، وإنما يعطى لأن بإسلامه يسلم غيره، فيكون رئيساً لإسلامه أثر، والرئاسة تختلف، قد يكون مثلاً قدوة لغيره يقتدى به، وإذا أسلم أسلم غيره، أو يكون مطاعاً إذا أمر غيره اتبعه، وما أشبه ذلك، فهؤلاء هم المؤلفة قلوبهم. وأما الغارمون فالغارم هو الذي يتحمل المال للإصلاح، كأن يجد من يتشاجرون أو يتقاتلون من المسلمين فيصلح بينهم ويتحمل أموالاً في سبيل ذلك، إما لشيء قد أتلفه أحدهم، أو يبذل لهذا حتى يترك ما يتشبث به من أن له حقاً، فمثل هذا لأنه سعى بالإصلاح يعطى من الزكاة؛ لئلا تجحف التحملات أصحاب المعروف الذين يبذلون معروفهم، ومثل هذا يعطى وإن كان غنياً، يعطون من الزكاة ترغيباً لهم في الإصلاح، فهؤلاء هم الغارمون الذين يغرمون، ويدخل في الغارم المدين الذي تدين ديناً, وأصبح لا يتمكن من أداء دينه وإن كان هذا داخلاً في الفقير. وأما في سبيل الله فهو القتال في سبيل الله، فيشتري به السلاح، أو يُعطَى المقاتلون أو غير ذلك. وأما ابن السبيل فهو المسافر الذي انقطع به سفره وما تمكن من مواصلة السفر، فانتهت نفقته وانتهى ماله، وإن كان في بلاده غنياً فإنه يعطى الشيء الذي يمكنه من بلوغ غايته. وأما في الرقاب فهو المملوك الذي يكون مملوكاً، يجوز أن يعتق من الزكاة. فهذه هي المصارف التي تولى الله جل وعلا توزيعها بنفسه، فلا يجوز أن تصرف الزكاة في غير هؤلاء. ثم هل يجوز أن تكون الزكاة لنوع واحد من هذه الأنواع؟ الجواب إنه يجوز أن يكون للفقراء أو للمساكين وإن لم تستوعب سائر الأصناف، وإذا وجد الفقير لا يبحث عن غيره، لكن لا يعطي الفقير إذا كان أصلاً له أو فرعاً له، فإذا كان الفقير أباه أو أمه أو جده أو جدته فإنه لا يجوز أن يعطيهم من زكاته. وكذلك إذا كان الفقير ابنه أو ابن ابنه لا يعطيهم من زكاته؛ لأن هؤلاء تجب نفقتهم عليه، فما يحتاجون إلى الزكاة لوجوب نفقتهم عليه، ولا يجوز أن الإنسان يجعل الزكاة لأقربائه وقاية لماله عن الحقوق التي تتعلق بماله، فيعطي أقرباءه الأدنين الزكاة حتى لا يتطلعون إلى الحق الذي لهم عليه، فيجب على الإنسان أن يتقي الله في أداء زكاته، ثم إنه يجب عليه أن يخرجها طيبة بها نفسه. راغباً فيما عند الله، خائفاً لو منعها أن يعاقبه الله جل وعلا. [المسألة الرابعة عشرة: كشف العالم الشبهة عن المتعلم]. هذا مأخوذ من قوله ﷺ : (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب)، وهذا ما كان معاذ ﵁ يعرفه، فقال له هذا القول ليستعد وليعد نفسه، فهيأه لذلك، وكشف له ما كان خافياً عليه.

стр. 334

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٢٨] حديث: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه) من أعلام النبوة، وفيه دلالة على فضل علي ﵁ باختياره لحمل الراية، وكذلك فيه دلالة على فضل سائر الصحابة لحرصهم على الخير وتطلعهم إلى تحصيله، وفيه فوائد أخرى مذكورة في هذا الباب.

стр. 335

مسائل مستفادة من حديث بعث معاذ رضي الله تعالى عنه

стр. 336

النهي عن كرائم الأموال قال المصنف ﵀: [المسألة الخامسة عشرة: النهي عن كرائم الأموال]. كرائم الأموال هي أطايبه وأحاسنه، وهذا يكون في زكاة بهيمة الأنعام، وكذلك في الثمار، أما النقود فهي تتساوى، والزكاة تجب في الخارج من الأرض، وتجب في الإبل وفي الغنم وفي البقر، وتجب كذلك في عروض التجارة، وتجب في النقدين الذهب والفضة، وكذلك أبدال الذهب والفضة من الأوراق النقدية، فهذه هي الأموال التي يجب فيه الزكاة، فتزكى الثمار والحبوب والتمور وغيرها مما فيه الزكاة، وهكذا سائمة الأنعام؛ لأن الزكاة في الأنعام ما تجب إلا إذا كانت سائمة في الحول أو أكثره، والسوم معناه ان ترعي بنفسها وما تتطلب علفاً، فلو كان إنسان له أغنام وضعها في حوش وصار ينفق عليها ويأتيها بالأعلاف فهذه ليست سائمة، ولا تجب فيها الزكاة، وإنما تجب فيها إذا باعها وصارت تجارة، وإنما التي يجب فيها الزكاة إذا كانت ترعى الحول أو أكثره. ثم هذه هي التي فيها الكرائم لا يجوز للمُصَّدِّق العامل الذي يأخذ الزكاة أن يأخذ أطيبها وأكرمها، سواءٌ أكانت غنماً أم إبلاً أم بقراً، بل يجب عليه أن يأخذ الأوسط، لا يأخذ الأدنى الرديء، ولا يأخذ الأعلى الجيد، إلا أن يجود صاحب المال بما هو أجود وأطيب، فإذا جادت نفسه بذلك وأخرجه هو بنفسه وقال: خذوا هذا فيقول له العامل: هذا لا يجب عليك، والذي يجب عليك أقل من هذا. فيقول له: هذا ولا بد. فإذا قال: وإن كان فأنا طيبة نفسي بهذا فخذوه لأنه لله يأخذه العامل ولا يرده عليه. أما إذا أخذ شيئاً طيباً بدون اختياره فهذا ظلم، وهذا معنى قوله ﷺ : (وإياك وكرائم أموالهم) يعني: لا تأخذ في الزكاة من الكرائم والنفائس. وقالوا: الكريمة: هي كبيرة الجرم، وكثيرة الشعر، وكثيرة اللحم والشحم، وغزيرة اللبن، وحسنة المنظر، فهي تكون أكثر قيمة من غيرها. هذه هي الكريمة، فلا يجوز أن تؤخذ وإنما يؤخذ الوسط. وكذلك في الثمار مثل الحبوب والتمور لا يأخذ من الأعلى ولا يأخذ من الأدنى، بل يأخذ من الوسط، وإذا كانت متنوعة يخرج من كل نوع قدره، هذا هو العدل، فمثلاً التمور بعضها قد يساوي الكيلو مائة ريال، وبعضها يساوي خمسة ريالات، فلا يأخذ من هذا ولا من هذا، وإنما يأخذ من هذا قدره ومن هذا قدره فقط، فإن كانت تموره أغلبها جيدٌ يجعل الرديء على حِدَة ويأخذ منه بقدره إذا كان يبلغ نصاباً، وإلا أخذ من المتوسط فقط. وهكذا في الغنم لا يأخذ التيس الرديء أو العنز الجرباء، لا يجوز هذا، ولا يأخذ الكريمة الغالية الجيدة كثيرة اللبن، وإنما يأخذ الوسط، هذا هو العدل، والعدل هو الذي يحبه الله جل وعلا وقامت به السماوات والأرض، ومن العدل اتقاء الله، واجتناب مواقع العذاب التي هي دعاء المظلومين؛ فإن دعاء المظلوم مستجاب.

стр. 337

دعوة المظلوم لا تحجب [المسألة السادسة عشرة: اتقاء دعوة المظلوم. السابعة عشرة: الإخبار بأنها لا تحجب]. اتقاء دعوة المظلوم هذا مطلقة، ليست في الزكاة فقط، يجب على العبد أن يتقي الظلم مطلقاً، سواء بالقول أو بالفعل، والظلم في الواقع كثير من الناس، ولكن بعض الناس ما يتنبه له، وإلا فما يخلو إنسان من ظلم إلا نادراً وقليلاً، فقد يكون الظلم في كلمة يتكلمها الإنسان، وقد قال الرسول ﷺ : (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، هذا هو المسلم، أما الذي لا يسلم المسلمون من لسانه ولا من يده فهو مسلم إسلامه غير كامل، وإيمانه ضعيف، وإلا فما يخرج الإنسان عن الإسلام بكونه يظلم الناس بلسانه أو يده، ولكن الإسلام الذي يكون الإنسان به سالماً من الظلم هو أن يكف لسانه ويده عن أذية المسلمين، مثل الكلام في الأعراض، فلان فيه كذا، وفلان يقول كذا، فهذا من أعظم الظلم، وهذا الذي قد لا يسلم منه أحد، وأناس كثير يشتغلون فيه، وبعض الناس يقول: إن هذا جائز لأنه واقع فيه. وهذا في الواقع ظلم وإن كانوا واقعين فيه، فلا يجوز لأحد أن يتكلم في أخيه بالشيء الذي يكره وإن كان فيه، فإن الرسول ﷺ قال: (الغيبة هي ذكرك أخاك بما يكره. قالوا له: يا رسول الله! أرأيت إن كان فيه ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته)، والبهت هو أعظم الظلم -نسأل الله العافية- أن يقول فيه ما ليس فيه. وربما يتعدى الأمر إلى النميمة، والنميمة أصعب من الغيبة، وقد جاء في الصحيح أن الرسول ﷺ قال: (لا يدخل الجنة نمام)، وفي رواية: (لا يدخل الجنة قتات)، والقتات هو النمام، والنميمة هي نقل الحديث للغير على وجه الإفساد، مثلاً يريد أن يضره فينقل كلامه إلى من يستطيع أن يضره، أو ينقله إلى صديق له أو غير صديق ولكن ليوغر صدره عليه ويجعله معادياً له مبغضاً له، فإذا كان ينقل الحديث على هذا الوجه فهو نمام -نسأل الله العافية-، وهذا كثير جداً. ويجب أن يحرص الإنسان على سلامة نفسه، ولا يجوز للإنسان أن يوزع حسناته على الناس، يعمل بحسنات ثم يهديها إلى الناس؛ لأن القصاص يوم القيامة سيكون بالحسنات، يؤتى بالإنسان الذي قد عمل حسنات كثيرة فتؤخذ منه وتوزع على الناس الذين ظلمهم وتكلم فيهم بما يكرهون. أما إذا تعدى الأمر إلى اليد وأصبح -مثلاً- يضرب أو يأخذ المال فهذا أمر عظيم، وقد جاء في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه)، أنه من اقتطع حق امرئ مسلم بغير حق فقد استوجب النار، فقيل له: وإن كان شيئاً يسيراً! قال: (وإن قضيباً من أراك) أي: وإن كان سواكاً. فحقوق الناس بعضهم مع بعض مبنية على التقصي، وعلى ألا يترك منها شيئاً، وكل واحد يوم القيامة سيقاصص مع صاحبه، جاء في الأثر أن الإنسان يمسك الإنسان ويقول: يا ربي! خذ لي حقي من هذا. فيقول الآخر: يا ربي! والله ما أعرفه، ما ظلمته بمال ولا بشيء! ما يعرفه، ولكنه ظلمه، وكيف عرف هذا أنه ظلمه؟ الله جل وعلا لا يخفى عليه شيء، أخبره بأن لك حقاً عند فلان، فيطلبه حتى إنه يقول: ما ظلمته بمال ولا بشيء! فيقول: نعم. ولكنه رآني على منكر فلم ينهني عنه، فخذ لي حقي منه. لأن حق المسلم على المسلم أن يناصحه (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) لا يؤمن الإيمان الواجب الكامل حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وكذلك يحب لإخوانه المسلمين ما يحب لنفسه، فهذا هو المؤمن المسلم. والمقصود التنبيه على هذا الأمر؛ لأنه يتساهل فيه، ويقع فيه حتى طلبة العلم وللأسف، فطلبة العلم يقعون فيه كثيراً، يكون واحدٌ يتكلم في الثاني، وربما صار ظلماً وإن كان يتكلم بشيء واقع. وفي المجالس وفي الاجتماعات كثيراً ما يحدث الكلام في فلان وفلان، ويجب أن يتحاشى الإنسان الكلام في الشيء الذي فيه إثم، لماذا يكتسب الإثم بالشيء الذي لا يجدي شيئاً ولا ينفعه؟! الله جل وعلا يأمر المؤمنين بأن يجتنبوا الظن السيئ، وألا يأكل بعضهم لحم بعض، ويخبرهم أن مثل هذا كمثل المؤمن الذي يجد أخاه ميتاً فيجلس يأكل من لحمه بعد موته، فالكلام في عرضه مثل هذا، مثله الله جل وعلا بهذا، وهذا من أبشع ما يستبشع، كيف يكون هذا زاجراً ومانعاً للإنسان من أن يقع في ذلك؟ والقالة التي هي الغيبة منتشرة في الناس كثيراً، ويجب على الإنسان إذا جلس في مجلس، أو سمع من يتكلم في هذا أن ينصحه ويقول: دعوا هذا، تكلموا في الشيء الذي ينفع. فإن لم ينتصحوا يجب عليه أن يقوم ويتركهم؛ لئلا يكون شريكاً لهم. أما كون دعوة المظلوم لا تحجب فمعناه أنها تستجاب، أي أنها لا ترد، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب، فالله جل وعلا سميع عليم لا يخفى عليه شيء، وسمعه يأتي على جميع الأصوات، حتى إنه يسمع دبيب النملة على الصفاة في ظلمة الليل -تعالى وتقدس-، وكذلك نظره لا يستره شيء، ولكن ما كل دعاء يستجيبه، وإن كان الإنسان في دعائه لا يخيب، بشرط أن تجتمع فيه مقتضيات الإجابة، والله عليم قدير، ولكن المظلوم يستجاب دعاؤه وإن كان فاجراً؛ لأن الله جل وعلا لا يقر الظلم؛ فإن الله حرم الظلم على نفسه، وجعله بين العباد محرماً، فقال لهم: (لا تظالموا)، فإذا وجد الظلم فإن الله جل وعلا يستجيب للمظلوم إذا دعاه وينتصر له. والدعاء كله مطلوب، ولكن هناك دعوة مستجابة مثل دعوة المظلوم، ومثل دعوة الوالد على ولده، فإنها تستجاب إذا دعا الوالد على ولده، وقد نهي أن يدعو الوالد على ولده. وكذلك دعوة المسافر، ودعوة المنكسر القلب الذي يضطر ويقع في ضرورة، فإن هذا من مقتضيات ما يجب لربوبية الله جل وعلا، يقول جل وعلا: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢]، لا أحد إلا هو جل وعلا. ثم إن المسلم إذا دعا فهو على خير، مطلق الدعوة فيها الخير، فالله جل وعلا كريم، وهو أعلم بمصالح العبد من نفسه، ولهذا جاء في الحديث أن كل داع ما يخيب، إما أن تستجاب دعوته، وإما أن يصرف عنه من السوء ما هو أعظم من الدعوة التي دعا بها، وإما أن تدخر له يوم القيامة، إحدى ثلاث خصال تكون حاصلة له، فلا يقول الإنسان: أنا دعوت ودعوت فما استجيب لي. وإنما الكلام في كونه يقبل على الله، وكونه يقوم بمقتضى الدعاء، فإن الله يستجيب له وإن كان فاجراً؛ لأن الظلم محرم والله لا يقره، ولهذا يقول العلماء: إن الدولة إذا كانت ظالمة فإنه لا يبقى لها زمن طويل وإن كانت مسلمة، والدولة إذا كانت عادلة فإنه يطول وقتها وإن كانت كافرة. وهذا عجيب؛ لأن العدل هو الذي قامت به السماوات والأرض، فالظلم يعاقب عليه المسلم، والعدل يجازى به حتى الكافر، هذا لأن الله لا يقر الظلم، تعالى الله وتقدس. فهذا معنى قوله ﷺ : (فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)، وليس المعنى أن أدعية الناس غير مسموعة لله وأنه لا يراهم ولا يعلم حالهم، لا. ولكن معناه أن دعاء المظلوم مستجاب.

стр. 338

من أدلة التوحيد حصول المشقة والمصائب على النبي ﷺ [المسألة الثامنة عشرة: من أدلة التوحيد ما جرى على سيد المرسلين وسادات الأولياء من المشقة والجوع والوباء]. هذا مأخوذ مما وقع له بغزوة خيبر صلوات الله وسلامه عليه، فإنه وقع لأصحابه جوع ومرض ووباء، ووقع لهم تعب وشدة، مع أنهم سادة أولياء الله مع سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه. يقول: إن هذا من أدلة التوحيد. كيف يكون هذا من أدلة التوحيد؟ لأن معناه أن الرسول ﷺ وأصحابه ليس عندهم تصرف في الكون في جلب الرزق ودفع الضر وإزالة الكرب، فإنه وقع فيهم هذا الشيء وما استطاعوا إزالته، واستسلموا وانقادوا لأمر الله جل وعلا، ورضوا بما هم فيه حتى فرج الله عنهم، فدل على أن التصرف كله لله وحده، والأمر كله لله، والعباد كلهم راجعون إليه وكلهم يتجهون إليه، حتى سيد الخلق رسول الله ﷺ هو عبد مكلف أمره الله جل وعلا بالعبودية، يعبد الله وهو أعظم الناس عبادة لله جل وعلا، فهذا معنى قوله: إن هذا من أدلة التوحيد. فليس مع الله مدعو يكون له عبادة، فالعبادة تكون لله وحده، وهذا معنى التوحيد؛ إذ إن العبادة لا تجوز أن تكون إلا لمن يملك النفع والضر إذا عبده أثابه وإذا لم يعبده عاقبه، ويعلم ما في قلب الإنسان، ويستطيع دفع المضرات عنه وصرفها، وجلب المنافع إليه، سواءٌ أكانت غيبية أم كانت ظاهرة، أما إذا كان ليس كذلك فلا يصلح أن يكون معبوداً، وهذا لا يكون إلا لله وحده، فهذا معنى كون الذي وقع للنبي ﷺ ولأصحابه من أدلة توحيد الله جل وعلا. وقد ذكر أنهم كانوا في شدة الحاجة في هذه الغزوة حتى طبخوا الحمير، أمسكوها وذبحوها وصاروا يطبخونها، فالرسول ﷺ لما رأى النيران قال: (ما هذه النيران؟ قالوا: إنها حمر. -وجدوها فذبحوها فهم يطبخونها ليأكلوها- فأمر منادياً ينادي: لتكسر الأواني التي فيها هذه الحمر. فقالوا: يا رسول الله! نغسلها قال: نعم)، ولهذا جاء عن علي ﵁ (أن الرسول ﷺ حرم الحمر الأهلية يوم خيبر)، وهو لهذه القصة، فمن شدة حاجتهم طبخوها، ولكن ما أكلوا منها شيئاً، وأمر الرسول ﷺ أن تكفأ. وكذلك كانت خيبر أرضاً موبوءة، فأصيبوا بالحمى وبالمرض حتى اشتكوا إلى النبي ﷺ ، فأمرهم أن يبردوا الماء بالقرب ثم يصبوه على أبدانهم بين الصلاتين، أي: بين صلاة المغرب والعشاء، فشفوا بذلك. والمقصود أن هذا كله يدل على أن الأمر كله بيد الله جل وعلا، وأن الرسول ﷺ لا يملك مع الله شيئاً، وإنما الأمر لله، وفي أحد شج رأسه، وكسرت البيضة التي على رأسه صلوات الله وسلامه عليه، وقتل من أصحابه سبعون رجلاً، وصار الدم يسيل على وجهه، فقال وهو يسلته: (كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله؟)، ثم صار يدعو عليهم في القنوت في الصلاة، يقنت في الصلاة في الركعة الأخيرة بعد الركوع أو قبل الركوع، ويرفع يديه ويدعو: اللهم! العن فلاناً وفلاناً وفلاناً. يسميهم بأسمائهم في الصلاة، والصحابة خلفه يقولون: آمين. أي: اللهم استجب. ومعلوم أن دعاء النبي ﷺ ليس كدعاء غيره، ثم بعد ذلك ينزل الله جل وعلا عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:١٢٨]، فتاب الله على أكثر الذين فعلوا هذه الأفاعيل، فأسلموا ودخلوا في الإسلام بعدما كانوا يسعون جهدهم في قتل رسول الله ﷺ . والمقصود أن الله جل وعلا وحده هو المتصرف في الكون كله، وهذا معنى كون التوحيد يجب أن يكون لله وحده.

стр. 339

من أعلام النبوة [المسألة التاسعة عشرة: قوله ﷺ : (لأعطين الراية) إلى آخره علم من أعلام النبوة]. سبق أن أعلام النبوة كثيرة، وأعلام النبوة علاماتها الدالة عليها؛ لأن الذي يخبر بالأمور الغائبة فتقع كما أخبر يكون هذا من الوحي، ولا يكون هذا لمشعوذ أو لساحر أو لكاهن أو ما أشبه ذلك، فإنه لا يتمكن من ذلك، وإن صدق مرة فإنه يكذب مائة مرة. أما الذي يقع الواقع على وفق خبره فهو رسول الله ﷺ ، ومع ذلك ما يعلم الغيب صلوات الله وسلامه عليه، وإنما يعلم ما علمه الله جل وعلا فقط، فهو رسوله يأتيه الوحي، وقد انفلتت ناقته مرة فحبس الصحابة عليها يبحثون عنها، فتكلم أحد المنافقين كلاماً خبيثاً، فقال: هذا يزعم أنه يأتيه خبر السماء ويأتيه كذا وكذا وهو لا يدري أين ناقته! فنزل عليه خبر السماء بأن فلاناً يقول كذا وكذا، وإن ناقتك في مكان كذا قد حبستها شجرة أمسكت بخطامها. فقال لهم: (إني -والله- لا أعلم من الغيب إلا ما علمنيه الله جل وعلا، وإن فلاناً قد قال كذا وكذا، وإن الله جل وعلا قد أعلمني أن ناقتي في مكان كذا قد أمسكتها شجرة، فاذهبوا وائتوا بها)، فالمقصود أنه صلوات الله وسلامه عليه لا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله. ولما رميت أفضل نسائه وأحبهن إليه -بل أحب الناس إليه عائشة ﵂ بالفاحشة، وصار المنافقون يشيعون هذا بقي ما يقرب من شهر وهو لا يدري بالحقيقة، حتى نزل عليه الوحي ببراءتها، وقد استشار أسامة واستشار علياً، فأما علي فقال: النساء كثير، وما جعل الله عليك من حرج. وأما أسامة فقال: والله ما علمنا إلا خيراً، أًهلَك، واسأل الجارية فإنها تصدقك. والمقصود أنه ما كان يعلم من الغيب إلا ما علمه الله. [المسألة العشرون: تفله ﷺ في عينيه ﵁ علم من أعلامها أيضاً]. يقول رحمه الله تعالى: تفله صلوات الله وسلامه عليه في عيني علي بن أبي طالب علم من أعلام النبوة، وسبق أن العلم معناه: الدلالة والآية الواضحة الدالة على صدقه صلوات الله وسلامه عليه، وأنه رسول من رب العالمين. وذلك أن هذا شيء لا تناله قوى البشر ولا العادات التي جرت عليها أنظار الناس وتجاربهم، بل هو شيء خارق، فهو من قدرة الله جل وعلا، فالتفل في العين المريضة ما يزيدها إلا مرضاً، ومع ذلك لما تفل فيها صلوات الله وسلامه عليه برئت في الحال، وما احتاجت إلى وقت، بل في الحال، كأنها كانت محزومة فأطلقت، وهذا لا يكون إلا آية من آيات الله جل وعلا. حتى العلاج الناجح ما يأتي ثماره في لحظه، ما يأتي إلا بعد وقت، فلا بد أن يكون هذا أمر لا تأثير له في للعلاج فيه ولا للبشر فيه، وإنما هو يكون من الله جل وعلا، وهذا معنى الآية ومعنى العلم، أي: شيء لا تأثير للبشر فيه، بل هو من الله جل وعلا بقدرته. وسبق ذكر الشيء من أعلام نبوته صلوات الله وسلامه عليه، وقلنا: إنه ينبغي للمسلم أن يحرص على قراءة سيرة الرسول ﷺ ؛ فإنه يزداد بذلك إيماناً ومحبة للرسول ﷺ .

стр. 340

فضيلة علي ﵁ [الحادية والعشرون: فضيلة علي ﵁]. فيه فضيلة لـ علي بن أبي طالب رضوان الله عليه, لكونه قال: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله)، فأخبر صلوات الله وسلامه عليه أن علياً يحبه الله ورسوله، وهذا من أعظم الفضائل، غير أنه سبق أن هذا ليس من خصائص علي بن أبي طالب ﵁، بل كل مؤمن تقي يحبه الله ورسوله، والصحابة أتقياء، ولكن السبب في كونهم حرصوا على ذلك أنه إذا شهد الرسول ﷺ لمعين بأنه يحبه الله ورسوله فكل واحد يحرص أن يكون ذلك؛ لأن الإنسان ما يثق بعمله وإن جاء بأحسن عمل حتى يأتيه الخبر من الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه. ثم إن فضائل علي كثيرة غير هذا، ولكن أبا بكر أفضل منه، وعمر أفضل منه، وثبت في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر أنهم كان يفضلون الصحابة في حياة النبي ﷺ فيقولون: أفضلهم أبو بكر ثم عمر. وفي رواية: ثم عثمان ثم يسكتون. والرسول يسمع ذلك ويسكت. وليس في هذا ما يدل على أن علي بن أبي طالب هو خليفة رسول الله ﷺ ، بل الدلائل الدالة على أن الخلافة لـ أبي بكر كثيرة وواضحة، أما مجرد الدعاوى فإنها لا تغني من الحق شيئاً، وكل أحد يستطيع أن يدعي كما يدعي المدعي، وإنما الشأن في الدلائل الثابتة من النقل عن الرسول ﷺ الثابت الصحيح. فمن المعلوم أنه صلوات الله وسلامه عليه لما مرض قال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس)، وقد روجع في هذا وقيل له: إن أبا بكر رجل يكثر البكاء، فإذا قام في مقامك لن يسمع الناس من البكاء. قالت له ذلك عائشة، وكانت تكره أن يقوم أبو بكر مقام رسول الله ﷺ بعده؛ لأنه ما يقوم أحد بعد رسول الله ﷺ في مقامه فيكون مثله، فربما كره الناس من قام مقامه بعده، فلهذا كانت تحاول أن يكون الذي يصلي بالناس عمر، فقالت للرسول ﷺ : يا رسول الله! إن أبا بكر رجل أسيف كثير البكاء إذا قام مقامك ما يملك نفسه من البكاء فلا يسمع الناس، لو أمرت عمر أن يصلي بالناس. فقال ﷺ : (مروا أبا بكر فليصل بالناس)، ثم ذهبت وأمرت حفصة أن تقول له مثل هذا القول، فذهبت حفصة وقالت له ذلك، فغضب صلوات الله وسلامه عليه وقال: (إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس)، ثم بقي أبو بكر يصلي بهم طوال وقت مرض رسول الله ﷺ . وقد خرج مرتين وهو يصلي بهم، وعلي موجود، وما قال: مروه أن يصلي بكم. وكذلك الرؤيا التي رآها صلوات الله وسلامه عليه، قال: (رأيت كأني على بئر أنزع منها الماء فنزعت ما شاء الله أن أنزع، فجاء أبو بكر فنزع دلواً أو دلوين، وفي نزعه ضعف والله يغفر له، ثم جاء بعده عمر فتحولت الدلو غرباً، فما رأيت عبقرياً يفري فريه، فنزع حتى روي الناس وضربوا بعطن). وكذلك لما جاءته امرأة فكلمته في شيء فأمرها بأمر فقالت: أرأيت -يا رسول الله- إن لم أجدك -كأنها تعني الموت-؟ فقال: (إذا لم تجديني فأتي أبا بكر)، وأشياء كثيرة جداً.

стр. 341

فضل الصحابة [المسألة الثانية والعشرون: فضيلة الصحابة في دوكهم تلك الليلة وشغلهم عن بشارة الفتح]. فضائل الصحابة رضوان الله عليهم متوافرة وموجودة، وبنصوص، وفيها رد على من يدعي أن الصحابة كفروا وارتدوا؛ لأن هذه الفضائل هم الذين نقلوها، فلا تثبت لهؤلاء، وإنما تثبت لمن يرى أن الصحابة على الحق، فهم يتمسكون بالحق وأهل حق، أما المرتد فما هو أهل لأن يؤخذ عنه، وليس أهلاً لأن يصدق، فالذي ينقله يكون كذباً، والدين ما يقبل من المرتدين والكفرة، وإنما يقبل من أهل الحق المتمسكين به. ولا شك أن الثناء على الصحابة رضوان الله عليهم كثير في كتاب الله، كما قال جل وعلا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وقوله: ﴿كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، وكذلك قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح:٢٩]، وكذلك قوله: ﴿والسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١٠٠]. فهل يقال -مثلاً-: إن الله يثني على قوم وقد علم أنهم يكفرون؟! أو إن الله لا يعلم فيثني على قوم وهم فيما بعد يكفرون ويرتدون، فيبقى ثناء الله على هؤلاء ليس في محله تعالى الله وتقدس؟!. لو أن الرسول ﷺ أمر بأن يكون فلان هو الخليفة فهل يمكن أحداً أن يمنع هذا، وهم يقاتلون ويبذلون أنفسهم وأموالهم دون رسول الله ﷺ وفي طاعته؟ لا أحد يستطيع أن يمنع ذلك أبداً. أما ما جاء في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً) ثم ترك ذلك، ثم قال مرة أخرى وقد اشتد مرضه: (ائتوني بكتاب أكتب لكم) فاختلفوا عنده، منهم من يقول: نأتي بالكتاب. ومنهم من يقول: اشتد مرضه، فكيف يكتب؟! فعند ذلك قال: (قوموا عني، فما أنا فيه خير مما أنتم فيه) يعني الخلاف، فترك الكتاب. والمقصود بالكتاب أنه يكتب لـ أبي بكر لئلا يقول قائل ويختلف مختلف، كما جاء صريحاً أنه قال لـ عائشة: (ادعي لي أباك وأخاك أكتب لهما كتاباً لئلا يقول قائل أو يدعي مدع)، ثم بعد ذلك قال: (يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر)، فترك الكتابة، وتركها أولى لما أراد الله جل وعلا، حتى يتفق المسلمون على شيء يرونه بإجماعهم، وحصل ما أخبر عنه صلوات الله وسلامه عليه. والواجب على المسلم محبة صحابة رسول الله ﷺ عموماً، فيحبهم ويقدرهم ويعظمهم وينزههم عن المطاعن، وأن يعلم أنهم خير الأمة، ما كان في الأمة ولا يكون مثلهم، لا في أول الأمة ولا في آخرها؛ لأن الله أكرمهم بصحبة النبي ﷺ وبالقتال معه. أما ما يروى عنهم من مطاعن في كتب التاريخ، وينقله بعض الذين في قلوبهم مرض، فهذه المطاعن التي تروى في كتب التاريخ أو غيرها لا تخلو إما أن تكون كذباً صريحاً، أو يكون لها أصل ولكن زيد فيها وغير الكلام عن مواقعه، أو نقص منها الشيء الذي يبين الصواب. والواقع منها هم معذرون فيه، مأجورون في فعلهم، والخطأ مغفور لهم؛ لأنهم مجتهدون، كما أخبر الرسول ﷺ أن المجتهد إذا اجتهد وأصاب الحق فله أجران، وإن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد، هذا هو الذي يجب اعتقاده، وهذه عقيدة المسلمين نحو صحابة الرسول ﷺ .

стр. 342

الإيمان بالقدر [المسألة الثالثة والعشرون: الإيمان بالقدر لحصولها لمن لم يسع لها ومنعها عمن يسعى]. الإيمان بالقدر من أركان الدين الإسلامي، لا بد منه، والقدر هو عبارة عن قدرة الله جل وعلا، وهو في الواقع علم الله وقدرته وفعله، هذا هو القدر، وليس القدر إرغام الإنسان أن يفعل شيئاً وهو لا يريده كما يتصوره بعض الجهلة، وربما ترك العمل أو رضي بالمعاصي وأقام عليها، ثم يصبح يحتج بالقدر ويقول: هذا قدر. وهذا لا يجوز. الله جل وعلا ذم الذين احتجوا على شركهم بالقدر، الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام:١٤٨]، وأخبر أن هذا معارضة لشرع الله بقدره، فهم يقولون: إن مشيئة الله شاملة، فهو الذي جعلنا مشركين، ولو شاء لجعلنا موحدين، فنحن نرضى بمشيئته التي شاءها لنا. فهذا الإنسان يعاند الله جل وعلا، مثل قول الشيطان لما أمر الله جل وعلا أن يسجد لآدم: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] أبى أن يسجد لآدم، لماذا؟ لأنه يرى أن رأيه أفضل مما يقوله الله جل وعلا ويأمر به، عناد ومكابرة واعتراض على الله جل وعلا، وكذلك الذي لا يؤمن بالقدر وينفي القدر -والقدر قدرة الله- أو يكفر به، وإن أقر بأن الله قدره لا يمتثل لذلك ولا يؤمن به، وكله شر. والواجب على المسلم أن يجتهد في الشيء الذي ينفعه، سواءٌ أكان أمراً شرعياً، أم أمراً عادياً مما يخصه في معيشته وعمله، فيفعل السبب المشروع الذي شرعه الله له، فإن تخلف مراده ولم يحصل له مراده فلا يصبح يلوم نفسه، أو يلوم الأيام، أو يلوم الآخرين، وربما يغضب ويقول: فلان السبب، وفلان السبب، ولولا كذا لصار كذا. عليه أن يعلم أن هذا هو الذي قدر، فيسلم للقدر، ويقول: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، لو شاء الله لكان ذلك. كما جاء في حديث أنس يقول: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنوات، وما سمعته يقول لي لشيء لم أصنعه: لمَ لم تصنع هذا؟ ولا لشيء صنعته: لمَ صنعت هذا؟! وإنما إذا تخلف الشيء الذي يريده قال: (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وليس معنى هذا أن الإنسان يترك العمل، لا. بل يعمل، ولكن يكون حسب ما أراد الله جل وعلا له وأراده منه رسوله صلوات الله وسلامه عليه، كما قال: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك ما تكره فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان)، وعمل الشيطان هو التأسف على الفائت، وكذلك من لوم القدر التحسر عليه، والشيء الذي وقع لا يمكن رده ولا يمكن استدراكه، والشيء الذي قدره الله لا بد منه، وفي وصيته ﷺ لابن عمه عبد الله بن عباس يقول: (واعلم أن الناس لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم ينفعوك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يضروك، رفعت الأقلام وجفت الصحف). فالقدر ركن من أركان الإيمان يجب الإيمان به، وهو عبارة عن كون الإنسان يؤمن بأن الله علم كل شيء قبل وجوده، فعلمه محيط بكل شيء، علم الأشياء في الأزل قبل وجودها، ثم كتبها، فكل ما يقع مكتوب في كتاب محفوظ عند الله، ثم هو الذي شاء وجودها وخلقها. والقدر عبارة عن هذه الأمور: علم الله وقدرته ومشيئته، وكتابته التي لا يمكن أن تتخلف، وليس معنى هذا أن هذا العبد يكون مجبوراً على ذلك، بل العبد ما يدري ما كتب عليه، وما له علم بهذا، وقد أمر بالاجتهاد، فإن ترك العمل وترك الأسباب فهو الملوم واللوم عليه، وإن فعل الأسباب واجتهد فيها فلا لوم عليه، والشيء الذي يفوته ولم يفرط فيه يكون مأجوراً عليه، وإذا انضاف إلى ذلك الرضا بالقدر والتسليم فإنه يزداد أيضاً أجراً على هذا، ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١] يعني: يؤمن بأن هذه المصيبة من عند الله ويسلم وينقاد لذلك ولا يعترض، فيزيده الله هداية في قلبه. ولوم القدر لا يجدي شيئاً، وإنما يزيد الإنسان تحسراً، ويزيده أيضاً خسارة وإثماً بذلك، ولا يضر الله شيئاً، فإنه -مثلاً- لو أصيب الإنسان بمصيبة فمات ابنه أو أبوه أو أخوه أو زوجته أو قريبه، وصار يخمش وجهه ويشق ثوبه ويلطم أو يلعن أو يتأسف هل يفيده ذلك شيء؟ هل يرد عليه الفائت؟ بل يكون قد عصى الله، وإذا صبر واحتسب وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها. فإنه يكون راضياً بهذا ويثيبه الله ويخلف عليه، ويكون حصل على الخير، ويفوته ما أراده الشيطان منه، الشيطان يريد أن يخرجه عن طاعة الله، بخلاف ما إذا فعل كفعل الجهلة، فإنه يأثم ولا يحصل له شيء من الفائت، فالفائت فات. ثم الأوامر التي يؤمر بها الإنسان مثل الصلاة وترك المعصية لا يجوز للإنسان أن يحتج على فعل المعصية أو ترك الطاعة بأن يقول: هذا قدر! لأن هذا عناد ومعاندة، أنت أمرت بهذا الفعل فامتثل، ولا تتركه وتقول: قدر. وما يدريك أنه قدر قبل أن يقع؟! ولكن قولك: قدر معناه المعاندة وتبرئة نفسك، أي أنك تريد أن تبرر فعلك، وتجعل اللوم على الله، هذا هو الواقع، أنه يجعل اللوم على الله؛ لأنه هو الذي قدر هذا، وهذا يكون محاجة لله، بل مخاصمة، ولهذا الذين يحتجون بالقدر هم خصوم الله جل وعلا. والإيمان بالقدر يكتسب به العبد زيادة إيمان وطمأنينة، وكذلك يكتسب به أيضاً صلة بالله، ويزداد خيراً، وربما خلف عليه أفضل مما أخذ، جاء في الصحيح أن أم سلمة لما توفي زوجها، وكانت قد سمعت النبي ﷺ يقول: (من أصيب بمصيبة فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها إلا آجره الله وخلف عليه خيراً منها) قالت: لما توفي أبو سلمة قلت هذا الذي سمعت من رسول الله ﷺ ، ثم قلت لنفسي: وأي أحد خير من أبي سلمة؟! لن أجد أحداً خيراً من أبي سلمة فجاءها من هو خير منه، جاءها رسول الله ﷺ . فهكذا الإنسان إذا امتثل أمر الرسول ﷺ ورضي حصل له الأجر، وحصل له الخير العاجل مع الآجل، بخلاف ما إذا تسخط ذلك وأبى قبوله فإنه يحصل له الوزر ولا يحصل على شيء من مطلوبه. ثم إن هذا يكون عند أول الأمر، أما إذا تمادى الأمر فإن الإنسان يسلو كما تسلوا البهائم، يمر يوم ويومان وثلاثة أيام ثم ينسى مصيبته، مر الرسول ﷺ على امرأة تبكي وعلم أنها تبكي على فقد ولدها، فقال: (اتقي الله واصبري)، فلم ترض بهذا، وقالت: إليك عني؛ إنك لم تصب بمصيبتي. وهي ما عرفت الرسول ﷺ ، فتركها صلوات الله وسلامه عليه، ثم قيل لها: إن هذا الذي كلمك هو رسول الله ﷺ . فندمت على هذا وجاءت إليه وقالت: يا رسول الله! أصبر. فقال: (إنما الصبر عند الصدمة الأولى)، أما إذا مضى الوقت فإن الإنسان ينسى شيئاً فشيئاً، ثم يسلو كما تسلوا البهائم، البهيمة إذا فقدت ولدها صارت تصيح عليه ثم تخف شيئاً فشيئاً، والإنسان مثل ذلك، فيصبح مأزوراً غير مأجور، ولا اعتاض شيئاً مما فقد. فالعاقل يجب عليه أن يتميز، لا سيما المؤمن يجب أن يتميز عن غيره، وأن يعلم أنه يصاب بما وقع له، وينبغي للمؤمن إذا أصابته مصيبة أن يتذكر مصيبته برسول الله ﷺ ، فهي فوق جميع المصائب فيتسلى بذلك.

стр. 343

من آداب الجهاد [المسألة الرابعة والعشرون: الأدب في قوله ﷺ : (على رسلك)]. الأدب في القتال من آداب الإسلام التي علمها رسول الله ﷺ أمته، فما يكون هناك ضجيج، ولا يكون هناك طيش ولا تهور، وإنما يكون هناك سكينة وطمأنينة وثقة بالله جل وعلا؛ لأن الله وعد المؤمنين بنصره، فإذا ترسموا طريق رسول الله ﷺ وصاروا خلفه لا بد أن ينصروا على كل حال، أما إذا خالفوا وأبوا السير على نهج رسول الله ﷺ فالأمر يأتي من قبل أنفسهم، فالأدب يؤخذ عن رسول الله ﷺ قولاً وفعلاً. [المسألة الخامسة والعشرون: الدعوة إلى الإسلام قبل القتال. المسألة السادسة والعشرون: أنه مشروع لمن دعوا قبل ذلك وقوتلوا]. يعني أنه مستحب وليس واجباً، إذا بلغت القوم الدعوة يستحب أن يدعوا مرة أخرى قبل أن يُبدأوا بالقتال، ويجوز أن يُبدأوا بالقتال قبل أن يدعوا؛ لأن الرسول ﷺ دهم بني المصطلق وهم غافلون، ما دعاهم بل أغار عليهم، فقتل مقاتلتهم وسبى نساءهم وأخذ أموالهم وهم غافلون؛ وذلك لأن الدعوة سبقت إليهم، دعوا فأبوا أن يقبلوها، فيجوز هذا، ولكن يستحب أن يدعوا مرة أخرى، والمؤمنون إذا كانوا متبعين للحق فهم لا يرهبون من عدوهم، بل يكون عندهم ثقة بنصر الله جل وعلا، وهم لا يمكن أن يصيبهم إلا إحدى الحسنين: إما الشهادة وهي أعلى ما يطلبه المؤمن، وإما النصر والظفر، فلا بد من واحدة من هاتين الخصلتين، وكل واحدة منها محبوبة إلى المؤمنين. فلا يرهبون من كونهم يُعلِمون الكافرين بأنهم سيقاتلونهم، ويحذرونهم من سطوة الله جل وعلا التي تكون بأيدي عباده المؤمنين، يحذرونهم أولاً، ويطلبون منهم أن يدخلوا في الإسلام؛ لأن هذا هو المقصود بالقتال، المقصود في القتال في قتال الناس إيصال الإسلام إليهم، فإذا امتنعوا من ذلك قوتلوا.

стр. 344

الدعوة بالحكمة [المسألة السابعة والعشرون: الدعوة بالحكمة بقوله ﷺ : (أخبرهم بما يجب)]. الدعوة بالحكمة، والحكمة مطلوبة في كل شيء حتى مع عدوك، وكما أن العدل مطلوب حتى مع العدو فلا يجوز أن يأتي الإنسان بخلاف الحكمة فإنه لا ينجح، وإنما ينجح إذا أتى بالحكمة، ومعنى الحكمة: أن يوقع الأمور مواقعها. فيضع الأمور في مواقعها من الكلام والفعل، يضعها في مواضعها التي تليق بها، هذه هي الحكمة. ودعوة الناس تختلف، فمنهم من يكون يريد مجرد بيان الحق، فهذا يبين له الحق ويوضح، وإذا وضح له الحق رضي به واتبعه، ومنهم من يكون عنده أمور وموانع كرئاسة أو ما أشبه ذلك، فهذا يدعى بالترغيب والترهيب، ومنهم من يكون عارفاً للحق ومعانداً فمثل هذا الكلام معه ما يجدي، وإنما تجدي معه القوة، فهذا يقاتل، ولكن مع ذلك يبين له الحق لعل الله جل وعلا أن يهديه، ويكون مراد الإنسان الداعي أن يقوم بالواجب الذي أوجبه الله عليه، وأن يجتهد في أن ينقذ الله على يده من يشاء الله إنقاذه من النار، هذا هو المقصود بالدعوة والجهاد.

стр. 345

حق الله في الإسلام [المسألة الثامنة والعشرون: المعرفة بحق الله في الإسلام]. معرفة حق الله في الإسلام هو من واجبات الإسلام التي أوجبها الله جل وعلا، يجب على الإنسان أن يعرف ذلك، ويعرف لوازمه ويعرف شروطه، ويختلف باختلاف الناس، فمن الناس من تجب عليه الزكاة فيجب أن يعرف وجوب الزكاة ونصابها والشيء الذي يخرجه ولمن يخرجه. وكذلك بعضهم يحتاج إلى المعاملات، فيجب عليه أن يعرف أحكام المعاملة، وهكذا حقوق الإسلام تختلف باختلاف الناس.

стр. 346

ثواب من اهتدى على يده رجل واحد [المسألة التاسعة والعشرون: ثواب من اهتدى على يده رجل واحد]. يقول: (لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)، رجل واحد، فكيف إذا اهتدى به خلق كثير، ماذا يكون له؟! تكون الفضائل والأجور التي يكتسبها ما لها قدر، وإنما يعرفها الله جل وعلا، إذا اهتدى على يديه رجل واحد خير له من أموال الدنيا الحسنة الجميلة، فكيف إذا اهتدى على يده مئات أو عشرات؟! يكون هذا الخير لا يمكن أن يقاس بالدنيا أبداً، فهو ينقذ هؤلاء من النار، والله جل وعلا يخبرنا أن الإنسان إذا أحيا نفساً واحدة فكأنما أحيا الناس جميعاً، ومعلوم أن الحياة في الواقع هي حياة الإيمان، ما هي الحياة الطبيعية البهيمية، إن الحياة الحقيقة هي حياة الإيمان ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢]، فهذا مثل المؤمن مع الكافر، فالمؤمن مثله مع الكافر كمثل الحي والميت، والذي يُضل على يده رجلاً فكأنه قتل الناس جميعاً، الذي يُضل رجلاً واحداً فيخرجه من الإسلام كمن يقتل الناس جميعاً، عليه من الإثم قدر هذا كله، ومعلوم أن من قتل رجلاً واحداً مؤمناً بلا حق فإن الله قد توعده باللعن والغضب ودخول جهنم خالداً فيها.

стр. 347

الحلف على الفتيا [المسألة الثلاثون والأخيرة: الحلف على الفتيا]. الحلف يكون لمصلحة، والرسول ﷺ أقسم في هذه القضية وقال: (والله لئن يهدي الله بك)، فهذا يدل على مشروعية الحلف ولو لم يطلب منك الحلف، إذا كان هناك شيء واثق منه الإنسان، فيذكره للتأكيد، وقد يكون المخاطب عنده تردد، أو يكون هذا الأمر عظيماً فيحلف عليه لعظمته وتأكيده، وإنما يكون الحلف لمصلحة السامع الذي يسمع.

стр. 348

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٢٩] سبب وقوع الشرك في بني آدم هو الغلو في الصالحين والتعلق بهم، واتخاذهم شفعاء عند الله، كما وقع لقوم نوح عندما صوروا الصالحين، ثم طال عليهم الأمر فعبدوهم من دون الله، وصور الشرك كثيرة، وقد حذرنا الله منها ورسوله ﷺ ، وبين ذلك أهل العلم ﵏.

стр. 349

تفسير التوحيد قال المصنف ﵀: [باب: تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله]. التفسير: هو الكشف والإيضاح والبيان. تفسير الشيء بيانه وإيضاحه، وقوله: [وشهادة أن لا إله إلا الله] عطف على التوحيد، و (لا إله إلا الله) هي التي دلت على التوحيد، وهي التوحيد، فيكون هذا من عطف الدال على المدلول؛ لأن الدال هو شهادة أن لا إله إلا الله، والمدلول هو التوحيد، وتوحيد الله يحصل بشهادة ألا إله إلا الله؛ لأن شهادة ألا إله إلا الله وضعت لإخلاص العبادة لله وحده، وإذا كانت العبادة غير خالصة لله جل وعلا فليس في العبادة توحيد وليست عبادة شرعية، وإن كانت عبادة لغوية ولكنها لا تكون شرعية؛ لأن العبادة الشرعية هي المقبولة التي أمر الله جل وعلا بها، والله يقبل الخالص ويأمر به، وينهى عن الشرك، فالعبادة الشركية محبطة للعمل.

стр. 350

المشركون يقرون بأن الله خالقهم ومن المعلوم أن جميع المشركين الذين بعثت فيهم الرسل كانوا يعبدون الله، ولكنهم كانوا يعبدون معه غيره، ما كانوا يعبدون أصنامهم فقط غير عارفين بالله، بل كانوا مؤمنين بالله، ويعلمون أنه المتصرف في الكون كله، وأنه لا أحد يشاركه في الخلق والإيجاد والإحياء والإماتة، وأنه لا أحد يشاركه في إنزال المطر وإنبات النبات وإيجاد الرزق وكشف الكربات وإجابة المضطرين، كل الكفار يعلمون هذا ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧]، ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر:٣٨] يعلمون قطعاً أنها لا تفعل ذلك. وكذلك يعلمون أن الله جل وعلا وحده هو الذي ينزل المطر وينبت النبات ويرزقهم ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١ - ٢٢] كيف يعلمون؟ يعلمون أن الله هو المتوحد بما ذكر؛ لأنه هو الذي خلقهم وحده، وخلق من قبلهم، وهو الذي جعل لهم الأرض فراشاً، وجعلها على هذا الشكل يستطيعون الانتفاع بها والسكون عليها، وهو الذي أنزل المطر من السماء، وأنبت به ما يأكلون منه وتأكل منه أنعامهم، يعلمون هذا تماماً، فكيف يجعلون له نداً وهم يعلمون أنه المتفرد بذلك، وأن الأصنام التي يسمونها آلهة -سواءٌ أكانت أحجاراً أو أشجاراً أو أمواتاً أو ملائكة أو جناً أو أنبياء أو غيرهم- لا تملك من ذلك شيئاً، ويعلمون هذا قطعاً؟! إذاً: فشرك المشركين وقعوا فيه، هو أنهم يسألون الشفاعة من غير الله، ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، يقولون: ندعوا هذه المدعوات حتى تدعوا الله لنا. هذه حقيقة شركهم، وإلا ما كانوا يعتقدون أن الحجر يملك النفع ويدفع الضر، ما كانوا يعتقدون هذا، ولا أحد منهم، ولا كانوا يعتقدون أن الميت يستطيع أن يعطيهم الجنة وينجيهم من النار، وإنما يقول أحدهم: أنا أسأله، فهو بدوره يسأل الله لي؛ لأنه هو صالح مقرب عند الله. فيجعله شافعاً له فقط، وهذا قياس منهم على المعهود لهم في الدنيا، إذا كان هناك ملك أو رئيس فما كل واحد يستطيع أن يصل إليه ويطلب منه، فيتوسط إليه الطالب بمن هو مقرب عنده، وعلى هذا القياس وقعوا في الشرك، فأصل الشرك هو طلب الشفاعة. فالإخلاص هو أن تكون الدعوة لله وحده، ولا يكون هناك واسطة، ويكون العمل لله وحده، ولا يقصد بالعمل غير الله، ويكون العمل بما جاء به الرسول ﷺ ، فهذا هو التوحيد الذي دلت عليه كلمة الإخلاص (لا إله إلا الله).

стр. 351

وجوب التعلق بالله وحده قال الشارح: [قوله: باب تفسير التوحيد وشهادة ألا إله إلا الله. قلت: هذا من عطف الدال على المدلول. فإن قيل: قد تقدم في أول الكتاب من الآيات ما يبين معنى (لا إله إلا الله) وما تضمنته من التوحيد، كقوله تعالى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] وسابقها ولاحقها، وكذلك ما ذكره في الأبواب بعدها فما فائدة هذه الترجمة؟ قيل: هذه الآيات المذكورات في هذا الباب فيها مزيد بيان بخصوصها لمعنى كلمة الإخلاص وما دلت عليه: من توحيد العبادة، وفيها: الحجة على من تعلق على الأنبياء والصالحين يدعوهم ويسألهم لأن ذلك هو سبب نزول بعض هذه الايات كالآية الأولى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الإسراء:٥٦] أكثر المفسرين على أنها نزلت فيمن يعبد المسيح وأمه وعزيراً والملائكة، وقد نهى الله عن ذلك أشد النهي كما في هذه الآية من التهديد والوعيد على ذلك، وهذا يدل على أن دعاءهم من دون الله شرك بالله ينافي التوحيد وينافي شهادة أن لا إله إلا الله؛ ومضمون هذه الكلمة نفي الشرك في العبادة والبراءة من عبادة كل ما عبد من دون الله؛ فإن التوحيد أن لا يدعى إلا الله وحده، وكلمة الإخلاص نفت هذا الشرك؛ لأن دعوة غير الله تأله وعبادة له، و (الدعاء مخ العبادة). وفى هذه الآية: أن المدعو لا يملك لداعيه كشف ضر ولا تحويله من مكان إلى مكان، ولا من صفة إلى صفة، ولو كان المدعو نبياً أو ملكاً، وهذا يقرر بطلان دعوة كل مدعو من دون الله، كائناً من كان؛ لأن دعوته تخون داعيه أحوج ما كان إليها؛ لأنه أشرك مع الله من لا ينفعه ولا يضره، وهذه الآية تقرر التوحيد ومعنى لا إله إلا الله. قوله: وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء:٥٧]. يبين أن هذا سبيل الأنبياء والمرسلين ومن تبعهم من المؤمنين قال قتادة: تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه، وقرأ ابن زيد: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء:٥٧] قال العماد ابن كثير: وهذا لا خلاف فيه بين المفسرين، وذكره عن عدة من أئمة التفسير. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: في هذه الآية ذكر المقامات الثلاثة: الحب وهو ابتغاء التقرب إليه والتوسل إليه بالأعمال الصالحة، والرجاء والخوف، وهذا هو التوحيد وهو حقيقة دين الإسلام كما في المسند عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه قال للنبي ﷺ : (والله يا رسول الله ما أتيتك إلا بعد ما حلفت عدد أصابعي هذه: أن لا آتيك، فبالذي بعثك بالحق ما بعثك به؟ قال: الإسلام. قال: وما الإسلام؟ قال: أن تسلم قلبك وأن توجه وجهك إلى الله، وأن تصلي الصلوات المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة) وأخرج محمد بن نصر المروزي من حديث خالد بن معدان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إن للإسلام صوى ومناراً كمنار الطريق، من ذلك أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [لقمان:٢٢]. يجب على المسلم أن يجعل خوفه ورجاءه وتعلقه بالله وحده فقط، ويعلم أن جميع الخلق لا يملكون ضراً ولا نفعاً من دون الله جل وعلا، قال الرسول ﷺ في وصيته لـ ابن عباس: (واعلم أن الخلق لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)، فالأمر كله بيد الله جل وعلا، فيجب أن يكون تعلق القلب والتوجه إليه وحده، وأن تكون العبادة خالصة له وحده. والعبادة تكون بالقلب وتكون بالجوارح، وتكون بهما جميعاً، فمثلاً القيام تعبداً يجب أن يكون لله، والركوع يجب أن يكون لله، والسجود يجب أن يكون لله، والتوبة يجب أن تكون لله، والنذر والدعاء والرجاء والخوف وغير ذلك من أنواع العبادة الكثيرة كلها يجب أن تكون خالصة لله جل وعلا، ولا يجوز أن يتعلق العابد لله بغير الله جل وعلا في دعاء ولا في خوف ولا في رجاء، إلا أن الخوف يكون خوفاً طبيعياً ويكون خوفاً غيبيا، فالخوف الطبيعي كالذي يخاف من السبع أو من الحية أو من الظالم المقتدر على أذاه أو تعذيبه، فهذا لا يضر الإنسان شيئاً، وليس عليه في ذلك شيء. ولكن الخوف الذي يضر إذا خاف من غائب عنه، فهو يخافه وهو ميت، أو يخافه في أمر ليس من الأسباب الظاهرة، فإن هذا لا يجوز أن يكون إلا لله وحده جل وعلا، فإن حصل للإنسان شيء من ذلك -والعياذ بالله- فقد وقع في الشرك، وهذا الشرك يكون من الشرك الأكبر. وكذلك المحبة يجب أن تكون لله وحده، فالحب هو لب العبادة وهو التأله، وهو معنى (لا إله إلا الله)، فيجب أن يكون لله وحده، إلا أن الحب -كما سيأتي- ينقسم أيضاً إلى حب طبيعي وحب خاص، فالحب الطبيعي كحب الجائع للطعام والظمآن للشراب، وكذلك حب الألفة والأنس والمصاحبة، وكذلك حب الحنان والرحمة كحب الوالد لولده وما أشبه ذلك فهذا لا ضير فيه، ولا يلام الإنسان عليه، وإنما الحب الذي يكون لله هو الحب الخاص الذي يتضمن الذل والتعظيم، فهذا لا يجوز إلا أن يكون لله؛ إذ كان الحب في ضمنه ذل للمحبوب وتعظيم له، فهذا يكون عبادة لا يجوز أن يكون للمخلوق، وكذلك هذه الآية، حيث استثنى إبراهيم الله جل وعلا فقال: ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف:٢٧] مما يدل على أنه لا يكفي في عبادة الله جل وعلا أن يقر الإنسان بأن الله هو ربه، مع أنه يوزع عبادته بين الله جل وعلا وبين المخلوقين، فإنه بذلك يكون مشركاً، فإذا قال الإنسان: إن الله هو ربي، وهو خالقي، وهو المتصرف في كل شيء والمالك لكل شيء، وهو المحيي والمميت، وهو الضار النافع، ومع ذلك يدعو غيره من الأموات فهذا الإقرار لا يفيده شيئاً ولا ينفعه، وذلك لأن المشرك لا يقبل منه عمل، والشرك يفسد العمل كله، فلابد في قبول العمل وصحته من الإخلاص، أن يكون الإنسان مخلصاً في عبادته ودعوته واتجاهه إلى الله جل وعلا.

стр. 352

معنى قوله تعالى: (وجعلها كلمة باقية في عقبة لعلهم يرجعون) قال المصنف ﵀: [وقول الله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف:٢٨] أي: لا إله إلا الله. فتدبر كيف عبر إبراهيم ﵇ عن هذه الكلمة العظيمة بمعناها الذي دلت عليه ووضعت له من البراءة من كل ما يعبد من دون الله من المعبودات الموجودة في الخارج كالكواكب والأصنام التي صورها قوم نوح على صور الصالحين ود وسواع ويعوق ويغوث ونسر، وغيرها من الأمثال والأنداد التي كان يعبدها المشركون بأعيانها. ولم يستثن من جميع المعبودات إلا الذي فطره، وهو الله وحده لا شريك له، فهذا هو الذي دلت عليه كلمة الإخلاص مطابقة، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج:٦٢] فكل عبادة يقصد بها غير الله تعالى من دعاء وغيره فهي باطله، وهي الشرك الذي لا يغفره الله، قال تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ [غافر:٧٣ - ٧٤]]. يعني: هذا في الآخرة، حيث ضلوا في الدنيا فيضلهم الله في الآخرة إلى سوء الظنون، ويظنون أنهم على شيء وهم كاذبون، ومعنى قوله: ﴿ضلوا عنا﴾ يعني: ذهبوا لا نراهم ولا وجود لهم حيث اعتقدوا في الدنيا أنهم يشفعون لهم، وشرك المشركين السابقين كله من هذا القبيل، أي: التشفع فقط. يتخذون الأصنام والصالحين شفعاء، مثلما ذكر في قصة نوح عندما صاروا يدعون وداً وسواع ويغوث ويعوق ونسراً، يقول العلماء: إن هذه الأسماء لرجال صالحين كانوا فيهم، وكانوا قدوة لهم، فماتوا في وقت متقارب، فأسفوا على فقدهم لأنهم يقتدون بهم ويهتدون بهديهم، وهم علماؤهم وعبادهم، فجاءهم الشيطان بصورة ناصح وقال لهم: ألا تصوروا صورهم فتضعونها في أماكنهم التي كانوا يجلسون فيها ويتعبدون فيها، فإذا رأيتم صورهم تذكرتم أفعالهم فاجتهدتم كاجتهادهم؟! فاستحسنوا هذا وصنعوه وصاروا على هذا العمل وقتاً إلى أن ماتوا، فجاء الذين بعدهم، ونسوا السبب الذي من أجله صوروا، فجاء إليهم الشيطان فقال: آباؤكم ما صوروا هؤلاء إلا لأنهم يتشفعون بهم، ويطلبون شفاعتهم عند الله ويجعلونهم شفعاء. فهذا هو أصل الشرك، وهذا أول شرك وقع في الأرض، أما قبل ذلك فكان الناس كلهم على منهج أبيهم آدم ﵇ موحدين يعبدون الله وحده، ولهذا فنوح هو أول الرسل، وقبل ذلك لم تكن حاجة إلى إرسال الرسل؛ لأن الناس كانوا عابدين لله جل وعلا متبعين الحق مقتدين بأبيهم آدم الذي هو نبي مكلم كلمه الله جل وعلا. فلما وقع هذا الأمر بعث نوح ﵇، وصار يدعوهم إلى عبادة الله وحده، يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح:١] يعني: يأمرهم أن يعبدوا الله وحده. قال لهم هكذا: ((اعبدوا الله مالكم من إله غيره))، وهكذا الرسل كلهم يقولون هذا القول.

стр. 353

سبب وقوع الشرك السبب في وقوع الشرك هو التعلق بالصالحين، وهكذا غير الصالحين مثل الأصنام التي يعبدها الكفار، سواء الكفار الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ أو الكفار الذين بعث إليهم إبراهيم ﵇، أو غيرهم الذين بعث إليهم جميع الرسل، كلهم كان لهم أصنام يتشفعون بها فقط، وما كان أحد يعتقد أن الصنم شريك لله جل وعلا في خلق السموات والأرض وفي التدبير وفي الإحياء والإماتة وإنزال المطر وإنبات النبات وغير ذلك، هذا ما وجد في الناس أصلاً، وإنما عبادتهم لهم أنهم يجعلونهم شفعاء، كما قال الله عنهم: ﴿أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [الزمر:٤٣] يعني: هذه المعبودات اتخذوها شفعاء وزعموا أنها تشفع لهم عند الل. وقال الله عنهم في الآية الأخرى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] يعني: يشفعوا لنا عند الله. فهذا هو الشرك الذي وقع فيه المشركون، ولا يتصور أن شركهم أنهم يسجدون للأصنام والحجارة ويعتقدون أنها تدبر الأمور وتتصرف في الكون، هذا ما وقع، وهم أعقل من ذلك، بل كانوا إذا وقعوا في الشدائد والكروب تركوا هذه الأصنام أصلاً ولجاؤا إلى الله وحده، وعلموا أنه لا يجيبهم ويكشف ما بهم إلا الله وحده، ولهذا احتج الله عليهم بذلك، كما قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢] يعني: هل أحد غير الله؟ أقروا أنه الله وحده، وكذلك أخبر الله جل وعلا أنهم إذا سئلوا: من خلق السموات والأرض؟ قالوا: الله. وإذا سئلوا: من خلقكم؟ قالوا: الله. وإذا سئلوا: من بيده ملكوت السموات والأرض؟ قالوا: الله. فهم مقرون أن الذي يملك ما في السموات وما في الأرض هو الله، وكل هذا ظاهر جلي في القصص التي قصها ربنا علينا في القرآن عن الأمم السابقة والأنبياء. إذاً: فشرك المشركين هو في كونهم يدعون المعبودات التي يعبدونها ويدعونها لتشفع لهم فقط، سواءٌ أكانت المعبودات حجارة أم أشجاراً أم مياهاً أم أشخاصاً أم أمواتاً أم ملائكة أم جناً أم أنبياءً أم غير ذلك، فهذه هي عبادتهم، وهذا يجب على المسلم أن يتعرف عليه ويعرفه؛ لأن الله جل وعلا أخبرنا أنه لا يغفر أن يشرك به، وأن المشرك إذا مات مشركاً فهو خالد في النار، وأن الجنة عليه حرام، وأنه ليس بخارج من النار، وهذا أمر عظيم جداً، فإذا كان الأمر هكذا فيتعين على العاقل أن يتعرف على الشرك خوفاً من أن يقع فيه وهو لا يدري؛ لأنه قد يقع الإنسان في الباطل وهو لا يظن أنه باطل لجهل الأمر، والعاصم من ذلك فهم كتاب الله واتباع سنة رسول الله ﷺ ، والإنسان يعتصم بهذا -إذا عصمه الله جل وعلا- بفهمه وعلمه، وإلا فالإنسان قد يستطيع أن يفسر كلام الله ويبين دليله من اللغة وهو مخالف له، فقد وقع في هذا كثير من الناس، فالأمر ليس سهلاً. فالمقصود أن شرك المشركين هو من هذا القبيل فقط، ما كان أحدهم يتصور -فضلاً عن الاعتقاد- أن شيئاً من المخلوقات يحيي أو يميت أو ينزل المطر أو ينبت النبات ويتصرف مع الله جل وعلا. وكل هذا من باب القياس، وذلك أن بني آدم علموا أن العظماء والرؤساء والملوك عندهم من يقوم بتوصيل ما يحتاجون إليه، وأكثر الناس لا يستطيع أن يواجههم وأن يأتي إليهم، وإذا أتى إليهم قد لا يحصل على شيء، فقالوا: لابد من اتخاذ الوسائط والشفعاء الذين لهم مقام عند الرئيس وعند الملك حتى يكلموه وحتى يشفعوا عنده، وبذلك يحصل المقصود. فهم جعلوا هذا لرب العالمين، وقاسوا الخالق جل وعلا على المخلوق، وهذا هو الشرك الأكبر، هو تشبيه الخالق جل وعلا بالمخلوق، أو تشبيه المخلوق بالخالق، فهذا يتعالى الله عنه ويتقدس؛ إذ ليس بينه وبين عبده واسطة، أينما كنت اتجه إلى ربك فهو يراك ويسمعك، وهو أقرب إليك من كل أحد إذا أخلصت له ودعوت، ولا تجعل بينك وبين ربك وساطة، ولا يجوز أن يكون بين العبد وبين ربه وسائط إلا واسطة واحدة وهي الرسول ﷺ في بادئ الأمر في تبليغ أمر الله فقط، في تبليغ شرع الله ودينه؛ لأن الله جل وعلا يوحي إلى من يشاء من الرسل فقط، ولا يكلم أحداً من الناس، وإنما يكلم الرسل إذا شاء من وراء حجاب أو بالوحي، فهم الوساطة بين الخلق وبين ربهم جل وعلا في تبيلغ أمره ودينه وشرعه. أما في الدعاء والتوجه والطلب فليس بين الله جل وعلا وبين الخلق وسائط، فمن جعل وسائط بينه وبين الله فقد وقع فيما وقع فيه المشركون الذين عبدوا مع الله غيره.

стр. 354

معنى قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله) قال المصنف: [وقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١]]. هذه الآية أيضاً من الآيات التي توضح معنى (لا إله إلا الله) وتبين ذلك، فهي في أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١]، والأحبار: هم العلماء، والرهبان: هم العباد الذين يتعبدون لله جل وعلا. والله يخبرنا عن اليهود والنصارى أنهم اتخذوا هذين النوعين من البشر أرباباً من دون الله، وقد جاء تفسيرها التفسير الواضح عن النبي ﷺ في حديث عدي بن حاتم، فإن عدياً كان نصرانياً، فقدم على النبي ﷺ ، وكان في رقبته صليب، فقال له: (ألق عنك هذا الوثن، ثم سمعه يقرأ هذه الآية، فقال: إنهم لم يعبدوهم! فقال له الرسول ﷺ : ألم يحللوا الحرام فيتبعوهم على ذلك، ويحرموا عليهم الحلال فيتبعوهم على ذلك؟ قال: بلى. قال: تلك عبادتهم) يعني: اتباعهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال. وباختصار: هو طاعتهم في معصية الله. فإذا أطاعوهم في معصية الله فقد اتخذوهم أرباباً، والرب: هو المالك المتصرف المعبود الذي يجب أن يعبد وحده، وهو الذي يملك الأمر والنهي ويملك التشريع، ويجب أن يكون له التحليل والتحريم، فلا يجوز أن يكون إلا لله جل وعلا؛ لأن من مقتضى الربوبية أن الرب هو الذي يأمر عباده ويحلل لهم ويحرم عليهم، ولا أحد من الخلق يملك شيئاً من ذلك، فإن اتبع مخلوقاً في شيء من ذلك فقد اتخذه رباً، والرب هو الذي يكون معبوداً. ولكن في هذا شيء من التفصيل، فإن هذا الأمر ينقسم إلى قسمين، فإذا اتبع الإنسان مخلوقاً في التحريم والتحليل فلا يخلو الأمر إما أن يكون عالماً بأنه حلل الحرام وحرم الحلال ويعلم ذلك فيتبعه مع علمه أنه فعل ذلك، فمن اتبعه على هذا الوصف فهو كافر مشرك خارج من الدين الإسلامي. وأما إن كان جاهلاً لا يدري، بل أحسن به الظن فاتبعه فإن هذا عاص له حكم أمثاله من العصاة، وقد قال الرسول ﷺ : (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إنما الطاعة بالمعروف) والمعروف هو ما جاء به الشرع أنه أمر بكذا ونهى عن كذا. إذاً: فمعنى هذه الآية أن اليهود والنصارى اتبعوا علماءهم وعبادهم الذين تركوا أمر الله وارتكبوا المحرمات، وتركوا ما هو أمر إلزامي من الله ﵎، فاتبعوهم على هذا فكانوا أرباباً لهم. وهكذا إذا اتبع الإنسان من هذه الأمة هذا السبيل، اتبع من يحلل الحرام ويحرم الحلال، فإن له حكمه، وذلك أن القرآن ذكر هذه الأشياء عن اليهود والنصارى حتى نجتنبها ونبتعد عنها، وإلا فإنهم في الغالب لا ينتفعون بهذا، وإنما المقصود نحن المسلمين، حتى لا نقع فيما وقع فيه أولئك. إذاً: فالتحريم والتحليل والاتباع هذا من خصائص الله، ومن معنى (لا إله إلا الله)، فإن معنى (لا إله إلا الله) أن تعبد الله، وعبادة الله تكون باتباع أمره الذي أمرك الله به واجتناب نهيه الذي نهاك الله عنه، أما إذا اتبعت أمر مخلوق وتركت أمر الله فإن هذا ينتقض، وتكون هذه العبادة لذلك المخلوق.

стр. 355

الحديث المفسر لهذه الآية قال الشارح: [وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (أنه تلا هذه الآية على عدي بن حاتم الطائي ﵁، فقال: يا رسول الله! لسنا نعبدهم. قال: أليسوا يحلوا لكم ما حرم الله فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى. قال النبي ﷺ : فتلك عبادتهم) فصارت طاعتهم في المعصية عبادة لغير الله تعالى، وبهذا اتخذوهم أرباباً كما هو الواقع في هذه الأمة، وهذا من الشرك الأكبر المنافي للتوحيد الذي هو مدلول شهادة ألا إله إلا الله، فتبين بهذه الآية أن كلمة الإخلاص نفت هذا كله لمنافاته لمدلول هذه الكلمة، فأثبتوا ما نفته من الشرك، وتركوا ما أثبتته من التوحيد]. يكون الاتباع شركاً أكبر إذا كان الإنسان عالماً بأنهم عملوا هذا الشيء -أي تحليل الحرام وتحريم الحلال- فعلم بذلك واتبعهم على هذا، فيكون قد وقع في الشرك الأكبر. أما إذا كان جاهلاً فإنه يكون عاصياً من العصاة، يستحق العقاب إن لم يعف الله عنه، وإلا فهو معرض لعقاب الله جل وعلا، ولكن لا يكفر.
следующие страницы →