ـ[تهذيب الكمال في أسماء الرجال]ـ
المؤلف: يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف، أبو الحجاج، جمال الدين ابن الزكي أبي محمد القضاعي الكلبي الْمِزِّيّ (المتوفى: ٧٤٢هـ)
المحقق: د. بشار عواد معروف
الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت
الطبعة: الأولى، ١٤٠٠ - ١٩٨٠
عدد الأجزاء: ٣٥
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي وضمن خدمة التراجم]
стр. 2
المجلد الأول
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قالوا في الإمام المزي
١- ووجدت بدمشق من أهل العلم الإمام المقدم والحافظ الذي فاق من تأخر من أقرانه ومن تقدم أبا الحجاج المزي، بحر العلم الزاخر، وحبره القائل من رآه: كم ترك الاوائل للاواخر.
ابن سيد الناس اليعُمَري ت (٧٣٤)
٢- كان خاتمة الحفاظ، وناقد الأسانيد والألفاظ، وهو صاحب معضلاتنا، وموضح مشكلاتنا، ما رأيت أحدًا في هذا الشأن أحفظ من الإمام أبي الحجاج المزي.
الذهبي ت (٧٤٨)
٣- ولم أَرَ في أشياخي بعد شيخنا أثير الدين في العربية مثله.
الصلاح الصفدي ت (٧٦٤)
٤- هو إمام المحدثين، والله لو عاش الدارقطني، لاستحيى أن يدرس مكانه.
تقي الدين السبكي ت (٧٥٦)
٥- شيخنا وأستاذنا وقدوتنا الشيخ جمال الدين أبو الحجاج المزي، حافظ زماننا، حامل راية السنة والجماعة، والقائم بأعباء هذه الصناعة، والمتدرع جلباب الطاعة، إمام الحفاظ كلمة لا يجحدونها، وشهادة على أنفسهم يؤدونها، ورتبة لو نشر أكابر الأعداء، لكانوا يودونها، واحد عصره بالإجماع، وشيخ زمانه الذي تصغي لما يقول الأسماع.
التاج، السبكي ت (٧٧١)
стр. 3
قالوا في التهذيب
١- وصنف كتاب"تهذيب الكمال"في أربعة عشر مجلدا، كسف به الكتب المتقدمة في هذا الشأن، وسارت به الركبان، واشتهر في حياته.
الصلاح الصفدي
٢- وصَنَّف"تهذيب الكمال"المجمع على أنه لم يصنف مثله.
التاج السبكي.
٣- كتاب عظيم الفوائد، جم الفرائد، لم يصنف في نوعه مثله، لأن مؤلفه أبدع فيما وضع، ونهج للناس منهجا لم يشرع.
علاء الدين مغلطاي ت (٧٦٣)
٤- أتى فيه بكل نفيسة، وبالغ ولم يأل في استيفاء شيوخ الشخص ورواته، وغرائبه وموافقاته، وعدالته وجرحاته، ومناقبه وهناته، وعُمَره ووفاته، فبقي حسرةً على من لم يحصله من الفضلاء، ولهفةً على من أعوزه الامكان.
الإمام الذهبي
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة المحقق
الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد؛
فهذه دراسة تناولت فيها سيرة المزي، وكتابه"تهذيب الكمال"، وجعلتها في أربعة فصول:
خصصت الفصل الاول لحياة المزي ومكانته العلمية.
والفصل الثاني لمنهج كتابه تهذيب الكمال ومنزلته بين الكتب التي من بابته، وبيان تفضيله على جميع الكتب السابقة واللاحقة في فنه.
والفصل الثالث لعناية العلماء بهذا الكتاب النفيس استدراكا واختصارا.
والفصل الرابع وصفت فيه المنهج الذي اتبعته في تحقيق هذا الكتاب.
ثم ختمت الدراسة بوصف النسخ المعتمدة، وطباق السماعات التي عليها
стр. 5
الفصل الاول
حياة المزي ومكانته العلمية
مصادر ترجمته:
تناول المزي جملة كبيرة من المؤرخين، فترجموا له تراجم تختلف في طولها وقصرها ونوعية المعلومات التي تقدمها ونجد بينهم رفاقا له في طلب العلم، وتلامذة، وتلامذة لتلامذته وهلم جرا إلى عصور متأخرة.
وقد ترجم له من معاصريه: ابن سيد الناس اليعُمَري (ت ٧٣٤) (١) ، وعلم الدين البرزالي (ت ٧٣٩) (٢) ، وشمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨) (٣) ، وابن الوردي (ت ٧٤٩) (٤) ، وصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤) (٥) ، وابن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤) (٦) ، وشمس الدين الحسيني (ت ٧٦٥) (٧) ، وتاج الدين السبكي (ت ٧٧١) (٨) ، وجمال
стр. 6
الدين الاسنوي (ت ٧٧٢) (١) وتقي الدين ابن رافع السلامي (ت ٧٧٤) (٢) ، وصهره عماد الدين ابن كثير (ت ٧٧٤) (٣) .
وترجم له بعد عصره جماعة، منهم: ابن ناصر الدين الدمشقي (ت ٨٤٢) (٤) ، والمقريزي (ت ٨٤٥) (٥) ، وابن قاضي شهبة (ت ٨٥١) (٦) ، وابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢) (٧) ، وابن تغري بردي (ت ٨٧٤) (٨) ، والسخاوي (ت ٩٠٢) (٩) ، والسيوطي (ت ٩١١) (١٠) ، والنعيمي (ت ٩٢٧) (١١) ، وابن طولون (ت ٩٥٣) (١٢) ، وطاش كبري زادة (ت ٩٦٧) (١٣) ، وابن هداية الله المصنف (ت ١٠١٤) (١٤) ، وابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩) (١٥) ، والشوكاني (ت ١٢٥٠) (١٦) ، وغيرهم (١٧) .
стр. 7
وغالبا ما ينقل هؤلاء الواحد عن الآخر، لكننا وجدنا أكثر التراجم أصالة ومنفعة هي تراجم الذهبي والصفدي والسبكي وابن كثير وابن حجر لما حوته من معلومات متنوعة.
بيئة المزي ونشأته:
كانت بلاد الشام منذ النصف الثاني من القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) تعيش في ظل دولة المماليك البحرية التي قامت على أنقاض الدولة الايوبية، وأصبحت من أعظم مراكز القوى في العالم الاسلامي بسبب قدرتها على إيقاف التقدم المغولي المدمر الذي قضى على الخلافة العباسية ببغداد.
وعاشت دمشق آنذاك وهي تشهد عز الاسلام..عيدت أولا في سنة (٦٥٨) على خير عظيم حينما تمكنت جيوشها من هزيمة جيوش المغول المدمرة شر هزيمة في "عين جالوت"غربي بيسان من أرض فلسطين الصابرة، وتنظيف البلاد الشامية من فلولهم المدحورة..
وعيدت ثانية في السنة نفسها بولاية مجاهد عظيم عليها هو السلطان العظيم الملك الظاهر ركن الدين أبو الفتوح بيبرس"٦٥٨ ٦٧٦"، ثم شهدته بعد ذلك الانتصار وهو يكيل الضربات القوية للعدو الصليبي المخذول يحاول إزاحته من أرض العَرُوبَة والاسلام حتى أوهنه وأوهاه وأنحله وأضناه، وحرر القسم الاكبر من السواحل الشامية التي كانت بأيدي الغزاة الصليبيين (١) ، فأعاد بذلك سيرة السلطان المجاهد صلاح الدين يوسف الايوبي ﵁ في الجهاد.
ثم شهدت هذه المدينة المجاهدة في سنة (٦٩٠) تحرير آخر
стр. 8
شبر من أرض العَرُوبَة والاسلام وتنظيف البلاد من الغزاة الصليبيين على عهد السلطان الملك الاشرف صلاح الدين خليل (١)
..سمعت المنادي في مستهل ربيع الاول من السنة ينادي للغزاة في سبيل الله إلى عكا، وشاهدت المطوعة، وفيهم المحدثون والفقهاء والمدرسون والصالحون ينضمون إلى الجيش. قال الإمام الذهبي: وكان يومها شابا في السابعة عشرة من عُمَره: وجاءت إليه جيوش الشام بأسرها، وأمم لا يحصيهم إلا الله تعالى من المطوعة، فكانوا قدرالجندمرات" (٢) ..شاهدت هؤلاء الأئمة الاعلام، وهم يجرون عجل المنجنيقات يرتلون القرآن الكريم، ويقرؤون أحاديث الجهاد، يتجهون نحو تحرير الارض، وصيانة حرمة الاسلام، فلم يلبث أن فتح المسلمون عكا في يوم واحد، كان يوم الجمعة المبارك السابع عشر من جمادى الاولى من السنة. وتوالت الانتصارات بعد فتح عكا، ففتحت صور، وصيدا، وبيروت، وغيرها حتى حررت جميع السواحل الشامية ونظفت من دنس الغزاة (٣) .
وكانت بلاد الشام إلى جانب ذلك قد أصبحت مركزا كبيرا من مراكز الحركة الفكرية، فيها من المدارس العامرة، ودور القرآن والحديث العدد الكثير، عمل على تعميرها حكامها وبعض المياسير من أهلها، ونشطت في عهد الشهيد نور الدين محمود بن زنكي. وكانت العناية بالدراسات الدينية من تفسير وحديث وفقه وعقائد وما يتصل بها
стр. 9
من علوم العربية هي السمة البارزة لهذا العصر، فأنتجت هذه الحركة أكلها في القرن الثامن الهجري الذي تبوأت فيه دمشق السيادة العلمية والفكرية في جميع أنحاء العالم الاسلامي بما أنتجت من تراث فكري، وأنجبت من علماء بارزين في هذه الميادين.
لكننا لاحظنا، ونحن نرصد هذه الحركة تباينا شديدا في قيمة الانتاج الفكري لهذه الفترة وأصالته، فوجدنا الكثير من المؤلفات الهزيلة التي لم تكن غير تكرار لما هو موجود في بطون الكتب السابقة، ثم وجدنا بعض المؤلفات التي امتازت بالاصالة والابداع والمناهج العلمية المتميزة. وقد زاد من صعوبة الابداع وخاصة في العلوم الدينية أن الواحد من العلماء كان يجد أمامه تراثا ضخما ممتدا عبر القرون في الموضوع الذي يوم التأليف فيه، وهو في وضعه هذا يختلف عن المؤلفين الاولين الذي لم يجابهوا مثل هذا التراث الغزير (١) .
في هذه البيئة السياسية والفكرية ولد الحافظ جمال الدين أبو الحجاج يوسف ابن الزكي عَبْد الرَّحْمَنِ بْن يُوسُف بْن علي بن عبد الملك بن علي بن أَبي الزهر الكلبي القضاعي المزي في ليلة العاشر من شهر ربيع الآخر سنة (٦٥٤) بظاهر حلب (٢) من عائلة عربية الاصل ترجع إلى قبيلة كلب القضاعية التي استوطنت البلاد الشامية منذ فترة مبكرة.
وانتقل جماد الدين إلى دمشق، فسكن المزة (٣) القرية الكبيرة الغناء الواقعة في وسط بساتين دمشق جنوب غربيها والظاهر أن الكلبيين كانوا يكونون القسم الاكبر من سكانها منذ العهود الاسلامية الاولى،
стр. 10
لذلك قيل فيها: مزة كلب"، قال الشاعرابن قيس الرَّقِّيّات:
حبذا ليلتي بمزة كلب • غال عني بها الكوانين غول
وبها على ما يروى قبر الصحابي دحية بن خليفة بن فروة الكلبي القضاعي (١) ، فلعل هذا هو الذي يفسر اختيار هذا المكان من دمشق سكنا له، إذ ربما كان له فيها بعض الاقرباء. ولا نعلم فيما إذا كان قدم دمشق وحده أم صحبة عائلته حيث تسكت المصادر عن ذلك، كما لا نعلم متى كان قدومه، ولكن يظهر أنه قدم منذ فترة مبكرة لقول تلميذه ورفيقه الإمام الذهبي: نشأ بالمزة" (٢) .
وقرأ يوسف القرآن الكريم وشيئا من الفقه، لكن عائلته على ما يظهر، لم تعتن به العناية الكافية ولم توجهه إلى طلب الحديث منذ فترة مبكرة كما فعلت عائلة رفيقه وتلميذه الإمام الذهبي (٣) ، ويبدو أنها لم تكن عائلة مشهورة بالعلم والطلب، ولم يكن والده من العلماء المشهورين (٤) ، فلم يكن له إلا أن يطلبه هو بنفسه حينما بلغ الحادية والعشرين من عُمَره، فكان أول سماعه في سنة (٦٧٥)(٥) ، فلو كان له من يعتني به، ويستجيز له، ويوجهه، لادرك إسنادا عاليا، قال تلميذه
стр. 11
الصلاح الصفدي: ولم يتهيأ له السماع من ابن عبد الدائم (١) ولا الكرماني (٢) ولا ابن أَبي اليسر (٣) ونحوهم، ولا أجازوا له، مع إمكان أن تكون له إجازة المرسي (٤) والمنذري (٥) وخطيب مردا (٦) واليلداني (٧) وتلك الحلبة" (٨) ، وَقَال الحافظ ابن حجر العسقلاني: ولو كان له من يسمعه صغيرا، لسمع من ابن عبد الدائم والكرماني وغيرهما، ولكنه طلب بنفسه في أول سنه خمس وسبعين"٩.
سماعه وشيوخه
كان أول سماعه الحديث على الشيخ المسند المعمر زين الدين أبي الْعَبَّاس أَحْمَد بْن أَبي الخير سلامة بن إبراهيم الدمشقي الحداد الحنبلي (٦٧٨ ٥٨٩) ، فسمع أول ما سمع كتاب"الحلية"لابي نعيم ثم أكثر عنه (١٠) ، قال إمام المؤرخين شمس الدين الذهبي: وقرأ عليه المزي شيخنا شيئا كثيرا، وسمع منه"حلية الاولياء"، ورثاه بابيات بعد موته، وسألته عنه، فقال: شيخ جليل متيقظ، عُمَر، وتفرد بالرواية عن كثير من مشايخه، وحدث سنين كثيرة وسمعنا منه الكثير، وكان سهلا
стр. 12
في الرواية" (١) . وكانت لأحمد هذا مكانة علمية رفيعة دللت عليها رواية جملة من ثقات العلماء عنه منهم: شرف الدين الدمياطي، وابن الحلوانية، وابن الخباز، وابن العطار، وشيخ الاسلام التقي ابن تيمية، والبرزالي، وطائفة سواهم، بل سمع منه ابن الحاجب الاميني بعرفات سنة (٦٢٠) وخرج له في معجمه (٢) ، وعاش ابن سلامة هذا بعد ابن الحاجب ثمانية وأربعين عاما (٣) .
ومنذ ذلك الحين اتجهت همة المزي إلى سماع الحديث، فسمع من الجم الغفير، سمع عليهم الكتب الكبار الامهات مثل: الكتب الستة، ومسند الإمام أحمد، والمعجم الكبير لابي القاسم الطبراني، وتاريخ مدينة السلام بغداد للخطيب البغدادي، وكتاب النسب للزبير بن بكار، والسيرة لابن هشام، وموطأ الإمام مالك، والسنن الكبير، ودلائل النبوة كلاهما للبيهقي بحيث قال تلميذه الصلاح الصفدي: وأشياء يطول ذكرها، ومن الاجزاء ألوفا" (٤) . وذكروا أن مشيخته نحو الالف شيخ (٥) ، أورد الذهبي الكثير منهم في تاريخ الاسلام، وكان يسأله عن أحوال بعضهم (٦) .
وتجول المزي في المدن الشامية، فسمع بالقدس الشريف، وحمص، وحماة، وبعلبك، وحج وسمع بالحرمين الشريفين. ورحل إلى البلاد المِصْرِية، فسمع بالقاهرة، والاسكندرية، وبلبيس، وكانت رحلته إليها في سنة (٦٨٣)(٧) ، وكان بالاسكندرية في سنة (٦٨٤) حيث قرأ فيها على صدر الدين سحنون المتوفى سنة (٦٩٥)(٨) .
стр. 13
وقد ذكر الصلاح الصفدي طبقات شيوخه على الاختصار، وذكر أبرزهم، فقال: سمع من أصحاب ابن طَبَرْزَذَ، والكندي، وابن الحرستاني وحنبل، ثم ابن ملاعب، والرهاوي، وابن البناء، ثم ابن أَبي لقمة، وابن البن، وابن مكرم والقزويني. ثم ابن اللتي، وابن صباح، وابن الزبيدي.
وأعلى ما سمع بإجازة ابن كليب وابن بوش، والجمال، وخليل بن بدر، والبوصيري وأمثالهم. ثم المؤيد الطوسي، وزاهر الثقفي، وعبد المعز الهروي.
وسمع أبا العباس ابن سلامة، وابْنُ أَبي عُمَر، وابْنُ عَلانَ، والشيخ محيي الدين النووي، والزواوي، والكمال عَبد الرحيم، والعز الحراني، وابن الدرجي، والقاسم الاربلي، وابن الصابوني، والرشيد العامري، ومحمد بن القواس، والفخر ابن البخاري، وزينب، وابن شيبان، ومحمد بن محمد بن مناقب، وإسماعيل بن العسقلاني، والمجد ابن الخليلي، والعماد ابن الشيرازي، والمحيي ابن عصرون، وأبا بكر بن الانماطي، والصفي خليلا، وغازيا الحلاوي، والقطب ابن القسطلاني وطبقتهم. والدمياطي شرف الدين، والفاروثي، واليونيني، وابن بلبان، والشريشي، وابن دقيق العيد، والظاهري، والتقي الاسعردي وطبقتهم. وتنازل إلى طبقة سعد الدين الحارثي (١) وابن نفيس (٢) " (٣) .
وعني المزي بدراسة العربية، فأتقنها لغة وتصريفا، ففاق أقرانه في ذلك بحيث قال الصلاح الصفدي فيه: ولم أر في أشياخي بعد
стр. 14
شيخنا أثير الدين في العربية مثله خصوصا في التصريف واللغة" (١)
وهذه شهادة عالم عارف نستبين قدرها إذا عرفنا مكانة أثير الدين أبي حيان الغرناطي أعظم علماء العربية في القرن الثامن الهجري غير مدافع (٢) . وقد عرف أبو حيان نفسه قدر المزي، فأغدق الثناء عليه، وعلى علمه الجم (٣) .
تأثره بالفكر السلفي
اتصل المزي اتصالا وثيقا بثلاثة من شيوخ ذلك العصر، وترافق معهم، وهم: شيخ الاسلام تقي الدين أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الحليم المعروف بابن تيمية الحراني (٧٢٨ ٦٦١) ، والمؤرخ المحدث علم الدين أبو محمد القاسم بن محمد البرزالي (٦٦٥ ٧٣٩) ، ومؤرخ الاسلام شمس الدين أَبُو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بْن أحمد الذهبي (٧٤٨ ٦٧٣) (٤) ، فكان المزي أكبرهم سنا، وكان بعضهم يقرأ على بعض فهم شيوخ وأقران في الوقت نفسه، وقرأ الثلاثة على المزي واعترفوا بأستاذيته، وافتخروا بها.
والظاهر أن المزي اتصل في شبيبته ببعض المتصوفة الغلاة. وكان التصوف منتشرا في البلاد انتشارا واسعا، وظهر بينهم كثير من المشعوذين الذين أثروا في العوام أيما تأثير (٥) وانجذب إليهم بعض الشباب، فاغتر المزي في شبيبته بهم، فصحب الشاعر (٦) الصوفي
стр. 15
عفيف الدين أبا الربيع سُلَيْمان بن علي التلمساني (١) (٦٩٠ ٦١٠) .
وكان العفيف هذا من غلاة الاتحادية القائلين بوحدة الوجود (٢) على قاعدة ابن عربي، ونسبه جماعة إلى رقة الدين، وتعاطي المحرمات (٣) ، فلما تبين للمزي انحلال العفيف واتحاده، تبرأ منه، وحط عليه (٤) .
ولعل مفارقته للعفيف التلمساني واضرابه كانت نتيجة تأثره بالإمام تقي الدين ابن تيمية الذي أعجب به المزي أيما إعجاب، فكان أكثر رفاقه صلة ومحبة بالشيخ الإمام (٥) .
وكانت شخصية الإمام ابن تيمية قد اكتملت في نهاية القرن السابع الهجري، فأصبح مجتهدا له آراؤه الخاصة التي تقوم في أصلها على اتباع آثار السلف، ونتقية الدين من الخرافات، والمعتقدات الطارئة عليه، وابتدأ منذ سنة ٦٩٨ يدخل في خصومات عقائدية حادة مع علماء عصره المخالفين له (٦) ، ويقيم الحدود بنفسه (٧) ، ويحارب المشعوذين (٨) ، ويمنع من تقديم النذور لغير الله (٩) ، ويريق الخمور (١٠) ، ونحو ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عَنِ المنكر.
وظهرت شخصية الإمام ابن تيمية السياسية في الحرب الغازانية سنة (٦٩٩) بعد هزيمة الجيوش المِصْرِية والشامية أمام غزو غازان سلطان المغول في موقعة الخزندار، فقد قابل ابن تيمية غازان وكلمه
стр. 16
كلاما شديدا، وعمل على ثبات البلاد حينما خلت من الجيوش القادرة على رد الغزو المدمر، فكان يدور على الاسوار يحرض الناس على الصبر والقتال، ويتلو عليهم آيات الجهادو الرباط، وأقام معسكرات التدريب في كل مكان ومنها المدارس، فكان المحدثون والفقهاء يتعلمون الرمي، ويستعدون لقتال العدو (١) . ثم سافر إلى مصر يحض الدولة والناس على القتال حتى تمكن في سنة (٧٠٢) من رص الصفوف، وتوحيد القلوب، وتحديد الهدف مما أدى إلى الانتصار الكبير في وقعة"شقحب"التي شارك الإمام ابن تيمية في القتال فيها يصحبه طلبة العلم من المحدثين والفقهاء والصالحين، وكان يحرض الجيش والمطوعة في ساحة القتال على البلاء ويبشرهم بالنصر (٢) ، قال ابن كثير: وجعل يحلف بالله الذي لا إله إلا هو"إنكم منصورون عليهم هذه المرة، فيقول له الامراء: قل إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا، وأفتى الناس بالفطر مدة قتالهم وأفطر هو أيضا" (٣) .
أقول: إن هذه الشخصية العظيمة جذبت المزي إليها، فأعجب المزي بابن تيمية الاعجاب كله، وترافق معه طيلة حياته، قال الذهبي: ترافق هو وابن تيمية كثيرا في سماع الحديث، وفي النظر في العلم، وكان يقرر طريقة السلف في السنة، ويعضد ذلك بمباحث نظرية وقواعد كلامية..وما وراء ذلك بحمدالله إلا حسن إسلام وحسبة لله مع أني لم أعلمه ألف في ذلك شيئا" (٤) ، وَقَال التاج السبكي: واعلم أن هذه الرفقة أعني المزي والذهبي والبرزالي وكثيرا من أتباعهم، أضر بهم أبو العباس ابن تيمية إضرارا بينا،
стр. 17
وحملهم من عظائم الامور أمرا ليس هينا، وجرهم إلى ما كان التباعد عنه أولى بهم، وأوقعهم في دكادك من نار المرجو من الله أن يتجاوزها لهم ولاصحابهم" (١) . وهذه النصوص تشير إلى قدم هذه العلاقة التي ابتدأت منذ أيام الطلب، وأخذت تنمو على مرور الايام، فتزيد متانة وصلابة.
وهكذا تكون فكر الحافظ المزي، فهو شافعي المذهب، سلفي العقيدة، أخلص الاخلاص كله لرفيقه ابن تيمية وآرائه التجديدية، وجعله مثله الاعلى، ويظهر ذلك جليا من دراسة سيرتيهما، فقد أوذي المزي بسبب ذلك: أوذي مرة، واختفى مدة من أجل تحديثه بتاريخ بغداد للخطيب البغدادي (٢) ، وأوذي ثانية في رجب من سنة (٧٠٥) حينما تناظر ابن تيمية مع الاشاعرة عند نائب السلطنة الافرم، وقرئت عقيدة ابن تيمية الواسطية وحصل البحث في أماكن منها، ثم اضطر المناظرون له إلى قبولها بعد أن أفحمهم شيخ الاسلام، فقعد المزي عندئذ تحت قبة النسر بجامع دمشق، وقرأ فصلا بالرد على الجهمية من كتاب"أفعال العباد"للامام البخاري بعد قراءة ميعاد البخاري، فغضب بعض الفقهاء الشافعية الحاضرون، وَقَالوا: نحن المقصودون بذلك، وشكوه إلى القاضي الشافعي نجم الدين أحمد بن صصرى، وكان عدوا للشيخ ابن تيمية، فسجن المزي، فبلغ الشيخ تقي الدين ذلك
стр. 18
فتألم لحبس المزي، وذهب إلى السجن، وأخرجه بنفسه، ولم يحفل بالسلطة، وراح إلى القصر، فوجد القاضي ابن صصري هناك، فتقاولا بسبب المزي، فحلف ابن صصرى لا بد أن يعيده إلى السجن وإلا عزل نفسه، وكان الافرم غائبا عن دمشق ذلك اليوم، فأمر نائبه بإعادته تطييبا لقلب القاضي، فحبسه عنده أياما ثم أطلقه (١) .
وكان ابن تيمية كثير الاعتماد على المزي وعلمه ومعرفته، فحينما خرج من سجنه بمصر سنة (٧٠٩) بعد عودة السلطان محمد بن قلاوون وجلس في القاهرة ينشر علمه، احتاج إلى بعض كتبه التي بالشام، فكتب إلى أهله كتابا يطلب جملة من كتب العلم التي له، وطلب منهم أن يستعينوا على ذلك، بجمال الدين المزي"فانه يدري كيف يستخرج له ما يريده من الكتب التي أشار إليها" (٢) . وحينما ولي المزي أكبر دار حديث بدمشق هي دار الحديث الاشرفية سنة (٧١٨) فرح ابن تيمية فرحا عظيما بذلك وَقَال: لم يل هذه المدرسة من حين بنائها إلى الآن أحق بشرط الواقف منه" (٣) . وقد وليها عظماء العلماء المحدثين منهم: تقي الدين ابن الصلاح (٦٤٣ ٥٧٧) ، وابن الحرستاني (٦٦٢ ٥٧٧) ، وأبو شامة (٦٦٥ ٥٩٩) ومحيي الدين النووي (٦٧٦ ٦٣١) وغيرهم، فقد اعتمد ابن تيمية قول الواقف: ان اجتمع من فيه الرواية ومن فيه الدراية قدم من فيه الرواية" (٤) ففضله ابن تيمية بذلك على جميع المتقدمين في الرواية.
ولما توفي شيخ الاسلام ابن تيمية مسجونا بقلعة دمشق، لم يسمح لاحد بالدخول أول الامر إلا لخواص أصحابه، قال ابن كثير:
стр. 19
"وكنت فيمن حضر هناك مع شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي ﵀ وكشفت عن وجه الشيخ، ونظرت إليه وقبلته..ثم شرعوا في غسل الشيخ، وخرجت إلى مسجد هناك، ولم يدعوا عنده إلا من ساعد في غسله، منهم شيخنا الحافظ المزي، وجماعة من كبار الصالحين الاخيار أهل العلم، والايمان" (١) . ولما مات المزي بعد ذلك بأربعة عشر عاما، دفن غربي قبر رفيقه وصديقه ابن تيمية (٢) ﵄.
وظل الشيخ بعد وفاة ابن تيمية مؤمنا بهذه العقيدة، ولم يفتر عن دوام الايمان بها، فنجده مدافعا منافحا عن عقيدة الاسلام الصحيحة محاربا الخارجين المارقين عنها، فيشاهده الناس فِي ذي القعدة من سنة (٧٤١) وهو في الثامنة والثمانين من العُمَر يحضر المجلس بدار العدل مع رفيقه في العقيدة الإمام الذهبي عند محاكمة عثمان الدكالي، أحد المارقين عن الاسلام، قال ابن كثير: وتكلما، وحرضا في القضية جدا، وشهدا بزندقة المذكور بالاستفاضة وكذا الشيخ زين الدين أخو الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وخرج القضاة الثلاثة المالكي والحنفي والحنبلي وهو نفذوا حكمه في المجلس، فحضروا قتل المذكور، وكنت مباشرا لجميع ذلك من أوله إلى آخره" (٣) . ولم يكن الشافعية الاشاعرة، ومنهم قاضيهم تقي الدين السبكي، قد وافقوا على محاكمة هذا الرجل، قال ابن حجر في ترجمة الدكالي هذا: كان من الخانقاه السميساطية فدعا طائفة إلى مقالات الباجريقي، فشاع أمره، فأمسك، وقامت عليه البينة بالامور المنكرة فحبس، ثم حضر المزي والذهبي، فشهدا عليه بالاستفاضة بما نسب إليه، فحكم القاضي شرف الدين المالكي بإراقة دمه، ولم يكن ذلك
стр. 20
رأي النائب ألطنبغا ولا التقي السبكي" (١) .
منزلة المزي العلمية
١ـ أبرز آثاره
احتل المزي مكانة عظيمة بين علماء القرن الثامن الهجري في الحديث وعلومه، وما يتصل بهما، وقامت شهرته على أعظم كتابين ألفهما في فنهما هما"تحفة الاشراف""وتهذيب الكمال.
ويعد كتاب"تحفة الاشراف بمعرفة الاطراف (٢) "من أعظم الكتب المؤلفة في أطراف الكتب الستة وبعض لواحقها، كان الغرض الاساس منه جمع أحاديث الكتب الستة وبعض لواحقها بطريق تسهل على القارئ معرفة أسانيدها المختلفة مجتمعة في موضع واحد. وقد رتبه على الأسانيد دون المتون، فصار معجما مرتبا على تراجم أسماء الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، وفي بعض الاحيان أتباع أتباع التابعين فدونت جميع أحاديث الكتب الستة وبعض لواحقهما على هذه الأَسماء، فأصبح يتكون من (١٣٩٥) مسندا منها (٩٩٥) مسندا منسوبا إلى الصحابة بعد أن رتب أسماءهم على حروف المعجم، والباقية من المراسيل وعددها أربع مئة منسوبة إلى أئمة التابعين ومن بعدهم على حروف المعجم أيضا، وهو عمل هائل تعجز عنه العصبة (٣) . يضاف إلى ذلك أن المزي لم يقتصر فيه على الكتب الستة كما ذكرنا، بل أضاف إليها من لواحق ومؤلفات أصحاب الستة: أ- مقدمة صحيح
стр. 21
مسلم. ب- كتاب المراسيل لابي داود. ج- كتاب العلل للترمذي، وهو الذي في آخر كتاب الجامع له. د- كتاب الشمائل للترمذي أيضا.
هـ كتاب عمل يوم وليلة للنسائي.
وحينما انتهى من تأليف الكتاب ألحق به بعد ذلك ذيلا سماه. "لحق الاطراف"تتبع فيه بعض الاحاديث التي لم ترد إلا برواية ابن الاحمر من كتاب النَّسَائي. وذكر الحافظ ابن حجر أنه شاهده في جزء لطيف، ثم شاهد نسخة ابن كثير من"التحفة"وعليها هذا اللحق بخط المؤلف (١) .
وقد ذكر ابن حجر أنه"قد حصل الانتفاع بهذا الكتاب شرقا وغربا، وتنافس العلماء في تحصيله بعدا وقربا (٢) ". ونظرا لهذه المنزلة التي احتلها في هذا الفن، فقد تناوله العلماء بالاستدراك والتلخيص والتعليق، لانه صار الكتاب المعتمد في هذا الفن.
وقد اختصره تلميذه ورفيقه مؤرخ الاسلام الذهبي في مجلدين على ما ذكر الصفدي (٣) وابن شاكر (٤) والسبكي (٥) والزركشي (٦) وسبط ابن حجر (٧) .
واختصره أبو العباس أحمد بن سعد بن محمد الاندرشي المتوفى سنة (٧٥٠) وسماه"العمدة في مختصر الاطراف" (٨) .
وألف العلامة علاء الدين مغلطاي بن قليج الحنفي المتوفى سنة (٧٦٢) مستدركا على تحفة الاشراف ذكر ابن حجر أن فيه أوهاما منه.
стр. 22
وكتب الحافظ زين الدين عَبد الرحيم بن الحسين المعروف بالحافظ العراقي المتوفى سنة (٨٠٦) بعض المستدركات على هامش نسخته أفاد منها ولده العلامة ولي الدين العراقي المتوفى سنة (٨٢٦) حينما ألف جزءا مستدركا على المزي بعد أن أضاف إليه بعض ما جمعه مغلطاي (١) .
ويبدو أن الثلاثة: الزين العراقي وولده ومغلطاي لم يطلعوا في أول الامر على"لحق الاطراف"الذي استدرك به المزي على نفسه.
ثم جمع الحافظ ابن حجر كل هذه المستدركات، وأضاف إليها وأخرجها في كتاب سماه"النكت الظراف (٢) ". وجمع الحافظ محمد بن فهد المكي المتوفي سنة (٨٧١) بين كتابي المزي وابن حجر بكتابه"الاشراف على الجمع بين النكت الظراف وتحفة الاشراف (٣) .
أما كتاب المزي الثاني، فهو"تهذيب الكمال"وهو كتابنا هذا، فإنه يعد أعظم كتاب ألف في فنه غير مدافع أربى فيه على من تقدمه وكسب مؤلفاتهم، ولم يستطع أحد بعده حتى اليوم أن يبلغ شأوه بله أن يأتي بأحسن منه، وسيأتي الكلام عليه مفصلا في الفصل الثاني من هذه المقدمة.
٢- مناصبه العلمية
ونتيجة لما بلغه المزي من منزلة مرموقة بين علماء عصره، وما عرف عنه من ديانة متينة وحفظ وإتقان وبراعة في الحديث وعلومه، فقد ولي دار الحديث الاشرفية في يوم الخميس الثالث والعشرين من
стр. 23
ذي الحجة سنة (٧١٨)(١) ، وليها على الرغم من معارضة الكثيرين بسبب صحبته لشيخ الاسلام ابن تيمية وتأييده لآرائه، لكن علمه وفضله، وهما مما لا يستطيع أن ينكره الاشاعرة ولا غيرهم، جعلهم يضطرون إلى توليته هذه الدار التي كانت تعد من أكبر دور الحديث بدمشق (٢) . وعلى الرغم من أنه كتب بخطه حين وليها بأنه أشعري (٣) ، فقد أبانوا عن سخطهم، فلم يحضروا حفل الافتتاح كما جرت العادة آنذاك، قال العماد ابن كثير: ولم يحضر عنده كبير أحد، لما في نفوس بعض الناس من ولايته لذلك مع أنه لم يتولها أحد قبله أحق بها منه، وما عليه منهم إذا لم يحضروا؟ فإنه لا يوحشه إلا حضورهم عنده، وبعدهم آنس، والله أعلم (٤) .
وقد جرت محاولات عدة لاخراجه من مشيخة هذه الدار باءت كلها بالفشل لما كان يتمتع به الحافظ المزي من المكانة الرفيعة بدمشق، تلك المكانة التي اعترف بها المخالف قبل الموافق. واستمرت المكائد تحاك ضده حتى وهوفي آخر شيخوخته، ففي سنة (٧٣٩) ولى تقي الدين السبكي قضاء الشافعية بدمشق (٥) ، وما إن وصل دمشق حتى حضر عنده الشيخ صدر الدين سُلَيْمان بن عبد الحكيم المالكي بعد ليلة واحدة من دخوله (٦) ، وكان صدر الدين
стр. 24
أشعريا جلدا متعصبا على المخالفين (١) ، ولكن التقي السبكي كان يحبه (٢) ، فروى التاج السبكي أن والده التقي قال: دخل إلي وقت العشاء الآخرة، وَقَال أمورا يريد بها تعريفي بأهل دمشق، قال: فذكر لي البرزالي وملازمته لي، ثم انتهى إلى المزي، فقال: وينبغي لك عزله من مشيخة دار الحديث الاشرفية، قال الشيخ الإمام (يعني التقي) ، فاقشعر جلدي، وغاب فكري، وقلت في نفسي: هذا إمام المحدثين، الله لو عاش الدارقطني استحيى أن يدرس مكانه. قال: وسكت، ثم منعت الناس من الدخول علي ليلا، وقلت: هذه بلدة كثيرة الفتن. فقلت أنا للشيخ الإمام: إن صدر الدين المالكي لا ينكر رتبة المزي في الحديث، ولكنه كأنه لاحظ ما هو شرط واقفها، من أن شيخها لابد أن يكون أشعري العقيدة، والمزي وإن كان حين ولي كتب بخطه بأنه أشعري إلا أن الناس لا يصدقونه في ذلك. فقال: أعرف أن هذا هو الذي لاحظه صدر الدين، ولكن من ذار الذي يتجاسر أن يقول: المزي ما يصلح لدار الحديث، والله ركني ما يحمل هذا الكلام (١١٠) .
وقد استمر المزي متوليا لهذه الدار طيلة حياته، وكانت مسكنه، فكانت ولايته لها قرابة أربعة وعشرين عاما، ومنها نشر علمه الجم، وفيها حدث بكتابه العظيم تهذيب الكمال وغيره، وسمعها عليه الجلة من شيوخ العصر.
وكان المزي، إضافة إلى ذلك، شيخا لدار الحديث الحمصية المعروفة بحلقة صاحب حمص، وإن كنا لا ندري متى تولاها، ولكنه تنازل عنها لتلميذه الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي
стр. 25
(٧٦١ ٦٩٤) فدرس العلائي بها في محرم سنة ٧٢٨ (١) .
وحينما توفي رفيقه وتلميذه علم الدين البرزالي في ذي الحجة من سنة (٧٣٩) تولى المزي أقدم دار حديث بدمشق وأعرقها هي دار الحديث النورية إلى حين وفاته، فوليها بعده تلميذه ابن رافع السلامي (٢) .
وكان بدء تدريس المزي في هذه الدار في المحرم سنة (٦٤٠) ، وكتب له تلميذه الصلاح الصفدي التوقيع بمشيختها أورد نصه الكامل في كتابه: أعيان العصر (٣) .
٣- تلاميذه
أصبح الإمام المزي حافظ العصر غير مدافع، وفضله الإمام الذهبي في الحفظ على جميع من لقي من الحفاظ طيلة حياته، وأتاحت له معرفته الفذة في علم الرجال منزلة مميزة بين أساتيذ العصر، فأمه طلبة العلم من كل حدب وصوب. وكانت دار الحديث الاشرفية من أعظم الاماكن التي بث منها المزي علمه، وقد متعه الله بالعُمَر الطويل، وصحة الحواس، وقوة الجسم، فكان وهو في عشر التسعين معتدل القامة، قوي الركب، يصعد إلى الصالحية ماشيا، ولا يركب بغلة ولا حمارا، ويستحم بالماء البارد في الشيخوخة (٤) ، ويحكم ترقيق الاجزاء وترميمها، ويعتني بكتابة الطباق عليها (٥) ، فحدث زيادة على خمسين سنة (٦) ، وقلما نجد عالما دمشقيا من أهل ذلك العصر إلا درس عليه، قال الذهبي: وغالب المحدثين من دمشق وغيرها قد تلمذوا له، واستفادوا منه، وسألوه عن المعضلات، فاعترفوا بفضيلته، وعلو ذكره" (٧)
стр. 26
وقد حدث بكتبه مرات عديدة، وحدث بصحيح البخاري مرات، وبالمسند للامام أحمد، وبالمعجم الكبير للامام الطبراني، وبدلائل النبوة للبيهقي، وبكتب كثيرة جدا، كما حدث بسائر أجزائه العالية، وبكثير من أجزائه النازلة (١) .
ويكفيه فخرا وفضلا أن عظماء العلماء من أساتيذه ورفاقه وتلامذته النجب قد أخذوا عنه، فسمع منه من العلماء الاعلام: شيخ الاسلام ابن تيمية الحراني (ت ٧٢٨) ، وفتح الدين ابن سيد الناس اليعُمَري (ت ٧٣٤) ، وإما المؤرخين والمحدثين شمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨) سمع منه سنة (٦٩٤) وأخذ عنه صحيح البخاري غير مرة، والإمام العلامة تقي الدين السبكي (ت ٧٥٦) وغيرهم. وبه تخرج أعاظم الرواة والمحدثين والمؤرخين من أعلامهم: علم الدين البرزالي (ت ٧٣٩) ، وشمس الدين أبو عَبْد اللَّه بْن عَبْد الهادي (ت ٧٤٤) ، وصلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي (ت ٧٦١) ، وعلاء الدين مغلطاي الحنفي (ت ٧٦٢) ، وتقي الدين ابن رافع السلامي (ت ٧٧٤) ، والشيخ عماد الدين ابن كثير صهره (ت ٧٧٤) ، وخلق يطول ذكرهم.
٤- آراء العلماء فيه
ونرى من المفيد أن نقتطف هنا آراء العلماء والنقاد المعاصرين فيه، لما لذلك من أهمية في توثيقه وبيان فضله ومنزلته. وقد نقلنا لك قبل قليل رأي شيخ الاسلام ابن تيمية واعترافه له، وأنبأناك بثنائه عليه غير مرة.
وقد اتصل به العلامة فتح الدين ابن سيد الناس اليعُمَري بعد
стр. 27
سنة ٦٩٠، فقال في حقه: ووجدت بدمشق من أهل العلم الإمام المقدم والحافظ الذي فاق من تأخر من أقرانه ومن تقدم أبا الحجاج المزي، بحر هذا العلم الزاخر وحبره القائل من رآه: كم ترك الاوائل للاواخر، أحفظ الناس للتراجم، وأعلم الناس بالرواة من أعارب وأعاجم، لا يخص بمعرفته مصرا دون مصر ولا ينفرد علمه بأهل عصر دون عصر..وهو في اللغة أيضا إمام..فكنت أحرص على فوائده لاحرز منها ما أحرز..وهو الذي حداني على رؤية شيخ الاسلام ابن تيمية" (١) .
وترجم له الذهبي في معجم شيوخه الكبير، فقال: العلامة الحافظ البارع أستاذ الجماعة جمال الدين أبو الحجاج، محدث الاسلام الكلبي القضاعي، المزي الدمشقي، الشافعي..طلب هذا الشأن سنة خمس وسبعين وهلم جرا إلى اليوم، فماونى، ولا فتر، ولا لها ولا قصر، وعني بهذا الشأن أتم عناية، وقرأ العربية، وأفاد، وأكثر من اللغة والتصريف. وصنف وأفاد..وكتب الكثير ورواه، مع السمت الحسن، والاقتصاد، والتواضع، والحلم، وعدم الشر، والله يصلحه وإياي. أخبرنا يوسف ابن الزكي الحافظ.. (٢) .
وَقَال في "تذكرة الحفاظ": شيخنا الإمام العالم الحبر الحافظ الاوحد محدث الشام..وأما معرفة الرجال، فهو حامل لوائها، والقائم بأعبائها، لم تر العيون مثله..وأوضح مشكلات ومعضلات ما سبق إليها في علم الحديث ورجاله..وكان ثقة حجة، كثير العلم، حسن الاخلاق، كثير السكوت، قليل الكلام جدا، صادق
стр. 28
اللهجة، لم تعرف له صبوة. وكان يطالع وينقل الطباق إذا حدث وهو في ذلك لا يكاد يخفى عليه شيء مما يقرأ، بل يرد في المتن والإسناد ردا مفيدا يتعجب منه فضلاء الجماعة (١) .
وَقَال الذهبي أيضا في معجمه المختص بمحدثي العصر (٢) : كان خاتمة الحفاظ، وناقد الأسانيد والالفاظ، وهو صاحب معضلاتنا، وموضح مشكلاتنا..ولو كان لي رأي للازمته أضعاف ما جالسته، فإنني أخذت عنه هذا الشئ بحسبي لا بحسبه، وكان لا يكاد يعرف قدره إلا من أكثر مجالسته". وَقَال أيضا: وقد (٣) كان مع حسن خطه ذا إتقان قل أن توجد له غلطة، أو تؤخذ عليه لحنة". وَقَال أيضا: وكان مأمون الصحبة، حسن المذاكرة، خير الطوية، محبا للآثار، معظما لطريقة السلف، جيد المعتقد، وكان اغتر في شبيبته وصحب العفيف التلمساني، فلما تبين له ضلاله، هجره، وتبرأ منه"
وكان الإمام الذهبي يورد سلسلة أعاظم الحفاظ، وكتبها بخطه وعنه أخذها الصلاح الصفدي، والتاج السبكي، وقراها عليه (٤) ، قال الذهبي: ما رأيت أحدًا في هذا الشأن أحفظ من الإمام أبي الحجاج المزي، وسمعته يقول في شيخنا أبي محمد الدمياطي (٥) إنه ما رأى أحفظ منه، وكان الدمياطي يقول: إنه ما رأى شيخا أحفظ من
стр. 29
زكي الدين عبد العظيم (١) ..الخ.
ونقل الصفدي عن الذهبي قوله: لم يسألني ابن دقيق العيد إلا عنه" (٢) .
وَقَال الذهبي نفسه في ترجمة الضياء المقدسي المتوفي سنة (٦٤٣) من تاريخ الاسلام: سألت الحافظ أبا الحجاج المزي، وما رأيت مثله (٣) .."
وَقَال شمس الدين الحسيني المتوفى سنة (٧٦٥) : وكان مع تبحره في علم الحديث رأسا في اللغة العربية والتصريف، له مشاركة جيدة في الفقه وغيره، ذا حظ من زهد وتعفف، ويقنع باليسير. وقد شهد له بالإمامة جميع الطوائف، وأثنى عليه الموافق والمخالف (٤) .
وَقَال الصلاح الصفدي: الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ الفريد الرحلة، إمام المحدثين..خاتمة الحفاظ، ناقد الأسانيد والالفاظ". وَقَال: كان شيخنا الحجة جمال الدين أبو الحجاج شيخ الزمان، وحافظ العصر، وناقد الاوان، لو عاصره ابن ماكولا، كان له مشروبا وماكولا، وجعل هذا الامر إليه موكولا".ثم أطنب في تعداد فضائله ومحاسنه وزهده وَقَال في حفظه: وسمعت صحيح مسلم على ذالبندنيجي وهو حاصر بقراءة ابن طغريل وعدة نسخ صحيحة حاضرة يقابل بها، فيرد الشيخ جمال الدين ﵀ على ابن طغريل اللفظ، فيقول ابن طغريل: ما في النسخة إلا ما قرأه، فيقول من بيده بعض
стр. 30
تلك النسخ الصحيحة: هو عندي كما قال الشيخ..أو في الحاشية تصحيح ذلك، ولما تكرر ذلك قلت أنا له: ما النسخة الصحيحة إلا أنت! " (١) .
وَقَال التاج عبد الوهاب السبكي مع مخالفة المزي له في العقائد: شيخنا وأستاذنا وقدوتنا الشيخ جمال الدين أبو الحجاج المزي، حافظ زماننا، حامل راية السنة والجماعة والقائم بأعباء هذه الصناعة، والمتدرع جلباب الطاعة، إمام الحفاظ، كلمة لا يجحدونها، وشهادة على أنفسهم يؤدونها، ورتبة لو نشر أكابر الأعداء، لكانوا يودونها، واحد عصره بالاجماع، وشيخ زمانه الذي تصغي لما يقول الاسماع (٢) ".ثم أورد طائفة من مناقبه وفضائله، وثناء العلماء عليه، ولاسيما والده التقي السبكي، ثم قال: وبالجملة كان شيخنا المزي أعجوبة زمانه، يقرأ عليه القارئ نهارا كاملا، والطرق تضطرب والأسانيد تختلف وضبط الأَسماء يشكل، وهو لا يسهو ولا يغفل، يبين وجه الاختلاف، ويوضح ضبط المشكل، ويعين المبهم، يقظ لا يغفل عند الاحتياج إليه، ولقد شاهدته الطلبة ينعس، فإذا أخطأ القارئ، رد عليه كأن شخصا أيقظه، َقَال له: قال هذا القارئ كيت وكيت، هل هو صحيح؟ وهذا من عجائب الامور. وكان قد انتهت إليه رئاسة المحدثين في الدنيا." (٣) .
وفاته
انتاب المزي المرض في أوائل صفر من سنة (٧٤٢) أياما يسيرة، وكان مرضه في أوله خفيفا لم يشغله عن شهود الجماعة، وحضور الدروس، وإسماع الحديث، وقد وصلت إلينا طبقة سماع
стр. 31
الجزء الثالث من"تهذيب الكمال"عليه لجملة من الفضلاء في يوم الخميس العاشر من صفر (١) ، فلما كان يوم الجمعة حادي عشره أسمع الحديث إلى قريب وقت الصلاة، ثم دخل منزله ليتوضأ، ويذهب للصلاة، فاعترضه في باطنه مغص عظيم، ظن أنه قولنج، وما كان إلا طاعون، فلم يقدر على حضور الصلاة، قال صهره ابن كثير: فلما فرغنا من الصلاة، أخبرت بأنه منقطع، فذهبت إليه. فدخلت عليه، فإذا هو يرتعد رعدة شديدة من قوة الالم الذي هو فيه، فسألته عن حاله، فجعل يكرر"الحمدلله"ثم أخبرني بما حصل له من المرض الشديد، وصلى الظهر بنفسه، ودخل إلى الطهارة، وتوضأ على البركة وهو في قوة الوجع، ثم اتصل به هذا الحال إلى الغد من يوم السبت، فلما كان وقت الظهر لم أكن حاضره إذ ذاك، لكن أخبرتنا بنته زينب زوجتي أنه لما أذن الظهر، تغير ذهنه قليلا، فقالت: يا أبة أذن الظهر، فذكر الله، وَقَال: أريد أن أصلي، فتيمم وصلى، ثم اضطجع فجعل يقرأ آية الكرسي حتى جعل لا يفيض بها لسانه، ثم قبضت روحه بين الصلاتين ﵀ يوم السبت ثاني عشر صفر، فلم يمكن تجهيزه تلك الليله، فلما كان من الغد يوم الاحد ثالث عشر صفر صبيحة ذلك اليوم، غسل وكفن وصلي عليه بالجامع الأُمَوِي، وحضر القضاة والاعيان وخلائق لا يحصون كثرة، وخرج بجنازته من باب النصر، وخرج نائب السلطنة الامير علاء الدين ألطنبغا (٢) ومعه ديوان السلطان، والصاحب، وكاتب السر وغيرهم من الامراء، فصلوا عليه خارج باب النصر، أمهم عليه القاضي تقي الدين السبكي الشافعي، وهو الذي صلى عليه بالجامع الأُمَوِي، ثم ذهب به إلى مقابر الصوفية،
стр. 32
فدفن هناك إلى جانب زوجته المرأة الصالحة الحافظة لكتاب الله، عائشة بنت إبراهيم بن صديق غربي قبر الشيخ تقي الدين ابن تيمية" (١) .
وكانت زوجته عائشة قد توفيت قبله بتسعة أشهر تقريبا في مستهل جمادى الاولى سنة (٧٤١) ، وكانت عديمة النظير في نساء زمانها لكثرة عبادتها وتلاوتها وإقرائها القرآن الكريم بفصاحة وبلاغة وأداء صحيح، وختمت نساءا كثيرات، وقرأ عليها من النساء خلق، وانتفعن بها وبصلاحها ودينها وزهدها في الدنيا، وتقللها منها مع طول العُمَر حيث بلغت ثمانين سنه، وكان المزي محسنا إليها مطيعا لا يكاد يخالفها لحبه لها طبعا وشرعا (٢) .وكانت والدة أمة الرحيم زينب زوج العلامه ابن كثير ﵏.
وقد عني المزي بأهل بيته، فكان يحضرهم مجالس السماع لا يستثني من ذلك حتى الجواري (٣) ، واشتهر من أولاده عبد الرحمن ابن يوسف الذي ولد له سنة (٦٨٧) وتوفي بالطاعون العام سنة (٧٤٩) وكان شيخا لشرف الدين الحسيني (٤) .وولي مشيخة دار الحديث النورية، ودفن بمقابر الصوفية على والده (٥) .
стр. 33
الفصل الثاني
تهذيب الكمال في أسماء الرجال
منهجه وأهميته
توطئة: عني العلماء منذ فترة مبكرة بتأليف الكتب التي تتناول رواة الحديث للافادة منها في بيان صحيح الحديث من سقيمه. وحينما وضعت الكتب الستة في الحديث وهي: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وجامع التِّرْمِذِيّ، وسنن النَّسَائي، وسنن أبي داود، وسنن ابن ماجة القزويني، عدها جهابذة المحدثين دواوين الاسلام فعنوا بها وبروايتها وتدقيقها، فاشتهرت في بلاد الاسلام، وذاع صيتها بين الانام. ونتيجة لذلك ألفوا الكتب المعنية بتناول الرجال الواردين في أسانيدها منذ القرن الرابع الهجري.
ابن عساكر أول من ألف في شيوخ أصحاب الكتب الستة.
ولكن أحدًا لم يجمع شيوخ أصحاب الستة على ما حققناه قبل حافظ الشام أبي القاسم ابن عساكر (٥٧١ ٤٩٩) (١) في كتابه المختصر النافع"المعجم المشتمل على ذكر أسماء شيوخ الأئمة النبل (٢) "الذي ألفه بعد كتابه "الاطراف" وسار فيه على المنهج الآتي:
١- اقتصر فيه على شيوخ أصحاب الستة دون الرواة الآخرين.
стр. 34
٢- رتب الكتاب على حروف المعجم المشرقية، وابتدأ كتابه بمن اسمه"أحمد.
٣- أورد التراجم على سبيل الاختصار فذكر اسم المترجم ونسبته، ثم من روى عنه من أصحاب الكتب الستة، ثم توثيقه، وأتبع ذلك بتاريخ وفاته إن وقع له. وأشار في نهاية الترجمة فيما إذا وقع له من حديثه ما كان موافقة أو بدلا عاليا ونحو ذلك من رتب العلو في الرواية.
٤- ومن أجل التخفيف على النساخ استعمل لاصحاب الستة علامات تدل عليهم، وهي: (خ) للبخاري و (م) لمسلم، و (د) لابي داود، و (ت) للترمذي، و (ن) للنسائي، و (ق) لابن ماجة القزويني. الكمال في أسماء الرجال.
ثم جاء الحافظ الكبير أَبُو مُحَمَّد عبد الغني بْن عبد الواحد المقدسي الجماعيلي الحنبلي (٦٠٠ ٥٤٤) (١) فألف كتابه"الكمال في أسماء الرجال"وتناول فيه رجال الكتب الستة.
وإذا كان الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِمِ ابن عساكر أول من ألف في شيوخ أصحاب الكتب الستة، فإن الحافظ عبد الغني أول من ألف في رواة الكتب الستة حيث لم يقتصر على شيوخهم بل تناول جميع الرواة المذكورين في هذه الكتب من الصحابة والتابعين وأتباعهم إلى شيوخ أصحاب الكتب الستة.
أما نطاق الكتاب ومنهجه فيمكن تلخيصه بما يأتي:
١- اجتهد أن يستوعب جميع رجال هذه الكتب غاية الامكان، لكنه قال: غير أنه لا يمكن دعوى الاحاطة بجميع ما فيها، لاختلاف
стр. 35
النسخ، وقد يشذ عن الانسان بعد إمعان النظر وكثرة التتبع ما لا يدخل في وسعه" (١) .
٢- بين أحوال هؤلاء الرجال حسب طاقته ومبلغ جهده، وحذف
كثيرا من الاقوال والأسانيد طلبا للاختصار"إذ لو استوعبنا ذلك، لكان الكتاب من جملة التواريخ الكبار" (٢) .
٣- استعمل عبارات دالة على وجود الرجل في الكتب الستة أو في بعضها، فكان يقول"روى له الجماعة"إذا كان في الكتب الستة، ونحو قوله: اتفقا عليه"أو"متفق عليه"إذا كان الراوي ممن اتفق على إخراج حديثه البخاري ومسلم في "صحيحيهما"وأما الباقي فسماه تسمية.
٤- ابتدأ كتابه بترجمة قصيرة لِلرَّسُولِ ﷺ أخذها بسنده من كتاب"السيرة"لابن هشام استغرقت صفحة واحدة فقط، وَقَال في نهايتها"وقد أفردنا لاحواله ﷺ مختصرا لا يستغني طالب الحديث ولا غيره من المسلمين عن مثله".وأتبع ذلك بفصل من أقوال الأئمة في أحوال الرواة والنقلة، أورده بالأسانيد المتصلة إليه استغرق ثمان أوراق (٣) .
٥- أفرد الصحابة عن باقي الرواة، فجعلهم في أول الكتاب، وبدأهم بالعشرة المشهود لهم بالجنة، فكان أولهم الصديق أبو بكر ﵃، وأفرد الرجال عن النساء، فأورد الرجال أولا، ثم أتبعهم بالنساء، ورتب الرواة الباقين على حروف المعجم، وبدأهم بالمحمدين لشرف هذا الاسم.
وقد امتدحه العلماء، وأثنوا عليه، فقال ياقوت الحموي (ت
٦) : جوده جدا (٤) ". وَقَال الحافظ المزي: وهو كتاب نفيس،
стр. 36
كثير الفائدة، لكن لم يصرف مصنفه ﵀ عنايته إليه حق صرفها
ولا استقصى الأَسماء التي استملت عليها هذه الكتب استقصاءا تاما، ولا تتبع جميع تراجم الأَسماء التي ذكرها في كتابه تتبعا شافيا، فحصل في كتابه بسبب ذلك إغفال وإخلال (١) .
محاولة فاشلة على "الكمال" قبل المزي:
وأشار المزي في مقدمة التهذيب إلى أن أحد أولاد الحافظ عبد الغني"ممن لم يبلغ في العلم مبلغه، ولا نال في الحفظ درجته، رام تهذيب كتابه وترتيبه واختصاره واستدراك بعض ما فاته من الأَسماء"فلم ينجح في ذلك، ولم يزد سوى بعض تراجم أخذها من أسماء كتاب "الاطراف" لابي القاسم ابن عساكر، وبعض أسماء التابعين من ذلك الكتاب أيضا، ثم أضاف إليهم بعض شيوخ أصحاب الستة من كتاب"المعجم المشتمل"لابن عساكر أيضا، ولم يزد في عامة ذلك على ما ذكره ابن عساكر، فضلا عن وقوع خلل كثير ووهم شنيع فيما اختصره من كتاب والده (٢) .
ولم يصرح المزي باسم هذا"الولد"ولا أشار أحد غيره إليه فيما وقفت عليه من مصادر، لكنني وقعت على ثلاثة أولاد للحافظ عبد الغني ممن عني بالحديث وطلبه وروايته، وهم:
١- عز الدين أبو الفتوح محمد بن عبد الغني (٦١٣ ٥٦٦) وهو ممن دخل بغداد غير مرة، وسمع بها، كما سمع بدمشق وأصبهان (٣) .
٢- جمال الدين أَبُو مُوسَى عَبد اللَّهِ بْن عبد الغني (٥٨١
стр. 37
٦٢٩) . سمع بدمشق وبغداد وأصبهان ومصر، وحدث بدمشق ومصر وغيرهما، فتكلم فيه بعضهم بسبب تقربه من السلطان (١) .
٣- محيي الدين أبو سُلَيْمان عبد الرحمن بن عبد الغني (٥٨٣ أو ٥٨٤، ٦٤٣) . سمع بدمشق وبغداد ومصر، وحدث، وكان فقيها زاهدا (٢) .
ومن دراسة سير أولاده الثلاثة هؤلاء دراسة مستفيضة في جميع الموارد التي ترجمت لهم لم أجد أحدًا ذكر هذا"المختصر"أو"التهذيب"الذي عمله لكتاب والده، ولكنني في الوقت نفسه أرجح أن يكون المقصود بهذا هو عز الدين أبا الفتح محمد بن عبد الغني، لان الذين ترجموا له ذكروا له عناية بهذا الفن، أعني رجال الحديث، قال محدث بغداد الحافظ ابن النجار (ت ٦٤٣) : وكان من أئمة المسلمين حافظا للحديث متنا وإسنادا، عارفا بمعانيه وغريبه ومشكله، متقنا لاسامي المحدثين وكناهم، ومقدار أعمارهم، وما قيل فيهم من جرح وتعديل، ومعرفة أنسابهم واختلاف أسمائهم (٣) "ولم يذكروا لغيره مثل هذه المعرفة.
التهذيب ليس مختصرا للكمال
درس الحافظ جمال الدين المزي كتاب "الكمال" للحافظ عبد الغني، فوجد فيه نقصا وإخلالا وإغفالا لكثير من الأَسماء التي هي من
стр. 38
شرطه بلغت مئات عديدة، وقرر تأليف كتاب جديد يستند في أسسه على كتاب "الكمال" وسماه"تهذيب الكمال في أسماء الرجال". والظاهر أنه اشتغل بمادة الكتاب منذ فترة مبكرة، فقد أشار الذهبي في مقدمة كتابه"تاريخ الاسلام"إلى أنه طالع مسودة كتاب"التهذيب"قبل قيامه بتأليف كتابه، ثم طالع المبيضة كلها (١) . وقد بدأ المزي يضع كتابه بصيغته النهائية المبيضة في اليوم التاسع من محرم سنة (٧٠٥) ولم ينته منه إلا يوم عيد الاضحى من سنة (٧١٢)(٢) ، وبذلك يكون قد قضى في تبييضه وإعادة النظر فيه ثمانية أعوام إلا شهرا.
وقد ظن بعضهم غلطا أن الحافظ المزي إنما اختصر كتاب "الكمال" لعبد الغني حينما ألف كتابه"تهذيب الكمال" (٣) ، وكأنهم ربطوا بين كلمتي"الاختصار"و"التهذيب"مع أن الاخيرة تدل في الاغلب على التنقية والاصلاح (٤) . والحق أن المزي قد تجاوز كتاب "الكمال" في كتابه هذا تجاوزا أصبح معه التناسب بينهما أمرا بعيدا، سواء أكان ذلك في المحتوى، أم التنظيم، أم الحجم، وإليك بيان ذلك على وجه الاختصار:
стр. 39
تفضيل التهذيب على الكمال في المحتوى
أولا اقتصر كتاب "الكمال" على رواة الكتب الستة، فاستدرك المزي ما فات المؤلف من رواة هذه الكتب أولا، وهم كثرة، ودقق في الذين ذكرهم، فحذف بعض من هو ليس من شرطه، وهم قلة، ثم أضاف إلى كتابه الرواة الواردين في بعض ما اختاره من مؤلفات أصحاب الكتب الستة، وهي:
للبخاري:
١- كتاب القراءة خلف الإمام.
٢- كتاب رفع اليدين في الصلاة.
٣- كتاب الادب المفرد.
٤- كتاب خلق أفعال العباد.
٥- ما استشهد به في الصحيح تعليقا.
ولمسلم:
٦- مقدمة كتابه الصحيح.
ولابي داود:
٧- كتاب المراسيل.
٨- كتاب الرد عَلَى أهل القدر.
٩- كتاب الناسخ والمنسوخ.
١٠- كتاب التفرد (وهو ما تفرد به أهل الامصار من السنن) .
١١- كتاب فضائل الانصار.
١٢- كتاب مسائل الإمام أحمد (وهي المسائل التي سأل عنها أَبَا عَبد اللَّهِ أَحْمَد بْن محمد بن حنبل) .
١٣- كتاب مسند حديث مالك بن أنس.
стр. 40
وللترمذي:
١٤- كتاب الشمائل.
وللنسائي:
١٥- كتاب عمل يوم وليلة.
١٦- كتاب خصائص أمير المؤمنين علي بْن أَبي طالب ﵁.
١٧- كتاب مسند علي ﵁.
١٨- كتاب مسند حديث مالك بن أنس.
ولابن ماجة القزويني
١٩- كتاب التفسير.
وبذلك زاد في تراجم الاصل أكثر من ألف وسبع مئة ترجمة.
ثانيا: وذكر جملة من التراجم للتمييز، وهي تراجم تتفق مع تراجم الكتاب في الاسم والطبقة، لكن أصحابها لم يكونوا من رجال أصحاب الكتب الستة.
ثالثا: أضاف المزي إلى معظم تراجم الاصل مادة تاريخية جديدة في شيوخ صاحب الترجمة، والرواة عنه، وما قيل فيه من جرح أو تعديل أو توثيق، وتاريخ مولده أو وفاته، ونحو ذلك، فتوسعت معظم التراجم توسعا كبيرا.
رابعا: وأضاف المزي بعد كل هذا أربعة فصول مهمة في آخر كتابه لم يذكر صاحب "الكمال" منها شيئا وهي:
١- فصل فيمن اشتهر بالنسبة إِلَى أبيه أو جده أو أمه أو عمه أو نحو ذَلِكَ.
٢- فصل فيمن اشتهر بالنسبة إِلَى قبيلة أو بلدة أو صناعة أو نحو ذلك.