← Акыда

Акыда · id 37166

شرح فتح المجيد للغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (2 090 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١] التوحيد هو الأمر المطلوب من جميع الخلق، وهو أساس دعوة الرسل، فما من رسول إلا ودعا قومه إلى عبادة الله جل وعلا، ابتداء بنوح ﵇ وانتهاء بخاتم الأنبياء محمد ﷺ ، فمن الناس من أجابهم إلى ذلك ومنهم من أشرك في عبادة الله وتوحيده، وقد توعد الله كل من هذه حاله بالخلود في النار والعياذ بالله.

стр. 2

موضوع كتاب التوحيد إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. أما بعد: فيقول الشيخ الإمام عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب في شرح كتاب التوحيد: [وأما كتابه المذكور فموضوعه في بيان ما بعث الله به رسله من توحيد العبادة، وبيانه بالأدلة من الكتاب والسنة، وذكر ما ينافيه من الشرك الأكبر، أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر ونحوه، وما يقرب من ذلك أو يوصل إليه، وقد تصدى لشرحه حفيد المصنف، وهو الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله تعالى، فوضع عليه شرحاً أجاد فيه وأفاد، وأبرز فيه من البيان ما يجب أن يطلب منه ويراد، وسماه "تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد"، وحيث أطلق شيخ الإسلام فالمراد به أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، والحافظ فالمراد به أحمد بن حجر العسقلاني]. قال الشارح ﵀: [ولما قرأت شرحه رأيته أطنب في مواضع، وفي بعضها تكرار يستغنى بالبعض منه عن الكل، ولم يكمله، فأخذت في تهذيبه وتقريبه وتكميله، وربما أدخلت فيه بعض النقول المستحسنة تتميماً للفائدة، وسميته: "فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد"، وأسأل الله أن ينفع به كل طالب علم ومستفيد، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وموصلاً من سعى فيه إلى جنات النعيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم].

стр. 3

الكلام على البسملة وأحكام الابتداء بها

стр. 4

الهدي في ابتداء الكلام قال الشارح رحمه الله تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم). ابتدأ كتابه بالبسملة اقتداء بالكتاب العزيز، وعملاً بحديث: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع) أخرجه ابن حبان من طريقين، قال ابن الصلاح: والحديث حسن. ولـ أبي داود وابن ماجة: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أو بالحمد فهو أقطع)، ولـ أحمد: (كل أمر ذي بال لا يفتتح بذكر الله فهو أبتر أو أقطع)، وللدارقطني عن أبي هريرة مرفوعاً: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله فهو أقطع)، والمصنف قد اقتصر في بعض نسخه على البسملة؛ لأنها من أبلغ الثناء والذكر، وللحديث المتقدم، وكان النبي ﵌ يقتصر عليها في مراسلاته، كما في كتابه لـ هرقل عظيم الروم، ووقع لي نسخة بخطه رحمه الله تعالى بدأ فيها بالبسملة، وثنى بالحمد والصلاة على النبي ﷺ وآله. وعلى هذا فالابتداء بالبسملة حقيقي، وبالحمدلة نسبي إضافي، أي: بالنسبة إلى ما بعد الحمد يكون مبدوءاً به]. إن الله جل وعلا خلق العباد لعبادته، وهم ملكه يتصرف فيهم كيف يشاء، فإذا امتثلوا أمره واتبعوا شرعه فإن الله يكرمهم ويثيبهم، ويعطيهم من العطاء الذي لا يتوقعونه، وفوق ما يتصورون، أما إذا عصوا وتمردوا على الله جل وعلا، فلن يفلتوا من الله ولن يعجزوه، فهم في قبضته، وكل شيء ملك له، وهو رب كل شيء، ومالك كل شيء، وبيده كل شيء، وإليه مرجع كل أحد. فالإنسان يجب عليه أن يمتثل أمر الله جل وعلا، وقد أرسل الله جل وعلا الرسل تبين أمره وشرعه للناس، ومن ذلك ما ذكر هنا من حديث رسول الله ﷺ : (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله فهو أقطع)، ومعنى (أقطع): ناقص غير تام؛ لأنه لم يمتثل فيه أمر الله جل وعلا، فيكون منزوع البركة، ممحوقاً فيما يراد به، فالله أمر العباد أن يستعينوا باسمه تعبداً له في كل شيء، والأمر ذي البال: الأمر الذي يكون له قيمة: (كل أمر ذي بال) يعني: له وقع وقيمة عند الإنسان، ومن هذا القبيل أمر الأكل وأمر النوم ودخول المنزل وغير ذلك، وكلها شرع لنا أن نذكر الله جل وعلا في ابتداء ذلك، وهذا وإن لم يكن واجباً متعيناً على الإنسان فهو مستحب ومندوب إليه، وفيه الفضل والخير، وإذا لم يبارك للإنسان في سعيه وعمله وأكله وشربه، لم يزل في خصاب -نسأل الله العافية-، ومن ذلك ما كان الرسول ﷺ يأمر به ويفعله، تعليماً لأمته، وهداية لهم إلى الحق، فكان في فعله الذي هو أسوة للأمة يذكر اسم الله عند كل أمر مستحق مرغوب فيه، وإذا كان الأمر غير مرغوب فيه تعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهذا معناه داخل في قول الله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، فهو يدخل في هذا المعنى؛ لأن الإنسان إذا قال عند أكله: (باسم الله)، فقد دعا ربه جل وعلا بهذا الاسم الكريم، وطلب نزول البركة وحصول المقصود والمأمول له ببركة هذا الاسم، فهو عبادة يتعبد الله جل وعلا بها، وكذلك إذا أراد دخول المنزل أو دخول المسجد أو النوم أو غير ذلك، وكذلك إذا أراد الذبح مع أن التسمية عليها واجب، فلو تركها الذابح عمداً لصارت ذبيحته ميتة، فهي محرمة لا يجوز الأكل منها؛ فإن الله جل وعلا يقول: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١]، وعلى هذا يدخل في ذلك من باب أولى كتابة كتب العلم والتأليف، فهو يقول: أفعل ذلك مستعيناً باسم الله وبالله، ذاكراً اسمه الذي به تحصل البركة، وهذا يصدق عليه كل ذكر لله جل وعلا، كقوله: (بسم الله الرحمن الرحيم)، أو (الحمد لله) وما أشبه ذلك، وإذا جمع بينهما فهو أفضل وأتم، وإذا اقتصر على أحدهما كفى، وقد اقتصر البخاري رحمه الله تعالى كتابه الصحيح على البسملة فقط، قال: بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب الوحي، باب بدء الوحي، وهذا اقتداء برسول الله ﷺ ، حيث كان يبدأ كتبه التي يرسلها إلى الملوك وغيرهم بالبسملة فقط، كما ذكر هنا أن هذا في كتابه إلى هرقل، وهرقل هو رئيس دولة الروم في ذلك الوقت، فكل رئيس للروم يسمى هرقل من الكفار، وكل رئيس للفرس من الكفار يسمى قيصر، وكل ملك للحبشة من الكفار يسمى النجاشي، وكل ملك للقبط من الكفار يسمى فرعون، فالمقصود أنه كتب ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، أما بعد: فأسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثمك وإثم الأريسيين ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤]، فهذا نص كتاب رسول الله ﷺ الذي أرسله إليه، ولهذا يقول العلماء: ينبغي أن يقتدى برسول الله فيبدأ المرسل باسمه كما بدأ رسول الله ﷺ باسمه العلم؛ وذلك لأنه في الدعوة إلى الله وكونه رسول الله، ولهذا وجب على المتشهد الذي يشهد أن لا إله إلا الله، أن يذكر اسمه العلم، "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله" وكذلك في الصلاة عندما يصلي عليه. فالمقصود أنه اقتصر على البسملة، وهنا المعلق اقتدى بذلك فاقتصر على البسملة، وإذا جاء في بعض النسخ ذكر الحمد، فيكون الابتداء الحقيقي بـ (باسم الله)؛ لأنه يبدأ بها قبل كل شيء، وأما الحمد فهو إضافي، أي: للإضافة إلى الكلام الذي يأتي بعده، وإذا جمع بينهما فهو أولى وأفضل.

стр. 5

تقدير المحذوف المتعلق بالبسملة قال الشارح ﵀: [والباء في (باسم الله) متعلقة بمحذوف، اختار كثير من المتأخرين: كونه فعلاً خاصاً متأخراً. أما كونه فعلاً فلأن الأصل في العمل للأفعال. وأما كونه خاصاً فلأن كل مبتدىء بالبسملة في أمر يضمر ما جعل البسملة مبدأً له. وأما كونه متأخراً: فلدلالته على الاختصاص، وأدخل في التعظيم، وأوفق للوجود؛ ولأن أهم ما يبدأ به ذكر الله تعالى. وذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى لحذف العامل فوائد منها: أنه موطن لا ينبغي أن يتقدم فيه غير ذكر الله. ومنها: أن الفعل إذا حذف صح الابتداء بالبسملة في كل عمل وقول وحركة، فكان الحذف أعم. انتهى ملخصاً]. الكلام على كونه متعلقاً بمحذوف أو بفعل أو بمعنى الفعل، هذا لأنه في اللغة العربية لا يجوز إلا كذلك؛ لأن الجار والمجرور قبله لا بد أن يكون له عامل يعمل به، وسواء قدر فعلاً كما قدره الكوفيون، أو قدر اسماً كما قدره البصريون، فكله صحيح، وإذا قدر فعلاً فمعناه: بسم الله أؤلف، أو باسم الله آكل، أو باسم الله أدخل، أو باسم الله أنام، وما أشبه ذلك، ودل على هذا قول الله جل وعلا: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، فجعل الجار والمجرور متعلقاً بفعل، وقدم هنا لأن المقام يقتضيه، أما تأخيره فيما ذكر فلأنه ينبغي أن يكون أول ما يطرق اللسان ويواطئ اللسان عليه القلب ذكر الله تعالى فكان أنسب، وأما تقديره اسماً بمعنى الفعل فقد جاء في قول الله جل وعلا: ﴿بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا﴾ [هود:٤١]، فـ (مجرى): مصدر، ويأتي بمعنى الفعل، فيصح هذا وهذا، والمقصود أن هذا معروف في لغة العرب، وأنه سواء قدر فعلاً أو اسماً فكلاهما صحيح.

стр. 6

دلالة حرف الجر في (باسم الله) قال الشارح ﵀: [وباء (باسم الله) للمصاحبة، وقيل: للاستعانة، فيكون التقدير: باسم الله أؤلف حال كوني مستعيناً بذكره متبركاً به، وأما ظهوره في ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، وفي ﴿بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا﴾ [هود:٤١]؛ فلأن المقام يقتضي ذلك كما لا يخفى، والاسم مشتق من السمو: وهو العلو، وقيل: من الوسم، وهو العلامة؛ لأن كل ما سمي فقد نوه باسمه ووسم]. من دلالات اللغة العربية: أن الاسم هل هو مشتق من السمو وهو الرفعة، أو مشتق من السمة وهي العلامة والوسم الذي يوسم عليه؟ وكلاهما جاءت به الأدلة من اللغة العربية، جاء ما يدل على هذا وهذا، وقد يقال: هما قولان، ويكون كلا القولين تدل عليه الأدلة التي جاءت فيكونان بمعنىً واحد.

стр. 7

معنى لفظ الجلالة وأصل اشتقاقه قال الشارح ﵀: [قوله (الله) قال الكسائي والفراء: أصله (الإله)، حذفوا الهمزة وأدغموا اللام في اللام، فصارتا لاماً واحدة مشددة مفخمة. قال ابن القيم ﵀: الصحيح أنه مشتق، وأن أصله (الإله)، كما هو قول سيبويه وجمهور أصحابه إلا من شذ، وهو الجامع لمعاني الأسماء الحسنى والصفات العلى]. الاشتقاق هنا ليس معناه أن له مادة متقدمة عليه اشتق منها، كما توهمه بعضهم، وإنما معناه أنه يلاقي المعنى الذي دل عليه، ويكون معناه مثلما جاء عن ابن عباس ﵁ أنه قال: (الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين) ذو الألوهية يعني: الذي تألهه القلوب وتعبده وتحبه، وبين سيبويه أن هذا أصله، فأصله (إله)، وأنه مثل الناس، فأصلهم أناس، فأدخلت (أل) على (إله) ثم أدغمت، فأدغمت اللام في اللام ثم فخم فصار (الله)، وهو علم على الذات الإلهية الكريمة المقدسة، تجري عليه جميع الأسماء، وقد قيل: إنه الاسم الأعظم، لأنه في جميع الموارد موارد الأسماء يأتي متبوعاً لا تابعاً، وقد جاء في موضع من القرآن تابعاً، ولكن الغالب الكثير أنه يأتي متبوعاً، كقوله جل وعلا: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر:٢٢ - ٢٣]، فصارت كلها تتبع هذا الاسم (الله)، لهذا قالوا: إنه هو اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب، وإذا استغيث به أغاث، ولكن هذا في الواقع حسب ما يقوم في قلب الإنسان من العبودية والإخلاص والتذلل لله جل وعلا، أما إذا دعا الإنسان وقلبه ساهٍ أو غافل أو معرض، أو هو متلبس بالمعاصي فهذه من موانع الإجابة، وإن سأل بالاسم الأعظم. والمقصود أن أسماء الله جل وعلا أسماء وأوصاف، فهذا معنى الاشتقاق، أنها تكون أسماءً أعلاماً عليه، ولكن في معناها الصفات، والأصل أنها مشتقة من الصفات، والصفات هي الأصل، كما قال سيبويه هنا وجماعة من كبار أهل اللغة كـ الخليل بن أحمد: إن أصله (إله) أو (الإله). وهذا يكون مثلما قالوا في قوله: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الكهف:٣٨] يكون أصلها: (لكن أنا هو الله ربي)، فلما حصل الإدغام -إدغام الحرف في الحرف- صار: (لكنَّا هو الله ربي)، وكما مثلنا في قول سيبويه: إن (الناس) أصله (أناس)، فلما جاءت (أل) التقى ساكنان فحذفت الهمزة وأدغم واحد في الآخر فصار (الناس)، فكذلك (الله)، فهو مأخوذ من (الإله) الذي يؤله، وتألهه القلوب وتحبه وتئوب إليه رغبة ورهبة وخوفاً ورجاءً. قال الشارح ﵀: [والذين قالوا بالاشتقاق إنما أرادوا أنه دال على صفة له تعالى، وهي الإلهية، كسائر أسمائه الحسنى كالعليم، والقدير، والسميع، والبصير ونحو ذلك، فإن هذه الأسماء مشتقة من مصادرها بلا ريب وهي قديمة، ونحن لا نعني بالاشتقاق إلا أنها ملاقية لمصادرها في اللفظ والمعنى، لا أنها متولدة منه تولد الفرع من أصله. وتسمية النحاة للمصدر والمشتق منه أصلاً وفرعاً، ليس معناه: أن أحدهما متولد من الآخر، وإنما هو باعتبار أن أحدهما يتضمن الآخر وزيادة]. يعني أن المصدر يتضمن ما اشتق منه وزيادة، بخلاف الفعل فإنه لا يتضمن ذلك، وهذا سبب الذي جعلوه مشتقاً، وهذا من مباحث النحو. قال الشارح ﵀: [قال أبو جعفر بن جرير: (الله) أصله (الإله)، أسقطت الهمزة التي هي فاء الاسم، فالتقت اللام التي هي عين الاسم، واللام الزائدة وهي ساكنة، فأدغمت في الأخرى، فصارتا في اللفظ لاماً واحدة مشددة، وأما تأويل (الله) فإنه على معنى ما روي لنا عن عبد الله بن عباس ﵁، قال: (هو الذي يألهه كل شيء، ويعبده كل خلق)، وساق بسنده عن الضحاك عن عبد الله بن عباس ﵁، قال: (الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين)]. معنى قول ابن عباس هذا: (الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين) أنه المستحق أن يؤله ويعبد من جميع الخلق، يعني أن هذا أمر واجب عليهم حتم، فإن تركوه عذبوا؛ لأنهم تركوا الألوهية التي تجب عليهم له أن يعبدوه ويتألهوه، والتأله هو محبة القلب، أن يحبه حب عبادة، يقال: أله يألهه، أي: أنه أحبه حباً يتضمن الذل والتعظيم، هذا هو التأله، وهذا لا يجوز أن يكون إلا لله جل وعلا، ولا يجوز أن يكون لمخلوق من الخلق، فإن وقع لمخلوق فقد وقع الشرك؛ لأن هذا خالص حق الله جل وعلا، أما العبودية فهي بمعنى الإلهية، ولا يوجد بينهما فرق، فالعبودية والألهية شيء واحد مثل التأله والتعبد لا فرق بينهما. قال الشارح ﵀: [فإن قال لنا قائل: وما دل على أن الألوهية هي العبادة، وأن الإله هو المعبود، وأن له أصلاً في فعِل ويفْعَل قيل: لا تمانع بين العرب في الحكم، وذكر بيت رؤبة بن العجاج: لله در الغانيات المده سبحن واسترجعن من تألهي يعني من تعبدي وطلبي الله بعملي، ولا شك أن التأله التفعل، من (أله يأله)، وأن معنى أله -إذا نطق به- عبَدَ الله]. ومجرد النطق لا يكفي، وإنما عول عليه هذا الشيء لهذا المعنى، أي: للعبادة. قال الشارح ﵀: [وقد جاء منه مصدر يدل على أن العرب قد نطقت منه بـ (فعِل يفعَل)، بغير زيادة، وذلك ما حدثنا به سفيان بن وكيع وساق السند إلى ابن عباس ﵁ أنه قرأ: ﴿وَيَذَرَكَ وَإلِهَتَكَ﴾ [الأعراف:١٢٧]، قال: عبادتك ويقول: إنه كان يُعبد ولا يَعبد]. هذه قراءة شاذة (ويذرك وإلهتك) يعني: عبادتك التي تعبد؛ لأنه قد كان يُعبد فرعون، أي أن: موسى يذرك وعبادتك التي جعلتها على قومه، فإنه قال لهم: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، فهو كان يُعبد. أما القراءة المعروفة السبعية فهي: (ويذرك وآلهتْك)، أي: التي تعبدها، فعلى هذه يكون فرعون له آلهة يعبدها غير الله جل وعلا، أما القراءة الأولى فيكون هو المألوه الذي يؤله، والمقصود أن هذا جاء على أن العرب قد نطقوا به، والقراءة الشاذة تكون دليلاً وإن لم تجز القراءة بها ولا تثبت قراءة في الصلاة، فلا يجوز القراءة بها ولا تكون من القرآن حتى تتواتر وتتفق مع رسم المصحف وتشهد لها اللغة العربية، فلا بد من هذه الشروط الثلاثة: أن يثبت التواتر، وتتفق مع رسم المصحف العثماني، وتكون صحيحة المعنى في اللغة العربية، وإذا تخلف واحد من هذه الشروط الثلاثة لا يجوز أن تثبت قراءة، ولكن يستدل بها وتكون دليلاً كأخبار الآحاد التي يرويها فرد عن فرد من الناس. [وذكر مثله عن مجاهد ثم قال: فقد بين قول ابن عباس ومجاهد هذا أن أله: (عَبَد)، وأن الإلهة مصدره، وساق حديثاً عن أبى سعيد مرفوعاً أن عيسى أسلمته أمه إلى الكتاب ليعلمه، فقال له المعلم: اكتب (باسم الله) فقال عيسى: أتدري ما الله؟ الله إله الآلهة]. هذا حديث لا يثبت فهو ضعيف، فلا يصلح أن يكون حجة، وعيسى نبي كريم علمه الله جل وعلا وهو صبي كما جاء نص القرآن بذلك، ثم جاءت به أمه تحمله إلى قومها وهو رضيع صبي: ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم:٢٧ - ٢٩]، يعني: قالت: كلموه، ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم:٢٩]، فأقبل عليهم وقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم:٣٠] أي: من ذلك الوقت، ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ [مريم:٣١]، فأول ما نطق به قوله: (إني عبد الله) يعني: أعبده، وهذا رد له لما فعلوه ولما سيكون بعد؛ لأنهم قالوا: إنه الله أو إنه ابن الله أو إنه ثالث ثلاثة، تعالى الله وتقدس عن قولهم، والمقصود أن هذا الحديث لا يثبت ولا يصلح أن يكون دليلاً.

стр. 8

خصائص اسم الله المعنوية قال الشارح ﵀: [قال العلامة ابن القيم ﵀: لهذا الاسم الشريف عشر خصائص لفظية ساقها ثم قال: وأما خصائصه المعنوية فقد قال أعلم الخلق به ﷺ : (لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)، وكيف نحصي خصائص اسم لمسماه كل كمال على الإطلاق، وكل مدح وحمد، وكل ثناء، وكل مجد، وكل جلال وكل كمال، وكل عز وكل جمال، وكل خير وإحسان وجود وفضل وبر فله ومنه. فما ذكر هذا الاسم في قليل إلا كثره، ولا عند خوف إلا أزاله، ولا عند كرب إلا كشفه، ولا عند هم وغم إلا فرجه، ولا عند ضيق إلا وسعه، ولا تعلق به ضعيف إلا أفاده القوة، ولا ذليل إلا أناله العز، ولا فقير إلا أصاره غنياً، ولا مستوحش إلا آنسه، ولا مغلوب إلا أيده ونصره، ولا مضطر إلا كشف ضره، ولا شريدٍ إلا آواه. فهو الاسم الذي تكشف به الكربات، وتستنزل به البركات، وتجاب به الدعوات، وتقال به العثرات، وتستدفع به السيئات، وتستجلب به الحسنات، وهو الاسم الذي قامت به الأرض والسماوات، وبه أنزلت الكتب، وبه أرسلت الرسل، وبه شرعت الشرائع، وبه قامت الحدود، وبه شرع الجهاد، وبه انقسمت الخليقة إلى السعداء والأشقياء، وبه حقت الحاقة ووقعت الواقعة، وبه وضعت الموازين القسط، ونصب الصراط، وقام سوق الجنة والنار، وبه عبد رب العالمين وحمد، وبحقه بعثت الرسل، وعنه السؤال في القبر ويوم البعث والنشور، وبه الخصام، وإليه المحاكمة، وفيه الموالاة والمعاداة، وبه سَعِد من عرفه وقام بحقه، وبه شقي من جهله وترك حقه، فهو سر الخلق والأمر، وبه قاما وثبتا، وإليه انتهيا. فالخلق به وإليه ولأجله، فما وجد خلق ولا أمر، ولا ثواب ولا عقاب إلا مبتدئاً منه ومنتهياً إليه، وذلك موجبه ومقتضاه: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١] إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى]. ذكر هنا: المعاني التي دل عليها هذا الاسم، ومن المعلوم أن البحث في أسماء الله وطلب معانيها من أعظم ما ينبغي أن يعتني به الإنسان، وهو الفقه الأكبر في الواقع، ليس قريباً من فقه الأحكام وأفعال المكلفين، بل هو أعظم من ذلك بكثير، والناس يتفاوتون عند الله جل وعلا بالدرجات بفقههم، ويتميزون بمعرفتهم لأسماء الله وأوصافه وعبادة الله جل وعلا وطاعته، وهذا الاسم -الذي هو الله- دل على العبادة، والعبادة خلق من أجلها الناس، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، وأرسلت بها الرسل، كما ذكر الله جل وعلا في القرآن أن كل نبي يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، قال ذلك نوح، وقاله هود، وقاله صالح، وقاله إبراهيم ﵇، وقاله لوط، وقاله شعيب، وقاله موسى وعيسى، وقاله أيضاً خاتمهم محمد ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: (لا إله إلا الله)، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)، وهذا معنى كلام ابن القيم، يعني أنه دل على هذه العبادة -عبادة الله جل وعلا- الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، والعبادة وعدمها خلقت لأجلها الجنة والنار، وكذلك شرع الجهاد، جهاد الكفار، حتى تعلو كلمة الله، فهذا معنى هذا الاسم، حتى يكون عالياً على الأديان، وحتى ترفع درجات من يقاتل في سبيل الله ويقتل من أجل ذلك، وحتى يهلك من هلك، وعلى ذلك يكون الحساب يوم القيامة، وعليه يبعث الناس، وعنه يسأل المقبور في القبر، فإذا وضع في قبره أتاه ملكان يسألانه، أول ما يقولان له: من كنت تعبد؟ من ربك؟ ومعنى (من ربك) هنا: من المعبود من الذي تعبده؟ فإن أجاب وثبت عن اقتناع وإلا عذب في قبره، وكذلك الله جل وعلا أخبر عنه خلق السماوات والأرض بالحق، والحق الذي أخبر أنه هو كون العبادة له وحده، والملك له وحده، والسلطان له، وهو الذي يتصرف في كل شيء، وكل هذا تابع لكونه الإله جل وعلا، كما سيأتي أن أنواع التوحيد متلازمة، يلزم من الإتيان بواحد منها الإتيان بالبقية، فهذا معنى كلام ابن القيم ﵀.

стр. 9

اسما (الرحمن الرحيم) وما لهما من خصائص قال الشارح ﵀: [قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣]، قال ابن جرير: حدثني السري بن يحيى قال: حدثنا عثمان بن زفر، قال: سمعت العرزمي يقول: الرحمن بجميع الخلق، والرحيم بالمؤمنين. وساق بسنده عن أبى سعيد -يعني: الخدري - قال: قال رسول الله ﷺ : (إن عيسى ابن مريم قال: الرحمن: رحمن الآخرة والدنيا، والرحيم: رحيم الآخرة)]. هذا هو الحديث السابق وقلنا: إنه ضعيف، بل قالوا: إنه موضوع، فهذا الحديث لا يصلح أن يكون دليلاً، فقول ابن جرير ﵀ فيما رواه: (الرحمن بجميع الخلق والرحيم بالمؤمنين). هذا روي عن بعض السلف، فيكون الفرق بينهما أن الرحيم أخص، والرحمن أعم، فالرحمن رحمة واسعة تعم الخلق كلهم، والرحيم يكون خاصاً ويختص بالمؤمنين، ولهذا جاء أنه كان بالمؤمنين رحيماً، وما جاء أنه بالمؤمنين رحمن، ولكن يشكل على هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج:٦٥]، فالناس لفظ مطلق يعم جميع الخلق كافرهم ومؤمنهم، فيكون هذا مخالفاً لما سبق، والصواب في هذا أن (الرحمن والرحيم) كلاهما اسمان ووصفان لله جل وعلا، ولكن الرحمن أكثر معنىً للمبالغة ولزيادة البناء؛ فإن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى في اللغة العربية، و (الرحمن) يدل على تعلق الصفة بالرب جل وعلا، و (الرحيم) يدل على قيام الصفة للمرحوم، فـ (الرحمن) يدل على وصفه القائم بذاته جل وعلا، و (الرحيم) يدل على وصفه الذي يفعله، فهذا هو الفرق بينهما الذي لا يشكل عليه ما ذكر، وقد قال بهذا طوائف من العلماء، هذا والله أعلم بالصواب في ذلك؛ لأنه إذا قيل: إنهما اسمان رقيقان كما جاء عن ابن عباس، وجعل لكل واحد معنى الآخر يكون في ذلك تكرار، وليس في كلام الله وفي أسمائه تكرار جل وعلا، بل لكل واحد منهما معنى يخصه.

стр. 10

استحباب أن يدعى الله بالأسماء الدالة على المعاني المطلوبة قال الشارح ﵀: [قال ابن القيم رحمة الله تعالى عليه: واسمه (الله) تعالى دل على كونه مألوهاً معبوداً يألهه الخلائق محبة وتعظيماً وخضوعاً، ومفزعاً إليه في الحوائج والنوائب، وذلك مستلزم لكمال ربوبيته ورحمته، المتضمنتين لكمال الملك والحمد، وإلهيته وربوبيته ورحمانيته وملكه مستلزم لجميع صفات كماله؛ إذ يستحيل ثبوت ذلك لمن ليس بحي، ولا سميع، ولا بصير، ولا قادر، ولا متكلم، ولا فعال لما يريد، ولا حكيم في أقواله وأفعاله. فصفات الجلال والجمال أخص باسم (الله)، وصفات الفعل والقدرة والتفرد بالضر والنفع والعطاء والمنع، ونفوذ المشيئة، وكمال القوة، وتدبير أمر الخليقة أخص باسم (الرب). وصفات الإحسان، والجود والبر والحنان والمنة والرأفة واللطف أخص باسم (الرحمن)]. هذه من معاني أسماء الله جل وعلا، فالتأله والعبادة والدوام على ذلك تختص باسم (الله) جل وعلا؛ لأنه مأخوذ من (الإله)، والملك والتصرف والعذاب والانتقام والرزق والإحياء والإماتة وجميع الأفعال تختص باسم (الرب) جل وعلا؛ لأن معنى الرب: المالك والمتصرف، والعطاء والإحسان والعفو عن الإساءة ونحو ذلك من الكرم والجود أخص به اسم (الرحمن) و (الرحيم)، فأسماء الله جل وعلا كل اسم له معانٍ تخصه، ويجب أن يدعى الله به، وإذا طلبت منه تلك المعاني يدعى الله بهذا الاسم الدال عليها، ولا ينبغي أن يدعى بشيء لا يناسب المعنى، فإذا طلب التوبة قال: يا تواب، وإذا طلب الرزق يقول: يا رزاق! وإذا طلب المغفرة يا غفور! وهكذا، وهذا من معنى قوله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، وأسماء الله جل وعلا كلها حسنى، ومعنى كونها حسنى أنها قد بلغت غاية الحسن، أي أنها كاملة لا يتطرق إليها نقص ولا عيب في المعاني، بخلاف أسماء المخلوقين فإنها وضعت أعلاماً تميز واحداً عن الثاني فقط، وليس لها من المعاني شيء، ولهذا ضل من قال: إن أسماء الله أعلام عليه، ولم يعرف الله جل وعلا حق المعرفة التي تجب عليه. قال الشارح ﵀: [وقال - ابن القيم ﵀ أيضاً: الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه، والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم. وإذا أردت فهم هذا فتأمل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣]، ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١١٧]، ولم يجيء قط رحمان بهم]. وقد جاء في الحديث: (رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما)، وهذا يناقض ذلك، وكلاهما يدل على صفة تقوم بالله جل وعلا، ولكن هذا يدل على صفة الذات، وهذا يدل على صفة الفعل والعلم لله جل وعلا.

стр. 11

أسماء الله هي أسماء ونعوت دالة على صفات الكمال [إن أسماء الرب تعالى هي أسماء ونعوت؛ فإنها دالة على صفات كماله، فلا تنافي فيها بين العلمية والوصفية، فالرحمن اسمه تعالى ووصفه، فمن حيث هو صفة جرى تابعاً لاسم الله، ومن حيث هو اسم ورد في القرآن غير تابع، بل ورود الاسم العلم، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، انتهى ملخصاً]. يعني أنه ورد اسم الرحمن وجاء مستقلاً متبوعاً علماً، كقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وأيضاً جاء تابعاً كما في آية سورة الحشر، بل قد جاء اسم (الله) في قراءة تابعاً، في قوله: ﴿صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ الَّذِي﴾ [إبراهيم:١ - ٢]، فيكون على هذه القراءة تابعا، أما على قراءة الرفع فلا يكون تابعاً، وإنما يكون مستقلاً، ولا يكون في هذا إشكال.

стр. 12

الحديث عن الحمد والثناء

стр. 13

الحمد والشكر والعلاقة بينهما قال الشارح ﵀: [قال المصنف رحمه الله تعالى: (الحمد لله). معناه: الثناء بالكلام على الجميل الاختياري على وجه التعظيم، فمورده اللسان والقلب. والشكر يكون باللسان والجنان والأركان، فهو أعم من الحمد متعلقاً وأخص منه سبباً؛ لأنه يكون في مقابلة النعمة، والحمد أعم سبباً وأخص متعلقاً؛ لأنه يكون في مقابلة النعمة وغيرها، فبينهما عموم وخصوص وجهي، يجتمعان في مادة وينفرد كل واحد عن الآخر في مادة]. معنى ذلك أن الشكر يكون متعلقه عاماً، ولكن سببه خاص؛ لأنه يكون مقابلاً للنعمة فقط، و (متعلقه) يعني أنه يتعلق باللسان وبالجوارح، فيتعلق باللسان بالقول والثناء، ويتعلق بالجوارح بالعمل، كما قال الله جل وعلا: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ:١٣]، فجعل العمل شكراً، فيكون الذي يصدر منه الشكر أعم، أما سببه الباعث عليه فيكون أخص من الحمد، والحمد يكون أعم سبباً، فسببه عام ومتعلقه أيضاً أخص، وذلك أن الله جل وعلا يحمد على كل شيء، فيحمد على جميع أفعاله، ويحمد على خلقه، ويحمد على جزائه، ويحمد على فعله، ولهذا أخبر جل وعلا أن له الحمد في المبدأ وفي المنتهى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١]، هذا في المبدأ، أما المنتهى فإنه جل وعلا لما ذكر جزاءه للكفار والأنبياء وحكمه بين الأنبياء والشهداء والمؤمنين والكفار، وأنه أدخلهم النار وأدخل المؤمنين الجنة فقال: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر:٧١]، إلى آخر الآيات، ذكر في خاتمة ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر:٧٥]، فقوله: (وقيل) يدل على العموم المطلق، فجميع الخلق قالوا هذا القول، حتى أهل النار حمدوه على قضائه بينهم؛ لأنهم لا يستحقون إلا ذلك، ولا يليق بهم إلا ذلك، فهو يحمد على جميع ما يفعله، يحمد على فعله سواء أكان قضاء، أم كان عقاباً، أم كان إثابة وجزاء، أم كان خلقاً وإيجاداً، أم كان حكماً، أم كان شرعاً أم غير ذلك يحمد عليه، فهذا معنى قوله: إنه أعم سبباً، فأسبابه عامة؛ لأن كل ما يصدر من الله جل وعلا يحمد عليه.

стр. 14

الحمد والمدح والعلاقة بينهما يبقى الفرق بين الحمد وبين المدح، فالمدح يكون في ذكر الصفة التي يستحق عليها الثناء، ولكن لا يلزم أن يكون الحب والتعظيم في المدح، أما الحمد فلا بد أن يكون فيه ذلك، محبة مع تعظيم، ولهذا جاء في الأثر حديث: (أعوذ بك من أن يكون لفاجر علي منة فيوده قلبي)؛ لأن المنة يحمد عليها، والحمد يكون إذا ذكر الوصف الذي هو فعل الجميل الاختياري فإنه يتضمن الحب والتعظيم، ثم الحمد يكون على الفعل الذي يفعله مختاراً، أما المدح فيكون على ذلك وعلى غيره، أي: على الشيء الذي لا دخل له فيه وهو من فعل غيره.

стр. 15

أحكام الصلاة على النبي ﷺ قال المصنف رحمه الله تعالى: [وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم] قال الشارح ﵀: [أصح ما قيل في معنى صلاة الله على عبده ما ذكره البخاري رحمه الله تعالى عن أبى العالية قال: صلاة الله على عبده ثناؤه عليه عند الملائكة. وقرره ابن القيم ﵀ ونصره في كتابيه (جلاء الأفهام) و (بدائع الفوائد)]. الثناء قد قيل: إنه صلاة الله، أما صلاة الخلق فمعلوم أنها الدعاء، قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣] يعني: ادع لهم، فالصلاة من الخلق الدعاء، أن يدعى الله جل وعلا لهم بالخير والمغفرة أو الهداية، وكان ﷺ إذا أتاه آت بزكاته صلى عليه، قال عبد الله بن أبي أوفى جاء أبي بالزكاة إلى النبي ﷺ فقال: (اللهم صل على آل أبي أوفى)، فقوله: (اللهم صل) دخل فيه أمر الله جل وعلا بأن يصلي عليهم، وبأن يسأل الله له أن يصلي عليه، فالمقصود: أنها من العبد السؤال والدعاء، فالرسول ﷺ يسأل الله أن يصلي على آل أبي أوفى، وكذلك صلاته على الميت تسأل الله أن يغفر له، وكذلك غيره من الخلق. وكذلك من الملائكة، فهم قد أخبر الله جل وعلا عنهم أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:٧] إلى آخر الدعاء الذي جاء عنهم، وغير ذلك. وأما الصلاة من الله فلا يجوز أن نقول فيها: الصلاة من الله الدعاء فالله لا يدعو لأحد، فقال قوم: الصلاة من الله الرحمة، ولكن الله جل وعلا فرق بين الصلاة والرحمة، كقوله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة:١٥٦ - ١٥٧]، فجعل الرحمة غير الصلاة، مما يدل على أنها غيرها، فكان الأولى بل الصواب والأصح أن يقال: إن صلاة الله على عباده هي ثناؤه عليهم في الملأ الأعلى، أن يثني على عبده عند الملائكة، وإذا أثنى الله جل وعلا على أحد فحسبه ذلك؛ لأنه امتثل أمر ربه وأرضى ربه، فيكون كل شيء راضياً عنه، وكل عباد الله يدعون له، ويسألون له، ويطلبون محبته وموالاته، فهذا من أفضل الأعمال وأعظم الخصائص التي يخص بها ربنا جل وعلا من يشاء من عباده، فإذا قال الإنسان: (اللهم صل على محمد) فمعناه: اذكره مثنياً عليه عند أخص خلقك الذين هم ملائكتك، وهذا يكون أخص من الرحمة، والآية -مثلما قلنا-: دلت على أن الصلاة غير الرحمة. [قلت: وقد يراد بها الدعاء، كما في المسند عن علي مرفوعاً: (الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه)]. وهذا ليس فيه إشكال؛ لأن هذا من المخلوقين، ولكن الإشكال في الصلاة من الله، هل يقال: الصلاة من الله الرحمة أم الدعاء؟ هذا محل إشكال، والصلاة هي الدعاء من جميع الخلق ملائكة، وأنبياء، ومن المؤمنين، والأصل في الصلاة الدعاء، فالصلاة الشرعية التي تفتتح بالتكبير وتختتم بالتسليم وتشتمل على القراءة والركوع والسجود وغير ذلك أصلها مأخوذة من الدعاء، فهذا هو أصلها.

стр. 16

المراد بالآل في الصلاة على النبي ﷺ قال الشارح ﵀: [قوله: (وعلى آله) أي: أتباعه على دينه، نص عليه الإمام أحمد ﵀ هنا]. هذا هو أرجح أقوال السلف والعلماء، أن آل النبي ﷺ هم أتباعه على دينه؛ لأنه جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ -كما في صحيح مسلم وغيره- أنه قال: (ألا إن بني فلان ليسوا لي بآل) وسمى أناساً معينين من الأقرباء نسباً، فمعنى ذلك أنه لما لم يكونوا من أتباعه أخبر ﷺ أنهم ليسوا له بآل، فكذلك جاء أن أتباعه على دينه هم آله بنص ورد عنه ﷺ ، وهذا لا ينافي كون آله هم الذين حرمت عليهم الصدقة، أو هم أزواجه، وأزواجه يدخلن في ذلك من باب أولى، ولا ينافي ذلك، ولكن هذا عند الصلاة والدعاء يكون عاماً شاملاً.

стр. 17

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٢] توحيد الألوهية هو أحد نوعي التوحيد، ويعرف بتوحيد القصد والنية والإرادة، وهو الذي طلبه الله من الإنسان، ولهذا فهو يسمى توحيد العبادة، أما النوع الثاني من التوحيد فهو توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وهذا التوحيد يعرف بتوحيد المعرفة والإثبات.

стр. 18

التوحيد وأقسامه قال المصنف ﵀: [كتاب التوحيد. كتاب: مصدر: (كتب يكتب كتاباً وكتابة وكتْباً)، ومدار المادة على الجمع، ومنه: تكتب بنو فلان إذا اجتمعوا، والكتيبة لجماعة الخيل، والكتابة بالقلم لاجتماع الكلمات والحروف، وسمي الكتاب كتاباً لجمعه ما وضع له. والتوحيد نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات، وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات، وتوحيد في الطلب والقصد، وهو توحيد الإلهية والعبادة]. ذكر المصادر التي أخذ منها الكتاب، وهذا من باب اللغة، والأصل هو أصل الكلمات، وأخذها أمر معلوم، قال: (كتاب التوحيد) والتوحيد معناه: أن يوحد الله جل وعلا، فيعتقد وحدانيته في كل ما يلزم له، وسمي دين الإسلام توحيداً لأن مبناه على هذا، والتوحيد أقسام ثلاثة، وإن شئت قلت: قسمان: توحيد في العلم والمعرفة، وتوحيد في القصد والإرادة فمعنى التوحيد في العلم والمعرفة: أن توحد الله جل وعلا في إثبات ما له من الصفات وأن توحده في ربوبيته، فهذا كله يدخل في المعرفة والعلم. والقسم الثاني: توحيد القصد والنية والإرادة فهو الذي يصدر من الإنسان، وهو المطلوب الذي طلبه الله جل وعلا منه، ولهذا سمي توحيد العبادة، وسمي توحيد الإلهية، وسمي توحيد النية والقصد والإرادة؛ لأنه مبني على كون هذه الأمور خالصة لله جل وعلا. القسم الأول قسم إلى قسمين: توحيد في الربوبية، وتوحيد في الأسماء والصفات، أما توحيد الربوبية فمعناه: أن يعتقد الإنسان جازماً بأن الله واحد في ملكه، وواحد في تدبيره، لا شريك له في ذلك، وواحد في كونه يختص بالإحياء والإماتة، وكونه يملك كل شيء، وبيده كل شيء، وكونه الرازق لكل أحد، وكونه الذي يدبر أمر الكون كله، وكونه جل وعلا على كل شيء قدير. وأما توحيد الأسماء والصفات فأن يعتقد جازماً بأن ما سمى الله جل وعلا به نفسه أو سماه به رسوله ﷺ يختص به، لا يشاركه فيه أحد من خلقه، فهو بكل شيء عليم، وعلمه أزلي لم يستحدث ولا يستجد، ولم يكن له مبدأ، وهو كذلك سميع بصير: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر:٢٣]، ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر:٢٢]، الرءوف الرحيم، وكل ما سمى به نفسه يجب أن نعتقد تفرده به بالمعنى الذي يختص به جل وعلا، ونوحده في ذلك، فيكون واحداً في هذا.

стр. 19

مشركو قريش وإقرارهم بتوحيد الربوبية وبعض الأسماء والصفات وهذان القسمان -توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات- ما كان أحد من الخلق ينكرهما إلا مكابر ومعاند، بل الكفار الذين هم جاهلون وبعث الرسول ﷺ لدعوتهم كانوا يقرون بهذا، وإذا أنكر شيء من ذلك فهو من باب المعاندة والجحود، كما أنكروا اسم الرحمن عناداً وتكبراً، كقوله جل وعلا: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد:٣٠]، وذلك أنهم أنكروا هذا الاسم اتباعاً لآبائهم وما كانت طريقتهم عليه في كتاباتهم، فلما أمر الرسول ﷺ بالكتابة بينه وبينهم يوم الحديبية قال للكاتب: (اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم) قالوا: لا. اكتب كما كنا نكتب: (باسمك اللهم)، أما الرحمن فما نعرفه، فأنزل الله جل وعلا: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد:٣٠]، وهذا عناد وتكبر، وإلا فقد جاء في أشعارهم -من أشعار الجاهلية- إثبات ذلك. وكذلك توحيد الربوبية فأمره ظاهر جداً في كونهم يعرفون هذا، ويؤمنون به ويقرون به، وقد ذكر الله جل وعلا في القرآن آيات كثيرة تدل على هذا، بل جعل هذا جل وعلا دليلاً على وجوب توحيد الإلهية، وألزمهم بهذا، كما قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة:٢١]، يعرفون أن الله هو الذي خلقهم، وخلق من قبلهم، ولهذا قال في آخر الآية: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] يعني: يعلمون أن الله هو الذي خلقهم وخلق من قبلهم، وهو الذي جعل السماء بناء، والأرض فراشاً، وهو الذي أنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لهم، يأكلون منه وتأكل منه أنعامهم، يعلمون هذا تماماً ويقرون به، وأنه لا أحد يشارك الله جل وعلا في ذلك، ولهذا قال: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] يعني: لا تدعوا معه أحداً في العبادة في دعوتكم، وفي العبادة التي تصدر منكم، وفي التأله في القصد والإرادة، وفي النية، لا تجعلوا له نداً في ذلك وأنتم تعلمون أنه المتفرد بما ذكر. وكذلك ورد في آيات كثيرة: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت:٦٣]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩]، ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٣٨]، يعلمون أن هذه التي يدعونها ما تملك مع الله شيئاً، ولا تنفع ولا تضر، وإنما يقولون: إننا نتوسل بها للتشفع، ويجعلونها وساطة بينهم وبين ربهم، ويقولون: تتوسط لنا فتسأل لنا ربنا، وكانوا يقولون في تلبيتهم: (لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك) وهم يحجون، وكانوا يخلصون في بعض العبادات مثل الحج والصدقة، يخلصونها لله، وأحياناً الدعاء إذا وقعوا في الضر والشدائد، قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥]، يعني: إذا ركبوا في البحر وعصفت بهم العواصف تركوا ما كانوا يعبدون واتجهوا إلى عبادة الله وحده، وإذا كانت معهم أصنام رموها في البحر، وقالوا: إنها لا تنفع، ولا يصلح أن ندعوها في مثل هذا المقام، ولكن إذا جاء الرخاء ونجاهم الله جل وعلا عادوا إلى شركهم اقتداء بآبائهم واتباعا لهم. بل قد جاء أنهم يؤمنون بالحساب، ويؤمنون بالقدر أيضاً، كما قال عنترة في معلقته وهو جاهلي: يا عبل! أين من المنية مهرب إن كان ربي في السماء قضاها جاهلي يؤمن بالقضاء والقدر، وكذلك زهير بن أبي سلمى يقول في قصيدته المشهورة: فلا تكتمن الله ما في صدوركم فمهما يكتم الله يعلم يؤخر فيوضع في كتاب سيدخر ليوم الحساب أو يعجل فينقم فهو يؤمن بالحساب، ويؤمن بأن الله يعلم، وبأن الله يدخر الأعمال، وهكذا جاء في أشعارهم كثيراً من هذا.

стр. 20

الشرك هو الذي أحل دماء المشركين فإذا كان الأمر هكذا فما الذي جعلهم خالدين في النار؟ وما الذي جعلهم حلال دمهم وأموالهم ونساؤهم؟ لماذا وهم يؤمنون بهذا؟ يؤمنون بأن الله هو المتفرد بالخلق، وأنه يعلم ما في الصدور، وأنه يجازي العباد على أعمالهم، وأنه هو الذي قضى الأشياء، وهو الذي يحيي ويميت، وهو الذي يتصرف في الكون وحده، ليس معه شريك. نقول: الذي أحل دماءهم، وجعلهم في النار هو كونهم جعلوا وسائط بينهم وبين ربهم يدعونها، ويطلبون منها أن تقربهم إلى الله زلفى، كما قال الله جل وعلا: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر:٤٣] يعني: تتخذونهم وهم لا يملكون شيئاً ولا يعقلون، وتجعلونهم شفعاء لكم؟! ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٤]، وكذلك في آيات كثيرة جداً، والواجب على الإنسان أن يتدبر كتاب الله، وأن يتدبر سيرة رسول الله ﷺ مع هؤلاء، وأن يعرف حكم الله في ذلك، وأن يعرف ما أوجبه الله عليه حتى يخلص من عذاب الله جل وعلا، والله خلق الخلق لهذا الأمر، خلق الجنة والنار لتكون الجنة جزاءً لمن وحد الله وآمن به واتبع أوامره واجتنب نواهيه، وخلق النار لتكون عقاباً لمن لم يفعل ذلك، واتبع هواه، وترك أمر الله وراءه ظهرياً ولم يبال به. ثم إن الإنسان خلق عبداً فلا بد أن يكون عبداً، لا بد أن يعبد، ولا يمكن أن ينفك عن العبادة، فإن لم يعبد ربه ويتبع الطريقة التي رسمها له الرسول ﷺ عبد هواه أو شهوته أو رؤساءه أو المظاهر الأخرى من مظاهر الدنيا، فلا بد أن يعبد، وقد قال الله جل وعلا: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣] (اتخذ إلهه هواه) يعني أنه إذا هوي شيئاً فعله بدون مبالاة وبدون نظر إلى أن الله أمر به أو نهى عنه، بل يقدمه على أمر الله ولا يبالي، وكذلك أخبر الله جل وعلا أن أكثر الناس عبدوا الشيطان، فهل هم يصلون للشيطان ويسجدون له؟ كلا. ولكنهم اتبعوه فيما سول لهم وزينه لهم، يقول جل وعلا: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس:٦٠]، وقال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ﴾ [سبأ:٢٠]، فإبليس ظن لما رأى آدم أن ذريته لا تطيع ربه جل وعلا، إنما يطيعه القليل منهم، فصار يجتهد في دعوتهم إلى أن يكونوا معه في جنهم، وللأسف أكثرهم اتبعه، وهو ليس له سلطان عليهم، وليس له حجةً، بل مجرد تسويل ودعوة فقط، لهذا أخبر الله جل وعلا أنه إذا حكم بينهم ووضعهم في جنهم جميعاً هم ورئيسهم ومعبودهم الشيطان يقوم الشيطان خطيباً في جهنم فيقول لما حكى الله تعالى عنه: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم:٢٢] أي: ما لي عليكم حجة ولا قوة ولا برهان: ﴿إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم:٢٢] يعني: مجرد دعوة عارية من الحجة ومن البرهان والقوة والسلطان ﴿فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ [إبراهيم:٢٢] يعني: ما أنا بمغيثكم ولا بمغني عنكم شيئاً، ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم:٢٢] كذلك لا تغنون عني شيئاً: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم:٢٢] يعني: كفرت بطاعتكم وتبرأت منها، هكذا يقول لهم وبذلك تزداد حسراتهم ويزداد عذابهم، ولهذا أخبر أن المنافق مثله مثل الشيطان، فالمنافق الذي يعد الآخر وعوداً لا يفي بها ثم يتبرأ منه في آخر لحظة مثله مثل الشيطان، قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر:١٦]، ما يخاف الله رب العالمين، ولكن ليس بيده شيء. فالمقصود أن الأمر واضح جلي، فتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات أمر ظاهر، ومع ذلك إذا أقر به الإنسان وآمن به لا ينفعه ولا يجزي عنه شيئاً حتى يضم إليه توحيد العبادة، وهو أن يخلص الأعمال التي تصدر منه، أن تكون أفعاله خالصة لله جل وعلا، وسمي توحيد عبادة لأنه يصدر من العبد، وسمي (إلهية) لأن مبناه على المحبة وعلى تأله القلب، وسمي توحيد عبادة لأنه مبني على التعبد لله وحده، وسمي توحيد قصد لأن مبناه على أن يكون القصد لله وحده، فيقصد ربه، وسمي كذلك توحيد إرادة لأن النية والإرادة يجب أن تكون خالصة لله جل وعلا، وكل هذا يصدر من العبد، ولهذا قال في الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية: توحيد الربوبية: توحيد الله في أفعاله، أن تجعله واحداً بما يفعله هو، وكذلك تعتقد وحدانيته فيما يتصف به جل وعلا، لا شريك له في ذلك، وأما توحيد العبادة أو توحيد الإلهية فمعناه أن توحد الله بما يصدر منك أنت، فتجعله واحداً، وتجعل عملك واحداً لواحد، كما قال ابن القيم في النونية: كن واحداً لواحد في واحد أعني طريق الحق والإيمان (كن واحداً) يعني: كن عبداً لا تكن متفرقاً تعبد هذا وتعبد هذا، كن عبداً لواحد، كن واحداً جامعاً إرادتك وقصدك وعملك غير متفرق، فلا تجعل شيئاً للمال وشيئاً للدنيا وشيئاً للشيطان، (كن واحداً لواحد) لله جل وعلا فقط، هذا الذي يفيد. (في واحد) يعني: في نهج واحد، وفي سبيل واحد الذي هو طريقة الرسول ﷺ وسنته، ولا بد من ذلك وإلا كان الإنسان مبتدعاً، ومتبعاً للآراء أو لغير ذلك من الطرق التي تتوزع، فيجب أن يجمع العبد بين هذه الأنواع كلها.

стр. 21

الدليل على أقسام التوحيد الثلاثة قد يقول قائل مثلا: ما الدليل على هذا التقسيم؟ ومن أين أتى؟ هل قاله الرسول ﷺ ؟ هل قال الرسول ﷺ : إن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الإلهية، أو قاله الصحابة؟ نقول: قاله الله جل وعلا، فالله قسم هذا التقسيم، ولكن الصحابة والسلف من العلماء وغيرهم كان هذا من الأمر الظاهر الجلي عندهم، لا يحتاج إلى الكلام عليه، فهو أمر ظاهر جلي جداً، لا يجهله الصبيان والنساء والعجائز وغيرهم، يعرفونه تمام المعرفة، وإنما جهل لما فسد اللسان، واختلطت اللغة العربية باللغة الأعجمية، فصار الناس لا يعرفون ما يتكلمون به، فصاروا لا يعرفون معنى الإله، ولا يعرفون معنى العبادة، ولا يعرفون معنى (الرب)، ولا يعرفون معنى (الله)، عند ذلك احتاج العلماء إلى إيضاحه وبيانه وتفصيله، يقول الله جل وعلا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، فـ (الله) تقدم لنا أنه مأخوذ من الإله، أي: التأله، والرب معناه غير معنى الله جل وعلا، فإذاً الله له معانٍ، وهو أن يؤله ويعبد، والرب له معانٍ، وهو أن يكون مالكاً متصرفاً مدبراً بيده كل شيء. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٢ - ٣] (الحمد لله) هذا توحيد الإلهية، (رب العالمين) توحيد الربوبية، (الرحمن الرحيم) توحيد الأسماء والصفات، ثم قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]، الذي يملك اليوم ويوم الدين، ويجازي ويحاسب، وينفع ويضر، ويعاقب إذا لم يفعل أمره، ويعاقب إذا عصي، ويثيب إذا أطيع هو الرب وهو المالك المتصرف (مالك يوم الدين)، وقرئ: (ملك يوم الدين)؛ لأن يوم الدين ليس فيه من يملك إلا الله جل وعلا وحده، أما في الدنيا فهناك من يدعي أنه يملك وإن كان الملك مؤقتاً، وسوف يسلم ملكه، والواقع أن الملك عارية عنده، وإلا الملك كله لله، في الأولى والآخرة، ولكن يوم الدين كل فرد يأتي كيوم ولدته أمه، لا ثياب ولا نعال، ولا مال ولا ولي، ولا ناصر ولا شافع: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١٩]، وظاهر ذلك، ولهذا قيل: (مالك يوم الدين). وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] (إياك نعبد): العبادة تصدر من العبد، وهي التأله والذل والخوف كما سيأتي، والاستعانة تكون بالذي يملك ويستطيع أن يعين؛ لأنه بيده الملك، فإذا دعي أجاب، وإذا سئل أعطى، ينفع ويضر، وهذا معنى الرب جل وعلا، وهكذا القرآن مملوء من هذا، كل القرآن من أوله إلى آخره يدل على هذا التقسيم. فإذاً علينا أن نتدبر كتاب ربنا جل وعلا، ونتفهم ونعرف الأمر الذي خلقنا له، ونعرف مصيرنا، فالإنسان لا يجوز له أن يجهل لماذا خلق، أو يجهل مهمته في هذه الحياة، أو يجهل نهايته وإلى أين يكون، لا يجوز هذا، والواقع أن الإنسان إذا جهل هذه الأمور فهو مفرط في نفسه، ومسئول عن ذلك، وسوف يندم يوم لا يغنيه الندم ولا ينفعه.

стр. 22

توحيد العبادة وأهميته ثم هذه الأقسام الثلاثة أهمها وأعظمها قسم توحيد العبادة؛ لأنه وقع فيه الشرك، والشرك وقع في بني آدم قديماً، وسبب إرسال الرسل هو وقوع الشرك، وقبل وقوع الشرك ما كان للرسل حاجة، كان الناس على الطريق السوي وعلى الطريق المستقيم، وقد جاء عن ابن عباس ﵁ أنه قال: (كان الناس بعد آدم عشرة قرون كلهم على التوحيد، ثم طرأ الشرك فأرسل الله جل وعلا أول رسول إلى الأرض وهو نوح ﵇ قص الله جل وعلا علينا قصته، فأخبر جل وعلا في قصصه في مواضع متعددة أنه قال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، فما قال: اعتقدوا أن الله متفرد بالكون وبالخلق وبالرزق وبالإحياء وبالإماتة وبالتدبير. لأن هذا أمر معلوم عندهم لا يجهله أحد، قال: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، وكذلك قال هود الذي جاء بعده، قال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٦٥]، وكذلك قال صالح: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٧٣]، وسائر الأنبياء كلهم قالوا هذا القول، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النحل:٣٦] يعني: قائلاً لهم: ﴿اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، والطاغوت سيأتي تفسيره ومعناه، وأنه كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت، أو كل ما صد عن عبادة الله فهو طاغوت. وأقول: هو من الطغيان، وهو تجاوز الحد، والخلق كلهم حد لهم حد، وهو أن يكونوا عباداً لله جل وعلا، فإذا تجاوزوا هذا الحد إلى ما هو من خصائص الرب جل وعلا صاروا طواغيت، ثم إن أنواع العبادة كثيرة جداً منها المحبة، وسيأتي بيان ذلك، فيجب أن تكون المحبة التي هي محبة التأله خالصة لله جل وعلا، وسيأتي إن شاء الله أن المحبة تنقسم إلى قسمين: محبة مشتركة بين الخلق -وهي أقسام كما سيأتي- مثل محبة المصاحبة والألفة، ومحبة الشفقة، وما أشبه ذلك من المحبة الطبيعية لا لوم على الإنسان في كونها تصدر منه، ولكن المقصود بالمحبة التي يجب أن تكون لله وحده محبة الذل والتعظيم، ولا يجوز أن يكون قلبك خاضعاً ذليلاً معظماً لهذه الأشياء التي تحبهن، هذا لا يجوز أن يكون إلا لله جل وعلا. قال الله جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، وهذا يدل على أنهم يحبون الله حباً شديداً، ولكنهم أشركوا بهذه الآلهة التي اتخذوها، وصارت المحبة مفرقة موزعة بين الله وبين هذه الأنداد ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٥ - ١٦٦]، والأسباب: المودة والمحبة، انقطعت عنهم وزالت، وأصبح بدلها عداوة، وكل واحد يلعن الآخر، العابد يلعن المعبود والمعبود يلعن العابد بعد هذه المحبة. وإذا وجدت هذه المحبة فالذي يموت عليها يكون ممن لا يخرج من النار، كما في تمام هذه الآيات. ومن أنواع العبادة الطواف، ولا يجوز للإنسان أن يطوف إلا بالبيت الحرام الذي أمر الله جل وعلا بذلك عبادةله، ولا نطوف بقبر ولا بحجر ولا بشجر ولا بمخلوق ولا بغير ذلك. ومن ذلك الاعتكاف، فإنه عبادة كما أخبر الله جل وعلا أن العاكفين والراكعين والساجدين يجزيهم ويثيبهم، وقد أمر خليله أن يطهر بيته للعاكفين والراكعين الساجدين. ومن ذلك الخوف، فيجب أن يكون الخوف الذي يسمى الخوف الغيبي -خوف السر الذي في سرك وفي غيبك- من الله وحده فقط، لا تخاف غائباً عنك إلا الله، فلا تخاف ميتاً، ولا تخاف جنياً، ولا تخاف من هو بعيد عنك وتقول: إنه يمكن أن يعرف ما في نفسي، هذا لا يجوز، كالذي يخاف الأموات، أو يخاف الولي الذي في القبر، يخاف -مثلاً- أنه إذا ما قدم له العبادة أنه يضره، والذي في القبر لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، فكيف يملك ذلك لغيره؟! ومنها أيضاً: الذبح، فلا يجوز أن يذبح إلا لله جل وعلا، فإذا ذبح الإنسان لغير الله لجني أو إنسي أو قبر أو غيره فقد وقع في الشرك الأكبر الذي من مات عليه يكون خالداً في النار. ومنها النذر، كأن ينذر نذراً لمخلوق أو لميت أو حي، فإن هذا شرك؛ لأن الله جل وعلا مدح الموفين بالنذر فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧]، فالنذر عبادة؛ لأن الله لا يمدح ولا يثني إلا على ما هو محبوب له ويكون عبادة، أما الشيء المباح مثل الأكل والشرب والنوم والجلوس ما يمدح الله عليه؛ لأنه أمر مباح ليس عبادة إلا إذا اقترن به نية طيبة تجعله عبادة. ومن ذلك أيضاً الرجاء والتوكل والإنابة والاستعانة والاستغاثة والتوبة والخشية، وغير ذلك من أنواع العبادة، كلها يجب أن تكون خالصة لله جل وعلا، وسيأتي تفصيل هذا مفرقاً.

стр. 23

الشرك يقابل التوحيد الشرك، والشرك يكون في كل قسم من أقسام التوحيد الثلاثة، يكون الشرك في الربوبية، ويكون الشرك في الأسماء والصفات، ويكون الشرك في العبادة والتأله، وكل شرك من هذه الأقسام ينقسم إلى أكبر وأصغر، فعلى هذا تكون أقسام الشرك ستة أقسام على حسب هذا التقسيم، وفي الأصل ينقسم إلى ثلاثة أقسام فقط: شرك أكبر، وشرك أصغر، وشرك خفي، والواقع أنه ينقسم إلى قسمين؛ لأن الشرك الخفي قد يكون أكبر وقد يكون أصغر وهو شرك النية، ولكن التقسيم إلى ستة حسب أقسام التوحيد.

стр. 24

الشرك في الربوبية الشرك في الربوبية ينقسم إلى قسمين: قسم يسمى شرك التعطيل، وهو أقبح الأقسام وأعظمها جرماً وأخبثها، وهو شرك فرعون الذي قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وقال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٢٣]، فعندما جاءه موسى قال: (وما رب العالمين)؟ أي: أنه أنكر وجود الله جل وعلا، وهذا على سبيل المكابرة والتجبر والعناد والإيذاء، وإلا فهو في الواقع مقر بذلك؛ لأن الأمر في هذا واضح وظاهر جداً، لا يخفى على من عنده أدنى عقل. فلا يخفى أنه لا موجود إلا وله موجِد، ولو نظر الإنسان إلى نفسه فمن الذي أوجده؟ هل أبوه خلقه أو أمه خلقته أو هو خلق نفسه؟ لابد أن يكون له خالق قدير متصرف كامل الإرادة كامل المشيئة تعالى وتقدس، كما قال الله جل وعلا: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]، يعني: هل يمكن أن يوجد هذا المخلوق بدون أن يكون له خالق؟ لا يمكن هذا لا يُعقل، ولا يقر به حتى الأطفال، الطفل الصغير إذا ضربه ضارب وبكى فقلت له: ما ضربك أحد لا يقتنع بهذا؛ لأن كل حدث له محدث، وهذا أمر فطري، ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]، ولهذا أمرنا الله جل وعلا بالنظر إلى أنفسنا: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] يعني: في أنفسكم آيات تفكروا فيها، أفلا تبصرون؟ وأمرنا أن ننظر في أصلنا فقال: ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس:١٧ - ٢٠]، وجاء هذا مكرراً في القرآن كثيراً، يأمرنا ربنا جل وعلا أن ننظر في أصل خلقنا؛ لأنه كان نقطة من ماء، فكيف يخلق منها لحم وعظام وأعصاب، ثم سمع وبصر وعقل وأرجل وأيدٍ، وذكر وأنثى؟ هل أحد يستطيع ذلك؟ لا. فهو من أكبر الأدلة على وجود الله جل وعلا. وآيات الله في الأنفس ظاهرة وواضحة، كما أن آياته جل وعلا في الآفاق من حولنا ولما يجري حولنا في السماء والأرض والنجوم والجبال والأنهار وغيرها واضحة جلية، فنقول: إن الشرك في هذا لا يكون إلا عناداً أو إعراضاً، والإعراض هو عدم الاهتمام. ومن هذا الشرك شرك ملاحدة اليوم الذي يقولون: الحياة مادة، فلا يوجد خالق، ولا توجد إعادة، ولا توجد جنة ولا نار يكفرون بالله جل وعلا وينكرون وجوده، فهم واقعون في الشرك الأعظم، وهم في الواقع لم يستعملوا عقولهم ولا ما حولهم من الآيات ولم يتفكروا في أنفسهم. ومن ذلك شرك أصحاب وحدة الوجود الذين غلفوا شركهم بشيء من محاسن الإسلام، فخفي أمرهم على خفافيش الأبصار، فجعلوهم من أكابر الأولياء وأكابر الأتقياء والسعداء، وهم من أعظم المجرمين وأكابر الكفار والمشركين، كـ ابن عربي والعفيف التلمساني وابن الفارض والحلاج، ومن أشبه هؤلاء الذين جعلوا الله هو الوجود كله، خنازيره وكلابه وأوادمه وكل شيء، كما يقول رئيسهم: العبد رب والرب عبد يا ليت شعري من المكلف؟ إن قلت عبد فذاك رب وإن قلت رب فأنى يكلف؟ ويقول: وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه لأنه يعتقد أن النظم كلام الله، والشعر كلام الله، واللحن كلام الله، ونبح الكلاب كلام الله، إلى غير ذلك، وهكذا يقول أصحابه، ثم يأتي قوم ويقولون: هؤلاء من أكابر الأولياء والأتقياء! ومن ذلك شرك النصارى الذين قالوا: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠]، وكذلك اليهود الذين قالوا: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠]. ومنه شرك المجوس الذي جعلوا التصرف إلى إلهين: إله الظلمة وإله النور، وقالوا: إن الإله المحمود المعبود هو إله النور، فهو الخير الذي يحب الخير ويأمر به ويريده؛ ولهذا يعبدون النار لأنها هي أصل النور عندهم، وهذا شرك في الربوبية. القسم الثاني من شرك الربوبية الشرك الأصغر، مثل شرك الألفاظ، كقول الإنسان: لولا الله وأنت، لولا الله وفلان، وقوله: ما شاء الله وشئت، وكذلك الحلف بغير الله وما أشبه ذلك، فإن هذا شرك في الربوبية، وقد يكون هذا شركاً أكبر على حسب ما يقوم في قلب القائل وعقيدته، فهذا الشرك في الربوبية.

стр. 25

الشرك في الأسماء والصفات والشرك في الأسماء والصفات نوعان أيضاً: النوع الأول: شرك التشبيه كالذين يقولون: يد الله مثل أيدي الناس، وسمع الله مثل أسماع الناس، وبصره مثل أبصار الناس، وعلمه مثل علوم الناس، وهكذا، فهذا شرك في أسماء الله وصفاته، والواجب أن يعتقد أن الله لا شريك له في خصائصه من الأسماء والصفات، وهذا وإن كان قليلاً فقد جاء ذكره في كتاب الله، يقول الله جل وعلا: ﴿فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، ويقول جل وعلا: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، ويقول جل وعلا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]. فالذي يقول مثل هذا القول يخالف هذه النصوص وغيرها من النصوص الكثيرة في كتاب الله. النوع الثاني من أنواع الشرك في الأسماء والصفات: تسمية المخلوق بما هو من خصائص الله جل وعلا، كالذي يسمي المخلوق -مثلا- حكيماً، عليماً، خبيراً، رءوفاً، رحيماً، وما أشبه ذلك، ومنه الإله أو الآلهة أو الرب، أو ما أشبه ذلك مجرد تسمية، أعني أن يشتق من أسماء الله أسماء للمخلوقين، فيشتق للمخلوق اسماً من اسماء الله جل وعلا، كما فعل المشركون، فإنهم سموا أصنامهم آلهة، فهو كذب وزور، وهو اسم وضع على غير مسماه، ولهذا يقول الله جل وعلا: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [النجم:٢٣]، يعني: ليس لها من هذه التسمية شيء، فهو مجرد اسم فقط لا حقيقة له. ومن ذلك أنهم سموا بعض أصنامهم بأسماء اشتقوها وأخذوها من أسماء الله، كمناة أخذوها من المنان، واللات أخذوها من اسم الله، والعزى أخذوها من اسم العزيز، وهكذا، وهذا نوع من أنواع الشرك في الأسماء والصفات.

стр. 26

الشرك في العبادة والشرك في العبادة واسع وكثير جداً، وهو ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: شرك أكبر إذا مات عليه الإنسان يكون خالداً في جهنم، وإذا تاب منه فالله يقبل توبته. القسم الثاني: شرك أصغر، إذا وقع فيه الإنسان يكون قد وقع فيما هو أعظم من الزنا ومن شرب الخمر، ولكنه لا يخرج من الدين الإسلامي، وصاحبه تحت مشيئة الله جل وعلا، إن شاء آخذه وعذبه على ذلك، وإن شاء عفا عنه، ويجب أن نجتبه. الشرك الأكبر كأن يشرك في المحبة، أو في الخوف، أو في التوكل، أو في الإنابة، أو في الركوع، أو في السجود، أو في الطواف، أو في الذبح والنذر، أو غير ذلك. فإذا وقع الإنسان في شيء من ذلك كان يذبح دجاجة لجني كان مشركاً شركاً أكبر -نسأل الله العافية-!، وإذا وقع في شيء من هذا يجب عليه أن يتوب، وأن يتخلص من ذلك. وأما الشرك الأصغر فمثل يسير الرياء، كونه يرائي بعمله الناس ويحب أن ينظروا إليه، أو يزين عمله من أجل رؤية الناس، أما الكثير فهو لا يصدر من مسلم، فكون العمل يبنى على الرياء لا يصدر إلا من المنافقين أو الكفار، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٤٢] أخبر أن صلاتهم هي المراءاة، ولكن المسلم قد يعرض له في عمله عارض الشرك الأصغر فهو يعالجه، وإن أعرض عنه واستطاع أن يخلص في عمله لا يضره ذلك، أما إذا لم يستطع ذلك فالرياء إذا خالط عملاً أفسده وأحبطه، ويكون ذلك العمل فاسداً حابطاً، كما جاء في الحديث القدسي: (من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه)، وجاء أن الله جل وعلا يقول للذين يراءون بأعمالهم يوم القيامة: (اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون جزاءكم عندهم؟)، وسيأتي بإذن الله تعالى تفصيل هذا كله مفرقاً في الكتاب.

стр. 27

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٣] أعظم ما أمر الله به هو التوحيد، وأعظم ما نهى عنه هو الشرك، والقرآن الكريم كله في التوحيد كما بين ذلك أهل العلم، وأصل دعوة الرسل هي الدعوة إلى التوحيد، ولذا يجب معرفة التوحيد لتحقيقه والقيام به، ومعرفة الشرك للحذر منه واجتنابه.

стр. 28

أنواع التوحيد

стр. 29

توحيد المعرفة والإثبات قال الشارح ﵀: [قال العلامة ابن القيم رحمة الله عليه: وأما التوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب، فهو نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات، وتوحيد في الطلب والقصد. فالأول هو: إثبات حقيقة ذات الرب تعالى، وصفاته وأفعاله وأسمائه، وتكلمه بكتبه، وتعليمه لمن شاء من عباده، وإثبات عموم قضائه وقدره وحكمته، وقد أفصح القرآن عن هذا النوع جد الإفصاح، كما في أول سورة الحديد، وسورة طه، وآخر الحشر، وأول تنزيل السجدة، وأول آل عمران، وسورة الإخلاص بكاملها، وغير ذلك]. هذا كثير في القرآن جداً، وقل آية في القرآن إلا وفيها شيء من أسماء الله وصفاته، إما صفة فعل أو صفة ذات أو غير ذلك، والحكمة في هذا أن الناس كانوا يحتاجون إلى هذا؛ لأن من حكمة الله جل وعلا أن الناس إذا احتاجوا إلى شيء يكون وجوده أكثر، مثل الماء، فالناس يحتاجون إلى الماء فصار وجوده كثيراً، ومثل وجود الهواء، ومثل وجود الملح، ومثل وجود النار وما أشبه ذلك، فكل شيء الحاجة إليه عامة شاملة كان وجوده وتيسيره أكثر للناس، وهذه حكمة من الله ورحمة منه. ففي زمن الصحابة ما كانوا بحاجة إلى تكثيره إلا من ناحية أن الله يعرفهم بنفسه، هذا هو الأصل، والله تعرف إلى خلقه بذكر أسمائه وأوصافه، وكل اسم له معنى يدل عليه، فعرف المؤمنون ربهم بهذا؛ لأن الله غير مشاهد، وليس له مثيل يقاس عليه تعالى وتقدس، فليس هناك طريق لمعرفته إلا أن يخبر جل وعلا عن نفسه، هذا هو الأصل في الإكثار من ذكر أسماء الله، وبعدما ذهب عصر الصحابة وعصر التابعين وأتباعهم وجاءت الخلوف حدث في الأمة من يكفر بهذا النوع وينكره، وأصل مجيء هذا الإنكار وهذا الكفر من اليهود والنصارى والمجوس الذين يعادون هذا الدين، فأوجدوا المؤسسات والجمعيات الخبيثة التي تحارب العقيدة، وصاروا يبثون سمومهم في أوساط الناس، وربما في الكتب أيضاً، وبدءوا بتشكيك الناس في معبودهم وإلههم، فصاروا ينكرون الأسماء والصفات، ولو جاءوا إلى الناس وقالوا: إن الله لا يتكلم، إن الله لا يسمع، إن الله لا ينزل إلى السماء الدنيا، إن الله لم يستو على عرشه، إن الله ليس فوقنا، وما أشبه ذلك، بدون أن يذكروا مبررات؛ ما قبل منهم ذلك، فأحكموا الخطة وقالوا: إنكم إذا قلتم هذا، قلتم بالكفر والتشبيه، فيجب أن تنزهوا الله عن هذه الأوصاف والأسماء، فجاءوا من هذا القبيل، فقبل قولهم الذين لا يعلمون، فانبرى العلماء للرد عليهم وإبطال كيدهم، فملأوا الدنيا كتباً، وكلها مأخوذة من كتاب الله وأحاديث رسوله ﷺ في الرد على مثل هؤلاء، وكتاب الله مملوء جداً بإبطال كيد هؤلاء، ولكن مع هذا كله انطلى هذا الخبث وهذه الدسائس على كثير من الناس، فأصبحوا إلى اليوم متأثرين بهذه الدعايات، فإلى الآن كثير من المسلمين متأثر بذلك، فأنكروا أن الله جل وعلا مستو على عرشه، وأنكروا أن الله جل وعلا فوق عباده، وأنكروا أن الله جل وعلا ينزل إلى السماء الدنيا، وأنكروا أن الله جل وعلا يأتي يوم القيامة لفصل القضاء، وأنكروا أن الله جل وعلا يتكلم ويكلم من يشاء كلاماً حقيقياً، إلى غير ذلك، وهذا كله تأثر بدعاية هؤلاء المبطلين، ولكن الذي يتبع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ يعصمه الله جل وعلا بذلك.

стр. 30

توحيد الطلب والقصد قال الشارح ﵀: [النوع الثاني: ما تضمنته سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤]، وأول سورة (تنزيل الكتاب) وآخرها، وأول سورة المؤمن ووسطها وآخرها، وأول سورة الأعراف وآخرها، وجملة سورة الأنعام، وغالب سور القرآن، بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة لنوعي التوحيد شاهدة به داعية إليه. فإن القران إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله وأقواله، فهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته، وأمره ونهيه، فهو حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن إكرام أهل التوحيد وما فعل بهم في الدنيا، وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحل بهم في العقبى من العذاب، فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم. انتهى]. سبق أن ذكرنا أن التوحيد ينقسم إلى قسمين: توحيد في العلم والعقيدة، وتوحيد في النية والإرادة، وقلنا: إن شئت جعلته قسمين، وإن شئت جعلته ثلاثة أقسام، فمن باب البسط والإيضاح يكون ثلاثة من حيث تعلق التوحيد، فإما أن يتعلق بلفظ الرب جل وعلا فيكون توحيد الصفات والأسماء، أو يتعلق بأفعاله تعالى وتقدس فيكون توحيد الربوبية. وهذان القسمان يجوز أن نجعلهما قسماً واحداً؛ لأنهما يتعلقان بالرب جل وعلا صفة وفعلاً، فمن العلماء من يجعله قسماً واحداً، ومنهم من يجعله قسمين. فصفات الله جل وعلا وأسماؤه تثبت بالدليل الذي جاء في كتاب الله جل وعلا، وجاءت به الرسل فقط لا أكثر، ولا دخل للقياس في ذلك، ولا دخل للعقل في هذا، وقلنا: إن السبب في هذا شيئان: أحدهما: أن الله جل وعلا لا مثيل له ولا نظير له فيقاس عليه. الثاني: أنه تعالى وتقدس غيب ليس يشاهده أحد ولم يره أحد، فليس هناك طريق لمعرفته وتسميته ووصفه إلا الوحي فقط، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣] قال كثير من المفسرين: يؤمنون بالله لأنه غيب، فهو غائب عن كل الخلق، وقد قال جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة:٢٢]. فكل هذا يدل على أنه متفرد جل وتقدس، ولهذا اتفق أهل السنة على أن أسماء الله جل وعلا وأوصافه توقيفية، ومعنى (توقيفية): أنه يوقف على النص فيها، فما جاء به النص وجب أن يؤمن به ويعتقد ويقال بمقتضاه، وما لم يأت به النص فلا يجوز أن يشرك بالله شيئاً لم يثبت بنص، والذين ضلوا في هذا الباب لأنهم يعتمدون على عقولهم، فضلوا فيه وتاهوا، فليس هناك طريق يمكن أن يوصل الإنسان إلى الحق إلا الاستمساك بكتاب الله وبسنة رسوله فقط، وهذا في الواقع هو أصل الإيمان، وهو أيضاً أصل دعوة الرسل. فالله جل وعلا تعرف إلى عباده بما يذكره من أوصافه وأسمائه، وكذلك بأفعاله تعالى وتقدس، فالمؤمنون لا يعرفون الله جل وعلا إلا عن هذا الطريق، بالإضافة إلى الفطرة، ولكن هذه مشتركة بين الخلق كلهم، كل الخلق فطروا على معرفة الله جل وعلا، ولكن هذا لا يكفي؛ لأن هذا قد يتغير، فالفطرة يغيرها المعلم الذي يتولى تعليم الإنسان وتربيته، كما قال الرسول ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، أما إذا ترك ونفسه فإنه يكون قابلاً للحق بل طالباً له، ولا يكفي كونه قابلا له؛ لأنه مولود على الفطرة، بل لابد أن يكون طالباً له، فإذا جاء الوحي لا يمكن أن يرده؛ لأنه موافق لما في فطرته، ولكن التربية هي التي تغير هذا. فأقسام التوحيد هي هذه الثلاثة، وليس هناك قسم رابع، كما يقول بعض الناس: توحيد الحاكمية، وبعضهم يأتي بقسم خامس ويقول: توحيد المتابعة، فتكون أقسام التوحيد خمسة: توحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الربوبية، وتوحيد العبادة، وتوحيد الحاكمية، وتوحيد المتابعة، فهذا لا معنى له؛ لأن توحيد المتابعة داخل في توحيد الإلهية، وتوحيد الحاكمية داخل في توحيد الربوبية، لأن الرب جل وعلا هو الذي يحكم بين خلقه، وهو الذي يشرع ويأمر وينهى عباده، فإذا انصرف الإنسان إلى شارع آخر ومحكم آخر فإنه أشرك في توحيد الربوبية، والشرك في توحيد الربوبية يستلزم الشرك في توحيد الإلهية.

стр. 31

توحيد العلم والعقيدة المقصود أن أقسام التوحيد ثلاثة أو اثنان إن شئت: فالأول: توحيد في العلم والعقيدة، وتوحيد العلم والعقيدة هو الذي يتعلق بالرب جل وعلا، يتعلق بأسمائه وأوصافه وأفعاله تعالى وتقدس، فيجب على العبد أن يأخذ هذا العلم من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسوله ﷺ ، وقد أكثر الله جل وعلا من ذكر ذلك في كتابه حتى يعرف عباده ما يستحق، ويقدرونه القدر الذي يستحق، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]، فذكر بعد قوله: (وما قدروا الله حق قدره) الأفعال التي ينفرد بها والتي تقتضي تعظيمه وتمييزه جل وعلا عن سائر الخلق. وكذلك قوله جل وعلا في قصة نوح: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح:١٣ - ١٤]، وذكر أفعاله بعد هذا، كأنه يقول: إن هذه الأفعال تدعوكم إلى أن تعرفوا قدر الله، وتعظموه العظمة التي يستحقها فتبين بهذا أنه جل وعلا يتعرف إلى عباده بذكر أفعاله وأوصافه، وهذا كثير في القرآن جداً، وهذا هو الطريق إلى الاقتناع بالإيمان بالله جل وعلا، وهو الطريق إلى اليقين الحق الذي من وصل إليه أصبح راسخاً في العلم، وأصبح لا يقبل التشكيك ولا يقبل الارتياب مع توفيق الله جل وعلا، وإلا فقد قال رسول الله ﷺ : (قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء، إن شاء ثبتها على الحق، وإن شاء أزاغها)، ولكن إذا عرف الإنسان ربه، وخضع وذل له، وعبده؛ فعادته جل وعلا التي جرت في عباده أنه يثبته بالقول الثابت حتى يلقاه.

стр. 32

معنى توحيد الإلهية النوع الثاني -وإن شئت قلت: النوع الثالث- توحيد الإلهية وهذا الذي صارت فيه الخصومة بين الرسل وأممهم؛ لأنه هو الذي أنكر، وهو الذي دخله الشرك؛ لأن أكثر الخلق اتخذوا وسائط وشفعاء يجعلونهم وسائط بينهم وبين ربهم، ويدعون هذه الوسائط لتقربهم إلى الله زلفى لتشفع لهم، ولا يوجد أحد من الخلق زعم أن صنماً من الأصنام أو معبوداً من المعبودات له شركة في خلق السموات والأرض والجبال والأشجار، أو له قدرة على الإحياء والإماتة، لا يوجد أحد اعتقد هذا أبداً، وإنما زعموا أنهم عباد مقربون، أو أنهم لا ذنوب لهم، وأنهم إذا دعوا الله استجاب لهم، واتخاذهم وسائط أقرب إلى الإجابة وأقرب إلى الطلب من دعاء الله جل وعلا، وأصل هذا بني على تشبيه الرب بالمخلوقين، وليس التشبيه الذي يقوله المتكلمون. والتشبيه ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: تشبيه الخالق بالمخلوق وهذا كثر جداً في الأمم السابقة، ولا يزال إلى الآن كثيراً في الخلق، فيجعلون المخلوق هو الأصل والخالق فرعاً تعالى وتقدس، فوجه التشبيه هنا أنهم رءوا أن الملوك والكبراء والعظماء لا يطلبهم الإنسان حاجته منهم رأساً، فلابد أن يذهب إلى محبيهم وإلى وزرائهم وإلى المقربين لديهم ويسألهم أن يتوسطوا له عند الرئيس والملك حتى تقضى حاجته، ووجدوا هذا أنجع وأسرع في قضاء الحاجة، بخلاف ما إذا ذهب ودخل عليهم بنفسه أو طلب منهم بنفسه فإنه ربما لا يلتفت إليه، فقاسوا رب العالمين الذي هو بكل شيء عليم وعلى كل شيء رقيب وشاهد يسمع ولا يخفى عليه شيء قاسوه على المخلوقين، تعالى الله وتقدس، هذا هو أصل الشرك الذي حدث للأمم في هذا الباب. فاتخذوا الوسائط حسب اختلاف نزعاتهم واتجاهاتهم، فمنهم من يتخذ ملكاً من الملائكة إن كانوا ممن يؤمن بالملائكة، ومنهم من يتخذ جنياً، ومنهم من يتخذ نبياً، ومنهم من يتخذ رجلاً صالحاً، ومنهم من يتخذ شجرة أو حجراً أو غير ذلك، وكلها أصلها هذا، وكل رسول كان يأمر قومه أن يخلصوا الدعوة لله فقط، وألا يدعوا معه أحداً، ولا يكون هناك وسائط: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه﴾ [الأعراف:٥٩] هكذا كل رسول يقول هذه المقالة لأمته: (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره)، والإله هو الذي يألهه القلب بالدعاء والخضوع والذل، فيدعوه ويذل له ويعظمه، فهذا يوجب أن يكون الدعاء لرب العالمين فقط، ولا يجوز أن يكون لأحد من الخلق، سواء أكان عاقلاً أم غير عاقل، حاضراً أم غائباً، فمن جعل لمخلوق من المخلوقات شيئاً من ذلك فقد وقع في الشرك الأكبر الذي كانت الرسل تحذر منه وتدعوا قومها إلى الابتعاد عنه وتركه. القسم الثاني من أقسام التشبيه: تشبيه أوصاف الرب جل وعلا بأوصاف المخلوقين، كأن يقول مثلاً: يد الله كأيدينا، وسمعه كأسماعنا، وبصره كأبصارنا، وكلامه ككلامنا، تعالى وتقدس، وهذا هو الذي يتكلم به المتكلمون، ويجعله العلماء كفراً يخرج الإنسان من الدين الإسلامي، وهو الذي كثرت فيه المؤلفات التي ألفت في هذا الباب، والأصل في هذا قوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، وما أشبه ذلك من الآيات، ولا شك أن التشبيه من أبطل الباطل، والذين قالوا به قلة، وقد أخبر الرسول ﷺ أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، وليس من هذه الفرق طائفة تقول بهذا التشبيه، وإنما يوجد بعض الأفراد يقولون بذلك. ولكن سبب كثرة الكلام في هذا أن كل من قال مقالة واعتقد عقيدة فمن يخالفه في مقالته وفي عقيدته يرميه بالتشبيه، فيقول: أنت مشبه، فكثر الكلام بهذا السبب؛ ولهذا نجد في كتب المقالات وغيرها من الكتب أنهم يعينون أناساً من الأئمة، فيقولون: هناك طائفة يقال لها (المالكية) إمامهم مالك بن أنس مشبهة، وطائفة يقال لها: (الحنبلية) إمامهم أحمد بن حنبل مشبهة، وهكذا، ويجعلون الذي يأخذون الآثار ويعملون بها من أهل الحديث مشبهة. وهكذا إذا نظرنا إلى الطوائف نفسها، فمثلاً اتباع أبي الحسن الأشعري الذين يسمون الأشعرية، بينهم وبين المعتزلة عداء وخصام، فالمعتزلة يرمون الأشاعرة بالتشبيه؛ لأنهم أثبتوا لله بعض الصفات، والمعتزلة يرون أن من أثبت صفة من الصفات كالسمع والبصر والكلام والإرادة فهو مشبه، فإذا أثبتها قالوا: أنت مشبه، والأشاعرة يجعلون من المشبهة من يثبت النزول لله جل وعلا في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا، أو يثبت العلو لله على خلقه، وكونه مستوياً على عرشه، أو يثبت الضحك لله، وأن الله يفرح ويحب ويرضى ويسخط، فيجعلونه مشبهاً، ويسمونه مشبهاً، ويقولون: هذا مشبه، وهكذا كل طائفة من الطوائف ترمي الطائفة التي خالفتها بالتشبيه، فهذا سبب كثرة الرمي بالتشبيه، وهذا يكون له مقالات معينة في كتب المقالات، ويسمونها طائفة المشبهة، ولكن لو طلبت طائفة معينة لها إيمان تقول بهذا ولها كتب تدافع عن هذا، وتستدل به لم يوجد ذلك أبداً، فليس لهذا وجود، وإنما التشبيه على حسب اعتقاداتهم، وعلى حسب ما يرون أنه باطل، بخلاف القسم الأول فإنه كثير جداً، ولكن لا يسمونه تشبيهاً، وإلا فالذي يأتي إلى القبر ويسأله أن يمده بالنصر وبالإغاثة وبالرزق وبالعطاء وبالنجاة وأن يتوسط له عند الله هذا هو المشبه حقاً، فقد شبه صاحب القبر برب العالمين في دعوته، وفي الطلب منه، وفي طلب ما لا يقدر عليه إلا رب العالمين تعالى وتقدس. ولهذا السبب أخبرنا ربنا جل وعلا عن الذين سموا المعبودات التي يتجهون إليها (آلهة) أن هذا كذب وزور، وأنها مجرد أسماء وضعت على مسماها، فقال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم:٢٣] يعني: ليس لها من معنى الإلهية شيء أبداً، إنما هو كذب وزور، فوضعت هذه الأسماء من أجل الكذب والتزوير والاعتقاد الباطل، وهذا في الواقع يختلف باختلاف الدعوات والاتجاهات.

стр. 33

وجوب الإخلاص لله الواجب على الإنسان أن يكون عبداً لله، وأن يخلص العبادة لله جل وعلا، وألا يكون قلبه وعمله مفرقاً بين معبودات شتى، والله لا يقبل من العباد إلا أن يعبدوه وحده، وكل القرآن في هذا المعنى كما ذكر ابن القيم؛ لأن القرآن لا يخلو إما أن يكون في أوصاف الله حتى يدعو ذلك إلى تعظيمه وتوقيره، ويدخل في أوصافه أفعاله تعالى وتقدس، أو يكون الأمر صراحة أن نخلص له العبادة، كقوله: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر:٢]، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة:٣١] في آيات كثيرة، فهذا واضح جداً، أو يكون في الأوامر والنواهي التي هي من حقوق هذا التوحيد، مثل إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم وفعل الخيرات كلها، وهذا كله من مكملات التوحيد، كما قال ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: (لا إله إلا الله)، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله)، (إلا بحقها) يعني: بحق (لا إله إلا الله)، فالذي -مثلاً- يمتنع عن الصلاة لم يؤد حقها، ولم يقم بحقها، وهكذا إذا امتنع من الواجبات الواجبة عليه لم يؤد حقها؛ لأنه أخل بها. أو يكون القرآن في الجزاء وما أعد الله جل وعلا لأهل التوحيد في الجنة، وما وعدهم به من النصر والتأييد في الدنيا، أو يذكر عقاب من خالف هذا التوحيد وتركه، فيذكر عقاب من ترك التوحيد وخالفه وعقابه في الدنيا أو في الآخرة، ويدخل في هذا قصص الأمم، وقصص الأنبياء، ويدخل فيه الوعد والوعيد. إذاً القرآن كله في التوحيد كما قال ابن القيم ﵀، وعلى هذا التفسير إذا تأمل الإنسان كتاب الله جل وعلا وجده لا يخرج عن ذلك.

стр. 34

إثبات الإلهية لله وحده قال الشارح ﵀: [قال شيخ الإسلام: التوحيد الذي جاءت به الرسل إنما يتضمن إثبات الإلهية لله وحده، بأن يشهد أن لا إله إلا الله، لا يعبد إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يوالي إلا له، ولا يعادي إلا فيه، ولا يعمل إلا لأجله، وذلك يتضمن إثبات ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل:٥١]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون:١١٧]، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥]، وأخبر عن كل نبي من الأنبياء أنهم دعوا الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤]، وقال عن المشركين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات:٣٥ - ٣٦]، وهذا في القرآن كثير]. وقال الله جل وعلا عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات:٣٥ - ٣٦]، فيجعلون الرسول شاعراً، ويجعلونه مجنوناً، وهذا اضطراب وتناقض، فكيف يكون شاعراً ويكون مجنوناً؟! فالمقصود أن الخلل في هذا أنهم يعرفون معنى (لا إله إلا الله)، فإذا قال لهم الرسول ﷺ : (قولوا: لا إله إلا الله)، عرفوا أن معنى ذلك إبطال ما هم عليه من الشرك ومن عبادة الأوثان؛ لأن كلمة (لا إله إلا الله) تتضمن الإثبات والنفي، إثبات إله واحد فقط، أن تثبت الإلهية له، وتنفي ذلك عن كل من سواه، نفى ثم حصر المثبت في إله واحد، وهو الله جل وعلا، فهم عرفوا أن معنى ذلك أنه لابد من الكفر بآلهتهم وإبطالها، ولهذا نفروا وأبوا، بخلاف المشركين في وقتنا -وللأسف- فهم يزعمون أنهم مسلمون، بل يظنون أنهم من أفضل الناس، وهم يأتون الشرك الأكبر، وكذلك كثير من الناس يكتفي بقول (لا إله إلا الله) ويقول: إن الرسول ﷺ قال: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة) فيأتي بما يناقض هذه الكلمة لأنه لا يعرف معناها، فهو ما عرف معنى الإله، ولا معنى العبادة، ولو عرف ما عرفه المشركون من هذه الكلمة لاجتنب عبادة القبور والأولياء التي يسمونها توسلاً، ويسمونها محبة الصالحين والتوسل بهم، وهم في الواقع يدعونهم، والدعاء هو العبادة كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره: (الدعاء هو العبادة). فهذا هو السبب الذي أوقعهم في الشرك وجعلهم لا يعرفون معنى هذه الكلمة، وقد علموا أنه لابد لقائل هذه الكلمة من معرفة معناها، وإلا فلا تفيد، فيصبح قوله لها -وهو يعمل هذا العمل- مثل الذي يقولوها وهو سكران، أي: يهذي بها هذياناً لا معنى له، ولا يعرف معناها، ومعلوم أن مثل هذا لا يستفيد من قوله لها، ولو كان قولها ينفع مجرد قول لكان ذلك ينفع اليهود، فاليهود يقولون: (لا إله إلا الله)، ولكنهم كفروا برسول الله ﷺ ، فهم من أهل النار، فالذي يقول: (لا إله إلا الله)، وهو يناقضها تماماً ويعبد آلهة أخرى غير الله لا تنفعه، وأي خير في مسلم يكون أبو جهل وأضرابه أعلم منه بكلمة التوحيد؟! ما فيه خير، هذا هو الواقع. فيجب على المسلم أن يعرف أصل دينه وجوباً، فما هي مسألة اختيار وأن الإنسان مخير في هذا، بل إذا ترك هذا عذب وهلك، فيجب على العاقل أن يهتم بهذا، وذلك أن الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١١٦]. فإذا كان هذا الأمر هكذا وأن الله لا يغفر للمشرك فالإنسان قد يقع في الشرك؛ لأنه إذا جهله يوشك أن يقع فيه وهو لا يدري، فيهلك بهذا السبب، وهذا أمر عام (إن الله لا يغفر أن يشرك به)، وكل الشرك أخبر الله أنه لا يغفره جل وعلا، والذنوب الأخرى ما عدا الشرك جعلها الله تحت مشيئته إذا شاء أن يغفرها غفرها، وأما الشرك فقطع قطعاً أنه غير مغفور. يقول كثير من الناس اليوم: أنا لا أسلم بأن التوسل بالصالحين والتشفع بهم شرك؛ لأن الشرك السجود للأصنام أو السجود للشمس، أو أن تعتقد أن هذا الذي تدعوه يحيي ويميت، أما إذا اعتقدت أن الذي يتفرد بالأحياء والإماتة هو الله فلا بأس أن تدعو الصالح من الأموات، فتدعوهم وتجعلهم وساطة بينك وبين الله، هكذا يقولون. فإذا كان إنسان يقول هذا القول وآخر يقول: إن هذا هو عين الشرك الذي جاءت الرسل بالنهي عنه، وهو الذي جعل الكفار في جهنم خالدين، ولا يوجد أحد يقول: إن أحداً من المخلوقين يحيي ويميت، إن شيئاً من الشجر يحيي ويميت أو من الأصنام التي هي حجر، أو أي شيء مصنوع، ما وجد أحد من العقلاء يقول هذا، فمعنى كلامك هذا أن المشركين كانوا يعتقدون أن الحجر الذي يعبدونه أو الشجر ويحيي ويميت، وهذا باطل، فإذا كان الأمر هكذا فيجب على الإنسان أن يبحث ويتأكد ويحتاط لنفسه، ولا يفرط في نفسه، فالنفس لا تعود، ولا توجد حياة أخرى، وإذا مات الإنسان وتبين له الحق لا يقول: أطلب الرجوع لأني عرفت الحق فأبدأ من جديد، هذا ليس لك، إذا فاتتك حياتك هذه فاتك كل شيء. فيجب على العبد أن يتعرف على الحق من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسوله ﷺ ومن سيرته، ولا يغتر بالكثرة، ولا يغتر بأي قائل يقول خلاف ما دل عليه كتاب الله كائناً من كان، ولا يغتر بأن هذا يوجد في بلاد المسلمين بكثرة، وأنه يوجد علماء معهم أعلى الشهادات يسكتون عنه ولا ينكرونه، ويقولون: هذا من جهل العوام، وهذا لا يدخل في الكفر. فلا يغتر بمثل هذا، الأمر ليس سهلاً، الله خلق العباد لعبادته وحده فقط، فمن صرف شيئاً من العبادة لغيره وقع في الشرك الأكبر، ثم مما يعين الإنسان على معرفة هذا هذه الآية وأمثالها: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات:٣٥ - ٣٦]، أي: إذا قلنا: (لا إله إلا الله) فمقتضاه أننا نترك آلهتنا، إذا قلنا هذه الكلمة يلزمنا أن نترك آلهتنا، وأن نجعل التأله لله وحده، وهذا الذي يقوله الرسول ﷺ ، وهو المطلوب من كل إنسان، وهو الذي تقوله الرسل كلها، كل رسول يقول: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]. فمعنى قولهم: (اعبدوا الله) هو شطر الكلمة: (إلا الله)، وقولهم: (مالكم من إله غيره) هو معنى: (لا إله)، فهذا معنى: (لا إله إلا الله) الذي جاءت به الرسل، وكلهم اتفقوا على هذا، وآخرهم وخاتمهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين يقول: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)، ولما سأل هرقل أبا سفيان -وكان مشركاً في ذلك الوقت- ماذا يقول، وما يأمركم به قال: يقول: قولوا: (لا إله إلا الله)، ويأمرنا بعبادة الله، وترك ما كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بصلة الأرحام. والتوحيد أعظم ما أمر الله جل وعلا به، ثم من مقتضى هذا أن يكفر الإنسان بكل معبود عبد من دون الله ويتبرأ منه؛ لأن الذي يعبد من دون الله هو الطاغوت، كما قال الله جل وعلا في هذه الآية: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤]، ثم استثنى جل وعلا من ذلك ما لا يكون لنا أسوة فيه فقال: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة:٤]، ففي هذا لا تتأسوا به، فلا تستغفروا للمشركين، وهذا جاء صريحاً في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة:١١٣ - ١١٤]، فالإنسان لا يقول: أنا غير مكلف بمعاداة الناس، بل أنت مكلف بذلك، فالله كلفك أن تعادي أعداء الله؛ لأن الذي يوالي أعداء الله جل وعلا يكون بعيداً عن الله؛ لأن العبادة هي الحب القلبي، حب الخضوع والذل والتعظيم، هذه هي حقيقة العبادة، فكيف تحب عدو الله، هذا لا يمكن؛ ولهذا يقول جل وعلا: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦]، وسيأتينا تفسير الطاغوت

стр. 35

خطأ من يظن أن التوحيد هو توحيد الربوبية فقط قال الشارح ﵀: [وليس المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية، وهو اعتقاد أن الله وحده خلق العالم، كما يظن ذلك من يظنه من أهل الكلام والتصوف، ويظن هؤلاء أنهم إذا أثبتوا ذلك بالدليل فقد أثبتوا غاية التوحيد، وأنهم إذا شهدوا هذا وفنوا فيه فقد فنوا في غاية التوحيد، فإن الرجل لو أقر بما يستحقه الرب تعالى من الصفات، ونزهه عن كل ما ينزه عنه وأقر بأنه وحده خالق كل شيء لم يكن موحداً حتى يشهد بأن لا إله إلا الله وحده، فيقر بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة، ويلتزم بعبادة الله وحده لا شريك له، والإله هو المألوه المعبود الذي يستحق العبادة، وليس هو الإله بمعنى القادر على الاختراع، فإذا فسر المفسر الإله بمعنى القادر على الاختراع واعتقد أن هذا المعنى هو أخص وصف الإله، وجعل إثبات هذا هو الغاية في التوحيد، كما يفعل ذلك من يفعله من متكلمة الصفاتية، وهو الذي يقولونه عن أبي الحسن وأتباعه لم يعرف حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله ﷺ ، فإن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء، وكانوا مع هذا مشركين، قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]. قالت طائفة من السلف: تسألهم: من خلق السموات والأرض؟ فيقولون: الله، وهم مع هذا يعبدون غيره، قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٩]]. المتكلمون جعلوا توحيد الربوبية غاية التوحيد، ويستدلون على توحيد الربوبية بالأدلة العقلية التي اتخذها المتكلمون أصلاً في هذا، وبنوا عليها الحكم على الناس، وقالوا: إن أول واجب على العبد النظر في هذا الشيء، يجب عليه أن يتجه للنظر وإثباته بالدليل، فإن لم يفعل هذا فليس بمؤمن. والواقع أن الذي يقولونه لا يكفي في النجاة؛ لأن النظر الذي أرادوه وقالوه وأثبتوه، كله في إثبات الربوبية؛ لأنهم قالوا: هذه المخلوقات تدل على الخالق؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يكون أوجد نفسه، ولا يمكن أن يكون أوجده موجد مثله، وكل محدث لابد له من محدث، والمحدث يجب أن ينتهي إلى محدث قادر كامل، أول بلا بداية وآخر بلا نهاية؛ لأنه غني بنفسه عن كل ما سواه، وأدى النظر إلى هذا في النظر في المخلوقات وفي أنفسهم وفيما حولهم من المخلوقات وفي الآفاق، وهذا جعلوه هو الغاية في التوحيد، والواقع أن هذا لا يكفي، والفناء الذي يقوله بعض الصوفية المقصود به أن يكون نهاية عمله وغاية مقصده في هذا، يعني أنه يجتهد كل الاجتهاد في هذا، والواقع أنه قد يفنى في هذا وهو مشرك بالله يعبد غيره؛ ولهذا أدى هذا الأمر بكثير منهم إلى الزندقة والخروج من الدين الإسلامي، فيقول مثلاً: أنا أتقلب في طاعة الله دائماً؛ لأني ما أخرج عن إرادته وعن مشيئته، فمثلاً الصلاة مأمور بها شرعاً، فإذا لم يصل يقول: إن الله شاء ذلك مني وأراده، فإذاً: أنا مطيع لإرادة الله الكونية القدرية، فأنا في طاعة، هذه نتائج النظر، وهل المقصود النظر في هذا فقط؟ لا. يقول ابن إسرائيل الذي يجعلونه من العارفين: أصبحت فعلاً لما يراد بي ففعلي كله طاعات كل فعله طاعات، حتى الكفر يكون طاعة عنده! وكذلك غيره، وهؤلاء المتكلمون يجعلون معنى الإله: القادر على الخلق والإيجاد والإحياء والإماتة، ويسمونه القادر على الاختراع، وهذا هو معنى الإله عندهم، وهذا في الواقع كذب على اللغة وعلى الشرع، وليس هذا معناه، وإنما معنى (الإله) المعبود، وليس معناه الرب؛ لأن الرب هو المالك المتصرف الذي يتصرف في الشيء ويملكه، ويفعل فيه ما يريد، ومعنى الرب غير معنى الله، معنى الله هو الألوهية والعبودية، والله طلب من الخلق أن يعبدوه وأن يوحدوه، فالمقصود أن الذي جعلهم يقولون هذا القول هو كونهم اعتمدوا على عقولهم، والعقول غايتها أن تدل على وجود الله فقط، أما أن تدل على بيان حقوقه، فهذا لا يدل عليه إلا الوحي الذي جاءت به الرسل. وفي الجملة يلزم من كونه الرب أن تعبده وحده، ولكن من يعرف العبادة؟ العبادة تتوقف على الشرع، فمن العبادة الشرعية الإخلاص في كل عمل يصدر من الإنسان، فيريد به الثواب، والعبادة لابد أن يأتي بها الأمر من الله جل وعلا، وهذا يتوقف على الشرع، وهذا في الواقع وإلا فأقسام التوحيد متلازمة، لا ينفك واحد عن الثاني. وقولهم: الإله هو القادر على الاختراع، وإن هذا من أخص خصائص الإله يلزم منه أن يوحدوه، وأن يعبدوه وحده، وألا يتجهوا بقصدهم ونياتهم وأفعالهم إلى شيء آخر، كما قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١ - ٢٢]، فألزمهم الله جل وعلا بأن تكون العبادة له وحده؛ لإقرارهم بأنه هو الذي خلقهم وخلق من قبلهم، وهو الذي جعل الأرض على هذه الصفة، وهو الذي ينبت النبات، وهو الذي يرزقهم، ألزمهم بإقرارهم هذا أن يعبدوه وحده، وهكذا في آيات كثيرة يجعل ربنا جل وعلا إقرارهم بتوحيد الربوبية ملزماً لهم بأن يعبدوا وحده، كقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٢]، وهم اتخذوا مع الله آلهة، فالله ينكر عليهم هذا، وهذا في الواقع كثير في القرآن، ولكن الذي جعل المتكلمين يقولون هذا القول هو إعراضهم عن القرآن وعدم تأملهم له، وزعمهم أن في القرآن ظواهر لا تدل على التوحيد، عكس ما كان عليه السلف. فالحقيقية والواقع أن اليقين هو الذي جاء به القرآن، وجاء به الرسول ﷺ ، لا ما دل عليه العقل، وهم يؤصلون في هذا أصولاً يتبنونها، ويقولون: عرفنا صدق الرسول ﷺ بعقولنا، فالعقل هو الذي ميز بين الساحر والكاهن والمتنبي والنبي، عرفنا ذلك بعقولنا، فإذا كان أصل معرفة الرسول بالعقل فيكون العقل هو الأصل. فلا يجوز أن يجعل الفرع حاكماً على الأصل، وهذا مبدأ اعتقادهم، هذا من ناحية، وهذا في الواقع ضلال، فالله جل وعلا يأمر رسوله ﷺ أن يقول: ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ:٥٠]، يعني: هداية الرسول ﷺ بالوحي الذي جاءه من الله، ولا يمكن لأحد غير الرسول أن يهتدي بغير الوحي، لا يمكن أبداً، فالهدى لا يكون إلا بالوحي، ولكن العقل يكون مساعداً؛ لأن الوحي لا يأتي مخالفاً للعقل. فالمقصود أن الواجب على العبد أن يتعرف على دعوة الرسول ﷺ ، ويعلم أن نجاته بها، ولن تكون له نجاة وهو يجعل عقله دليلاً، أو يجعل شيخه هو الذي يعرف الحق فقط ويترسم طريقه، والله جل وعلا يقول: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥]، وهذا عام شامل في العقائد وفي الأفعال وفيما يحدث من النزاع والشجار بين الخلق وفي كل شئون الحياة، يجب أن يكون الوحي هو الحاكم والمسيطر على عقيدتك وعلى عملك وعلى سلوكك وعلى معاملتك مع الناس، يجب أن يكون هو الحاكم المسيطر على ذلك، وإلا فيكون الإنسان على خطر شديد.

стр. 36

إقرار المشركين بتوحيد الربوبية وشركهم في توحيد الإلهية قال الشارح ﵀: [وعامة المشركين أقروا بأن الله خالق كل شيء، وأثبتوا الشفعاء الذين يشركونهم به، وجعلوا له أنداداً، قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الزمر:٤٣ - ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس:١٨]]. قوله تعالى في هذه الآية: (قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ) الذي لا يعلمه الله جل وعلا ليس له وجود أصلاً، فهذا إبطال بليغ لدعوتهم الشفعاء، يعبدون من دون الله الذين يتخذونهم من الأصنام ومن الأشخاص ومن غير ذلك، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، ويقول الله جل وعلا آمراً رسوله: (قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ)، فهل يمكن أن يكون شيء في السماء أو في الأرض لا يعلمه الله؟ لا يمكن أن يوجد شيء في السماء في الأرض إلا ويعلمه الله، والله جل وعلا لا يعلم آلهة في السماء ولا في الأرض، وأن هناك من يشفع دونه، فمعنى هذا أنه لا وجود له أصلاً. وقوله في الآية الأولى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر:٤٣] يقول المفسرون: كل ما جاء من القرآن (أم) فمعناها: بل، أي: بل اتخذوا من دون الله شفعاء. يقول جل وعلا: (أم تخذوا من دون الله شفعاء) مع أنهم لا يملكون شيئاً ولا يعقلون؛ لأنهم إما حجر وإما شجر وإما ميت لا يسمع ما يقال نحو ويدعى به، ولو سمع ما استطاع أن يجيب، بل لا يستطيع أن ينفع نفسه، فإذاً دعوتهم ذاهبة في ضلال في الواقع، فكيف يجوز للعاقل أن يسلك هذا المسلك؟ ثم يقول جل وعلا بعدها: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٤]، فهذا عموم لا يخرج منه شيء، كل شفاعة تقع يوم القيامة هي لله، والمعنى أنه لا تقع شفاعة عند الله جل وعلا إلا إذا أمر الشافع أن يشفع، والله جل وعلا لا يأمر الأصنام أن تشفع، ولا يأمر المعبودات دونه أن تشفع لأحد.

стр. 37

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٤] خلق الله الجن والإنس لعبادته سبحانه، وليس معنى هذا أنه محتاج إليهم، بل هو الغني العزيز، وإنما خلقهم ليبتليهم، فمن أطاع فله الجنة ومن عصى فله النار. والعبادة لا تكون صحيحة ومقبولة إلا بشرطين أساسيين هما: الإخلاص والمتابعة.

стр. 38

الحكمة من خلق الثقلين قال المصنف ﵀: [وقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]]. في هذه الآية بيان العلة التي من أجلها خُلق الجن والإنس، وهي أن الله جل وعلا خلقهم ليعبدوه، ولهذا قال بعدها: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٧ - ٥٨]، والمعنى أن الله جل وعلا خلقهم للعبادة، وتكفل بما يلزم لحياتهم من الأرزاق والمعافاة في الأبدان وما يصون حياتهم إلى أن يأتي الأجل الذي قدره الله جل وعلا، وليس الرب جل وعلا في خلقه وإيجاده العباد يُقاس على الذين يكتسبون العباد ليكونوا عزاً لهم وقوة أو يتعززون ويتكثرون بهم عند الحاجة، فالله جل وعلا غني بنفسه عن كل ما سواه، وليس هو جل وعلا بحاجة إلى العباد وإلى عبادتهم، وإنما خلقهم ليبتليهم، كما قال جل وعلا في الآية الأخرى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢]، ومن المعلوم أن الله جل وعلا يعلم كل شيء، وعلمه جل وعلا أزلي لا يمكن أن يستجد له علم بعد أن لم يكن، تعالى وتقدس، فعلمه كامل تام في الأزل، وكل الغيوب عنده مثل المشاهدة، وكل ما سيقع قد علمه أزلاً. يعني أنه علم من يعبد ممن لا يعبد قبل أن يخلقهم، وقد ضل في معنى هذه الآية كثير من المتكلمين الذين يقولون: هذا خبر من الله وقد خالف الواقع، فالله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، والواقع أن أكثر الناس لا يعبدون، فأين صدق هذا الخبر؟ فنقول: ليس هذا هو المقصود بالآية، بل الآية معناها أن الله جل وعلا أخبرنا أنه خلقنا، وأنه خلقنا لعبادته، ولكن وكَّل العبادة إلينا وطلبها منا، وذلك أن الله جل وعلا جعل في المخلوق عقلاً وفكراً واختياراً وقدرة، وكلفه بالشيء الذي يستطيع فعله، وأمره بأوامر محددة، والناس كلهم بالنسبة للأوامر سواء، فلا تمييز بين كافر ومؤمن. وقد أخبرنا ربنا جل وعلا على لسان رسوله ﷺ أن هذا في أمور خمسة فقط: عبادة الله وحده لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً، وهذه الأمور الخمسة الناس ليسوا فيها سواءً أيضاً؛ لأن بعضهم لا تجب عليه كلها. أما العبادة فلا يخرج منها أحد من الخلق، فما دام الإنسان قد وصل إلى العقل ووجدت عنده المقدرة فإنه يجب أن يلتزم بعبادة الله دائماً وأبداً، وكلما ازداد علم الإنسان بالله جل وعلا زادت العبادة والخشية عنده، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] يعني: الخشية التي يستحقها. وإلا فالخشية توجد من غير العلماء أيضاً، ولكن الخشية الواجبة، فإذا ازداد علم الإنسان ازداد خشية، ولهذا يقول الرسول ﷺ : (إني أتقاكم لله وأخشاكم له)، وذلك لأنه ﷺ أعلم الخلق بالله جل وعلا، فالخشية الواجبة لا تنفك عن الإنسان، والعبادة هي كل عمل يفعله الإنسان يتقرب به إلى الله، فيجب أن يكون خالصاً لله، كل عمل تفعله تطلب به الثواب وكل شيء تتركه وتخاف أنك لو فعلته لعوقبت فهذا يكون عبادة، فيجب أن تكون العبادة لله وحده، ولا يُشرَك في عبادته شيء لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، وهذا أمر يعم الخلق كلهم. والذين يقولون: إن الإنسان إذا ترقى في العلم ووصل إلى درجة العلم اللدني يسقط عنه التكليف هؤلاء يكونون بهذا القول كفاراً خارجين من الدين الإسلامي باتفاق العلماء، ويستدلون على هذا القول الكفري بقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] وما أشبه ذلك من التحريفات، ويقولون: اليقين هو العلم اليقيني الذي تصل به إلى درجة أنك تشاهد الأشياء، فتشاهد ربك، وتشاهد الملائكة، وتشاهد الجنة، وتشاهد النار، والواقع أن الإنسان إذا وصل إلى هذه الحالة فمعنى ذلك أنه يشاهد ربه الذي هو الشيطان، يشاهده على كرسي يجلس بين السماء والأرض أو يجلس على البحر ويزين له أشياء، فيقول له: هذه الجنة وهذه النار، وهذا كذا وكذا، هذا هو الواقع، وأما الآية فمعناها: واعبد ربك حتى يأتيك الموت. أما بقية الأمور الخمسة فإنه إذا عقل الإنسان وصار مميزاً أمر بالصلاة، وإن كانت لا تجب عليه تدريباً له وتأنيساً، حتى لا ينفر منها ولا تأتيه الأمور بغتة فلا يستطيع القيام بها، وإنما تجب عليه إذا بلغ سن التكليف، ولا تسقط الصلاة بحال إذا وجبت، وما دام عقله موجوداً، فالصلاة واجبة عليه، وهذا يشمل كل إنسان إلا المرأة الحائض والنفساء، والله جل وعلا رحيم، فإذا استطاع الإنسان أن يصلي الصلاة المطلوبة وهو قائم ويركع ويسجد فهذا فرض، وإن لم يستطع صلى وهو جالس، فإن لم يستطع صلى وهو على جنبه، يومئ برأسه إن استطاع أو بعينه بالنية، وإن استطاع أن يتوضأ وجب عليه، وإن لم يستطع تيمم، فما دام عقله موجوداً فالصلاة واجبة عليه. أما الزكاة فلا تجب إلا على صاحب المال، ولا تجب على المسلمين كلهم، فالذي عنده مال ويبلغ النصاب وحال عليه الحول يجب عليه الزكاة. وأما الصوم فقد خفف الله جل وعلا عن عباده فجعل الصوم الواجب شهراً في السنة فقط، إلا أن يوجب الإنسان على نفسه شيئاً من نذر وما أشبه ذلك، ثم هو لا يجب إلا على المكلفين العقلاء، ثم إذا مرض الإنسان فإن الله جل وعلا قد رخص له أن يفطر ويأكل ويتقوى ويصوم أياماً أخر، وكذلك المسافر. وأما الحج فلا يجب إلا على من يستطيع ببدنه وبماله ويأمن طريقه ويجد النفقة لمن يعولهم حتى يرجع، وإذا تخلف شرط من هذه الشروط فالحج ليس واجباً، ولو مات ولم يحج فليس عليه شيء، ولا يجب أن يُحج عنه، والمرأة تزيد على هذا أن تجد لها محرماً ممن تحرم عليه على التأبيد من ابن أو أخ ونحوهما، وكذلك زوجها، ويشترط أن يذهب معها حتى ترجع، فإذا لم تجد محرماً فلا يجب عليها الحج، ولو ماتت ولم تحج على هذه الحالة فليس عليها حج. فهذه الأمور الخمسة هي التي رُتب عليها دخول الجنة، فإذا جاء بها الإنسان فقد جاء بالحق الواجب عليه الذي أوجبه الله عليه، وهل هذا صعب؟ الجواب لا. بل هو سهل جداً، ولكن على من سهله الله عليه، وهذه الأمور جُعلت للناس عامة لم يُخص بها إنسان دون آخر، فلهذا نقول: إن قوله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] يبين، أن الله خلقهم وأخرجهم من العدم إلى الوجود بالطريقة التي أخبرنا جل وعلا بها، وطلب منهم العبادة، وأخبرهم أنه خلقهم لعبادته، ونهاهم أن يعبدوا غيره، وتوعدهم إذا عبدوا غيره، وأراهم ما حل بالكافرين الذي يعبدون غيره من العقاب والعذاب، وكذلك قدم إليهم بالوحي على ألسنة الرسل أن من عبد غير الله فإنه يخلد في جهنم ما دامت السماوات والأرض، فبعد هذا لا يكون للإنسان أي عذر في تركه العبادة وقد وكِّل الأمر إليه، فقيل له: هذه الأمور المطلوبة منك افعلها إن شئت أو لا تفعلها، فإن فعلتها أكرمت وأثبت ونعمت في الدنيا والآخرة، وإن لم تفعلها أهنت وعوقبت وعذبت العذاب الأليم الذي لا يطيقه أحد حتى الجبال، ثم بعد ذلك خُلي الأمر وتُرك إليه؛ لأن عنده الاختيار وعنده المقدرة وعنده الاستطاعة، ولم يكلف الله نفساً إلا ما يسعها وما تطيقه وما تستطيعه. فإذاً يكون معنى الآية واضحاً، وهو أن الله خلقنا وأوجدنا من العدم وطلب منا أن نعبده، كما قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] يعني أن الغاية من خلقهم والحكمة من إيجادهم هي العبادة، ثم جعل العبادة إليهم فإن فعلوها فقد فعلوا ما طلب منهم وبه تكون سعادتهم، وإن لم يفعلوها فقد توعدوا وسوف يلقون جزاءهم، وهذا كقوله جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٤] فقوله: (ليطاع) هل كل أحد يطيع الرسول؟! الجواب لا. بل أكثر الناس لا يطيعونه، ولكن هذا لا يمنع أن تكون الحكمة لأجل الطاعة، فعلى هذا يكون المعنى جلياً وواضحاً.

стр. 39

شبهة والرد عليها وليس في الآية إشكال، كما يقول كثير من الناس: إن هذه من المشكلات؛ لأن الله أخبر أنه خلق الخلق للعبادة فتخلفت العبادة وما وجدت من أكثر الناس، وإنما وقعت العبادة من بعضهم، فكيف يخبر الرب جل وعلا بشيء خلاف الواقع؟ فنقول كما تقدم: هذا ليس هو المقصود بالآية، وإنما المقصود بالآية أن ربنا جل وعلا يخبرنا أن الذي خلقنا له هو العبادة، ووكل الأمر إلينا، فإن فعلنا العبادة استحققنا جزاء ربنا في الثواب، وإن لم نفعله فإن الله جل وعلا يعاقبنا؛ لأن هذا هو معنى التكليف، ولا ينافي هذا كون الرب جل وعلا علم كل شيء، ولكن لتمام عدله جل وعلا لا يؤاخذ إلا بالفعل الذي يُفعل، ولا يؤاخذ بعلمه، فإنه علم كل شيء قبل وجود الخلق، يعلم أن هذا المخلوق سوف يولد وسوف يعبد أو لا يعبد، وكل هذا مكتوب في اللوح المحفوظ، كتبه الله جل وعلا قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، أما علمه فلا حد له، وعلمه أزلي، علم كل شيء في الأزل تعالى وتقدس، ولكن لتمام عدله فإنه لا يؤاخذ إلا على العمل البارز المشاهد الذي يعمله الإنسان، كما في الحديث الصحيح قال الرسول ﷺ : (وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا شبر أو ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا شبر أو ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)، يعني: ما أحد يدخل الجنة إلا بعمله، ولا أحد يدخل النار إلا بعمله الذي يعمله، فالله يأخذ الإنسان بعمله؛ لأنه ركب فيه العقل والاختيار والقدرة وأمره بما يستطيعه، فإذا فعل ذلك فهذا عنوان الامتثال والطاعة، وإذا امتنع فهذا عنوان الشقاء والمعصية والإباء، وبهذا يتبين لنا معنى الآية. قال الشارح ﵀: [بالجر عطف على التوحيد، ويجوز الرفع على الابتداء]. يعني قوله: [وقوله تعالى] بعد قوله: [كتاب التوحيد]، فكتاب مبتدأ، وهو مضاف والتوحيد مضاف إليه، و (قوله): يكون معطوفاً على المضاف عليه فيكون مجروراً، ويجوز أن يرفع فيكون (وقولُه)، فيكون معطوفاً على الخبر المقدر.

стр. 40

العبادة
следующие страницы →