← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 37174

رد البهتان عن إعراب آيات من القرآن الكريم

يوسف العيساوي

Полный текст (94 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ـ[رد البهتان عن إعراب آيات من القرآن الكريم]ـ المؤلف: د. يوسف بن خلف بن محل العيساوي الناشر: دار ابن الجوزي، الدمام - المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م عدد الأجزاء: ١ أعده للشاملة/ أبو إبراهيم حسانين [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

المقدمة الحمدُ لله رب العالمين، الذي جعل كتابه بلسان عربي مبين، والصَّلاة والسلام على نبينا محمّد خاتم المرسلين، ثم الرّضا عن آله وصحابته أجمعين، ومَنْ تَبِعهم بإحسانِ إلى يوم الدِّين. وبعد: فشاء الله سبحانه أن تكون العربية لغة كتابه ولسان وَحْيه، وأن يكون ذلك الكتاب الكريم آخر كُتبه وخاتمة رسالاته إلى عباده، قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)، وقال تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)). فالعربية وعاءُ الإسلام، وهي من الذين، لا تنفصل عنه ولا ينفصل عنها، وهذا التكرار لعربيّة القرآن في آياتٍ عدة؛ لينبّهنا إلى أهمية الصلة بين القرآن ولغته، الموصوفة بالبيان، والمتميّزة بالإعراب " الذي جعله الله وَشياً لكلامها، وحِلْيةً لنظامها، وفارقاً في بعض الأحوال بين الكلامين المتكافئين، والمَعْنيَيْنِ المختلفَيْن ".

стр. 3

هذا الإعراب، الذي به تُعرف معاني آي الكتاب، ويُدفع عنها كلّ ارْتياب، هو عدَّة لأهل التفسير، وللمعربين النَّحارير؛ لبيان كلام العليّ القدير. فبالإعراب نقف على أحكام القرآن، ونستخرج أسرار البيان، قال مكيّ بن أبي طالب: "من أعظم ما يجب على الطالب لعلوم القرآن، الراغب في تجويد ألفاظه، وفَهْم معانيه، ومعرفة قراءاته ولغاته، وأفضل ما القارئ إليه محتاج: معرفة إعرابه ". وجاء عن السَّلف تفضيل إعراب القرآن والحضّ على تعلُّمه، فهو من الذين بمكانٍ معلوم. قال الإمام ابن عطيّة: "إعراب القرآن أصلٌ في الشَّريعة؛ لأنّ بذلك تقوم معانيه التي هي الشرع ". ومنذ القديم وإلى اليوم يعمل أعداءُ الإسلام على محاربة أصل الإسلام وجذره، وهو القرآن الكريم، ومحاربة لغته: اللغة العربيّة، فحمل أعداءُ الإسلام على معاني القرآن بالتحريف والتضليل، وأرادوا لتفسيره التحويل والتبديل. وعَمِل آخرون على الطَّعن في إعرابه، بغية إبطاله؛ ولكن هيهات، فهو كلام رب الأرض والسماوات، أُنزل بأحسن اللّغات، وأبلغ العبارات.

стр. 4

ولنقرأ هذا القول للملاحدة أورده صاحب الانتصار: "إنّ الله - سبحانه - لا يجوز أن يتكلَّم باللَّحن، ولا ينزل القرآن ملحُوناً، وأنّ ذلك إنَّما هو تخليط ممّن جمعَ القرآن وكتب المصحف، وتحريفهم إما للجهل بذلك وذهابهم عن معرفة الوجه الذي أُنزل عليه، أو لقصد العناد والإلباس، وإفساد كتاب الله وإيقاع التخليط فيه ". فهم - كما ترى - يريدون الطَّعن في القرآن، وفي أهل القرآن أهل الفصاحة والبيان، السابقين بالإيمان. وهذا دَيْدن أتباعهم المعاندين، يقول الدكتور فضل حسن عبّاس: "والمستشرقون، والمبشّرون، والملاحدة، والذين يقلّدون هؤلاء وأُولئك، لم يألَوا جهداً أن ينالوا من لغة القرآن ". واستغلّ أعداؤنا كلّ وسيلة للطعن في إعراب القرآن، وتلحين آياتٍ منه؛ فحتى الشبكة الدولية للمعلومات (الإنترنت) لم تَخْلُ من مواقع تنشرُ مناقشات إعرإبية لتخطئةِ آيات من جهة النَّحو والإعراب.

стр. 5

فقد نشر الأستاذ الدكتور مازن المبارك مقالاً في صحيفة الخليج بعنوان (نحو الإنترنت) ردَّ فيه على كاتبٍ يدَّعي اللَّحن في آياتٍ من القرآن، وفي موقع (صيد الفوائد) مقال بعنوان (شبهات حول أخطاء قرآنية مزعومة) لكاتبٍ لم يذكر اسمه، ردَّ فيه على طاعنٍ في إعراب آي الكتاب. فالطَّاعنون من الملاحدة والمنصرين، والمستشرقين وغيرهم، لديهم صبرٌ لا ينفد في استكشاف المخبوءات الواهيات، واستغلال الضعيف من الدّلالات، يؤيّدون بها ما يقرّرون من نظريّات، ويتركون الأدلَّة القاطعة، والحُجج الساطعة، وهذا ليس من العلم في شيءٍ، وإنما هو انحراف عن المنهج العلميّ السليم، والأخذ بمذهب سقيم. ومن زمن وأنا اتابع الطاعنين، في إعراب الكتاب المبين؛ فسلكت ما تفرّق من مقالاتهم في هذا البحث اللّطيف؛ ليكون تذكرة للحصيف، وتبصرةً للغرّ الضعيف. وسمّيته بـ (ردّ البهتان عن إعراب آياتٍ من القرآن). وجاء البحث بعد هذه المقذمة في ثلاثة مباحث وخاتمة: المبحث الأوّل: الطَّاعنون في إعراب القرآن، وهو تقييد مُوجز لأصناف الطَّاعنين، وبيان تأثير هذه المقالة في صفوفهم. المبحث الثاني: شُبَه الطَّاعنين في إعراب القرآن والجواب عنها: جمعتُ فيه أهمّ الشُّبَه التي يرتكز عليها هؤلاء، وبيَّنت فسادها وخطرها.

стр. 6

المبحث الثالث: آيات طُعِن في إعرابها وردُّ ذلك؛ وفيه الإجابة عن الآيات التي طُعِن في إعرابها - لا سيما - التي جاءت في ثنايا البحث. الخاتمة: وأوردت فيها أهم التتائج المتحصلة من هذا الموضوع. وتكمنُ أهمّية الموضوع فيما يأتي: أؤلاً: تتبّع ظاهرة تلحين القرآن، والطعن في إعرابه؛ بمن بدأت ولمن آلت. ثانياً: إفراد هذه الظاهرة الخطيرة ببحثٍ مستقلّ، فلم أجد مَنْ كتب فيها استقلالا؛ نعم هناك مَنْ كتب في إعراب آيات مشكلة، أو قضيّة تلحين القرّاء من بعض النحاة. ولكن هذا غير ما نحن بصدده؛ فحديثنا مع أُناسٍ من خارج الإسلام، أرادوا بتلحين القرآن إبطال نسبته لله - تعالى -. ثالثاً: الكشف عن أساليب أعداء الإسلام، وبيان طعنهم بلغة القرآن؛ و"الفقيه كلّ الفقيه: مَنْ فقه في القرآن، وعرف مكيدة الشَّيطان ". رابعاً: الجواب العلمي الموثق عن هذه التشكيكات، من مصادر علمائنا. هذا، فما كان من صواب فمن الله - تعالى -، وما كان من خطأٍ فمن نفسي ومن الشيطان، ولا حول ولا قوّة إلا بالله.

стр. 7

المبحثُ الأوّل الطَّاعنون في إعراب القرآن بعد البحث والتقصّي أرى أنّ الطاعنين في نحو القرآن خمسة أصناف: الصّنف الأوّل: الزنادقة: ذهب بعضٌ من أهل الزندقة والإلحاد إلى تخطئة آيات من جهة النَّحو، وادَّعى هؤلاء أنَّ في القرآن لحناً. يقولُ الإمام ابنُ قتيبة: "وقد اعترض كتاب الله بالطَّعن ملحدون ولَغَوْا فيه وهجروا، واتّبعوا (مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ)، بأفهام كليلة، وأبصار عليلةٍ، ونظرٍ مَدْخُول؛ فحرَّفوا الكلامَ عن مواضعه، وعدلوه عن سُبُله. ثم قَضَوْا عليه بالتناقُض، والاسحالة، واللَّحْن، وفساد النَّظْم، والاختلاف ". وخصّص لهم ابن قتيبة باباً للرَّد عليهم بعنوان: "باب ما ادّعي على القرآن من اللَّحْن ". وقد وقفتُ على كلام متين للإمام الباقلانيّ يناقشُ هؤلاء في كتابه: (الانتصار للقرآن)؛ إذ وضع لهم باباً بعنوان: "باب

стр. 8

الكلام عليهم فيما طعنوا على القُرآن، ونحلوه من اللحْن "؛ فهم يرون أنه مما يدل على تحريف القرآن وتغييره، ما وجدوه من اللحْن الفاحش الذي لا يجوز على الله ورسوله ﷺ حسب قولهم. الصنف الثاني: المنصِّرون: جردَ أعداءُ الإسلام حملاتِهم على القرآن الكريم بغية حصاره وتشويهه وتطويقه؛ فحملة تتناول أسلوبه بالنقد والتقبيح، وحملة تتناول قصصه وتزعم أنها أساطير، وحملة تتناول جمعه وتفسيره، وحملة تتناول معانيه، وحملات كثيرة لا تُحصى. يقول فندر: "لو سلمنا بأن القرآن هو أفصح وأبلغ ما أُلف من الكتب في اللغة العربية، بحيث لا نظير له فيها، لم يترتب على ذلك أنه أفصح وأبلغ مما أُلف من الكتب في غيرها من اللغات أيضا. وقد أجمع علماءُ الإفرنج وتقرر عندهم أنه يوجد في اللغة اليونانية واللاتينتة والإنكليزية

стр. 9

والفرنساويّة والنمساوية وغيرها من اللّغات مؤلَّفات أفصح وأبلغ من القرآن ". وقد رمى صاحب " تذييل مقالة في الإسلام " القرآن الكريم بالإخلال بالفصاحة، ووسمه بضعف التأليف، قائلاً: "ثم إنّ للفصاحة في العربيّة قواعد وأصولاً وضعوها هم أنفسهم وعدّوا في جملتها سلامة الكلام من ضعف التأليف ومن الغرابة والتنافر ومخالفة القياس، وسترى أنّ في القرآن مِنْ ذلك ما يخالف قواعدهم، ونحن لا نذكر لك منهُ إلَّا ما كانت المخالفة فيه بينةً لا تحتمل التأوّل على علمٍ منَّا أنّ المفسرين قد تمحّلوا لكل من غلطاته تأوّلاً وعزب عنهم أن مجرد احتياجه إلى ذلك هو حجّةٌ عليه، ولو سلَّمنا لهم بما حاولوهُ من الحذف والتقدير؛ لِسَتْر غلطهِ تارةً وكشف معناهُ أخرى، لم يبقَ ثمَّ مِنْ داعٍ لوضع ما وضعوهُ من القواعد ولأصبح كل لحنٍ وتأوُّلهُ، بل عدهُ من أنول البديع ممكناً على طريقتهم؛ وإذا تقرّر هذا فلنشرع في تعقّب خطئه "، ثم ذكر آيات ادّعى فيها اللَّحْن.

стр. 10

وفي كتاب: (أدلَّة اليقين في الرد على كتاب ميزان الحقّ وغيره من مطاعن المبشّرين المسيحيين في الإسلام)، للشيخ عبد الرحمن الجزيريّ، نراه قد وضع مناقشة لهؤلاء بعنوان: "ما يتخيّله المبشّرون من أخطاء نحويّة في القرآن الكريم ". وفي سنة (١٣٥٧ هـ) الموافق (١٩٣٨ م) نشرت مجلة (الرّسالة) سلسلة مقالات بعنوان: "كتاب المبشّرين الطَّاعن في عربيّة القرآن: أمسلم مصريّ أم مبشّر بروتستنتي؟ ". رد فيه صاحب هذه المقالات على مَنِ ادعى اللَّحن في القرآن الكريم، وكشف زيفهم ومقاصدهم. الصنف الثالث: المستشرقون: جال المستشرقون في ميدان الدراسات القرآنية، وكتبوا عن جوانب مهمّة وخطيرة؛ فأخرجوا كتبا تراثية تتّصل بعلوم القرآن، وألفوا في تاريخ القرآن، وتفسيره، والقراءات، وترجمته، ولغته وغير ذلك.

стр. 11

والمتتبّع لدراسات هؤلاء يرى خللاً عند الكثير منهم، لا سيما في المنهج الذي اعتمدوه، يقول أبو الحسن الندوي: "ومن دأب كثير من المستشرقين: أتهم يعيِّنون لهم غاية ويقررون في أنفسهم تحقيق تلك الغاية بكلّ طريق، ثم يقومون لها بجمع معلومات - من كلّ رطبٍ ويابس - ليس لها أيّ علاقة بالموضوع، سواء من كتب الديانة والتاريخ، أو الأدب والشّعر، أو الرواية والقصص، أو المجون والفكاهة، وإنْ كانت هذه المواد تافهة لا قيمة لها، وُيقدّمونها بعد التمويه بكلّ جرأة، ويبنون عليها نظريّة لا يكون لها وجود إلَّا في نفوسهم وأذهانهم ". فصار هؤلاء يجمعون الصحيح والسَّقيم، من غير تمييزٍ بينهما، وقد يرجّحون السقيم وحجّتهم التوهّم، وطبيعة هذا المنهج يصفها المستشرق آرثر جفري بقوله: "وأمّا أهل التنقيب، فطريقتهم في البحث أن يجمعوا الآراء والظّنون والأوهام والتصوّرات بأجمعها؛ ليستنتجوا - بالفحص والاكتشاف - ما كان مطابقاً للمكان والزمان وظروف الأحوال معتبرين المتن دون الإسناد".

стр. 12

وممّا زاد منهج المستشرقين خللاً الارتباط بين الاستشراق والتنصيرة فالأول في ميدان الفكر والثقافة، والثاني في ميدان العمل والتربية؛ فالاستشراق يقدم السموم والشبهات، والتنصير ينشرها بوسائله الظاهرة والخفية؛ إذن، فالمهمة مشتركة والهدف واحد، بل مِنَ المستشرقين دعاة للتنصير. يقول الدكتور علي بن إبراهيم النملة: "وأنّ التنصير قد اتكأ كثيراً على الاستشراق في الحصول على المعلومات عن المجتمعات المستهدفة، لا سيما الإسلاميّة ... وخاصة عندما اكتسب مفهوم التنصير معنى أوسع من مجرد الإدخال في النصرانية إلى تشويه الإسلام والتشكيك في الكتاب والسنة والسيرة وغيرها، فكان فرسان هذا التطور في المفهوم هم المستشرقون ". فلا غرابة بعد هذا أنْ نجد من هؤلاء المستشرقين مَنْ يتطاول على لغة القرآن وأسلوبه وقراءاته ورسمه وغير ذلك، يقول الدكتور جواد علي: "ولا بُدَّ من الإشارة إلى رأيٍ أحدث ضجّة في حينه بين المستشرقين هو الرأي الذي أبداه المستشرق (كارل فولرس) عن اللغة الأصلية

стр. 13

التي نزل بها الوحي ومتن القرآن الكريم، ولهذا الرأي علاقة كبيرة بالطبع بأصل اللّغة العربية الفصحى، زعم هذا المستشرق أنّ القرآن الكريم قد نزل في الأصل بلهجة محلّية من اللهجات العربية الغربيّة، وأنّه لم يكن معرباً ثم أُدخل الإعراب عليه على وفق قواعد لغة الشعر". أمّا (تيدور نولدكه)، فقد قال عنه الدكتور عبد الرزّاق بن إسماعيل هرماس: "فهو لا يتوانى عن الطعن في إعراب القرآن، والصَّرف، وبلاغة الأسلوب ". الصنف الرابع: مضلِّلون في شبكة المعلومات الدولية: من البدهي القول: إنّ شبكة المعلومات العالميّة (الإنترنت) ثورة معلوماتية، تفوقُ في أهمّيتها كلّ وسائل الاتصال، وهي مع ذلك تشهد تطوّراً متسارعاً في دنيا العلم يوميّاً؛ حتى أصبح العالم مع هذه الشبكة قريةً صغيرةً يتعرّف

стр. 14

الإنسان المعلومات عنها في أي وقتٍ يشاء. ولكن هذه الشبكة لا تخلو من مضارّ، فقد استغلّ مضلِّلون من أعداء القرآن مواقعَ لمحاربته، حتى جرت محاولات ساقطة لمعارضته. ففي أحد المواقع ذهب أحدهم إلى القول بوجود لحن في آياتٍ قرآنية؛ فهذه صحيفة الخليج نشرت في العدد ٨٥٧٤١) ٤ رمضان ١٤٢٣ هـ، الموافق ٩/ ١١ / ٢٠٠٢ م، مقالاً للأستاذ الدكتور مازن المبارك بعنوان (نحو الإنترنت)، جاء فيه: "دأب كاتب على نشر سلسلة مقالات في أحد المواقع على (الإنترنت) يذكر فيها ما يزعم أنّه خطأ نحويّ وقع في القرآن الكريم ". وفي موقع (صيد الفوائد)، مقال بعنوان (شبهات حول أخطاء قرآنية مزعومة)، وهو رد على موقع يزعم وجود لحن في آيات قرآنيّة.

стр. 15

الصّنف الخامس: مغرَّرون: صدق الإمام ابن قتيبة عندما قال - وهو يتحدّث عن شُبَه الطاعنين في لغة القرآن -: "وأدْلَوْا في ذلك بعلل ربَّما أمالت الضعيف الغُمْر، والحدَث الغِرّ، واعترضت بالشبه في القلوب، وقدَحت بالشّكوك في الصّدور". نعم، لقد وافقت تلك الشُّبه قلباً مريضاً، خاوياً من علوم السَّلف؛ فصدَّقَ ما قال الطَّاعنون أو كاد، فأخذ يردد أقوالهم، ويسردُ شُبههم. فقد قال صاحب مقالات: (كتاب المبشّرين الطَّاعن في عربيّة القرآن أمسلم مصريّ أم مبشّر بروتستنتيّ؟): "ثمّ جاءت الطَّامة الكبرى - أعني: الضّلال الضالّ في مجلة في القاهرة، فقد نجم فيها ناجم، وتهدَّم على هذا اللسان العربيّ وكتابه الكريم بالقول السخيف، مشيعاً بالرأي الركيك، والصّنع اللّئيم؛ ولو اقتصر هذا الخارجيّ على بقبقته في تقويض (القواعد) أو نسفها ما باليناه بالةً، ولقلنا: إنّما هو ضُحَكة جاء بأضاحيك، فيضحك الضاحكون، لكنّه شاء أن ينقلب لُعنة يلعنه اللّاعنون، فقد تمسَّك هذا الكاتب في هاتيك المجلة بالذيل أو (التذييل) بكتاب (مقالة

стр. 16

في الإسلام) لجرجس سال الإنجليزي - (وهو الكتاب الذي نشرته جماعة التيسير، بل التضليل، من البروتستانت في مصر) - وانجرَّ أو استجرَّ مسلم ابن مسلمين - يا للأسف - للطاعنين في الدين، والمُقدمين - وقحين - على تنقيص القرآن، وتغليطه في العربية ... ". ويُحدثنا الأُستاذ أحمد عبد الغفور عطار في كتابه (الزحف على لغة القرآن) عن واحد من هذا النَوع، قائلا: "وحملة تتناول القرآن من الناحية اللغوية، فيزعمون أن به غلطات في النحو، وأن منا مَنْ زعم لي ذلك وقدم لي بضع غلطات كما زعم - قبحه الله -. ولما رأيت ثلاث الغلطات التي قدمها أدركت المصدر وكشفته له، قال لي هذا الذي منا وزعم أن في القرآن غلطاً: إنني اكتشفت في القرآن أغلاطا لا تتفق مع قواعد العربية التي نعرفها، وها هي ذي: ١ - (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ)، وحقها: (تِلْكَ عشرٌ كامِلَةٌ)؟ لأن المعدود مؤنث، ودليل التأنيث كلمة "كامِلَةٌ" و"تِلْكَ ". ٢ - (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا)، وفي هذه الآية خطآن، الأول: أنه أنث العدد مع أن القاعدة في

стр. 17

أحد عشر واثني عشر مطابقة العدد للمعدود، فالمعدود (أَسْبَاطًا) والسبْط مذكّر قطعا، فالقاعدة تُوجب أن يكون (اثني عشر سبطاً)، والثاني: أنّ تمييز أحد عشر واثني عشر يجب أن يكون مفرداً لا جمعاً، وفي القرآن نفسه: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا)، فالعدد والمعدود مذكران، والتمييز مفرد. ٣ - (رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ). (وَأَكُنْ) معطوفة على (فَأَصَّدَّقَ) المنصوب، فحقّها أن تكون: (فأصدق وأكون). عندما سرد لي ما زعمه خطأ وذكر الأمثلة أدركت أنّه مقلّد لا مُبتكر، يريد أن يعظّم نفسه بين يديَّ بنقدِ أعظم ما لدينا، ولكنَّه ما زاد نفسه إلَّا حقارة وبرهن على الجهل والكفر وعمى البصيرة، وكشفتُ له أنّه ليس مبتكراً، بل يقلّد كَفَرة ملاعين، يقلّد القسيس (فندر) مؤلف كتاب: (ميزان الحقّ) ومَنْ سمّى نفسه (هاشماً العربيّ) في رسالته التي سمّاها "تذييل مقالة في الإسلام "؛ إذ زعما أنّ في القرآن من الغلطات ما لا تُجيزه قواعد العربيّة، وذكرا ما حسباه خطأ وفيه ثلاث الآيات الشَّواهد".

стр. 18

المبحث الثاني شُبَهُ الطَّاعنينَ في إعراب القرآن والجوابُ عنها للطَّاعنين في إعراب القرآن الكريم شُبَه اتَّخذوها تكأة، أوردوها تقوية لمذاهبهم، حتى قالوا: "إنّ القرآن العزيز غيَّره الذين كتبوه وحرّفوه عن هيئة إنزالهِ وحالة كمالهِ، وزادوا فيه ونقصوا منه ". وللوقوف على حقيقة هؤلاء الطّاعنين، سأذكرُ الشُّبَه التي احتجّوا بها، مع الجواب عن كلّ شُبهة، وبالله التوفيق: الشُّبْهة الأُولى: الأخبار الباطلة: اعتلّ الطَّاعنون بأخبارٍ واهية، ساقوها لإثبات اللَّحن في آيات من الكتاب العزيز، وأهمّ تلك الأخبار: الأثر الأول: عند عبد الله بن فُطَيمة، عن يحيى بن يَعْمر، قال: قال عثمان بن عفَّان ﵁: "في القرآن لحن،

стр. 19

وستقيمه العربُ بألسنتها". الأثر الثاني: عن أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: "سألتُ عائشة عن لحن القرآن: (إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ)، وعن قوله: (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ)، وعن قوله: (وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ)؛ فقالت: يا ابن أُختي هذا عمل الكُتَّاب أخطأوا في الكتاب ". وهذا القولُ الذي أشارت إليه الروايتان وأمثالهما، ممّا يفيد أنّ في القرآن لحناً، ونحو ذلك، قد عرض له علماؤنا - قديما وحديثا - ووجّهوا إليه سهام نقدهم من جهات متعذد -. فهذه الروايات اتخذها أعداءُ الإسلام ذريعة للطعن فيه، والقدماء عندما ذكروها ما قصدوا الطعن في القرآن الكريم، يقولُ الشيخُ عبد الفتاح القاضي: "ذكر بعض العلماء هذه الروايات في كتبهم بحسن قصدٍ، من غير تحرّ ولا دقة؛ فاتخذها أعداءُ الإسلام من المارقين والمستشرقين ذريعة

стр. 20

للطعن في الإسلام، وفي القرآن، ولتوهين ثقة المسلمين بكتاب ربهم ". ولخطورة هاتين الروايتين - وما ماثلهما - سأُبين الصواب - إن شاء الله - فيهما؛ فأقولُ: يُجاب عن هذه الشُبهة من وجوهِ: الوجه الأول: هذان الأثران - وما شابههما - لا يصحّان من جهة السند؛ وذلك لما يأتي: أ - الأثر الأول: انتقد من قبل عبد الله بن فُطيمة، ويحيى بن يعمر: أما إسناد عبد الله بن فُطيمة، فقد قال الإمام البخاريّ فيه: "عبد الله بن فُطيمة عن يحيى بن يعمر، روى قَتادة، عن نصر بن عاصم: منقطع ". وقال فيه الإمام الباقلاني: "رجل مجهول مشكوكٌ فيه، غير معروف ". وأما يحيى بن يعمر، فقد رماه بعضهم بالتدليس،

стр. 21

وألمح الحافظ ابن حجر إلى ذلك بقوله: "ثقة فصيح، وكان يُرسل "، وأطنب الإمام الدانِيّ بفساد هذه الرواية، فقال: "قلت: هذا الخبر عندنا لا يقوم بمثله حجّة ولا يصح به دليل من جهتين: إحداهما أنّه مع تخليط في إسناده، واضطراب في ألفاظه مرسل؛ لأنّ ابن يعمر وعكرمة لم يسمعا من عثمان شيئأ ولا رأياه". ب - الأثر الثاني: انتقد من قبل أبي معاوية، وهشام بن عروة: أمّا أبو معاوية الضرير، فهو محمد بن خازم، الكوفِيّ، قال عنه الإمام أحمد: "أبو معاوية الضرير، في غير حديث الأعمش: مضطرب، لا يحفظها حفظا جيدا"، وقال الحافظ ابن حجر: "قال أبو داودة قلتُ لأحمد: كيف حديث أبي معاوية عن هشام بن عروة؟ قال: فيها أحاديث مضطربة، يرفع منها أحاديث إلى النبيّ ﷺ .

стр. 22

وهناك بعض الباحثين يرون الخطأ من قِبَل هشام بن عروة، وأوضح الدكتور سعد بن عبد الله آل حميِّد هذا الأمر بقوله: "وليس الخطأ فيه من أبي معاوية؛ لأنه قد تُوبع، فيحتمل أنْ يكون الخطأ من هشام بن عروة؛ فإنّ الذي حدَّث بهذا الحديث عنه من أهل العراق، وهما: أبو معاوية هنا، وعليّ بن مُسْهر كما سيأتي، وكلاهما كوفي، ورواية العراقيين عن هشام بن عروة فيها كلام سبق ذكره ". والذي سبق ذكره ما جاء في (سير أعلام النبلاء): "وقال يعقوب بن شَيْبة: هشام لم يُنكر عليه إلَّا بعد مصيره إلى العراق؛ فإنّه انبسط في الرواية، وأرسل عن أبيه مما كان سمعه من غير أبيه عن أبيه. قلتُ: في حديث العراقيّين عن هشام أوهام تُحتمل ". لذا كان صوابا ما قرر أئمّتنا على هذه الروايات بعدم الصّحة، قال أبو بكر الأنباريّ، فيما نُسِب إلى عثمان ﵁: "لا تقومُ بها حجّة؛ لأنها منقطعة غير متصلة"، وقال الباقلانيّ: "في نقلهِ من الاضطراب ما يوجب ترك الإصغاء

стр. 23

إليه، والعمل عليه "، وقال المهدوي: "هذا الخبر لا يصح ". وكذا ما نُسِب إلى أُم المؤمنين عائشة ﵂، فهو لا يصح أبداً، قال الباقلانيّ: "ولا سبيل إلى العلم بصحتها لا من ناحية الضرورة، ولا من جهة الدليل "، وقال الرازيّ: "إنّ المسلمين أجمعوا على أنّ ما بين الدفّتين كلام الله تعالى، وكلام الله تعالى لا يجوز أن يكون لحناً وغلطاً؛ فثبت فساد ما نُقِل عن عثمان وعائشة ﵂ أنّ فيه لحناً وغلطاً"، وقال ابن هشام الأنصاريّ: "وهذا أيضاً بعيدُ الثبوت عن عائشة ﵂، فإنّ القراءات كلّها موجهة". فخلاصة القول: إنّ هذه الروايات باطلة، ومردودة بائدة، وليس لذي عقل ونصفة أنْ يعارض بهذا الباطل ما ثبت بالتواتر جيلاً إثر جيلٍ إلى يومنا هذا. الوجه الثاني: هذه الروايات مهما يكن سندها - عند بعضٍ - صحيحاً؛ فهي مخالفة للتواتر القاطع، ومعارض القاطع مردود.

стр. 24

قال الفخر الرازي: "المصحف منقول بالنقل المتواتر عن رسول الله ﷺ ، فكيف يمكن ثبوت اللحن فيه؟ ". وقال الدكتور محمد أبو شهبة: "إن هذه الرواية غير صحيحة عن عائشة ﵂، وعلى فرض صحتها، فهي رواية آحادية لا يثبت بها قرآن، وهي معارضة للقطعيّ الثابت بالتواتر، فهي باطلة ومردودة، ولا التفات إلى تصحيح مَنْ صحح هذه الرواية وأمثالها؛ فإن مِنْ قواعد المحدثين: أنّ مما يدرك به وضع الخبر، ما يؤخذ من حال المرويّ كأنْ يكون مناقضاً لنصِّ القرآن، أو السنَّة، أو الإجماع القطعيّ، أو صريح العقل، حيث لا يُقبل شيءٌ من ذلك التأويل، أو لم يحتمل سقوط شيءٍ منه يزول به المحذور، وهذه الروايات مخالفة للتواتر القطعيّ، الذي تلفته الأُمة بالقبول؛ فهي باطلة لا محالة". الوجه الثالث: الأخذ بهذه المرويات الباطلة يقود إلى الطعن في الصحابة ﵃، لا سيّما فيمن جاءت عنهم هذه الروايات، فَهُم القدوة والأئمة؛ إذ لو وَجَدوا في المصحف لحناً لَمَا فوضوا إصلاحه إلى غيرهم مِنْ بعدهم، مع تحذيرهم من الابتداع، وترغيبهم في الاتّباع.

стр. 25

وهم أهل العدالة والتثبّت، والفهم الثاقب، وأهل اللّسان، العلماء بوجوه الخطاب، وما لا يجوزُ في الإعراب، قال الزجاج: "وقال بعضهم: في كتاب الله أشياء استصلحها العرب بألسنتها، وهذا القول عند أهل اللّغة بعيدٌ جداً؛ لأن الَّذين جمعوا القرآن أصحاب رسول الله ﷺ ، وهم أهل اللّغة وهم القدوة وهم قريبو العهد بالإسلام، فكيف يتركون في كتاب الله شيئا يُصلحه غيرهم وهم الذين أخذوه عن رسول الله ﷺ وجمعوه؟ وهذا ساقطٌ عَمَّنْ لا يَعْلَم بَعْدَهُمْ وساقط عَمَّنْ يَعْلَمُ؛ لأنّهم يُقْتَدى بهم، فهذا ممّا لا ينبغي أن يُنْسب إليهم رحمةُ الله عليهم. والقرآن محكَم لا لَحْن فيه، ولا تتكلَّم العرب بأجود منه في الإعراب؛ كما قال : (تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)، وقال: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) ... ". الوجه الرَّابع: الصحابة ﵃ كانوا يتسارعون إلى إنكار أدنى المنكرات، فكيف يقرّون اللَّحن في القرآن الكريم، ولا كلفة عليهم في إزالته، مع أنّ طباعهم تأبى ذلك. وقال القشيريّ: "هذا المسلك باطلٌ؛ لأنّ الذين جمعوا الكتاب

стр. 26

كانوا قدوةً في اللّغة، فلا يظنّ بهم أنّهم يدرجون في القرآن ما لم ينزل ". الوجه الخامس: إنّ عثمان ﵁ أمرَ الكَتَبَة أنْ يكتبوا المصحف بلسان قريش، وأمرهم بالرجوع إليه - أي إلى لسان قريش - عند الاختلاف؛ قال عثمان ﵁: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في عربيّة من عربيّة القرآن، فاكتبوها بلسان قريش، فإنّ القرآن أُنزل بلسانهم؛ ففعلوا". ثم تعدّد المصاحف، وإجماع جماعة على كل مصحف، ثمّ وصول كلّ مصحف إلى بلدٍ فيه كثير من الصحابة والتابعين يقرأون القرآن، ويعتبرون ذلك بحفظهم، والإنسان إذا نسخ مصحفاً وغلط في موضع - مثلاً - عُرِف غلطه بمخالفة حفظة القرآن، وسائر المصاحف. يقولُ الإمام الطبريّ: "قد ذُكِر أنّ ذلك في قراعةِ أُبي بنِ كعب: (والمقيمين)، وكذلك هو في مصحفهِ فيما ذَكَروا، فلو كان ذلك خطأً من الكاتبِ لكانَ الواجبُ أن يكونَ في كلّ المصاحفِ غير مصحفِنا الذي كتَبَه لنا الكاتبُ الذي أخْطأ في كتابتهِ، بخلافِ ما هو في مصحفِنا، وفي اتّفاقِ مصحفِنا ومصحفِ أُبي في ذلك، ما يدلُّ على أنّ الذي في مصحفِنا

стр. 27

مِنْ ذلك صوابٌ غيرُ خطأٍ. مع أنّ ذلك لو كان خطأ من جهةِ الخط، لم يكن الذين أُخِذَ عنهم القرآنُ من أصحابِ رسول الله ﷺ يعلِّمون مَنْ علَّموا ذلك من المسلمين على وجهِ اللَّحْنِ، ولأصْلَحُوه بألسنَتِهم، ولقَّنوه الأمَّةَ تعليما على وجهِ الصوابِ. وفي نقلِ المسلمين جميعا ذلك قراءة على ما هو به في الخظ مرسومأ، أدلُّ الدليلِ على صحةِ ذلك وصوابِهِ، وأنْ لا صُنْعَ في ذلك للكاتبِ ". الوجه السادس: مما يدلّ على بطلان تلك الأخبار أنّه لا يوجد حرفٌ او قراءةٌ - ثابتة - في كتاب الله إلَّا ولها وجهٌ حَسَنٌ في العربية؛ كيف لا وهو عُمْدتها، ومرجع اللّغات إليه؟ يقول الإمام المهدويّ: "ولم يوجد في القرآن حرفٌ إلَّا وله وجهٌ صحيحٌ في العربيّة، وقد قال تعالى: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)). والقرآن محفوظ من اللَّحن والزيادة والنقصان ". الوجه السابع: أوَّل قسمٌ من العلماء تلك الآثار - هذا على فرض صحتها مع أنه بعيد - بما يوافق المتواتر المنقول.

стр. 28

فمِنْ معانى اللَّحن هو: اللغة والقراءة، قال أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁: "أُبَي أقرؤنا، وإنَّا لندع من لحن أُبي ". قال ابن أبي داود: "يعني: لغة أُبَي "، وقال الحافظ ابن حجر: "قوله: (من لحن أُبَيّ): أي من قراءته، ولحن القول: فَحْواه، ومعناه المراد به هنا: القولُ ". وقد تأوّل قومٌ اللَّحن الذي ورد - على تقدير صحته - بالرمز والإيحاء والإشارة، قال الإمام السخاويّ: "لو صح لاحتمل اللَّحن أن يكون بمعنى الإيماء في صور في القرآن، نحو (الكتب)، و (والصبرين)، وما أشبه ذلك من مواضع الحذف التي صارت كالرمز يعرفه القرّاءُ إذا رأوه". ومنهم مَنْ أول ما نُسِب إلى عثمان ﵁ بأنَّ اللَّحن محمولٌ على تقدير القراءة بظاهر الخط، ويعلق الدكتور عبد الصبور شاهين على ذلك قائلاً: "ومقتضى هذا أنْ نستبعد بصفة موضوعيّة تفسير اللَّحن بالخطأ؛ إذ لم يكن ذلك في لغة هذا الجيل، ولا هو من

стр. 29

المدلولات المعروفة آنذاك، ولم يبق إلا أنْ يفسّر اللَّحن بوجوه القراءة". ولنتأمّل تأويل الإمام أبي عمرو الداني ما نُسِب إلى أُم المؤمنين عائشة ﵂: "تأويله ظاهر، وذلك أنّ عروة لم يسأل عائشة فيه عن حروف الرسم التي تُزاد فيها لمعنى وتنقص منها لآخر، تأكيداً للبيان وطلباً للخفة - وإنما سألها فيه عن حروفٍ من القراءة المختلفة الألفاظ المحتملة الوجوه، على اختلاف اللغات التي أذن الله لنبيّه ﷺ ولأُمته في القراءة بها، واللّزوم على ما شاءت منها تيسيرا لها وتوسعةً عليها، وما هذا سبيله وتلك حاله، فعن اللَّحن والخطأ والوهم والزلل بمعزل؛ لفشوّه في اللغة ووضوحه في قياس العربيّة، وإذا كان الأمر في ذلك كذلك، فليس ما قصدته فيه بداخل في معنى المرسوم، ولا هو مِنْ سببه في شيءٍ، وإنَّما سمّى عروة ذلك لحناً وأطلقت عائشة على مرسومه كذلك الخطأ، على جهة الاتّساع في الأخبار وطريق المجاز في العبارة؛ إذ كان ذلك مخالفاً لمذهبهما وخارجاً عن اختيارهما. وكان الأَوْجه والأَوْلى عندهما والأكثر والأفشى لديهما لا على وجه الحقيقة والتحصيل والقطع، لِمَا بينّاه من جواز

стр. 30

ذلك وفشوّه في اللّغة واستعمال مثله في قياس العربية، مع انعقاد الإجماع على تلاوتهِ "، ويستمر في تأويله قائلاً: "ويتأوّل فيه دون أن يقطع به على أنّ أُمّ المؤمنين ﵂، مع عظيم محلّها وجليل قدرها واتّساع علمها ومعرفتها بلغة قومها، لَحَّنت الصحابة وخطّات الكَتَبة وموضعهم من الفصاحة. والعلم باللّغة: موضعهم الذي لا يُجهل ولا يُنكر، هذا ما لا يسوغ ولا يجوز. وقد تأوّل بعض علمائنا قول أُمّ المؤمنين: (أخطأوا في الكتاب)، أي: أخطأوا في اختيار الأَوْلى من الأحرف السبعة بجمع الناس عليه، لا أنّ الذي كتبوا من ذلك خطأ لا يجوز؛ لأنّ ما لا يجوز مردودٌ بإجماع، وإنْ طالت مدة وقوعه وعظم قدر موقعه، وتأول اللَّحن أنّه القراءة واللغة، كقول عمر ﵁: (أُبَي أقرؤنا وإنَّا لندع بعض لحنه)، أي: قراءته ولغته، فهذا بينٌ وبالله التوفيق ". الشبهة الثانية: اختلاف القراءات: مَنْ حاولوا أن يُثبتوا اللَّحن في آيات القرآن الكريم، اتّخذوا من اختلاف القراءات حجّةً لهم، وهذا اعتلالٌ قديم، قالت الزنادقة: "و (القُرَّاء) يختلفون: فهذا يرفع ما ينصبه ذاك، وذاك يخفض ما يرفعه هذا.

стр. 31

وأنتم تزعمون أن هذا كله كلام رب العالمين، فأيُّ شيءٍ بعد هذا الاختلاف تُريدون؟ وأي باطلٍ بعد الخطإ واللَّحْن تبتغون؟ ". فالطاعنون جعلوا لهم مسلكَيْن في هذه الشُبهة: الأول: الاختلاف عند القُراء قائم على الاجتهاد، وهذا ما نجده عند المستشرق (جولد تسيهر) وغيره. الثاني: هذا الاختلاف قاد إلى اللَّحن في الكتاب العزيز. وللرد على هذه الشبهة، أقولُ: ما تعلق به هؤلاء متهافت من وجوه: الوجه الأوّل: الله - سبحانه - رخص لعباده، ورفع عنهم المشقة بقراءة كتابه؛ فأنزله على سبعة أحرف، قال النبي ﷺ : "أقرأني جبريلُ على حرفٍ فراجعته، فلم أزلْ أستزيدُه ويزيدني؛ حتى انتهى إلى سبعة أحرف ".

стр. 32

وقال أيضاً: "إن هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسَّر منه ". وردَّ على الطاعنين ابن قُتيبة بقوله ت "أمّا ما اعتلّوا به من وجوه القراءات من الاختلاف؛ فإنّا نحتجّ عليهم فيه بقول النبيّ ﷺ : "نزل القرآن على سبعة أحرف" ... ". الوجه الثاني: منهج القرّاء قائمٌ على التلقّي والسَّماع، فالقراءة سُنَّة متبّعة، يقول أبو عمرو الدانِيّ في كتابه (جامع البيان في القراءات السبع المشهورة): "وأئمّة القراءة لا تعمل في شيءٍ من حروف القرآن على الأفشى في اللُّغة، والأقيس في العربيّة؛ بل على الأثبت في الأثر، والأصحّ في النَّقل. والروايةُ إذا ثبتت لا يردّها قياسُ عربيّة ولا فشوّ لغة؛ لأنّ القراءة سنَّة متبّعة، يلزم قبولها والمصير إليها". إذن: القراءة لا يجوز لأحدٍ أن يتصرّف فيها، أو يجتهد مِنْ عند نفسه بضبطها، فطريقها الرواية وضبطها. الوجه الثالث: وجَّه العلماءُ ما أشكل من وجوه

стр. 33

الروايات في القراعات؛ إذ لكلّ قراءة وجهٌ حَسَن في العربيّة، وبيَّنوا فسادَ رأي مَنْ ردَّها، أو لحَنَ بعضَها، وهذا مبسوطٌ في موضعهِ من كتب الاحتجاج، أو التفسير، أو الإعراب. الوجه الرابع: ما يدلُّ على فساد هذه الشُّبهة، وأنّ القراءة ليس فيها مجال للقياس، حتى لو جازت في العربيّة؛ إذا لم يصحّ النقل، موقف العلماء من ابن شَنَبُوذ وابن مقسم العطَّار. أما ابن شَنَبُوذ - (أبو الحسن: محمد بن أحمد، ت ٣٢٨ هـ) - فقد " زعم أنَّ كُلَّ مَنْ صحَّ عنده وَجْهٌ في العربيّة بحرفٍ من القرآن، يوافق خطَّ المصحف؛ فقراءته به جائزة، وكان أبو بكر بن مجاهد ﵀ استتابه من بِدْعته، وأحضره السلطان ليؤدبه ... ". وأمّا ابن مقسم العطّار - (أبو بكر، محمد بن الحسن، ت ٣٥٤ هـ) - فقال فيه الخطيب البغداديّ: "وكان ابن مقسم من أحفظ الناس لنحو الكوفيّين وأعرفهم بالقراءات ... وممّا طعن عليه به أنّه عمد إلى حروفٍ من القرآن؛ فخالفَ الإجماع فيها، وقرأها وأقرأها، على وجوه ذَكَر أنَّها تجوز في اللُّغة

стр. 34

والعربية، وشاع ذلك عند أهل العلم، فأنكروه عليه، وارتفع الأمرُ إلى السلطان، فأحضره واستتابه بحضرة القرّاء والفقهاء، فأذعن للتوبة". الشُّبهة الثالثة: إغفال الحركات في الرَّسم: اتَخذ الظَاعنون في إعراب القرآن من عدم النقط والشكل في كَتَبةِ المصحف، دليلاً للقول بوجود اختلاف في الحركات الإعرابية، وهذا أدى إلى اختلاف القراءات، يقول (جولد تسيهر): "يدعو اختلاف الحركات الذي لا يوجد في الكتابة العربية الأصلية ما يحدده إلى اختلاف مواقع الإعراب للكلمة، وبهذا إلى اختلاف دلالتهاة وإفًا فاختلاف تحلية هيكل الرسم بالنقط، واختلاف الحركات في المحصول الموحَّد القالب من الحروف الصامتة، كانا هما السبب الأول في نشأة حركة اختلافِ القراءات في نصّ لم يكن منقوطاً أصلاً، أو لم تُتَحرَّ الدقَة في نقطه أو تحريكه ".

стр. 35

وهناك أمران خطيران يمكن أن نأخذهما من هذا النصّ، هما: الأول: إهمال النقط والشكل سببٌ لاختلاف الإعراب، مما أدَّى إلى اختلاف القراءات. وقد قال (جولد تسيهر) في موطنِ آخر: "آية (٤٣) من سورة الرعد: (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ)، فقد وردت هذه الجملة بالقراءة التالية: (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتَابِ)؛ كما أن تغييرا زائدا على هذا في تحريك لفظ "عِلْمُ "، سمح بالقراءة التالية: ومِنْ عنده عُلِم الكتاب ". الثَّاني: اتّهام الكَتَبة بعدم الدقّة في نقط القرآن، وتحريكه. ويردّ على هذه الشبهة من وجوه: الوجه الأوّل: نقلت الأمّة هذا القرآن من صدور الرجال، جيلاً بعد جيل؛ فلا يصحّ مع اشتهاره، وتوفّر نَقَلَتِهِ وكثرة حفّاظه أنْ يكون فيه وهم، حاشا! قال ابن الجزريّ: "ثمّ إنّ الاعتماد في نقل القرآن يكون على حفظ القلوب والصدور، لا على حفظ المصاحف

стр. 36

والكتب. وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأُمّة؛ ففي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم أن النبي ﷺ قال: "إن ربي قال لي: قم في قريش فأنذرهم، فقلت له: ربِّ إذاً يثلغوا رأسي حتى يَدعُوهُ خُبْزَةً، فقال: مبتليك ومبتلٍ بك ومُنَزِّل عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظانَ، فابعث جنداً أبعث مثلهم، وقاتل بمَنْ أطاعك مَنْ عصاك، وأنفق يُنْفق عليك ". فأخبر - تعالى - أنّ القرآن لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تُغسل بالماء، بل يقرؤه في كلّ حال كما جاء في صفة أُمّته: "أناجيلهم في صدورهم "، وذلك بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه لا في الكتب، ولا يقرأونه كلّه إلا نظرًا لا عن ظهر قلب". وتوقف العلَّامة محمد عبد الله دراز عند إطلاق تسميتين مشهورتين على القرآن الكريم، هما: القرآن، والكتاب؛ قائلاً: "رُوعِيَ في تسميته: "قرآناً" كونه متلواً بالألسن، كما رُوعِيَ في تسميته: "كتاباً" كونه مدوّناً بالأقلام؟ فكِلْتا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه، وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أنَّ مِنْ حقه العناية بحفظه في

стр. 37

موضعين، لا في موضعٍ واحد، أعني أنه يجب حفظه في الصدور، والسطور جميعا ... فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المُجمع عليه من الأصحاب المنقول إلينا، جيلاً بعد جيل، على هيئته التي وُضِع عليها أول مرّة، ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر، وبهذه العنالة المزدوجة ... بَقِيَ القرآن محفوظاً". ومن - هنا - نُدرك الحكمة التي لأجلها أرسل عثمان بن عفان ﵁ مع كلّ مصحف مقرئا، يقرئ الناس، حتى يؤخذ من أفواه الرجال. الوجه الثاني: هناك قراءات يحتملها الرسم، وهي جائزة في اللُّغة، ولكن لا يعضدها النقل؛ وليس اتباع الخطِّ بمجرده واجباً ما لم يعضده نقل. ولنأخذ مثالا مما يحتمله الرَّسم، ولكن لم يقرأ به، قال أبو داود سليمان بن نجاح: "وكتبوا في جميع المصاحف: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤))، بغير ألف، مثل: (مَلِكِ النَّاسِ (٢))، وكذا كتبوا: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ) بإجماع،

стр. 38

واختلف القُراء هنا خاصة؛ فقرأه عاصم والكسائي بألف بين الميم واللام في اللفظ، مثل المجمع عليه في آل عمران، وقرأ سائر القُراء بغير ألف، مثل الذي في الناس بإجماع أيضاً هناك، وفي آل عمران ". ويعلق الدكتور فضل حسن عباس قائلاً: "رسم هذه الكلمات واحدٌ لا اختلافَ فيه، ولكن القُراء اختلفوا في الآية الأولى من سورة الفاتحة، فبعضهم قرأها (مالك) وبعضهم قرأها (ملك)، ولكنهم اتفقوا في آية آل عمران حيث قرأوها بالألف لم يخالف منهم أحد. أما آية الناس، فقد اتفقوا على قراءتها بدون ألف. تُرى لو كان اختلاف القراءات ناشئا عن التنقيط أكانوا يختلفون في موضع واحد، ويتفقون على ما سواه؟ إن المنطق يقضي أن يختلفوا في هذه المواضع جميعا؛ لأن الرسم يحتمل كلتا القراءتين، ولكن اختلافهم في موضع واحد يدل دلالة واضحة على أن الرسم ليس كل شيء، إنَما هو التلقّي مشافهة، والتواتر اللذان تثبت بهما القراءة ". الوجه الثالث: ثمّة وجوه تجوزها اللغة والصنعة

стр. 39

النحويّة، ومع هذا لم يُقرأ إلا بالوجه المرويّ. قال ابن عطية عند قوله - تعالى -: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)، "وأجمع القُراء على ضم الميم من (مُكْثٍ)، ويقال: مُكث، ومَكث - بضمّ الميم وفتحها - ومِكث بكسرها". وعلَّق عليه الدكتور عبد الفتاح إسماعيل شلبي: "ولم يقرأ واحد من القُرَّاء الأربعة عشر إلا مُكث بضمّ الميم ". ومثال الصنعة النَّحوية، قال الفراء عند قوله - تعالى -: (إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ): "جعلت (ما) في مذهب الذي: إن الذي صنعوا كَيْد سِحْر، وقد قرأه بعضهم: (كَيْدُ سَاحِرٍ)، وكل صواب. ولو نصبت (كيدَ سحر) كان صواباً، وجعلت (إنَّما)

стр. 40

حرفاً واحداً". وعلق عليه الدكتور عبد الفتاح إسماعيل شلبي قائلاً: "ولم يقرأ به واحد من سبعة ابن مجاهد، ولا الثلاثة الذين بعدهم، ولا الأربعة الذين بعدهم ". الوجه الرابع: المثال الذي ذكره (جولد تسيهر) مردودٌ عليه، وهو أنه قد تسامح بعضهم فجعل (علم) فعلاً مبنياً للمجهول؛ في قوله - تعالى -: (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣))، فليست من القراءات المتواترة، فلا يُعتد باعتراضه، وهي مع شذوذها لها وجهٌ في العربية. وقال الشيخ أحمد بن محمد البنا: "وعن الحسن والمطوعي (ومن عنده) جازٌ ومجرور خبر مقدم و (علم) مبتدأ مؤخر، والجمهور (مَن) اسم موصول، عطف على الجلالة، والجملة بعده صلته، أي: كفى بالله، وبالذي عنده ... إلخ. من مؤمني أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام. وأما قراءة (مِن عنده) بالجرّ و (عُلِم) بالبناء للمفعول، و (الكتاب) رُفِع به، فليس من طرق هذا الكتاب ".
следующие страницы →