← Тараджим

Тараджим · id 3722

تهذيب الكمال في أسماء الرجال

المزي، جمال الدين

Полный текст (19 002 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

كثير الفائدة، لكن لم يصرف مصنفه ﵀ عنايته إليه حق صرفها ولا استقصى الأَسماء التي استملت عليها هذه الكتب استقصاءا تاما، ولا تتبع جميع تراجم الأَسماء التي ذكرها في كتابه تتبعا شافيا، فحصل في كتابه بسبب ذلك إغفال وإخلال (١) . محاولة فاشلة على "الكمال" قبل المزي: وأشار المزي في مقدمة التهذيب إلى أن أحد أولاد الحافظ عبد الغني"ممن لم يبلغ في العلم مبلغه، ولا نال في الحفظ درجته، رام تهذيب كتابه وترتيبه واختصاره واستدراك بعض ما فاته من الأَسماء"فلم ينجح في ذلك، ولم يزد سوى بعض تراجم أخذها من أسماء كتاب "الاطراف" لابي القاسم ابن عساكر، وبعض أسماء التابعين من ذلك الكتاب أيضا، ثم أضاف إليهم بعض شيوخ أصحاب الستة من كتاب"المعجم المشتمل"لابن عساكر أيضا، ولم يزد في عامة ذلك على ما ذكره ابن عساكر، فضلا عن وقوع خلل كثير ووهم شنيع فيما اختصره من كتاب والده (٢) . ولم يصرح المزي باسم هذا"الولد"ولا أشار أحد غيره إليه فيما وقفت عليه من مصادر، لكنني وقعت على ثلاثة أولاد للحافظ عبد الغني ممن عني بالحديث وطلبه وروايته، وهم: ١- عز الدين أبو الفتوح محمد بن عبد الغني (٦١٣ ٥٦٦) وهو ممن دخل بغداد غير مرة، وسمع بها، كما سمع بدمشق وأصبهان (٣) . ٢- جمال الدين أَبُو مُوسَى عَبد اللَّهِ بْن عبد الغني (٥٨١

стр. 37

٦٢٩) . سمع بدمشق وبغداد وأصبهان ومصر، وحدث بدمشق ومصر وغيرهما، فتكلم فيه بعضهم بسبب تقربه من السلطان (١) . ٣- محيي الدين أبو سُلَيْمان عبد الرحمن بن عبد الغني (٥٨٣ أو ٥٨٤، ٦٤٣) . سمع بدمشق وبغداد ومصر، وحدث، وكان فقيها زاهدا (٢) . ومن دراسة سير أولاده الثلاثة هؤلاء دراسة مستفيضة في جميع الموارد التي ترجمت لهم لم أجد أحدًا ذكر هذا"المختصر"أو"التهذيب"الذي عمله لكتاب والده، ولكنني في الوقت نفسه أرجح أن يكون المقصود بهذا هو عز الدين أبا الفتح محمد بن عبد الغني، لان الذين ترجموا له ذكروا له عناية بهذا الفن، أعني رجال الحديث، قال محدث بغداد الحافظ ابن النجار (ت ٦٤٣) : وكان من أئمة المسلمين حافظا للحديث متنا وإسنادا، عارفا بمعانيه وغريبه ومشكله، متقنا لاسامي المحدثين وكناهم، ومقدار أعمارهم، وما قيل فيهم من جرح وتعديل، ومعرفة أنسابهم واختلاف أسمائهم (٣) "ولم يذكروا لغيره مثل هذه المعرفة. التهذيب ليس مختصرا للكمال درس الحافظ جمال الدين المزي كتاب "الكمال" للحافظ عبد الغني، فوجد فيه نقصا وإخلالا وإغفالا لكثير من الأَسماء التي هي من

стр. 38

شرطه بلغت مئات عديدة، وقرر تأليف كتاب جديد يستند في أسسه على كتاب "الكمال" وسماه"تهذيب الكمال في أسماء الرجال". والظاهر أنه اشتغل بمادة الكتاب منذ فترة مبكرة، فقد أشار الذهبي في مقدمة كتابه"تاريخ الاسلام"إلى أنه طالع مسودة كتاب"التهذيب"قبل قيامه بتأليف كتابه، ثم طالع المبيضة كلها (١) . وقد بدأ المزي يضع كتابه بصيغته النهائية المبيضة في اليوم التاسع من محرم سنة (٧٠٥) ولم ينته منه إلا يوم عيد الاضحى من سنة (٧١٢) (٢) ، وبذلك يكون قد قضى في تبييضه وإعادة النظر فيه ثمانية أعوام إلا شهرا. وقد ظن بعضهم غلطا أن الحافظ المزي إنما اختصر كتاب "الكمال" لعبد الغني حينما ألف كتابه"تهذيب الكمال" (٣) ، وكأنهم ربطوا بين كلمتي"الاختصار"و"التهذيب"مع أن الاخيرة تدل في الاغلب على التنقية والاصلاح (٤) . والحق أن المزي قد تجاوز كتاب "الكمال" في كتابه هذا تجاوزا أصبح معه التناسب بينهما أمرا بعيدا، سواء أكان ذلك في المحتوى، أم التنظيم، أم الحجم، وإليك بيان ذلك على وجه الاختصار:

стр. 39

تفضيل التهذيب على الكمال في المحتوى أولا اقتصر كتاب "الكمال" على رواة الكتب الستة، فاستدرك المزي ما فات المؤلف من رواة هذه الكتب أولا، وهم كثرة، ودقق في الذين ذكرهم، فحذف بعض من هو ليس من شرطه، وهم قلة، ثم أضاف إلى كتابه الرواة الواردين في بعض ما اختاره من مؤلفات أصحاب الكتب الستة، وهي: للبخاري: ١- كتاب القراءة خلف الإمام. ٢- كتاب رفع اليدين في الصلاة. ٣- كتاب الادب المفرد. ٤- كتاب خلق أفعال العباد. ٥- ما استشهد به في الصحيح تعليقا. ولمسلم: ٦- مقدمة كتابه الصحيح. ولابي داود: ٧- كتاب المراسيل. ٨- كتاب الرد عَلَى أهل القدر. ٩- كتاب الناسخ والمنسوخ. ١٠- كتاب التفرد (وهو ما تفرد به أهل الامصار من السنن) . ١١- كتاب فضائل الانصار. ١٢- كتاب مسائل الإمام أحمد (وهي المسائل التي سأل عنها أَبَا عَبد اللَّهِ أَحْمَد بْن محمد بن حنبل) . ١٣- كتاب مسند حديث مالك بن أنس.

стр. 40

وللترمذي: ١٤- كتاب الشمائل. وللنسائي: ١٥- كتاب عمل يوم وليلة. ١٦- كتاب خصائص أمير المؤمنين علي بْن أَبي طالب ﵁. ١٧- كتاب مسند علي ﵁. ١٨- كتاب مسند حديث مالك بن أنس. ولابن ماجة القزويني ١٩- كتاب التفسير. وبذلك زاد في تراجم الاصل أكثر من ألف وسبع مئة ترجمة. ثانيا: وذكر جملة من التراجم للتمييز، وهي تراجم تتفق مع تراجم الكتاب في الاسم والطبقة، لكن أصحابها لم يكونوا من رجال أصحاب الكتب الستة. ثالثا: أضاف المزي إلى معظم تراجم الاصل مادة تاريخية جديدة في شيوخ صاحب الترجمة، والرواة عنه، وما قيل فيه من جرح أو تعديل أو توثيق، وتاريخ مولده أو وفاته، ونحو ذلك، فتوسعت معظم التراجم توسعا كبيرا. رابعا: وأضاف المزي بعد كل هذا أربعة فصول مهمة في آخر كتابه لم يذكر صاحب "الكمال" منها شيئا وهي: ١- فصل فيمن اشتهر بالنسبة إِلَى أبيه أو جده أو أمه أو عمه أو نحو ذَلِكَ. ٢- فصل فيمن اشتهر بالنسبة إِلَى قبيلة أو بلدة أو صناعة أو نحو ذلك.

стр. 41

٣- فصل فيمن اشتهر بلقب أو نحوه. ٤- فصل في المبهمات. وهذه الفصول تيسر الانتفاع بالكتاب تيسيرا عظيما في تسهيل الكشف على التراجم الاصلية، فضلا عن إيراد بعضهم مفردا في هذه الفصول. خامسا: رجع المزي إلى كثير من الموارد الاصلية التي لم يرجع إليها صاحب "الكمال" يعرف ذلك كل من يلقي نظرة على الكتابين، وكان لا بد للمزي أن يفعل ذلك بعد توسيعه لمادة الكتاب كل هذا التوسيع، فلم يكن ذلك ممكنا إلا بزيادة الموارد المعتمدة. سادسا: هذا فضلا عن زيادة التدقيق والتحقيق وبيان الأَوهام ومواطن الخلل في كل المادة التاريخية التي ذكرها عبد الغني في "الكمال"، فوضح سقيمها، ووثق ما اطمأن إليه، فأورده في كتابه الجديد. التهذيب ثلاثة أضعاف الكمال لقد أدت كل هذه الاضافات الاساسية إلى تضخم الكتاب تضخما كبيرا، فصار ثلاثة أضعاف "الكمال" تقريبا، وأصتبح يتكون من مئتين وخمسين جزءا حديثيا، فإذا علمنا أن الجزء الحديثي الذي كتبه المؤلف المزي بخطه يتكون من عشرين ورقة (أربعين صفحة) عرفنا أن المزي وضع كتابه في عشرة آلاف صفحة، في كل صفحة ٢١ سطرا، فضلا عما كتبه المؤلف من تحقيقات في حواشي نسخته. تفضيل التهذيب على الكمال في التنظيم نظم المزي كتابه تنظيما جديدا سواء أكان ذلك في هيكله العام أم في مادة كل ترجمة من التراجم، وابتدع أمورا تنظيمية في بعض

стр. 42

المواضع لم يسبق إليها من قبل، فوضع بذلك أساسا لكثير من الكتب اللاحقة، وإليك مجمل ذلك على وجه الاختصار: أولا: كان صاحب الكمال قد أفرد الصحابة عن باقي المترجمين فذكرهم في أول كتابه، وذكر الرجال منهم ثم النساء ثم اتبعهم بمن بعدهم. أما المزي قد ذكر الجميع على نسق واحد، وابتدأ بالرجال منهم، فوضع الصحابة في مواضعهم من التراجم، ورتب الجميع على حروف المعجم المشرقية في أسمائهم وأسماء آبائهم وأجدادهم، لكنه بدأ في حرف الالف بالأحمدين، وفي حرف الميم بالمحمدين لشرف هذين الاسمين، وهي سنة اتبعها كثير من المؤلفين في الرجال والتراجم قبله. ثم رتب في نهاية الأَسماء فصول الكنى والانساب والالقاب والمبهمات على حروف المعجم أيضا. وجعل النساء في آخر كتابه ورتبهم على الترتيب المذكور في الأَسماء والكنى والانساب والالقاب والمبهمات. وقد ذكر المزي في مقدمته سبب خلطه الصحابة بغيرهم من المترجمين خلافا لصاحب "الكمال" فقال: لان الصحابي ربما روى عن صحابي آخر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فيظنه من لا خبرة له تابعيا فيطلبه في أسماء التابعين فلا يجده، وربما روى التابعي حديثًا مُرْسلاً عن النَّبِيّ ﷺ فيظنه من لا خبرة لا صحابيا، فيطلبه في أسماء الصحابة فلا يجده، وربما تكرر ذكر الصحابي في أسماء الصحابة وفيمن بعدهم، وربما ذكر الصحابي الراوي عن غير النَّبِيّ ﷺ في غير الصحابة، وربما ذكر التابعي المرسل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في الصحابة، فإذا ذكر الجميع على نسق واحد، زال ذلك المحذور وذكر في ترجمة كل إنسان منهم ما يكشف عن حاله إن كان صحابيا أو غير صحابي. ثانيا: وعمل المزي إحالات للاسماء الواردة في كتابه بحسب شهرته أو وروده في كتب الحديث، وجعل كثيرا من هذه الاحالات في

стр. 43

صلب كتابه، كما أفاد من فصول الكنى والانساب والالقاب والمبهمات في عمل الاحالات، وهي فهارس قلما نجدها في عصرنا الحديث هذا لصعوبتها، فسهل بذلك على الناظرين في كتابه والمستفيدين منه. ثالثا: ثم فرق المزي الأَسماء التي أضافها إلى تراجم "الكمال" بعلامة تفرزها، فكتب الاسم واسم الاب، أو ما يجري مجراه باللون الاحمر, واقتصر في تراجم الاصل على كتابة الاسم الاول حسب باللون الاحمر. رابعا: وأعاد المزي تنظيم الترجمة الواحدة ولا سيما شيوخ المترجم والرواة عنه بعد أن زاد فيهم زيادة كبيرة فاقت الاصل في معظم الاحيان عدة مرات. فنظم شيوخ المترجم على حروف المعجم على نحو ترتيب الأَسماء في الاصل، ورتب الرواه عنه على ذلك النحو أيضا، فسهل للمطالع العجل الوقوف على بغيته، وما أظن أحدًا سبقه إلى هذا الابتداع المفيد في حين قبله الكثير ممن جاء بعده، فساروا على نهجه. خامسا: وجعل المزي لكل مصنف علامة مختصرة تدل عليه، وهي سبع وعشرون علامة، منها ست علامات للاصول الستة، وعلامة لما اتفق عليه الستة، وعلامة لما اتفق عليه أصحاب السنن الأربعة، وتسع عشرة علامة لمؤلفات أصحاب الستة الاخرى بينها في مقدمته. وقد كتب هذه العلامات فوق كل اسم من أسماء المترجمين وجعلها باللون الأسود بسبب كتابته الاسم باللون الاحمر، وبذلك يستطيع الناظر إلى الترجمة معرفة من أخرج له من هؤلاء الأئمة، وفي أي كتاب من هذه الكتب أخرجوا له عند أول نظرة تقع على اسم المترجم. ولم يكتف بتلك الرموز، بل نص على معانيها نصا صريحا عند انقضاء

стр. 44

الترجمة أو قبل ذلك على حسب ما تقتضيه الحال دفعا لاي التباس. وزاد الحافظ المزي في التدقيق، فوضع رقوما (علامات) ، كما ذكرنا سابقا، فوق كثير من أسماء شيوخ صاحب الترجمة، أو الرواة عنه باللون الاحمر ليعرف الناظر إليها في أي كتاب من تلك الكتب وقعت روايته عن ذلك الاسم المرقوم عليه، ورواية ذلك الاسم المرقوم عليه عنه، ثم ذكر بعد ذلك في تراجمهم روايتهم عنه أو روايته عنهم، وبذلك صارت كل ترجمة من تراجم الكتاب شاهدة للاخرى بالصحة، والاخرى شاهدة لها بذلك أيضا. ودقق بعد ذلك تدقيقا عظيما ذكره مفصلا في مقدمته. وهذا عمل من اختراعه وابتداعه ما أظن يستطيع عمله من غير استعانة بأحدث الآلات الحاسبة المحللة في العصر الحديث (الكومبيوتر) ، وهو أمر يكفي وحده لتفصيله على سابقيه ولاحقيه. عظمة تهذيب الكمال من أجل كل هذا الذي قدمنا أصبح كتاب"تهذيب الكمال"أعظم كتاب في موضوعه غير مدافع، قال الصلاح الصفدي (ت ٧٦٤) : وصنف كتاب تهذيب الكمال في أربعة عشر مجلدا كسف به الكتب المتقدمة في هذا الشأن، وسارت به الركبان، واشتهر في حياته (١) ". وَقَال تاج الدين السبكي (ت ١٧٧١) : وصنف تهذيب الكمال المجمع على أنه لم يصنف مثله (٢) "، وَقَال ابن تغري بردي: وهو في غاية الحسن في معناه (٣) "، بل قال العلامة علاء الدين مغلطاي

стр. 45

الحنفي (ت ٧٦٢) بعد أن كتب كل ذلك النقد الطويل عليه إنه: كتاب عظيم الفوائد، جم الفرائد، لم يصنف في نوعه مثله..لان مؤلفه أبدع فيما وضع، ونهج للناس منهجا لم يشرع". وَقَال أيضا: وقد صار كتاب التهذيب حكما بين طائفتي المحدثين والفقهاء إذا اختلفوا قالوا: بيننا وبينكم كتاب المزي (٢) ". فانظر إلى هذه المرتبة العظيمة التي وصل إليها كتاب"التهذيب"بعد أن أجمع جهابذة الفن على عظمته وفضله على جميع الكتب التي من بابته.

стр. 46

الفصل الثالث عناية العلماء بتهذيب الكمال المختصرون والمستدركون قد بينا فيما سبق أن"التهذيب"أصبح من أعظم الكتب المؤلفة في فنه وأنه فاق جميع المتقدمين المؤلفين في هذا الباب بما تضمنه من سعة في المادة، وتنظيم دقيق في أساليب العرض فضلا عن التدقيق والتمحيص، لذلك تناوله جملة من الحفاظ والعلماء المعنيين بهذا الفن استدراكا أو تعقيبا أو تلخيصا، أو أساسا لكتب أخرى. وعلى العكس من ذلك لم نجد بعد ظهور"التهذيب"من عني بكتاب "الكمال" للحافظ عبد الغني مما يشير إلى أفول نجمه، وانعدام أهميته، وإليك من عني بهذا الكتاب منقذ عصر المؤلف على وجه الاختصار: رافع السلامي"٧١٨ ٦٦٨": جمال الدين أبو محمد رافع بن أَبي محمد هجرس بن شافع السلامي. ولد في أواخر سنة ٦٦٨ أو أوائل سنة ٦٦٩، وعني بالحديث والقراءات، وقرأ ونسخ وسمع (تهذيب الكمال) على مؤلفه وأحضر ولده محمد بن رافع صاحب كتاب (الوفيات) فسمعه معه، وكان محدثا زاهدا مقرئا صالحا أعاد ببعض المدارس، وولي عقود الانكحة، وتوفي في ذي الحجة سنة ٧١٨ (١) .

стр. 47

له كتاب"الكنى المختصر من تهذيب الكمال في أسماء الرجال": اختصر فيه القسم الاخير من (تهذيب الكمال) الخاص بالكنى، وقفنا على نسخة منه بخطه، قال في أولها: الحمدلله وسلام على عباده الذين اصطفى. هذا كتاب مختصر من كتاب الكنى من تهذيب الكمال في أسماء الرجال، يشتمل على ذكر المشهورين بالكنى ممن أخرج حديثه الأئمة الستة في كتبهم الستة وغيرها من مصنفاتهم المذكور أسماء رجالها في الكتاب المذكور..ذكرنا ذلك على ترتيب حروف المعجم مبتدئين بالاول فالاول من الحروف، وسمينا من عرفنا اسمه منهم، وأشرنا إلى بعض ما وقع في ذلك من الخلاف، ولم نذكر ممن رووا عنه وروى عنهم في الغالب سوى راو واحد، وربما ذكرنا الحديث الذي رواه صاحب الترجمة، ومن كان من الصحابة لم ندكر عمن روى في الغالب، لان عامة رواية الصحابي إنما هي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وما ليس عليه علامة، فمنهم من فيه خلاف، ومنهم من فيه إشكال ومنهم من له ذكر في بعض هذه الكتب من غير رواية، فمن أراد الوقوف على ذلك على طريق الاستقصاء، فلينظر في الاصل المختصر هذا منه. وجاء في آخره: فرغ في ليلة التاسع من ذي القعدة سنة سبع وسبع مئة بدرب الملوخية من القاهرة المعزية، علقه لنفسه رافع بن أَبي محمد بن محمد (١) ". قال بشار: وهذا يدل على أنه اختصره من المسودة، وإلا فإن المزي لم يكمل تبييض الكتاب إلا في أواخر سنة (٧١٢) .

стр. 48

الذهبي (٧٤٨ ٦٧٣) عني الإمام شمس الدين أَبُو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بْن أحمد الذهبي (١) بكتاب"التهذيب"فاستوعب معظم تراجمه في كتابه الحافل"تاريخ الاسلام (٢) "، واختصر من التهذيب أربعة كتب هي: ١- تذهيب التهذيب وقد حافظ فيه على ترتيب الاصل، وأضاف إلى مختصره ما رآه حريا بالاضافة، وعلق على كثير من تراجم الاصل من حيث الرواية وضبط الأَسماء والوفيات وبعض أقوال العلماء في المترجمين (٣) ، وكان الانتهاء من الاختصار في سنة ٧١٩ واستغرق ثمانية أشهر، وكما صرح به في آخر النسخة. وقام صفي الدين أَحْمَد بْن عَبد اللَّهِ بْن أَبي الخير بن عبد العليم

стр. 49

الخزرجي الأَنْصارِيّ سنة ٩٢٣ بتلخيصه بكتابه المعروف"خلاصة تذهيب الكمال في أسماء الرجال (١) "، وفائدته أنه قيد بعض الأَسماء بالحروف. (٢) الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة (٢) : قال الذهبي في مقدمته: هذا مختصر نافع في رجال الكتب الستة: الصحيحين والسنن الأربعة، مقتضب من تهذيب الكمال لشيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي، اقتصرت فيه على ذكر من له رواية في الكتب، دون باقي تلك التواليف التي في "التهذيب"، ودون من ذكر للتمييز أو كرر للتنبيه. "وجاء في آخر نسخة التيمورية (رقم ١٩٣٥ تاريخ) وهي بخط الذهبي: إنه فرغ من اختصاره بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ السابع والعشرين من شهر رمضان سنة ٧٢٠. ذكره الصفدي والبكي والزركشي والعيني وسبط ابن حجر والسخاوي. وقد مر بنا أن الإمام الذهبي اختصر التهذيب في كتابه"التهذيب"، وذكر الصفدي (٣) والسبكي (٤) وابن تغري بردي (٥) وابن العماد (٦) أن الذهبي اختصر كتاب الكاشف من"التذهيب"وهو وهم منهم، حيث صرح الذهبي في مقدمته أنه اختصره من الاصل، أعني من"تهذيب الكمال"، فضلا عن أن كتاب"الكاشف"اقتصر على

стр. 50

رجل الكتب الستة في حين كان"التذهيب"كأصله، قد شمل رجال الكتب الستة وغيرها من التواليف. احتل كتاب"الكاشف"مكانة مميزة بين كتب الذهبي، على الرغم من أنه جاء في عشر الكتاب الاصلي (١) ، بحيث قال فيه التاج السبكي: إنه مجلد نفيس (٢) . ثم وجدنا العلماء يعنون به، بل أشار الحافظ ابن حجر في مقدمة"تهذيب التهذيب"إلى أن الناس صاروا يعتمدون"الكاشف"في هذا الفن، ونتيجة لاهمية كتاب"الكاشف"فقد ذيل عليه واحد من كبار العلماء هو أبو زُرْعَة أحمد بن عَبد الرحيم العراقي المتوفى سنة (٨٢٦) وذكر تقي الدين بن فهد هذا الذيل (٣) ورأيت أنا نسخة منه (٤) . كما أن لابراهيم بن محمد بن خليل الطرابلسي ثم الحلبي المعروف بسبط ابن العجمي المتوفى سنة (٨٤١) حواشي عليه (٥) . واعتمد على"الكاشف"كثيرا شرف الدين الحسين بْن مُحَمَّد بْن عَبد الله الطيبي المتوفى سنة (٧٤٣) حينما ألف كتابه في: أسماء الرجال" (٦) .

стр. 51

٣- المجرد من تهذيب الكمال ذكره السبكي (١) وسبط ابن حجر (٢) وحاجي خليفة (٣) والبغدادي (٤) ، واقتصر فيه على رجال الكتب الستة أيضا دون التواليف الاخرى، لكنه رتبه على الطبقات فجعله في عشر طبقات، ثم رتب رجال كل طبقة على حروف المعجم (٥) . ٤- المقتضب من تهذيب الكمال قال شمس الدين السخاوي: وللذهبي أسماء من أخرج لهم أصحاب الكتب الستة في تواليفهم سواها ممن لم يذكرهم في الكاشف" (٦) . فالذي يفهم من نص السخاوي أن الذهبي اختصر كتابا آخر من تهذيب الكمال خاصا بأسماء رجال مؤلفات أصحاب الكتب الستة الاخرى، لذلك فهو لا علاقة له بكتابي"الكاشف"و"المجرد"اللذين مر ذكرهما. وقد ذكره البغدادي بالعنوان الذي ذكرناه (٧) .

стр. 52

الاندرشي (بعد ٧٥٠ ٦٩٠) أبو العباس أحمد بن سعد بن محمد بن أحمد الغساني العسكري الاندرشي الصوفي. قدم المشرق فحج واستوطن دمشق، وسمع من القاسم ابن عساكر، ودرس العربية على أثير الدين أبي حيان النحوي، فبرع في النحو، وكان زاهدا منجمعا عن الناس (٢٥) . ذكره الذهبي في المعجم المختص، وَقَال: إنه نسخ"تهذيب الكمال"كله واختصرة (٢٦) . وذكر مختصره هذا السيوطي (٢٧) وحاجي خليفة (٢٨) . وذكر حاجي خليفة أيضا أن للسيوطي (ت ٩١١) زوائد عليه. علاء الدين مغلطاي (٧٦٢ ٦٨٩) علاء الدين أبو عبد الله مغلطاي بن قليج بن عَبد الله البكجري الحنفي. ولد بالقاهرة، وسمع بها جملة من مشايخ عصره، منهم: التاج أحمد بن دقيق العيد، والواني، والختني، والدبوسي، وغيرهم، وتخرج بابن سيد الناس اليعُمَري. ورحل إلى دمشق، فسمع بها على شيوخ العصر، وبرع في الحديث والانساب. وولي التدريس بعدة مدارس بمصر منها المدرسة الظاهرية (٢٩) ، وليها بعد شيخه ابن سيد الناس، فتحامل الناس عليه بسبب ذلك، وتكلموا فيه من أجل ادعائه سماع بعض من لا يحتمل سماعه منهم، وهي مسألة أكثروا الكلام فيها، والظاهر أن وراءها دوافع أخرى.

стр. 53

ويبدو لنا أن علاء الدين مغلطاي صرف جل عنايته لدراسة المؤلفات السابقة ونقدها، وأولع بالرد والاستدراك عليها، ساعده على ذلك كثرة اطلاعه ودأبه وتوافر الكتب والمصادر الكثيرة لديه (١) ، فقد ذيل على"إكمال الاكمال"للحافظ ابن نقطة البغدادي (ت ٦٢٩) ، و"تكملة إكمال الاكمال"لابي حامد ابن الصابوني (ت ٦٨٠) ، و"الذيل"على كتاب ابن نقطة الذي ألفه منصور بن سليم الاسكندراني (ت ٦٧٣) ، كما ذيل على كتاب الضعفاء لابن الجوزي (ت ٥٩٧) ، ووضع شيئا على"الروض الانف"للسهيلي (ت ٥٨١) (٢) ، وَقَال الشهاب ابن رجب: وعدة تصانيفه نحو المئة أو أزيد، وله مآخذ على أهل اللغة وعلى كثير من المحدثين" (٣) . ومن هذا المنطلق عني علاء الدين مغلطاي بالكتابين العظيمين اللذين ألفهما المزي، وهما: تحفة الاشراف، وتهذيب الكمال، فكتب كتابا في "أوهام الاطراف" (٤) ثم كتب كتابه العظيم"إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (٥) . ذكر مغلطاي في مقدمة كتابه أن استدراكه هذا لا ينقص من قيمة كتاب المزي وأهميته، وَقَال: ومعتقدي أن لو كان الشيخ حيا لرحب بهذا الاكمال". وذكر عظمة كتاب المزي ومنزلته، ثم أخذ عليه جملة أمور من أبرزها: ١- ذكره أشياء لا حاجه إليها مثل الأسانيد التي يذكرها من باب العلو أو الموافقات أو نحو ذلك.

стр. 54

٢- ذكره للترجمة النبوية وأخذه معظم ما ذكره فيها من كتاب أَبِي عُمَر بْن عَبد الْبَرِّ. ٣- إيراد بعض أخبار المترجمين مما لا ينفع في بيان أحوالهم في التوثيق أو التجريح. ٤- محاولة المزي استيعاب شيوخ صاحب الترجمة والرواة عنه، مع أن الاحاطة بذلك متعذرة لا سبيل إليها. ٥- مسامحة المزي لصاحب "الكمال" في بعض المواضع التي لم يرد عليه فيها. ونتيجة دراستنا لكتاب مغلطاي يمكننا تلخيص منهجه بما يأتي: ١- ترك نقد المقدمة، وابتدأ بالأَسماء مباشرة. ٢- أورد اسم المترجم كما ذكره المزي، ثم أورد تعليقاته على الترجمة، وتتكون هذه التعليقات من نقول كثيره عن المصادر السابقة فيها الغث والسمين مما يتفق مع ما ذكره المزي فيؤيده، أو يختلف عنه، وقلما ترك ترجمة من غير تعليق. ٣- أعاد تدقيق جميع النصوص التي أوردها المزي في كتابه، وتكلم على أدنى اختلاف فيما نقله، وهو أمر ليس باليسير، فكأنه بذلك أعاد تحقيق مادة الكتاب. ٤- عني بإيراد المزيد من التوثيق والتجريح، ورجع إلى مصادر كثيرة جدا، وعني بذلك عناية فائقة أبانت عن علمه ومعرفته بالكتب، لكن النتيجة لم تكن لتخرج في الاغلب عما ذكر المزي من حال المترجم له سوى زيادة التوثيق أو التجريح. ٥- عني بضبط كثير من الأَسماء والانساب، وأورد ما يوافق

стр. 55

المؤلف وما يخالفه في هذا الباب، معتمدا في ذلك عددا كبيرا من المصادر. ٦- استدرك على المؤلف بعض ما فاته من المترجمين، وأكثر ما استدرك عليه في "التمييز"وهي الأَسماء التي تتفق مع أسماء المترجم لهم في هذا الكتاب ومن أهل عصرهم. ابتدأ مغلطاي بتأليف مسودة كتابه في منتصف سنة (٧٤٤) وأطال النفس فيه، فجاء في حجم كتاب المزي تقريبا في أربعة عشر مجلدا (١) . وقد توهم الكثيرون، فظنوا أن المزي لم يكمل كتابه، فأكمله مغلطاي. دفعهم إلى هذه المقالة ما يوهمه اسم الكتاب وما ذكره حاجي خليفة في "كشف الظنون"وعدم دراستهم للكتابين والله أعلم (٢) . إن أغلب المادة التاريخية التي أوردها مغلطاي هي مادة إضافية أعتقد جازما أن المؤلف المزي كان عارفا بأكثرها، ولكنه لم يوردها من أجل أن لا يطول كتابه. والحق أن المزي قد أشار في مقدمة كتابه على

стр. 56

من يريد زيادة الاطلاع ضرورة مراجعة"طبقات ابن سعد"و"تاريخ ابن أَبي خيثمة"و "الثقات" لابن حبان، و"تاريخ مصر"لابن يونس، و"تاريخ نيسابور"للحاكم، و"تاريخ أصبهان"لابي نعيم باعتبارها أمهات الكتب المصنفة في هذا الفن (١) . وقد نقل مغلطاي من هذه الكتب وأمثالها كثيرا مما استدرك به على المزي، لذلك قال زين الدين ابن رجب: وغالب ذلك لا يرد على المزي" (٢) . ومع ذلك فإن إضافته من هذه الكتب ومن عشرات غيرها نقلت إلينا ثروة تاريخية كادت تضيع لولا ما نقل هو وأمثاله، بسبب ضياع كثير من أصولها. وحين انتهى مغلطاي من استدراكه هذا اختصره في مجلدين مقتصرا فيه على المواضع التي ظن أن الحافظ المزي غلط فيها، قال ابن حجر: واختصره مقتصرا على الاعتراضات على المزي في نحو مجلدين" (٣) وَقَال ابن فهد المكي، وهو يعدد بعض كتب مغلطاي: وكتاب ذيل به على تهذيب الكمال للمزي وفيه فوائد، غير أن فيه تعصبا كثيرا في أربعة عشر مجلدا ثم اختصره في مجلدين مقتصرا فيه على المواضع التي زعم أن الحافظ المزي غلط فيها، وأكثر ما غلطه فيه لا يرد عليه، وفي بعضه كان الغلط منه هو فيها" (٤) ، وسمى السيوطي هذا المختصر"أوهام التهذيب" (٥) . ثم ذكر ابن حجر وابن فهد أنه اختصر المختصر في مجلد لطيف (٦) . ويبدو لنا أن الكتاب قد اشتهر منذ فترة مبكرة، وأثار جدلا عند المعنيين بهذا الفن، فقد حمل التاج السبكي بعضا مما ظنه الحافظ

стр. 57

مغلطاي وهما من المزي من القاهرة إلى دمشق، وأعطاه لوالده ليتثبت منه، قال: وهذه مواقف استدركها بعض محدثي العصر بديار مصر، وهو الشيخ علاء الدين مغلطاي شيخ الحديث بالمدرسة الظاهرية بالقاهرة، وانتقاها مما استدركه على كتاب تهذيب الكمال لشيخنا المزي، وحضرت معي إلى دمشق لما جئت من القاهرة في سنة أربع وخمسين وسبع مئة لاسأل عنها الشيخ الإمام الوالد، فأجاب عنها ﵀، وقد كتبتها من خطه، قال ﵀: أسئلة وردت من الديار المِصْرِية مع ولدي عبد الوهاب في الثامن والعشرين من جمادي الأولى سنة أربع وخمسين وسبع مئة.." (١) ثم أورد التاج السبكي الاجوبة (٢) وكان قال قبل ذلك في ترجمة والده وهو يعدد مصنفاته: أجوبة سؤالات أرسلت إليه من مصر، حديثية، أوردها بعض المشايخ على كتاب تهذيب الكمال للحافظ المزي" (٣) . ومهما يكن من أمر، فإن ما كتبه مغلطاي من نقد وفر مادة تاريخية لجميع الذين جاؤوا بعده ممن عني باختصار"التهذيب"أو الاستدراك عليه ولاسيما سراج الدين ابن الملقن"ت ٨٠٤"في إكماله، والحافظ ابن حجر في مختصراته ولاسيما"تهذيب التهذيب"فإنه لم يستطع إلا أن يقول في مقدمته: وقد انتفعت في هذا الكتاب المختصر بالكتاب الذي جمعه الإمام العلامة علاء الدين مغلطاي على تهذيب الكمال مع عدم تقليدي له في شيء مما ينقله، وإنما استعنت به في العاجل، وكشفت الاصول التي عزا النقل إليها في الآجل، فما وافق أثبته. وما باين أهملته، فلو لم يكن في هذا المختصر إلا الجمع بين هذين الكتابين الكبيرين في حجم لطيف، لكان معنى مقصودا" (٤) .

стр. 58

نعم، كانت لمغلطاي أوهام لاسيما وهو من المكثرين، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رَسُول اللَّهِ ﷺ فكان ماذا؟ شمس الدين الحسيني (٦٧٥ ٧١٥) شمس الدين أبو المحاسن مُحَمَّد بْن علي بْن الْحَسَن بن حمزة الحسيني الدمشقي الشافعي. سمع من جماعة من الاعيان منهم المزي والذهبي. وكان ثقة ثبتا إماما مؤرخا حافظا، له مؤلفات كثيرة، وعني بكتاب"تحفة الاشراف"للمزي فاختصره (١) . التذكرة في رجال العشرة: اختصر فيه"تهذيب الكمال"لشيخه المزي، وحذف منه من ليس في الكتب الستة، وأضاف إليهم رجال أربعة كتب هي: الموطأ للامام مالك، والمسند للامام أحمد (٢) ، ومسند الشافعي، ومسند أبي حنيفة للحارثي. وذكر في مقدمته سبب إضافته لهذه الكتب الأربعة، وبين أن ذلك متأت من كون أصحابها هم الأئمة المقتدى بهم، وأن عمدتهم في استدلالهم لمذاهبهم في الغالب على ما رووه بأسًانيدهم في مسانيدهم المذكورة. ونسخ هذا الكتاب متوفرة في خزائن الكتب، وذكر العلامة المرحوم خير الدين الزركلي أنه رأى الملجد الثاني منه بخطه (٣) ، ووقفت أنا عليه (٤) .

стр. 59

عماد الدين ابن كثير (٧٧٤ ٧٠١) عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عُمَر بن كثير القرشي البصروي ثم الدمشقي العلامة الحافظ المحدث صهر الشيخ أبي الحجاج المزي وترجمته مشهورة، وتصانيفه معروفة مذكورة. له: "التكميل في الجرح والتعديل ومعرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل. جمع فيه بين "تهذيب الكمال"للمزي، و"ميزان الاعتدال"لشيخه الذهبي، مع زيادات وتحرير عليهما في الجرح والتعديل. وقفت على نسخة منه بدار الكتب المِصْرِية، وانتقيت منها بعض الفوائد (١) . ابن بردس البعلبكي (٧٨٦ ٧٢٠) عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن محمد بن بردس البعلبكي الحنبلي. ولد ببعلبك، ودرس على والده، وأبي الفتح اليونيني، وسمع جمعا من مسندي عصره، وحدث عنهم، واشتهر باختصاره لجملة من الكتب ونظمها (٢) . له: بغية الاريب في اختصار التهذيب: أكمل مسودته في المحرم سنة (٧٧٩) وهو اختصار ليس فيه

стр. 60

إضافات تذكر، ولم يحذف من رجال"التهذيب"أحدا لكنه حذف بعض أنساب المشهورين، وذكر الجرح والتعديل مختصرا، كما حذف الأسانيد (١) . ابن الملقن (٨٠٤ ٧٢٣) سراج الدين أبو علي عُمَر بن علي بن أحمد الأَنْصارِيّ الشافعي المعروف بابن الملقن، الإمام الكبير صاحب التصانيف المشهورة. أجازه المزي، وتخرج بالحافظ علاء الدين مغلطاي، وكان أكثر أهل عصره تصنيفا (٢) . له: إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال: اختصر فيه"التهذيب"مع التذييل عليه من رجال ستة كتب هي: مسند الإمام أحمد، وصحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان، والمستدرك للحاكم، والسنن للدارقطني، والسنن للبيهقي (٣) . سبط ابن العجمي (٨٤١ ٧٥٣) برهان الدين أبو الوفاء إبراهيم بن محمد بن خليل الطرابلسي الاصل، الحلبي المولد والدار والوفاة، الشافعي المعروف بسبط ابن العجمي حافظ حلب في زمانه (٤) . له:

стр. 61

نهاية السول في رواة الستة الاصول: قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: وقد زينه بالفوائد العلمية الحديثية النادرة، والضبوط المحررة الدقيقة للاسماء والكنى والالقاب والانساب والبلدان ونحوها..وقد رأيت في رحلتي إلى الهند وباكستان سنة (١٣٨٢) نسخة المؤلف التي كتبها بخط يده الناعم الدقيق الجميل في (٩٩٩) ورقة بالقطع الكبير، وفي مجلد واحد في مكتبة رضا في مدينة رامبور. ورقمها فيها (١٠١٩) "وذكر في آخرها أنه انتهى منه في سنة (٨٢٩) بحلب (١) . قلت: لم أوفق في الوقوف عليه، ولعله اعتمد فيه على"الكاشف"للذهبي فاتخذه أصلا، ثم أضاف إليه من عنده كما مر بنا عند كلامنا على"الكاشف. ابن قاضي شهبة (٨٥١ ٧٧٩) تقي الدين أبو بكر بن أحمد بن محمد المعروف بابن قاضي شهبة الأسدي الدمشقي صاحب التاريخ المشهور (٢) . ذكر حاجي خليفة أنه اختصر"تهذيب الكمال" (٣) . ولا أعرف عنه شيئا. ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ ٧٧٣) حافظ عصره شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي الكناني العسقلاني صاحب التصانيف المشهورة الذائعة الصيت. له:

стр. 62

أولا تهذيب التهذيب (١) : اختصر فيه"تهذيب الكمال"إلى نحو الثلث، وأبدى في مقدمته عدة ملاحظات على كتاب المزي من أبرزها: ١- طول الكتاب، بحيث قصرت الهمم عن تحصيله فتوجه الناس بسبب ذلك إلى"الكاشف". الذي امتازت تراجمه بالاختصار الشديد بحيث لا تفي بالغرض. ٢- خلو بعض تراجم"التهذيب"من بيان أحوالهم. ٣- محاولة المزي استيعاب شيوخ صاحب الترجمة واستيعاب الرواة عنه، وأنه بالرغم من تمكنه من ذلك في أغلب التراجم"لكنه شيء لا سبيل إلى استيعابه ولا حصره بسبب انتشار الروايات وكثرتها وتشعبها وسعتها، فوجد المتعنت بذلك سبيلا إلى الاستدراك على الشيخ بما لا فائدة جليلة ولا طائلة" (٢) . ٤- أنه أفرد"عمل اليوم والليلة"للنسائي عن"السنن"وهو من جملة كتاب السنن في رواية ابن الاحمر وابن سيار، وكذلك أفرد "خصائص علي"وهو من جملة المناقب في رواية ابن سيار. ولم يفرد"التفسير"وهو من رواية حمزة وحده، ولا كتاب"الملائكة"و"الاستعاذة"و"الطب"وغير ذلك، وقد تفرد بذلك راو دون راو عن النَّسَائي فما تبين لي وجه إفراده"الخصائص"و"عمل اليوم والليلة" (٣) .

стр. 63

أما منهجه في كتابه فيمكن إجماله على الوجه الآتي: ١- لم يحذف من رجال"التهذيب"أحدا، بل زاد فيهم من هو على شرطه، كما ذكر بعض التراجم التي تفيد للتمييز مما لم يذكره المزي، وحافظ على العلامات (الرقوم) التي وضعها المزي في الاصل مقتصرا على ما وضعه على أسماء المترجمين دون شيوخ صاحب الترجمة والرواة عنه أما الفصول التي ذكرها المزي في المقدمة وهي التي في شروط الأئمة الستة وفي الحث على الرواية عن الثقات وفي الترجمة النبوية، فقد حذفها في مختصره، لوجود مادتها في الكتب المعينة بذلك. ٢- أعاد التراجم التي حذفها المزي من أصل "الكمال"، والتي كان الحافظ عبد الغني قد ذكرها بناء على أن بعض الستة أخرج لهم، وكان المزي قد حذفهم بسبب عدم وقوفه على روايتهم في شيء من الكتب الستة. وذكر ابن حجر أن ذكرهم على الاحتمال أكثر فائدة من حذفهم، ونبه على ما في تراجمهم من عوز، أو عند وقوفه عند روايتهم في الكتب المذكورة. ٣- أما في صياغة الترجمة فقد سار على النهج الآتي: أ- حذف من الترجمة جميع الاحاديث التي خرجها المزي من مروياته العالية من الموافقات والابدال وغير ذلك من أنواع العلو. ب- اقتصر من شيوخ المترجم ومن الرواة عنه على الاشهر والاحفظ والمعروف، وحذف الباقين، إذا كان المترجم من المكثرين وإن كانت الترجمة متوسطة اقتصر على ذكر الشيوخ والرواة الذين عليهم علامة في الاغلب، وإن كانت طويلة اقتصر على من عليه علامة البخاري ومسلم، مع ذكر جماعة غيرهم. أما إذا كانت الترجمة قصيرة فإنه لم يحذف منها شيئا في الاغلب.

стр. 64

ج- لم يلتزم بنهج المزي في ترتيب شيوخ صاحب الترجمة والرواة عنه على حروف المعجم، لان ذلك يؤدي حسب قوله إلى"تقديم الصغير على الكبير"، بل ذكر في أول الترجمة أكثر شيوخ الرجل، وأسندهم، وأحفظهم، إن تيسر له معرفة ذلك، إلا أن يكون للرجل ابن أو قريب فإنه كان يقدمه في الذكر، وحرص أن يختم الرواة عن صاحب الترجمة بمن وصف بأنه آخر من روى عنه، وربما صرح بذلك. د- حذف من الترجمة أغلب الاخبار التي لا تدل على توثيق، ولا على تجريح، واقتصر على ما يفيد ذلك. هـ- حذف كثيرا من الاختلافات المذكورة في وفاة المترجم. و ميز إضافاته على الترجمة أو تصحيحاته بلفظة: (قلت) وجعلها في آخر الترجمة، وأكثر إضافاته ما يفيد التوثيق أو التجريح. وقد انتفع ابن حجر بالمؤلفات التي سبقته مما وضع على"التهذيب"استداركا أو اختصارا، ولا سيما"تذهيب التهذيب"للامام الذهبي و"إكمال تهذيب الكمال"للعلامة علاء الدين مغلطاي. والحق أن معظم ما أضافه ابن حجر من توثيق أو تجريح أو اختلاف في الوفيات، أو استدارك في التراجم، سواء أكانت من التراجم التي هي من شرط المزي، وهي قليلة، أم للتمييز، قد أخذها من كتاب مغلطاي بالدرجة الاولى، وعليه كان اعتماده، لكنه انتقى منه ما وجده مهما حريا بالذكر فذكره، وأهمل الباقي فأسقطه، وإن إضافاته الشخصية كانت قليلة جدا. ثانيا تقريب التهذيب: ثم اختصر الحافظ ابن حجر كتابه هذا بكتاب صغير في مجلدين سماه"تقريب التهذيب"اقتصر فيه على اسم المترجم مختصرا ودرجة

стр. 65

توثيقه وطبقته والعلامات التي ذكرها له المزي، وقيد بعض الأَسماء والانساب والكنى بالحروف (١) . ومما تجدر الاشارة إليه أن ابن حجر أفاد من"تهذيب الكمال"في جميع المؤلفات التي وضعها مما يتعلق بهذا الفن. تقي الدين ابن فهد (٨٧١ ٧٨٧) تقي الدين أبو الفضل مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بن فهد الهاشمي المكي الشافعي. ولد بمصر، وتوفي بمكة، واشتهر بتصانيفه الكثيرة الماتعة (٢) . قال في كتابه"لحظ الالحاظ"عند الكلام على"تهذيب التهذيب"لابن حجر: وهو يشتمل على اختصار تهذيب الكمال للمزي مع زيادات كثيرة عليه تقرب من ثلث المختصر، دمجتها مع زيادات الذهبي في "تذهيبه"وما زدته في التهذيب في كتابه"نهاية التقريب وتكميل التهذيب بالتذهيب (٣) ". وَقَال الشمس السخاوي: وجمع بين المزي وشيخنا بنصهما معزيادات، التقي بن فهد وسماه: نهاية التقريب وتكميل التهذيب بالتذهيب"، وذكر أنه كتاب حافل لو ضم إليه ما عند مغلطاي من الزوائد في مشايخ الراوي والآخذين عنه، لكنه اعتذر بعدم وصول كتاب مغلطاي إلى مكة إذ ذاك (٤) . وقد أصبح"تهذيب الكمال"إلى كل ذلك مصدرا لجميع المؤلفين في هذا الفن الجليل طوال العصور اللاحقة، فإنه قلما وجدنا

стр. 66

كتابا ألف في موضوعه لم يتخذه مصدرا رئيسا، ثم صار بعد ذلك معيارا وحدا فاصلا لكثير من المؤلفات، فحينما ذيل الحافظ زين الدين أبو الفضل عَبد الرحيم العراقي (ت ٨٠٦) على"ميزان"الذهبي ذكر ابن حجر أن معظم هذا الذيل مأخوذ من"تهذيب الكمال"للمزي (١) . وحينما وضع ابن حجر نفسه"لسان الميزان"ذكر أنه اعتمد فيه"ميزان"الذهبي بعد أن حذف منه"من أخرج له الأئمة الستة في كتبهم أو بعضهم، فلما ظهر لي ذلك استخرت الله، وكتبت منه ما ليس في تهذيب الكمال (٢) ". وجمع أحدهم"الثقات من تهذيب الكمال (٣) "وهلم جرا..

стр. 67

الفصل الرابع منهجنا في تحقيق تهذيب الكمال كثرة نسخ التهذيب الخطية: بدأ المزي في وضع كتابه في صيغته النهائية منذ مطلع سنة (٧٠٥) للهجرة، وبدأ يحدث به منذ سنة (٧٠٦) (١) على الرغم من أنه لم يتمه إلا في أواخر سنة (٧١٢) (٢) ، فجاء في أربعة عشر مجلدا بخطه (٣) . وقد طال عُمَر المزي، ومتعه الله بالصحة الجيدة، وصحة الحواس إلى آخر عُمَره، واشتهر كتابه في حياته، وسارت به الركبان، فحدث بكتابه خمس مرات (٤) بين سنة (٧٠٦) وسنة (٧٤٢) ، فسمع الكتاب عليه خلال هذه الستة والثلاثين عاما عدد كبير من المعنيين بهذا الشأن، واجتهدوا في تثبيت خطه على نسخهم. ثم نال هذا الكتاب طوال القرون التالية منزلة رفيعة جعلته من أوائل الكتب التي يسعى أصحاب الخزائن إلى استنساخه واقتنائه. لكل هذه الاسباب توافرت نسخ هذا الكتاب، وانتشرت في بقاع الدنيا. فقلما نجد خزانة نفيسة من خزائن الكتب العالمية تخلو من

стр. 68

مجلد أو مجلدات من هذا الكتاب العظيم، فضلا عما فيها من كتب اختصرت التهذيب، أو استدركت عليه. ومن سعادة المزي، وسعادة التراث العربي الاسلامي أن نجد اليوم في خزائن الكتب عددا من المجلدات بخط المؤلف نفسه في أعظم مركزين للمخطوطات في العالم وهما: استانبول والقاهرة، وعلى هذه المجلدات طباق السماعات مما سنصفه في صدر هذا المجلد والمجلدات الآتية بعون الله. وقد يسر الله لي بحمده ومنه عددا من نسخ هذا الكتاب صورتها في رحلاتي المتعددة، وأودعتها خزانة كتبي، ومنها قسم بخط المؤلف المزي ﵀ إذ كنت قد كلفت بهذا الكتاب النفيس منذ فترة ليست بالقصيرة. نسخة ابن المهندس: وقد تبين لي بعد دراسة العديد من النسخ أن من أحسن النسخ التي نسخت عن نسخة المؤلف وقوبلت عليه هي النسخة التي نسخها الإمام المحدث المفيد العدل الكبير شمس الدين أَبُو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بْن إبراهيم بن غنائم المعروف بابن المهندس الصالحي الحنفي الشروطي (٧٣٣ ٦٦٥) (١) . كان ابن المهندس عالما فاضلا، سمع على شيوخ عصره، ورحل فِي طلب العلم إِلَى حلب ومصر، وحج مرات، وزار القدس الشريف، وسمع في كل تلك البلاد، وحصل تحصيلا كثيرا. وكان من أعيان الشهود العدول، لازم الشهادة وكتابة الشروط مدة طويلة، وولي

стр. 69

مشيخة الحديث بمشهد ابن عروة، ومشيخة الحديث بالتربة الكاملية الصلاحية بالصالحية، وأخذ عنه فضلاء العلماء، منهم: عز الدين ابن جماعة الكناني، وعلم الدين البرزالي، وإمام المؤرخين شمس الدين الذهبي، وتقي الدين بن رافع السلامي، وغيرهم. قال علم الدين البرزالي: وكان رجلا فيه ديانة وخير ومحبة للعلم وأسمع جملة من مسموعاته، ورافقته في الحج، فرأيت فيه حرصا على العبادة والخير"وَقَال الذهبي في معجم شيوخه الكبير: محمد بن إبراهيم بن غنائم بن وافد العدل الفقيه المحدث المتقن شمس الدين أبو عَبد الله بن المهندس الصالحي الحنفي. ولد سنة خمس وستين وست مئة، وعني بهذا الشأن عناية جيدة، وكتب العالي والنازل، وسمع..وكان صحيح النقل، مليح الاصول..ونسخ الكتب الكبار، وشهد على القضاة، وتميز في الشروط، وفيه خير وتواضع واحتمال.." (١) . وذكر الذهبي أنه نسخ"تهذيب الكمال"مرتين (٢) . وقد وصلت إلينا نسخته الاولى وهي في اثنين وعشرين مجلدا (٣) ، كتبها عن نسخة المؤلف، في الفترة (٧١٥ ٧٠٦) وسمعها عليه بعد ذلك كما هو مثبت بخطه في كثير من الاجزاء التي وصلت إلينا من نسخة المؤلف المزي. اعتماد العلماء نسخة ابن المهندس: وقد أضحت نسخة ابن المهندس هي النسخة المعتمدة عند العلماء منذ عصر المؤلف وفي العصور التالية له، نظرا لدقتها وجودتها وصحة نقل ناسخها وسماعه على المؤلف، فقد تبين لي أن العلامة

стр. 70

علاء الدين مغلطاي قد اعتمدها في كتابه"إكمال تهذيب الكمال"وهو يستدرك على الحافظ المزي، قال في ترجمة أبي إسحاق أحمد بن إسحاق المطوعي السرماري وهو يتكلم على"سرمارة"التي نسب إليها: نسبة إلى قرية تدعى سرمارة بفتح السين وسكون الراء، ويُقال: بكسر السين فيما ذكر الحافظان الجياني وابن خلفون، وابن السمعاني يضم السين وكأنه معتمد المزي، لان المهندس ضم السين ضبطا عن الشيخ" (١) . كما اعتمدها العلامة تقي الدين السبكي (ت ٧٥٦) في رده على بعض ما استدركه مغلطاي على المزي، وهو مما حمله معه من مصر ابنه التاج عبد الوهاب صاحب الطبقات وسأل فيه والده (٢) : السؤال الثاني: قال: وَقَال أيضا (يعني مغلطاي) : عياض بْن حمار بْن أَبي حماري، واسمه: ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان، نسبه خليفة، كذا هو موجود بخط المهندس، وقرأته على الشيخ. والذي رأيت في كتاب الطبقات لخليفة المكتوب عن تلميذه أبي عِمْران عَنه: ابن أَبي حمار، بغير ياء..الجواب (يعني جواب التقي السبكي) (٣) : لفظ المزي في كتابه بخطه عندي: عياض بن حمار المجاشعي التميمي..له صحبة، وهو عياض بْن حمار بْن أَبي حمار بْن ناجية بن عقال بن محمد بْن سفيان بْن مجاشع، نسبه خليفة بن خياط. فالذي قاله المزي كما قاله غيره من الأئمة، ونسخة من قال خلاف ذلك غلط. وهذه الترجمة في الجزء الرابع والستين من تهذيب الكمال وقد سمعه المهندس بقراءة جمال الدين رافع كما قلناه" (٤)

стр. 71

نسختنا المعتمدة: قلنا سابقا: إن الحافظ المزي حدث بكتابه خمس مرات وإنه عاش مدة طويلة بعد الانتهاء من تأليفه، لذلك كنت حذرا الحذر كله وأنا أطالع النسخ، وأدرسها، وأقارن بينها خوفا من أن يكون الرجل قد غير في كتابه بعض ما وجده حريا بالتغيير كما هي عادة جمهرة من العلماء ممن سبقه أو عاصره (١) لكن الذي ظهر لي بعد طول التتبع أنه لم يقم بأي تغيير أو تبديل على المبيضة التي انتهى منها في عيد الاضحى سنة (٧١٢) ، وأنه اعتمدها إلى حين وفاته باستثناء بعض الاضافات والتعديلات اليسيرة جدا. ومن المعلوم في بدائه فن التحقيق أن نسخة المؤلف التي ارتضاها في آخر حياته تنسخ جميع النسخ، فلا تكون بعد ذلك قيمة لاية نسخة غيرها. وعلى هذا الاساس اعتمدت ما توفر لي من الكتاب بخط المؤلف واتخذته أصلا، وما عدا ذلك، فقد اعتمدت نسخة ابن المهندس"وقد اتخذنا هذا المجلد أصلا في المواضع التي لم يتضمنها المجلد الاول من نسخة المولف. واستعنا بالنسخ الاخرى

стр. 72

تدفعني إلى ذلك جملة دوافع: ١- إن ابن المهندس من أوائل الذين سمعوا الكتاب على مؤلفه، وأنه ابتدأ بنسخه منذ بدأ المزي يخرج المبيضة المعتمدة. وكان في وقت سماعه رجلا ناضجا عارفا بما يسمع. ٢- كان ابن المهندس من العلماء الفضلاء الفهماء ذوي العلم الرصين، والدين المتين، والضبط والاتقان، شهد له بذلك جهابذة العلماء مثل البرزالي والذهبي وابن حجر وغيرهم. ٣- ان نسخته كانت هي النسخة المعتمدة عند جماهير العلماء منذ عصر المؤلف. ٤- وإنه كان ناسخا محترفا صاحب خط جيد يسير فيه على قواعد الخط المعروفة قلما يخرج عنها. ٥- كان ابن المهندس يضيف ويعدل في نسخته بعض ما أضافه المزي أو عدله في نسخته الاصلية من إضافات أو تعديلات طفيفة حتى بعد الانتهاء من نسخها، وهو أمر نادر عند النساخ طيلة الاعصر، فمن ذلك مثلا أن المزي أضاف ترجمة جديدة إلى كتابه بعد الانتهاء من تبييضه وذلك في العاشر من جمادى الاولى سنة (٧١٣) هي ترجمة أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن هانئ أبي بكر الأثرم البغدادي الإسكافي، فنقلها ابن المهندس بورقة ملحقة في نسخته، ولم يكتف بذلك بل قرأها على المؤلف بعد ذلك بأربعة أيام فقط وكتب خطه في نهاية الورقة الملحقة بالسماع ونصه: قرأت هذه الترجمة على مصنفها الشيخ الإمام العالم الحافظ جمال الدين يوسف المزي أبقاه الله وسمعها ابنه محمد في يوم الخميس رابع عشر جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وسبع مئة، وكتب محمد ابن المهندس بدمشق".

стр. 73

٦ ولا أبالغ إذا قلت: إن نسخة ابن المهندس لا تقل أهمية عن نسخة المؤلف، بل ربما نجد فيها من الضبط مما لا نجده في نسخة المزي، وهو مما قيده على نسخته عند سماعه الكتاب على شيخه المزي. ومع ذلك سوف أصف في بداية كل مجلد من مطبوعنا النسخ التي اعتمدتها على وجه الاختصار. تنظيم النص وأهميته: وقد نظمت مادة الكتاب بما يفيد فهم النص فهما جيدا، ويظهر النقول والتعقيبات بصورة واضحة، وهي عملية ليست سهلة كما تبدو لاول وهلة، ذلك أن عدم معرفة انتهاء النقل عند عدم التصريح به تتطلب معرفة تامة بموارد الكتاب وطبيعتها، والرجوع إلى نصوصها الاصلية، ولم تكن المخطوطات القديمة تسير على منهج معين في تنظيم نص الكتاب، بل كانت تسردها بصورة متتالية، فيصعب بذلك عندئذ فهم الكتاب والافادة منه على وجه الصحة، لذا قمت بإعادة تنظيم بدء الفقرات، ووضعت النقط والفواصل اللازمة حسب ما تقتضيه المعاني. ترقيم التراجم: ووضعت أرقاما مسلسلة للتراجم الاصلية بغية تسهيل الرجوع إليها، والاحالة عليها بيسر، وأدخلت معها ما كتبه المؤلف للتمييز، أو ما ذكره وإن كان من أوهما صاحب "الكمال" ليرد عليه ممن لم يجد لهم المزي رواية عند أحد من أصحاب الكتب الستة، لانها تراجم كاملة. أما الأَسماء التي أوردها المؤلف"إحالة"ليترجم لهم فيما بعد، أو ليشير إلى الموضع الذي ترجم لهم فيه بأسمائهم الكاملة أو الصحيحة، فقد وضعت علامة فارقة تميزها"•"، ولم أنظمها في

стр. 74

سلك تسلسل التراجم كما فعل ناشر وبعض مختصرات التهذيب مثل"تهذيب التهذيب"لابن حرج و"تقريب التهذيب"له أيضا، أو غيرهما، لان المؤلف لم يقصد من ذكرهم غير التنبيه إلى ورود ترجمتهم في مكان آخر، وبذلك تخلصت من كثير من التراجم المكررة. وهذه الارقام وتلك العلامة لم تكن في أصل النص، فهما من عندي وضعتهما للتسهيل والتيسير. وضع علامات أصحاب الستة ومؤلفاتهم الاخرى: وكنا قد ذكرنا عند كلامنا على منهج التهذيب أن المؤلف المزي قد وضع علامات أصحاب الكتب الستة وعلامات مؤلفاتهم الاخرى التي ترجم لرواتها فوق الاسم الاول سواء أكان ذلك للمترجمين الاصليين أم لبعض شيوخهم والرواة عنهم ممن ذكرهم داخل الترجمة. أما نحن، فقد وضعنا هذه العلامات في بداية الترجمة وبعد الرقم المتسلسل في التراجم الاصلية، وبعد الاسم الكامل في أسماء شيوخ صاحب الترجمة والرواة عنه وحصرناها بين قوسين. رموزبعض ألفاظ التحمل: استعمل المؤلف مختصرات اعتاد المحدثون والنساخ استعمالها في الأسانيد من قديم الزمان وهلم جرا إلى أزمنة متأخرة، فاقتصروا على الرمز في بعض ألفاظ التحمل، فيكتبون من"حَدَّثَنَا"الثاء والنون والالف"ثنا"وقد تحذف الثاء ويقتصر على"نا"ويكتبون من"أخبرنا": أنا"أو"أبنا" (١٤) وربما حذفوا النقط من جميع ما ذكرنا، واقتصروا على الرسم، وهم إنما يفعلون ذلك لكثرة دوره في الإسناد، ويختصرونها خطا، ويثبتونها لفظا، لكننا رأينا كثيرا من طلبة العلم

стр. 75

يتلفظون بها كما هي مكتوبة، وهو خطأ مبين، فارتأينا اثباتها خطا دفعا لهذه الغائلة، ولقلة دورها في هذا الكتا ب (١) . انتساخى: ولابد لنا من التنويه بأننا قد غيرنا في رسم بعض الالفاظ، وهو ما يعرف في عصرنا بالاملاء. وقد اختلف الكتاب والنساخ في العصور الاسلامية وحتى هذا اليوم في رسم بعض الالفاظ والحروف واستعملوا صيغا متنوعة دفعا للالتباس من جهه وتسهيلا للنساخ العجلين من جهة أخرى، ولعدم وجود وحدة كتابية كالطباعة الحديثة عندنا تنظم هذه الامور. فمن ذلك مثلا رسم"ابن"تجد همزتها تارة محذوفة وموجودة تارة أخرى في الموضع الذي حذفت فيه، وأهل العربية مختلفون في ذلك اختلافا لا مزيد عليه. وقد حذفناها في جميع المواضع التي وقعت فيها بين علمين إلا في حالتين: الاولى عند مجيئها في أول السطر، والثانية عند وقوعها قبل الصفات المادحة والانساب ونحوهما مثل"الحافظ"و"الشيخ"و"العدل"و"الإمام"و"الرازي"و"النيسابوري"و"القرشي"وهلم جرا. ومن ذلك حذفهم الالف الوسطية من كثير من الأَسماء مثل"خالد"، و"الحارث"و"ابراهيم"و"سُلَيْمان"و"عثمان"و"اسحاق"و"عبد الرحمن"ونحوها، ولم نأخذ به. وكان المزي قد حذف عدة تراجم من أصل (الكمال) ممن ترجم لهم عبد الغني المقدسي بناءا على أن بعض أصحاب الكتب
следующие страницы →