← Акыда

Акыда · id 37166

شرح فتح المجيد للغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (2 090 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

إقرار المشركين بتوحيد الربوبية وشركهم في توحيد الإلهية قال الشارح ﵀: [وعامة المشركين أقروا بأن الله خالق كل شيء، وأثبتوا الشفعاء الذين يشركونهم به، وجعلوا له أنداداً، قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الزمر:٤٣ - ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس:١٨]]. قوله تعالى في هذه الآية: (قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ) الذي لا يعلمه الله جل وعلا ليس له وجود أصلاً، فهذا إبطال بليغ لدعوتهم الشفعاء، يعبدون من دون الله الذين يتخذونهم من الأصنام ومن الأشخاص ومن غير ذلك، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، ويقول الله جل وعلا آمراً رسوله: (قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ)، فهل يمكن أن يكون شيء في السماء أو في الأرض لا يعلمه الله؟ لا يمكن أن يوجد شيء في السماء في الأرض إلا ويعلمه الله، والله جل وعلا لا يعلم آلهة في السماء ولا في الأرض، وأن هناك من يشفع دونه، فمعنى هذا أنه لا وجود له أصلاً. وقوله في الآية الأولى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر:٤٣] يقول المفسرون: كل ما جاء من القرآن (أم) فمعناها: بل، أي: بل اتخذوا من دون الله شفعاء. يقول جل وعلا: (أم تخذوا من دون الله شفعاء) مع أنهم لا يملكون شيئاً ولا يعقلون؛ لأنهم إما حجر وإما شجر وإما ميت لا يسمع ما يقال نحو ويدعى به، ولو سمع ما استطاع أن يجيب، بل لا يستطيع أن ينفع نفسه، فإذاً دعوتهم ذاهبة في ضلال في الواقع، فكيف يجوز للعاقل أن يسلك هذا المسلك؟ ثم يقول جل وعلا بعدها: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٤]، فهذا عموم لا يخرج منه شيء، كل شفاعة تقع يوم القيامة هي لله، والمعنى أنه لا تقع شفاعة عند الله جل وعلا إلا إذا أمر الشافع أن يشفع، والله جل وعلا لا يأمر الأصنام أن تشفع، ولا يأمر المعبودات دونه أن تشفع لأحد.

стр. 37

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٤] خلق الله الجن والإنس لعبادته سبحانه، وليس معنى هذا أنه محتاج إليهم، بل هو الغني العزيز، وإنما خلقهم ليبتليهم، فمن أطاع فله الجنة ومن عصى فله النار. والعبادة لا تكون صحيحة ومقبولة إلا بشرطين أساسيين هما: الإخلاص والمتابعة.

стр. 38

الحكمة من خلق الثقلين قال المصنف ﵀: [وقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]]. في هذه الآية بيان العلة التي من أجلها خُلق الجن والإنس، وهي أن الله جل وعلا خلقهم ليعبدوه، ولهذا قال بعدها: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٧ - ٥٨]، والمعنى أن الله جل وعلا خلقهم للعبادة، وتكفل بما يلزم لحياتهم من الأرزاق والمعافاة في الأبدان وما يصون حياتهم إلى أن يأتي الأجل الذي قدره الله جل وعلا، وليس الرب جل وعلا في خلقه وإيجاده العباد يُقاس على الذين يكتسبون العباد ليكونوا عزاً لهم وقوة أو يتعززون ويتكثرون بهم عند الحاجة، فالله جل وعلا غني بنفسه عن كل ما سواه، وليس هو جل وعلا بحاجة إلى العباد وإلى عبادتهم، وإنما خلقهم ليبتليهم، كما قال جل وعلا في الآية الأخرى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢]، ومن المعلوم أن الله جل وعلا يعلم كل شيء، وعلمه جل وعلا أزلي لا يمكن أن يستجد له علم بعد أن لم يكن، تعالى وتقدس، فعلمه كامل تام في الأزل، وكل الغيوب عنده مثل المشاهدة، وكل ما سيقع قد علمه أزلاً. يعني أنه علم من يعبد ممن لا يعبد قبل أن يخلقهم، وقد ضل في معنى هذه الآية كثير من المتكلمين الذين يقولون: هذا خبر من الله وقد خالف الواقع، فالله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، والواقع أن أكثر الناس لا يعبدون، فأين صدق هذا الخبر؟ فنقول: ليس هذا هو المقصود بالآية، بل الآية معناها أن الله جل وعلا أخبرنا أنه خلقنا، وأنه خلقنا لعبادته، ولكن وكَّل العبادة إلينا وطلبها منا، وذلك أن الله جل وعلا جعل في المخلوق عقلاً وفكراً واختياراً وقدرة، وكلفه بالشيء الذي يستطيع فعله، وأمره بأوامر محددة، والناس كلهم بالنسبة للأوامر سواء، فلا تمييز بين كافر ومؤمن. وقد أخبرنا ربنا جل وعلا على لسان رسوله ﷺ أن هذا في أمور خمسة فقط: عبادة الله وحده لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً، وهذه الأمور الخمسة الناس ليسوا فيها سواءً أيضاً؛ لأن بعضهم لا تجب عليه كلها. أما العبادة فلا يخرج منها أحد من الخلق، فما دام الإنسان قد وصل إلى العقل ووجدت عنده المقدرة فإنه يجب أن يلتزم بعبادة الله دائماً وأبداً، وكلما ازداد علم الإنسان بالله جل وعلا زادت العبادة والخشية عنده، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] يعني: الخشية التي يستحقها. وإلا فالخشية توجد من غير العلماء أيضاً، ولكن الخشية الواجبة، فإذا ازداد علم الإنسان ازداد خشية، ولهذا يقول الرسول ﷺ : (إني أتقاكم لله وأخشاكم له)، وذلك لأنه ﷺ أعلم الخلق بالله جل وعلا، فالخشية الواجبة لا تنفك عن الإنسان، والعبادة هي كل عمل يفعله الإنسان يتقرب به إلى الله، فيجب أن يكون خالصاً لله، كل عمل تفعله تطلب به الثواب وكل شيء تتركه وتخاف أنك لو فعلته لعوقبت فهذا يكون عبادة، فيجب أن تكون العبادة لله وحده، ولا يُشرَك في عبادته شيء لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، وهذا أمر يعم الخلق كلهم. والذين يقولون: إن الإنسان إذا ترقى في العلم ووصل إلى درجة العلم اللدني يسقط عنه التكليف هؤلاء يكونون بهذا القول كفاراً خارجين من الدين الإسلامي باتفاق العلماء، ويستدلون على هذا القول الكفري بقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] وما أشبه ذلك من التحريفات، ويقولون: اليقين هو العلم اليقيني الذي تصل به إلى درجة أنك تشاهد الأشياء، فتشاهد ربك، وتشاهد الملائكة، وتشاهد الجنة، وتشاهد النار، والواقع أن الإنسان إذا وصل إلى هذه الحالة فمعنى ذلك أنه يشاهد ربه الذي هو الشيطان، يشاهده على كرسي يجلس بين السماء والأرض أو يجلس على البحر ويزين له أشياء، فيقول له: هذه الجنة وهذه النار، وهذا كذا وكذا، هذا هو الواقع، وأما الآية فمعناها: واعبد ربك حتى يأتيك الموت. أما بقية الأمور الخمسة فإنه إذا عقل الإنسان وصار مميزاً أمر بالصلاة، وإن كانت لا تجب عليه تدريباً له وتأنيساً، حتى لا ينفر منها ولا تأتيه الأمور بغتة فلا يستطيع القيام بها، وإنما تجب عليه إذا بلغ سن التكليف، ولا تسقط الصلاة بحال إذا وجبت، وما دام عقله موجوداً، فالصلاة واجبة عليه، وهذا يشمل كل إنسان إلا المرأة الحائض والنفساء، والله جل وعلا رحيم، فإذا استطاع الإنسان أن يصلي الصلاة المطلوبة وهو قائم ويركع ويسجد فهذا فرض، وإن لم يستطع صلى وهو جالس، فإن لم يستطع صلى وهو على جنبه، يومئ برأسه إن استطاع أو بعينه بالنية، وإن استطاع أن يتوضأ وجب عليه، وإن لم يستطع تيمم، فما دام عقله موجوداً فالصلاة واجبة عليه. أما الزكاة فلا تجب إلا على صاحب المال، ولا تجب على المسلمين كلهم، فالذي عنده مال ويبلغ النصاب وحال عليه الحول يجب عليه الزكاة. وأما الصوم فقد خفف الله جل وعلا عن عباده فجعل الصوم الواجب شهراً في السنة فقط، إلا أن يوجب الإنسان على نفسه شيئاً من نذر وما أشبه ذلك، ثم هو لا يجب إلا على المكلفين العقلاء، ثم إذا مرض الإنسان فإن الله جل وعلا قد رخص له أن يفطر ويأكل ويتقوى ويصوم أياماً أخر، وكذلك المسافر. وأما الحج فلا يجب إلا على من يستطيع ببدنه وبماله ويأمن طريقه ويجد النفقة لمن يعولهم حتى يرجع، وإذا تخلف شرط من هذه الشروط فالحج ليس واجباً، ولو مات ولم يحج فليس عليه شيء، ولا يجب أن يُحج عنه، والمرأة تزيد على هذا أن تجد لها محرماً ممن تحرم عليه على التأبيد من ابن أو أخ ونحوهما، وكذلك زوجها، ويشترط أن يذهب معها حتى ترجع، فإذا لم تجد محرماً فلا يجب عليها الحج، ولو ماتت ولم تحج على هذه الحالة فليس عليها حج. فهذه الأمور الخمسة هي التي رُتب عليها دخول الجنة، فإذا جاء بها الإنسان فقد جاء بالحق الواجب عليه الذي أوجبه الله عليه، وهل هذا صعب؟ الجواب لا. بل هو سهل جداً، ولكن على من سهله الله عليه، وهذه الأمور جُعلت للناس عامة لم يُخص بها إنسان دون آخر، فلهذا نقول: إن قوله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] يبين، أن الله خلقهم وأخرجهم من العدم إلى الوجود بالطريقة التي أخبرنا جل وعلا بها، وطلب منهم العبادة، وأخبرهم أنه خلقهم لعبادته، ونهاهم أن يعبدوا غيره، وتوعدهم إذا عبدوا غيره، وأراهم ما حل بالكافرين الذي يعبدون غيره من العقاب والعذاب، وكذلك قدم إليهم بالوحي على ألسنة الرسل أن من عبد غير الله فإنه يخلد في جهنم ما دامت السماوات والأرض، فبعد هذا لا يكون للإنسان أي عذر في تركه العبادة وقد وكِّل الأمر إليه، فقيل له: هذه الأمور المطلوبة منك افعلها إن شئت أو لا تفعلها، فإن فعلتها أكرمت وأثبت ونعمت في الدنيا والآخرة، وإن لم تفعلها أهنت وعوقبت وعذبت العذاب الأليم الذي لا يطيقه أحد حتى الجبال، ثم بعد ذلك خُلي الأمر وتُرك إليه؛ لأن عنده الاختيار وعنده المقدرة وعنده الاستطاعة، ولم يكلف الله نفساً إلا ما يسعها وما تطيقه وما تستطيعه. فإذاً يكون معنى الآية واضحاً، وهو أن الله خلقنا وأوجدنا من العدم وطلب منا أن نعبده، كما قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] يعني أن الغاية من خلقهم والحكمة من إيجادهم هي العبادة، ثم جعل العبادة إليهم فإن فعلوها فقد فعلوا ما طلب منهم وبه تكون سعادتهم، وإن لم يفعلوها فقد توعدوا وسوف يلقون جزاءهم، وهذا كقوله جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٤] فقوله: (ليطاع) هل كل أحد يطيع الرسول؟! الجواب لا. بل أكثر الناس لا يطيعونه، ولكن هذا لا يمنع أن تكون الحكمة لأجل الطاعة، فعلى هذا يكون المعنى جلياً وواضحاً.

стр. 39

شبهة والرد عليها وليس في الآية إشكال، كما يقول كثير من الناس: إن هذه من المشكلات؛ لأن الله أخبر أنه خلق الخلق للعبادة فتخلفت العبادة وما وجدت من أكثر الناس، وإنما وقعت العبادة من بعضهم، فكيف يخبر الرب جل وعلا بشيء خلاف الواقع؟ فنقول كما تقدم: هذا ليس هو المقصود بالآية، وإنما المقصود بالآية أن ربنا جل وعلا يخبرنا أن الذي خلقنا له هو العبادة، ووكل الأمر إلينا، فإن فعلنا العبادة استحققنا جزاء ربنا في الثواب، وإن لم نفعله فإن الله جل وعلا يعاقبنا؛ لأن هذا هو معنى التكليف، ولا ينافي هذا كون الرب جل وعلا علم كل شيء، ولكن لتمام عدله جل وعلا لا يؤاخذ إلا بالفعل الذي يُفعل، ولا يؤاخذ بعلمه، فإنه علم كل شيء قبل وجود الخلق، يعلم أن هذا المخلوق سوف يولد وسوف يعبد أو لا يعبد، وكل هذا مكتوب في اللوح المحفوظ، كتبه الله جل وعلا قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، أما علمه فلا حد له، وعلمه أزلي، علم كل شيء في الأزل تعالى وتقدس، ولكن لتمام عدله فإنه لا يؤاخذ إلا على العمل البارز المشاهد الذي يعمله الإنسان، كما في الحديث الصحيح قال الرسول ﷺ : (وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا شبر أو ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا شبر أو ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)، يعني: ما أحد يدخل الجنة إلا بعمله، ولا أحد يدخل النار إلا بعمله الذي يعمله، فالله يأخذ الإنسان بعمله؛ لأنه ركب فيه العقل والاختيار والقدرة وأمره بما يستطيعه، فإذا فعل ذلك فهذا عنوان الامتثال والطاعة، وإذا امتنع فهذا عنوان الشقاء والمعصية والإباء، وبهذا يتبين لنا معنى الآية. قال الشارح ﵀: [بالجر عطف على التوحيد، ويجوز الرفع على الابتداء]. يعني قوله: [وقوله تعالى] بعد قوله: [كتاب التوحيد]، فكتاب مبتدأ، وهو مضاف والتوحيد مضاف إليه، و (قوله): يكون معطوفاً على المضاف عليه فيكون مجروراً، ويجوز أن يرفع فيكون (وقولُه)، فيكون معطوفاً على الخبر المقدر.

стр. 40

العبادة

стр. 41

تعريفها قال الشارح ﵀: [قال شيخ الإسلام رحمة الله عليه: العبادة هي طاعة الله بامتثال ما أمر الله به على ألسنة الرسل. وقال أيضاً: العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. قال ابن القيم ﵀: ومدارها على خمس عشرة قاعدة، من كملها كمل مراتب العبودية. وبيان ذلك أن العبادة منقسمة على القلب واللسان والجوارح، والأحكام التي للعبودية خمسة: واجب ومستحب وحرام ومكروه ومباح، وهن لكل واحد من القلب واللسان والجوارح. وقال القرطبي: أصل العبادة التذلل والخضوع، وسميت وظائف الشرع على المكلفين عبادات لأنهم يلتزمونها ويفعلونها خاضعين متذللين لله تعالى]. تعريف العبادة في الحقيقية مهم جداً، لكي يعرف كل إنسان معنى العبادة التي خلق لها؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، وكثير من الناس اليوم لا يعرف معنى العبادة، كما أنه لا يعرف معنى الإله، وأكثر ما يقع الضلال في المسلمين الذين هم في بلاد الإسلام بسبب هذين الأمرين: الأول: كونهم لم يعرفوا معنى العبادة. والثاني: كونهم لم يعرفوا معنى الإله، فوقعوا في الشرك لجهلهم بهذين الأمرين. فعلى هذا يجب على الإنسان أن يتنبه لذلك، ويهتم له مخافة أن يقع في الشرك وهو لا يدري؛ لأن الذي يصرف شيئاً من العبادة لغير الله يكون مشركاً، والله جل وعلا أخبرنا أنه أغنى الشركاء عن الشرك، فمن أشرك في عمل غير ربه مع ربه جل وعلا تركه الله لشريكه؛ لأنه غني، وهو لا يقبل الشرك تعالى وتقدس، وقد أمر الله بإخلاص العبادة له في آيات كثيرة، منها قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة:٥]، وهذا أمر العباد كلهم من أولهم إلى آخرهم، فالعبادة عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فقوله: (اسم جامع) يعني أن تسمية العبادة عبادة يجمع أشياء كثيرة، يجمع العمل ويجمع القول ويجمع العقيدة؛ لأن الاعتقاد كله عبادة. فالعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، ولا يكون العمل عبادة إلا إذا كان مأموراً به، فالله لا يحب ولا يرضى إلا ما أمر به، والشيء الذي لم يأمر الله جل وعلا به لا يكون عبادة، فلا يتعبد الإنسان برأيه أو بنظره وقياسه، وإن كان هذا العمل عبادة في اللغة، ولكنه في الشرع ليس عبادة. العبادة في الشرع لابد أن يجتمع فيها أمران: أحدهما: أن تكون خالصة لله. والثاني: أن تكون هذه العبادة قد جاء بها رسول الله ﷺ وشرعها، فإن تخلف واحد من هذين الأمرين فليست عبادة في الشرع، وإن كانت عبادة في اللغة. ولهذا قال: العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله من الأقوال، مثل التسبيح والذكر والقراءة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك مما يقال باللسان، والأعمال يدخل فيها أعمال الجوارح، مثل الركوع والسجود والطواف، حتى كَشْفُ الرأس لله جل وعلا في الإحرام عبادة، ويدخل فيه أعمال القلوب، مثل النية والخشية والخوف والرجاء والإنابة والتوبة والندم على الذنب وما أشبه ذلك، فكل هذه من الأعمال، ولهذا قال: من الأعمال الظاهرة والباطنة، فالظاهرة التي تفعل بالجوارح، والباطنة التي تفعل بالقلب، هذا معنى تعريفه هذا، وهو تعريف جامع مانع. وأما التعريف الثاني: فهو الذي ذكره عن القرطبي أن العبادة هي التذلل، فيقال: طريق معبد إذا ذل بوطء الأقدام وأصبح سهلاً مسلوكاً، وطريق غير معبد إذا كان وعراً، وفيه ما يعثر به القدم، ولكن لابد أن يضاف إلى هذا التعريف أنها التذلل لله مع الحب، وليس كل من ذل لأحد يكون عابداً له، فقد يذل الإنسان لظالم وقلبه يلعنه ولسانه يذكر أنه يحبه، فلا يكون هذا عبادة، وإنما العبادة أن يذل القلب مع محبة المذلول له وتعظيمه، وهذا لا يجوز أن يكون إلا لله وحده جل وعلا. إذاً العبادة هي غاية الذل مع الحب والتعظيم لله جل وعلا، ولابد أن يكون هذا في الشيء الذي أُمر به الإنسان؛ لأن العبادة -كما قلنا- توقيفية، والله جل وعلا يقول: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، فالعمل الصالح هو موافقة سنة النبي ﷺ ، فإذا وافق العمل السنة صار صالحاً، وإن خالفها فهو فاسد، وقوله تعالى: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، يعني: أن تخلص لله عبادتك، وهذا هو معنى ما جاء في عدد من الآيات، من أنه جل وعلا وصف ما جاء به الرسول أنه هدىً وأنه دين الحق، فالهدى هو: العلم اليقيني الذي يكون على ضوء ما جاء به الرسول، ودين الحق هو: العمل بذلك، فلابد أن يكون القلب والجوارح كلاهما قد تحلى بالعبادة، فعلى هذا كل شيء يعمله الإنسان فإنه يرجو ثوابه من الله، فيجب أن يكون خالصاً لله. فمن ذلك: الدعاء، والدعاء هو من أفضل العبادة، وقد جاء في الترمذي وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: (الدعاء هو العبادة)، والله جل وعلا إذا لم يُدعَ يغضب، ويقول الله جل وعلا: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، ويقول جل وعلا: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]. فبين بهذا أن الدعاء هو العبادة، فلا يجوز أن ندعو ميتاً أو غائباً أو من لا يستطيع الإجابة، فإن وقع هذا من إنسان فمعنى ذلك أنه عبد غير الله، وهكذا إذا طلب من مخلوق من المخلوقات ما لا يستطيع، أو طلب من غائب لا يسمع، أو من جني لا يدري هل هو موجود أو هو غائب، أو من ملك لا يدري هل هو حاضر أو غائب، أو ميت لا يستطيع أن يجيب، كل هؤلاء إذا وجه الطلب إليهم يكون ذلك في غير محله، ويكون عبادة صرفت لغير الله، فكل ما يطلب من الله جل وعلا ولا يقدر عليه إلا هو جل وعلا فيجب أن يكون عبادة خالصة له ولا يجوز أن يصرف لغيره جل وعلا.

стр. 42

نسبة علم الغيب إلى الله تعالى ومنافاته للعبادة وأما الإله فهو الذي تألهه القلوب، أي: تحبه وتنيب إليه وتذل له وتعظمه، وبعض الناس قد يعبر عن هذا بالخوف السري، أي: أن الإنسان قد يخاف من مخلوق أن يطلع على ما في ضميره أن يعاقبه، والذي يطلع على الضمائر هو الله فقط، فلا أحد من الخلق يطلع على ما في الضمير أبداً، فمن جعل لمخلوق هذا الشيء فقد أشرك بالله، وإذا جعل للمخلوق الميت الغائب شيئاً من العبادة خوفاً من أنه لو لم يفعل كذا وكذا لأصابه بشيء إما في بدنه أو في ماله أو ما أشبه ذلك فمعنى ذلك أنه أشرك في الخوف الذي يجب أن يكون لله خالصاً، فيكون قد وقع في الشرك، وهذا عام شامل حتى في الرسل، فلا يجوز أن يقول الإنسان: إن الرسول يعلم الغيب؛ لأن الرسول لا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله جل وعلا، كما قال الله جل وعلا: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن:٢٦ - ٢٨]، أي: أنه يطلع بعض رسله على شيء من المغيبات ليكون ذلك دليلاً على صدقه، وعلى نبوته، وعلى أنه جاء بالحق من عند الله، ويكون آية له، أما أن يُعتقد أنه يعلم ما في القلوب، كما يقول الشاعر الذي وقف على قبر النبي ﷺ وصار يدعوه وينزل الدموع ويقول: هذه علتي وأنت طبيبي ليس يخفى عليك في القلب داء فهذا في الواقع من الشرك بالله؛ فإن الذي لا يخفى عليه شيء مما القلب هو الله جل وعلا وحده، وكذلك قوله: يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي فضلاً وإلا فقل: يا زلة القدم ولن يضيق -رسول الله- جاهك بي إذا الكريم تحلى باسم منتقم فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم إلى آخر ما قال. وهذا كله في الواقع صرف لما هو من خصائص الله وجعله للرسول ﷺ ، فهو يستغيث بالرسول ﷺ من الله، ويقول: إذا غضب الله يوم القيامة غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله فأنا أعوذ بك من الله، أعوذ بالله! وقوله في هذه الأبيات (ولن يضيق رسول الله) يعني: (يا رسولَ الله) بالنصب على النداء. يقول: ولن يضيق -رسول الله- وجاهك بي إذا الكريم تحلى باسم منتقم يعني: أنا ألوذ بجاهك من غضب الله، وقوله: (فإن من جودك الدنيا وضرتها) يعني: من جودك الدنيا والآخرة، وقوله: (ومن علومك علم اللوح والقلم) يقول: من جملة علومك -يا رسول الله- علم اللوح الذي كتب فيه كل شيء، وعلم القلم الذي كتب كل شيء، فأشرك بالله جل وعلا، وهذا مثل قول النصارى تماماً حين قالوا: عيسى هو الله -تعالى الله وتقدس عن ذلك علواً كبيراً- والمقصود أن الإنسان عبد يجب أن يعلم حده ويعلم قدره، والله جل وعلا يقول لرسوله ﷺ : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦]، وقد رميت زوجته ﷺ بالبهت والكذب فبقي قرابة شهر وهو لا يدري، حتى نزل عليه الوحي ببراءتها، بل كان يسأل الجارية ويستشير حتى نزل الوحي من الله يبين أنها بريئة وأن هذا كذب وبهتان، وكذلك صلت ناقته ﷺ فأرسل من يطلبها، فقال أحد المنافقين: أهذا يزعم أنه يعلم ما في السماء وهو لا يدري أين ناقته؟! فجاءه الخبر من الله جل وعلا فقال: (إني والله! لا أعلم من الغيب إلا ما علمني الله جل وعلا، وإن فلاناً قال كذا وكذا، وإن الله جل وعلا قد أعلمني أنها في الشعب الفلاني قد أمسكت بزمامها شجرة) فأرسل من يأتي بها، إلى غير ذلك من الأشياء وهي كثيرة وكثيرة جداً، وكثير ممن يزعم أنه هو المتبع للرسول ﷺ يعتقد أن رسول الله ﷺ يعلم كل شيء، وأنه يعلم الغيب ويعلم ما يعلمه الله، ويقول: الذي يقول: إن الرسول ﷺ لا يعلم الغيب يكون كافراً؛ لأنه لم يعرف قدر الرسول ﷺ ، يعني: الذي يتبع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ يكون كافراً في زعمه. فعلى كل حال ما أعجب ما خلق الله جل وعلا لهذا الإنسان، وما يكون عنده من الأفكار والمحن والاختلافات، والله جل وعلا يقلب القلوب كيف يشاء، فإذا رد الإنسان شيئاً من أمر الله لأجل رأيه أو مذهبه أو اتباع لشيخه فإن الله جل وعلا يعاقبه بأن يزيغ قلبه وبأن يرى الحق باطلاً والباطل حقاً، فيزين له سوء عمله، فمن يهديه؟ لا أحد يهديه، فإذا أضله الله جل وعلا على ذلك يجعله يرى الحسن سيئاً والسيئ حسناً، فلا حيلة فيه إلا أن تطلب له الهداية من الله جل وعلا الذي يستطيع أن يهديه، أما الخلق فلن يستطيعوا، بل ولو بينت له كل البيان ما استطعت أن تهديه، ومع ذلك لا يقال: إنه معذور أو إنه جاهل؛ لأن الله جل وعلا بين لنا والرسول ﷺ وضح لنا وبلغنا البلاغ المبين، فلا عذر لأحد بعد بلاغ رسول الله ﷺ ، وقد قال الله جل وعلا له: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ:٥٠]، وقال: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ [الأعراف:١٨٨]، وقد أخبر بهذا جميع الرسل.

стр. 43

معنى الشهادتين العبادة يجب أن تكون خالصة لله، وأن تكون العبادة بما جاء به الرسول ﷺ ، وهذا هو معنى: (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله)، فشهادة (أن لا إله إلا الله) يعني: أني لا أعبد إلا الله وحده، وكل معبود من دون الله أكفر به وأتبرأ منه، ومعنى (أشهد أن محمداً رسول الله) أني أتيقن يقيناً أنه رسول من الله جاء بالشرع، وأني لا أعبد الله إلا بالشرع الذي جاء به، فهو الذي بلغني شرع الله وهو الذي أكرمه الله جل وعلا بالرسالة، فهو رسول يطاع ويتبع وليس له من الألهية شيء، فلا يعبد الله إلا بما شرعه الرسول ﷺ وجاء به، فمعنى شهادة أن محمداً رسول الله طاعته في أمره واجتناب ما نهى عنه، وأنه رسول مكلف من الله بإبلاغ الرسالة وليس له من العبودية شيء، كما أمره الله جل وعلا أن يبلغ هذا فقال له: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، وهذا هو أصل دين الإسلام الذي لا يجوز لمسلم أن يكون جاهلاً به، وهو الذي يسأل عنه الإنسان في القبر، فكل مقبور إذا دفن في قبره يأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من كنت تعبد؟ وبأي شيء تعبد؟ ومن الذي جاءك بالعبادة؟ ومن أين أخذت العبادة؟ فكل إنسان يسأل هذه الأسئلة الثلاثة التي هي: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فمعنى: (من ربك)؟ أي: من الذي تعبده؟ ومعنى: (ما دينك)؟ أي: ما هو الذي تتعبد به؟ وهل كنت تخلص الدين لله جل وعلا؟ و (من نبيك)؟ معناه: ممن أخذت العبادة؟ ومن هو الذي اتبعته في العبادة؟ فإذا كان موقناً مؤمناً أجاب الجواب الصحيح، وقال: ربي الله، وديني الإسلام، والذي جاءنا بالشرع هو رسول الله محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، وهل يسكتان عند ذلك؟ الجواب لا. وإنما يقولان: وما يدريك؟ أي: ما دليلك؟ فيقول: قرأت كتاب الله وآمنت به، فعند ذلك يقولان له: قد علمنا فيفتح له باب إلى الجنة، ويقولان له: انظر إلى مكانك في الجنة، فإذا رآه قال: دعاني أذهب إليه، فيقولان: نم وأنت ذاهب، فعند ذلك يدعو ويقول: يا رب! أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومنزلي. أما إذا كان مرتاباً أو شاكاً أو مقلداً فإنه يتلعثم ويقول: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، فيضربانه بمطرقة من حديد، ويلتهب عليه قبره ناراً، ويضيق عليه قبره حتى تختلف عليه أضلاعه، ويفتح له باب إلى النار، ويقال: انظر إلى منزلك، عند ذلك يقول: يا رب! لا تقم الساعة؛ لأنه يعلم أن ما بعد وقته هذا أشد منه. والمقصود: أن هذا يسأل عنه كل مقبور بالغ من ذكر وأنثى، فكل بالغ يسأل عن هذا الشيء، فإن كان متيقناً فهذا الذي يقول الله جل وعلا فيه: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]، وإن كان مرتاباً فهو ظالم لنفسه، حيث ترك أمر الله ولم يهتم به.

стр. 44

واجب العباد تجاه الأوامر والنواهي الشرعية قال الشارح ﵀: [ومعنى الآية: أن الله تعالى أخبر أنه ما خلق الجن والإنس إلا لعبادته، فهذا هو الحكمة في خلقهم. قلت: وهي الحكمة الشرعية الدينية، قال العماد بن كثير: وعبادته هي طاعته بفعل المأمور وترك المحظور، وذلك هو حقيقة دين الإسلام؛ لأن معنى الإسلام: الاستسلام لله تعالى المتضمن غاية الانقياد والذل والخضوع. انتهى. ]. هذا تعريف آخر للعبادة، عرفها ابن كثير ﵀ بأنها طاعة الله بفعل المأمور وترك المحظور، طاعة الله بفعل ما أمر وترك ما حرم، والاستسلام له والانقياد في ذلك، ومعنى أن يستسلم الإنسان: ألا يكون عنده معارضة لشرع الله، وينقاد له، فلو دعي إلى شرع الله وقيل له: هذا حكم الله فعليه أن يقول: سمعت وأطعت، وكذلك لا يجوز له أن يعترض عليه ويقول: ليت هذا الحكم ما كان كذا، أو يقول -مثلاً-: ليت الله لم يحرم الربا، أو ليت الله لم يحرم كذا وكذا أو ليت الله فعل كذا وكذا، فإن هذا لا يجوز، وقائل هذا ليس عابداً في الواقع؛ لأنه اعترض على الله جل وعلا، وكذلك الذي يُدعى إلى أن يحكم بينه وبين من ينازعه بالشرع فيقول: لا، لن أذهب، أو يقال له -مثلاً-: نذهب إلى الشرع ليحكم بيننا، فيقول: لا لن أذهب، فهذا على خطر عظيم، والمسلم إذا دعي وقيل له: هلم إلى حكم الله، يقول: سمعت وأطعت، ولا يتأذى، ولا يقول: حتى تأتيني بجندي، بل ينقاد لشرع الله؛ فإن الله جل وعلا يقول: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] يعني: لا يكون في نفس أحدهم ضيق من هذا الحكم، فإذا قيل له: هذا حكم الله، يقول: سمعاً وطاعة وأهلاً وسهلاً، وإن كان عليه يفرح به، فهذا الاستسلام والانقياد هو من العبادة؛ لأنه يطيع الله بأمره ويجتنب نهيه ويسلم لشرعه وينقاد له، وهذا هو العبادة في الواقع، فإذا حصل شيء مما يؤثر على ذلك نقصت عبادته. قال الشارح ﵀: [وقال أيضاً في تفسير هذه الآية: ومعنى الآية أن الله خلق الخلق ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب، وأخبر أنه غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء في جميع أحوالهم، وهو خالقهم ورازقهم. وقال علي بن أبى طالب ﵁ في الآية: (إلا لآمرهم أن يعبدوني وأدعوهم إلى عبادتي)، وقال مجاهد: (إلا لآمرهم وأنهاهم)، اختاره الزجاج وشيخ الإسلام]. كل هذا الكلام معناه واحد، وقول أمير المؤمنين علي ﵁: (إلا لآمرهم وأنهاهم) أي: آمرهم بطاعتي وأنهاهم عن معصيتي، فهذا هو معنى العبادة، يعني: أنه خلقهم ليكلفهم بالعبادة، فمن أطاع فله الجزاء والثواب، ومن عصى فعليه العقاب. فهذه أقوال السلف في الآية واضحة، فقوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، يعني: خلقتهم لآمرهم بالطاعة وأنهاهم عن المعصية، وقد فعل جل وعلا الخلق وفعل الأمر والنهي، فعلى العباد فعل الامتثال. والأمور ثلاثة: الأول: خلقهم، والثاني: أمرهم ونهيهم والثالث: الامتثال، فالامتثال عليهم وإليهم، فإن فعلوه وامتثلوا استحقوا الجزاء من الله، وإن أبوا وامتنعوا استحقوا العقاب، فالله خلقهم وأمرهم ونهاهم فعليهم أن يفعلوا الثالث الذي هو الامتثال.

стр. 45

جزاء العبادة وجزاء تركها في الدنيا والآخرة قال الشارح ﵀: [قال: ويدل على هذا قول الله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة:٣٦]، قال الشافعي: (لا يؤمر ولا ينهى)]. قوله تعالى: (أَنْ يُتْرَكَ سُدًى) السدى هو: المهمل، وقول الشافعي: (لا يؤمر ولا ينهى) هو معنى الإهمال، فالله لم يهمل خلقه جل وعلا، بل أمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته، وأعظم ما أمر به هو التوحيد، وأعظم ما نهى عنه هو الشرك الذي هو ضد التوحيد، كما قال جل وعلا: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة:٢٥٦]، هذا هو الذي ينجي الإنسان في الواقع، لا ينجيه كثرة ماله ولا كثرة جمعه وأنصاره، وإنما ينجيه طاعة الله وعبادته وحده؛ فإنه ليس بين الرب جل وعلا وبين الخلق صلة إلا بالطاعة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، فلا ينفع النسب حتى وإن كان الإنسان ابن نبي، فإذا كان هو عاصياً فلن يستفيد، ولا يستفيد إلا بعمله، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، وقال جل وعلا: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]، ولذا اليهود أبناء أنبياء وهم أخبث خلق الله وأبعدهم عن الهدى -نسأل الله السلامة- فهم من أبناء إبراهيم ﵇؛ لأن يعقوب هو إسرائيل، ولذا يقول الله جل وعلا لهم: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) يذكرهم بأبيهم الأواب الطائع النبي الكريم لعلهم يرجعون، ولكن عاندوا وكفروا وتكبروا، فلأجل ذلك أحل الله عليهم لعنته، وأخبر سبحانه أنه سيبعث عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة وإن كانوا أبناء أنبياء. والمقصود: أن الإنسان مهمته أن يطيع ربه، فإذا أطاع ربه فهذه الطاعة في الواقع سعادته، يسعد بها في الدنيا والآخرة، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار:١٣ - ١٤]، الأبرار في نعيم في الدنيا وفي الآخرة وفي القبر وبعد البعث، والفجار في جحيم في دنياهم، وإن كانوا يتنعمون في الظاهر فإن في قلوبهم وأكبادهم أشياء تكاد تحرقها، ولهذا بعضهم ينتحر استعجالاً للموت بزعم أنه يستريح، وهو في الواقع ينتقل من عذابه إلى ما هو أشد -نسأل الله العافية-، فالكافر في جحيم وفي عذاب يجد نفسه دائماً في اضطراب وفي نكد وتنغيص، بخلاف المؤمن فإنه وإن كان فقيراً تجده سعيداً راضياً بما هو فيه، ويشكر ربه ويسأله، فهو يرجو أن تكون له السعادة بعد حياته هذه، وإذا مات لقي نعيماً ما كان يتصوره، ويكون على روحه، وإذا اجتمعت الروح بالجسد وبعث فمسكنه الجنة، والجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، والمقصود: أن الإنسان خلق لعبادة الله، فإن عبد الله فهذه سعادته، وإن لم يعبد الله فهو شقي في حياته الدنيا وبعدها.

стр. 46

عبادة الله وطاعة الرسل واجبان على العباد قال الشارح ﵀: [وفي القرآن في غير موضع: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة:٢١]، ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء:١]، فقد أمرهم بما خلقوا له، وأرسل الرسل بذلك، وهذا المعنى هو الذي قُصد بالآية قطعاً، وهو الذي يفهمه جماهير المسلمين ويحتجون بالآية عليه. قال: وهذه الآية تشبه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٤]، ثم قد يطاع وقد يعصى]. معنى قوله تعالى: (بِإِذْنِ اللَّهِ) يعني: بأمر الله، فالرسول يطاع بأمر الله الذي أرسله به الذي هو الشرع، فالرسول أرسل بالشرع الذي أوجب على العباد أن يطيعوه به، ولكن أكثرهم لم يطعه، وأمر الله قد يأتي ويراد به أمره الشرعي، ويأتي ويراد به أمره القدري، كما قال جل وعلا: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء:١٦] يعني: أمراً قدرياً. أي: مقدر سابق في علم الله وفي كتابته، وكذلك الحكم، وكذلك القضاء فإنه يأتي شرعياً ويأتي قدرياً.

стр. 47

الإرادة الشرعية والكونية قال الشارح ﵀: [وكذلك ما خلقهم إلا لعبادته، ثم قد يعبدون وقد لا يعبدون، وهو سبحانه لم يقل: إنه فعل الأول -وهو خَلقهم- ليفعل بهم كلهم الثاني -وهو عبادته- ولكن ذكر أنه فعل الأول ليفعلوا هم الثاني، فيكونوا هم الفاعلين له، فيحصل لهم بفعله سعادتهم، ويحصل ما يحبه ويرضاه منه ولهم، انتهى. ويشهد لهذا المعنى ما تواترت به الأحاديث، فمنها ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يقول الله تعالى لأهون أهل النار عذاباً: لو كانت لك الدنيا وما فيها ومثلها معها أكنت مفتدياً بها؟ فيقول: نعم. فيقول: قد أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم: ألا تشرك -أحسبه قال: ولا أدخلك النار- فأبيت إلا الشرك)، فهذا المشرك قد خالف ما أراده الله تعالى منه، من توحيده، وألا يشرك به شيئاً، فخالف ما أراده الله منه فأشرك به غيره، وهذه هي الإرادة الشرعية الدينية كما تقدم]. يعني أن الإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة شرعية دينية تتضمن دين الله وأمره ومحبته، وإرادة كونية قدرية لا يلزم أن يحبها ولا يأمر بها، ولكن كل شيء يقع فهو بالإرادة الكونية، فإن كان الواقع محبوباً لله فإن الإرادتين تتفقان فيه، كالطاعة -مثلاً- والإيمان، فطاعة الطائع وإيمان المؤمن اجتمعت فيهما الإرادة الكونية والإرادة الدينية الأمرية الشرعية، ولولا الإرادة الكونية ما حصل شيء؛ لأنه لا يكون في الوجود إلا ما أراده الله جل وعلا، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، كما يقوله المسلمون، كل المسلمون يقولون هذا، يقولون: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فمشيئة الله نافذة عامة لا يخرج منها شيء، وهذه المشيئة هي الإرادة الكونية، فالمشيئة والإرادة الكونية شيء واحد، كما قال جل وعلا: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣]؛ لأن كل شيء بإرادته ومشيئته.

стр. 48

الفرق بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية قال الشارح ﵀: [فبين الإرادة الشرعية الدينية والإرادة الكونية القدرية عموم وخصوص مطلق، يجتمعان في حق المخلص المطيع، وتنفرد الإرادة الكونية القدرية في حق العاصي، فافهم ذلك تنجُ من جهالات أرباب الكلام وتابعيهم]. يقول المؤلف: إن الإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة قدرية، وإرادة شرعية أمرية، وإن الفرق بينهما لابد منه حتى ينجو الإنسان مما وقع فيه كثير من أصحاب الكلام الذين وقعوا في الخطأ وعدم التفريق؛ لأن عدم الفرقان يوقع في الخطأ، وهذا يتعلق بالقدر ويتعلق بالخلق والأمر، فهو عام شامل. فالإرادة الكونية هي المشيئة التي يقول عنها المسلمون: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وهذه عقيدة المسلمين، فكل مسلم يعتقد أنه لا يوجد إلا ما شاء الله، وأن الشيء الذي لم يشأه الله هو المعدوم الذي لم يوجد، فهذه المشيئة العامة الشاملة هي الإرادة الكونية، ولا فرق بينهما، بل الإرادة الكونية هي المشيئة العامة، قال الله جل وعلا: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، فأخبر أن كل شيء يقع من أفعال الناس وغيرهم فإنه يقع بمشيئته، كل حادث يحدث سواء أكان بسبب فعل الإنسان أم كان بسبب آخر فإنه لا يقع إلا بمشيئة الله، ولو شاء الله ما وقع. ويقول جل وعلا: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥]، فهذه الإرادة في هذه الآية هي المشيئة وهي الإرادة الكونية، فهو جل وعلا يخبر أنه لا أحد يهتدي إلا إذا هداه الله، وكذلك الضلال يُضل سبحانه من يشاء ويهدي من يشاء، كما بين ذلك في آيات كثيرة، ثم هذا لا ينافي كون الإنسان له اختيار وله قدرة؛ لأن الله خلقه وخلق له القدرة التي بها يعمل أعماله باختياره وإرادته التي لا أحد يرغمه عليها، وكل إنسان يجد هذا من نفسه، فالله خالقه وخالق البواعث التي تبعثه على العمل، وخالق القوى التي بها يعمل من الفكر والنظر والأيدي والأرجل والسمع والبصر وغير ذلك، فصح بهذا أن الله خالق الإنسان وخالق أفعاله، وأن خلق أفعال الإنسان لا تخرجه عن كونه مختاراً يفعل ما يفعله باختياره وبقدرته وإرادته. ثم إن الله جل وعلا برحمته وإحسانه لم يكلف الإنسان إلا ما يطيقه، فكلفه بتكاليف محدده يستطيع أن يفعلها بكل سهولة إذا انقاد لذلك واختاره، ويستطيع أن يتركها، وجعل الأمر إليه، وبين له جل وعلا طريق الهدى وطريق الضلال، وكذلك أرى خلقه ما فعله بمن سبقهم من المثلات من العظات، ولهذا قص علينا قصص الأمم السابقة لنعتبر بها ونتعظ حتى يكون لنا زاجراً وداعياً، فأكرم المؤمنين أتباع الرسل ونصرهم في الدنيا، وكذلك أخبر أنه يكرمهم في الآخرة ويعلي درجاتهم، وكذلك عذب المجرمين المكذبين وأخذهم بأنواع العقوبات وأنواع العذاب، وأخبر أنهم في الآخرة يصلون في النار عذاباً لا يشبه عذاب الدنيا، كل هذا من الدواعي والدوافع التي تدعو الإنسان إلى فعل المأمور وترك المحظور، وكذلك ما وصف الله جل وعلا من أوصاف الجنة وما فيها من النعيم، وأوصاف النار وما فيها من النكال الأليم، كل هذا ليكون ذلك داعياً ودافعاً لفعل المأمورات وترك المحظورات، فبعد هذا لا يكون للإنسان عذر، أما إذا أعرض الإنسان عن الاعتبار بآيات الله سواء آياته جل وعلا القرآنية السمعية أو آياته الأفقية التي منها أَخْذُ المكذبين وإكرام المطيعين، أو الآيات النفسية يعني: الآيات التي في نفس الإنسان؛ لأن نفسه تدله على ربه جل وعلا، كما قال تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]، قال: ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس:١٧ - ٢٢]. وقال: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق:٥]، ففي هذه الآيات يأمرنا جل وعلا أن نعتبر بأنفسنا وننظر إلى خلقنا؛ لأن الخلق عجيب وعجيب جداً يدل على الرب جل وعلا، وفيه عبرة تجعل الإنسان يعتبر، وتجعله يعبد ربه، وإذا أعرض الإنسان عن هذا كله وأصبح شبيهاً بالبهائم يأكل ويشرب ويلعب ويطرب ويعرض عما خُلق له وينسى ما جاءت به الرسل ثم يقول: أنا جاهل ما أعرف فهذا ليس له عذر، وقد قامت عليه الحجة؛ لأنه قد جاءته الرسل وجاءته الآيات والأدلة، ولكن أعرض بنفسه، فاللوم عليه وهو الملوم؛ لأنه فعل ما يلام عليه، وأعرض عما خلق له وأعرض عن آيات ربه. والمقصود أن الله جل وعلا كل شيء يجري بتقديره وبمشيئته وإرادته، فالمشيئة هي الإرادة الكونية، والإرادة الكونية لا تنافي كون الإنسان مختاراً يفعل باختياره، وكونه يحاسب على عمله إن عمل خيراً جزي به؛ لأنه هو العامل، وإن عمل سوءً عوقب عليه، فلا يكون مثل خصماء الله الذين يخاصمون الله في خلقه اتباع عدوهم الشيطان، فالشيطان خاصم ربه وقال له لما أمره أن يسجد لآدم كما حكى الله عنه: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]، يعني: إنك ما وضعت الأمور في مواضعها وإنما الصواب ما أراه أنا: أن تأمره أن يسجد لي لأني خير منه؛ لأن أصلي النار وهو أصله الطين، والنار أفضل من الطين هذا قول الشيطان، وهذه خصومة خاصم بها ربه، كذلك المشركون خاصموا رسول الله ﷺ في شركهم، فقالوا له كما حكى الله عنهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام:١٤٨]، أي: أنهم يقولون: إن شركنا وعبادتنا للأصنام وقعت بمشيئة الله، ولو لم يكن راضياً بذلك ما شاءه، هذا معنى كلام المشركين، أي: أنهم اعترضوا على دعوة الرسول ﷺ وعلى دين الله بقضاء الله وبمشيئته، فاعترضوا مثل اعتراض الشيطان، فهو الذي هداهم إلى هذا؛ لأن الشياطين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، فشياطين الجن توحي إلى شياطين الإنس، وبعضهم يوحي إلى بعض، فالواجب على العبد أن يعلم ما أراد الله منه، وأن يعبد الله جل وعلا قدر استطاعته، والله ما كلفه ما لا يستطيع، كما قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وكل ما ذكره الله جل وعلا عبر، ولا يجوز أن يذهب الإنسان إلى ما ذهب إليه المنحرفون سواء أهل الجفاء أو أهل الغلو. والناس دائماً عند أوامر الله وعند أحكامه وأقضيته ينقسمون إلى أقسام ثلاثة: قسم يفرط ويترك ما هو واجب عليه، وقسم يتجاوز الحد ويزيد على الحد المشروع فيقع في الخطأ، وقسم يتوسط فيتبع أمر الله وأمر رسوله ﷺ ، وهذا في كل الدين والشرع، فهنا من الناس من غلا، كما يذكر عن بعض العباد والمجتهدين أنهم يقولون: ما نعبد الله لأجل جنته أو خوفاً من ناره، وإنما نعبده حباً له. وهذا خطأ، بل الإنسان ضعيف مسكين لو مسه العذاب ما استطاع أن يصبر عليه، ولا غنى له عن رحمة الله أبداً، والله جل وعلا ذكر لنا الجنة وذكر لنا النار حتى تكون ذلك حادياً وداعياً يحدو إلى العمل ويدعو إليه، وكذلك ذكر ذلك يمنعنا من المخالفات، ولهذا يذكر عن والشبلي ﵀ الشبلي كان من المجتهدين ومن العباد المعروفين- أنه كان يقول مثل هذا القول، فابتلي بحبس البول، وحبس بوله فصار يمشي على الأطفال الذين كان يعلمهم القرآن ويقول: استغفروا لشيخكم الكذاب؛ لأنه لما ذاق الألم عرف أنه ما يستطيع أن يصبر على عذاب الله، ومثل هذا هو موعظة تُقدم للإنسان، فالمؤمن يعبد الله طلباً لثوابه وهرباً من عقابه، ويكون عابداً له مخلصاً له في ذلك، والله غني عن العباد، فلا تزيده طاعتهم شيئاً ولا تنقصه معصيتهم ولا تضره تعالى وتقدس، فإن أطاعوا فلأنفسهم، وإن عصوا فعليها، والله تعالى وتقدس غني عن العالمين، ولهذا جاء في صحيح مسلم من حديث أبي ذر الطويل القدسي الذي يقول الرسول ﷺ فيه: (إن الله ﵎ يقول: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا -إلى أن قال:- يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم ورطبكم ويابسكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم ورطبكم ويابسكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر)، ثم قال في النهاية: (إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)، فالواجب على العبد أن يعرف ربه بأفعاله وأوصافه، ومنها إرادته الكونية، وسميت كونية لأنه يكون الأشياء بها، ويقول للشيء: (كن) فيكون، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] تعالى وتقدس، وقال جل وعلا: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ﴾ [الذاريات:٤٧]، (بأييدٍ) يعني: بقوة، ما هو بمساح ومجارف وبأدوات رفع أو غيرها، وإنما يقول لها: (كوني) فتكون، وقال سبحانه: ﴿

стр. 49

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٥] أنبياء الله تعالى دينهم واحد وإن اختلفت شرائعهم، فكل واحد منهم جاء بالدعوة إلى توحيد الله، والنهي عن الشرك، والأمر باجتناب الطاغوت، وهو كل ما تجاوز العبد به حده من معبود أو متبوع أو مطاع.

стр. 50

تفسير قوله تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله) قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]]. هذه الآية لها نظائر كثيرة في القرآن ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]. (ولقد): الواو هنا واو القسم، واللام موطئة للقسم، فالله يقسم، وهل نحتاج إلى أن يقسم ربنا لنا؟ الله جل وعلا هو أصدق قيلاً، ولا يمكن أن يخبر عن شيء خلاف الواقع تعالى وتقدس، ولكن الإنسان ظلوم كفور، وظلوم جهول، لهذا تمادى كثير من الخلق بظلمه، فأقسم رب العالمين له: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً)، والبعث في الأصل: هو إثارة الشيء. يقول العرب: بعث فلان البعير. إذا أثاره من مبركه، ويقال: بعث الصيد. إذا أثاره من مكامنه. ويقال: بعثت فلاناً إلى فلان، أي: أرسلته برسالة إليه سواء أكانت الرسالة كلاماً أم غير ذلك، ومنه البعث الذي أخبر الله جل وعلا به: ﴿وأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:٧] يعني: إخراج الموتى أحياءً بعدما كانوا رميماً، بل بعدما كانوا تراباً؛ لأن الإنسان إذا قبر وبقي شهوراً وسنيناً تبلى عظامه وتصبح تراباً، ويبقى منها جزء صغير جداً قد لا يرى بالعين يسمى (عجب الذنب)، جزء صغير جداً في أسفل ظهر الإنسان، منه ينبت الإنسان مثل البذرة التي تكون للشجرة، فلو أتيت إلى أرض هامدة في الصيف مثلاً، وبحثت بكل ما تستطيع أن تبحث عن بذور فيها فلن تجد شيئاً، ثم إذا نزل المطر يخرج النبات بكثرة، كذلك الإنسان يتفتت ويصبح تراباً كما أخبر الله جل وعلا أنه يعيدهم تراباً، وهو ما خلقوا منه، فإن أصل خلقنا من التراب، خُلِق أبونا آدم من تراب كما أخبر الله جل وعلا بذلك، ثم يعاد الإنسان إلى أصل خلقه التراب، إلا الرسل فقد حرم الله على الأرض أن تأكل أجسادهم، فلا تبلى أجسادهم بل تبقى طرية كرامة لهم، ومع ذلك يموتون، فكل رسول مات، وما بقي أحد من الرسل، كلهم ماتوا وذهبوا إلى ربهم، ثم يبعثون كما يبعث غيرهم من الخلق، كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ في قصة اليهودي الذي لطمه أحد الصحابة، كان يبيع سلعة في سوق المدينة، فجاء أحد الصحابة فقال: أشتريها بكذا، فقال: والذي فضل موسى على العالمين لقد أعطيت بها كذا وكذا، يعني: أكثر من هذا، عند ذلك غضب الصحابي وقال: تقول هذا، ورسول الله ﷺ بين أيدينا؟ فلطمه، يعني: إنك تفضل موسى على نبينا، فجاء اليهودي يشتكي من الصحابي، فقال: يا رسول الله! إنه يقول كذا وكذا، عند ذلك قال ﷺ : (لا تفضلوني على موسى؛ فإني يوم القيامة أكون أول من تنشق عنه الأرض، فأجد موسى قائماً قابضاً بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أبعث قبلي أم جوزي بصعقة الطور؟)، وفي رواية في صحيح مسلم: (فيصعق الناس الصعقة الثانية، فأكون أول من ينفض التراب عن رأسه، فأجد أخي موسى قائماً بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أبعث قبلي أم جوزي بصعقة الطور؟)، وصعقة الطور هي حينما سأل ربه النظر كما قال الله: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣]، فهذه صعقة الطور التي حصلت له لما تجلى الله جل وعلا للجبل، فتدكدك الجبل وصار دكاً، أي: صار هباء لرؤية الله جل وعلا، مع ذلك وقد تجلى الله تعالى قليلاً جداً جداً، حتى جاء عن بعض السلف أنه قال: مثل ثقب الإبرة. ولهذا ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري قال: (قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات)، وهكذا كانت عادته صلوات الله وسلامه عليه إذا تكلم لا يطيل الكلام، ويتكلم بكلام واضح جلي يحفظ عنه، يقول: (قام فينا بخمس كلمات)، يعني: قام يخطب بخمس كلمات، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً صلوات الله وسلامه عليه حتى تحفظ، ولهذا حفظ الصحابة أحاديثه صلوات الله وسلامه عليه، يقول: (قام فينا بخمس كلمات، فقال: إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)، وبصره جل وعلا لا يمكن أن يحول دونه شيء، يبصر كل شيء، ولكن احتجب عن خلقه بالنور، حتى لا يذهب الخلق كله، وسبحات وجهه، أي: نور وجهه وجماله وبهاؤه. هذه سبحات وجهه، لو كشف الحجاب لزال كل شيء، وما يستطيع شيء أن يقوم لنور الله جل وعلا، وقد يقول قائل: إذاً كيف يراه الناس يوم القيامة؟ نقول: الرؤية يوم القيامة غير هذه، رؤية يوم القيامة رؤية نعيم، إلا الرؤية في الموقف فإنها أمر آخر، وقد ثبت أن المؤمنين يرونه، ثم إن الخلق يركبون تركيباً لا يقبل الموت، يركبون بالبعث تركيباً لا تقبل الروح فيه مفارقة الجسد أبداً، يركبون للحياة الأبدية، ولهذا يدخل أهل النار النار ويصلونها دائماً ولا يموتون، ولا يوجد موت، وكذلك أهل الجنة لا يوجد عندهم موت مهما عظمت الكوارث، وأحوال القيامة ما أحد يستطيع أن يقوم لها في تركيب الخلق اليوم أبداً، فسيموتون في أول وهلة لو كانوا على هذه الصورة وهذه الحياة، كيف يقفون ألف سنة على أقدامهم؟ يستطيع الإنسان حينئذ ذلك وهو عار، فلا يوجد ثوب، ولا نعال، ولا أكل، ولا شرب، ألف سنة والشمس فوق رأسه ما تغيب عنه أبداً، ولا يجد إلا موطئ قدميه فقط، وليس هناك جلوس، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦]، وهو يوم عسير على الكافرين، ولكننا ننسى هذا الشيء ولا نذكره، والواجب أن يهمنا كثيراً، والمقصود أن حياة الناس بعد البعث غير هذه الحياة، هي حياة أخرى، حياة لا تقبل الموت أبداً، فلو جاءه الموت من كل مكان لا يموت. يقول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل:٣٦] البعث هو الإثارة، ومعنى هذا: أن الله أرسل الرسل من الأمم إليهم، كل أمة بعث الله منها رسولاً يعرفونه، يعرفون نسبه، ويعرفون صدقه، ويعرفون أمانته، كل أمة يأتيهم رسول بهذه الصفة، فيعرفون لسانه، ويعرفون أمانته وصدقه؛ لأنه لا يبعث إلا خيار الخلق، وهو فضل الله يتفضل به على من يشاء، فيرسله إلى قومه. وقوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النحل:٣٦]، كل رسول يقول لقومه هذه المقالة (اعبدوا الله)، كل رسول يقول هذا القول لأمته، فدل هذا على أن دين الله واحد وهو عبادة الله وحده، وأن الخلق خلقوا لهذا، وأنه لا يجوز للإنسان أن يعبد غير الله، وأن سبب شرك المشركين أنهم وزعوا العبادة بين الله تعالى وبين المعبودات الأخرى فحصل الشرك بذلك، وهذا لا يسمى عبادة، فلا تسمى العبادة عبادة إلا إذا كانت خالصة لله، والعبادة سبق تعريفها أنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فالقول الذي يكون باللسان مثل التسبيح والتهليل والقراءة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذا كله عبادة، وكذلك الأعمال التي تكون بالجوارح مثل الركوع والسجود والمشي إلى المساجد والجهاد والحج، ومنه أيضاً الأعمال التي تؤدى بالأيدي من الصدقات، وكذلك إنكار المنكر الذي يُتناول باليد، وكذلك إزالة المؤذيات عن الطرق، فهذه عبادة يثاب عليها الإنسان، وكذلك الأعمال الباطنة -أعمال القلب- مثل الخشية والخوف والرجاء والحب والإنابة وغير ذلك من أعمال القلوب، هذه كلها عبادة، فالعبادة تشمل كل ما أمر الله جل وعلا به، وأحب وجوده من الإنسان وأثاب عليه، وكذلك تشمل ترك كل ما نهى الله عنه، فإذا ترك الإنسان المعصية خوفاً من الله فهي عبادة، ولا يجوز أن يترك الإنسان شيئاً لأجل الإنسان؛ لأن هذا عبادة، ولا يجوز أن تكون العبادة لغير الله، كما أنه لا يجوز للإنسان أن يفعل شيئاً مما يطلب الثواب عليه من أجل الإنسان؛ لأنه عبادة، والعبادة لا تجوز أن تكون لغير الله، فالمقصود أن دين الرسل واحد، كلهم أمروا أممهم أن يعبدوا الله وحده. ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، والطاغوت مأخوذ من الطغيان، والطغيان: هو تجاوز الحد. والإنسان إذا تجاوز حده صار طاغوتاً، والحد هو الشيء الذي خلق له الإنسان، والإنسان خلق عبداً ليعبد الله، فإذا نصب الإنسان نفسه ليكون رباً صار طاغوتاً، فإن نصب نفسه ليكون معبوداً، أو نازع الله في حكمه وأصبح يحكم بغير ما أنزل الله صار طاغوتاً، فعن جابر بن عبد الله أنه قال: (الطاغوت الشيطان)، وفي رواية: (كهان ينزل عليهم الشياطين)، فالكاهن هو الذي ينزل عليه الشيطان، وجاء عن عمر ﵁ أنه قال: (الطاغوت الشيطان)، وجاء عن مالك ﵁ أنه قال: (كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت)، فكل المعبودات طواغيت إلا الذي يعبد وهو غير راضٍ، كالصالحين والأولياء والأنبياء، فبعضهم يعبدون ولكنهم لا يرضون بهذا، النصارى يعبدون عيسى، واليهود يعبدون عزيراً، فلا يسمى هؤلاء طواغيت، ولما أخبر الرسول ﷺ عن الأصنام أنها وعابدوها في جهنم جاء رجل من الكفار وقال: أنا أخاصمك فأخصمك، قال له: ألم يعبد عيسى؟ ألم يعبد عزير؟ فإذاً يكونون في النار، فأنزل الله جل وعلا: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨]، إلى أن قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُون

стр. 51

معنى الطاغوت قال الشارح رحمة الله عليه: [الطاغوت: مشتق من الطغيان، وهو مجاوزة الحد. قال عمر بن الخطاب ﵁: (الطاغوت الشيطان)، وقال جابر ﵁: (الطاغوت كهان كانت تنزل عليهم الشياطين)، رواهما ابن أبي حاتم، وقال مالك: (الطاغوت كلما عبد من دون الله). قلت: وذلك المذكور بعض أفراده، وقد حده العلامة ابن القيم حداً جامعاً، فقال: الطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع. فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله، فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم أعرض عن عبادة الله تعالى إلى عبادة الطاغوت، وعن طاعة رسول الله ﷺ إلى طاعة الطاغوت ومتابعته]. في هذا الكلام الذي ذكره ابن القيم ﵀ بيان الطاغوت وحده، يقول: كل ما خرج عن طوره وعن المعنى الذي خلق له يكون طاغوتاً أو يكون عابداً للطاغوت. وذلك أن الله جل وعلا خلق العباد لعبادته، وحرم عليهم غير هذا، فحرم كل ما صد عن العبادة، وكل إنسان عبد غير الله فقد أشرك، ويكون العابد لغير الله عابداً للطاغوت، وبين أن هذا يكون في العبادة، ويكون في الطاعة، ويكون في الاتباع، ولا يخرج الإنسان عنها. والعبادة في الواقع ليست هي السجود والركوع في الصلاة وما أشبه ذلك، العبادة هي عبادة القلب، أن يتعبد القلب لشيء، فعبودية القلب يجب أن تكون لله وحده، ومن أجل هذا حرم الله على عبده أن يسأل المخلوق؛ لأن في المسألة ميل للقلب، ومودة لمن أعطى وبذل، ويصبح يحبه القلب ويتعلق به، والله أراد من عبده أن يكون قلبه كله له، وأن يكون حراً، وأن يكون مع الناس الآخرين مثلهم لا يتعبد قلبه لهم، فإذا أنعم أحد عليه بنعمة يقابلها بمثلها أو بأحسن منها، فإذا أحد أعطاه شيئاً يبذل له مثله أو أحسن منه حتى يكون قلبه سالماً لله جل وعلا سليماً من التعبد لغيره، وسبق أن المسألة من المحرمات التي تباح في موطن الضرورة، فالضرورة تبيح المحرمات كما هو معلوم، أما إذا لم يضطر الإنسان فيجب أن يكون عبداً لله، لا يتعبد قلبه لغير الله جل وعلا، وهذا من ناحية عبودية القلب. وكذلك الجوارح، كونه يخضع في ظاهره لغير الله جل وعلا، وإن كان قد يكون هذا تستراً وتقية، وإلا فالقلب يبغض هذا المخضوع له، بل قد يلعنه؛ لأنه إما أن يكون ظالماً يقهره بذلك ويذله، فهذا لا يكون عبادة؛ لأن العبادة لابد أن يجتمع فيها التعظيم والذل والحب، وإذا لم يجتمع فيمن يعبد الذل والخضوع والتعظيم مع المحبة لا يكون عابداً، ولكن كون الإنسان يصد عن عبادة الله ويعرض عنها نهائياً، ويشتغل في غيرها فهذا من الإعراض ومن عدم الاهتمام بعبادة الله جل وعلا، والله خلق عباده ليعبدوه، ولهذا أخبر الله جل وعلا عن الذين يعرضون عن آياته أنهم من أهل النار، نسأل الله العافية، والعلماء يذكرون من نواقض الإسلام أن الإنسان إذا لم يهتم بدينه ولم يرفع به رأساً يكون مرتداً وإن كان مع المسلمين، فلابد أن يهتم بدينه ويهمه مصيره وما خلقه الله له، ويسأل عن ذلك، ويؤدي الواجب عليه، فلابد من الالتزام، والالتزام شرط في صحة الإسلام، كونه يلتزم بالإسلام، ويلتزم بمعنى (لا إله إلا الله)، فيشهد أن لا إله إلا الله ويلتزم بذلك، وإلا فلا يفيده مجرد انتسابه، ومجرد كونه عاش في بلد مسلم وبين مسلمين إذا كان معرضاً عن عبادة الله. ومن الطواغيت من جاوز حده في الاتباع، وكون الإنسان يتبع في دينه شخصاً بعينه في أمور دنياه، لا يدخل في ذلك، بل ذلك في أمر الدين فقط، أما أمور الدنيا فللإنسان أن يفعل كل ما فيه صلاح دنياه إذا لم يكن ذلك محرماً، وهذا مباح له، ولكن كونه في أمر دينه يتبع شخصاً بعينه، فيجعل أقواله هي التي يجب أن يأخذ بها ولو جاءت النصوص من كتاب الله ومن أحاديث رسوله لم ينظر إليها، فيقول: هذا الشخص أعلم بها مني ومن الآخرين. فهذا الذي يخشى عليه؛ لأنه في الواقع جعل هذا الشخص في منزلة رسول الله ﷺ ، وهذا طاغوت؛ لأنه اتبعه في الدين بلا دليل، وليس الكلام في الذين لا يعرفون الأدلة، الكلام فيمن يعرف الدليل، أما العامي الذي لا يعرف دليلاً، ولا يعرف معاني الآيات ومعاني الأحاديث فهذا فرضه وواجبه أن يسأل من يثق به من أهل العلم؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، فهذا الذي يستطيع أن يفعله، ولو استطاع أن يتعلم لوجب عليه ذلك.

стр. 52

جميع الرسل يدعون إلى التوحيد ويحذرون من الشرك ومن الطاغوت من جاوز حده في الطاعة فيطيع المخلوق في المعصية، يعرف أنها معصية ويأمره بها، ويطيعه في معصية الله، فهذا المطاع في معصية الله يكون طاغوتاً، ومن أطاع مخلوقاً في معصية الخالق فقد اتخذه طاغوتاً، ويدل على هذا ما جاء في قصة عدي بن حاتم عندما قدم على النبي ﷺ وسمع رسول الله ﷺ يقرأ قول الله جل وعلا: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١]، والآية في اليهود والنصارى، وعدي بن حاتم كان من نصارى العرب، فقال للنبي ﷺ : (يا رسول الله! إنا لم نعبدهم! فقال: بلى، ألم يحرموا عليكم الحلال فحرمتموه، ويحلوا لكم الحرام فأحللتموه؟ قال: بلى، قال: تلك عبادتهم)، فليست العبادة فقط أن يسجد الإنسان لإنسان، ويحبه محبة الذل والخضوع، يكفي في هذا أن تكون عبادة طاعة، وعبادة الطاعة أن أطاعوهم في معصية الله؛ لأن الذي يترك الواجب ويأمر غيره بتركه هو في الواقع منازع لله جل وعلا محاد لله جل وعلا، وكذلك الذي يفعل المحرم ويدعو غيره إلى فعله ينازع الله جل وعلا في شرعه وفي أمره، ومن هذه الناحية يكون طاغوتاً. قال الشارح: [وأما معنى الآية فأخبر تعالى أنه بعث في كل طائفة من الناس رسولاً بهذه الكلمة ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، أي: اعبدوا الله وحده واتركوا عبادة ما سواه. كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة:٢٥٦]، وهذا معنى (لا إله إلا الله)، فإنها هي العروة الوثقى، قال العماد ابن كثير في هذه الآية: كلهم -أي: الرسل- يدعو إلى عبادة الله، وينهى عن عبادة ما سواه، فلم يزل سبحانه يرسل إلى الناس الرسل بذلك منذ حدث الشرك في بني آدم في قوم نوح الذين أرسل إليهم، وكان أول رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض إلى أن ختمهم بمحمد ﷺ الذي طبقت دعوته الإنس والجن في المشارق والمغارب، وكلهم كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، فكيف يسوغ لأحد من المشركين بعد هذا أن يقول: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل:٣٥]؟ فمشيئة الله تعالى الشرعية عنهم منفية؛ لأنه نهاهم عن ذلك على ألسنة رسله، وأما مشيئته الكونية وهى تمكينهم من ذلك قدراً فلا حجة لهم فيها؛ لأنه تعالى خلق النار وأهلها من الشياطين والكفرة، وهو لا يرضى لعباده الكفر، وله في ذلك الحجة البالغة والحكمة القاطعة، ثم إنه تعالى قد أخبر أنه أنكر عليهم بالعقوبة في الدنيا بعد إنذار الرسل، فلهذا قال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل:٣٦] انتهى. ]. سبق أن مشيئة الله جل وعلا عامة شاملة ما يخرج عنها شيء، وأن المشيئة إذا جاءت تكون مرادفة للإرادة الكونية؛ لأن الإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية وهي المشيئة، ولا يوجد فرق بين أن نقول: إن الله يفعل ما يريد. أو أن نقول: إن الله يفعل ما يشاء. كلها سواء بمعنى واحد، ولكن هناك معنى آخر للإرادة، وهي إرادة دينية، كما قال الله جل وعلا في ذكره للتخفيف والتيسير في الشرع: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٢٦ - ٢٨]، فالتخفيف ما وقع للناس كلهم، والبيان من الله وقع، والتخفيف كذلك وقع من الله، ولكن كثيراً من الناس ما انتفع به؛ لأنه لم يقبله ولم يرفع به رأساً، فالمقصود أن هذه الإرادة تتعلق بدينه، وتتعلق بكتابه وشرعه، أما الإرادة التي تتعلق بملكه وتصرفه فهي الإرادة الكونية، كقوله جل وعلا: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء:١٦]، يعني: أمرناهم أمراً قدرياً كونياً ففسقوا فيها فدمرناها تدميراً، فينبغي أن نفرق بين هذه وهذه. ثم سبق أن الإرادة الكونية -وهي المشيئة- لا تنافي كون الإنسان مريداً لما يفعله ومختاراً لما يفعله؛ لأن الله خلق الإنسان وخلق له قدرة وإرادة، وبهذه القدرة والإرادة والاختيار الذي خلقه له يستطيع أن يفعل الشيء الذي يريد أن يفعله، ويستطيع أن يترك الشيء الذي يريد تركه، ولهذا استحق الثواب على فعل الخير والواجب، واستحق العقاب على ترك الواجب وفعل المحرم. ثم إن الله جل وعلا زيادة في الرحمة والإحسان إلى العباد بين لهم ما شرعه من العقوبات على المخالفين، وما أكرم به المؤمنين الذين اتبعوا أمره وأطاعوه، وهذا أمر لا ينكره أحد، فكل الخلق يعرفونه؛ ولهذا يقول الله جل وعلا لنبيه: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٩] قل: لست أول رسول يأتي إلى الناس، فقد سبقني رسل، فينبغي أن تنظروا وتستدلوا. وبهذا يقطع الإنسان قطعا لا يتطرق إليه شك أنه رسول مثل الرسل السابقين؛ لأنه جاء بمثل ما جاءوا به، وقد قص الله جل وعلا علينا قصصهم، وقد أخبرنا ربنا جل وعلا أنه أرسل الرسل للأمر بتوحيد الله وطاعته وعبادته، وتنهى عن عبادة غيره، وأولهم نوح، فنوح ﵇ هو أول رسول أرسل إلى أهل الأرض، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء:١٦٣]، أما قبل نوح فكان بنو آدم على الحق، لا يحتاجون إلى رسول، فنبيهم هو أبوهم آدم ﵇ فهم يتبعونه، وبقوا على هذا -كما جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس - عشرة قرون كلها على التوحيد، ثم بعد ذلك طرأ الشرك عليهم، فبعث الله جل وعلا نبيه نوحاً ﵇، فبقي فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى توحيد الله، وهذا وقت الدعوة، لبث فيهم يدعوهم هذه المدة الطويلة ويرجو أن الله جل وعلا يبعث من أولادهم من يعبد الله، ولكن في النهاية كأنه يئس فقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧]، فدعا عليهم بدعوته التي استجاب الله جل وعلا له بها، فأغرقهم الله، ثم صارت ذرية نوح هم الباقين كما قال لنا ربنا جل وعلا، أما الذين معه في السفينة فكلهم فيما يظهر لم يعقب؛ لقوله جل وعلا: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات:٧٧]، ولهذا يقول المؤرخون: أبونا الثاني هو نوح. فكل من على وجه الأرض أبوهم نوح، وهو الأب الثاني، أما الأب الأول فهو آدم ﵇؛ لأن أولاده هم الذين صارت لهم الذريات التي انتشرت في الأرض، ثم حدث فيهم الشرك مرة أخرى، وقد صار أولادهم منتشرين في الأرض كلها، فكل إقليم أرسل إليه رسول لكل جهة من الجهات، وقد يكون في آن واحد عدد من الرسل، في وقت واحد يرسل كل رسول إلى بلاد، كما هو واضح في قصص الأنبياء، ومن أوضح ذلك ما جاء في قصة إبراهيم ﵇ مع من أضافهم من الملائكة، فلما قدم لهم الطعام أوجس منهم خيفة، فأخبروه أنهم أرسلوا إلى قوم لوط، وهذا يدلنا على أن لوطاً أرسل إلى جهة أخرى في وقت إبراهيم، فأخذهم الله جل وعلا بالعذاب، وكان إبراهيم يجادل فيهم. وعلى كل حال فحجة الله قامت على الخلق بإرسال الرسل، والله أخبرنا أنه أرسل رسله تتراً، ومعنى (تتراً): تتتابع. بعضهم في إثر الآخر، كلما احتاج الناس إلى رسول يرسله الله جل وعلا إليهم، وخاتمهم الذي ختموا به هو محمد صلوات الله عليه وعلى إخوانه المرسلين جميعاً، وعلى أمته تقوم الساعة، ولا يوجد بعده رسول؛ ولهذا أخبرنا جل وعلا أن الساعة اقتربت، كما قال جل وعلا: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]، ومن أسمائه صلوات الله وسلامه عليه: (نبي الساعة)؛ لأن الساعة تقوم عقبه على أمته، فليس للخلق حجة، وإذا علم الإنسان أن الله أرسل رسولاً وأنزل كتاباً وجب عليه أن يبحث عن ذلك، ويجب عليه وجوباً، ولا يجلس ينتظر ويقول: حتى يأتيني أحد يبين لي، أو يقول: أنا ما جاءني أحد، ما أحد بين لي، يجب عليك أن تبحث أكثر من طلب الطعام والشراب، فلو أن الإنسان جلس في بيته لا يطلب ما يأكل ولا يشرب ومات، فإنه يعد قاتلاً لنفسه، فكيف إذا جلس وترك دين الله؟! هذا أعظم إثماً من كونه يترك الأكل والشرب، فالذي يحبس نفسه عن الأكل والشرب حتى يموت يقال: إنه قاتل لنفسه. فتارك دين الله أعظم من ذلك، فالله جل وعلا يسأل الناس كلهم، قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:٦]، كلهم يسألون، وقد جاءت نصوص عن النبي ﷺ أن الإنسان إذا وضع في قبره يسأل عن ربه وعن نبيه وعن دينه، فيقال: من تعبد؟ وبأي دين تعبد؟ ومن الذي جاء بهذا الذي تتعبد به؟ هل جاءك به أحد أو هو من عند نفسك؟ إن المسألة ليست مسألة اختراع ونظر وقياس ونظر إلى المجتمع وفعل ما يروق له، المسألة تكليف من الله جاءنا من السماء على لسان رسول الله ﷺ ، فيجب علينا

стр. 53

دين الأنبياء واحد قال الشارح: [قلت: وهذه الآية تفسير الآية التي قبلها، وذلك قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل:٣٦]، فتدبر! ودلت هذه الآية على أن الحكمة في إرسال الرسل؛ دعوتهم أممهم إلى عبادة الله وحده، والنهي عن عبادة ما سواه، وأن هذا هو دين الأنبياء والمرسلين وإن اختلفت شريعتهم، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨]، وأنه لابد في الإيمان من عمل القلب والجوارح]. الشرائع هي التي تشرع للعمل، وتختلف شرائع الأنبياء، وهي التي يكون فيها النسخ، فشريعة تنسخ أخرى، وقد أنكر اليهود ذلك وقالوا: لا يجوز أن تنسخ شريعة موسى بشريعة عيسى. فأبوا أن يتبعوه، كذلك أبوا أن يتبعوا محمداً ﷺ من أجل ذلك، أما العبادة والتوحيد فكل الأنبياء دينهم الإسلام، وهو الاستسلام لله بالطاعة والانقياد له وإخلاص الوجه والقلب له، كلهم جاءوا بهذا، وهذا هو معنى (لا إله إلا الله)، فأصل الدين ألا يعبد إلا الله، وأن تكون العبادة بشرعه الذي شرعه لرسله فقط، وهذا أمر تتفق عليه الأديان كلها، وكل نبي جاء به، كما أخبرنا ربنا جل وعلا أنه يرسل الرسل وكل رسول يقول لأمته: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]. أما الشرائع من الحلال والحرام فإنها تختلف، فبعض الشرائع يكون فيها تضييق، وبعضها يكون فيها سعة، وأسمح الشرائع هي الشريعة الإسلامية، فهي سمحة سهلة، إلا أنها في العبادة هي أشد الشرائع لعبادة الله جل وعلا، لهذا سموه الدين الحنيف، والحنيف هو الذي يعدل ويعرض عن جميع الأديان والاتجاهات إلى الله وحده فقط، لهذا بين الرسول ﷺ أن كل ما كان فيه شائبة من الشرك فلا يجوز لأمته أن تفعله، حتى الألفاظ في ظاهرها فقط، وإن كان المتكلم لا يعتقد فيها إضافة الأفعال إلى أسبابها، كقول القائل مثلاً: لولا فلان ما كان كذا وكذا، فهذا نهانا عنه ﷺ ، وفي الحديث أنه: (قال له رجل: ما شاء الله وشئت. فقال: أجعلتني لله نداً؟ قل: ما شاء الله وحده)، ولهذا يقال: إنه صلوات الله وسلامه عليه سد طرق الشرك كلها التي توصل إليه، وحمى التوحيد من شوائب الشرك.

стр. 54

تفسير قوله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) قال المصنف: [قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٤]]. هذه الآية من الآيات المحكمات العظيمة التي فيها الأمر بعبادة الله وحده جل وعلا، وفيها الأمر بالإحسان إلى الوالدين، ونظائرها كثير في القرآن، فقوله جل وعلا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣]، هذا هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، ألا تعبدوا إلا إياه، فقوله: (ألا تعبدوا) هو معنى: (لا إله)، وقوله: (إلا إياه) هو معنى (إلا الله)، ومعنى (قضى) أمر وأوجب وألزم، أمر بعبادته وأوجبها وألزم عباده بها، وقضى شرعاً وأمراً، وليس قضاءً قدرياً؛ لأنه لو كان قضى قضاء قدرياً لعبده الناس كلهم، والواقع أن أكثرهم لم يعبدوه، ويتعين أن يكون معنى (وقضى) هنا: أمر وأوجب وألزم. أي: شرعاً. وقوله: (ألا تعبدوا إلا إياه) هذا فيه النفي والإثبات، نفي العبادة عن غيره وإثباتها له وحده، وهو الذي قلنا: إنه معنى (لا إله إلا الله) فيجب ألا يعبد إلا إياه. ثم بعد هذا يجب أن نعرف ما هي العبادة؟ إذا كانت العبادة لا تجوز أن تكون إلا لله فيجب علينا أن نعرف ما هي العبادة؟ وقد سبق أن العبادة كل فعل تفعله أو نية تنويها ترجو الثواب أو كل شيء تتركه وإذا تركته ترجو أن الله يثيبك، ولو فعلته تخاف أنه يعاقبك، فالعبادة تشمل أشياء كثيرة، تشمل الشرع كله، فكل الشرع داخل في العبادة.

стр. 55

فضل الإحسان إلى الوالدين قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣] يعني: وأمر أن تحسنوا بالوالدين إحساناً، وهنا حذف الفعل: (أحسنوا) وجاء بالمصدر (إحساناً) ليدل على أن الأمر يلزم منه كل ما يسمى إحساناً. فيدخل فيه كل الإحسان الذي تستطيع أن تفعله. وجاء في آيات متعددة أن الله جل وعلا يقرن الأمر بالإحسان إلى الوالدين بالأمر بعبادته، وهذا يدلنا على تعظيم حق الوالدين؛ ولهذا جاء أن العقوق مدعاة إلى دخول النار، فالذي يعق والديه ويجعل بدل الإحسان إساءة يكون متوعداً بالنار، نسأل الله العافية. وجاءت أحاديث كثيرة توضح هذا عن رسول الله ﷺ ، منها ما ثبت أن النبي ﷺ لما أخبر بالكبائر عد منها عقوق الوالدين، فمن أكبر الكبائر عقوق الوالدين، وكذلك حديث علي ﵁ في الصحيح أنه لعن الذي يلعن والديه فقال: (لعن الله من لعن والديه)، وفي رواية: (من سب والديه)، وفي حديث أنهم استغربوا كيف يلعن الرجل والديه! فبين أنه بكونه سبباً للعن والديه فقال: (يسب أبا الرجل فيسب الرجل أباه)، فيكون ملعوناً بهذا الفعل، ومنها أحاديث كثيرة فيها الأمر ببر الوالدين، وكذلك النهي عن عقوقهما، وهي معروفة مشهورة عن رسول الله ﷺ ، وهذا في الواقع يفرط فيه كثير من الناس، وفي حديث صحيح: (أن النبي ﷺ صعد المنبر وقال: آمين آمين آمين -ثلاثاً- فسئل عن هذا، فقال: أتاني جبريل ﵇ فقال: رغم أنف عبد ذكرت عنده فلم يصل عليك، قل: آمين، فقلت: آمين. ثم قال: رغم أنف امرئ أدرك رمضان فلم يغفر له، قل: آمين، فقلت: آمين. ثم قال: رغم أنف امرئ أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخل الجنة، قل: آمين، فقلت: آمين) يعني أنه لم يبرهما حتى يستحق ببرهما دخول الجنة، وكذلك أحاديث أخر كثيرة ثابتة صحيحة عن رسول الله ﷺ فيها وجوب طاعة الوالدين في غير المعصية، أما إذا أمرا بمعصية فلا يجوز طاعتهما في ذلك، والقرآن واضح في هذا في آيات متعددة، الله جل وعلا يقول: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان:١٤]، فقرن شكره بشكر الوالدين، وهذا من آكد ما يبين حق الوالدين على الولد، وهنا يقول جل وعلا: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣] واحد منهما الأم أو الأب أو كلاهما ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء:٢٣]، ذلك أنه إذا كبر الوالد فإنه يكون محلاً للأذى وما يتأفف منه؛ لأنه يعود ضعيفاً كما كان، فقد لا ينزه نفسه، ولا يستطيع أن يستقل بما ينبغي أن يفعله بنفسه، فقال: (ولا تقل لهما: أف)، والأف معناه: أن يتأفف من رائحة أو من قول أو من فعل، أو ما أشبه ذلك. يعني: لا يصدر منك ما يدل على التضجر منهما. وقد قال بعض السلف: لو أن الله جل وعلا علم شيئاً أدنى من التأفف لنهى عنه! ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣] أي: لا تنهرهما في الكلام. يعني: ترفع صوتك عليهما. وهذا لا يجوز، وأمر جل وعلا أن يقول لهما قولاً كريماً ليناً سهلاً داعياً لرضاهما، ثم أمر بالاستغفار لهما، سواء كانا حيين أم ميتين، يستغفر لهما، ويحسن إليهما الإحسان الدنيوي والإحسان الأخروي. ونبه جل وعلا على أن الوالدين قد أحسنا إليك سابقاً، وهما يرجوان قوتك ورشدك وشدتك، أما أنت إذا أحسنت فأنت ترجو موتهما وراحتك منهما، فلا ينبغي أن يكون بدل الإحسان إساءة. قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء:٢٤] يعني: بدل التربية والسهر والكد ينبغي لك أن تحسن إليهما. ويذكر أن عبد الله بن عمر ﵁ -وبعضهم يذكره حديثاً مرفوعاً- رأى رجلاً يحمل أمه وهو يطوف بها في الطواف حاملها على ظهره ويطوف بها، فقال له: أتراني قد أديت حقها؟ فقال: لا، ولا بطلقة يعني: ما كانت تقاس الشدة بوضعك ولا بطلقة مما حدث لها. وما يستطيع الإنسان أن يقوم بحق والديه، ولكن إذا أحسن وقام بما يستطيع فالله جل وعلا يعفو عنه ويثيبه، ولشده حق الوالدين وعظمه على الإنسان فإن الله جل وعلا غالباً يعجل عقوبة العاق مع ما يعد له في الآخرة نسأل الله العافية، وغالباً إذا عق الإنسان والديه فأبناؤه يعقونه، وقد جاء عن ثابت البناني -وهو تابعي من تلامذة أنس بن مالك الذين لازموه وأخذوا عنه الحديث- أنه رأى رجلاً في البصرة يضرب أباه، فاستعظم هذا وأراد أن يعاقبه، فالتفت إليه الوالد المضروب وهو يضرب ورفع رأسه إليه. وقال: دعه. فلقد كنت أضرب أبي في هذا المكان! يعني: كما صنع صنع به، وهل يكفي هذا؟ لا يكفي، ولو كفى لكان أمراً سهلاً، ولكن هناك عذاب الله نسأل الله السلامة، ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣]، وأعظم قطيعة للرحم عقوق الوالدين، ولا أعظم منها في قطيعة الرحم، فليحذر الإنسان كل الحذر من أن يغضب والديه أو يجلب لهما ما يسوؤهما؛ فإن هذا في الواقع أمر يقع لكثير من الناس، كثير من أبناء المسلمين يقع لهم هذا الشيء، نسأل الله العافية، وهو خطير جداً، وقد لا يتنبهون له، وعواقبه وخيمة في العاجلة والآجلة، وآيات الله في هذا واضحة جداً، أعني وجوب مراعاة الوالدين والقيام بحقوقهما وطاعتهما في طاعة الله جل وعلا والإحسان إليهما إحساناً مطلقاً في الحياة وكذلك بعد الممات، ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يحرصون حرصاً شديداً على أداء حقوق الوالدين، حتى كان إذا توفي والد أحدهم صار يبر أصدقاءه، وهذا من بره، كما جاء في الحديث: (أن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه). قال ﵀: [قال مجاهد (قضى) يعني: وصى. وكذا قرأ أبي بن كعب وابن مسعود وغيرهم، ولـ ابن جرير عن ابن عباس ﵁: (وقضى ربك) يعني: أمر. وقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] المعني: أن تعبدوه وحده دون ما سواه، وهذا معني (لا إله إلا الله)]. كان الرسول ﷺ يقول: (لا إله إلا الله)، ويقول: (سبحان الله)، (الحمد لله)، (الله أكبر)، وما أشبه ذلك من الذكر الذي كان الرسول ﷺ يقوله ويعلم أمته، وأعظم الذكر ما قاله ﷺ : (أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)، فهذا هو أفضل الذكر، أفضل ما يذكر الإنسان ربه به، وذلك أن التوحيد هو أفضل العبادة، وكثير من الناس يعدل عن هذا الذكر إلى غيره والفضل فيه في الواقع، وهو أفضل من غيره، ولكن الذكر باللسان فقط دون معرفة القلب ودون العمل فائدته قليلة، وقد لا يفيد، فينبغي للإنسان أن يتعرف على معاني ما يقوله ويعمل به.

стр. 56

من بر الوالدين قال الشارح ﵀: [وقول الله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣] أي: وقضى أن تحسنوا بالوالدين إحساناً كما قضى بعبادته وحده لا شريك له، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان:١٤]. وقوله: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣] أي: لا تسمعهما قولاً سيئاً حتى ولا التأفف الذي هو أدنى مراتب القول السيئ، ﴿وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣] أي: لا يصدر منك إليهما فعل قبيح، كما قال عطاء بن أبي رباح: لا تنفض يديك عليهما. ولما نهاه عن الفعل القبيح والقول القبيح أمره بالفعل الحسن والقول الحسن فقال تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء:٢٣] أي: ليناً طيباً بأدب وتوقير، وقوله: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء:٢٤] أي: تواضع لهما، ﴿وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٤] أي: في كبرهما وعند وفاتهما، ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء:٢٤]. وقد ورد في بر الوالدين أحاديث كثيرة، منها الحديث المروي من طرق عن أنس وغيره: (أن رسول الله ﷺ لما صعد المنبر قال: آمين آمين آمين. فقالوا: يا رسول الله! علام أمنت؟ قال: أتاني جبريل فقال: يا محمد! رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك قل: آمين فقلت: آمين. ثم قال: رغم أنف امرئ دخل عليه شهر رمضان ثم خرج ولم يغفر له، قل: آمين، فقلت: آمين. ثم قال: رغم أنف امرئ أدرك أبويه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، قل: آمين، فقلت: آمين)، وروى الإمام أحمد من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : (رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف رجل أدرك والديه أحدهما أو كلاهما لم يدخل الجنة). قال العماد ابن كثير: صحيح من هذا الوجه وعن أبى بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله! قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت) رواه البخاري ومسلم]. الرسول ﷺ قال لهم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى)، هكذا كثيراً ما كان النبي ﷺ يبدأ أصحابه بذكر العلم، وذكر ما ينبغي أن يعلموه، فقال: (الإشراك بالله)، والإشراك بالله هو أكبر الكبائر على الإطلاق، وقد جاء أن القول على الله بغير علم أكبر من الشرك عن بعض السلف، وهو من الشرك لأنه يتضمن ذلك. ثم قال: (وعقوق الوالدين)، فقرن بالشرك عقوق الوالدين، وهذا يوافق ما في هذه الآية: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣]، وضد العبادة الشرك، وكذلك ضد الإحسان العقوق، ثم قال في الحديث: (وقول الزور، ألا وشهادة الزور)، يقول: (وكان متكئاً فجلس)، كان متكئاً لما بدأ بالحديث، فلما جاء إلى ذكر الزور وشهادة الزور استوى جالساً ليكون صوته وتبليغه أبلغ، فصار يكررها: (ألا وقول الزور، ألا وقول الزور)، وقوله: (حتى قلنا: ليته سكت)، يعني: إبقاءً عليه ليته يسكت. وهذا من المبالغة، وهذا يدلنا على أن شهادة الزور أمرها عظيم، وأن كثيراً من الناس قد يقع فيها، فلهذا حذر وكرر صلوات الله وسلامه عليه، وشهادة الزور هي شهادة بالكذب، وكل شهادة بكذب فهي زور، كونه يشهد على شيء لا يعلمه ولم يشاهده، لا سيما إذا كان فيه قطع لحق الآخرين، وإعطاء الآخرين حقوق غيرهم، فإن هذا من أظلم الظلم فيما يتعلق بظلم الناس للناس، فهذه يترتب عليها حقوق الناس، وقد جاء في صحيح مسلم: (من اقتطع حق امرئ مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان)، وفي رواية: (فله النار، فقالوا: وإن كان شيئا قليلا يا رسول الله؟ قال: وإن كان قضيباً من أراك) يعني: وإن كان سواكاً. وفي خطبته ﷺ في حجة الوداع لما سألهم وقال: (أي يوم هذا؟ أي شهر هذا؟ أي بلد هذا؟) يسألهم وفي كلها يقول: (أليس الشهر الحرام؟ أليس البلد الحرام؟ أليس يوم الحج الأكبر؟)، ثم قال: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟) فجعل الأموال والأعراض والدماء كلها محرمة لا يجوز تناولها بشيء، وصار يكرر ذلك ﷺ ويقول: (ألا هل بلغت؟ اللهم! اشهد). فالمقصود أن حقوق الناس ليست بالسهلة، ولهذا قالوا: عند المحاسبة والجزاء حقوق الناس مبنية على المقاصة وعلى الاستقصاء لا يترك منها شيء، كما جاء عن عائشة أن الدواوين ثلاثة: ديوان لا يغفره الله، وديوان لا يترك الله منه شيئاً، وديوان لا يعبأ الله به شيئاً. فأما ما لا يغفره الله فالشرك ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فأي مشرك فإن الله لا يغفر له، كما أخبر الله جل وعلا عن ذلك. وديوان لا يترك الله منه شيئاً، وهو حقوق الناس بعضهم مع بعض، لا يترك منها شيء، فلابد أن تقتص، ولابد أن تستقصى، فكل حق لإنسان لابد أن يؤدى يوم القيامة، وتأديته بالحسنات والسيئات، يؤخذ من حسنات الظالم ويعطى المظلوم حتى يستقصي، فإن انتهت حسناته أخذ من سيئات المظلوم ووضعت على الظالم حتى يقضى حقه، لا يوجد خلاص أبداً، ثم يشدد عليه العذاب، نسأل الله العافية. أما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً فهو ما كان بين العبد وبين ربه، فهذا سبيله المغفرة، فإذا شاء ربنا جل وعلا غفر له.

стр. 57

شرح حديث (رضا الرب في رضا الوالدين) قال الشارح ﵀: [وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (رضا الرب في رضا الوالدين، وسخطه في سخط الوالدين)، وعن أسيد الساعدي ﵁ قال: (بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله! هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال: نعم. الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما) رواه أبو داود وابن ماجة، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جداً] معنى قوله: (الصلاة عليهما) الدعاء لهما. فإن الدعاء ينفع، وقول الله جل وعلا: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩] لا ينافي ذلك؛ لأن الولد من سعي الإنسان، وفي صحيح مسلم: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من صدقة جارية -يعني: الوقف الذي يوقفه الإنسان، فيجعل له وقف -بعده- أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)، أما غير ذلك فينتهي عمله إلا من هذه الثلاث. فدعوة الولد للوالد من بر الولد بوالديه، يدعو لهما مطلقاً، سواء أكان في صلواته أم في غيرها، وكونه ينفذ عهدهما يعني الوصايا التي أوصى بها والداه ينفذها ولا يتساهل فيها فإن هذا من بره، وهذا معلوم أنه مقيد بالشرع، وكذلك صلة الرحم التي لا توصل إلا بهما يصلها فيكون بمنزلتهما، وهذا من برهما، وكذلك صلة صديقهما إذا كان لهما صديق فيكرمه كما كان الوالد يحب ذلك، فهذا من تمام البر بعد ذهاب الوالدين وموتهما. وينبغي للإنسان ألا يتساهل بهذا فإن فيه فضلاً وأجراً، وهو من تمام البر.

стр. 58

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٦] دين الله تعالى وشرعه هو الصراط الذي يسير عليه عباد الله الصالحون، وهو الصراط الدنيوي الذي من استقام عليه في الدنيا وفق لعبور الصراط الأخروي الممدود على ظهر جهنم، والصراط الأخروي هو صراط حسي بخلاف الصراط الدنيوي الذي هو عبارة عن صراط معنوي

стр. 59

معنى قوله : (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً) قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦]]. هذا أمر من الله جل وعلا بعبادته، وأمره واجب الامتثال، وقد سبق أن العبادة هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، أي أن كل فعل يفعله الإنسان يتقرب به إلى الله، أو قول يقوله يتقرب به إلى الله، أو نية ينويها في قلبه يتقرب به إلى الله فهو عبادة، ويجب أن يكون هذا العمل خالصاً لله جل وعلا، ولا يجوز أن يكون منه شيء لغيره؛ لأنه سبحانه قال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦]. فقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦] يدل على أن العبادة لا تكون عبادة شرعية إلا إذا كانت خالية من الشرك، أما إذا كان فيها شرك فهي ليست العبادة الشرعية التي أمر الله جل وعلا بها وطلب من عباده أن يعبدوه بها، وإن كانت تسمى عبادة في اللغة فهي ليست عبادة في الشرع، فلابد من اجتماع هذين الأمرين: عبادة الله، وعدم الشرك. أي: أن يعبد الله العابد ولا يوجد الشرك، أما إذا وجد الشرك فقد انتفت العبادة وجاء بما يناقضها، هذا هو معنى قوله جل وعلا: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦]. يقول العلماء: أول أمر جاء في القرآن -على ترتيب المصحف- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١]، مع أن هذا في الواقع هو دين الرسل من أولهم إلى آخرهم، فكل رسول أرسل إلى قومه أمر قومه بالعبادة، بل أول ما يأمرهم به أن يقول: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، ومعنى قوله: (ما لكم من إله غيره) هو معنى قوله هنا في هذه الآية: ﴿وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦]. وكذلك خاتمهم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين جاء بهذا، فكان أول ما بعث يقول: (أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله)، ومعنى قوله: (لا إله إلا الله) هو معنى هذه الآية: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦]؛ لأن قوله: (لا إله) هو معنى: (ولا تشركوا به شيئاً)، وقوله: (إلا الله) هو معنى: (اعبدوا الله)، فهذا دين الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم اتفقوا على هذا، وهذا هو الذي لا يقبل الله جل وعلا غيره، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]. فأخبر أن الذي يأتيه مشركاً أنه غير مغفور له، وأن مأواه جهنم، وأن الذي يلقاه بذنوب ما عدا الشرك فإن الله يغفرها له إذا شاء، أي: بدون أن يعاقب صاحبها، أما الشرك فقد استثناه من جميع الذنوب وبين أنه لا يغفره لصاحبه. وقال جل وعلا في الآية الأخرى في المشركين الذين يتخذون أنداداً يحبونهم كحب الله، قال في نهاية الآيات: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧]، وقال في آية أخرى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢]، وبهذا يتبين عظم الشرك وأنه أمر عظيم جداً، فإذا كان صاحب الشرك لا يدخل الجنة، ومأواه جهنم خالداً فيها فيتعين على الإنسان الذي تهمه نفسه ولها قدر عنده أن يتعرف على الشرك خوفاً من أن يقع فيه وهو لا يدري، فلا يعذر بذلك؛ لأن الرسول ﷺ قد بينه ووضحه ولم يتركه ملتبساً مشتبهاً حتى لا يحتج محتج ويقول: أنا ما بان لي الأمر. وكون الإنسان يغفل عن هذا أو يعرض عنه فليس هذا عذراً؛ لأن الإنسان مكلف باتباع الرسول ﷺ ، ومكلف بأن يعلم ما قاله الرسول ﷺ في أصل العبادة، ولهذا كل ميت يسأل في قبره يقال له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وهي ليست مجرد كلمات لو حفظها الإنسان لاستطاع أن يجيب، بل مضمونها عمل ينطوي عليه القلب وتتحلى به الجوارح من إيمان بالله يقيني لا يتطرق إليه شك، وعمل ينبعث من النية والقصد والإرادة الذي يكون منطوياً عليه القلب وعازماً عليه، وكذلك اتباع للرسول ﷺ . فمعنى قوله: (من ربك؟) أي: من الذي تعبده؟ ومعنى قوله: (ما دينك؟) أي: بأي دين تتعبد؟ ومعنى قوله: (من نبيك؟) من الذي جاءك بالعبادة؟ وممن أخذت العبادة؟ وهل أخذتها من آبائك وأهل بلدك، ومن المجتمع الذي تعيش فيه؟ فإن أخذها عن هؤلاء فإن هذا لا يجدي لا يفيد، ولهذا قال في نهاية الحديث: (فإن كان موقنا فإنه يجيب -يعني: بلا تلعثم وبلا تردد-، وإن كان مرتاباً أو شاكاً فإنه يتلعثم ويقول: هاه هاه لا أدري، رأيت الناس يفعلون شيئاً ففعلته)، أو قال: (سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته)، فهذا لا يجدي، ولهذا يعذب ويضرب بمطارق من نار يلتهب عليه قبره، ثم يقول له الملك: (لا دريت ولا تليت)، أي: ما علمت العلم النافع الذي يكون يقيناً يبعث على العمل، ولا تلوت كتاب الله حتى تتيقن من ذلك. فإذاً لابد للعبد أن يعبد ربه، ولابد له أن تكون العبادة خالصة لله جل وعلا، ولابد أن تكون العبادة مأخوذة عن الرسول ﷺ ، هذه أمور ثلاثة لابد منها على كل إنسان، وإن أخل بها فاللوم عليه، والله جل وعلا أنزل كتابه وأرسل رسول الله ﷺ لبين هذا ويوضحه بجلاء، فكيف يجوز للمسلم أن يخفى عليه أمر عبادة ربه، أو يخفى عليه الشرك؟! وكثير من الناس من يلتبس عليه هذا الأمر؛ لأنه يجهل معنى العبادة، ويجهل ما معنى (عبد)، ويجهل معنى (التأله)، ولا يدري ما معنى (الإله)، ولهذا تجد كثيراً ممن يقول: (لا إله إلا الله) يقع في الشرك، فيأتي بما يناقض هذه الكلمة، بأن يطوف على القبر ويدعو الولي، ويمد يديه إليه ويقول: يا سيدي فلان! أعطني كذا وكذا، ويا سيدي فلان! أنا بحسبك، أو: أنا بجوارك، أو: أريد أن تنفعني بكذا، أو: أريد أن تصد عني كذا وكذا، ونحو ذلك من هذه الدعوات التي لا يجوز أن تكون إلا لله، وهذا هو الذي يجب أن يكون التوحيد فيه؛ لأن الدعاء هو: طلب النفع ودفع الضر، والدعاء في كل ما هو من الغيب كدعاء الغائب من ميت أو حي يوقع الإنسان في الشرك. ثم مما يعين على معرفة هذا أن يتأمل الإنسان شرك المشركين السابقين الذي نزل القرآن بتخليدهم في النار والذين بعث فيهم رسول الله ﷺ ، فسيجد أن الله جل وعلا وضح هذا وبينه، والرسول ﷺ كذلك وضحه، وأخبر جل وعلا في القرآن في مواضع متعددة بأنهم كانوا إذا سئلوا من الذي خلق السموات والأرض؟ قالوا: الله. أي: ما أحد شاركه في هذا. وإذا سئلوا من الذي ينزل من السماء ماء فيخرج به من الثمرات رزقاً لكم؟ قالوا: الله وحده. وإذا سئلوا: من الذي خلقكم؟ ومن الذي خلق الذين من قبلكم؟ قالوا: الله. وإذا سئلوا: من الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء؟ قالوا: الله. وإذا سئلوا: لمن السماوات والأرض؟ قالوا: لله. وهذا أمر واضح في القرآن، فهل كان شركهم أنهم يقولون: إن مع الله خالقاً؟ الجواب كلا، بل شركهم أنهم كانوا يتوجهون إلى أشجار وإلى أحجار وإلى عباد وإلى كواكب وإلى أنبياء فيدعونهم ويقولون: نجعلهم وسائط بيننا وبين ربنا ليشفعوا لنا، ويقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. فليوازن الإنسان بين عبادتهم وبين ما يحصل لكثير ممن يدعي الإسلام وهو يتضرع إلى الأموات الذين في قبورهم الذين لا يستطيعون أن يكفوا الدود عن أجسادهم، ويسألهم جلب النفع ودفع الضر، فهذا ليس فيه إشكال ولا خفاء على من نظر في كتاب الله جل وعلا أنه شرك، فيجب على العبد أن يعرف هذا، وأن يتنبه قبل أن يأتيه الموت؛ لأن الله جل وعلا قال لنا في هذه الآية: (اعبدوا الله) وهل يجوز للإنسان أن يخفى عليه أمر الله ويقول: ما أدري ماذا أراد مني ربي؟! والله قد قال: (اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً)، فأمر بالعبادة ونهى عن الشرك، وهل للإنسان حجة إذا وقف بين يدي الله أن يقول: يا رب! ما دريت ماذا تريد بقولك: (اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً)؟! وهل يمكن أن ينتفع الإنسان بهذا القول؟! إذاً ما فائدة إنزال الكتاب؟ وما فائدة إرسال الرسول؟ فلابد للإنسان أن يعرف كيف يعبد ربه، وبم يعبد ربه، ومن أين جاءت العبادة، وأصل الدين الإسلامي مبني على هذا، ألا يُعبد إلا الله وألا يشرك به شيء، وأن تكون العبادة مأخوذة من الوحي، لا من الرأي ولا من الذوق، ولا مما وجد الناس بعضهم بعضاً عليه وتوارثوه، وإلا فيكون الإنسان ممن ذكر الله جل وعلا أنهم قالوا: ((إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف:٢٣] يعني: على ملة ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]، وهل هذا يفيد؟ الجواب كلا. فهذا هو أصل دين الإسلام الذي يتعين على العبد أن يعتني به باهتمام بالغ ولا يفرط فيه، وإلا فيكون مؤاخذاً.

стр. 60

الحقوق العشرة في قوله تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً) قال الشارح ﵀: [قال العماد ابن كثير ﵀ في هذه الآية: يأمر الله تعالى عباده بعبادته وحده لا شريك له؛ فإنه الخالق الرازق المتفضل على خلقه في جميع الحالات، وهو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئاً من مخلوقاته. انتهى. وهذه الآية هي التي تسمى آية الحقوق العشرة]. الحقوق العشرة هي: الأول: حق الله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦]. الثاني: حق الوالدين: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء:٣٦]. الثالث: الوصية بذي القربى: ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء:٣٦]. الرابع: الوصية باليتامى: بأن يحسن إليهم، ويحفظ مالهم ويقوم عليه بالمصالح التي تصلحه وتنميه، ولا يقربه إلا بالتي هي أحسن كما سيأتي. الخامس والسادس: الوصية بالجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب، فذو القربى هو: الذي بينك وبينه قرابة نسب أو صلة الإسلام. والجار الجنب هو: الذي يكون بجنبك ولو لم يكن من المسلمين، فعليك أن تحترم جواره وتحسن إليه ولا تؤذيه وتبذل نفعك له. الثامن: الوصية بالمساكين. والمساكين: هم الفقراء. التاسع: الوصية بابن السبيل. العاشر: الوصية بملك اليمين، وكذلك الإحسان إلى الخلق جمعياً، فإذا كان أخ لك أحببت له النصح والإرشاد، وتود له ما توده لنفسك، وإن كان غير ذلك فتدعوه إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وإذا احتاج الأمر إلى مجادلة فجادله بالتي هي أحسن، ليس بالشيء الحسن، وإنما بالتي هي أحسن، حتى يكون هذا أدعى لقبوله الحق؛ لأن المقصود من الدعوة نفع الخلق وبراءة الذمة والقيام بأمر الله جل وعلا، فالله جل وعلا يقول لنبيه ﷺ -وأمته تبع له بلا شك-: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]، فأتباع الرسول لابد أن يكون لهم نصيب من هديه ومن مسلكه ودعوته، وإلا فكيف يكون أحدهم من أتباعه وهو لا يقوم بما كان يقوم به الرسول ﷺ .

стр. 61

قوله تعالى: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم) الآيات قال الشارح ﵀: [وفي بعض النسخ المعتمدة من نسخ هذا الكتاب تقديم هذه الآية على آية الأنعام، ولهذا قدمتها لمناسبة كلام ابن مسعود ﵁ الآتي لآية الأنعام، ليكون ذكره بعدها أنسب. وقول الله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥١ - ١٥٣]]. هذه الآيات الكريمات جمعت فأوعت، جمعت الأمور التي يجب على العبد أن يراعيها وأن يتحلى بها، ولهذا قال ابن مسعود ﵁: (من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله ﷺ التي عليها خاتمة فليقرأ هذه الثلاث الآيات)، وسيأتي شرح كلامه ﵁، ومعلوم أن رسول الله ﷺ لم يوص إلى أحد، ولم يوص بشيء غير كتاب الله جل وعلا وسنته ﷺ ، كما قال في حجة الوداع: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله)، فجعل يوصي بالأخذ بكتاب الله، وكثير من آيات القرآن جاءت بمعنى هذه الآيات، وهي كثيرة جداً، والله جل وعلا يكرر هذه الأمور في القرآن لعظمها ولتأكيدها، كما مر من الآيات التي في سورة النساء، وكذلك التي في سورة البقرة وغيرها وهي بهذا المعنى، وفي هذه الآيات يأمر الله جل وعلا نبيه بأن يقول للناس: (قل تعالوا) أي: هلموا إليَّ وأقبلوا واستمعوا ما أقول لكم. أي: ليس هو قولاً من عندي ولا من عند فلان، هو قول ووحي من الله اتلوه وأقصه عليكم وأذكركم به وأبلغكم إياه؛ لأنه أمر الله الذي لا يجوز أن يرد ولا يجوز أن يتساهل به.

стр. 62

الوصية بترك الشرك وأول ما أتلوا عليكم من وحي الله أن الله حرم الشرك، (أن لا تشركوا به شيئاً)، والمعنى: اعبدوا الله وحده واجتنبوا الشرك؛ لأنه إذا نُفي الشرك لزم إثبات العبادة لله وحده كما سبق.

стр. 63

بر الوالدين من أعظم الطاعات قال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة:٨٣] أي: كذلك أتلوا عليكم أن الله أمركم بأن تحسنوا إلى الوالدين إحساناً. وهنا يقول العلماء: حَذَفَ متعلق الإحسان ليدل على العموم. فكل ما سمي إحساناً يشمله هذا الأمر، وكثيراً ما يقرن الله جل وعلا حق والوالدين بحقه. والإحسان إلى الوالدين هو طاعتهما بالمعروف والقيام على خدمتهما، وكذلك مساعدتهما في طاعة الله ومعاونتهما عليه، ودعوة الله لهما بأن يرحمهما وأن يتجاوز عنهما، وكذلك جلب النفع الدنيوي لهما بكل ما يستطيع، وكذلك ألا يترفع عليهما، ولا يقابلهما بالكلام النابي، بل بالكلام الذي يدل على اللين وعلى حسن المعاملة والمعاشرة، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٤] فهذا الذي ذكره الله جل وعلا في آيات الإسراء هو الإحسان الذي ذكره في هذه الآية وأجمله.

стр. 64

قتل الأولاد خشية الفقر من الكبائر العظيمة قال تعالى: (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق) الإملاق: هو الفقر. أي: لا تقتلوهم خوفاً من الفقر، فإن الأمر ليس إليكم؛ فإن الله تكفل برزقهم. ولهذا قال: (نحن نرزقكم وإياهم)، فأخبر أن رزق الوالدين ورزق الأولاد على الله ليس على الناس، فالإنسان لا يجوز أن يكون نظره إلى أن الرزق يأتي من كد يده ومن صنعته ومن حسن تصرفه، كما يقوله كثير من الناس الذين يضيف أحدهم الأمر إليه، بل يجب أن يجعل الأمر لله جل وعلا. وقوله: (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق) جاء هذا لأن بعض العرب -وليس كلهم- كانوا يقتلون أولادهم خوفاً من الفقر، وبعضهم كان يقتل البنات فقط خوفاً من العار، وليس من الفقر، والعار معناه عندهم أنهم يخشون أن تزني، فيصبح هذا عاراً على أبيها وأهلها، فكانوا يئدونها ويدفنونها حية، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩] يعني: هل لها ذنب وهي بنت صغيرة حتى تدفن حية؟! ووجه هذا السؤال إليها لعظم الأمر حتى يعرف الظالم مقامه، فكان بعضهم يصنع هذا، فيئدون البنات خوفاً من العار، وبعضهم كان يقتل حتى الذكور خوفاً من الفقر إذا كثروا، وهذه قد أصبح الكفار ينشرونها بين المسلمين، وهي سنة الجاهلية السابقة أصبح الكفار من اليهود والنصارى أعداء الله وأعداء دينه ينشرونها في بلاد المسلمين، ويروجون أن كثرة الأولاد لا تنبغي، وينبغي أن الإنسان يرتب نسله خوفاً من أنه لا يستطيع التربية، ولا يستطيع تعليمهم، ولا يستطيع القيام بحقوقهم، وأن الأرض سوف تضيق بهم، وأن الأرزاق سوف تقل ثم يأتي الجوع فيموت الناس جوعاً فيقولون: بعد كذا سنة سوف يموت كذا وكذا من الآلاف أو من الملايين جوعاً. ويتصرفون في ملك الله، ويظنون أن الأمور بأيديهم، وكل هذا أريد به السوء للمسلمين فقط، أما الكفار فلا يوجد هذا عندهم، بل في بعض دول الكفر يجعلون مكافأة لمن يكون له مولود، وكلما ولد له مولود آخر أوجدوا له مكافأة ووظيفة، فهم يشجعون كثرة المواليد، فكيف يوجهون المسلمين وهم يقتلونهم؟! والأوضاع الحاضرة لا تخفى، فالمسلمون يقتلون في كل مكان كتقتيل الأنعام، وليس لهم قيمة عند هؤلاء الكفار، وكل ذلك لأن المسلمين في الواقع تركوا أمر الله وصاروا غثاء كغثاء السيل، كما قال الرسول ﷺ : (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها. قالوا: أمن قلة نحن يا رسول الله؟! قال: لا، أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، تنزع المهابة من قلوبكم ويقذف في قلوبكم الوهن. قيل: يا رسول! وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت)، وهذا هو الداء الذي وقع فيه كثير من المسلمين اليوم، وهذا خلاف ما كان عليه السلف الصالح وما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم، فلما استعصت بعض الحصون على خالد بن الوليد صار يخاطبهم ويقول: (يا هؤلاء! والله! لقد جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة، اصنعوا ما شئتم فلن تفلتوا من أيدينا)، وكان أحدهم إذا سقط قتيلاً بسلاح العدو يهنئونه قائلين: هنيئاً لك الشهادة. وكل واحد يود لو أنه مكانه، وكانوا يحبون الموت كما يحب أعداؤهم الحياة، فإذا وجد هذا في المسلمين اليوم فلن تقوم أمامهم أمريكا ولا غيرها من الدول الكافرة، ولن تستطيع أن تقوم في وجوههم؛ بشرط أن يلتزموا بأمر الله جل وعلا كما قال سبحانه: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، وهذا وعد من الله، والله لا يخلف وعده، فهذا شرط لا يتحقق إلا إذا وجد المشروط، فإذا وجد نصر الله منا والثبات على دينه وجد نصر الله لنا، أما أن نعرض عن دين ربنا جل وعلا ويصبح ديننا بين التهاتر والتباغض والتقاطع وحب الذات وجلب المنافع للإنسان نفسه حتى على حساب الآخرين فالواقع أنه لا يكون لنا ميزة، ولما ذهب عمرو بن العاص ﵁ إلى قتال الروم في مصر احتاج إلى مدد وزيادة جنود؛ لأن الروم أعدوا أكثر من مائة ألف مقاتل، والذين كانوا معه لا يتجاوزون عشرين ألفاً، فكتب كتاباً إلى أمير المؤمنين عمر ﵁ يستنجده ويقول: أريد عشرين ألفاً. أو قال: أربعين ألفاً، فكتب إليه عمر ﵁: (ما عندنا أمداد مما تذكر، ونحن لا نقاتل بعددنا ولا بعدتنا، وإنما نقاتل بإيماننا وبوعد الله لنا، ولكن احترس من الذنوب أشد من احتراسك من عدوك، واعلم أن النصر بيد الله، فإذا اتقيتم الله جل وعلا وأخلصتم له فسوف ينصركم، وإني ممدك بأربعة رجال فقط)، فأرسل له أربعة بدل هذا العدد الذي طلبه، وكانت وصيته أنه قال له: احترس من الذنوب أشد من احتراسك من عدوك؛ فإنها هي التي تنصر العدو عليكم، فميزة المسلمين يكونوا ملتزمين بأمر الله جل وعلا، أما إذا فرطوا فقد جاء في أثر يروى يقول الله جل وعلا فيه: (إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني)، والذي لا يعرف الله أمرُهُ منتهٍ، ولكن الذي يعرف الله كيف يعصيه؟! فإذا عصى صارت العقوبة أقرب وأسرع إليه، وإن كان مآله في الآخرة ليس كمآل هؤلاء، ولكن يكون عقاباً عاجلاً. والمقصود أن قول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام:١٥١] عام شامل حتى في الذي يخاف أنه إذا ولد له أولاد أنه يحدث له الفقر، أو يحدث له القلة، وأنه لا يستطيع القيام عليهم، وهذا أمر قد تكفل الله جل وعلا به، كما ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد)، فيكتب الرزق وهو في بطن أمه، فكيف يستطيع أحد أن يرد رزقه؟! بل هو مكتوب مفروغ منه، وقد رزقه وهو لم يخلق بعد، ولا يمكن أن يغير أو يبدل ما كتبه الله جل وعلا، ولكن بلا شك أن الله جعل لكل شيء سبباً، وأن الله هيأ الأسباب وأمر بفعلها، فنقول: أنت عليك فعل السبب والأمر، وحصول النتائج على الله، فيجب أن تتكل على ربك في ذلك، ولا يكون الفقر نصب العينين. وجاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله! أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك)، ولو سأله أيضاً عن شيء آخر لأخبره، ولكنه سكت. فأخبر النبي ﷺ أن أعظم الذنوب أن يشرك الإنسان بالله جل وعلا، وأن يجعل لله نداً وهو خلقه، وهو المتصرف في خلقه المتوحد بذلك ليس له شريك، وهو الذي هيأ له الحياة ومستلزماتها. وقوله بعد هذا: ثم أي؟ يعني: ما هو الذنب الذي يلي هذا في العظم؟ فقال: (أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك)، يعني: خوفاً من الفقر. وذكر هنا أعظم القتل وأشنعه، وإلا فالقتل كله محرم كما سيأتي، ولكن الجبلة التي جبل الله جل وعلا عليها الخلق أن الإنسان يحنو على ولده ويرحمه ويحسن إليه، فإذا جعل بدل الحنو عليه والرحمة له والإحسان إليه إساءة انقلبت الأمور واشتد الذنب وصار العقاب أعظم. وكذلك الزنا، فالزنا فيه من المفاسد ما فيه كما هو معلوم، من اختلاط الأنساب، وإفساد فرش الناس، وإفساد بناتهم وزوجاتهم، وكذلك فيه من الأمراض التي يعرفها من يعرف هذا، ففيه من الفساد الخلقي والفساد الجسدي والفساد الديني الشيء العظيم، فالزنا عظيم، وأعظم الزنا أن يزني الإنسان بذات رحم له، ويليه في العظم أن يزني بزوجة جاره، كما قال هنا: (أن تزاني) وجاء بلفظة (تزاني) لأن هذا يدل على الموافقة من الجانبين، أما إذا كان من جانب واحد ويكون الجانب الآخر مرغم فيتضاعف العذاب أيضاً، والجرم أن تزاني بحليلة جارك، يعني: بزوجة جارك. لأن الواجب في الإسلام أن يحفظ الإنسان حرمة جاره، كما جاءت الأحاديث في ذلك، ومنها قوله ﷺ : (والله لا يؤمن! والله لا يؤمن! والله لا يؤمن! -هكذا كررها الرسول ﷺ ثلاثاً- قالوا: من؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه)، فالذي لا يأمن جاره أذاه وخيانته فليس عنده إيمان. ويقول ﷺ : (لم يزل جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)، أي: يكون له ميراث، فهنا معنى قوله جل وعلا أنه وصاكم بترك الشرك، وبالإحسان إلى الوالدين، وكذلك الإحسان إلى الأقارب ومنهم البنين. قال سبحانه: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام:١٥١].

стр. 65

كل الفواحش الظاهرة والباطنة محرمة ثم قال بعد هذا: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام:١٥١]. الفواحش: هي كل فعل يفحش في نفسه، ويقبح في العقل، ولكن الضابط هنا أن يكون فاحشة في الشرع، فكل ما حرمه الله فهو فاحشة، ولكنها تتفاوت، فبعضها أعظم من بعض، وهنا نهي عام شامل عن الباطن والظاهر، وقد اختلف العلماء ما المقصود بالباطن والظاهر هنا؟ فقال قوم: المقصود بالظاهر: ما يفعل علناً أمام الناس وهم يشاهدونه، والباطن: ما يفعل سراً. أي: ما تفعله وتختفي عن الناس في فعله، فالله ينهى عن هذا وهذا. ومنهم من يقول: الباطن ما يفعل بالجوارح بالأيدي والأرجل، واللسان بالقول بالكلام، والباطن ما انطوى عليه القلب وقصده ونواه من الحسد والغل والغيبة وغير ذلك. ومنهم من قال غير هذا، والمعنى أن هذا شامل لكل أمر فيه مخالفة، سواء فعل بالجوارح أو كان بالنية وانطوت عليه القلوب، وسواء أكان ظاهراً يراه الناس أم كان مستوراً، فالله نهى عن هذه كله.

стр. 66

حكم قتل النفس المعصومة قال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام:١٥١]. قوله: (ولا تقتلوا النفس) هذا تعميم بعد تخصيص؛ لأنه نهى عن قتل الأولاد أولاً وهو من قتل النفس، ثم جاء هنا التعميم فقال: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق)، فهذا يشمل حتى الكفار إذا كان لهم عهد ولم يكن هناك حرب بين المسلمين وبينهم، فلا يجوز قتلهم في أي حال من الأحوال، وقد جاء في الحديث: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفاً)، والحديث في صحيح مسلم، فقوله: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة)، أي: هو كافر. فكيف بالذي يقتل مسلماً؟ فقد جاء أن زوال الدنيا بأسرها أهون على الله من قتل مؤمن، وجاء أن الله جل وعلا يقول: لو اجتمع أهل السموات والأرض على قتل مسلم لأكبهم في النار كلهم، وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت مشركاً، والرجل يلقى الله بدم حرام)، ولهذا كان ابن عباس ﵁ يقول: (من قتل مسلماً فلا توبة له)؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣]، وقد أخبر الله أنه يغضب عليه ويلعنه ويعد له جهنم، ولكن الصواب الذي عليه العلماء أن القاتل إذا تاب تاب الله عليه، ويقول ابن القيم ﵀ في هذا: إن القتل يتعلق به ثلاثة حقوق: حق لله جل وعلا حيث حرم القتل، فهذا إذا تاب الإنسان منه تاب الله عليه، وحق لأولياء المقتول وهذا يسقط بالقصاص أو بدفع الدية أو بالعفو، وحق للمقتول نفسه فهذا لا يسقط، ولابد من استيفائه يوم القيامة إلا إذا شاء الله؛ فإنه قد يرضي المقتول عن القاتل، ولهذا جاء أن أول ما يُقضى به بين الناس يوم القيامة الدماء، وأن المقتول يأتي يحمل رأسه وأوداجه تشخب دماً متعلقاً بقاتله يقول: يا رب! سل هذا لم قتلني؟ وفي الصحيحين أن الرسول ﷺ قال: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قالوا: يا رسول الله! هذا القاتل -أي: أمره ظاهر- فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه)، فالقتل محرم عموماً، كما قال تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة:٣٢]، فهو أمر عظيم جداً. وقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء:٣٣] استثنى التي بالحق، وجاء في الحديث الصحيح: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)، و (التارك لدينه) أي: المرتد الذي يرتد ويترك الدين يقتل. وهذا قتله بالحق، والذي يزني وقد من الله جل وعلا عليه بالزوجة الحلال، فإن حكمه الرجم بالحجارة حتى يموت، ويذوق بدنه كله الألم الذي ذاق الشهوة المحرمة، وكذلك النفس بالنفس، فإذا قتل إنسان إنساناً فإنه يقتل به، وكذلك الكفار إذا صار بينهم وبين المسلمين قتال فإن قتلهم بحق؛ فإن الله جل وعلا يقول: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة:٣٦]، فحرض على قتلهم وأمر به لأنه حق. وقوله سبحانه: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام:١٥١] يعني: هذه الأمور هي الوصية التي وصانا بها. والوصية: هي التأكيد على الأمر والإلزام به والاهتمام به أكثر وصانا بهذه لعلنا نعقلها فنحفظها ونعمل بما قال لنا ربنا جل وعلا.

стр. 67

حكم أكل أموال اليتامى ثم بعد هذا يقول جل وعلا: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام:١٥٢]، في الآية السابقة يقول: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام:١٥١] وأكل مال اليتيم داخل فيها بلا شك، ثم هنا ينص عليه تأكيداً واهتماماً به أكثر، فقال: (لا تقربوا) بدل (لا تأكلوا) ليعم جميع أنواع التصرف وقربانه، ثم استثنى التي هي أحسن، والتي هي أحسن: القيام على تنميته والتصرف فيه تصرفاً يعود على اليتيم بالخير والنفع، أما ما عدا ذلك فلا يجوز، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام:١٥٢] و (الأشد) هنا: أن يعقل ويحسن التصرف، كما ذكر ذلك جل وعلا في آيات سورة النساء، وبين أنه إذا أحس منهم الرشد فتدفع إليهم أموالهم، والرشد هو: حسن التصرف في المال، مع بلوغ السن التي يرشد فيها.

стр. 68

من الفواحش التطفيف في المكيال والميزان قال سبحانه: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ [الأنعام:١٥٢]، وهذا أيضاً يدخل فيما سبق، فالنهي عن تطفيف الميزان وكذلك بخس الناس أموالهم وحقوقهم يدخل في الفواحش التي سبق ذكرها، وأعاد ذلك ونص عليه تأكيداً له، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الإسراء:٣٥] يعني أن الإنسان إذا باع واشترى يجب أن يبيع بحق ولا يجوز أن يكون فيه بخس، أو يكون فيه غش، أو يكون فيه نقص، لا في الكمية ولا في الكيفية، ويكون مغشوشاً في الكيفية بأن يخفي العيب عن المشتري، فإن هذا ليس من الحق، فإذا فعل فقد أكل مال الناس بالباطل، وأما الكمية فكأن ينقص الوزن أو الكيل.

стр. 69

الخطأ مع بذل الوسع معفو عنه وقوله تعالى: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام:١٥٢] معنى هذا أن الإنسان إذا بذل وسعة واجتهد في أداء الحق الاجتهاد الذي يستطيعه ثم أخطأ في شيء قليل فإنه معفو عنه، (لا نكلف نفساً إلا وسعها)، فإذا أخطأ في الشيء القليل بعد أداء الاجتهاد وبذل الوسع في أداء الحق فإنه معفو عنه، وهذا معنى قوله جل وعلا: (لا نكلف نفساً إلا وسعها) يعني: إلا ما تسعه، ولا نكلفها شيئاً لا تسعه ولا تطيقه، والوسع هو: الطاقة والاستطاعة.

стр. 70

وجوب القول بالعدل ولو على ذوي القربى ثم قال جل وعلا: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام:١٥٢]، يعني: إذا شهد الإنسان أو تكلم بكلام يجب أن يكون كلامه بالعدل والصدق ولو كان على قريب لك، كإبنك أو أخيك، أو على صديقك، فيجب أن تقول العدل والحق، وألا تأخذك في الله لومة لائم على هذا، وكذلك إذا كان المقول فيه عدواً فلا يجوز أن تتجاوز الحق فيه، فإذا قلت فاعدل، وهذا أمر عام، فيجب على الإنسان إذا تكلم أن يتكلم بالحق، ولا يجوز أن يخفي حقوق الناس لأجل أنه لا يروق له أو لا يناسب مذهبه أو لا يناسب جماعته أو ما أشبه ذلك؛ فإن هذا من أعظم الاغترار نسأل الله العافية.

стр. 71

وجوب الوفاء بالعهد ثم قال: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ [الأنعام:١٥٢]، وهذا عام يعم كل ما سبق، فعهد الله هو كل ما عهد إلينا بحفظه أو باجتنابه، وكل شيء عهد الله جل وعلا إلينا بأن نعمله أو ألا نعلمه يجب أن نفي به، ويكون من الخصوصيات في هذا، والأيمان والمواثيق التي تحدث بين الناس وبين الدول يجب أن يوفى بها، بل من باب أولى أن يوفى بها؛ فإن الله أمر بهذا. وقوله تعالى: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام:١٥٢] يعني: وصية الله تقدم بها إليكم لعلكم تذكرونها ثم تخافون عقاب الله وترجون ثوابه فتفعلونها.

стр. 72

وجوب التمسك بالصراط المستقيم ثم قال جل وعلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام:١٥٣]. يعني: ووصاكم بأن هذا الذي تقدم به إليكم هو صراط الله. وصراط الله هو دينه الذي شرعه لعباده: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام:١٥٣] يعني: واضحاً جلياً لا اعوجاج فيه ولا خفاء. ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام:١٥٣] أي: اسلكوه ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣]، فهذه في الواقع من الآيات العظيمة الجامعة التي من حفظها حفظ دينه، وبُدئت بالنهي عن الشرك؛ لأن النهي عن الشرك يستلزم عبادة الله، وعبادة الله لا تكون إلا باتباع الرسول ﷺ ، فهي تستلزم معرفة الله والعمل بدينه ومعرفة الرسول ﷺ . [قال العماد ابن كثير ﵀: يقول تعالى لنبيه ورسوله محمد ﷺ : (قل) لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله وحرموا ما رزقهم الله: (تعالوا) أي: هلموا وأقبلوا (أتل) أقص عليكم (ما حرم ربكم عليكم) حقاً لا تخرصاً ولا ظناً، بل وحياً منه وأمراً من عنده، (ألا تشركوا به شيئاً)، وكأن في الكلام محذوفاً دل عليه السياق تقديره: وصاكم ألا تشركوا به شيئاً، ولهذا قال في آخر الآية (ذلكم وصاكم به) اهـ. قلت: فيكون المعنى: حرم عليكم ما وصاكم بتركه من الإشراك به. وفي المغني لـ ابن هشام في قوله تعالى: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام:١٥١] سبعة أقوال، أحسنها هذا الذي ذكره ابن كثير، ويليه: بين لكم ذلك لئلا تشركوا. فحذفت الجملة من أحدهما -وهي: (وصاكم) - وحرف الجر وما قبله من الأخرى]. لغة العرب التي عرفها من اعتنى بها أفصحها وأعظمها أن يحذف الشيء الذي يعرفه السامع ولا يحتاج البليغ إلى ذكره، فإذا حُذف يكون أبلغ وأفصح، والقرآن سار على هذا النهج.

стр. 73

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٧] صراط الله المستقيم واحد لا يتعدد، بخلاف سبل الباطل فإنها كثيرة ومتعددة، وصراط الله المستقيم يفضي بصاحبه إلى رضوان الله والجنة، بينما سائر السبل على كل منها شيطان يدعو إليها، فمن سار على واحد منها تولاه شيطانه وسلك به تلك السبيل حتى يهوي به في النار.

стр. 74

السبل التي تعترض الصراط المستقيم، وأنواع الصراط قال الشارح ﵀: [وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]، قال القرطبي: هذه آية عظيمة عطفها على ما تقدم، فإنه نهى وأمر وحذر عن اتباع غير سبيله على ما بينته الأحاديث الصحيحة وأقاويل السلف، و (أن) في موضع نصب، أي: (أتلو أن هذا صراطي) عن الفراء والكسائي، ويجوز أن يكون خفضاً أي: (وصاكم به، وبأن هذا صراطي)، قال: والصراط: الطريق الذي هو دين الإسلام. (مستقيماً) نصب على الحال، ومعناه: مستوياً قيماً لا اعوجاج فيه. فأمر باتباع طريقه الذي طرقه على لسان محمد ﷺ وشرعه ونهايته الجنة وتشعبت منه طرق، فمن سلك الجادة نجا، ومن خرج إلى تلك الطرق أفضت به إلى النار، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] أي: تميل. انتهى. وروى الإمام أحمد والنسائي والدارمي وابن أبي حاتم والحاكم -وصححه- عن ابن مسعود ﵁ قال: (خط رسول الله ﷺ خطاً بيده، ثم قال: هذا سبيل الله مستقيماً. ثم خط خطوطاً عن يمين ذلك الخط وعن شماله، ثم قال: وهذه سبل ليس منها سبيل إلا وعليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام:١٥٣] الآية)، وعن مجاهد: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام:١٥٣] قال: البدع والشهوات]. هذا الحديث الذي ذكره عن رسول الله ﷺ يدلنا على أن الحق واحد لا يتعدد، بخلاف الباطل فإنه متعدد وكثير، ولهذا جعل طريق الله خطاً واحداً، فقال: (خط خطاً واحداً مستقيماً فقال: هذا صراط الله. ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله فقال: هذه سبل، ليس منها سبيل إلا وعليه شيطان يدعو إلى الله). أي: إذا سلكه الإنسان أفضى به إلى النار، وهذا يدلنا على أنه ليس هناك طريق إلى الجنة ونجاة للإنسان إلا بالسير خلف رسول الله ﷺ فقط، ولا يوجد غير هذا، فإن سار الإنسان خلف رسول الله ﷺ وقبل ما جاء به واهتدى به عملاً واعتقاداً وقولاً فهو الناجي الذي يكون سعيداً في الدنيا والآخرة، أما إذا مال يميناً وشمالاً عن هذا الذي جاء به الرسول ﷺ فسوف تتولاه الشياطين وتسلك به المسالك التي تهوي به إلى النار -نسأل الله العافية-، ولهذا وضح الرسول ﷺ ذلك بالخطوط. ثم بين صراط الله الذي وصانا الله باتباعه في قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام:١٥٣]، وأمر الله واجبٌ الأخذ به، وقد جاءت عبارة السلف في تفسيره مختلفة الألفاظ متفقة المعاني، فمنهم من قال: صراط الله: كتاب الله القرآن. ومنهم من قال: صراط الله: ما جاء به الرسول ﷺ من الكتاب والسنة، ومنهم من قال: صراط الله: الإسلام. وهذا كله حق، وكله يؤول إلى شيء واحد، وأن الصراط الذي أمرنا جل وعلا بالتمسك به واتباعه وسلوكه هو ما جاء به الرسول ﷺ من القرآن ومن السنة ومن كل ما أُمرنا به، وهذا الصراط معنوي أوجب ربنا جل وعلا أن نسلكه، وهو الذي أوجب علينا في كل ركعة من ركعات الصلاة أن نبتهل إليه ونسأله أن يهدينا هذا الصراط: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧]، وهذا فرض على الإنسان إذا صلى أن يسأل ربه أن يهديه هذا الصراط، وكثير من المفسرين يقول: معنى (اهدنا الصراط): ثبتنا عليه. والواقع أن هذا فيه شيء من القصور؛ لأن الإنسان لا تكمل هدايته كما ينبغي حتى يضع أول قدم له في الجنة، وأما قبل أن يدخل الجنة فهو بحاجة إلى هداية دائماً، وبحاجة إلى زيادة من الهداية، فهو في الدنيا يحتاج إلى زيادة يقين وإيمان، ويحتاج إلى زيادة عمل يرضي ربه جل وعلا به، وكذلك في الآخرة يحتاج إلى زيادة تثبيت أن يثبته الله جل وعلا بالقول الثابت، كما قال الله جل وعلا: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] يعني: عند السؤال. وليس كما يقول بعض الناس: إن الآخرة ليست محل تكليف، فإذا مات الإنسان انتهى تكليفه، بل ما دام الإنسان لم يدخل الجنة والنار فهو في محل يبتلى ويسأل ويمتحن، فيثبت الله جل وعلا من يشاء، ويضل من يشاء، فالسؤال في القبر افتتان يفتتن الإنسان به، وكذلك في المواقف التي تسمى عرصات القيامة، ولهذا يختلف الناس فيها اختلافاً عظيماً من شدة أو سهولة فيما يلاقونه، فمن كانت -مثلاً- ذنوبه كثيرة اشتد الأمر عليه فيكون ذلك جزاء له، ومنهم من يأكل ويشرب والناس يحاسبون، ومنهم من يكون في ظل العرش والناس في حر الشمس، وكل هذا من التكليف، ثم قد قص الله جل وعلا علينا قصص بعض عباده، وأن من الناس من إذا سألهم الله جل وعلا: ماذا كنتم تعبدون؟ ولماذا أشركتم؟ قالوا -كما حكى الله عنهم-: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣]، فيقسموا بالله ما كانوا مشركين وهم مشركون، فيقول الله: ﴿انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الأنعام:٢٤] وكذلك يقول الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة:١٨]، أي: يحلفون لله يوم القيامة كذباً، كما يحلفون للناس اليوم؛ لأنهم جعلوا الحلف جُنة يجتنون به ويستترون به عما قد يعود عليهم باللوم أو بالضرر أو بالعقاب أو بغير ذلك، فليس الأمر على إطلاقه أن الآخرة ليست دار تكليف، نعم الجنة ليست دار تكليف، فإذا دخلوا في الجنة فليس فيها تكليف، وإنما يلهمون التسبيح والتهليل كما يلهمون النفس ثم إن الصراط المعنوي هذا الذي أمرنا بالتمسك به واتباعه، فإذا تمسكنا به ثبتت أقدامنا على الصراط الحسي الذي هو الطريق إلى الجنة، وهو جسر ينصب فوق جهنم لا يوجد أحد ينجو من النار إلا من فوقه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١]، وقد جاء وصفه بأنه فوق متن النار، أحر من الجمر، وأحد من السيف وأروغ من الثعلب. إذاً: السلوك يكون بالعمل، فمن الناس من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر مثل البرق إذا برق، ومنهم من يكون مثل الريح، ومنهم من يكون مثل جواد الخيل، ومنهم من يركض ركضاً، ومنهم من يحبو، ومنهم من يقوم ويسقط، ومنهم من تخطفه الخطاطيف التي تكون عليه وتلقيه في النار. وأنس بن مالك ﵁ خادم رسول الله ﷺ بقي يخدمه منذ أن قدم المدينة إلى أن توفاه الله جل وعلا، فسأله الشفاعة، فقال: (أنا فاعل إن شاء الله، فقال: أين أجدك؟ قال: اطلبني في ثلاثة أماكن: عند الحوض، فإن لم تجدني فعند الميزان، فإن لم تجدني فعند الصراط) فعند الصراط لا يوجد أحد يتكلم إلا الرسل؛ لأن الرسل يقفون ينظرون مرور أممهم، وكلامهم: اللهم سلم سلم! أما الناس كلهم فهم سكوت، ولا يوجد أحد يتكلم لشدة الأمر وهوله، وتحتهم جنهم تتلظلى، والسلوك على طريق وعر جداً، وعر لا يمكن يُسلك إلا بالعمل، فمن ثبته الله وكان مستقيماً على هذا الصراط الذي هو الإسلام نجا وإلا زلت به قدمه وهوى، ولهذا قال ﷺ : (والصراط عليه كلاليب مثل شوك السعدان -ثم يقول لأصحابه- هل رأيتم السعدان؟ إنها شويكة في عشبة تخرج في نجد)، تكون معكوفة الرأس، ولكن لا يقدر عظمها إلا الله جل وعلا، تخطف من أمرت بخطفه، فمنهم مخدوش مسلم، ومنهم مكردس على رأسه في النار، ومنهم من يحبو مرة ويتعلق بيده أو برجله مرة، فالأمر صعب جداً، وهذا يكون لمن يتعثر على صراط الله الذي جعله مسلكاً لعباده في هذه الدنيا، فمن تعثر عليه ومال يميناً وشمالاً مالت رجله عن ذلك الصراط، وربما سقط وربما تعلق، فالواجب على العبد أن يتبع صراط الله جل وعلا ولا يميل ولا تأخذه السبل الكثيرة، فالسبل الكثيرة هي التي تهوي به إلى النار، فكل من سلك سبيلاً غير السبيل الذي جاء به الرسول ﷺ لن يستطيع العبور على الصراط.

стр. 75

حقيقة الصراط المستقيم قال الشارح ﵀: [قال ابن القيم رحمة الله عليه: ولنذكر في الصراط المستقيم قولاً وجيزاً؛ فإن الناس قد تنوعت عباراتهم عنه بحسب صفاته ومتعلقاته، وحقيقته شيء واحد، وهو طريق الله الذي نصبه لعباده موصلا لهم إليه ولا طريق إليه سواه، بل الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا طريقه الذي نصبه على ألسن رسله وجعله موصلاً لعبادة الله، وهو إفراده بالعبادة، وإفراد رسله بالطاعة، فلا يشرك به أحد في عبادته، ولا يشرك برسوله ﷺ أحد في طاعته، فيجرد التوحيد ويجرد متابعة الرسول ﷺ ، وهذا كله مضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فأي شيء فسر به الصراط المستقيم فهو داخل في هذين الأصلين. ونكتة ذلك أن تحبه بقلبك وترضيه بجهدك كله، فلا يكون في قلبك موضع إلا معموراً بحبه، ولا يكون لك إرادة إلا متعلقة بمرضاته، فالأول يحصل بتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، والثاني يحصل بتحقيق شهادة أن محمداً رسول الله، وهذا هو الهدى ودين الحق، وهو معرفة الحق والعمل به، وهو معرفة ما بعث الله به رسوله والقيام به، وقل ما شئت من العبارات التي هذا آخيتها وقطب رحاها. قال: وقال سهل بن عبد الله: (عليكم بالأثر والسنة، فإني أخاف أنه سيأتي عن قليل زمان إذا ذكر إنسان النبي ﷺ والاقتداء به في جميع أحواله ذموه ونفروا عنه وتبرءوا منه وأذلوه وأهانوه) انتهى]. هذا القول الذي ذكره ابن القيم واضح في تفسير الصراط المستقيم في أنه عبادة الله جل وعلا وحده وألا يشرك به شيء، وعبادته تتضمن كمال الحب مع كمال الذل له، فلا يعبد إلا الله جل وعلا، فتكون العبادة خالصة لله جل وعلا، فكل ما تتقرب به وكل فعل تفعله ترجو به ثواباً، وكل ترك تتركه تخاف أنك لو فعلته عوقبت فإن هذا يكون لله وحده، ليس لأحد من الخلق، وتفعل هذه الأمور مع غاية الحب والذل، ثم هذه الأمور التي تفعلها لابد أن تكون جاءت عن رسول الله ﷺ . ثم يقول: إن هذا مضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ لأن معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وكونه يشهد أن لا إله إلا الله: أن الشهادة هي العلم اليقيني الذي يكون عند الإنسان واضحاً جلياً ليس عنده فيه ريب ولا شك ولا تردد؛ لأنه يشاهده بعينه وبقلبه، فهو يشهد بهذا، يشهد أن لا إله إلا الله، ومعنى الإله: المحبوب المألوه الذي يكون الحب كله له مع الذل والخضوع، فيجب أن تحبه وتذل له، وهذا لا يجوز أن يكون لمخلوق، وإنما يكون خالصاً له جل وعلا. وأما معنى شهادة أن محمداً رسول الله فهو: طاعته في أمره، واتباعه فيما جاء به، واجتناب ما نهاك عنه، وألا تعبد الله جل وعلا إلا بما شرعه لك، فأنت تشهد الشهادة اليقينية بأنه رسول من الله أرسله الله بهذا الشرع، فتتعبد الله جل وعلا بالشرع الذي جاء به عن طريقه، فهو الوساطة بيننا وبين ربنا في تبليغ شرعه، ولهذا يقول الله جل وعلا له: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف:١١٠]، والعمل الصالح هو الذي يكون على سنة الرسول ﷺ ، ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] أي: أنك تعبد الله وحده ولا يكون لأحد من الخلق أو المقاصد والأغراض شيء أو نصيب من عبادتك، فإن كان لها نصيب فإن هذه العبادة لا تقبل؛ لأن الله جل وعلا يقول -كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه جل وعلا-: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)، أي: يتركه وعمله لمن أشرك. ولهذا إذا جاء المراءون يوم القيامة الذين يلاحظون أنظار الناس وأقوالهم، يقول الله جل وعلا لهم: (اذهبوا إلى الذين كنتم تراءونهم فاطلبوا أجركم عندهم)، وهل يجدون شيئاً؟ يجدون الخسارة والندامة، وهذا في الواقع من جهل الإنسان وظلمه، وإلا الناس مثله ماذا يغنون عنه؟! فكونه ينظر إلى إنسان ويحسن عمله من أجله قصور -نسأل الله السلامة-، فهو إنسان مثلك فقير بحاجة إلى ما يكمله، بل بحاجة إلى من يحميه من الكوارث والمصائب ويسدده ويوفقه وإلا ضل وهلك، فلا يجوز للإنسان أن يقصد بعمله ونيته غير الله جل وعلا، وهذا هو العلم النافع الذي يؤخذ من الكتاب والسنة، والعمل هو الهدى، والعمل هو دين الحق، والرسول ﷺ جاء بالهدى ودين الحق، جاء بالعلم النافع وبالعمل الصالح الذي إذا علمه الإنسان اهتدى وتيقن أنه من عند الله، ولابد من هذين الأمرين، لابد من العلم والعمل، يعلم أن لا إله إلا الله، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]، فبدأ بالعلم قبل العمل والاستغفار. ويقول جل وعلا لما ذكر أن الكفار والمشركين يدعون غير الله طالبين شفاعتهم نفى هذا جل وعلا وأخبر أن الشفاعة لا تحصل لهم، فقال: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦]، وشهادة الحق: هي أن يشهد أن لا إله إلا الله وهو يعلم هذا المعنى. يعلمه ثم يعمل به، وعلم بلا عمل لا يفيد ولا يجدي، وفي أمره جل وعلا لنا وفرضه علينا أن نسأله في الصلاة قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، والصراط المستقيم هو الصراط الذي بعث به رسوله، وهو دينه، ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧]، والذين أنعم عليهم هم الأنبياء ومن سلك طريقهم، كما قال الله جل وعلا في وصفهم وبيان أنهم الأنبياء والصالحون والشهداء، أي: من سلك طريقهم. وقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧]، المغضوب عليهم جاء تفسيرهم أنهم اليهود، والضالون هم النصارى، وليس مخصوصاً بهذا اليهود والنصارى فقط، بل كل من كان عنده علم وتركه اتباعاً للهوى فهو ضال وهو مغضوب عليه، وكل من كان عنده علم وتركه اتباعاً للهوى أو للشهوات أو لأغراض من أغراض الدنيا فهو مغضوب عليه ملحق باليهود، وكل من تعبد بغير برهان وبغير طريق الرسول ﷺ فهو ضال، وإنما قيل: إن المغضوب عليهم هم اليهود، والضالون هم النصارى لأن الغالب على اليهود أن عندهم علم، وليس عندهم عمل، فهم يعلمون ولا يعملون فلهذا صاروا أهل الغضب، وأما النصارى فالغالب عليهم التعبد بالضلال، فهم يتعبدون ويعملون ولكن على غير هدى، فلهذا سموا ضلالاً، فالضال هو الذي يسلك الطريق الذي يهلكه، وضل الطريق يعني: يتعبد على غير حق وعلى غير هدى، وأما المغضوب عليه فهو العاصي الذي عرف الحق وتركه، فكل من صار له هذا الوصف فهو مغضوب عليه وضال، وأهل البدع هم: الذين يتعبدون بالبدع وهم ضالون، وهم المعنيون بقوله جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٢ - ٤] أي: تخشع وتبكي وتعمل وتنصب وتجهد والنتيجة أنها تصلى ناراً حامية؛ لأنها تتعبد بغير هدى، وبغير ما جاء به الرسول ﷺ ، وكذلك قوله جل وعلا: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤]، (ضل سعيهم) يعني: عملوا في الحياة الدنيا وهم يظنون أنهم على هدى، وكذلك يظنون أن غيرهم ضال، بل ويرمون غيرهم بالضلال. فالمقصود أنه ليس هناك طريق ينجو به الإنسان إلا ما جاء به الرسول ﷺ من القرآن والسنة، هذا هو خلاصة القول، فمن عرف ما جاء به الرسول وعمل به فهو الناجي السعيد، ومن تخبط في هذه الدنيا إما لأنه يرى الناس يعملون الشيء فيعمله، أو أنه -مثلاً- يحكم عقله أو يحكم ذوقه ووجده أو يحكم مشايخه وأكابر بلده ومن يظن بهم الظنون الجميلة، وإذا قيل له: الهدى كذا أو الحق كذا. قال: لا. هؤلاء أعلم منك. فهذا هو الذي يُخاف عليه، وهذا هو الذي إذا جُمع الناس، وبعثر ما في القبور، وحصل ما في الصدور، يبدو له ما لم يكن يحتسب، ويندم الندامة التي لا تنفعه، بل تكون زيادة في عذابه، نسأل الله العافية.
следующие страницы →