Полный текст (2 090 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
وجوب التعلق بالله وحده
قال الشارح: [قوله: باب تفسير التوحيد وشهادة ألا إله إلا الله.
قلت: هذا من عطف الدال على المدلول.
فإن قيل: قد تقدم في أول الكتاب من الآيات ما يبين معنى (لا إله إلا الله) وما تضمنته من التوحيد، كقوله تعالى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] وسابقها ولاحقها، وكذلك ما ذكره في الأبواب بعدها فما فائدة هذه الترجمة؟ قيل: هذه الآيات المذكورات في هذا الباب فيها مزيد بيان بخصوصها لمعنى كلمة الإخلاص وما دلت عليه: من توحيد العبادة، وفيها: الحجة على من تعلق على الأنبياء والصالحين يدعوهم ويسألهم لأن ذلك هو سبب نزول بعض هذه الايات كالآية الأولى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الإسراء:٥٦] أكثر المفسرين على أنها نزلت فيمن يعبد المسيح وأمه وعزيراً والملائكة، وقد نهى الله عن ذلك أشد النهي كما في هذه الآية من التهديد والوعيد على ذلك، وهذا يدل على أن دعاءهم من دون الله شرك بالله ينافي التوحيد وينافي شهادة أن لا إله إلا الله؛ ومضمون هذه الكلمة نفي الشرك في العبادة والبراءة من عبادة كل ما عبد من دون الله؛ فإن التوحيد أن لا يدعى إلا الله وحده، وكلمة الإخلاص نفت هذا الشرك؛ لأن دعوة غير الله تأله وعبادة له، و (الدعاء مخ العبادة).
وفى هذه الآية: أن المدعو لا يملك لداعيه كشف ضر ولا تحويله من مكان إلى مكان، ولا من صفة إلى صفة، ولو كان المدعو نبياً أو ملكاً، وهذا يقرر بطلان دعوة كل مدعو من دون الله، كائناً من كان؛ لأن دعوته تخون داعيه أحوج ما كان إليها؛ لأنه أشرك مع الله من لا ينفعه ولا يضره، وهذه الآية تقرر التوحيد ومعنى لا إله إلا الله.
قوله: وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء:٥٧].
يبين أن هذا سبيل الأنبياء والمرسلين ومن تبعهم من المؤمنين قال قتادة: تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه، وقرأ ابن زيد: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء:٥٧] قال العماد ابن كثير: وهذا لا خلاف فيه بين المفسرين، وذكره عن عدة من أئمة التفسير.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: في هذه الآية ذكر المقامات الثلاثة: الحب وهو ابتغاء التقرب إليه والتوسل إليه بالأعمال الصالحة، والرجاء والخوف، وهذا هو التوحيد وهو حقيقة دين الإسلام كما في المسند عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه قال للنبي ﷺ : (والله يا رسول الله ما أتيتك إلا بعد ما حلفت عدد أصابعي هذه: أن لا آتيك، فبالذي بعثك بالحق ما بعثك به؟ قال: الإسلام.
قال: وما الإسلام؟ قال: أن تسلم قلبك وأن توجه وجهك إلى الله، وأن تصلي الصلوات المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة) وأخرج محمد بن نصر المروزي من حديث خالد بن معدان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إن للإسلام صوى ومناراً كمنار الطريق، من ذلك أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [لقمان:٢٢].
يجب على المسلم أن يجعل خوفه ورجاءه وتعلقه بالله وحده فقط، ويعلم أن جميع الخلق لا يملكون ضراً ولا نفعاً من دون الله جل وعلا، قال الرسول ﷺ في وصيته لـ ابن عباس: (واعلم أن الخلق لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)، فالأمر كله بيد الله جل وعلا، فيجب أن يكون تعلق القلب والتوجه إليه وحده، وأن تكون العبادة خالصة له وحده.
والعبادة تكون بالقلب وتكون بالجوارح، وتكون بهما جميعاً، فمثلاً القيام تعبداً يجب أن يكون لله، والركوع يجب أن يكون لله، والسجود يجب أن يكون لله، والتوبة يجب أن تكون لله، والنذر والدعاء والرجاء والخوف وغير ذلك من أنواع العبادة الكثيرة كلها يجب أن تكون خالصة لله جل وعلا، ولا يجوز أن يتعلق العابد لله بغير الله جل وعلا في دعاء ولا في خوف ولا في رجاء، إلا أن الخوف يكون خوفاً طبيعياً ويكون خوفاً غيبيا، فالخوف الطبيعي كالذي يخاف من السبع أو من الحية أو من الظالم المقتدر على أذاه أو تعذيبه، فهذا لا يضر الإنسان شيئاً، وليس عليه في ذلك شيء.
ولكن الخوف الذي يضر إذا خاف من غائب عنه، فهو يخافه وهو ميت، أو يخافه في أمر ليس من الأسباب الظاهرة، فإن هذا لا يجوز أن يكون إلا لله وحده جل وعلا، فإن حصل للإنسان شيء من ذلك -والعياذ بالله- فقد وقع في الشرك، وهذا الشرك يكون من الشرك الأكبر.
وكذلك المحبة يجب أن تكون لله وحده، فالحب هو لب العبادة وهو التأله، وهو معنى (لا إله إلا الله)، فيجب أن يكون لله وحده، إلا أن الحب -كما سيأتي- ينقسم أيضاً إلى حب طبيعي وحب خاص، فالحب الطبيعي كحب الجائع للطعام والظمآن للشراب، وكذلك حب الألفة والأنس والمصاحبة، وكذلك حب الحنان والرحمة كحب الوالد لولده وما أشبه ذلك فهذا لا ضير فيه، ولا يلام الإنسان عليه، وإنما الحب الذي يكون لله هو الحب الخاص الذي يتضمن الذل والتعظيم، فهذا لا يجوز إلا أن يكون لله؛ إذ كان الحب في ضمنه ذل للمحبوب وتعظيم له، فهذا يكون عبادة لا يجوز أن يكون للمخلوق، وكذلك هذه الآية، حيث استثنى إبراهيم الله جل وعلا فقال: ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف:٢٧] مما يدل على أنه لا يكفي في عبادة الله جل وعلا أن يقر الإنسان بأن الله هو ربه، مع أنه يوزع عبادته بين الله جل وعلا وبين المخلوقين، فإنه بذلك يكون مشركاً، فإذا قال الإنسان: إن الله هو ربي، وهو خالقي، وهو المتصرف في كل شيء والمالك لكل شيء، وهو المحيي والمميت، وهو الضار النافع، ومع ذلك يدعو غيره من الأموات فهذا الإقرار لا يفيده شيئاً ولا ينفعه، وذلك لأن المشرك لا يقبل منه عمل، والشرك يفسد العمل كله، فلابد في قبول العمل وصحته من الإخلاص، أن يكون الإنسان مخلصاً في عبادته ودعوته واتجاهه إلى الله جل وعلا.
стр. 352
معنى قوله تعالى: (وجعلها كلمة باقية في عقبة لعلهم يرجعون)
قال المصنف ﵀: [وقول الله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف:٢٨] أي: لا إله إلا الله.
فتدبر كيف عبر إبراهيم ﵇ عن هذه الكلمة العظيمة بمعناها الذي دلت عليه ووضعت له من البراءة من كل ما يعبد من دون الله من المعبودات الموجودة في الخارج كالكواكب والأصنام التي صورها قوم نوح على صور الصالحين ود وسواع ويعوق ويغوث ونسر، وغيرها من الأمثال والأنداد التي كان يعبدها المشركون بأعيانها.
ولم يستثن من جميع المعبودات إلا الذي فطره، وهو الله وحده لا شريك له، فهذا هو الذي دلت عليه كلمة الإخلاص مطابقة، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج:٦٢] فكل عبادة يقصد بها غير الله تعالى من دعاء وغيره فهي باطله، وهي الشرك الذي لا يغفره الله، قال تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ [غافر:٧٣ - ٧٤]].
يعني: هذا في الآخرة، حيث ضلوا في الدنيا فيضلهم الله في الآخرة إلى سوء الظنون، ويظنون أنهم على شيء وهم كاذبون، ومعنى قوله: ﴿ضلوا عنا﴾ يعني: ذهبوا لا نراهم ولا وجود لهم حيث اعتقدوا في الدنيا أنهم يشفعون لهم، وشرك المشركين السابقين كله من هذا القبيل، أي: التشفع فقط.
يتخذون الأصنام والصالحين شفعاء، مثلما ذكر في قصة نوح عندما صاروا يدعون وداً وسواع ويغوث ويعوق ونسراً، يقول العلماء: إن هذه الأسماء لرجال صالحين كانوا فيهم، وكانوا قدوة لهم، فماتوا في وقت متقارب، فأسفوا على فقدهم لأنهم يقتدون بهم ويهتدون بهديهم، وهم علماؤهم وعبادهم، فجاءهم الشيطان بصورة ناصح وقال لهم: ألا تصوروا صورهم فتضعونها في أماكنهم التي كانوا يجلسون فيها ويتعبدون فيها، فإذا رأيتم صورهم تذكرتم أفعالهم فاجتهدتم كاجتهادهم؟! فاستحسنوا هذا وصنعوه وصاروا على هذا العمل وقتاً إلى أن ماتوا، فجاء الذين بعدهم، ونسوا السبب الذي من أجله صوروا، فجاء إليهم الشيطان فقال: آباؤكم ما صوروا هؤلاء إلا لأنهم يتشفعون بهم، ويطلبون شفاعتهم عند الله ويجعلونهم شفعاء.
فهذا هو أصل الشرك، وهذا أول شرك وقع في الأرض، أما قبل ذلك فكان الناس كلهم على منهج أبيهم آدم ﵇ موحدين يعبدون الله وحده، ولهذا فنوح هو أول الرسل، وقبل ذلك لم تكن حاجة إلى إرسال الرسل؛ لأن الناس كانوا عابدين لله جل وعلا متبعين الحق مقتدين بأبيهم آدم الذي هو نبي مكلم كلمه الله جل وعلا.
فلما وقع هذا الأمر بعث نوح ﵇، وصار يدعوهم إلى عبادة الله وحده، يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح:١] يعني: يأمرهم أن يعبدوا الله وحده.
قال لهم هكذا: ((اعبدوا الله مالكم من إله غيره))، وهكذا الرسل كلهم يقولون هذا القول.
стр. 353
سبب وقوع الشرك
السبب في وقوع الشرك هو التعلق بالصالحين، وهكذا غير الصالحين مثل الأصنام التي يعبدها الكفار، سواء الكفار الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ أو الكفار الذين بعث إليهم إبراهيم ﵇، أو غيرهم الذين بعث إليهم جميع الرسل، كلهم كان لهم أصنام يتشفعون بها فقط، وما كان أحد يعتقد أن الصنم شريك لله جل وعلا في خلق السموات والأرض وفي التدبير وفي الإحياء والإماتة وإنزال المطر وإنبات النبات وغير ذلك، هذا ما وجد في الناس أصلاً، وإنما عبادتهم لهم أنهم يجعلونهم شفعاء، كما قال الله عنهم: ﴿أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [الزمر:٤٣] يعني: هذه المعبودات اتخذوها شفعاء وزعموا أنها تشفع لهم عند الل.
وقال الله عنهم في الآية الأخرى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] يعني: يشفعوا لنا عند الله.
فهذا هو الشرك الذي وقع فيه المشركون، ولا يتصور أن شركهم أنهم يسجدون للأصنام والحجارة ويعتقدون أنها تدبر الأمور وتتصرف في الكون، هذا ما وقع، وهم أعقل من ذلك، بل كانوا إذا وقعوا في الشدائد والكروب تركوا هذه الأصنام أصلاً ولجاؤا إلى الله وحده، وعلموا أنه لا يجيبهم ويكشف ما بهم إلا الله وحده، ولهذا احتج الله عليهم بذلك، كما قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢] يعني: هل أحد غير الله؟ أقروا أنه الله وحده، وكذلك أخبر الله جل وعلا أنهم إذا سئلوا: من خلق السموات والأرض؟ قالوا: الله.
وإذا سئلوا: من خلقكم؟ قالوا: الله.
وإذا سئلوا: من بيده ملكوت السموات والأرض؟ قالوا: الله.
فهم مقرون أن الذي يملك ما في السموات وما في الأرض هو الله، وكل هذا ظاهر جلي في القصص التي قصها ربنا علينا في القرآن عن الأمم السابقة والأنبياء.
إذاً: فشرك المشركين هو في كونهم يدعون المعبودات التي يعبدونها ويدعونها لتشفع لهم فقط، سواءٌ أكانت المعبودات حجارة أم أشجاراً أم مياهاً أم أشخاصاً أم أمواتاً أم ملائكة أم جناً أم أنبياءً أم غير ذلك، فهذه هي عبادتهم، وهذا يجب على المسلم أن يتعرف عليه ويعرفه؛ لأن الله جل وعلا أخبرنا أنه لا يغفر أن يشرك به، وأن المشرك إذا مات مشركاً فهو خالد في النار، وأن الجنة عليه حرام، وأنه ليس بخارج من النار، وهذا أمر عظيم جداً، فإذا كان الأمر هكذا فيتعين على العاقل أن يتعرف على الشرك خوفاً من أن يقع فيه وهو لا يدري؛ لأنه قد يقع الإنسان في الباطل وهو لا يظن أنه باطل لجهل الأمر، والعاصم من ذلك فهم كتاب الله واتباع سنة رسول الله ﷺ ، والإنسان يعتصم بهذا -إذا عصمه الله جل وعلا- بفهمه وعلمه، وإلا فالإنسان قد يستطيع أن يفسر كلام الله ويبين دليله من اللغة وهو مخالف له، فقد وقع في هذا كثير من الناس، فالأمر ليس سهلاً.
فالمقصود أن شرك المشركين هو من هذا القبيل فقط، ما كان أحدهم يتصور -فضلاً عن الاعتقاد- أن شيئاً من المخلوقات يحيي أو يميت أو ينزل المطر أو ينبت النبات ويتصرف مع الله جل وعلا.
وكل هذا من باب القياس، وذلك أن بني آدم علموا أن العظماء والرؤساء والملوك عندهم من يقوم بتوصيل ما يحتاجون إليه، وأكثر الناس لا يستطيع أن يواجههم وأن يأتي إليهم، وإذا أتى إليهم قد لا يحصل على شيء، فقالوا: لابد من اتخاذ الوسائط والشفعاء الذين لهم مقام عند الرئيس وعند الملك حتى يكلموه وحتى يشفعوا عنده، وبذلك يحصل المقصود.
فهم جعلوا هذا لرب العالمين، وقاسوا الخالق جل وعلا على المخلوق، وهذا هو الشرك الأكبر، هو تشبيه الخالق جل وعلا بالمخلوق، أو تشبيه المخلوق بالخالق، فهذا يتعالى الله عنه ويتقدس؛ إذ ليس بينه وبين عبده واسطة، أينما كنت اتجه إلى ربك فهو يراك ويسمعك، وهو أقرب إليك من كل أحد إذا أخلصت له ودعوت، ولا تجعل بينك وبين ربك وساطة، ولا يجوز أن يكون بين العبد وبين ربه وسائط إلا واسطة واحدة وهي الرسول ﷺ في بادئ الأمر في تبليغ أمر الله فقط، في تبليغ شرع الله ودينه؛ لأن الله جل وعلا يوحي إلى من يشاء من الرسل فقط، ولا يكلم أحداً من الناس، وإنما يكلم الرسل إذا شاء من وراء حجاب أو بالوحي، فهم الوساطة بين الخلق وبين ربهم جل وعلا في تبيلغ أمره ودينه وشرعه.
أما في الدعاء والتوجه والطلب فليس بين الله جل وعلا وبين الخلق وسائط، فمن جعل وسائط بينه وبين الله فقد وقع فيما وقع فيه المشركون الذين عبدوا مع الله غيره.
стр. 354
معنى قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله)
قال المصنف: [وقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١]].
هذه الآية أيضاً من الآيات التي توضح معنى (لا إله إلا الله) وتبين ذلك، فهي في أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١]، والأحبار: هم العلماء، والرهبان: هم العباد الذين يتعبدون لله جل وعلا.
والله يخبرنا عن اليهود والنصارى أنهم اتخذوا هذين النوعين من البشر أرباباً من دون الله، وقد جاء تفسيرها التفسير الواضح عن النبي ﷺ في حديث عدي بن حاتم، فإن عدياً كان نصرانياً، فقدم على النبي ﷺ ، وكان في رقبته صليب، فقال له: (ألق عنك هذا الوثن، ثم سمعه يقرأ هذه الآية، فقال: إنهم لم يعبدوهم! فقال له الرسول ﷺ : ألم يحللوا الحرام فيتبعوهم على ذلك، ويحرموا عليهم الحلال فيتبعوهم على ذلك؟ قال: بلى.
قال: تلك عبادتهم) يعني: اتباعهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال.
وباختصار: هو طاعتهم في معصية الله.
فإذا أطاعوهم في معصية الله فقد اتخذوهم أرباباً، والرب: هو المالك المتصرف المعبود الذي يجب أن يعبد وحده، وهو الذي يملك الأمر والنهي ويملك التشريع، ويجب أن يكون له التحليل والتحريم، فلا يجوز أن يكون إلا لله جل وعلا؛ لأن من مقتضى الربوبية أن الرب هو الذي يأمر عباده ويحلل لهم ويحرم عليهم، ولا أحد من الخلق يملك شيئاً من ذلك، فإن اتبع مخلوقاً في شيء من ذلك فقد اتخذه رباً، والرب هو الذي يكون معبوداً.
ولكن في هذا شيء من التفصيل، فإن هذا الأمر ينقسم إلى قسمين، فإذا اتبع الإنسان مخلوقاً في التحريم والتحليل فلا يخلو الأمر إما أن يكون عالماً بأنه حلل الحرام وحرم الحلال ويعلم ذلك فيتبعه مع علمه أنه فعل ذلك، فمن اتبعه على هذا الوصف فهو كافر مشرك خارج من الدين الإسلامي.
وأما إن كان جاهلاً لا يدري، بل أحسن به الظن فاتبعه فإن هذا عاص له حكم أمثاله من العصاة، وقد قال الرسول ﷺ : (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إنما الطاعة بالمعروف) والمعروف هو ما جاء به الشرع أنه أمر بكذا ونهى عن كذا.
إذاً: فمعنى هذه الآية أن اليهود والنصارى اتبعوا علماءهم وعبادهم الذين تركوا أمر الله وارتكبوا المحرمات، وتركوا ما هو أمر إلزامي من الله ﵎، فاتبعوهم على هذا فكانوا أرباباً لهم.
وهكذا إذا اتبع الإنسان من هذه الأمة هذا السبيل، اتبع من يحلل الحرام ويحرم الحلال، فإن له حكمه، وذلك أن القرآن ذكر هذه الأشياء عن اليهود والنصارى حتى نجتنبها ونبتعد عنها، وإلا فإنهم في الغالب لا ينتفعون بهذا، وإنما المقصود نحن المسلمين، حتى لا نقع فيما وقع فيه أولئك.
إذاً: فالتحريم والتحليل والاتباع هذا من خصائص الله، ومن معنى (لا إله إلا الله)، فإن معنى (لا إله إلا الله) أن تعبد الله، وعبادة الله تكون باتباع أمره الذي أمرك الله به واجتناب نهيه الذي نهاك الله عنه، أما إذا اتبعت أمر مخلوق وتركت أمر الله فإن هذا ينتقض، وتكون هذه العبادة لذلك المخلوق.
стр. 355
الحديث المفسر لهذه الآية
قال الشارح: [وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (أنه تلا هذه الآية على عدي بن حاتم الطائي ﵁، فقال: يا رسول الله! لسنا نعبدهم.
قال: أليسوا يحلوا لكم ما حرم الله فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى.
قال النبي ﷺ : فتلك عبادتهم) فصارت طاعتهم في المعصية عبادة لغير الله تعالى، وبهذا اتخذوهم أرباباً كما هو الواقع في هذه الأمة، وهذا من الشرك الأكبر المنافي للتوحيد الذي هو مدلول شهادة ألا إله إلا الله، فتبين بهذه الآية أن كلمة الإخلاص نفت هذا كله لمنافاته لمدلول هذه الكلمة، فأثبتوا ما نفته من الشرك، وتركوا ما أثبتته من التوحيد].
يكون الاتباع شركاً أكبر إذا كان الإنسان عالماً بأنهم عملوا هذا الشيء -أي تحليل الحرام وتحريم الحلال- فعلم بذلك واتبعهم على هذا، فيكون قد وقع في الشرك الأكبر.
أما إذا كان جاهلاً فإنه يكون عاصياً من العصاة، يستحق العقاب إن لم يعف الله عنه، وإلا فهو معرض لعقاب الله جل وعلا، ولكن لا يكفر.
стр. 356
معنى قوله تعالى: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله)
قال المصنف: [وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]].
وهذه الآية أيضاً تبين معنى لا إله إلا الله، وذلك أن الإله هو المألوه الذي تألهه القلوب حباً وخوفاً ورجاءً.
وفي هذه الآية يقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، والند: هو المثيل والشبيه والنظير.
فما هناك أحد من الخلق يعتقد أن شخصاً من بني آدم أو صنماً من الأصنام أو شجرة أو حجراً شيئاً يصنعه بيده يكون مثيلاً لله جل وعلا في التصرف والإيجاد والخلق وجميع الأمور، وإنما التنديد في الحب فقط،، اتخذوهم أنداداً في المحبة، أما في التصرف والفعل فهم يعلمون علماً يقينياً بأنه ليس لهم منه شيء، وأن هذا خاصٌ بالله جل وعلا.
إذاً: فيكون معنى ذلك: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] أي: في المحبة فقط.
فالتنديد هنا في المحبة فقط، والحب هو الذي قلنا: إنه الحب الخاص الذي يتضمن الذل والتعظيم.
ومعلوم أن الحجر أو الشجر لا يجوز أن يخاف منه، فإذا خاف الإنسان منه أو رجاه فلابد أنه يحبه، وهذا أمر ضروري، ومن وقع في ذلك فقد وقع في الشرك، وهذا يكون من الشرك الأكبر الذي يكون مخرجاً من دين الإسلام، وإذا مات عليه صار من أهل النار، ولهذا قال الله جل وعلا في آخر هذه الآية: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦]، والأسباب -كما يقول ابن عباس - هي المودة والمحبة التي بينهم، انقطعت وانتهت، وكل واحد تبرأ من الآخر، العابد تبرأ من المعبود، والمعبود تبرأ من العابد ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ [البقرة:١٦٦ - ١٦٧] يعني: يقولون: يا ليت لنا كرة.
يا ليت لنا رجعة إلى الدنيا.
هذا معناه: ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧]، فهذا لأنهم أحبوهم حب الإلهية والتعظيم، وهذا هو التنديد، وهذا هو التسوية التي ذكرت في الآية الأخرى التي ذكرت أن أهل النار يخاطبون معبوداتهم وهم في النار فيقولون: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٧ - ٩٨]، والمعنى: لقد كنا ضُلّالاً ضلالاً واضحاً لا يخفى لما كنا نسويكم برب العالمين.
أي: في الحب فقط، ما هو في التصرف، وهذه التسوية هي المذكورة في هذه الآية: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، فيجب أن يكون الحب الخاص الذي يتضمن الذل والتعظيم لله وحده، ولا يجوز أن يكون لغير الله.
وقد يشتبه الأمر على بعض الناس أن بعض المخلوقين يحب أكثر من محبة النفس، كالرسول -مثلاً- صلوات الله وسلامه عليه، فإنه يجب على المسلم أن يحب رسول الله ﷺ أكثر من محبته لنفسه وأهله وماله والناس أجمعين، وإلا فلا يكون مؤمناً الإيمان الذي ينجيه، فيجب أن يعلم أن هذا الحب-حب الرسول ﷺ يكون تابعاً لحب الله، وليس حباً مع الله، بل هو يتبع محبة الله جل وعلا، فالمسلم يحب الله حباً أكثر، ومحبة الرسول ﷺ كذلك تكون أعظم وأكثر؛ لأنه يحب ما يحبه الله، فالله يحب رسوله، فهي تبع لمحبة الله، وليست محبة مع الله أنها ليست محبة ذل وتعظيم وعبادة، وإنما يحب الرسول لأن الله جل وعلا يحبه، فأنت تحب محبوبات حبيبك، فهي مكملة لمحبة الله جل وعلا ومتممة لها، وهذا يتبين في قوله ﷺ : (من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل عرى الإيمان) أو نحو ما قال، فمحبته تكون تبعاً لمحبة الله جل وعلا، فإذا رأيت من يطيع الله تحبه، لا لذاته، ولا لأنه شخص أو لأنه قريب، لا، تحبه لعمله، تحبه لأجل فعله، وتحبه لأجل العمل الذي عمله وهو طاعة الله، وكلما زادت طاعته لله تزداد محبته لدى المؤمنين.
وهكذا العكس، فإذا عصى الإنسان ربه يبغضه المؤمن، وإذا زادت معصيته زاد بغضه، والكافر يجب أن يتبرأ منه، كما سبق في الآية أن إبراهيم تبرأ من أبيه وقومه لأجل أنهم كفار، وذلك أن الله جل وعلا بريء من المشركين ورسوله، فيجب أن يكون المسلم كذلك بريئاً من المشركين، كما قال الله جل وعلا: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢] أي: لو كان ابنك أو أباك أو أخاك أو زوجك أو أحداً من قومك ما يجوز أن توده وهو عدو لله.
إذاً: فالحب الذي يكون للمخلوقين ما هو حب ذات، حب الذات لا يكون إلا لله وحده؛ لأنه لا يوجد شيء يحب لذاته إلا الله جل وعلا، أما المخلوقون كلهم فيحبون لصفاتهم وأفعالهم فقط، فإذا كان مطيعاً لله حب لأجل ذلك، ما يحب لأنه بشر، وسواءٌ أكانوا أنبياء أم ملائكة أم غير ذلك، وإنما الذي يحب لذاته هو الله وحده، وذلك أنه جل وعلا هو الإله الحق وحده، وهو المالك وحده، وهو الموجد وحده، وهو المنعم وحده على العباد، والعبادة تكون تبعاً لذلك.
стр. 357
الشرك في حب الله يكون شركاً منافياً للتوحيد
قال الشارح ﵀: [وكل من اتخذ نداً لله يدعوه من دون الله ويرغب إليه ويرجوه لما يؤمله منه من قضاء حاجاته وتفريج كرباته كحال عباد القبور والطواغيت والأصنام فلابد أن يعظموهم ويحبوهم لذلك؛ فإنهم أحبوهم مع الله، وإن كانوا يحبون الله تعالى ويقولون: (لا إله إلا الله) ويصلون ويصومون فقد أشركوا بالله في المحبة بمحبة غيره وعبادة غيره، فاتخاذهم الأنداد يحبونهم كحب الله يبطل كل قول يقولونه، ويبطل كل عمل يعملونه؛ لأن المشرك لا يقبل منه عمل ولا يصح منه، وهؤلاء وإن قالوا: لا إله إلا الله فقد تركوا كل قيد قيدت به هذه الكلمة العظيمة من العلم بمدلولها؛ لأن المشرك جاهل بمعناها، ومن جهله بمعناها جعل لله شريكاً في المحبة وغيرها، وهذا هو الجهل المنافي للعلم بما دلت عليه من الإخلاص، ولم يكن صادقاً في قولها؛ لأنه لم ينفٍ ما نفته من الشرك، ولم يثبت ما أثبتته من الإخلاص، وترك اليقين أيضاً؛ لأنه لو عرف معناها وما دلت عليه لأنكره أو شك فيه، ولم يقبله وهو الحق، ولم يكفر بما يعبد من دون الله، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]؛ لأنهم أخلصوا له الحب فلم يحبوا إلا إياه، ويحبون من أحب، ويخلصون أعمالهم جميعاً لله، ويكفرون بما عبد من دون الله.
فبهذا يتبين لمن وفقه الله تعالى لمعرفة الحق وقبوله دلالة هذه الآية العظيمة على معنى شهادة ألا إله إلا الله، وعلى التوحيد الذي هو معناها الذي دعا إليه جميع المرسلين، فتدبر].
يعني أن الحب مع الله يكون شركاً منافياً للتوحيد، فيجب أن يكون الحب خالصاً لله جل وعلا، وحب عباد الله الصالحين متعين، ولكن مثلما سبق أن عباد الله الصالحين يحبون لله لا يحبون معه، فمعنى محبتهم أنها مكملة لمحبة الله جل وعلا.
وأما قوله: (فقد تركوا كل قيد قيدت به هذه الكلمة العظيمة) فالقيود التي قيدت بها هذه الكلمة جاءت في الأحاديث الصحيحة وفي الآيات، كقوله جل وعلا: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦] يعني: لابد أن يكون عالماً بمعنى هذه الكلمة، (شهد بالحق) الذي هو لا إله إلا الله، (وهم يعلمون) هذه الشهادة ومعناها وحقيقتها حتى لا يخالفوها.
وكذلك قيدت باليقين، فيكون الإنسان موقناً بذلك، والذي يدعو مع الله غيره يكون غير موقن، بل يكون غير عالم بها، وكثير من الناس يغتر؛ لأنه جاء أنه ﷺ قال: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة)، والمقصود بقول: (لا إله إلا الله) نفي العبادة عن غيره جل وعلا وإثباتها له، فمن مات وهو لا يعبد إلا الله وحده فإنه يكون من أهل الجنة، ولكن إذا كان يقول: (لا إله إلا الله) وهو يدعو غير الله معه فهذه الكلمة تكون لا فائدة في قوله لها؛ لأنه يأتي بالفعل الذي ينافي هذا القول.
وكذلك كونه لا يكفر بما يعبد من دون الله، فإن هذا قيد من القيود التي قيدت به هذه الكلمة، لابد لمن يقول: (لا إله إلا الله) أن يكفر بما يعبد من دون الله، أما إذا آمن بالمعبودات من دون الله فقد ناقض هذا القول.
والمقصود أنه يجب على العبد أن يتعرف على معنى كلمة التوحيد، وعلى القيود التي قيدت بها وشروطها، ومنها أنه لابد أن يكون القائل لها عالماً بها ولمدلولها، صادقاً فيها، والصدق معناه أن يقولها صادقاً لا متردداً أو شاكاً فيها.
ولابد أن يكون محباً لها الحب الذي ينافي البغض لمدلولها وما دلت عليه، فمن أبغض شيئاً مما دلت عليه فهو لم يأت بهذه الكلمة على الوجه المطلوب.
وكذلك لابد أن يكون مخلصاً في قولها، فمن وقع في الشرك وقالها لا تفيده، ولابد أن يكون أيضاً منقاداً لها مذعناً، فلو قال -مثلاً-: (لا إله إلا الله) ولم ينقده لما دلت عليه من الفرائض والواجبات التي أوجبها الله جل وعلا فهذا لم يأت بها على الوجه المطلوب، ولم يحصل على ما وعد من دخول الجنة لمن قالها، إلى غير ذلك من القيود التي قيدت بها هذه الكلمة.
стр. 358
معنى قوله: (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب)
قال المصنف ﵀: [وقول الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء:٥٧]].
قبل هذه الآية يقول الله: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ [الإسراء:٥٦] (ادعوا الذين زعمتم) يعني أنهم كانوا يدعون المخلوقين غير الله جل وعلا، وقوله: (ادعوا) هذا أمر تعجيز وتهديد لهم، يقول: إنكم إذا دعوتموهم فإن دعوتهم لا تنفع بل تضركم، ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ﴾ [الإسراء:٥٦] لا يملكون كشف الضر الذي تدعونهم لكشفه ولا تحويله من مكان إلى آخر، والمعنى أنهم لا يملكون شيئاً.
ثم بعد ذلك قال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ [الإسراء:٥٧] يكاد يجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت في الذين يدعون المسيح وأمه وعزيراً والملائكة، يقول: إن هؤلاء الذين تدعونهم عباد مثلكم يتسابقون في طاعة الله والتقرب إليه أيهم يكون أقرب إلى الله بالعمل الصالح الذي يعمله، فهم لا يجوز أن يدعون، فدعوتكم إياهم ضلال وخسران، وهي تضركم ولا تنفعكم.
وقيل: إنها نزلت في قوم من الجن كان بعض المشركين يدعونهم، وكان من عادة المشركين أنهم يعبدون الجن، فقال الله جل وعلا عنهم: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن:٦] كان أحدهم إذا آواه الليل وهو في البر ينادي ويقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه.
أستجير بسيد هذا الوادي-يعني رئيس الجن- أستجير وأستعين به -وهذه عبادة- من سفهاء قومه أن يعتدوا علي ((فزادوهم رهقاً)) يعني: خوفاً وذلاً.
فأذلوهم حيث تسلطوا عليهم بسبب هذا الدعاء الذي هو العبادة؛ لأن الذي يتعلق بغير الله يسلط الله عليه ذلك المخلوق الذي تعلق به بخلاف الذي يتجه إلى ربه جل وعلا فإنه لا يضره شيء، والله يحميه.
فقوله: ((أولئك الذين يدعون)) يعني: هؤلاء.
وقرأ بعض القراء: ((أولئك الذين تدعون)) خطاباً للكفار، أنهم يدعون بعض من يدعونهم من دون الله، سواءٌ أكانوا ملائكة أم غيرهم، فإن فريقاً من مشركي العرب كانوا يعبدون الملائكة كما أخبر الله جل وعلا عنهم في كتابه، وإذا جمعهم يوم القيامة فإن الله يخاطب الملائكة ويقول: ﴿أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ:٤٠]، فتتبرأ الملائكة منهم ويقولون: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ [سبأ:٤١] أي: الشياطين التي أمرتهم بذلك ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤١]، ومنهم من يعبد المسيح، ومنهم من يعبد عزيراً وهو نبي، وكذلك أم المسيح مريم ﵍، فقد كان بعض الناس يعبدها وهي ليست نبية، وإنما هي صديقة كما أخبر الله تعالى عنها، فهؤلاء المعبودون يخبر الله جل وعلا عنهم أنهم كانوا يتقربون إلى الله ويسارعون إلى مرضاته أيهم يكون أقرب عند الله، والوسيلة التي يبتغونها هي الإسلام، هي الدين الذي أوحاه الله جل وعلا إلى أنبيائه.
وقوله تعالى: ((يبتغون إليه الوسيلة)) يعني: يعتنقون الدين ويؤمنون به ويتبعونه؛ لأنه هو الوسيلة التي تقربهم إلى الله جل وعلا.
ويتبين بهذا أن الدعاء من العبادة يجب أن يكون خالصاً لله جل وعلا وحده.
стр. 359
معنى قوله: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه)
قال الشارح: [يتبين معنى هذه الآية بذكر ما قبلها وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ [الإسراء:٥٦].
قال ابن كثير ﵀: يقول تعالى: (قل) يا محمد للمشركين الذين عبدوا غير الله ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ من الأصنام والأنداد، وارغبوا إليهم ((فإنهم لا يملكون كشف الضر عنكم)) أي: بالكلية ((ولا تحويلا)) أي: ولا أن يحولوه إلى غيركم.
والمعنى أن الذي يقدر على ذلك هو الله وحده لا شريك له، الذي له الخلق والأمر.
قال العوفي عن ابن عباس ﵁ فى الآية: كان أهل الشرك يقولون: نعبد الملائكة والمسيح وعزيراً.
وهم (الذين يدعون) يعنى: الملائكة والمسيح وعزيراً.
وروى البخاري فى الآية عن ابن مسعود رضى الله عنه قال: ناس من الجن كانوا يعبدون فأسلموا.
وفى رواية: كان ناس من الإنس يعبدون ناساً من الجن فأسلم الجن وتمسك هؤلاء بدينهم].
يعني أن المعبودين من الجن أسلموا فصاروا يتقربون إلى الله ويتسارعون لطاعته أيهم أقرب إليه زلفى، وبقي الإنس المشركون على عبادتهم، يقول: أولئك الذين تدعون يبتغون عند ربهم الوسيلة.
يعني أنهم أسلموا واتبعوا ما جاء به الرسول ﷺ ؛ لأنه الوسيلة إلى الله جل وعلا.
قال الشارح: [وقول ابن مسعود هذا يدل على أن الوسيلة هي الإسلام، وهو كذلك على كلا القولين.
وقال السدي عن أبي صالح عن ابن عباس فى الآية قال: عيسى وأمه وعزيراً.
وقال مغيرة عن إبراهيم: كان ابن عباس يقول في هذه الآية: هم عيسى وعزير والشمس والقمر.
وقال مجاهد: عيسى وعزير والملائكة] الصواب أن هذه الآية عامة في كل من يدعى من دون الله، سواءٌ أكان صالحاً من عباد الله سواء من البشر أو من الملائكة أو من الجن، أم كان صنماً أم شجراً أم غير ذلك، فكل ما دعي من دون الله فهو لا يملك كشف الضر ولا تحويله، أي: لا يملك شيئاً، وهو أيضاً إذا كان عاقلاً خاضعاً لله جل وعلا ذالاً له عابداً له بالعبادة التي سخره الله تعالى ليعبده بها، فإنه جل وعلا كل من في السموات والأرض من غير بني آدم والجن يعبد ربه، أما الجن والإنس فهم الذين حق على كثير منهم القول؛ لأنهم كفروا بالله جل وعلا.
فالمقصود أنه إذا وقعت العبادة لغير الله سواءٌ أكانت لعاقل أم لغير عاقل فهي شرك وضلال، وذلك المعبود سوف يتبرأ من العابد أحوج ما كان إليه، وسوف يكفر بعبادته، كما أخبر الله جل وعلا بذلك بقوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥ - ٦] وهذا عام في كل معبود من دون الله.
стр. 360
لا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء
قال الشارح: [وقوله: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء:٥٧] لا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء، فكل داع دعا دعاء عبادة أو استغاثة لابد له من ذلك، فإما أن يكون خائفاً، وإما أن يكون راجياً، وإما أن يجتمع فيه الوصفان.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في هذه الآية الكريمة لما ذكر أقوال المفسرين: وهذه الأقوال كلها حق؛ فإن الآية تعم من كان معبوده عابداً لله، سواءٌ أكان من الملائكة أم من الجن أم من البشر، والسلف في تفسيرهم يذكرون تفسير جنس المراد بالآية على نوع التمثيل، كما يقول الترجمان لمن سأله: ما معنى الخبز؟ فيريه رغيفا فيقول: هذا.
فالإشارة إلى نوعه لا إلى عينه، وليس مرادهم من بذلك تخصيص نوع دون نوع مع شمول الآية.
فالآية خطاب لكل من دعا من دون الله مدعواً وذلك المدعو يبتغي إلى الله الوسيلة ويرجو رحمته ويخاف عذابه، فكل من دعا ميتاً أو غائباً من الأولياء والصالحين، سواءٌ أكان بلفظ الاستغاثة أم غيرها فقد تناولته هذه الآية الكريمة كما تتناول من دعا الملائكة والجن، فقد نهى الله تعالى عن دعائهم، وبين أنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين ولا تحويله، ولا يرفعونه بالكلية ولا يحولونه من موضع إلى موضع كتغيير صفته أو قدره، ولهذا قال: ((ولا تحويلاً)) فذكر نكرة تعم أنواع التحويل.
فكل من دعا ميتاً أو غائباً من الأنبياء والصالحين أو دعا الملائكة فقد دعا من لا يغيثه ولا يملك كشف الضر عنه ولا تحويله].
يعني: من دعا حاضراً في شيء لا يقدر عليه.
فلا يلزم أن يكون ميتاً، أما دعوة الميت والغائب فهي شرك مطلقاً، لأنه في دعوته هذه لا يسمع وليس قادراً على ذلك، أما إذا كان حاضراً فيشترط أن يكون دعاؤه فيما يستطيع أن يجيبه، أما إن كان في الشيء الذي لا يجيبه، مثل أن يدعوه أن يشفي مريضه أو يصلح قلبه أو أن يهب له مولوداً أو ما أشبه ذلك فهذا شرك أكبر بالله جل وعلا؛ لأنه من خصائص الله جل وعلا، وكل من جعل شيئاً مما هو لله جل وعلا للمخلوق فقد وقع في الشرك الأكبر.
قال الشارح: [وفي هذه الآية رد على من يدعو صالحاً ويقول: أنا لا أشرك بالله شيئاً، الشرك عبادة الأصنام!] الذي يدعو صالحاً سواءٌ أكان حياً أم ميتاً، ويقول: دعائي ليس شركاً وإنما هذا توسل به فالواقع أن هذا هو الشرك، وإن غير الاسم فهو لا يجدي شيئاً.
стр. 361
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٣٠]
لقد أوجب الله على المؤمنين البراءة من الكافرين وإخبارهم بذلك؛ لأن الله قطع الصلة بين المسلم والكافر، حتى وإن كانت هذه القرابة تصل إلى حد الأبوة أو البنوة أو الأخوة، وقد أثنى الله على نبيه إبراهيم لبراءته من أبيه وقومه، كما أثنى على الصحابة الأولين الذين تبرءوا من قرابتهم واحتسبوا ذلك عند الله، فأثابهم الله على ذلك إيماناً في قلوبهم وتأييداً ونصرة.
стр. 362
معنى قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إني براء مما تعبدون)
قال المصنف ﵀: [وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٧]] في قول الله جل وعلا عن إبراهيم ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٨] في هذه الآية يبين الله جل وعلا أن المسلم يجب عليه أن يتبرأ من الكافر، وأن يعلمه بأنه بريء منه؛ لأن الله جل وعلا قطع الصلة بين المسلم والكافر، انقطعت الصلة وإن كان أباه أو أخاه أو ابنه كما قال الله جل وعلا في الآية الأخرى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢]، ثم ختم الآية بالثناء على الصحابة الذين تبرءوا من أقربائهم: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة:٢٢]، وهذه -كما يقوله بعض المفسرين- نزلت في أبي عبيدة لما حاول قتل أباه حينما رآه في بدر.
فالمسلم بريء من المشركين، يتبرأ منهم ويعلمهم أنه عدو لهم، فلا صلة بين المسلم والمشرك الكافر عموماً، ولهذا قال الله جل وعلا في الآية الأخرى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤] ثم استثنى الله جل وعلا عدم التأسي بقول إبراهيم لأبيه: (لأستغفرن لك)، فقال: ﴿إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة:٤] يعني: لا تتأسوا به.
لأن الله أخبر في الآية الأخرى أنه وعد أباه بذلك، فلما تبين له أن أباه عدو لله تبرأ منه، وهكذا يكون الموحد، ولا يتم توحيد الإنسان إلا بأن يكون ولاؤه لله جل وعلا، وكذلك من كان على هذا النهج من عباد الله جل وعلا.
وفي هذه الآية توضيح لمعنى شهادة أن لا إله إلا الله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٧] وتوضيح ذلك أن إبراهيم ﵇ تبرأ من جميع المعبودات لأنها باطلة وضلال، واستثنى منها الذي فطره وهو الله جل وعلا.
ومعنى (فطرني): خلقني بعد أن لم أكن شيئاً، وهذا يدل على أن قوم إبراهيم كانوا يعبدون الله ويعبدون معه غيره، فتبرأ من المعبودات كلها واستثنى منها إلهه وربه جل وعلا الذي يجب أن تكون العبادة كلها له.
فمعنى (لا إله إلا الله) هو هذا الولاء والبراء، أن يتبرأ من كل المعبودات ويخلص عبادته لله وحده، فكل العبادة لمعبود واحد هو الله جل وعلا، ويكفر بكل ما يعبد من دون الله.
ثم إن العبادة كل ما يتقرب به الإنسان إلى ربه جل وعلا من فعل أو قول يرجو بذلك الثواب ويخاف إن لم يأت به أن يعاقب، أو يسأله مطلباً معيناً سواء أكان من أمور الدنيا أم من أمور الآخرة، فهو عبادة، بل الدعاء هو مخ العبادة وأصلها وأساسها، والله جل وعلا أوجب الدعاء على عباده فقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي﴾ [غافر:٦٠] وهذا القول يقتضي أنه يجب، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] وسواء كان الدعاء لمسألة معينة ونفع معين من أمور الدنيا والآخرة أم يخص الآخرة، فكله يكون من أفضل العبادة، فلا يجوز أن يكون الدعاء لغير الله جل وعلا، وهكذا جميع أنواع العبادة يجب أن تكون خالصة لله جل وعلا، وهذه الآية موضحة لمعنى شهادة أن لا إله إلا الله.
وكثير من آيات القرآن يوضح ذلك توضيحاً جلياً، غير أن كثيراً من الناس يعرض عن فهم القرآن وتدبره، وقد ذم الله جل وعلا الذين لا يفهمون القرآن ولا يتدبرون، فقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، فيجب على المسلم أن يتفهم كتاب ربه؛ لأن الله يخاطب عباده بالخطاب الذي يدعوهم فيه إلى أن يفهموه ويعملوا به.
стр. 363
كلام ابن كثير في تفسير هذه الآية
قال الشارح ﵀: [قال ابن كثير رحمه الله تعالى: يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله وخليله إمام الحنفاء، ووالد من بعث بعده من الأنبياء الذي تنتسب إليه قريش فى نسبها ومذهبها: إنه تبرأ من أبيه وقومه فى عبادتهم الأوثان فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٨] أي: إن هذه الكلمة -وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان، وهي لا إله إلا الله- جعلها فى ذريته يقتدي به فيها من هداه الله من ذرية إبراهيم ﵇ (لعلهم يرجعون) أي: إليها].
قوله جل وعلا عن إبراهيم ﵇: ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف:٢٧] يبين الله فيه أن على المسلم ألا يعتمد على نفسه وعلى فعله وقوته، وإنما يلجأ إلى ربه في كل ما يصدر منه، ويبرأ من الحول والقوة؛ فإن الهداية بيد الله، فالإنسان لا يملكها إذا لم يهده الله جل وعلا، ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف:٢٧] يقول: إذا اتجهت هذا الاتجاه فأنا أرجو هدايته وأطلبها منه، وليست الهداية مني وإنما هي من الله جل وعلا، فهو يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وهذا من مقتضى العبودية، أن يكون الإنسان مستسلماً منقاداً لله جل وعلا، وألا يكون لنفسه مع الله جل وعلا منازعة ينازعه فيما يصدر من الله جل وعلا ولا فيما يصدر من العبد، غير أن العبد مكلف بامتثال الأمر واجتناب المنهي عنه، ثم هو إذا لم يعنه الله جل وعلا ويهده لذلك لا يستطيع أن يعمل شيئاً، ولهذا وجب علينا أن ندعو الله جل وعلا بهذا الدعاء في كل ركعة من ركعات الصلاة، فنقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] أي: إذا لم تعنا على عبادتك لا نستطيع أن نعمل شيئاً.
فالعبد يكون مستسلماً منقاداً لله بارئاً من الحول والقوة، وإنما هو عبد لله يتصرف فيه كيف يشاء، فهو يسأل ربه مفتقراً إليه، مظهراً فقره في عبادته التي يتقرب بها إلى الله بأن يوفقه الله جل وعلا فيها وفي مستقبله وفي جميع أحواله، يجب أن يكون العبد بهذه المثابة، وأن يعلم أن الخلق كلهم لا يغنون عنه شيئاً، أما إذا أصبح ينازع ربه في التصرفات فإنه يكون له نوع من التكبر على الله جل وعلا وعلى عبادته، فيخذل في ذلك، ويعرض الله جل وعلا عنه ويكله إلى نفسه، ومن وكل إلى نفسه تولاه الشيطان وضل، نسأل الله العافية.
ففي هذا دليل على أن العبادة مقترنة بالاستعانة، وأنها لا تصح العبادة حتى تقترن بعون الله جل وعلا وتوفيقه، فالإنسان يعبد ربه ويسأله التوفيق والعون على ذلك.
стр. 364
معنى قوله: (وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون)
قال الشارح ﵀: [قال عكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم في قوله: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٢٨] يعنى: (لا إله إلا لله)، لا يزال في ذريته من يقولها].
وقد كانت هذه الكلمة وقت بعثة النبي ﷺ لا يعرفونها، ففي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله تعالى نظر إلى أهل الأرض فمقتهم إلا بقايا من أهل الكتاب)، والمقت: شدة البغض والكراهة، يمقتهم لأنهم على الشرك، وكان العقلاء منهم -وهم قلة- يرون أنهم على ضلال، ولكن لا يهتدون إلى دين؛ ولهذا ذهب منهم جماعة يطلبون الدين وكانوا يقولون: إن لله ديناً هو أرضى من دينكم هذا، فذهبوا إلى النصارى، فوجدوهم ضلالاً، وذهبوا إلى اليهود فوجدوهم على غضب من الله تعالى، فاعتزلوا الكل وصاروا يعبدون الله على حسب ما تهديهم إليه عقولهم.
стр. 365
أنواع التوحيد
قال الشارح ﵀: [وروى ابن جرير عن قتادة: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٧] قال: كانوا يقولون: إن الله ربنا: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧] فلم يبرأ من ربه.
رواه عبد بن حميد.
وروى ابن جرير وابن المنذر عن قتادة: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف:٢٨] قال: الإخلاص والتوحيد، لا يزال في ذريته من يعبد الله ويوحده].
هذا أمر اتفق عليه الخلق كلهم، كونهم يقرون بأن الله ربهم، ولكن اختلفوا في كونهم يعبدون معه غيره، أما إقرارهم بأنه هو الذي يخلقهم وهو الذي يرزقهم وينعم عليهم، وإذا وقعوا في شدة يجيب دعوتهم ويكشف الشدائد عنهم فهذا أمر اتفق عليه جميع الخلق، وما شذ عنه إلا شواذ الناس الذين فسدت عقولهم وأصبحت عقولهم مغطاة بالتقليد الأعمى الذي وجدوا عليه الضلّال، وهذا لا يفيد شيئاً، كون الإنسان يقر بأن الله ربه وخالقه وأنه المحيي المميت المتصرف ما يفيد شيئاً حتى تضاف إليه عبادة الله وحده بالأمور التي تصدر من الإنسان، ومن هنا قسم العلماء التوحيد إلى قسمين أو ثلاثة أقسام، فيجوز أن نقول: إنه ينقسم إلى قسمين.
ويجوز أن نقول: إنه ينقسم إلى ثلاثة: توحيد أفعال الله جل وعلا، أي: الأفعال التي تصدر منه، مثل الخلق والرزق وإنزال المطر والإحياء والإماتة، وكل ما يتصرف الله جل وعلا به فإنه ينفرد به، وهذا الشرك فيه قليل، وإنما وقع الشرك فيه من أفراد من الناس إما عناداً وتكبراً، أو جهلاً قد غطى على العقل تماماً، كما وقع في بعض هذه الأمة.
أما العناد فمثل ما وقع من فرعون، حيث قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] فهذا تكبر، وإلا فهو يعلم يقيناً أن الله ربه وهو خالقه، ولكنه يريد أن يموه على الناس لأنه في منصب يخوله ذلك ويدعوه إلى الكبر ويجعل الناس يتبعونه، فلهذا استولى على قومه فأطاعوه في الباطل وهم يعلمون أنه باطل، وهو نفسه قد أخبر الله جل وعلا أنه استيقن الآيات أنها من عند الله -استيقنتها أنفسهم- ولكنه دعاهم إلى الظلم والعلو، كما قال فرعون ووزراؤه وخبراء دولته الذين يساعدونه على ذلك، ومع ذلك لما عاين العذاب وعاين مصيره الأخير من حياته قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠] لكن هذا لا يفيد شيئاً، لهذا قال له الملك: ﴿أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٩١] تؤمن الآن؟ ما ينفعك: ﴿أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٩١] يعني: في هذا الوقت ما ينفعك الإيمان، أنت أصبحت في عداد الأموات، ومن كان بهذه المثابة لا يفيده الإيمان.
أما النمرود فهو مثله تكبر أيضاً وقال: إنه ربهم لما قال له إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨] عجيب كيف يحيي ويميت ويخلق من العدم حياً؟! ما يستطيع، لكن يريد أن يموه على الناس، فقال: أنا آتي برجلين فآمر بهذا فيقتل، وهذا الموت، وآمر بهذا فيترك، وهذه هي الحياة.
وهذه مغالطة، ومع ذلك لما رأى إبراهيم هذه المغالطة جاءه بشيء لا يستطيع أن يخرج منه، ولا يستطيع أن يغالط فيه، قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٥٨] إن كنت صادقاً اعكس مسيرها: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة:٢٥٨] يعني: ما استطاع أن يجيب بشيء.
وهكذا الكفرة والظلمة وهؤلاء الذين ذكر عنهم أنهم ادعوا أنهم هم الذين يتصرفون مع الله وأنهم شركاء له في التصرف، وهذا شذوذ في الخلق، وشذوذ في التفكير والنظر والادعاء والعناد والتكبر، أما سائر الخلق فكلهم يقرون بأن الله هو الرب الخالق المحيي المميت المتصرف في الكون كله، وأنه لا شريك له في ذلك، ولهذا يقول الله جل وعلا مخاطباً الناس: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:٢١]، ففي هذا أمر يقرون به، وهو أنه هو الذي خلقهم وخلق الذين قبلهم، لا أحد ينكره، ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً﴾ [البقرة:٢١ - ٢٢] وأيضا يقرون أن الذي خلق الأرض وجعلها ممهدة يستطيعون الاستقرار عليها والمشي على متنها وحرثها والتصرف فيها مما ينفعهم هو الله، الله الذي جعلها بهذه المثابة وجعلها لهم فراشاً، ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [البقرة:٢٢] يعني: رفعها فوقهم يشاهدونها، وهذه السماء هي التي نشاهدها فوقنا، وليست كما يقول الكفار اليوم، فالكفار اليوم ينكرون السماء، ويقولون: إنما هو الفضاء، فيعبرون بالفضاء عن العلو، ويقولون: إن هذه الزرقة من إفرازات الأبخرة والأثير وما أشبه ذلك.
وهذا كفر بالله جل وعلا، فالله جل وعلا يقول لنا: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ [ق:٦] يأمرنا بالنظر إليها والاعتبار بها، ويأمرنا بأن نرجع البصر فيها ونكرره، وأننا إذا كررناه يعود إلينا خاسئاً وهو حسير، وكذلك يخبرنا بأنه هو الذي رفع السماء بلا عمد نراها فوقنا، فهذه هي السماء، ولكن لشدة بعدها ما ترى إلا لمن يكون على الأرض، أما إذا ارتفع الإنسان إلى جهتها ذهبت هذه التي ترى، وفي حديث جابر أن الميت إذا مات وخرجت روحه أن الملائكة تتولاها وتصعد بها، فإن كان مؤمناً استفتحوا لها باب السماء ففتح، وإن كان كافراً أو فاجراً أغلقت دونه أبواب السماء، ثم يقال لهم: (اطرحوها طرحاً) من السماء الدنيا، فتطرح طرحاً، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١]، ومع ذلك لا تضيع الروح، وإنما تأتي إلى الجسد وتكون فيه فتذوق العذاب الأليم مع الجسد، كما أن روح المؤمن تنعم مع جسدها.
فالمقصود أن الله جل وعلا يخبرنا أنه هو الذي خلق الأرض وبنى السماء وجعلها لنا بناء، وأنزل من السماء ماء، والسماء يطلق على السماء المبنية التي هي السبع السموات، ويطلق على كل ما فوقنا، فكل ما فوقنا فهو سماء، ولهذا قوله: ﴿وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [البقرة:٢٢] لا يلزم أن يكون المطر ينزل من السماء المبنية بل ينزل من فوق، فالله يخلقه بين السماء والأرض.
فهكذا يقرر الله جل وعلا للناس: ﴿وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] يعلمون ماذا؟ يعلمون أن الله هو المتفرد في خلق هذه الأمور المذكورة، هؤلاء المشركون يعلمون هذا يقيناً: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧] في آيات كثيرة.
стр. 366
توحيد الربوبية والأسماء والصفات
فالمقصود أن التوحيد ينقسم إلى قسمين: قسم هو توحيد الله بأفعاله التي يفعلها، وهذا يسمى توحيد الربوبية؛ لأن الرب هو الخالق المالك المتصرف، وهذا وحده لا يفيد، لابد أن ينضم إليه التوحيد الثاني، وهو توحيد الأسماء والصفات؛ لأن الأسماء والصفات تختص بالله جل وعلا.
стр. 367
توحيد الألوهية
القسم الثاني: التوحيد الذي يطلب من العبد أن تكون أفعاله واحدة لواحد، واحدة لله جل وعلا لا يكون له فيها شريك، أن يكون الدعاء لله، والنذر لله، والصلاة لله، والركوع له، والسجود له، وكل ما يتعبد به الإنسان من صوم وتوبة واستغفار وغير ذلك وطلب نفع وكشف ضر يجب أن يكون كله لله وحده، وإلا فلا يقبل منه شيء، فالذي يشرك في هذه العبادة يكون عمله حابطاً؛ فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً، وهذا الذي خلق له الناس، فيجب عليهم أن يتعرفوا على هذا، ويجب عليهم أن يعلموا ذلك ويتعرفوا عليه، فالخطر شديد جداً، فقد جاء في الصحيح في حديث عبد الله بن مسعود أنه قال: إن الرسول ﷺ قال: (من مات وهو يشرك بالله شيئاً دخل النار، ومن مات وهو لا يدعو لله نداً دخل الجنة) فالأمر ليس سهلاً، فعلى الإنسان أن يتعرف على هذا الأمر ولا يستهين به، ويجب عليه أن يهتم به غاية الاهتمام أكثر من اهتمامه بجسده وبيته الذي ينظفه وينظمه ويؤثثه، يجب أن يهتم بدينه وبعبادته أكثر من ذلك وأعظم؛ لأن الدين هو رأس المال في الواقع، الدنيا ستزول، والبدن سينتهي أجله ويموت، ولكن إذا كان الإنسان على التوحيد فأمامه الحياة السعيدة الأبدية، أما إذا كان على غير ذلك فأمامه الحياة الأبدية التعيسة التي لا يخفف عنه فيها العذاب ولا يقضى عليه فيموت، خالداً فيها أبد الآباد، فيجب على العبد ألا يغفل عن هذا ولا يتساهل به.
قال الشارح ﵀: [قلت: فتبين أن معنى (لا إله إلا الله) توحيد العباد بإخلاص العبادة له والبراءة من كل ما سواه.
قال المصنف ﵀: وذكر سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة هي شهادة أن لا إله إلا الله، وفي هذا المعنى يقول العلامة الحافظ ابن القيم ﵀ في الكافية الشافية: وإذا تولاه امرؤ دون الورى طرا تولاه العظيم الشان].
وبعد هذا يقول فيها: كن واحداً في واحد لواحد أعني طريق الحق والإيمان يقول: إنه لا يقبل إلا هذا، (كن واحداً) يعني: عبداً لله، لا تكن عبداً لله ولغيره، كن واحداً لواحد، والواحد هو الله، وقوله: (في واحد) يعني: في طريق واحد، وهو طريق الرسول ﷺ ؛ لأن الله لا يقبل من الدين إلا ما شرعه على لسان رسوله ﷺ ، ولذا قال: أعني طريق الحق والإيمان، يعني: الحق الذي جاء به الرسول ﷺ والإيمان.
стр. 368
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٣١]
لقد تعبدنا الله بجميع العبادات، فلا يجوز صرف أي نوع منها لغيره سبحانه، ومن تلك العبادات الخوف والذل، والحب والتعظيم، والاستغاثة، فمن صرف شيئاً من ذلك لغير الله فإنه يكون قد اتخذ نداً مع الله، يحبه كحب الله أو أشد حباً، وهذا هو الشرك بالله.
стр. 369
قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله) وما جاء فيها من تفصيلات
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: وقول الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١]].
هذه الآية سبق أن بينا أنها في النصارى واليهود، وأن الأحبار هم العلماء، والرهبان هم العباد، وأن طاعة المخلوق في المعصية تكون عبادة له، ويكون ذلك المطاع رباً لهذا المطيع.
قال الشارح: [الأحبار: هم العلماء، والرهبان: هم العباد، وهذه الآية قد فسرها رسول الله ﷺ لـ عدي بن حاتم، وذلك أنه لما جاء مسلماً دخل على رسول الله ﷺ فقرأ عليه هذه الآية قال: (فقلت: إنهم لم يعبدوهم.
فقال: بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال، وحللوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم) رواه أحمد والترمذي وحسنه، وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني من طرق].
ظن عدي أن العبادة هي السجود أو الركوع، أو الخضوع والذل، فبين النبي ﷺ أنها أعم من هذا، وأنه يكفي في العبادة أن يكون المخلوق مطاعاً في معصية الخالق، فمن أطيع في معصية الخالق تكون تلك عبادة له.
قال الشارح: [قال السدي: استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١] فإن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، والدين ما شرعه الله.
فظهر بهذا أن الآية دلت على أن من أطاع غير الله ورسوله، وأعرض عن الأخذ بالكتاب والسنة في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحله الله، وأطاعه في معصية الله، واتبعه فيما لم يأذن به؛ الله فقد اتخذه رباً ومعبوداً، وجعله لله شريكاً، وذلك ينافي التوحيد الذي هو دين الله الذي دلت عليه كلمة الإخلاص: (لا إله إلا الله)، فإن الإله هو المعبود، وقد سمى الله تعالى طاعتهم عبادة لهم، وسماهم أرباباً كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً﴾ [آل عمران:٨٠] أي: شركاء لله تعالى في العبادة ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٨٠] وهذا هو الشرك، فكل معبود رب، وكل مطاع ومتبع على غير ما شرعه الله ورسوله، فقد اتخذه المطيع المتبع رباً ومعبوداً كما قال تعالى في آية الأنعام: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١]، وهذا هو وجه مطابقة الآية للترجمة.
ويشبه هذه الآية في المعنى قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] والله أعلم.
قال شيخ الإسلام في معنى قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١] وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً -حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله- يكونون على وجهين: أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على هذا التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله اتباعاً لرؤسائهم، مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركاً، وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم، فكان من اتبع غيره في خلاف الدين -مع علمه أنه خلاف للدين- واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله مشركاً مثل هؤلاء الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحرام وتحليل الحلال ثابتاً، لكنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصي، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب كما قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (إنما الطاعة في المعروف) ثم ذلك المحرم للحلال والمحلل للحرام، إن كان مجتهداً -قصده اتباع الرسل لكن خفي عليه الحق في نفس الأمر، وقد اتقى الله ما استطاع- فهذا لا يؤاخذه الله بخطئه، بل يثيبه على اجتهاده الذي أطاع به ربه، ولكن من علم أن هذا أخطأ فيما جاء به الرسول، ثم اتبعه على خطئه، وعدل عن قول الرسول؛ فهذا له نصيب من هذا الشرك الذي ذمه الله، لا سيما إن اتبع في ذلك هواه، ونصره باليد واللسان، مع علمه أنه مخالف للرسول، فهذا شرك يستحق صاحبه العقوبة عليه.
ولهذا اتفق العلماء على أنه إذا عرف الحق لا يجوز له تقليد أحد في خلافه، وإنما تنازعوا في جواز التقليد للقادر على الاستدلال وإن كان عاجزاً عن إظهار الحق الذي يعلمه، فهذا يكون كمن عرف أن دين الإسلام حق وهو بين النصارى، فإذا فعل ما يقدر عليه من الحق لا يؤاخذ بما عجز عنه، وهؤلاء كـ النجاشي وغيره، وقد أنزل الله في هؤلاء آيات من كتابه كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران:١٩٩]، وقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ﴾ [المائدة:٨٣] وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف:١٥٩] وأما إن كان المتبع للمجتهد عاجزاً عن معرفة الحق على التفصيل، وقد فعل ما قدر عليه مثله من الاجتهاد في التقليد، فهذا لا يؤاخذ إن أخطأ كما في القبلة.
وأما من قلد شخصاً دون نظيره بمجرد هواه، ونصره بيده ولسانه من غير علم أن معه الحق، فهذا من أهل الجاهلية، وإن كان متبوعه مصيباً لم يكن عمله صالحاً، وإن كان متبوعه مخطئاً كان آثماً، كمن قال في القرآن برأيه، فإن أصاب فقد أخطأ، وإن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار.
وهؤلاء من جنس مانع الزكاة الذي تقدم فيه الوعيد، ومن جنس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، فإن ذلك لما أحب المال ومنعه من عبادة الله وطاعته؛ صار عبداً له، وكذلك هؤلاء.
فيكون فيهم شرك أصغر، ولهم من الوعيد بحسب ذلك، وفي الحديث: (إن يسير الرياء شرك) وهذا مبسوط عند النصوص التي فيها إطلاق الكفر والشرك على كثير الذنوب.
انتهى].
стр. 370
أن يكون المتبع عالماً بما يفعله المتبوع من مخالفات
في هذا التفصيل الذي ذكره الشيخ ﵀ أقسام المتبوع والتابع، فالمتبوع إذا كان عالماً بأن ما فعله أو قاله كفر بالله ومخالف لدين الله، وأحل ما هو حرام في الشرع، أو حرم ماهو حلال في الشرع، مع علمه بأن الله حرم هذا وأحل هذا، وخالف ذلك لغرض من الأغراض التي يريدها، فإن هذا يكون كفراً مخرجاً من الدين الإسلامي.
والذي يتبعه فهو على التفصيل الذي ذكر، إما أن يكون المتبع عالماً بأن الذي فعله هذا المتبَع مخالف للدين، ومخالف لنصوص الله جل وعلا، فإنه يكون كافراً خارجاً من الدين الإسلامي لاتباعه هذا الشخص الذي حرم الحلال وحلل الحرام، وهذا هو معنى الآية التي تلاها رسول الله ﷺ على عدي بن حاتم، وهي التي استشهد بها المؤلف في هذا، وهي قوله جل وعلا في أهل الكتاب من اليهود والنصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً﴾ [التوبة:٣١] فالأرباب جمع رب، فالرب من خصائصه التحليل والتحريم، والأمر والنهي الذي يجب فيه الاتباع، فمن فعل ذلك فقد نازع الله جل وعلا فيما هو من خصائصه؛ فاستحق بذلك أن يكون مبعداً من الله جل وعلا.
стр. 371
أن يكون المتبع جاهلاً بما يفعله المتبوع من مخالفات
إذا كان المتبع جاهلاً بأن متبوعه على باطل، وإنما اتبعه على حسن نية وقصد، ويظن أنه لم يخالف أمر الله في التحليل والتحريم، فهذا يكون آثماً عاصياً يستحق العقوبة، ولكنه لا يكون خارجاً من الدين الإسلامي؛ لأنه قصر في التعرف على دين الله جل وعلا؛ لأن الله جعل في الإنسان عقلاً وفكراً ونظراً، وأناط التكليف في عقله ونظره وفكره، فهو يميز بذلك، فإذا اتبع غيره في هذه الأشياء فهو مقصر يستحق العقوبة، ويكون مثل أصحاب الجرائم من الكبائر وغيرها، فإن شاء الله جل وعلا عفا عنه دون عقاب، وإن شاء أخذه بعقابه.
والمتبوع الذي يفعل الخطأ إن كان مجتهداً وهو أهل للاجتهاد، فإنه يعذر، والاجتهاد لا يكون لكل أحد، لكن يكون جاهلاً بشيء، ولم يأل جهداً فخفي عليه الصواب، فإذا فعل ذلك فإنه غير معاقب بل يثاب على اجتهاده فقط، وخطؤه الذي أخطأ فيه يكون معفواً عنه؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر) وهذا يكون في الحاكم الذي يكون أهلاً لذلك.
стр. 372
المقلد لغيره في الباطل أو الحق
المقلد الذي يقلد غيره: إما أن يكون المقلد يستطيع أن يميز بين الأمر والنهي، ويستطيع أن يعرف الدليل؛ فهذا لا يجوز له التقليد، ويجب عليه أن يعرف الحق بنفسه إلا في الأمور التي لا يستطيع لها، فهذا منوط بالتكليف، فإن الله جل وعلا لا يكلف نفساً إلا وسعها، والوسع هو الطاقة والاستطاعة، فالله لا يكلف الإنسان ما لا يستطيعه، وقد قال الله جل وعلا: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] لأنه لا يستطيع أن يعرف الأدلة، ويعرف مناط الحكم، ويعرف مراد الله في هذا النص، أو أنه يدخل هذا الحكم في هذا النص أو غير ذلك، فهو يلجأ إلى أهل العلم يسألهم عن ذلك.
وعليه أن يتقي الله في هذا، ويبحث عن الأعلم والأتقى، فما اطمأنت إليه نفسه فإنه يكلف به.
стр. 373
أن يقلد عالماً لأنه قال ما يهواه
المقلد الذي يتبع شهواته فيسأل هذا، فإذا أفتاه بشيء لا يلائمه ذهب يسأل الآخر، حتى يجد من يفتيه بالشيء الذي يريده هو، فهذا معناه أنه يطلب هوى نفسه، وهو ليس معذوراً في هذه الأمور، بل هو مأزور وعليه أن يتقي الله، وإذا أفتي بما ظاهره الحق وعليه الدليل فعليه أن يعمل بذلك؛ لأن الله جل وعلا أمر بسؤال أهل العلم، وأهل الذكر هم أهل العلم.
فهذا وهذا كلاهما سواء، لكنه ربما اتبع هذا لغرض، وأعرض عن هذا لغرض آخر، فمثل هذا هو الذي يكون مثل الجاهلية؛ لأنه يتبع ما تهواه نفسه، ولأنه ينتصر لمن يحبه ويريده، وإن كان الثاني مساوياً له في العلم والتقى، فعلى الإنسان أن يكون اتباعه ونظره طلباً للحق، وطلباً لمتابعة الرسول ﷺ ، فكلما تبين له ذلك فرح به وشكر من حصل على يده البيان.
فهذه في الواقع أمور يجب على الإنسان أن يعتني بها؛ لأن كثيراً من الناس يخطئ فيها، والمسألة في هذا أن الله جل وعلا بعث رسوله ﷺ ، وأنزل كتابه بجوامع الكلم، وبالكليات العامة الشاملة التي يدخل في الجملة منها أحكام كثيرة، فليس كل أحد يستطيع فهم هذه المسألة من هذا النص أو من هذه القاعدة أو من هذه الكلية؛ لأن الله فاوت بين العباد في الفهوم والإدراكات، وهذا هو سبب اختلاف العلماء، فاختلاف الفقهاء من أهل السنة لاختلاف إدراكاتهم وفهومهم؛ لأن الحوادث التي تجري على أيدي الناس والأفعال والأعمال التي يعملونها ما يمكن أن يأتي الشرع بالنص على كل واحدة منها، فهذه صلاة حكمها كذا، وإخراج زكاة هذا حكمها كذا، وهذا العمل حكمه كذا، يعني: لا يكون منصوصاً عليه، وإنما أتت الكليات فأصبحت محلاً للنظر والاجتهاد الذي يسميه العلماء مناط الحكم؛ فلهذا اختلفوا هذه الاختلافات، وعلى الإنسان أن يتقي الله.
стр. 374
أحوال الناس في انتفاعهم بالعلم
جاء في حديث أبي موسى الذي في الصحيح عن النبي ﷺ أنه مثل أمته وما بعثه الله به مثل الغيث-المطر- يقع على الأرض، فتكون على طوائف ثلاث: طائفة منها تربتها طيبة، فقبلت الماء وأنبتت الكلأ، فرعى الناس وانتفعوا.
وطائفة أخرى من الأرض لا تنبت، ولكنها أمسكت الماء، فورد الناس واستقوا وانتفعوا بالماء.
وطائفة أخرى لا تقبل الماء ولا تمسكه، مثل: السباخ، لا نبات ولا إمساك، فهذه أحوال الذين لا يهتمون بالدين الإسلامي، ولا يرفعون به رأساً، وهم أكثر الناس.
أما الأولى فهي مثل الفقهاء الذين إذا علموا نصاً للنبي ﷺ استنتجوا منه الأحكام الكثيرة، التي ينتفعون بها وينفعون بها غيرهم، والطائفة التي تمسك الماء مثل الحفاظ الذين حفظوا على الأمة النصوص والأحاديث عن النبي ﷺ ، فحفظوها وأدوها إلى من هو أفقه منهم، فنفعوا بهذا الحفظ.
أما الطائفة الثالثة: فهي لا تنتفع في نفسها ولا تنفع غيرها، فهؤلاء هم الخاسرون في الدنيا والآخرة، وأما الناجون فهم الطائفة الأولى والثانية.
فالمقصود اختلاف الناس في الفهوم والحفظ، وبسبب ذلك حدثت الخلافات بين المسلمين.
ويجب على الإنسان أن يتقي الله إذا كان له إمام أو شيخ فقال قولاً خالف الحق، وتبين لمتبوعه أنه مخالف للحق، فإنه يجب عليه ألا يتبع شيخه أو إمامه؛ لأنه تبين له أنه خالف الحق؛ لأن الإنسان مكلف باتباع ما جاء به الرسول ﷺ ، لا بقول فلان ولا بقول فلان، وإنما استعانوا بأقوال العلماء إلى الوصول إلى الحكم الذي حكم به الله جل وعلا، وحكم به رسوله، وهذا من أصول العقيدة التي يجب على العبد أن يهتم بها، وذلك التحليل والتحريم من خصائص الله جل وعلا، فمن جعل هذا إلى مخلوق من الناس فقد اتخذه مع الله رباً يحكم ويأمر وينهى، ويحلل ويحرم، فلهذا عدي بن حاتم لما سمع الرسول ﷺ يتلو هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١] قال: إنهم لم يعبدوهم، يعني: النصارى، فقال: (بلى، ألم يحللوا لهم الحرام فيتبعوهم على ذلك، ويحرموا لهم الحلال فيتبعوهم على ذلك؟ قال: بلى، قال: فتلك عبادتهم) فليست العبادة تكون فقط بالسجود والركوع والاستغاثة بهم، ودعوتهم لتفريج الكروب وما أشبه ذلك، بل أي نوع من أنواع العبادة إذا صرف إلى مخلوق من الناس صار معبوداً له وصار رباً له.
كذلك الذي يتبع عالماً لأنه قال ما يهواه، أو لأنه وافق طائفته التي ينتمي إليها قال: يكون هذا مثل عابد الدينار والدرهم، ومثل الذي يجاهد في سبيل الله في الظاهر أو يتصدق أو يؤدي أعمالاً في ظاهرها خالصة، ولكنه يريد نفعاً معيناً، إن حصل له ذلك النفع استمر في عمله وإلا نكص وفشل وترك العمل، وهو يشير بهذا إلى حديث أبي هريرة الذي في صحيح البخاري أن الرسول ﷺ قال: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميلة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش) ثم ذكر رجلاً آخر يكون مقابلاً تماماً لمن عبد الدينار والدرهم الذي إن أعطي رضي، وإن منع سخط، إذا أعطي ما أراد من الدرهم والدينار والخميصة والخميلة رضي واستمر في عمله، أما إذا منع ذلك فإنه يسخط ويترك العمل، فهذا معناه أنه يعمل للدينار والدرهم، ويعمل للباسه ولمفروشه، ولما ينتفع به دنيا، فيكون بذلك عابداً له وإن لم يسجد له ويدعوه ويركع له، هل يوجد أحد عاقل يسجد للدينار والدرهم؟! لا، وإنما قصد بذلك أنه يعمل من أجله؛ لأن المسلم يجب أن يكون عمله لله وحده، يرجو به ثواب الله جل وعلا، ويخاف لو لم يعمل أن يعاقبه الله جل وعلا والذي يقابل هذا هو ما ذكره في آخر الحديث، قال: (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن شفع لم يشفع له، وإن أذن لم يؤذن له)، يعني: أنه لم يبالِ عرفه الناس أم لم يعرفوه، بل يحب أنهم لا يعرفونه؛ ولهذا لو شفع عندهم ما شفعوا له، ولو استأذن على الكبراء والأمراء لا يأذنون له؛ لأنه غير معروف، وليس له قيمة، فهو يعمل لله جل وعلا، وهكذا كل من كان قصده وجه الله لا يلتفت إلى رضا الناس ولا سخطهم، ولا يبالي بهم، فعند ذلك لا يعرفونه.
وقوله: (إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة) يعني: أنه أي مكان وضع فيه أدى العمل الذي أنيط به كما ينبغي ولا يبالي؛ لأن قصده وجه الله، والفوز برضاه، بخلاف الأول تماماً، وبضدها تتبين الأشياء.
لهذا يأتي في القرآن ذكر أهل الجنة وصفاتهم، ثم بعد ذلك يأتي ذكر أهل النار وصفاتهم، أو يأتي -مثلاً- ذكر صفات أهل النار وأعمالهم وجزائهم، ثم يأتي بعد ذلك ذكر أهل الجنة وصفاتهم وجزائهم، فمثلاً: يذكر الله جل وعلا أنه إذا جمع العباد بعد النفخ في الصور أنهم ينقسمون إلى قسمين: كفار يؤتى بهم، ويقررون بأعمالهم، فيقرون ويعترفون، ثم يساقون إلى جهنم، ويعترفون أنهم يستحقونها، فيقال لهم: ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر:٧١].
والفريق الثاني: الذين اتقوا ربهم يساقون إلى الجنة زمراً، فإذا جاءوها استقبلتهم الملائكة فيها، وصاروا يدخلون عليهم من كل باب يسلمون عليهم ويقولون لهم: ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٤] هذا جزاؤكم بما صبرتم.
ثم ذكر بعد هذا أن الله جل وعلا قضى بين الخلق عموماً بالحق، حتى الملائكة: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر:٧٥] هذا هو آخر شيء، قضي بين الفجار وبين المتقين وبين الملائكة (وقيل) هذا يدل على أن الخلق كلهم قالوا هذا القول: الحمد لله رب العالمين على قضاء الله وحكمه، حتى أهل النار يحمدون الله جل وعلا على ذلك؛ لأن هذا هو مكانهم الذي يستحقونه ولا يستحقون غيره، والله هو أحكم وأعدل الحاكمين، فالذي يعبد الدنيا، ويكون عمله لها سوف يلقى جزاءه، والدنيا ستذهب كلها ومن عليها، فيصبح قد خسر العمل، وأصبح عمله حسرات عليه.
стр. 375
قوله تعالى: (وتجعلون له أنداداً)
قال الشارح: [قال أبو جعفر بن جرير ﵀ في معنى قول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا﴾ [فصلت:٩] أي: وتجعلون لمن خلق ذلك أنداداً -وهم الأكفاء من الرجال- تطيعونهم في معاصي الله.
انتهى قلت: كما هو الواقع من كثير من عباد القبور].
قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا﴾ [فصلت:٩] الند: هو المثل والنظير ولو بوجه من الوجوه، لا يلزم أن يكون مثله من كل وجه، فهذا ما يقوله أحد من الخلق، لا يوجد أحد من خلق الله فيه شيء من العقل يقول: إن الصنم أو المقبور مثل الله من كل وجه، لا أحد يقول هذا، لكنهم جعلوه نداً بوجه من الوجوه، مثل: الدعاء، فهذا ند له في الدعوة، ومثل الحب، فهذا المحبوب يكون نداً له في المحبة، والمحبة تقتضي التعظيم والإجلال، ومثل الخوف، وهو الذي يسمونه خوف السر، وهو الخوف الغيبي، يخافه وهو في قبره، يخافه وهو بعيد عنه، من وقع له شيء من ذلك فقد عبد ذلك المخوف؛ لأن الخوف يجب أن يكون لله وحده، فهو الذي يطلع على ما في القلوب، وهو الذي لا يخفى عليه شيء، وهو الذي يكون مع الإنسان أينما كان، في جماعة أو في سر وحده أو ما شابه ذلك، وليس هذا لأحد من خلق الله، فمن جعل للمخلوق شيئاً من ذلك فقد جعله نداً لله جل وعلا.
فالمقصود أن قوله: (الأكفاء من الرجال) معناه: أنه جعل الرجال أكفاء لله، والله ليس له كفؤاً تعالى وتقدس، والأكفاء في هذا يكون في مسألة من المسائل فقط، وليس في كل شيء؛ لأنه لا أحد يقول: إن رجلاً من الناس مثل الله من كل وجه، مثله في الخلق، مثله في الرزق، مثله في العلم، مثله في القدرة، مثله في الاطلاع، هذا لا يقوله عاقل، فعلم بهذا أن المقصود بالند أنه يكون في مسألة من مسائل العبادة.
ولهذا ذكر الله عن الكفار أنهم يلعن بعضهم لبعض وهم في النار بعد التبكيت واللوم والتقريع من بعضهم لبعض لأنه من تمام العذاب أن يجعل كل واحد عدواً للآخر، وكل واحد يلعن الآخر، يقول بعضهم لبعض، التابع يقول للمتبوع والعابد يقول للمعبود: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:٩٧] يعني: يقسمون بالله، (تالله): معناها والله، (لقد كنا في ضلال مبين) متى؟ ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٨] وقت تسويتنا لكم برب العالمين، كنا في ضلال مبين، أي: بين واضح، والتسوية ليست في الخلق والقدرة، ليست في التدبير، ليست في الملك، بل في المحبة فقط، أحبوهم كما أحب المؤمنون الله، كما في الآية التي ذكرها المؤلف: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] فبين أن الندية في الحب فقط، يحبونهم كحبهم لله، فهذا تنديد، وهو جعل المخلوق كفؤاً لله جل وعلا في هذا الشيء.
ومثله أن يدعوه، ومثله ما لو ذبح له أو نذر له أو استغاث به أو طلب منه أن يخلصه من مشكلة من المشكلات التي يقع فيها، يطلب منه وهو في قبره، يطلب منه وهو غائب، قد يقع في مشاكل ثم يلجأ إلى من يعتقد أنه ولي ويسأله أن يخرجه من تلك المشكلة، فهذا سواه برب العالمين في هذا الدعاء وهذه الاستغاثة، وهذا هو التنديد الذي قصد في مثل هذه الآية: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً﴾ [البقرة:٢٢].
стр. 376
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٣٢]
المحبة أنواع: منها محبة طبيعية مثل محبة الولد والوطن ونحوها، ومحبة عبادة، وهي التي تتضمن الخضوع والذل، فهذه يجب أن تكون خالصة لله وحده، وصرفها لغير الله تعالى شرك به سبحانه.
стр. 377
قوله تعالى: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً)
стр. 378
حرمة المحبة لغير الله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]].
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٥ - ١٦٧] هذا كله في هؤلاء الذين اتخذوا من المخلوقين محبوبين يحبونهم كمحبتهم لله جل وعلا، والمحبة هذه -التي جعلت المخلوق نداً لله- هي محبة فيها ذل وتعظيم، وليست محبة إلفة أو محبة حنان أو محبة تقدير وإجلال كمحبة الوالد أو الولد، وليست محبة طبيعية كمحبة الجائع للطعام والظمآن للشراب وما أشبه ذلك، هذا لا لوم على الإنسان فيها، ولكن هذه محبة مقصودة ومرادة، وليست الطبيعة والحاجة تبعث عليها، وإنما هي محبة عبادة، تدعو إلى الدعاء والاستغاثة والاستنصار، وإلى أن يعطى ذلك المحبوب شيئاً من خصائص الله؛ ولهذا قال: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] يعني: يجعلون حباً موزعاً بين هؤلاء وبين الله، وهذا هو الشرك الأعظم الذي إذا مات عليه الإنسان يكون من حطب جهنم، ويكون خالداً فيها؛ لأن هذا الحب يجب أن يكون خالصاً لله، ولا يجوز أن يكون مع الله فيه شريك، لا سيد، ولا نبي، ولا ملك، ولا أي مخلوق من مخلوقات الله، الرسول ﷺ يقول: (والله لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وولده ومن الناس أجمعين)، ومع ذلك لا يحب هذا الحب، وليس له نصيب من حب التعظيم والخوف والذل، وإنما يحب لله، ومن أجل الله، فإن الله يحبه، ومن أجل أن الله أمر بحبه، فتحبه طاعة لله؛ لأن الحبيب يحب حبيب حبيبه، يحب ما يحبه، ويبغض ما يبغضه، هذا من تمام الحب؛ ولهذا صارت محبة رسول الله ﷺ من كمال محبة الله ومتمماتها، ومن مكملاتها كما سيأتي.
стр. 379
حب الذل والتعظيم لله وحده
حب الذل والتعظيم والخضوع لا يجوز أن يكون إلا لله وحده، حب العبادة يكون خالصاً لله، لا يحب معه أحد، وهذا يكون عند الحاجة ظاهراً جلياً، عندما يحتاج الإنسان ويقع في شدة أو حاجة ملحة، فإنه يدعو بذل وخضوع وتعظيم وحب، والعبادة لابد أن تكون مشتملة على الحب والتعظيم والخوف، فالمؤمنون يدعون ربهم خوفاً وطمعاً، والخوف والذل والتعظيم من أركان العبادة، ولا يجوز أن يكون هذا في محبة المخلوق، أما إذا أحب مخلوقاً فذل له وخضع له فإنه يكون عابداً له، مثلما يحصل لكثير من الناس يحب امرأة أو معشوقاً فيترك في سبيل حبه طاعة الله، ويقول: إن وصلك أشهى إلي من عبادة ربي، كما يقوله بعض الفجرة الذين خرجوا من طاعة الله إلى عبادة شهواتهم وفروجهم، فيكون بذلك خارجاً من الدين الإسلامي نهائياً، ومبعداً عن الله جل وعلا، مثلما ذكر عبد الحق الإشبيلي عن رجل كان واقفاً في بلد ما عند باب داره، قد فتح الباب ووقف أمامه، وكان بابه قريباً من حمام ترتاده النساء، فجاءت امرأة جميلة تسأل وتقول: أين باب حمام منجاب؟ فأشار إلى باب داره وقال: هذا، فدخلت المرأة، فلما دخلت دخل خلفها، فلما رأت أنها وقعت في فخه وكيده ومكره أظهرت الموافقة والسرور، وقالت له: ينبغي أن يكون معنا في هذه اللحظات شيء نأكله ونتلهى به ما هو هكذا فقط، فقال: الآن آتيك بما تريدين، فخرج مسرعاً إلى السوق ولم يغلق الباب، فخرجت ولم تخونه في شيء، وتخلصت بهذه الحيلة من هذا الماكر، فلما رجع لم يجدها، فهام على وجهه وهو يقول: ورب قائلة يوماً وقد تعبت أين الطريق إلى حمام منجاب فمرض من أجل ذلك، فلما حضره الموت صاروا يقولون له: قل: لا إله إلا الله، فأخذ يردد هذا البيت، فمات وهو يردده نسأل الله العافية! صار عابداً لهذه المرأة، وهذا يقع كثيراً في الناس، فهذه عبادة حب، ومثل هذا ما يقع إلا في القلب الفارغ من حب الله جل وعلا، إذا كان يحب الشهوات والدنيا فإنه يكون عرضة لعبادة غير الله، ولعبادة الشهوات ومنها صور النساء والمردان وغير ذلك، فتكون بذلك خاتمته أسوأ الخواتم، نسأل الله العافية.
والمقصود: أن العبد يجب أن يكون عبداً لله، ولا يكون عبداً للمظاهر، وقد أجرى الله جل وعلا سنته في أن من لم يعبده لابد أن يعبد غيره شاء أم أبى، من أعرض عن عبادة الله لابد أن يعبد الشيطان على حسب مظاهره، قد يكون الشيطان في مظهر امرأة، وقد يكون في مظهر مال، وقد يكون في مظهر شهوات، وقد يكون في مظهر مبدأ ونحلة يدعو إليها، وهكذا سنة الله جل وعلا، فإن من لم يعبد الله عبد غيره؛ لأن الإنسان عبد، وهذه صفة ملازمة له لا ينفك عنها، ولهذا تجد الذي لا يتعلق بالله جل وعلا ويحب عبادته من الصلاة والزكاة وذكر الله تجد قلبه معلقاً بالملاهي والأغاني ومشاهدة الصور، لا يصبر عن ذلك، يكون عابداً لها، فمقل ومستكثر من الناس، كل بحسبه.
فالذي يجب على العبد أن يكون عبداً لله مخلصاً عبادته لله، وأن يحمي قلبه من أن يكون محلاً لغير الله جل وعلا في الحب والإرادة، يجب أن تكون محبته لله وحده، محبة الذل والخضوع: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً﴾ [البقرة:١٦٥] يعني: نظراء يكونون محبوبين مع الله من أي جهة كانت، سواء كانت من الناس أو كانت من الأصنام أو كانت من المال حتى الزوجة، زوجته قد تكون معبوداً له، إذا صارت تأمره بالمعصية فيتبعها، وتنهاه عن الطاعة فيطيعها، صارت هي أشد حباً له من الله، وصار أكثر متابعة لها من أوامر الله.
وبالعكس فالمخلوق لا يجوز أن يطاع في معصية الخالق: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) وإلا صار معبوداً لذلك المطيع، والناس يتفاوتون في هذا، وهذا قد يرتقي إلى الشرك الأكبر الذي يكون مخرجاً من الدين، وقد يكون شركاً أصغر، وقد يكون مجرد معصية يستحق عليها الإنسان العقاب، مثل: بخل الإنسان عن شيء من الواجب حباً للمال، إما زكاة وإما حقاً للغير يتعلق بماله، فيمنعه حب المال من إخراج ذلك، فهذه كبيرة من كبائر الذنوب، وهي نوع من العبادة؛ لأنه هو الذي منع من إخراج هذا الحق، أما لو كان مثلاً عبداً لله يعبده حق العبادة، فإنه لن يقدم على مرضاة الله وعلى محاب الله وطاعته شيئاً لا مالاً ولا ولداً ولا أهلاً، ولا أصدقاء ولا غيرهم، والإنسان أعلم بنفسه من غيره، فيجب أن يعرض أعماله على أوامر الله ونواهيه، فيعرف مقامه عند الله جل وعلا في هذا.
ولا يجوز للإنسان أن تكون عبادته موزعة، فيكون له أرباب كثيرون، يجب أن تكون عبادته لله جل وعلا وإلا فسيكون على خطر شديد، ومن المعلوم كما جرت سنة الله أن من جزاء السيئة السيئة بعدها، كما أن من جزاء الحسنة الحسنة بعدها، يعني: أن الإنسان قد يتهاون بهذه المعصية، فتجر هذه المعصية إلى معصية أخرى، ثم تجر إلى أخرى، ثم يألف المعاصي وتصبح عنده محبوبة، فإذا صار بهذه المنزلة كره الطاعات وأبغضها وابتعد عنها، وهنا يستحكم الشقاء نسأل الله العافية.
والعبد أمام أوامر الله له مقامان: إما أن يحصل له ما يحبه، فإن كان هذا حصل له من طريق شرعي فعليه أن يشكر الله ويزداد له بذلك عبادة.
وإما ألا يحصل له، فعليه أن يصبر ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الأمور كلها بمشيئة الله وإرادته، هو الذي يتصرف في خلقه وملكه.
المقام الثاني: عند إصابة الذنوب، فإذا أصاب ذنباً فعليه أن يعترف ويقر ويستغفر، فهذه أمور ثلاثة إذا حصلت للعبد فهي عنوان السعادة.
إذا حصلت له نعمة شكر الله عليها، وازداد بذلك عبادة، وإذا حصلت له مصيبة صبر واحتسب، وإذا حصل له ذنب تاب واستغفر، هذا هو شأن المؤمن، وهو الذي ينبغي أن يكون عليه العبد، أما إذا خرج عن ذلك فقد خرج عن عبودية الله جل وعلا، وإن تمادى زاد خروجاً حتى يستحكم البعد فيصبح مطروداً عن الله جل وعلا، نسأل الله العافية.
стр. 380
مآل المشركين في الآخرة
قال المؤلف ﵀: [قال العماد ابن كثير رحمه الله تعالى: يذكر الله حال المشركين به في الدنيا ومآلهم في الدار الآخرة حيث جعلوا لله أنداداً أي: أمثالاً ونظراء يعبدونهم معه ويحبونهم كحبه، لا إله إلا هو، ولا ضد له ولا ند له ولا شريك معه، وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قلت: (يا رسول الله! أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك).
وقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، ولحبهم لله تعالى وتمام معرفتهم به وتوقيرهم وتوحيدهم لا يشركون به شيئاً، بل يعبدونه وحده، ويتوكلون عليه، ويلجئون في جميع أمورهم إليه، ثم توعد تعالى المشركين به الظالمين لأنفسهم بذلك فقال تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:١٦٥] قال بعضهم: تقدير الكلام: لو عاينوا العذاب لعلموا حينئذ أن القوة لله جميعاً أي: إن الحكم لله وحده لا شريك له، فإن جميع الأشياء تحت قهره تعالى وغلبته وسلطانه ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة:١٦٥] كما قال تعالى ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٥ - ٢٦] يقول: لو علموا ما يعانون هناك وما يحل بهم من الأمر الفظيع المنكر الهائل على شركهم وكفرهم، لانتهوا عما هم فيه من الضلال.
ثم أخبر تعالى عن كفرهم بأعوانهم وتبرؤ المتبوعين من التابعين فقال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة:١٦٦] تبرأت منهم الملائكة الذين كانوا يزعمون أنهم يعبدونهم في الدار الدنيا فتقول الملائكة: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص:٦٣].
ويقولون: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤١] والجن أيضاً يتبرءون منهم ويتنصلون عن عبادتهم لهم كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥ - ٦] انتهى كلامه ﵀].
هذا الذي ذكره العماد ابن كثير ﵀ تضافرت عليه الأدلة من كتاب الله وأحاديث رسوله ﷺ ، وهو واضح وجلي من كلام الله جل وعلا في هذه الآية وغيرها من الآيات الكثيرة، ومضمونه أن كل من أحبّ أحداً -سواء كان ذلك المحبوب عاقلاً أو غير عاقل- في غير طاعة الله فإن هذا الحب يعود عليه بالعداوة، والبعد عن الله جل وعلا، والعذاب، وسوف يتبرأ منه ويصبح عدواً له، وكل واحد يلعن الآخر كما ذكر الله جل وعلا حاكياً عن إبراهيم في قصة إبراهيم: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت:٢٥] يعني: العابد يلعن المعبود، والمعبود يلعن العابد.
وكذلك إذا حشرهم الله جل وعلا يوم القيامة، يقول: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٢٢] يسألهم أن يأتوا بالذين جعلوهم شركاء لله، لكن من أين يأتون بهم؟ ﴿ادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأعراف:١٩٤] فتبرءوا منهم، وكفروا بهم، وأصبحوا أعداء لهم، هذا في العقلاء.
أما غير العقلاء فإنهم كما أخبر الله جل وعلا يكونون حصب جهنم هم والعابدون: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨].
وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ أن الرسول ﷺ قال: (إذا اجتمع الناس كلهم في مقام واحد، وسألوا الله جل وعلا أن يفصل بينهم، وطلبوا شفاعة الشافعين في هذا، وجاء الله جل وعلا للقضاء بينهم، يخاطبهم، فيقول لهم: أليس عدل مني أن أولي كل واحد منكم ما كان يتولاه في الدنيا؟ فكلهم يقول: بلى يا رب! عند ذلك يمثل لكل عابد معبوده، أو يؤتى به بعينه، فيقال: اتبع معبودك، فيتبعونهم إلى جهنم -فيبقى المؤمنون في الموقف وفيهم المنافقون -لأن المنافقين يعبدون الله في الظاهر كما يعبدون معه غيره في الباطن- فيأتيهم الله جل وعلا ويقول لهم: ما الذي أبقاكم وقد ذهب الناس؟ -وهذا يدلنا على أن أكثر الناس ذهبوا من الموقف إلى جهنم- فيقولون: إن لنا رباً ننتظره، فيقول لهم: أنا ربكم) إلى آخره.
وفيه: فإذا تبين لهم خروا له سجداً إلا المنافقين فإنهم لا يستطيعون السجود، يبقى ظهر أحدهم طبقاً واحداً ما يستطيع الانحناء، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه؛ لهذا يقول الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ [القلم:٤٢ - ٤٣] يعني: في الدنيا ﴿وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم:٤٣] والسجود يجب أن يكون لله وحده، وهم كانوا يسجدون مخافة من المؤمنين، حتى يكونون معهم فيما ينالهم، ويتقون بأسهم، فما كانوا يسجدون لله؛ فلهذا ما استطاعوا.
والمقصود: أن كل عابدٍ سوف يتبرأ من معبوده وكل معبود سوف يتبرأ من عابده.
وقول الله جل وعلا: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦]، الأسباب هنا قال العلماء: هي المودة والمحبة التي بينهم، انقطعت وذهبت واستبدلت بعداوة وبغضاء.
стр. 381
حب المشركين لأندادهم كحب الله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [روى ابن جرير عن مجاهد رحمهما الله في قوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] مباهاة ومضاهاة للحق سبحانه بالأنداد ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] من الكفار لأوثانهم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: ومن الأمور المبينة لتفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله: آية البقرة في الكفار الذين قال تعالى فيهم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧] ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله، فدل على أنهم يحبون الله حباً عظيماً فلم يدخلهم في الإسلام، فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله؟! فكيف بمن لم يحب إلا الند وحده؟! انتهى كلامه ﵀].
قول الله جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] تقدم أن الند يكون في صفة من الصفات، ولا يلزم أن يكون مماثلاً لله جل وعلا من كل وجه، وهذا لا يقوله أحد.
وهذه الآية بينت أن الند الذي يتخذ هو في الحب فقط؛ ولهذا قال: (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ) والمعنى: يحبون هذه الأنداد كمحبتهم لله تعالى، وهذا هو الشرك الذي جعلهم إذا ماتوا عليه خالدين في النار، وأحل دماءهم وأموالهم، فهم قسموا الحب الواجب لله جل وعلا الذي يتضمن الذل والخضوع والتعظيم، وجعلوه لمخلوق، فصاروا مشركين بذلك، وسبق أنه ليس في العالم من يقول: إن أحداً من الخلق يساوي الله جل وعلا في التصرف من الإيجاد أو الإحياء أو في الملك أو في المشيئة أو في القدرة أو ما أشبه ذلك، وإنما يكون في جزء، وهو الأمر الذي يصدر من الناس.
أما الأمور الصادرة من الله جل وعلا التي يفعلها وحده فليس هناك من بني آدم من جعل لله فيها نداً، وإنما الند يكون فيما يصدر من المخلوق نفسه، مثل الحب والدعاء والخضوع والذل والذبح والنذر، وما أشبه ذلك من الأمور التي يتعبد بها الإنسان، فإذا جعل شيئاً منها لغير الله جل وعلا فقد اتخذ ذلك الذي جعل له هذا الشيء نداً لله؛ لأن العبادة يجب أن تكون لله وحده، فهي خالص حق الله جل وعلا، والله جل وعلا خلق العباد، ليخلصوا له العبادة، كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] قضى: أمر وأوجب وألزم أن تكون العبادة له وحده، ولا يكون لغيره شيء منها.
وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) هذا مركب على المعنى السابق، وذلك أن المؤمنين أخلصوا حبهم لله جل وعلا، ولم يوزعوه بين ربهم جل وعلا وبين المخلوقات، فصار الحب الذي هو لله وحده أشد من الحب الذي يكون موزعاً مقسوماً بين الرب جل وعلا وبين المعبودات الأخرى، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى أن أصل الحب الذي يكون عند المؤمن لا يمكن أن يكون مساوياً للحب الذي يكون عند المشرك، وذلك أن المؤمن عرف حق الله، وعرف وجوب محبته الحب الخضوعي، الحب الذي يتضمن الخوف والذل والتعظيم، عرف أن هذا يجب أن يكون لله، وأنه خالص حق الله، فصار لو خير بين أن يجعل شيئاً من هذا الحب لغير الله وأن يقتل لاختار القتل، ولو خير إما أن يجعل هذا الحب لغير الله أو يلقى في النار لاختار أن يلقى في النار، ولا يجعل شيئاً من هذا الحب لغير الله، فحب الله في قلبه عظيم جداً، ولا يساوي الحب الذي يصدر من المخلوق للمخلوق، وذلك أن هذا حب للعبادة الذي إذا تحلى القلب به أصبح يختاره على نفسه، وعلى ما دون النفس من جميع ما يملكه في الدنيا؛ فلهذا بين الرسول ﷺ أن المؤمن إذا وصل الإيمان إلى قلبه أن الله جل وعلا ورسوله يكون أحب إليه مما سواهما، وأنه يحب أن يلقى في النار ولا يكفر بالله جل وعلا؛ من هذه المحبة التي تحلى القلب بها، فالذين آمنوا لا يقاس حبهم مع من أحب صنماً أو قبراً أو شخصاً أو غير ذلك من الحب الذي يكون قادحاً في محبة الله جل وعلا وفي عبادته.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [روى ابن جرير عن مجاهد رحمهما الله في قوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] مباهاة ومضاهاة للحق سبحانه بالأنداد ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] من الكفار لأوثانهم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: ومن الأمور المبينة لتفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله: آية البقرة في الكفار الذين قال تعالى فيهم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧] ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله فدل على أنهم يحبون الله حباً عظيماً فلم يدخلهم في الإسلام فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله؟! فكيف بمن لم يحب إلا الند وحده؟! انتهى كلامه ﵀].
في هذه الآية يعني: قول الله جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] تقدم أن الند يكون في صفة من الصفات ولا يلزم أن يكون مماثلاً لله جل وعلا من كل وجه، وهذا لا يقوله أحد.
وهذه الآية بينت أن الند الذي يتخذ هو في الحب فقط؛ ولهذا قال: (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ) والمعنى: يحبون هذه الأنداد كمحبتهم لله تعالى، وهذا هو الشرك الذي جعلهم إذا ماتوا عليه خالدين في النار، وأحل دماءهم وأموالهم، فهم قسموا الحب الواجب لله جل وعلا الذي يتضمن الذل والخضوع والتعظيم، وجعلوه لمخلوق، فصاروا مشركين بذلك، وسبق أنه ليس في العالم من يقول: إن أحداً من الخلق يساوي الله جل وعلا في التصرف من الإيجاد أو الإحياء أو في الملك أو في المشيئة أو في القدرة أو ما أشبه ذلك، وإنما يكون في جزء وهو الأمر الذي يصدر من الناس.
أما الأمور الصادرة من الله جل وعلا التي يفعلها فليس هناك من بني آدم جعل لله فيه نداً، وإنما الند يكون فيما يصدر من المخلوق نفسه، مثل الحب والدعاء والخضوع والذل والذبح والنذر، وما أشبه ذلك من الأمور التي يتعبد بها الإنسان، فإذا جعل شيئاً منها لغير الله جل وعلا فقد اتخذ ذلك الذي جعل له هذا الشيء نداً لله؛ لأن العبادة يجب أن تكون لله وحده، فهي خالص حق الله جل وعلا، والله جل وعلا خلق العباد لهذا، ليخلصوا له العبادة، كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] قضى: أمر وأوجب وألزم أن تكون العبادة له وحده، ولا يكون لغيره شيء منها.
وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) هذا مركب على المعنى السابق، وذلك أن المؤمنين أخلصوا حبهم لله جل وعلا، ولم يوزعوه بين ربهم جل وعلا وبين المخلوقات، فصار الحب الذي هو لله وحده أشد من الحب الذي يكون موزعاً مقسوماً بين الرب جل وعلا وبين المعبودات الأخرى، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى أن أصل الحب الذي يكون عند المؤمن لا يمكن أن يكون مساوياً للحب الذي يكون عند المشرك، وذلك أن المؤمن عرف حق الله، وعرف وجوب محبته الحب الخضوعي، الحب الذي يتضمن الخوف والذل والتعظيم، عرف أن هذا يجب أن يكون لله، وأنه خالص حق الله، فصار لو أنه مثلاً خير بين أن يجعل شيئاً من هذا الحب لغير الله وأن يقتل لاختار القتل، ولو خير إما أن يجعل هذا الحب لغير الله أو يلقى في النار لاختار أن يلقى في النار، ولا يجعل شيئاً من هذا الحب لغير الله، فحب الله في قلبه عظيم جداً، ولا يساوي الحب الذي يصدر من المخلوق للمخلوق، وذلك أن هذا حب للعبادة الذي إذا تحلى القلب به أصبح يختاره على نفسه، وعلى ما دون النفس من جميع ما يملكه في الدنيا؛ فلهذا بين الرسول ﷺ أن المؤمن إذا وصل الإيمان إلى قلبه أن الله جل وعلا ورسوله يكون أحب إليه مما سواهما، وأنه يحب أن يلقى في النار ولا يكفر بالله جل وعلا من هذه المحبة التي تحلى القلب بها، فالذين آمنوا لا يقاس حبهم مع من أحب صنماً أو قبراً أو شخصاً أو غير ذلك من الحب الذي يكون قادحاً في محبة الله جل وعلا وفي عبادته.
стр. 382
أنواع الظلم
قال الشارح ﵀: [ففي الآية بيان أن من أشرك مع الله تعالى غيره في المحبة فقد جعله شريكاً لله في العبادة، واتخذه نداً من دون الله، وأن ذلك هو الشرك الذي لا يغفره الله تعالى كما قال تعالى في أولئك: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧] وقوله: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ [البقرة:١٦٥] المراد بالظلم هنا الشرك كقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢] كما تقدم.
فمن أحب الله وحده وأحب فيه وله فهو مخلص، ومن أحبه وأحب معه غيره فهو مشرك كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١ - ٢٢].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما معناه: فمن رغب إلى غير الله في قضاء حاجة أو تفريج كربة لزم أن يكون محباً له، ومحبته هي الأصل في ذلك.
انتهى كلامه ﵀].
كون الظلم في هذه الآية هو الشرك أظهر منه في آية سورة الأنعام: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢]؛ لأن الآية هذه مبدأها في نفي الحب الذي يكون لوجه الله جل وعلا، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ)) [البقرة:١٦٥]، وقوله: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ [البقرة:١٦٥] يعني: الذين وزعوا محبتهم بين الله جل وعلا وبين هذه المتخذة آلهة من دونه.
والظلم يطلق على كل معصية يخالف بها الإنسان أمر الله جل وعلا سواء بارتكاب منهي أو ترك واجب، فإنه ظلم، وقد علم أن الظلم ينقسم إلى أقسام: ظلم بين العبد وبين ربه كأن يترك واجباً من الواجبات أو يرتكب محرماً من المحرمات مما لا يتعلق بإنسان كأخذ مال، أو استطالة عرض وما أشبه ذلك، فهذا يكون بين العبد وبين ربه فقط، وهذا هو أسهل أنواع الظلم وأيسرها؛ لأن الله جل وعلا غفور رحيم، وإذا قدم العبد على ربه وكان ظالماً وغير مشرك، فإن كل ظلمه سوف يغفره الله جل وعلا إذا شاء ولا يبالي.
كله معلق بمشيئته، إذا شاء غفره بدون مؤاخذة ومعاقبة، وإذا أخذ به فمجرد عقاب مؤقت، ثم بعد ذلك يكون مآله إلى الجنة، هذا إذا كان الظلم في ترك واجب أو فعل محرم.
أما النوع الثاني من الظلم فهو الظلم الذي يكون بين العباد بعضهم لبعض، وهو أيضاً إما أن يكون بفعل محرم أو الامتناع من أداء واجب وجب عليه لأخيه، فهذا مبناه على المشاحاة والمقاصاة، ولا يترك الله منه شيئاً إلا أن يعفو صاحب الحق، فإن لم يعف صاحب الحق فلا بد من أداء الحق إلى صاحبه حتى الذين يكونون من أهل الجنة وينجون من الحساب، فإن الذين يبقى عليهم حقوق لبعضهم البعض، ولو جاوزوا الصراط فإنهم لا يدخلون الجنة حتى تحصل المقاصاة، وأخذ المظالم من بعضهم لبعض كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه أخبر أن أهل الجنة إذا عبروا الصراط، وصاروا إلى باب الجنة، حبسوا في قنطرة بين الجنة والنار، يحبسون ولا يدخلون الجنة حتى يؤخذ لبعضهم من بعض، وينزع ما في صدورهم من غل، فإذا صاروا إخواناً متحابين دخلوا الجنة، ولا يدخلون الجنة ولأحد على أحد شيء، فهذا أقل أنواع الظلم التي تكون لبعضهم على بعض.
أما أصحاب المظالم العظيمة فلا يأتون إلى الصراط ولا يتجاوزنه حتى يؤخذ لصاحب الحق حقه، وقد جاءت أحاديث كثيرة تحذر عن الوقوع في مثل هذا، فقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ سأل يوماً أصحابه: (أتدرون من المفلس فيكم؟ قيل: المفلس من لا درهم عنده ولا دينار، قال: كلا، المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات كثيرة أمثال الجبال، ولكنه يأتي وقد شتم هذا، وقد استطال على عرض هذا، وقد أكل مال هذا، فيؤخذ لهذا من حسناته، ولهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم، ثم طرحت عليه، ثم طرح في النار) هذا هو المفلس، يأتي بالحسنات ولكن تكون لغيره، الحسنات التي يعملها تكون للناس الآخرين وليست له؛ لأنه كان يظلمهم، وتمتع في دنياه بظلمهم، إما بتمزيق أعراضهم، أو بأكل أموالهم، أو بمنع حقوقهم التي وجبت لهم عليه، فإنهم لا بد أن يطالبوه بذلك، ولا بد أن تؤدى الحقوق إلى مستحقيها.
أما النوع الثالث فهو أشد أنواع الظلم وأعظمها وهو ظلم الشرك، فهذا الظلم إذا مات عليه الإنسان فإنه ليس معه اهتداء ولا أمن، منفي عنه الأمن مطلقاً؛ لأن الله جل وعلا قد فصل الأمر في هذا ووضحه، وأخبر أن من يموت مشركاً فإن مأواه جهنم، وأنه من أهل النار، وليس بخارج منها، وأن الله جل وعلا يغفر كل ذنب إذا شاء أن يغفره إلا الشرك، قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] هذا عام شامل حتى يدخل فيه ظلم العباد بعضهم مع بعض، إذا شاء الله جل وعلا أرضى صاحب الحق عمن ظلمه، يرضيه فيعفو عنه، ويغفر الله جل وعلا لهذا الظالم، أما إذا كان مشركاً فإنه لا يغفر له.
ومن هنا يتبين لنا شدة الحاجة إلى معرفة الشرك لئلا يقع الإنسان فيه وهو لا يدري، وكم وقع فيه من يكتب مثلاً تفسيراً لكتاب الله، أو يكتب شرحاً لحديث رسول الله ﷺ ، أو يكتب في الأصول أو في غيرها، ومع هذا يقع في الشرك الأكبر! نسأل الله العافية؛ وذلك لأن الإنسان إذا عاش في مجتمعٍ لا يعرف الشرك، فإنه ربما دخل عليه وهو لا يدري كما جاء عن أمير المؤمنين عمر ﵁ أنه قال: أتدري متى تنقض عرى الإسلام عروة عروة؟ قيل له: متى؟ قال: إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية، يعني: أنهم يقعون في المخالفات وفي المنكرات، وهم يظنون أنها ليست كذلك.
فيتعين على العبد -لما ذكر الله جل وعلا أنه لا يغفر هذا الذنب- أن يتعرف على الشرك خوفاً من الوقوع فيه، فهذا هو أعظم أنواع الظلم؛ وذلك لأن الإنسان إذا وقع فيه، ومات عليه؛ فإنه ميئوس منه نهائياً، ومقطوع بأنه من أهل النار قطعاً لخبر الله جل وعلا بذلك الخبر البين الذي ليس فيه إشكال.
أما قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣]، فقوله: ﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ هذا ما ترك شيئاً: الشرك وغير الشرك، فهذه الآية في الإنسان الذي يتوب، فالتائب من الذنب مهما كان الذنب فإن الله يغفره بالتوبة إذا كانت التوبة صحيحة، فإذا كانت صحيحة مجتمعة فيها الشروط فإن الله جل وعلا يغفر لهذا المذنب وإن كان ذنبه شركاً.
وشروط التوبة هي: أن تكون التوبة في الحياة قبل أن يعاين الموت.
وأن تكون التوبة تتضمن: الندم، والإقلاع عن الذنب، والعزم ألا يعود إلى الذنب أبداً ما دام حياً.
إذا اجتمعت هذه الأمور فإن التوبة تكون نصوحاً، ويقبلها الله جل وعلا، ويحب جل وعلا من اتصف بها.
وإذا كان الذنب في حق للغير، فإنه يشترط أيضاً إرجاع هذا الحق إلى صاحبه، وإلا لا تصح هذه التوبة منه، لا تصح إلا أن يرجع الحق إذا استطاع إلى صاحبه، أو يتحلله حتى يجعله في حل، فيسامحه من قلبه أما أن يحله بلسانه وقلبه مصر على عدم مسامحته فهذا لا يفيد.
فالمقصود أن هذه هي أنواع الظلم، وهنا الظلم المذكور هو الشرك؛ لأن الكلام في الشرك.
стр. 383
معنى كلمة الإخلاص
قال الشارح: [فكلمة الإخلاص لا إله إلا الله تنفى كل شرك في أي نوع كان من أنواع العبادة وتثبت العبادة بجميع أفرادها لله تعالى، وقد تقدم بيان أن الإله هو المألوه الذي تألهه القلوب بالمحبة وغيرها من أنواع العبادة فلا إله إلا الله نفت ذلك كله عن غير الله، وأثبتته لله وحده، فهذا هو ما دلت عليه كلمة الإخلاص مطابقة، فلابد من معرفة معناها، واعتقاده، وقبوله، والعمل به باطناً وظاهراً، والله أعلم] يعني: لا بد من معرفة معناها وقبوله، أي: قبول هذا المعنى والعمل به في الظاهر أي: في الجوارح، وفي الباطن يعني: في القلب، حتى يتحصل قائلها على الوعد الذي جاءت به الأحاديث، فإن من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة؛ لأن قولها: ليس مجرد الكلام اللفظي، فمجرد الكلام اللفظي بدون اعتقاد المعنى أو العمل بما دلت عليه لا يفيد، فاليهود يقولون: لا إله إلا الله، وهم كفار، ولا يفيدهم قول: لا إله إلا الله، وهم أصناف، ومنهم من لا يشرك، بل يعيب على المشركين الشرك، ومع ذلك هم في جهنم؛ لأنهم لم يقبلوا ما دلت عليه، ولم يعملوا بها.
وكذلك الجزء الآخر من الشهادتين، وهو شهادة أن محمداً رسول الله، لم يقبلوا ذلك، ولم يؤمنوا به، ولم يعملوا به، مع أنهم في باطن أمرهم متيقنون أنه رسول الله، كما قال الله جل وعلا: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦]، يعرفون أن الرسول ﷺ رسول من الله كما يعرف أحدهم ابنه أنه ولده، وقد جاء عن عبد الله بن سلام ﵁ أنه قال: والله إننا لنعرفه أكثر من معرفتنا لأبنائنا؛ وذلك أن أحدنا يخرج من بيته فلا يدري ماذا تصنع زوجته، أما رسول الله ﷺ فليس عندنا أي ارتياب أو شك في أنه رسول من عند الله بالصفات التي عرفناها بكتاب الله جل وعلا.
ومع هذه المعرفة هم كفار بالله؛ لأنهم لم يقبلوا ما جاء به رسول الله ﷺ ، ولم يعملوا به.
وقد اتفق العلماء على أن من لم يقبل ما دلت عليه لا إله إلا الله فإنه كافر ويقاتل، ولو كان ما لم يقبله من الواجبات، فإن كل واجب في الإسلام هو من حق لا إله إلا الله، كما قال الرسول ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله -جل وعلا-) فلهذا لما توفي رسول الله ﷺ ، وظهر من الناس أمور عجيبة، منهم من قال: لو كان نبياً ما مات، ومنهم من قال: كنا نؤدي إليه الزكاة في حياته، أما بعد وفاته فلن نؤديها وأبى من دفعها، ومنهم من ارتد نهائياً وعاد إلى الشرك؛ فلم يفرق الصحابة بين هؤلاء كلهم، بل جعلوا قتالهم كله قتال ردة، وقاتلوهم حتى رجعوا إلى الإسلام، ومع ذلك لما انتصر عليهم الصحابة، وأظهر من أظهر منهم التوبة من الذين بقوا واستسلموا؛ لم يقبل منهم الصحابة بقيادة أبي بكر الصديق حتى يشهدوا بأن قتلاهم في النار، وأن قتلى الصحابة في الجنة؛ لأنهم ارتدوا عن دين الله جل وعلا، وارتكبوا أموراً عظيمة، ولما روجع في هذا وقيل له: إن الرسول ﷺ قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله) فقال لهم: ألم يقل: (إلا بحقها)؟ فوالله! لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه، فأجمع الصحابة بعد ذلك على هذا، فعلى هذا لو أن إنساناً قال: لا إله إلا الله، وعبد الله، وأدى الصلاة، ولكنه امتنع من الوضوء، أبى أن يتوضأ، وصار يصلي بلا وضوء؛ فإنه يكفر بلا إله إلا الله، فإن الإسلام كله مرتبط بهذه الكلمة، وكل ما فيه من حقها، والذي يمتنع من واجب من الواجبات يجب على إمام المسلم أن يقاتله حتى يلتزم بالحق، ويجب على المسلمين أن يعاونوه على ذلك حتى يلتزم بأمر الله جل وعلا ويقبله، وينقاد له، وهذا أمر متفق عليه بين العلماء لا خلاف بينهم فيه.
وهذا يدلنا على جهل الذين يتجهون إلى القبور ويعبدونها، ويدعون أصحابها ويتضرعون إليهم، ثم يقولون: إننا نقول: لا إله إلا الله، فنحن مسلمون موحدون، ولا يجوز أن نرمى بشيء من الشرك أو من المخالفات التي تجعل صاحبها خارجاً عن الدين الإسلامي، هذا يدل على جهلهم، وأنهم لم يعرفوا الإسلام في الواقع.
стр. 384
توحيد المحبوب وتوحيد المحبة
قال الشارح ﵀: [قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: فتوحيد المحبوب ألا يتعدد محبوبه -أي: مع الله تعالى- بعبادته له، وتوحيد الحب ألا يبقى في قلبه بقية حب حتى يبذلها له، فهذا الحب وإن سمي عشقاً فهو غاية صلاح العبد ونعيمه وقرة عينه، وليس لقلبه صلاح ولا نعيم إلا بأن يكون الله ورسوله أحب إليه من كل ما سواهما، وأن تكون محبته لغير الله تابعة لمحبة الله تعالى، فلا يحب إلا الله، ولا يحب إلا لله كما في الحديث الصحيح (ثلاث من كن) الحديث].
العشق لا يجوز أن يستعمل مع الله جل وعلا، فالحب الذي يكون لله لا يجوز أن يقال: إنه عشق أو يقال: عشيق الرحمان أو ما أشبه ذلك؛ وذلك أن العشق حب يتضمن شهوة، فلا يجوز أن يكون لله جل وعلا، تعالى وتقدس، ومحبة الله فوق هذا وأعظم منه، وهي محبة عبادة؛ ولهذا اشترط فيها أن تكون متضمنة للذل والتعظيم، أن يذل ويخضع ويعظمه.
أما محبة العشق فهي لأجل الشهوة، وهذا يكون من مخلوق مع مخلوق، فلا يجوز أن يستعمل هذا في المحبة التي تكون لله جل وعلا.
стр. 385
محبة الرسول من محبة الله
قال الشارح ﵀: [ومحبة رسول الله ﷺ هي من محبة الله، ومحبة المرء إن كانت لله فهي من محبته، وإن كانت لغير الله فهي منقصة لمحبة الله مضعفة لها، ويصدق هذه المحبة بأن تكون كراهيته لأبغض الأشياء إلى محبوبه -وهو الكفر- بمنزلة كراهيته لإلقائه في النار أو أشد، ولا ريب أن هذا من أعظم المحبة، فإن الإنسان لا يقدم على محبة نفسه وحياته شيئاً، فإذا قدم محبة الإيمان بالله على نفسه بحيث لو خير بين الكفر وبين إلقائه في النار لاختار أن يلقى في النار ولا يكفر، كان أحب إليه من نفسه، وهذه المحبة هي فوق ما يجده العشاق المحبون من محبة محبوبيهم، بل لا نظير لهذه المحبة كما لا مثل لمن تعلقت به، وهى محبة تقتضى تقديم المحبوب فيها على النفس والمال والولد، وتقتضى كمال الذل والخضوع والتعظيم والإجلال والطاعة والانقياد ظاهراً وباطناً، وهذا لا نظير له في محبة المخلوق، ولو كان المخلوق من كان؛ ولهذا من أشرك بين الله وبين غيره في هذه المحبة الخاصة كان مشركاً شركاً لا يغفره الله كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] والصحيح أن معنى الآية: إن الذين آمنوا أشد حباً لله من أهل الأنداد لأندادهم، كما تقدم أن محبة المؤمنين لربهم لا يماثلها محبة مخلوق أصلاً كما لا يماثل محبوبهم غيره، وكل أذى في محبة غيره فهو نعيم في محبته، وكل مكروه في محبة غيره فهو قرة عينٍ في محبته، ومن ضرب لمحبته الأمثال التي في محبة المخلوق للمخلوق كالوصل والهجر والتجني بلا سبب من المحب وأمثال ذلك مما يتعالى الله عنه علواً كبيراً فهو مخطئ أقبح الخطأ وأفحشه، وهو حقيق بالإبعاد والمقت.
انتهى كلامه ﵀].
يجب أن يفرق الإنسان بين محبة الله جل وعلا الواجبة له، وبين محبة عبده ورسوله ﷺ ، محبة الرسول ﷺ واجبة على المسلم، يجب عليه أن يقدم محبة الرسول ﷺ على محبة نفسه فضلاً عن محبة ولده أو أهله أو ماله، بل يكون أحب إليه من نفسه، وإلا لم يحصل له الإيمان الواجب الذي ينجو به من عذاب الله.
وهذه المحبة التي تكون للرسول ﷺ ليست هي المحبة التي تكون لله، بل هي محبة أخرى، وهي محبة لله وفي الله، وليست محبة مع الله، فإن المحبة مع الله شرك بالله جل وعلا؛ لأنها تكون محبة عبادة، محبة ذل وتعظيم، أما محبة الرسول ﷺ فهي حب لله، تحبه لأن الله يحبه؛ لأنه أحبُّ خلقه إليه، فيجب عليك أن تقدم محبة محبوبك على كل محبوب لك.
فأولاً تؤدي حق الله الذي هو العبادة، فتحبه المحبة التي هي عبادة لله، ثم تحب ما يحبه الله، ومن ذلك كون الله جل وعلا يحب رسوله؛ ولأنه صلوات الله وسلامه عليه هو السبب في حياتك الحياة الحقيقة، التي هي حياة الروح، وهي الحياة التي تتصل بالله جل وعلا لهذا وجب أن يحب أكثر من غيره لله وبالله وفي الله.
وهذا الحب الذي يكون لله وفي الله يكون مكملاً لمحبة الله جل وعلا ومتمماً لها، وليس هذا الحب مشاركاً لله في العبادة؛ لأن المخلوق لا يعبد، ولا يحب حب العبادة، وإنما يحب حيث أمر الله جل وعلا بحبه.
فهو بهذه النظرة يكون مكملاً ومتمماً لمحبة الله جل وعلا محبة العبادة، فهذا يجب أن يعلم، وأن يفرق بين محبة الرسول ﷺ ومحبة الله.
ثم لهذه المحبة لوازم وعلامات، ومن لوازمها: تقديم قول الرسول ﷺ على قول كل أحد، ومن علاماتها: الحرص على اتباعه صلوات الله وسلامه عليه أكثر من اتباع غيره، بل لا يجوز اتباع غيره في أي شيء هو في الدين عبادة؛ لأن العبادة مبناها على أمر الرسول ﷺ ونهيه، فهذا الذي قد يغلط فيه بعض الناس.
стр. 386
المحبة الخالصة لله وحده
قوله: إن المحبة الخاصة يجب أن تكون لله، قصده بالخاصة التي يختص بها الله جل وعلا، وهي محبة العبادة وقلنا: إن المحبة التي تكون لله يجب أن تتضمن الذل والتعظيم، لأن الإنسان قد يحب محبوباً فإذا كان يحبه وهو ذال له معظم له، فهذا يكون عبادة، أما إذا كان يحبه لحظ نفسه، لأمر من الأمور، ولكنه لا يخضع له، ولا يعظمه، ولا يذل له ويستكين له، فإن هذا حب لا يكون عبادة.
وسبق أن قلنا: إن الحب ينقسم إلى قسمين: حب يكون خاصاً، وهذا يجب أن يكون خالصاً لله، وهو حب العبادة الذي فيه الذل والتعظيم.
وحب يكون مشتركاً بين الخلق كلهم حتى البهائم، وهذا أقسام: منه -مثلاً- حب الألفة والمصاحبة، إذا صاحب إنسان إنساناً وألفه، وكان معه في عمل من الأعمال أو في مكان من الأمكنة، وطال التردد وكثر الاجتماع؛ فإنه تحصل محبة بينهم، وهذا مشترك بين الخلق كلهم حتى البهائم، البهيمة إذا أخذت من بين البهائم صارت تصيح وتحن إلى إلفها، ولا تسكن حتى ترجع إلى المكان الذي أخذت منه، فالمقصود أن هذا مشترك بين الخلق.
ونوع آخر من الحب وهو حب يتضمن حاجة كحب الطعام، وحب الشراب، فإذا حصل له حاجته أصبح لا يحبه.
وحب يتضمن رحمة ورأفة كحب الصغير وحب الضعيف وحب المسكين، ومنه حب الولد، فإن هذا حب حنان ورحمة.
ومنه أيضاً: حب تقدير وإجلال كحب الوالد مثلاً، يقدره ويجله، ولكنه لا يتضمن الذل والخضوع، يقدر ويجل بحيث يعمل معه الأدب، ولكن لا يسجد له، ولا يخضع له، ومن هذا القبيل أيضاً حب الزوج مع زوجته، والزوجة مع زوجها، فهذه الأنواع كلها لا لوم على الإنسان في شيء منها، فهي مشتركة بين الخلق، ولا بد منها.
وإنما الذي يجب أن يكون لله هو الحب الخاص، وهو حب العبادة، حب الذل والتعظيم والخضوع الذي يتضمن استكانة القلب وذله، وخضوع الجسم والجوارح، فهذا يجب أن يكون خالصاً لله جل وعلا، ولا يجوز أن يكون لمخلوق من المخلوقات، أحد الصحابة رجع من سفر رأى فيه بعض الأعاجم يسجدون لعظمائهم وملوكهم، فقال الرسول ﷺ : ألا نسجد لك فأنت أولى من أولئك؟ قال (لا، السجود لله، ولو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها؛ لعظم حقه عليها) ولكن العبادة يجب أن تكون لله وحده، لا يكون لمخلوق منها شيء، والعبادة إذا خلت من الحب والذل والتعظيم فليست عبادة، ولا تكون عبادة إلا بذلك.
أما كون الإنسان يحب ما يحتاجه فهذا من الحب الطبيعي الذي لا يؤاخذ عليه؛ لأن الله جل وعلا خلق الناس على هذا الشيء، وعين العبادة وحددها وبينها حتى يعمل عباد الله على أمر الله، ويجتنبون نهيه، وكل هذا مأخوذ من معاني النصوص التي دلت عليه من كتاب الله، وأحاديث رسوله ﷺ .
стр. 387
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٣٣]
حديث: (من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه) من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله، فإنه لم يجعل التلفظ بها، ولا معرفة معناها، ولا الإقرار بها عاصماً للدم والمال، إلا إذا صاحب ذلك الكفر بما يعبد من دون الله تعالى.
стр. 388
الكفر بما يعبد من دون الله
قال المصنف ﵀: [وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله؛ حرم ماله ودمه وحسابه على الله)].
هذا الحديث يبين معنى لا إله إلا الله بياناً شافياً؛ فهو من جنس الآيات السابقة، والباب يقول فيه: باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله.
فهذا الحديث يفسر شهادة أن لا إله إلا الله؛ وذلك لأنه لم يكتف الرسول ﷺ بقول لا إله إلا الله، بل قيد الأمر بشيئين: الأول: قول لا إله إلا الله.
الثاني: الكفر بما يعبد من دون الله، فإذا حصل أحدهما وتخلف الآخر لم يحصل المقصود الذي قصده الرسول ﷺ ، والكفر بما يعبد من دون الله معناه: بغضه والابتعاد عنه بعد التخلي عنه نهائياً، قال الله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤] فهذا هو معنى الكفر بما يعبد من دون الله، أول شيء يتخلى عنه إذا كان يعمل شيئاً منه، ثم يبغضه ويعاديه، ويبغض ويعادي من يفعله، ويتبرأ منه، وإذا لم يحصل ذلك فمعنى ذلك أنه لم يأت بالكفر المطلوب، وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:٢٥٦] فقدم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله، مما يدل على أن هذا شرط في صحة قول لا إله إلا الله.
فإذا لم يكفر الإنسان بما يعبد من دون الله لا ينفعه قول: لا إله إلا الله، وهذا قيد من القيود التي قيدت به هذه الكلمة، والقيود التي قيدت بها هذه الكلمة كثيرة، ومنها أن يعلم معناها، فيقولها عن علم، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦] وشهادة الحق هي شهادة أن لا إله إلا الله، وقوله جل وعلا: (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) جملة حالية، يعني: حالة كونهم يعلمون ما يشهدون به.
وأيضاً الإخلاص فقد جاءت مقيدة به كما قال الرسول ﷺ : (أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه)، فالإخلاص ينافي الشرك والرياء.
أيضاً اليقين الذي ينافي الشك والتردد.
والانقياد بحيث إن الإنسان يقولها وينقاد لما دلت عليه، أما أن يقولها ويأبى أن يعمل، فهذا لا يفيد.
ومنها الاستسلام والتسليم.
ومنها: الرضا بما دلت عليه.
ومنها: المحبة، أن يحب ذلك ويرضاه، فإذا وجدت هذه القيود فيمن يقول: لا إله إلا الله فهذا الذي يموت مخلصاً، ويلقى الله جل وعلا خالصاً ليس معه شيء من الشرك، ويكون من الذين يسلكون إلى الجنة؛ لأنه إذا قالها بهذه القيود لا يمكن أن يقوم به شرك من الأعمال.
стр. 389
الرغبة فيما عند الله
ما ذكره المؤلف قبل هذا يدلنا على أن العبد يجب في عبادته أن يحب الله وأن يخشاه، وأن يكون في عبادته طالباً للنجاة من الله جل وعلا، طالباً لثوابه وجزائه، هارباً من عقابه، وليس كما يقول من يقوله من المغرورين: أنا لا أعبد الله ولا أحبه لأجل جنته أو خوفاً من ناره، فإن هذا غرور وجهل بالواقع، فالإنسان ضعيف، ولو أن الإنسان أصيب بعذاب فإنه سوف يظهر ضعفه بسرعة، وسوف يتنصل مما يقول، وقد ذكر عن بعض السلف الذين كانوا معروفين بالتصوف -وهو الشبلي ﵀ أنه كان يقول: أنا لا أعبد الله طلباً لجنته، فابتلي بحبس البول، انحبس البول فصار يمشي إلى الصبيان ويقول: استغفروا لشيخكم الكذاب، فإنه تبين كذبي؛ إذ إني لا صبر لي على العذاب.
وهذه موعظة وعظ بها.
أما ما ذكر عن رابعة العدوية أنها كانت تقول: أنا لا أعبده لجنته ولا خوفاً من ناره، وإنما أعبده لحبه، فهذا لا يصح عنها، وإنما هو من قول الذين لهم شطحات ممن هم غير عارفين بالشرع، وإلا فالله جل وعلا قد أكثر من ذكر الجنة وذكر النار في كتابه، حتى يكون هذا حادياً على العبادة الرغبة والرهبة، وقد أخبر عن سادات أوليائه الذين هم الأنبياء أنهم كانوا يعبدونه رغباً ورهباً، رغباً في ثوابه، ورهباً من عقابه جل وعلا، ولا تستقيم العبادة إلا بهذا، فلا صبر للعبد على عذاب الله، كما أنه لا غنى له عن رحمته، فهو ضعيف مسكين محتاج إلى ربه جل وعلا، والله جل وعلا غني عنه من كل وجه، وطاعة الطائعين لا تنفع الله، كما أن معصية العاصين لا تضر الله جل وعلا، وإنما الطائعون يطيعون لأنفسهم، ويجتنبون المعاصي وقاية لأنفسهم من عذاب الله، وإلا فقد قال الله جل وعلا في الحديث القدسي: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل سائل مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر).
والمقصود بالمخيط الإبرة، فالإبرة إذا أدخلت في البحر ثم نزعت هل تنقص من البحر شيئاً؟ لا، ذلك أنه جل وعلا إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون، وكل شيء في ملكه.
ثم يقول الله جل وعلا في آخر الحديث: (إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه)، فالعمل لأجل النجاة، والرسول ﷺ يقول: (كل الناس يغدو: فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها) كيف يبيعها ويعتقها؟ بائع هنا معناه مشتري، بائع نفسه يعني: مشتريها، إما أن يشتريها بطاعة الله جل وعلا، واجتناب المعاصي، فيعتقها من عذاب الله، أو يبيعها في طاعة الشيطان فيوبقها، وإباقها كونه يعمل بالمعاصي ثم يجزى شراً.
فلا غنى للعبد عن محبة الله وعبادته، ومحبة الله تكون خوفاً من عذابه، ورجاءً لثوابه، العبادة مبناها على الخوف والرجاء، فيجب أن يكون العبد خائفاً راجياً دائماً.
أما إذا عبد الله جل وعلا بالخوف وحده فإنه -كما قال السلف- يكون حرورياً، والحروري معناه: الخارجي، فالخوارج يكفرون المسلمين بمجرد الذنوب، ويخلدونهم في النار، فمن فعل ذنباً من الذنوب قالوا: إنه كافر يجب قتله، وإذا مات فهو خالد في جهنم؛ لأنهم عبدوا الله بالخوف.
وإذا عبد الإنسان ربه بالرجاء صار مرجئاً، والمرجئة أضل من هؤلاء، فإنهم تركوا الأعمال وقالوا: يكفي الإيمان القائم في القلب، فلا بد للعبد أن يكون ممتثلاً لأوامر الله جل وعلا مع ما يقوم في قلبه من حب الله وتعظيمه والذل له والإخلاص له، ويقصده بالعمل كله.
стр. 390
شرح حديث: (من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله)
قال الشارح ﵀: [قوله: في الصحيح: أي: صحيح مسلم، عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ فذكره، وأبو مالك اسمه سعد بن طارق، كوفي ثقة، مات في حدود الأربعين ومائة، وأبوه طارق بن أشيم - بالمعجمة والمثناة التحتية وزن أحمر - ابن مسعود الأشجعي صحابي له أحاديث، قال مسلم: لم يرو عنه غير ابنه].
الصحابة رضوان الله عليهم كثيرون جداً ,ليس كل صحابي عرف اسمه، أو عرفت روايته أو نقل عنه، المنقول عنهم قلة، والذين عرفوا ما يتجاوزون اثني عشر ألفاً من الصحابة الذين رويت عنهم الأحاديث، وقد قال أبو زرعة: الذين اجتمعوا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع أكثر من ثلاثمائة ألف، فيكون كلهم من الصحابة، وهؤلاء أكثرهم لم يعرف اسمه، ومعرفة الأسماء تكون برواية الأحاديث، والأحاديث دونت وسجلت بعد ذهاب الصحابة رضوان الله عليهم، ثم هم رضوان الله عليهم ما كانوا يحرصون على التحديث كثيراً كما جاء في الصحيح أن رجلاً صحب الزبير من المدينة إلى مكة فقال: ما سمعته يحدث عن رسول الله ﷺ ، فسأله فقال: إن الحديث عن رسول الله ﷺ عظيم، فقد سمعته يقول: (من كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار) هم يقولون: (متعمداً) والله ما سمعت رسول الله ﷺ يقول: (متعمداً) يعني: أنه ذكر هذا مطلقاً، فامتنع من التحديث من أجل ذلك، ولكن إذا وجب الأمر لا بد أن يذكروا ذلك، إذا احتاجوا إلى ذكر العلم ذكروه ولا يكتمونه.
ثم هم رضوان الله عليهم كانوا يهتمون بالعمل أكثر؛ ولهذا كانت دعوتهم بأعمالهم أكثر من دعوتهم بأقوالهم.
وقد سبق أن قول: لا إله إلا الله شرط في صحة الإسلام، وأن الإنسان ما يدخل دين الإسلام إلا بقول: لا إله إلا الله، والقول وحده لا يكفي.
وهذا الحديث بين المراد من الأحاديث الأخرى التي فيها أن الرسول ﷺ قال: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة) وما في معنى ذلك، وأنه ليس المراد مجرد القول، وإنما يجب أن ينضاف إلى القول العلم والاعتقاد الجازم، ويتبع العلم العمل.
وكذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإذا اختل شيء من هذه الأمور في الإنسان لم يصح دينه وإسلامه، فلا بد أن يقول: لا إله إلا الله، وأن يقولها عن علم واعتقاد، وأن يعمل بمقتضاها وما دلت عليه، وأن يكفر بالمعبودات التي تعبد من دون الله جل وعلا.
следующие страницы →