Полный текст (94 стр.). Показаны 71–94 · переход к 76.
стр. 71
يا محمدُ من الكتابِ، وبما أُنْزِلَ مِنْ قبلك من كُتُبي، وبالملائكةِ الذين يقيمون الصلاةَ. ثم يرجِعُ إلى صفةِ الراسخين في العلمِ، فيقولُ؛ لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ".
في حين ذهب آخرون إلى ترجيح الرأي الأوّل القائل: نصب (وَالْمُقِيمِينَ) على المدح، أجابوا عن الاعتراض الموجّه إليهم بأنّ الخبر على قولهم إنَما هو قوله تعالى: (يُؤمِنُونَ)، وليس فوله تعالى: (أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا).
قال مكّيّ: "ومَنْ جعل نصب المقيمين على المدح جعل خبر الرَّاسخين (يُؤمِنُونَ)، فإنْ جعل الخبر (أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ) لم يَجُزْ نصب المقيمين على المدح؛ لأنَّ المدح لا يكون إلَّا بعد تمام الكلام ".
ويقول الشيخ عبد الرحمن الجزيريّ: "ونحن نقول له: إنّ الصواب هو الذي ذكر في الآية الكريمة؛ وذلك لأنّ القرآن الكريم هو عُمْدتنا في اللّغة وحجّتنا في البيان العربيّ، وهو هنا يُعْلِمنا أنّه إذا وُجدت متعاطفات وأراد المتكلم أن
стр. 72
يعنى بأحدها مزيد عناية، فإنّه ينبغي له أن يغير فيه أسلوب العطف؛ ليدلّ على غرضه بنصبه على المدح، فمعنى قوله تعالى: (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ) وأمدح المُقيمِينَ الصَّلاة؛ وذلك لأنّ الصلاة قد اشتملت على عمل القلب وهو الخشوع لله تعالى، وعمل الجوارح: من ركوع وسجود ونحوهما من أمارات ذلك الخضوع. وعمل اللّسان: من نطق بالشهادتين وتلاوة كلام الله تعالى، وهي إذا أُقيمت في وقتها على وجهها، فإنها تنهى فاعلها عن الفحشاء والمنكر؛ فكل ذلك من الأسباب التي تجعل للمقيمين الصلاة مِيزة يمتازون بها، فلهذا جاء القرآن الكريم بنصب المقيمين ".
ولهذا يتّضح أن الطاعنين تجاهلوا كلَّ هذه الحقائق، ليطعنوا في كتاب الله تعالى، وهذا يدلّ على جهلهم؛ ولا سيما في لغة القرآن وأسلوبه، وما دروا أن هذه التي سُميت مشكلات إعرابيّة، ما هي إلَّا ضروب من الإعجاز البياني تحتاج إلى تأملٍ.
قال الدكتور أحمد حسن فرحات في ختام دراسته لهذه الآية:
"وهكذ فقد ثبت من خلال هذه الدراسة أن مجيء (الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ) - بالنصب - إنما كان مقصوداً لأداء معنًى
стр. 73
معيّن، وأنّ مثل هذا المعنى يفوت لو كانت بالرفع (والمُقِيمُونَ الصَّلَاةَ)، ومثل هذا يمكن أنْ يقال في كلّ ما كان على شاكلته من مخالفة ظواهر الإعراب القرآنية؛ فوراء هذا التخالف الإعرابيّ معانٍ لا بدّ أن تُطلب، فإذا ما وصلنا إليها، لم تكن هناك مشكلة إعرابية، وإنما يكون الوجه الإعرابيّ حينئذٍ أقوى ما يكون، لا يحتاج معه إلى القول بتلك التكلّفات التي امتلأت بها كتب الإعراب والتفسير".
٥ - قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)) .
وجه الطَّعن:
لحَّن الطَّاعنون قوله تعالى: (وَالصَّابِئُونَ)، وقالوا: هو بالنصب، أمّا رفعه فخطأ.
قالت الزّنادقة: "وهو موضع نصب لا إشكال فيه على أحد ".
وقال قسيس: "وكان الوجه أن يقول: (والصَّابئين)، كما قاله في سورة البقرة (آية ٦٢)، وسورة الحجّ (آية ١٧) ".
стр. 74
وقال أيضاً: "لما وقف المفسرون على هذا اللَّحن تمحلوا له تأويلاً".
وقال آخر على موقع في (الإنترنت) بعنوان "هل يوجد أخطاء لغوية في القرآن؟ ":
"وكان يجب أن ينصب المعطوف على اسم (إن)؛ فيقول: (والصابئين)، كما فعل هذا في سورة البقرة: ٢/ ٦٢، والحج: ٢٢/ ١٧ ".
رد الطعن وبيان وجه الصواب:
الملاحظ على الطَّاعنين في إعراب القرآن أن الآخِر يأخذ باطله من الأول، فما عند القسيس عند الزنادقة، وما في الموقع على (الإنترنت) أخذه صاحب المقال من كتاب (تذييل مقالة في الإسلام)، وهذا لا غرابة فيه، فالهدف واحد.
توقّف المفسّرون والمعربون عند هذا الموضع، وأوردوا فيه تسعة مذاهب، وخص الأُستاذ الدكتور أحمد حسن فرحات هذه الآية ببحث مع الموضعين في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
стр. 75
الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)، وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)).
وتكلَّم عن هذه الآيات بتفصيل حسن من حيث سبب النزول والسياق، وأورد كلام المعربين؛ لقوله تعالى: (وَالصَّابِئُونَ)، وتوصل إلى نتائج طيّبة، أزالت كُلَّ إشكال.
وأهم الأقوال في إعراب قوله تعالى: (وَالصَّابِئُونَ):
الأوّل: ارتفع (الصَّابِئُون) على أنه مبتدأ، والخبر محذوف، وينوي به التأخير، والمعنى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، وَالصَّابِئُونَ كَذلك).
وإنما حذف خبر (وَالصَّابِئُونَ) لدلالة خبر إنّ عليه.
قال سيبويه: "وأمّا قوله : (وَالصَّابِئُونَ)، فعلى التقديم والتأخير، كأنّه ابتدأ على قوله: (وَالصَّابِئُونَ) بعدما مضى الخبر".
стр. 76
وقال الزجاج: "وقال سيبويه والخليل، وجميع البصريين: إن قوله: (وَالصَّابِئُونَ) محمول على التأخير، ومرفوع بالابتداء ... وأنشدوا في ذلك قول الشاعر:
وإلا فاعلموا أنَا وأنتم ... بغاة ما بقينا في شقاقِ
المعنى: وإلَّا فاعلموا أنَّا بُغاة ما بقينا في شقاق، وأنتم - أيضاً - كذلك ".
"ولعلّ السرّ في التقديم وذكرهم بين طوائف أهل الأديان الدّلالة على أنّ الصابئين مع ظهور ضلالهم وزيغهم عن الأديان كلها تُقبل توبتهم، إنْ صحّ منهم الإيمان والعمل الصالح، فغيرهم من أهل الأديان أحرى وأوْلى ".
الثاني: ذهب الأخفش والمبرد إلى أن خبر (إنّ) محذوف دل عليه الخبر الثاني، وعلى هذا التأويل يجوز عطف (وَالصَّابِئُونَ) على موضع اسم (إنَّ)؛ لأنه جاء بعد تمام الاسم والخبر.
وقال الدكتور أحمد حسن فرحات عن هذا المذهب: "هو أبعد الأقوال المذكورة عن التكلّف، وأقربها مراعاةً
стр. 77
للنظم، وأرجحها في المعنى".
الثالث: لفظ (إنَّ) وإنْ كان ينصب المبتدأ لفظاً، ولكنه لا يزال مرفوعأ محلّاً؛ فيصحّ لغةً أن يعطف (وَالصَّابِئُونَ) على محل اسم (إنَّ) سواء كان ذلك قبل مجيء الخبر أو بعده.
قال أبو البركات الأنباريّ: "ذهب الكوفيّون إلى أنّه يجوزُ العطفُ على موضع (إنّ) قبل تمام الخبر، واختلفوا بعد ذلك، فذهب أبو الحسن الكسائيّ إلى أنّه يجوز ذلك على كل حال، سواء كان يظهرُ فيه عمل (إِنَّ) أوْ لم يظهر، وذلك نحو قولك: (إنَّ زبداً وعمرٌ وقائمان، وإنَّك وبكرٌ منطلقان) ...
فاحتجّوا بأن قالوا: الدليل على جواز ذلك النقل والقياس. أما النقل، فقد قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى)، وجه الدَليل أنّه عطف (الصابئين) على موضع (إنّ) قبل تمام الخبر".
وامتدح هذا المذهب الرازي قائلاً:
"هو مذهب حسن وأوْلى مِنْ مذهب البصريّين؛ لأنّ الذي قالوه إنما يقتضي أنّ كلام الله على الترتيب الذي ورد
стр. 78
عليه ليس بصحيح، وإنَما تحصل الصحة عند تفكيك هذا النظم ".
وبهذا يتّضح خطأ الطاعنين في إعراب القرآن الكريم، بعد هذه التوجيهات، علماً بأنّ القرآن حجة بنفسه ... عنه تصدرُ أحكام العربيّة.
٦ - قال تعالى: (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ)
وجه الطعن:
ذكر الطاعنون أنّ في هذه الآية خطأين:
الأول: تأنيث العدد مع أن القاعدة في (أحد عشر واثني عشر) مطابقة العدد للمعدود، فالمعدود (أسْباطًا)، والسبْط مذكر؟ فالقاعدة تُوجب أن يكون (اثني عشر سبطا).
والثاني: تمييز (اثني عشر) يجب أن يكون مفرداً لا جمعاً.
قال صاحب (تذييل مقالة في الإسلام): "فأنث العدد،
стр. 79
وجمع المعدود، والوجه: التذكير في الأوّل والإفراد في الثاني كما هو ظاهر".
ردُّ الطَّعن وبيان وجه الصواب:
بسط العلماءُ القول في هذا الموضع، ولم يعدّوه مشكلاً؛ لأنه جارٍ على سنن العربية ظاهراً وباطناً.
وقد أجابوا عن هذا الموضع بعدَّة أوجه، منها:
الأوّل: ذهب كثير من العلماء إلى أنّ التمييز محذوف؛ لدلالة المعنى عليه، و (أسباطاً) بدل من (اثْنَتي عَشْرَةَ)، قال السمين الحلبيّ: "وتمييز (اثْنَتَي عَشْرَةَ) محذوف لفهم المعنى، تقديره: اثنتي عشرة فرقة، و (أسْباطاً) بدل من ذلك التمييز، وإنًّما قلت: إنّ التمييز محذوف، ولم أجعل (أسْباطاً) هو المميَّز لوجهين، أحدهما: أنّ المعدودَ مذكرٌ؛ لأنّ أسباطاً جمع سِبْط، فكان يكون التركيبُ اثني عشر.
والثاني: أنّ تمييز العدد المركّب وهو من أحد عشر إلى تسعة عشر مفرد منصوب، وهذا - كما رأيت - جمعٌ ".
الثَّاني: تجعل كلمة (أسْباطاً) نعتاً لموصوف محذوف،
стр. 80
والتقدير: وقطعناهم اثنتي عشرة فرقة أسباطاً.
وقال الحوفِيّ: "يجوز أن يكون على الحذف، والتقدير: اثنتي عشرة فرقة، ويكون (أسْباطاً) نعتاً لفرقة ثم حذف الموصوف وأُقيمت الصفةُ مقامه و (أُمَماً) نعت لأسباط. وأُنّث العدد وهو واقع على الأسباط وهو مذكّر؛ لأنّه بمعنى الفرقة أو الأُمّة؛ كما قال: ثلاثة أنفس، يعني رجالاً وعشر أبطن، بالنظر إلى القبيلة".
الثالث: ذهب بعض النحاة إلى أنّ (أسْباطاً) تمييز (اثْنَتَي عَشْرَةَ)، ولكنَه وقع في موضع المفرد، وُيراد به (قبيلة)؛ وعليه فإنّه يجوز مجيء التمييز منه.
قال الزمخشريّ:
"فإنْ قلت: مميز ما عدا العشرة مفرد، فما وجه مجيئه مجموعاً؟ وهلَّا قيل: اثني عشر سبطاً؟ قلت: لو قيل ذلك لم يكن تحقيقاً؛ لأنّ المراد وقطعناهم اثنتي عشر قبيلة، وكل قبيلة أسباط لا سبط، فوضع أسباط موضع قبيلة ".
стр. 81
واختاره الرازي بقوله: "المراد: وقطعناهم اثنتي عشرة قبيلة، وكلّ قبيلة أسباط، فوضع أسباطاً موضع قبيلة ".
وذهب بعض الفُضلاء إلى ترجيح الأوّل؛ لأنّ العقل والحسّ - على السواء - يتبادر لهما أنّ هناك كلمة محذوفة، تناسب العددة كأنّه قيل: (اثنتي عشرة فرقة)، فمن المقرّر: جواز حذف ما دلّ عليه الكلام.
قال الشيخ عبد الرحمن الجزيريّ رادّاً على الطَّاعنين: "ولكن المبشّر الذي يجهل اللغة العربيّة تمام الجهل ظنّ أنّ التمييز هو قوله تعالى: (أَسْبَاطًا)، فقال: إنّ الصواب أن يكون التمييز مفرداً، فيقول: سبطاً، وأن يكون اسم العدد مذكّراً، فيقول: اثنا عشر. على أنّ هذا التركيب في الذروة العليا من البلاغة؛ لأنّ حذف التمييز لدلالة قوله: (وَقَطَّعْنَاهُمُ) عليه دلالة بديهية لا تخفى إلَّا على الأغبياء. ثم ذكر الوصف الملازم لفرق بني إسرائيل، وهم الأسباط بدلا من التمييز.
وذلك لأنّ أبناء يعقوب اثنا عشر، وكلّ ولد منهم جاء بأبناء؛ فهؤلاء الأبناء هم أسباط يعقوب، فكانوا اثني عشر سبطاً بعدد أبنائه.
ولو جعل الأسباط تمييزاً فذكره مفرداً، وقال: وقطعناهم
стр. 82
اثني عشر سبطاً؛ لكان الكلام ناقصاً لا يليق أنْ يصدر عن البليغ، وذلك لأنّ السبط يصدق على الواحد، فيكون معنى الكلام على هذا أنّ أسباط يعقوب اثنا عشر رجلاً فقط، وذلك غير الواقع لا.
٧ - قال تعالى: (قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣)) .
وجه الطَّعن:
لبيان وجه الطعن نذكر القراءات الواردة في قوله تعالى:
(إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ):
قرأ ابن كثير (إنْ هَذَانِّ) بتخفيف نون (إنْ) وتشديد نون (هَذَانِ) وألف قبلها.
وقرأ أبو عمرو: (إنَّ هَذَيْنِ) بتشديد نون (إنْ) وياء بعد الذال ونون مخفّفة.
وقرأ عاصم برواية حفص: (إنْ هَذَانِ) بتخفيف النون من (إنْ) وألف بعد الذال فنون مكسورة، كابن كثير إلَّا أنّه لا يشدّد النون الثانية.
وقرأ الباقون: (إنَّ هَذَانِ) مثل حفص إلَّا أنّهم يشدّدون نون (إنْ).
стр. 83
فوجه الطاعنون سهامهم نحو قراءة الجمهور، فقالوا: إنها لحن، والصواب: (إنَّ هذين). قالت الزنادقة: "من اللَّحن الفاحش، الذي لا يسوغ مثله ... نحو قوله: (إنَّ هَذَانِ لَسَاحِرانِ)، وهو موضع نصب ".
رد الطَّعن وبيان وجه الصواب:
لقد دافع العلماء عن قراءة الجمهور من السبعة، وأوردوا لها وجوها متعددة، وأفردها بالتصنيف الإمام ابن تيمية، وانتصر لها الباحثون المحدثون؛ لذا لن نُطيل فيها؛ فأقول: الجواب من وجهين:
الأول: هذه القراءة رُوِيت عن الجمّ الغفيرة فهي قراءة متواترة، وهؤلاء أخذوها عن أُمم تمنع العادة كذبهم فيها، فإذا أخذنا بقول الطَّاعنين طَعَنَّا في المتواتر، وهذا مسلك باطل. قال الإمام الرازيّ:
"لمّا كان نقل هذه القراءة في الشّهرة؛ كنقل جميع
стр. 84
القرآن، فلو حكما ببطلانها جاز مثله في جميع القرآن، وذلك يفضي إلى القدح في التواتر وإلى القدح في كل القرآن، وأنّه باطل ".
الثاني: لقد أسلفت أن العلماء قد أجابوا عن هذه القراءة بإجابات كثيرة، وهي تزيد على العشرة.
وأمثل تلك الوجوه حمل القراءة على لغة إلزام المثنى بالألف.
قال النحاس: "مِنْ أحسن ما حُمِلت عليه الآية ".
قال المهدوي:
"فأما قراءة الباقين (إن هَذَانِ) ففيها وجوه، أحدها: أنها لغة بني الحارث بن كعب وخَثْعم، وغيرهم من العرب، أنّهم يجعلون علامة النصب الألف ".
وقال السمين الحلبي:
"وقد أُجيب عن ذلك: بأنه على لغةِ بني الحارث وبني الهُجَيْم وبني العَنْبر وزُبَيْد وعُذْرَة ومُراد وخَثْعَم. وحكى هذه اللغة الأئمةُ الكبارُ كأبي الخطَّاب وأبي زيد الأنصاريّ والكسائي. قال أبو زيد: (سمعت من العرب مَنْ يَقْلِبُ كل
стр. 85
ياء ينفتح ما قبلها ألفا)، يجعلون المثنّى كالمقصور فيُثْبِتون ألفاً في جميع أحواله ".
٨ - قال تعالى: (لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣)) .
وجه الطَّعن:
خظَأ الظَاعنون قوله تعالى: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا)، فالصواب عندهم: (أسرّ النجوى الذين ظلموا).
قال صاحب (تذييل مقالة في الإسلام): "ومن خطئه في الضمائر ... قوله في سورة الأنبياء (آية ٣): (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا)، والوجه: وأسَرَّ النجوى".
ونقل أبو شهبة عن الطَّاعنين قولهم: "كيف اعتمدتم المصحف وفيه من الخطأ الظاهر واللَّحن والاختلاط ما لا يكاد يخفى على مَن له علم بالعربيّة، ومثَّلوا لذلك قوله تعالى: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) .. والظاهر أن يقول: وأسرّ ".
стр. 86
ردُّ الطَّعن وبيان وجه الصواب:
هذا التركيب الوارد في الآية الكريمة جارٍ على سنن العربية، ولغات العرب التي نزل بها القرآن الكريم.
ومن تلك الوجوه التي خرجت عليها الآية الكريمة:
الأوّل: جعل كلمة (الَّذِينَ)، بدلا من الواو في (أسَرُّوا)، وإلى ذلك أشار سيبويه بقوله: "وأما قوله - جل ثناؤه -: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا)، فإنَّما يجيء على البدل، وكأنه قال: انطلقوا، فقيل له: مَنْ؟ فقال: بنو فلان؛ فقوله جلّ وعزّ: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) وعلى هذا فيما زعم يونس،.
قال أبو البركات الأنباريّ: " (الَّذِينَ) يجوز أن يكون في موضع رفع ونصب وجز، فالرفع من أربعة أوجهٍ، الأوّل: أن يكون مرفوعاً على البدل من الواو في (وأَسَرُّوا)، والضمير يعود على الناس ".
الثاني: تخرج الآية على لغة (أكلوني البراغيث)؛ فاللَّواحق بالأفعال ليست ضمائر، وإنما هي علامات على
стр. 87
التثنية والجمع، وما بعدها هو الفاعل.
فتعرب (الَّذِينَ) في محلّ رفع فاعل، و (الواو) علامة جمع دلَّت على جمع الفاعل، كما تدلّ (التاءُ) على تأنيثه.
الثَّالث: أن يكون (الَّذين) مبتدأ، و (أسَرُّوا) جملة خبرية قدمت على المبتدأ.
الرابع: أن يكون (الَّذين) مرفوعاً بفعل مقدّرٍ، تقديره: يقولُ الَّذين.
قال النحّاس: "أحسنها وهو أن يكون التقدير: يقول الذين ظلموا، وحذف القول ... ".
وبهذا يتبيّن خطأ الطَّاعنين، وخداعهم، ولقد فات هؤلاء أنّ قواعد النَّحو والبيان إنما هي موضوعة على أساس القرآن؟ لأنّه الأصل العربي الذي تواتر عن نبيّنا محمد ﷺ ، وتحدّى به أفصح العرب.
٩ - قال تعالى: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)) .
стр. 88
وجه الطَّعن:
طعنوا في قوله تعالى: (وَأَكُنْ)، وقالوا: حقه النصب، عطفاً على (فَأَصَّدَّقَ)، قال الملحدون:
"وممّا ورد أيضاً ملحوناً خطأ لا يجوزُ ما أثبتوه في مصحَفهم من قوله في المنافقين: (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ)، وموضعُه نصبٌ، وإنما هو فأكون بإثبات الواو لا غيرَ ذلك ".
وقال صاحب (تذييل مقالة في الإسلام): "والوجه: وأكونَ - بالنصب ".
رد الطعن وبيان وجه الصواب:
نُجيب على هؤلاء بالتفصيل الآتي:
أولاً: قراءة أبي عمرو بن العلاء هي: (فأصدق وأكون)، ولا إشكال في قراءته؛ لجريانها على القواعد المعروفة، فالفعل و (أكون) معطوف على الفعل المنصوب قبله (فَأَصَّدَّقَ).
стр. 89
ثانياً: قرأ جمهور السبعة بالجزم، أي؛ (وَأَكُنْ)، وتوجّه على أنها من باب العطف على المحلّ؛ لأنّ الفعل (فَأَصَّدَّقَ) محلّه الجزم؛ لأنّه جواب التمنّي.
وقال الفرّاء: "يقال: كيف جزم (وَأَكُنْ) وهي مردودة على فعل منصوب؟ فالجواب في ذلك أن - الفاء - لو لم تكن في (فَأَصَّدَّقَ) كانت مجزومة، فلما رددت (وَأَكُنْ) ردَّت على تأويل الفعل، لو لم تكن فيه الفاء".
قال الهمذانيّ: "وقرئ: (وَأَكُنْ) بالجزم عطفاً على محل (فَأَصَّدَّقَ)، ومحله الجزم بأنّه جواب شرط محذوف، والتقدير: إن أخرتني أضَدَّقْ وأكن، كما تقول: زرني فأكرمك وأعطيك. وقرئ: (وأكُن) عطفأ على محل (فَأَصَّدَّقَ)، ومحله الجزم بأنّه جواب شرط محذوف، والتقدير؛ إن أخّرتني أصَّدَقْ، وأكن، كما تقول: زرني أُكرمك وأُعطك ".
ومنهم مَنْ جعله مجزوماً على (التوهم)، قال سيبويه:
"وسألت الخليل عن قوله : (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ)، فقال: هذا كقول زهيرة
стр. 90
بدا لِيَ أنّي لستُ مُدْرِكَ ما مضَى ... ولا سابقٍ شيئاً إذا كان جائيا
فإنما جَروا هذا؛ لأنّ الأوّل قد يَدخله الباء، فجاؤوا بالثاني، وكأنهم قد أثبتوا في الأول الباء، فكذلك هذا. لمّا كان الفعلُ الذي قبله قد يكون جزماً ولا فاءَ فيه تكلموا بالثاني، وكأنهم قد جزموا قبله، فعلى هذا توهَّموا هذا".
وهناك مَنْ لم يرتضِ التعبير بالتوفم؛ لقبح التعبير به في كتاب الله. قال السمين الحلبي:
"ونظَر سيبويه ذلك بقول زهير:
بدا لِيَ أنّي لستُ مُدْرِكَ ما مضَى ... ولا سابقٍ شيئاً إذا كان جائيا
فخفضَ "ولا سابقٍ " عطفاً على "مُدْرِكَ " الذي هو خبر "ليس " على توهُّم زيادةِ الباءِ فيه؛ لأنه قد كَثُرَ جَر خبرِها بالباء المزيدة، وهو عكسُ الآية الكريمة؛ لأنه في الآية جُزِمَ على توهُّم سقوط الفاء، وهنا خُفِضَ على توهُّم وجودِ الباء، ولكنَ الجامع توهُّمُ ما يقتضي جوازَ ذلك، ولكني لا أُحِبُّ هذا اللفظَ مستعملاً في القرآن، فلا يُقال: جُزم على التوهّم لقُبْحه لفظا".
فالعطف على الموضع هو المرجح، وهذا خير من
стр. 91
العطف على التوهّم؛ لعدم مناسبة الثاني للقرآن، ولأنّ بينهما فرقاً.
فها أنت ترى بأنَّ الطاعنين أرادوا إبطال لغة القرآن، فالقراءَتان صحيحتان، متواترتان، حجّتان في العربية.
стр. 92
الخاتمة
من خلال ما تقدم أُشير إلى أهم النتائج:
أولاً: تجب العناية بلغة القرآن الكريم: (اللغة العربية)، ولا سيما علم الإعراب؛ فالطَّاعنون في إعراب القرآن من الملاحدة والمنصِّرين، والمستشرقين وغيرهم، منهجهم واحد، وهدفهم واحد؛ لذا رأينا كثيراً من الأمثلة يأخذها الآخر عن الأول.
ثانياً: اتكأ أعداءُ الإسلام على شُبَهٍ منافية للمنقول، والمعقول؛ لا تقف أمام النقد العلمي.
ثالثاً: الطَّاعنون يستغلون كل الوسائل، لمحاربة القرآن الكريم ولغته؛ فلهم مناظرات على مواقع في الشبكة الدولية (الإنترنت)، لإثبات اللَّحن بالقرآن الكريم، بغية تشكيك المسلمين؛ فيجب علينا أن ندافع عن القرآن ونردّ الشُبهات بردِّ علمي سليمٍ، يتّسمُ بالحكمة والتأثير.
رابعاً: الطَّاعنون في إعراب القرآن يجهلون لغته وأُسلوبه، وهم ينطلقون من خلفياتهم الفكرية؛ لتوجيه المطاعن، ومطاعنهم هي حربٌ على القرآن والعربية.
خامساً: يجب أن نميّز بين الوجوه الإعرابيّة الضعيفة
стр. 93
- التي ساقها المعربون على شكل اعتراضات - وبين الوجوه الصحيحة التي تخرَّج عليها الآيات القرآنية؛ فالقرآن بأعلى البلاغة، فيوجَّه على أحسن الوجوه.
سادساً: حاول الطَّاعنون أن يحاكموا آيات من القرآن على الوجوه العربيّة المشهورة، من غير النظر في أسرار الكتاب العزيز، ومن غير دراية بمذاهب العرب وتفننها بأساليب الخطاب؛ فالقرآن هو حخة العربية، ومنه صدرت.
سابعاً: إنَ كثيراً مما استشكله الطاعنون في إعراب القرآن، يدركه صغار الطلَبة، والمعربون ما تركوا مشكلاً إلا وتوقّفوا عنده.
ثامناً: الطَّاعنون في إعراب القرآن لا يعرفون شيئاً عن أسباب النزول، والسياق القرآني؛ فمعرفة السبب والسياق يساعدان على فهم المعنى، والإعراب يتوقّف على المعنى الصحيح لا الفاسد.
تاسعاً: حاول الطَّاعنون الاستفادة من اعتراضات المعربين ومناقشاتهم؛ فالطَّاعنون جعلوا الاعتراض أصلاً، وتركوا جواب المعربين عنه، فالطَّاعنون ألزموا أنفسهم بمنهجٍ باطل.
عاشرا: القرآن الكريم ما خرج عن لغة العرب وكلامها: إفراداً وتركيباً، بل هو في الذروة من ذلك.
стр. 94
قال تعالى: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤)).
ورحم الله السخاوي عندما قال: "الله أعلمنا أنه حافظ كتابه من لفظ الزائغين، وشبهات الملحدين؛ بقوله : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)) ".
وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً، والحمد للَّه أوَّلاً وآخراً.