← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 37174

رد البهتان عن إعراب آيات من القرآن الكريم

يوسف العيساوي

Полный текст (94 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والكتب. وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأُمّة؛ ففي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم أن النبي ﷺ قال: "إن ربي قال لي: قم في قريش فأنذرهم، فقلت له: ربِّ إذاً يثلغوا رأسي حتى يَدعُوهُ خُبْزَةً، فقال: مبتليك ومبتلٍ بك ومُنَزِّل عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظانَ، فابعث جنداً أبعث مثلهم، وقاتل بمَنْ أطاعك مَنْ عصاك، وأنفق يُنْفق عليك ". فأخبر - تعالى - أنّ القرآن لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تُغسل بالماء، بل يقرؤه في كلّ حال كما جاء في صفة أُمّته: "أناجيلهم في صدورهم "، وذلك بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه لا في الكتب، ولا يقرأونه كلّه إلا نظرًا لا عن ظهر قلب". وتوقف العلَّامة محمد عبد الله دراز عند إطلاق تسميتين مشهورتين على القرآن الكريم، هما: القرآن، والكتاب؛ قائلاً: "رُوعِيَ في تسميته: "قرآناً" كونه متلواً بالألسن، كما رُوعِيَ في تسميته: "كتاباً" كونه مدوّناً بالأقلام؟ فكِلْتا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه، وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أنَّ مِنْ حقه العناية بحفظه في

стр. 37

موضعين، لا في موضعٍ واحد، أعني أنه يجب حفظه في الصدور، والسطور جميعا ... فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المُجمع عليه من الأصحاب المنقول إلينا، جيلاً بعد جيل، على هيئته التي وُضِع عليها أول مرّة، ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر، وبهذه العنالة المزدوجة ... بَقِيَ القرآن محفوظاً". ومن - هنا - نُدرك الحكمة التي لأجلها أرسل عثمان بن عفان ﵁ مع كلّ مصحف مقرئا، يقرئ الناس، حتى يؤخذ من أفواه الرجال. الوجه الثاني: هناك قراءات يحتملها الرسم، وهي جائزة في اللُّغة، ولكن لا يعضدها النقل؛ وليس اتباع الخطِّ بمجرده واجباً ما لم يعضده نقل. ولنأخذ مثالا مما يحتمله الرَّسم، ولكن لم يقرأ به، قال أبو داود سليمان بن نجاح: "وكتبوا في جميع المصاحف: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤))، بغير ألف، مثل: (مَلِكِ النَّاسِ (٢))، وكذا كتبوا: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ) بإجماع،

стр. 38

واختلف القُراء هنا خاصة؛ فقرأه عاصم والكسائي بألف بين الميم واللام في اللفظ، مثل المجمع عليه في آل عمران، وقرأ سائر القُراء بغير ألف، مثل الذي في الناس بإجماع أيضاً هناك، وفي آل عمران ". ويعلق الدكتور فضل حسن عباس قائلاً: "رسم هذه الكلمات واحدٌ لا اختلافَ فيه، ولكن القُراء اختلفوا في الآية الأولى من سورة الفاتحة، فبعضهم قرأها (مالك) وبعضهم قرأها (ملك)، ولكنهم اتفقوا في آية آل عمران حيث قرأوها بالألف لم يخالف منهم أحد. أما آية الناس، فقد اتفقوا على قراءتها بدون ألف. تُرى لو كان اختلاف القراءات ناشئا عن التنقيط أكانوا يختلفون في موضع واحد، ويتفقون على ما سواه؟ إن المنطق يقضي أن يختلفوا في هذه المواضع جميعا؛ لأن الرسم يحتمل كلتا القراءتين، ولكن اختلافهم في موضع واحد يدل دلالة واضحة على أن الرسم ليس كل شيء، إنَما هو التلقّي مشافهة، والتواتر اللذان تثبت بهما القراءة ". الوجه الثالث: ثمّة وجوه تجوزها اللغة والصنعة

стр. 39

النحويّة، ومع هذا لم يُقرأ إلا بالوجه المرويّ. قال ابن عطية عند قوله - تعالى -: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)، "وأجمع القُراء على ضم الميم من (مُكْثٍ)، ويقال: مُكث، ومَكث - بضمّ الميم وفتحها - ومِكث بكسرها". وعلَّق عليه الدكتور عبد الفتاح إسماعيل شلبي: "ولم يقرأ واحد من القُرَّاء الأربعة عشر إلا مُكث بضمّ الميم ". ومثال الصنعة النَّحوية، قال الفراء عند قوله - تعالى -: (إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ): "جعلت (ما) في مذهب الذي: إن الذي صنعوا كَيْد سِحْر، وقد قرأه بعضهم: (كَيْدُ سَاحِرٍ)، وكل صواب. ولو نصبت (كيدَ سحر) كان صواباً، وجعلت (إنَّما)

стр. 40

حرفاً واحداً". وعلق عليه الدكتور عبد الفتاح إسماعيل شلبي قائلاً: "ولم يقرأ به واحد من سبعة ابن مجاهد، ولا الثلاثة الذين بعدهم، ولا الأربعة الذين بعدهم ". الوجه الرابع: المثال الذي ذكره (جولد تسيهر) مردودٌ عليه، وهو أنه قد تسامح بعضهم فجعل (علم) فعلاً مبنياً للمجهول؛ في قوله - تعالى -: (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣))، فليست من القراءات المتواترة، فلا يُعتد باعتراضه، وهي مع شذوذها لها وجهٌ في العربية. وقال الشيخ أحمد بن محمد البنا: "وعن الحسن والمطوعي (ومن عنده) جازٌ ومجرور خبر مقدم و (علم) مبتدأ مؤخر، والجمهور (مَن) اسم موصول، عطف على الجلالة، والجملة بعده صلته، أي: كفى بالله، وبالذي عنده ... إلخ. من مؤمني أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام. وأما قراءة (مِن عنده) بالجرّ و (عُلِم) بالبناء للمفعول، و (الكتاب) رُفِع به، فليس من طرق هذا الكتاب ".

стр. 41

الوجه الخامس: أمّا اتهام الخظ بعدم الدقّة، فهذا البهتان بعينه، وردُّنا عليه على النَّحو إلآتي: أ - إنّ رسم المصحف يدلُّ على دراية الكَتَبة ومعرفتهم، فهو غاية في الإتقان. قال نظام الذين النيسابوريّ: "واتّباع المصحف في هجائه واجب، ومَنْ طعن في شيءٍ من هجائه، فهو كالطَّاعن في تلاوته؛ لأنه بالهجاء يُتلى. فما كَتَب - زيد بن ثابت - شيئاً من ذلك إلَّا لعلَّةٍ لطيفة، وحِكْمة بليغة؛ وإنْ قَصُر عنها رأينا". ب - القرآن معجز في مَبْناه ومعناه، فَرُوعِيَ في كتابته ورسمه بهجاء يحمل المعاني المتعدّدة، والأغراض البلاغية، ويحفظ وجوه القراءات؛ إذ رسمه لا ينفك عن قراءاته. قال المهدويّ: "لمّا كانت المصاحف التي هي الأئمّة؛ إذ قد اجتمعت عليها الأُمّة، تلزم موافقتها، ولا تسوغ مخالفتها - وكان كثير من الخطّ المُثْبَت فيها، يخرج عن المعهود عند الناس، مع حاجتهم إلى معرفته، لتُكْتب المصاحف على رَسْمه، وتجري في الوقف على كثيرٍ منه، لكلّ قارئٍ من القرّاء على مذهبه وحكمه - كانت الحاجة إليه كالحاجة إلى سائر علوم القرآن، بل أهمّ، ووجوب تعليمه أشمل وأعمّ؛ إذ لا يصحُّ معرفة بعض ما اختلف القرّاء فيه

стр. 42

دون معرفته، ولا يسع أحداً اكتتاب مصحف على خلاف خط المصحف الإمام ورتبته ". ج - لا يُرمى الرسم بعدم الدقّة، إذا خَفِيَ علينا شيءٌ منه، فـ "لم يكن ذلك من الصَّحابة كيف اتّفق؛ بل على أمرٍ عندهم قد تحقّق ". يقولُ أبو عمرو الدانِيّ: "وليس شيءٌ من الرسم، ولا من النّقط، اصطلح عليه السَّلف، رضوان الله عليهم، إلَّا وقد حاولوا به وجهاً من الصحة والصواب، وقصدوا فيه طريقاً من اللغة والقياس؛ لموضعهم من العلم، ومكانهم من الفصاحة، عَلِمَ ذلك مَنْ عَلِمَه، وجَهِلَهُ مَنْ جهله، والْفَضْل بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ". ومن الأمثلة على هذه الذقة، قوله - تعالى: (إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ): "رُسِمت في المصحف العثمانيّ دون نقط، ولا شكل، ولا تشديد، ولا تخفيف، ولا ألف ولا ياء؛ فرَسْمها بهذه الكيفيّة، ومجيئها على هذه الحال أدَّى جميع القراءات المتواترة التي رُوِيت بأسانيدِ صحيحة".

стр. 43

ولنختم الردَّ على هذه الشُّبهة، بقولِ الإمام ابن الجزريّ: " إن الصحابة ﵃ لمّا كتبوا تلك المصاحف جرَّدوها من النّقط والشكل؛ ليحتمله ما لم يكن في العرضة الأخيرة، مما صحّ عن النبي ﷺ ، وإنَّما أخلوا المصاحف من النقط والشكل لتكون دلالة الخطّ الواحد على كِلَا اللفظين المنقولين المسموعين المتلوَّيْن شبيهة بدلالة اللَّفظ الواحد على كِلا المعنيين المعقولين المفهومين ". الشُّبهة الرابعة: محاكمة وجوه القراءة على قواعد العربية المشهورة: لهج الطَّاعنون في إعراب القرآن بقولهم: إن هذه الآية تُخالف القاعدة النحويّة تلك، وهكذا. وهذه الشُّبهة تعلق بها الزّنادقة؛ إذ قرروا وقوع اللَّحن، فقالوا: "من اللحن الفاحش الذي لا يسوغُ مثلُه، ولا يجوزُ على اللهِ سبحانه، ولا على رسوله التكلّم به، والأمر بحفظه وتبقيةُ رَسْمه ودعوى الإحكام والإعجاز فيه؛ نحو قوله: (إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ)، وهو موضعُ نَصب؛ وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ)، وهو موضع

стр. 44

نصب لا إشكالَ فيه على أحد، وقوله: (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ)، وموضعِ (وَالْمُقِيمِينَ) رفعٌ واجبٌ في هذا الموضع وجوباً ظاهراً بيناً؛ وقوله: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ)، وهو (الصابرونَ) بغير اختلافٍ بين أهلِ الإعراب؛ وقوله في المنافقين: (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠))، وهو موضعُ نصب، وهو في المصحفِ مجزُوم ". وبمثل هذا الباطل نطق صاحب (تذييل مقالة في الإسلام)، ومَنْ تابعه: من أعداء القرآن، أو مَنْ غُزر بهم. وهذا الهذيان واضح البطلان، فنرد عليه بما يأتي: الوجه الأول: إن قول هؤلاء عكسٌ للأُصول التي جرى عليها العلماء، فتُقاس القاعدة على لغة القرآن وتصحَّح بموجبه؛ فهو أفصح أساليب العربيّة على الإطلاق. قال الفراء: " الكتاب أعرب وأقوى في الحجة من الشعر".

стр. 45

وزاد هذا الأمر إيضاحاً ابن المنيِّر بقوله: "وليس غرضنا تصحيح القراءة بقواعد العربيّة، بل تصحيح قواعد العربيّة بالقراءة". الوجه الثاني: القرآن الكريم ثابت بالتواتر، فردَّ القراءة المرويّة بالتواترة إذا لم توافق قاعدة - عند بعضهم - لا يصحُّ، يقولُ الشيخ عبد الرحمن الجزيريّ: "قواعد النحو والبيان التي يقول عنها المبشّرون، إنما هي موضوعة على أساس القرآن الكريم؛ لأنه هو الأصل العربيّ الذي تواتر عن محمّد رسول الله العربيّ، وتحدّى به أفصح العرب منطقا وأبلغهم قولا، فعجزوا عن الإتيان بمثله؛ فكلّ ما يخالفه من العبارات يكون غير عربيّ بدون نزاع، فهل يظنّ هؤلاء الجَهَلة أنّ قواعد سيبويه والخليل أصلٌ يطبق عليها القرآن، فيقال لما خالف هذه القواعد: إنّه لحن؟! إنْ كانوا يظنّون ذلك، فقد بلغ بهم الجهل غايته؛ لأنّ الواقع أنّ قواعد الخليل وسيبويه وغيرهما مِنْ واضعي العلوم العربيّة إنَّما تكون صحيحة إذا وافقت القرآن الكريم، أمّا إذا خالفته في شيء لا يمكن تأويله، فإنّه يكون غلطاً بلا نزاع؟ فهل يصح لعاقل يعرف الخطأ من الصواب أنْ يقول بعد ذلك: إنّ في القرآن لحناً يخالف تلك القواعد؟!

стр. 46

كلا إنما الذي يصح أنْ يُقال: إن قواعد العربية كلها يجب أن يكون مرجعها القرآن الذي ثبتت نسبته بالتواتر إلى محمد ﷺ ، كما ثبت أن أفصح العرب اعترفوا بأنه في أعلى مراتب البلاغة والفصاحة". الوجه الثالث: من الأُصول المرعية أنه "إذا ورد السماع بشيءٍ لم يبق غرض مطلوب، وعُدِل عن القياس إلى السماع ". والقرآن الكريم بقراءاته هو السماع الأعلى والأقوى، جاء في كتاب (النحويون والقرآن): "إذا رأيت القياس النحوي يخالف ما عليه القرآن، فدع القياس النحوي وتمسك بما يمثّله نص القرآن؛ لأنَ مَنْ تمسك بالشاهد القرآني بحكم فقد تمسك بالحجة الوثقى، والدليل القاطع للخلاف ". الشبهة الخامسة: الأخذ بالأقوال الضعيفة وجعلها حجّة: مَنْ ينظُرُ في شُبَه هؤلاء الطاعنين يراهم قد سطوا على أقوالٍ ضعيفة، ومناقشات يوردها المعربون والمفسرون بشكل اعتراض، ثم يجيبون عنها، ولكن الطاعنين يحتجون بالاعتراض، ويتركون الجواب عنه؛ كي يلقوا الشُبه في نفوس المسلمين بكتاب ربِّهم، وقد أشار الشيخ عبد الرحمن الجزيري إلى هذه الشُبهة بقوله:

стр. 47

"وقد عرفت مما ذكرناه لك قريبأ أنّهم يرجعون إلى كتب المفسّرين، ويأخذون من أبحاثهم، ويسوقونه في صورة اعتراض، وينسبونه إلى أنفسهم. مع أنَّهم يعلمون أنّ المعترض قد أجاب عن اعتراضه بعدَّة أجوبة، ومِنْ أجل ذلك ترى كثيرا من المبشّرين لا يُحسن نقل الاعتراض؛ فيظهر جهله في صورة مكبّرة مضحكة، ولا نريد أن نذهب بالقرّاء بعيدا، بل نقول لهم: إنّ الأمثلة التي اعترض بها زعيم المبشّرين واتّبعه فيها القسيس الملقّب نفسه بهاشم العربيّ أكبر شهادة على ما نقول ". ولنأخذ مثالا من صاحب (تذييل مقالة في الإسلام)، كي يرى القارئ صدق ما قرّرناه، قال في (تذييله): "وقال في سورة البقرة: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ). قال المفسّرون: إنّ (الَّذي) بمعنى (الَّذين)، واستشهدوا لذلك لا بشاهد من كلام العرب بل بكلام القرآن نفسه؛ إذ قال: (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا)، أي: كالذين خاضوا؛ وهذا احتجاج ضعيف فضلا عن أنَّه لو أراد بالذي في هذا الموضع معنى (الذين) لقال: الذي استوقدوا، كما قال: الذي خاضوا، ولكنَّه قال: استوقد بالإفراد؛ فبَقِيَ الكلام بعد ذلك ناقصا لا يفيد".

стр. 48

وهذا الذي نقله الظَاعن موجود ذَكَره العلماء، قال أبو البقاء العكبريّ: "قوله: (الذى اسْتَوْقَدَ): (الَّذِي) - ها هنا - مفرد في اللّفظ، والمعنى على الجمع؛ بدليل قوله؛ (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ)، وما بعده. وفي وقوع المفرد - هنا - موقع الجمع وجهان: أحدهما: هو جنس، مثل: مَنْ، ومَا؛ فيعود الضميرُ إليه تارةً بلفظ المفرد، وتارة بلفظ الجمع. والثاني: أنّه أراد الذين؛ فحُذفت النون لطول الكلام بالصِّلة، ومثله: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ) ثم قال: (أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) ". وعقَّب السمين الحلبي على قول أبي البقاء العكبريّ بالتضعيف، فقال: "ووَهِمَ أبو البقاء، فجعل هذه الآية من باب ما حُذِفَتْ منه النونُ تخفيفاً، وأنّ الأصلَ: الذينَ، ثم خُفف بالحذفِ، وكأنه جَعَلَه مثلَ قوله - تعالى - في الآية الأخرى: (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا)، وقول الشاعر: وإنَّ الذي حَانَتْ بفَلْجٍ دماؤُهُمْ ... هم القومُ كلُّ القومِ يا أمَّ خالدِ والأصل: كالذين خاضُوا، وإن الذين حانَتْ، وهذا

стр. 49

وَهمٌ فاحش؛ لأنّه لو كان من باب ما حُذِفَتْ منه النونُ لوجَبَ مطابقةُ الضمير جمعاً، كما في قوله: (كَالَّذِي خَاضُوا)، و (دماؤُهُمْ)، فلمّا قال تعالى: (اسْتَوْقَدَ) بلفظ الإفراد تعيَّن أحدُ الأمرين المتقدّمين: إمّا جَعْلُه من باب وقوعِ المفردِ موقعَ الجمعِ؛ لأنّ المرادَ به الجنسُ، أو أنّه من باب ما وقع فيه صفةً لموصوف يُفْهِمُ الجَمْع ". والذي يُطالع هذه المناقشات التي تجري في مؤلّفات علمائنا ﵏ وما ذكره الطَّاعن يلاحظ أمرين مهميْن: الأوّل: أخذ الطَّاعن برأيٍ ضعيف والرَّدَّ عليه سرقةً، ونسبه إلى نفسهِ، وهذا بيّن من خلال الموازنة بين ما ذكره الطَّاعن وما ذكره السمين الحلبيّ. الثاني: عمَّم هذا الطَّاعنُ القول الضعيف على المفسّرين، وحاكَمَ النصَّ القرآني من خلاله. وعند مراجعة كتب الأئمّة يتّضح قصد الرجل!. الشُّبهة السادسة: الشَّطط في (مصطلح الزائد) عند النُّحَاة في كتاب الله تعالى: وصف صاحب (تذييل مقالة في الإسلام) النَظْم القرآني

стр. 50

بالإخلال، ويرى بأنّ (الزّائد) يخلُّ بالفصاحة، ويحيل المعنى إلى غير مراد قائله، فهو ضرب من اللَّغْو، وقال: "فهو - الزّائد - إذاً لغو، في كتاب حقّه أن يكون منزّهاً عن اللغْو". ومثل لهذا، فقال عند قوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ): "فلا" في قوله: (لِئَلَّا)، والأصل: لأن لا: زائدة؛ لأن المفسّرين يزعمون أنّه أراد أنْ يقول: ليعلم أهل الكتاب ... إلخ. إلَّا أنّ هذه الزيادة عكست معنى الكلام وأحالته إلى ضدّ مراد قائله ". ولردّ شبهة هذا الطاعن، نحقّق القول في أمرين: الأول: معنى الزيادة. والثاني: الجواب عن الآية؛ فيندفع بذلك الإشكال. الأمر الاول: معنى الزيادة: يحسبُ هذا الطاعن - أو أراد - أن الزائد ما لا فائدة

стр. 51

فيه، وهذا واضح من كلامه. وعلماؤنا ما أرادوا هذا المعنى، جاء في (البرهان): "فإنَّ مراد النحويّين بالزائد من جهة الإعراب، لا من جهة المعنى". وقال ابن الأثير: "ومَنْ ذهبَ إلى أنّ في القرآن لفظاً زائداً لا معنى له، فإمّا أنْ يكون جاهلا بهذا القول؛ وإمّا أن يكون مُتَسَمِّحاً في دينه واعتقاده. وقولُ النحاةِ: إنّ (ما) في هذه الآية زائدةٌ، فإنَّما يَعْنون به أنّها لا تمنَع ما قبلَها عنِ العمل، كما يسمّونها في موضعٍ آخر كافّة، أي: أنّها تكف الحرفَ العامل عن عمله؛ كقولك: إنما زيدٌ قائمٌ، فما قد كفَّت (إنّ) عن العمل في زيدٍ، وفي الآيةِ لم تمنعْ عن العمل؛ ألَا ترى أنّها لم تمنع (الباء) عن العمل في خَفْضِ (الرحمة) ". وقال الفخر الرَّازيّ: "وقال المحقّقون: دخول اللَّفظ المهمل الضائع في كلام أحكم الحاكمين غير جائز". الأمر الثاني الجواب عن احتجاجه بتأويل الآية: ونُجيبه عن احتجاجه هذا من وجهين:

стр. 52

الوجه الأوّل: لم يتفق العلماء على زيادة (لا) في هذا الموضع، قال السمين الحلبيّ: "وفي (لا) هذه وجهان: أحدهما: وهو المشهور عند النُحاة والمفسّرين والمعربين أنها مزيدة ... والتقدير: أعلمكم الله بذلك، ليعلمَ أهلُ الكتاب عدمَ قدرتهم على شيءٍ من فضل الله، وثبوت أن الفضل بيد الله. وهذا واضحٌ بيِّن، وليس فيه إلا زيادة ما ثبتتْ زيادتُه شائعاً، ذائعاً. والثاني: أنّها غير مزيدة .. ". الوجه الثاني: ما استشكله هذا الطَّاعن، ذكره بعض علمائنا؛ فالظاهر أنه اطلع على مثل هذا وتبنّاه. يقول الإمام الزركشيّ: "وتزاد (لا) بعد (أنْ) المصدرية؛ كقوله: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ)، أي: ليعلم؛ ولولا تقدير الزيادة لانعكس المعنى، فزيدتْ (لا) لتوكيد النفي، قاله ابن جنيّ ". والحقيقة أنّه لا يوجد إشكال على كِلا المعنيين، يقول الفخر الرازيّ: "واعلم أنّ أكثر المفسّرين على أنّ (لا) هاهنا صلة

стр. 53

زائدة، والتقدير: ليعلم أهل الكتاب، وقال أبو مسلم الأصفهاني وجَمْع آخرون: هذه الكلمة ليست بزائدة، ونحن نفسّر الآية على القولين بعون الله تعالى وتوفيقه. (أما القول المشهور) وهو أنّ هذه اللفظة زائدة، فاعلم أنّه لا بُدَّ ههنا من تقديم مقدمة، وهي: أنّ أهل الكتاب، وهم بنو إسرائيل، كانوا يقولون: الوحي والرسالة فينا، والكتاب والشرع ليس إلَّا لنا، والله تعالى خصَّنا بهذه الفضيلة العظيمة من بين جميع العالمين. إذا عرفت هذا، فنقول: إنّه - تعالى - لمّا أمر أهل الكتاب بالإيمان بمحمّد ﵊ وعدهم بالأجر العظيم على ذلك الإيمان أتبعه بهذه الآية، والغرض منها أنْ يُزيل عن قلبهم اعتقادهم بأنّ النبوّة مختصّة بهم وغير حاصلة إلَّا في قومهم، فقال: إنَّما بالغنا في هذا البيان، وأطنبنا في الوعد والوعيد ليعلم أهل الكتاب أنَّهم لا يقدرون على تخصيص فضل الله بقومٍ معيّنين، ولا يمكنهم حصر الرسالة والنبوّة في قومٍ مخصوصين، وأن الفضل بيد الله يؤتيه مَنْ يشاء، ولا اعتراض عليه في ذلك أصلاً. (أما القول الثاني) وهو أنّ لفظة (لا) غير زائدة، فاعلم أنّ الضمير في قوله: (أَلَّا يَقْدِرُونَ) عائدٌ إلى الرسول ﷺ وأصحابه، والتقدير: لئلَّا يعلم أهل الكتاب أن النبيّ ﷺ والمؤمنين لا يقدرون على شيءٍ من فضل الله، وأنّهم إذا لم

стр. 54

يعلموا أنَهم لا يقدرون عليه، فقد علموا أنّهم يقدرون عليه، ثم قال: (وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ)، أي: وليعلموا أنّ الفضل بيد الله، فيصير التقدير: إنّا فعلنا كذا وكذا لئلا يعتقد أهل الكتاب أنَهم يقدرون على حصر فضل الله وإحسانه في أقوامٍ معيّنين، وليعتقدوا أنّ الفضل بيد الله. واعلم أنّ هذا القول ليس فيه إلَّا أنا أضمرنا فيه زيادة، فقلنا في قوله: (وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ) تقدير وليعتقدوا أنّ الفضل بِيَدِ اللَّهِ. وأمّا القول الأوّل: فقد افتقرنا فيه إلى حذف شيء موجود، ومِنَ المعلوم أنّ الإضمار أوْلى من الحذف؛ لأنّ الكلام إذا افتقر إلى الإضمار لم يُوهم ظاهره باطلا أصلا. أما إذا افتقر إلى الحذف كان ظاهره مُوهِما للباطل، فعلمنا أنّ هذا القول أوْلى، والله أعلم ". ولقد تنبَّه العلماء إلى خطر (الزيادة)، فوضَّحوه، وحذّروا من استعماله: يقول الإمام ابن تيمية: "ولا يذكر فيه لفظا زائدا إلَّا لمعنى زائد، وإنْ كان في ضمن ذلك التوكيد، وما يجيء من زيادة اللفظ في مثل قوله: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ)،

стр. 55

وقوله: (قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠))، وقوله: (قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) فالمعنى مع هذا أزيد من المعنى بدونه، فزيادة اللفظ لزيادة المعنى، وقوّة اللفظ لقوّة المعنى". وقال الإمام السيوطيّ: "أن يجتنب إطلاق لفظ الزائد في كتاب الله - تعالى - فإنَّ الزائد قد يفهم منه أنّه لا معنى له، وكتاب الله منزَّه عن ذلك؛ ولذا فرَّ بعضهم إلى التعبير بدله بالتأكيد، والصِّلة، والمقحم ".

стр. 56

المبحث الثالث آياث طُعِن في إعرابها، وردُّ ذلك ١ - قال تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْ مَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)). وجه الطعن: لحنت الزنادقة قوله - تعالى -: (وَالصَّابِرِينَ)، والصواب عندهم الصابرون، "بغير اختلاف بين أهل الإعراب ". وجاء في (تذييل مقالة في الإسلام): "وكان الوجه أن يقول: "الصابرون "؛ لأنه عطف على قوله: (وَالْمُوفُونَ). لكن المفسرين، قالوا: إنه نصب "الصابرين " على المدح ". وقال آخر: "كيف نعرب كلمة "الصابرين " المنصوبة

стр. 57

- هنا - مع كونها معطوفة على جميع المرفوعات التي سبقتها، إلا إذا عاوننا المفسّرون؟ ". ردُّ الطَّعن وبيان وجه الصواب: سأناقش الطَّاعنين في أمرين: الأول إعراب "والصابرين "، والثاني: السر في نصب "وَالصَّابِرِينَ ". أمّا الأول، فقد نصَّ العلماء على أنّ "وَالصَّابِرِينَ" نُصِب على التعظيم والمدح، وكُتُب النَّحو والإعراب والتفسير ناطقة بهذا، فقد أورد إمام النُحّاة سيبويه الشواهد في باب (ما ينتصب على التعظيم والمدح)، فقال: "ونظير هذا النصب من الشعر، قول الخِرْنِق: لا يَبْعَدْنَ قومي الذين هُمُ ... سَمُّ العُداةِ وآفةُ الجُزرِ النَّازِلينَ بكل مُعْتَرَكٍ ... والطَّيّبون مَعَاقِدَ الأزْرِ وزعم يونس أنّ مِنَ العرب مَنْ يقولُ: (النازلون بكلّ معترك والطَّيبون)، فهذا مثل "وَالصَّابِرِينَ " ... كلُّ ذلك واسع ". وقال الإمام الطبريّ: "وأمّا (الصَّابرين) فنصبٌ، وهو

стр. 58

من نعتِ (مَنْ) على وجهِ المدحِ؛ لأنَ مِنْ شأن العرب إذا تطاولت صفةُ الواحدِ الاعتراضَ بالمدح والذم بالتصب أحياناً، وبالرفع أحياناً". ومن العلماء مَنْ ذكر توجيهاً آخر، قال مكيّ بن أبي طالب: " قوله: (وَالصَّابِرِينَ)، نصب على إضمار أعني، أو على العطف على (ذَوِي القُرْبَى)؛ فإذا عطفتهم على (ذَوِي القُرْبَى) لم يجز أن ترفع (وَالمُوفُونَ) إلَأ على العطف على المضمر في (آمَنَ)؛ ليكون داخلاً في صلة (مَنْ) ". ولكنّ الوجه الأوّل بعيدٌ عن كلِّ إشكال، وأبلغ في الخطاب؛ لذا اختاره كثيرٌ من العلماء. قال أبو عليّ الفارسيّ: "والأحسن عندي في هذه الأوصاف التي تعطف، ويُذكرُ الموضعُ من موصوفها والمدح أو النقص منهم والذمُّ أن يخالف بإعرابها، ولا تجعل كلها جاريةً على موصوفها ... وعلى هذا الحدِّ مذهبُ العرب في هذا النحو". وأمّا السرُّ في هذا النصب، فمَنْ تأمّل السياق الذي رتّبت فيه الأوصاف في الآية الكريمة يجد أنها جاءت في أعلى البلاغة والإفادة.

стр. 59

فإذا كان الموضع من مواضع الإطناب في الوصف، خُولِف في إعراب الأوصاف، ليكون المقصود أكمل؛ فالكلام عند اختلاف الإعراب يصير كأنّه أنواع من الكلام وضروبٌ من البيان والخطاب. أمّا عند اتحاد إعرابه يكون وجها واحداً وجملة واحدة. وأمّا مِنْ حيث الإفادة، فتغيّر الأسلوب والتفنّن في الخطاب له أثرٌ جليلٌ من الناحية النفسية؛ لأنّه يجذب الانتباه، ويُوقظ الشعور، وبحمل على التساؤل والبحث. وبعد أن كشفنا باطل هؤلاء الذين جعلوا بلاغة القرآن مشكلاً، بل لحناً وتكلّفاً، نُجيب على تساؤل صاحب (تذييل مقالة في الإسلام) عندما قال: "لماذا استحقّ الصابرون هذا المدح؟ " بما أجاب به الدكتور أبو شهبة، وهو: "وإنّما غاير في الأسلوب، ولم يأت على نَسَق ما سبقه تبياناً لفضيلة الصبر، وبيان منزلته من البرّ؛ فكأنَّ الله - سبحانه - يبيّن لنا أنه، وإن جاء في الذكر آخراً، فهو بمكان من الفضيلة والمَثوبة الحسنة". وبهذا يظهر تهافت وبهتان الطَّاعنين الجاهلين في أساليب العربيّة الذين يريدون تشكيك أُمّة الإسلام بكتابها، ولكن ... هيهات.

стр. 60

٢ - قال تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)). وجه الطَّعن: خطّأ الطَّاعنون قوله - تعالى -: (عَشَرَةٌ)، وقالوا: الصواب عشر؛ لأنّ المعدود مؤنّث، وقاعدة العدد - هنا - تُبْنى على المخالفة. قال أحدُهم: "وتلك عشرة كاملة، وحقّها: تلك عشر كاملة؛ لأنّ المعدود مؤنث، ودليل التأنيث كلمة (كاملة)، و (تلك)، ".

стр. 61

وجاء في كتاب (المستشرقون والإسلام) عن بعضهم، قال: "والصواب: تِلْكَ عَشرٌ كامِلةٌ". ردُّ الطعن وبيان وجه الصواب: إنّ جهل هذا الطاعن يذكّرني بقول الإمام الحسن البصريّ - عندما سُئِل عن سبب ضلال أهل البدع -: "أهلكتهم العُجْمة ". فجهل الطاعنين العربيّة فضَحهم، وكشف تلبيساتهم، وجوابنا على هذا الطَّعن يكفي المُنصف. أقول: لقد ظنّ الطاعنون أنّ المعدود مؤنّث، وهذا مُنكر في القول؛ فالمعدود هو الأيَّام، جمع يوم، واليوم مذكّر، والقاعدة في ذلك تأنيث العدد كما هو معلوم. قال السمين الحلبيّ: "وقوله: (تِلْكَ عَشَرَةٌ) مبتدأ وخبرٌ، والمشارُ إليه هي السبعةُ والثلاثةُ، ومميَّزُ السبعةِ والعشرةِ محذوفٌ للعلمِ به. وقد أثبت تاءَ التأنيثِ في العددِ مع حَذْفِ التمييزِ، وهو أحسنُ الاستعمالَيْنِ ". وقال الشيخ عبد الرحمن الجزيريّ:

стр. 62

"فالآية الكريمة منطبقة على القواعد النحويّة في ظاهرها وباطنها، فماذا تخيله ذلك الرجل المضحك حتى حكم على الصواب بأنه ليس بصواب ". ٣ - قال تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) . وجه الطَّعن: مميز الثلاثة إلى العشر جمع قلَّة، وجاء في هذا الموضع (ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) جمع كثرة، فقال الطاعنون: هذا لحن. قال صاحب (تذييل مقالة في الإسلام): "ومِنْ إتيانه بجمع الكثرة حيث يتعيّن جمع القلّة ... قوله في سورة البقرة: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)، والوجه: أقرُؤٍ، أو أقراءٍ". رد الطعن وبيان وجه الصواب: أقول: ما أشد تلبيس هؤلاء؛ إذ أخذوا اعتراضا ذكره علماؤنا؛ مع أنهم أجابوا عليه، وطاروا بالاعتراض فرحاً، كي يشكّكوا المسلمين بلغة كتاب ربهم!

стр. 63

قال أبو البقاء العكبريّ: "و (قُرُوءٍ): جمع كثرة، والموضع موضع قلَّة؛ فكان الوجه ثلاثة أقراء، واختلف في تأويله ... ". وما عدٌ العلماءُ هذا الموطن مشكلا، أو مخالفا للعربيّة، بل ذكروا له وجوها متعدّدة: الأوّل: إنّه من باب الاتساع، قال الزمخشريّ: "يتّسعون في ذلك، فيستعملون كلّ واحدٍ من الجمعين مكان الآخر، لاشتراكهما في الجمعيّة، ألا ترى إلى قوله: (بِأَنْفُسِهِنَّ)، وما هي إلا نفوس كثيرة". الثاني: عدل عن بناء القلة إلى الكثرة؛ لأنه شاذ في القياس، قال السمين الحلبيّ: "إنَ قُرُوءأ جمعُ قَرْء - بفتح القاف - فلو جاء على (أقراء) لجاء على غير القياس؛ لأن أفعالا لا يَطّردُ في (فَعْل) بفتح الفاء". الثالث: لمّا قال: (وَالْمُطَلَّقَاتُ) فجمع، أتى بلفظ جمع

стр. 64

الكثرة؛ لأنّ كلّ واحدة من المطلّقات تتربّص ثلاثة أقراءٍ، ورجّحه الهمدانيّ. الرابع: إنه قائمٌ على الحذف، والأصل فيه؛ "ثلاثة أقراء من قروءٍ". فها أنت ترى أن الطاعنين كشفوا عن جهلهم بهذه اللّغة الشريفة، وبانت سرقاتُهم، ولتعلم أنّ آراءَهم ظنون يريدون إبطال الحق بها! ٤ - قال تعالى: (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)) وجه الطعن: طعن أقوامٌ في قوله تعالى: (وَالْمُقِيمِينَ)، وقالوا: إنّ الصواب الرفع، ولا وجه لغيره. قالت الزَّنادقة: "وموضع (وَالْمُقِيمِينَ): رفع واجب في

стр. 65

هذا الموضع وجوباً ظاهراً بينا ... وأنّ ذلك إنَّما هو تخليط ممّن جمع القرآن، وكتب المصحف ". وقال صاحب (تذييل مقالة في الإسلام): "وكان الوجه أن يقول: (والمقيمون الصلاة)، كما قال بعده: (والمُوتُونَ الزكاةَ) هذا ما تقتضيه القاعدة؛ إلَّا أنّ المفسّرين زعموا أنه نَصَب المقيمين الصلاة على المدح أيضاً، فَلِمَ استحقَّ هؤلاء المدح ولم يستحقّه المؤمنون بالله واليوم الآخر ... ؟ ". ردُّ الطَّعن وبيان وجه الصواب: سنقف مع الطاعنين في قضيّتين: الأُولى: دعوى خطأ مَنْ كتب المصحف: نقل هؤلاء آثارا باطلة تدلّ بزعمهم على خطأ الكاتب، وأنّ (وَالْمُقِيمِينَ) في مصحف ابيّ بالرفع. وهذا الذي ذكروه باطل محض، رددنا عليه عند حديثنا عن الشُّبهة الأولى من شُبه الطاعنين في إعراب القرآن. ولكن أحبّ أن أذكر نصوصاً مهمّة عن أئمّتنا تَفِي عن التّكرار. قال الإمام الطبريّ، وهو يردّ على مَنْ زعم أنّها في مصحف أبيّ (وَالمُقِيمون):

стр. 66

"وفي اتّفاقِ مصحفِنا ومصحف أُبَيّ في ذلك، ما يدل على أنّ الذي في مصحفِنا من ذلك صواب غيرُ خطأ. مع أن ذلك لو كان خطأ من جهةِ الخط، لم يكنِ الذين أُخِذَ عنهم القرآنُ من أصحابِ رسول الله ﷺ يعلِّمون مَنْ علَّموا ذلك من المسلمين على وجهِ اللَّحْنِ، ولأصلَحُوه بألسنَتِهم، ولقَّنوه الأُمّةَ تعليماً على وجهِ الصواب. وفي نقلِ المسلمين جميعا ذلك قراءةً على ما هو به في الخط مرسوما، أدلُّ الدليلِ على صحةِ ذلك وصوابه، وأن لا صُنْعَ في ذلك للكاتب ". وقال الإمام الزمخشريّ: " (وَالْمُقِيمِينَ) نصب على المدح لبيان فضل الصلاة، وهو باب واسع ... ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحناً في خط المصحف، وربما التفت إليه مَنْ لم ينظر في الكتاب، ولم يعرف مذاهب العرب وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان، وغبي عليه أنّ السابقين الأوّلين الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل، كانوا أبعد همّة في الغَيْرة على الإسلام وذبّ المطاعن عنه، مِنْ أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدّها مَنْ بعدهم، وخرقاً يرفوه من يلحق بهم ".

стр. 67

وقال أبو حيَّان الأندلسيّ: "وذُكِر عن عائشة وأبان بن عثمان أنَّ كتبها بالياء من خطأ كاتب المصحف، ولا يصح عنهما ذلك، لأنهما عربيَّان فصيحان. قطع النعوت أشهر في لسان العرب، وهو باب واسع، ذَكَر عليه شواهد سيبويه وغيره، وعلى القطع خرَّج سيبويه ذلك ". الثانية: تخريج قوله تعالى: (وَالْمُقِيمِينَ) على قواعد النَّحو: ذكر الطاعنون في إعراب القرآن أنّ المفسّرين خرجوا (وَالْمُقِيمِينَ) على أنّه نصب على المدح، وجعلوه مشكلا من حيث المعنى. والذي يطالع كتب المفسّرين والمعربين يراهم قد ذكروا وجوها متعدّدة، وقد أفردها ببحث مستقلّ الأستاذ الدكتور أحمد حسن فرحات، فأجاد وأفاد، وذكر أكثر من سبعة أقوال فيها. ونوجزها بما يأتي: أولاً: ذهب أكثر العلماء إلى نصب (وَالْمُقِيمِينَ) على المدح؛ فهو صفة لـ (الرَّاسِخُونَ)،

стр. 68

"ولكنَ الكلامَ لما تطاوَلَ، واعْتَرَض بينَ الراسخين في العلم والمقيمين الصلاةَ ما اعْتَرَض من الكلامِ، فطال، نصبَ المقيمين الصلاةَ على وجهِ المدحِ؛ قالوا: والعربُ تفعلُ ذلك في صفةِ الشيءٍ الواحدِ ونعتهِ، إذا تطاولت بمدح أو ذم، خالفوا بين إعرابِ أولهِ وأوسطهِ أحياناً، ثم رجعَوا بآخره إلى إعرابِ أوله، وربما أجْرَوْا إعرابَ آخرهِ على إعرابِ أوسطهِ، وربما أجْرَوْا ذلك على نوعٍ واحدٍ من الإعراب ". وقال الزجَّاج: "ولسيبويه والخليل وجميع النحويين في هذا (باب) يسمونه (باب المدح) قد بيَّنوا فيه صحة هذا وجودته ". ثانياً: وذهب الكسائيّ وآخرون إلى أنّ (وَالْمُقِيمِينَ) عطف على (ما) في قوله: (بِمَآ أُنزِلَ)، أي: يؤمنون بما أُنزل إلى محمّد ﷺ وبالمقيمين، واختلفت عبارة هؤلاء بالمقيمين، فقيل: الملائكة، وقيل: الأنبياء، وقيل: المسلمون. وحجّة هؤلاء أنّ الوجه الأول يضعف؛ لأنّه لا يجوز القطع والنصب على المدح إلَّا بعد تمام الخبر.

стр. 69

قال الفرّاءة "وإنَّما امتنع من مذهب المدح - يعني الكسائي - الذي فسَّرتُ لك؛ لأنه قال: لا يُنصب الممدوح إلَّا عند تمام الكلام، ولم يتمم الكلام في سورة النساء، ألا ترى أنَّك حين قلت: (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ) - إلى قوله: (وَالْمُقِيمِينَ) - (وَالْمُؤْتُونَ) كأنَّك منتظر لخبره، وخبره في قوله: (أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا)، والكلام أكثره على ما وصف الكسائيّ،. ثالثاً: عطف على غير (مَا) في قوله: (بِمَا أُنْزِلَ) على النَّحو الآتي: أ - عطف (المُقِيمِينَ) على نفس الظرف، ويكون على حذف مضاف، أي: ومن قبل المقيمين، فحذف المضاف وأُقيم المضاف إليه مُقامه. وضعف؛ لأنه يحتاج إلى تقدير حذف مضاف، وإذا استوى التقدير وعدم التقدير، فعدم التقدير أوْلى، وهو ضعيف من جهة المعنى. ب - إنّه معطوف على (الكاف) في (إليكَ)، والتقدير: يؤمنون بما أُنزل إليك وإلى المقيمين الصلاة، وهم الأنبياء.

стр. 70

ج - إنّه معطوف على (الكاف) في (قَبْلِكَ)، أي: ومن قِبَل المقيمين. هـ - إنّه معطوف على (الهاء والميم) في (مِنْهُم)، والمعنى: لكن الراسخون في العلم منهم ومِنَ المقيمين الصلاة يؤمنون بما أنزل إليك. وهذه الثلاثة الأخيرة ضعيفة عند أكثر النحويّين. قال الإمام الطبريّ: "ولا تكاد العرب تعطفُ بظاهر على مكنيّ في حال الخفض، وإن كان ذلك قد جاء في بعض أشعارها ". وقال العكبري: "وهذه الأوجه الثلاثةُ خطأ؛ لأن فيها عطف الظاهر على المضمر من غير إعادة الجارّ". وانتصر قوم لما ذهب إليه الكسائيّ، قال الإمام الطبري: "وأوْلى الأقوال عندي بالصواب أن يكونَ (وَالمُقِيمِينَ) في موضع خفضٍ، نَسَقأ على (وَمَا) التي في قوله: (وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ)، وأن يُوخه معنى المقيمين الصلاة إلى الملائكةِ، فيكون تأويلُ الكلام: والمؤمنون منهم يؤمنون بما أُنْزِل إليك

стр. 71

يا محمدُ من الكتابِ، وبما أُنْزِلَ مِنْ قبلك من كُتُبي، وبالملائكةِ الذين يقيمون الصلاةَ. ثم يرجِعُ إلى صفةِ الراسخين في العلمِ، فيقولُ؛ لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ". في حين ذهب آخرون إلى ترجيح الرأي الأوّل القائل: نصب (وَالْمُقِيمِينَ) على المدح، أجابوا عن الاعتراض الموجّه إليهم بأنّ الخبر على قولهم إنَما هو قوله تعالى: (يُؤمِنُونَ)، وليس فوله تعالى: (أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا). قال مكّيّ: "ومَنْ جعل نصب المقيمين على المدح جعل خبر الرَّاسخين (يُؤمِنُونَ)، فإنْ جعل الخبر (أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ) لم يَجُزْ نصب المقيمين على المدح؛ لأنَّ المدح لا يكون إلَّا بعد تمام الكلام ". ويقول الشيخ عبد الرحمن الجزيريّ: "ونحن نقول له: إنّ الصواب هو الذي ذكر في الآية الكريمة؛ وذلك لأنّ القرآن الكريم هو عُمْدتنا في اللّغة وحجّتنا في البيان العربيّ، وهو هنا يُعْلِمنا أنّه إذا وُجدت متعاطفات وأراد المتكلم أن

стр. 72

يعنى بأحدها مزيد عناية، فإنّه ينبغي له أن يغير فيه أسلوب العطف؛ ليدلّ على غرضه بنصبه على المدح، فمعنى قوله تعالى: (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ) وأمدح المُقيمِينَ الصَّلاة؛ وذلك لأنّ الصلاة قد اشتملت على عمل القلب وهو الخشوع لله تعالى، وعمل الجوارح: من ركوع وسجود ونحوهما من أمارات ذلك الخضوع. وعمل اللّسان: من نطق بالشهادتين وتلاوة كلام الله تعالى، وهي إذا أُقيمت في وقتها على وجهها، فإنها تنهى فاعلها عن الفحشاء والمنكر؛ فكل ذلك من الأسباب التي تجعل للمقيمين الصلاة مِيزة يمتازون بها، فلهذا جاء القرآن الكريم بنصب المقيمين ". ولهذا يتّضح أن الطاعنين تجاهلوا كلَّ هذه الحقائق، ليطعنوا في كتاب الله تعالى، وهذا يدلّ على جهلهم؛ ولا سيما في لغة القرآن وأسلوبه، وما دروا أن هذه التي سُميت مشكلات إعرابيّة، ما هي إلَّا ضروب من الإعجاز البياني تحتاج إلى تأملٍ. قال الدكتور أحمد حسن فرحات في ختام دراسته لهذه الآية: "وهكذ فقد ثبت من خلال هذه الدراسة أن مجيء (الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ) - بالنصب - إنما كان مقصوداً لأداء معنًى

стр. 73

معيّن، وأنّ مثل هذا المعنى يفوت لو كانت بالرفع (والمُقِيمُونَ الصَّلَاةَ)، ومثل هذا يمكن أنْ يقال في كلّ ما كان على شاكلته من مخالفة ظواهر الإعراب القرآنية؛ فوراء هذا التخالف الإعرابيّ معانٍ لا بدّ أن تُطلب، فإذا ما وصلنا إليها، لم تكن هناك مشكلة إعرابية، وإنما يكون الوجه الإعرابيّ حينئذٍ أقوى ما يكون، لا يحتاج معه إلى القول بتلك التكلّفات التي امتلأت بها كتب الإعراب والتفسير". ٥ - قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)) . وجه الطَّعن: لحَّن الطَّاعنون قوله تعالى: (وَالصَّابِئُونَ)، وقالوا: هو بالنصب، أمّا رفعه فخطأ. قالت الزّنادقة: "وهو موضع نصب لا إشكال فيه على أحد ". وقال قسيس: "وكان الوجه أن يقول: (والصَّابئين)، كما قاله في سورة البقرة (آية ٦٢)، وسورة الحجّ (آية ١٧) ".

стр. 74

وقال أيضاً: "لما وقف المفسرون على هذا اللَّحن تمحلوا له تأويلاً". وقال آخر على موقع في (الإنترنت) بعنوان "هل يوجد أخطاء لغوية في القرآن؟ ": "وكان يجب أن ينصب المعطوف على اسم (إن)؛ فيقول: (والصابئين)، كما فعل هذا في سورة البقرة: ٢/ ٦٢، والحج: ٢٢/ ١٧ ". رد الطعن وبيان وجه الصواب: الملاحظ على الطَّاعنين في إعراب القرآن أن الآخِر يأخذ باطله من الأول، فما عند القسيس عند الزنادقة، وما في الموقع على (الإنترنت) أخذه صاحب المقال من كتاب (تذييل مقالة في الإسلام)، وهذا لا غرابة فيه، فالهدف واحد. توقّف المفسّرون والمعربون عند هذا الموضع، وأوردوا فيه تسعة مذاهب، وخص الأُستاذ الدكتور أحمد حسن فرحات هذه الآية ببحث مع الموضعين في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ

стр. 75

الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)، وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)). وتكلَّم عن هذه الآيات بتفصيل حسن من حيث سبب النزول والسياق، وأورد كلام المعربين؛ لقوله تعالى: (وَالصَّابِئُونَ)، وتوصل إلى نتائج طيّبة، أزالت كُلَّ إشكال. وأهم الأقوال في إعراب قوله تعالى: (وَالصَّابِئُونَ): الأوّل: ارتفع (الصَّابِئُون) على أنه مبتدأ، والخبر محذوف، وينوي به التأخير، والمعنى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، وَالصَّابِئُونَ كَذلك). وإنما حذف خبر (وَالصَّابِئُونَ) لدلالة خبر إنّ عليه. قال سيبويه: "وأمّا قوله : (وَالصَّابِئُونَ)، فعلى التقديم والتأخير، كأنّه ابتدأ على قوله: (وَالصَّابِئُونَ) بعدما مضى الخبر".
следующие страницы →