Полный текст (82 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
هكذا كان الصالحون
لفضيلة الشيخ العالم
خالد عبد الرحمن الحسينان
- حفظه الله ورعاه -
стр. 2
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد:
ما أحوجنا في هذا الزمن إلى التعرف على أحوال الصالحين وأخبار العابدين وسيرة العلماء الربانيين العاملين، فإن النظر إلى صفاتهم والتعرف على أخبارهم والاطلاع على أحوالهم لها فوائد منها:
١ - تقوية العزيمة وشحذ الهمة في الوصول إلى ما وصل إليه هؤلاء الأخيار.
٢ - النظر إلى النفس بازدراء ونقص.
٣ - تبصير القلوب والعقول إلى أخلاق وصفات وعبادات قد غفلنا عنها في حياتنا اليومية.
فجاء هذا البحث الذي ليس لي فيه جهد إلا الجمع والتهذيب والاختصار والترتيب، وكله أخذته من كلام أهل العلم والدراية من المتقدمين والمتأخرين ﵏ رحمة واسعة وأسكننا وإياهم فسيح الجنان ومحل الرضوان فهو المستعان وعليه التكلان وقد جمعت هذه المادة لتكون عونا على للتعرف على صفات وأخلاق الصالحين، ويستفيد منها الجميع من دعاة وخطباء وأئمة مساجد وحتى عامة الناس.
(فاعبده واصطبر لعبادته)
- قال السعدي: أي: اصبر نفسك عليها وجاهدها، وقم عليها أتم القيام وأكملها بحسب قدرتك، وفي الاشتغال بعبادة الله تسلية للعابد عن جميع التعلقات والمشتهيات.
- من أحسن العبادة: أن يمتلئ قلب العبد من حب الطاعة فإذا فاض عملت الجوارح على قدر ما رأت من القلب فربما كانت الجوارح في العبادة والقلب في البطالة.
- عبادات يفضلها بعض السلف:
- عن عائشة ﵂ قالت: إنكم لتغفلون أفضل العبادة: التواضع.
- قال الحسن البصري: أفضل العبادة الصلاة في جوف الليل وقال: هو أقرب ما يتقرب به إلى الله وقال: ما وجدت في العبادة أشد منها.
- قال عمر بن عبد العزيز: إن أفضل العبادة أداء الفرائض واجتناب المحارم.
стр. 3
- كتب ابْنُ السَّمَّاكِ إلَى أَخٍ لَهُ: أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْمَعْصِيَةِ، وَالْوُقُوفُ عِنْدَ الشَّهْوَةِ، وَأَقْبَحُ الرَّغْبَةِ أَنْ تَطْلُبَ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ.
- قَالَ بَعْضُهُمْ: أَصْلُ الْعِبَادَةِ أَنْ لَا تَسْأَلَ سِوَى الله حَاجَةً.
- كيف تسير إلى الله: قال ابن القيم: العبد يسير إلى الله بين مطالعة المنة ومشاهدة التقصير.
- الحياء من الله: أن يستحيي العبد من الله من أن يتقرب إليه بصلاة جوفاء خالية من الخشوع والخوف، فالشعور بالاستحياء من الله يدفع المسلم إلى إتقان العبادة والتقرب إلى الله بصلاة خاشعة فيها معاني الخوف والرهبة.
- كيف تعرف قربك من الله: قال ابن القيم: فعلى قدر القرب من الله يكون اشتغال العبد به
- من هو الفقيه !: قال الأوزاعي: أنبئت أنه كان يقال: ويل للمتفقهين لغير العبادة والمستحلين الحرمات بالشبهات.
- قال بعض الحكماء: الفقيه بغير ورع كالسراج يضيء البيت ويحرق نفسه.
- قال الشعبي: لسنا بعلماء ولا فقهاء ولكننا قوم قد سمعنا حديثا فنحن نحدثكم به، سمعنا إنما الفقيه من ورع عن محارم الله، والعالم من خاف الله .
- متى تجد حلاوة العبادة:
- قال بشر بن الحارث: لا تجد حلاوة العبادة حتى تجعل بينك وبين الشهوات حائطا من حديد.
- وقال يحيى بن معاذ: سقم الجسد بالأوجاع وسقم القلوب بالذنوب فكما لا يجد الجسد لذة الطعام عند سقمه فكذلك القلب لا يجد حلاوة العبادة مع الذنوب.
- قيل لوهيب بن الورد: أيجد طعم العبادة من يعصي قال لا ولا من يهم.
стр. 4
- ما هو حق الله علينا ؟: حق الله علينا أن نعبده ولا نشرك به شيئاً، وألا نصرف شيئا من العبادة لأحد غير الله جل وعلا، لأن الذي يستحق جميع أنواع العبادة هو الله ﷻ ، لا توحيد إلا له، ولا إذعان إلا له، ولا انقياد ولا ذبح ولا نذر إلا له، ولا حلف إلا به، ولا طواف إلا ببيته؛ ولا حكم إلا له لأنه وحده هو الذي يستحق أن يعبد.
- دخل الحسن البصري المسجد فقعد إلى جنب حلقة يتكلمون، فأنصت لحديثهم، ثم قال: هؤلاء قوم ملوا العبادة، ووجدوا الكلام أهون عليهم، وقلّ ورعهم فتكلموا.
- روح العبادة: هو الإجلال والمحبة، فإذا خلى أحدهما عن الآخر فسدت العبودية.
- لماذا نُحرم من العبادة:
- قال الفضيل بن عياض: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم مكبل كبلتك خطيئتك.
- قال أبو سليمان الداراني:: لا تفوت أحداً صلاة الجماعة إلا بذنب.
- قال رجل لإبراهيم بن أدهم: إني لا أقدر على قيام الليل فصف لي دواءً قال: لا تعصيه بالنهار وهو يقيمك بين يديه في الليل فإن وقوفك بين يديه في الليل من أعظم الشرف، والعاصي لا يستحق ذلك الشرف.
- كيف تركها ؟ قال أبو سليمان الداراني: ليس العجب ممن لم يجد لذة الطاعة إنما العجب ممن وجد لذتها ثم تركها كيف صبر عنها.
الورع
قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) قال الطبري: وأما من خاف مسألة الله إياه عند وقوفه يوم القيامة بين يديه، فاتقاه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه (وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى) ونهى نفسه عن هواها فيما يكرهه الله، ولا يرضاه منها، فزجرها عن ذلك، وخالف هواها إلى ما أمره به ربه (فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) فإن الجنة هي مأواه ومنزله يوم القيامة.
- معنى الورع في الأصل: الكفّ عن المحارم، والبعد عن الشبهات.
- عرف ابن القيم الورع بقوله: ترك ما يُخشى ضرره في الآخرة.
стр. 5
- وَرَعُ النَّبِيِّ ﷺ : عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِتَمْرَةٍ مَسْقُوطَةٍ فَقَالَ: [لَوْلَا أَنْ تَكُونَ مِنْ صَدَقَةٍ لَأَكَلْتُهَا] رواه البخاري ومسلم.
- كيف تعرف ورع الرجل: قال يونس بن عبيد: إنك تكاد تعرف ورع الرجل في كلامه إذا تكلم.
- أشد الأعمال: قال بشر بن الحارث: أشد الأعمال ثلاثة: الجود في القلَّة، والورع في الخلوة، وكلمة الحقِّ عند من يخاف منه ويرجى.
- قال وهب بن منبه: ثلاث من العلم:
١ - ورع يحجزه عن معاصي الله.
٢ - وخلق يداري به الناس.
٣ - وحلم يرد به جهل الجاهل.
- صورة من الورع: لقد بلغ من ورع سلف هذه الأمة مخافة الوقوع في الحرام الكثير، فقد رجع عبد الله بن المبارك من مرو إلى الشام لكي يعيد قلما إستعاره من صاحبه.
- الورع المظلم: قال محمد بن إبراهيم بن مربع: كنت عند أحمد بن حنبل وبين يديه محبرة، فذكر أبو عبد الله حديثا فاستأذنته أن أكتب من محبرته فقال: اكتب يا هذا فهذا ورع مظلم.
- من القواعد في الورع: ما نبه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: الواجبات والمستحبات لا يصلح فيها زهدٌ ولا ورع، وأما المحرمات والمكروهات فيصلح فيها الزهد والورع.
(وكانوا لنا خاشعين)
قال الطبري: وكانوا لنا متواضعين متذللين، ولا يستكبرون عن عبادتنا ودعائنا.
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَوَّلُ شَيءٍ يُرْفَعُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ الخُشُوعُ، حَتَّى لَا تَرَى فِيهَا خَاشِعًا» رواه الطبراني وصححه الألباني.
- لماذا لا نخشع ؟:إن الظواهر التي تظهر على الكثير من قسوة القلب وقحط العين وانعدام التدبر، هي بسبب الانشغال بالدنيا التي طغت على قلوبنا فأصبحت تشاركنا في عبادتنا، ولا يمكن للقلوب أن ترجع لحالتها الصحيحة حتى تتطهر من كل ما علق بها من أدران.
стр. 6
- أجمع العارفون: على أن الخشوع محله القلب وثمرته على الجوارح فالخاشعون هم الخاضعون لله والخائفون منه.
- فُسرَّ الخشوع في الصلاة: بأنه جمع الهمة لها والإعراض عما سواها.
- أَصْلُ الخُشُوعِ: هُوَ لِينُ القَلْبِ وَرِقَّتُهُ وَسُكُونُهُ وَخُضُوعُهُ وانكِسَارُهُ، فَإِذَا خَشَعَ القَلْبُ تَبِعَهُ خُشُوعُ جَمِيعِ الجَوَارِحِ وَالأَعْضَاءِ؛ لأَنَّهَا تَابِعَةٌ لَهُ.
- من صور خشوع السلف: كان ابن الزبير ﵄ إذا قام في الصلاة كأنه عود من الخشوع، وكان يسجد فتنزل العصافير على ظهره لا تحسبه إلا جذع حائط.
- يَتَرَتَّبُ عَلَى عَدَمِ الخُشُوعِ أَمْرَانِ:
- الأَوَّلُ: عَدَمُ الانتِهَاءِ عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنكَرِ. فَإِنَ الصَلَاةَ الخَاشِعَةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنكَرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر).
- الثَّانِي: عَدَمُ تحصيل الفَلَاحِ الكامل يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى عَلَّقَ الفَلَاحَ يَوْمَ القِيامَةِ بِالخُشُوعِ. قَالَ الله تَعَالَى: (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون)
- روح الصلاة: الخشوع هو روح الصلاة والمقصود الأعظم منها فصلاة بلا خشوع كبدن ميت لا روح فيه.
لما رأى سعيد بن المسيب رجلاً يعبث في صلاته، قال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه.
- خشوع النفاق: عن أبي يحيى أنه بلغه أن أبا الدرداء أو أبا هريرة قالا: تعوذوا بالله من خشوع النفاق، قيل: وما هو؟ قال: أن يرى الجسد خاشعاً والقلب ليس بخاشع.
- كيف نكون من الخاشعين ؟:
- أولا: أن تستحضر نظر الله تعالى إليك في حركاتك، وسكناتك في صلاتك، وفي قراءتك، وفي قيامك وقعودك، فالخشوع لا يختص بالصلاة، وإنما هو عبادة قلبية يظهر أثرها على الجوارح في كل أحوال العبد.
- ثانيا: معرفته لربه ﷻ معرفة صحيحة تورث التعظيم.
стр. 7
- ثالثا: أن تستشعر وتستحضر أنك على الصراط فوق جهنم، وكأنك تشاهد الجنة والنار أمام عينك، وكأنك قمت بين يدي الله في موقف الحساب.
- الفرق بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق: قال ابن القيم: أن خشوع الإيمان هو خشوع القلب لله بالتعظيم والإجلال والوقار والمهابة والحياء فينكسر القلب لله كسرة ملتئمة من الوجل والخجل والحب والحياء وشهود نعم الله وجناياته هو فيخشع القلب لا محالة فيتبعه خشوع الجوارح وأما خشوع النفاق فيبدو على الجوارح تصنعا وتكلفا والقلب غير خاشع.
- خشوع الصلاة قسمان:
١. الخشوع الظاهري: هو كون المصلي ساكناً ناظراً إلى موضع سجوده غير ملتفت يميناً ولا شمالاً مبتعدا عن العبث وسبق الإمام وموافقته.
٢. الخشوع الباطني: ويكون باستحضار عظمة الله والتفكر في معاني الآيات والأذكار وعدم الالتفات إلى وساوس الشيطان.
(إن الله يحب المتقين)
- قال الطبري: إن الله يحب من اتقاه بطاعته، بأداء فرائضه واجتناب معاصيه قال تعالى: (واعلموا أن الله مع المتقين) قال ابن عباس ﵄: يريد أنه تعالى مع أوليائه الذين يخافونه فيما كلفهم من أمره ونهيه.
- قال الطبري: وأيقنوا، عند قتالكم إياهم، أن الله معكم، وهو ناصركم عليهم، فإن اتقيتم الله وخفتموه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، فإن الله ناصر من اتقاه ومعينه.
- قال رسول الله ﷺ : « ... ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».
- مكان التقوى: قال ابن رجب: الأصل في التقوى والفجور هي القلوب، فإذا بر القلب واتقى برت الجوارح، وإذا فجر القلب فجرت الجوارح.
- قيل لأبي هريرة ﵁: ما التقوى؟ فقال: أجزت في أرض فيها شوك؟ فقال: نعم، فقال: كيف كنت تصنع؟ فقال: كنت أتوقى، قال: فتوق الخطايا.
стр. 8
- كثير العمل كثير الذنوب: قال رجل لابن عباس ﵁: أيما أحب إليك رجل قليل الذنوب قليل العمل، أو رجل كثير الذنوب كثير العمل؟ فقال ابن عباس ﵁: لا أعدل بالسلامة شيئا.
- من صفات المتقين:
- يعترفون بالحق قبل أن يشهد عليهم ويعرفونه ويؤدونه، وينكرون الباطل ويجتنبونه ويخافون الرب الجليل الذي لا تخفى عليه خافية.
- المتقون يعملون بكتاب الله فيحرمون ما حرمه ويحلون ما أحله.
- لا يخونون في أمانة ولا يعقون ولا يقطعون، ولا يؤذون جيرانهم ولا يضربون إخوانهم، يصلون من قطعهم.
- يعطون من حرمهم، ويعفون عمن ظلمهم.
- الخير عندهم مأمول، والشر من جانبهم مأمون.
- لا يغتابون ولا يكذبون ولا ينافقون ولا ينمون ولا يحسدون.
- لا يراءون ولا يرابون ولا يقذفون
- يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون.
- حقيقة التقوى: قال رسول الله ﵌: (لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً لما به بأسُ). رواه الترمذي
- ميزان الكرامة عند الله بالتقوى: قال تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ الله أَتْقَاكُمْ).قال السعدي: ولكن الكرم بالتقوى، فأكرمهم عند الله، أتقاهم، وهو أكثرهم طاعة وانكفافًا عن المعاصي. لا أكثرهم قرابة وقومًا، ولا أشرفهم نسبًا، ولكن الله تعالى عليم خبير، يعلم من يقوم منهم بتقوى الله، ظاهرًا وباطنًا، ممن يقوم بذلك، ظاهرًا لا باطنًا، فيجازي كلا بما يستحق. ا. هـ إذا فهمت ذلك فاعلم أن التقوى هي امتثال الأوامر واجتناب النواهي، فالمتقون هم الذين يراهم الله حيث أمرهم ولا يقدمون على ما نهاهم عنه.
- التقوى وأثرها في الرؤيا: قَالَ هِشَامٌ بْنُ حَسَّانٍ: كَانَ ابْنُ سِيرِينَ يُسْأَلُ عَنْ مِائَةِ رُؤْيَا فَلَا يُجِيبُ فِيهَا بِشَيْءٍ إلَّا أَنْ يَقُولَ: اتَّقِ الله وَأَحْسِنْ فِي الْيَقَظَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّكَ مَا رَأَيْت فِي النَّوْمِ.
стр. 9
- اتق الله:
- قال لقمان لابنه: يا بني اتق الله ولا تُري الناس أنك تخشاه ليكرموك وقلبك فاجر.
- قال جعفر: اتق الله ولا تقس الدين برأيك، فإن أول من قاس إبليس، إذ أمره الله بالسجود لآدم، فقال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين.
- قال السدي في قوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) قال: هو الرجل يريد أن يظلم أو قال: يهمّ بمعصية فيقال له: اتق الله فيَجِلُ قلبُه.
- أن رجلين كانا يتبايعان عند عبد الله بن عمر فكان أحدهما يكثر الحلف فبينما هو كذلك إذ سمعهما رجل فقام عليهما فقال للذي يكثر الحلف يا عبد الله اتق الله ولا تكثر الحلف فإنه لا يزيد في رزقك ولا ينقص من رزقك إن لم تحلف.
- قيل لأبي حنيفة اتق الله فانتفض، واصفر، وأطرق، وقال: جزاك الله خيرا.
الصدق منجاة
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ
- علامة الصدق: إرادة الله وحده بالعمل والقول وترك التزين وحب ثواب المخلوقين والصدق في المنطق.
- عود لسانك الصدق والنطق بالخير والقول به: فإن النبي ﷺ قال [وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم].
عود لسانك قول الصدق تحظ به ... إن اللسان لما عودت معتاد
- الصدق خير في كل أحواله:
- قال عمر بن الخطاب ﵁: لأن يضعني الصدق وقلما يفعل، أحب إلي من أن يرفعني الكذب وقلما يفعل.
- قال بعض الحكماء: الصدق منجيك وإن خفته، والكذب مرديك وإن أمنته.
- قال شيخ الاسلام: فالصدق مفتاح كل خير كما أن الكذب مفتاح كل شر.
- متى تُحرم الصدق: قال سهل التستري: من تكلم فيما لا يعنيه حرم الصدق.
- أقل الصدق: قال القشيري: أقل الصدق استواء السر والعلانية.
- الصدق خير معين: قال شيخ الإسلام: من علم الله منه الصدق أعانه الله تعالى.
- من علامات الصدق: كتمان المصائب والطاعات جميعا وكراهة اطلاع الخلق على ذلك.
стр. 10
- أنفع الصدق: أن تقر لله بعيوب نفسك وأنفع الحياء أن تستحي أن تسأله ما تحب وتأتي ما يكره.
- محاسبة دقيقة: قالت أم رابعة الشامية العابدة: أستغفر الله من قلة صدقي في قولي: أستغفر الله.
- الصدق وأثره في الرؤيا:
- قال شيخ الإسلام: والصالحون والأغلب على رؤاهم الصدق، وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى تعبير.
- قال ابن القيم: من أراد أن تصدق رؤياه فليتحر الصدق، ومصداق ذلك حديث النبي ﷺ أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا أخرجه مسلم.
- الصدق قد يكفر الكبائر أحيانا: قال شيخ الإسلام: الحسنة الواحدة قد يقترن بها من الصدق واليقين ما يجعلها تكفر الكبائر.
- كيف تكون صادقا في صلاتك: قال ابن القيم: مشهد الصدق والنصح وهو أن يفرغ قلبه لله فيها ويستفرغ جهده في إقباله فيها على الله وجمع قلبه عليها وإيقاعها على أحسن الوجوه وأكملها ظاهرا وباطنا فإن الصلاة لها ظاهر وباطن.
- أنواع الصدق: قال ابن القيم: فالذي جاء بالصدق: هو من شأنه الصدق في قوله وعمله وحاله فالصدق: فى هذه الثلاثة:
- فالصدق في الأقوال: استواء اللسان على الأقوال كاستواء السنبلة على ساقها.
- والصدق في الأعمال: استواء الأفعال على الأمر والمتابعة كاستواء الرأس على الجسد.
والصدق في الأحوال: استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص واستفراغ الوسع وبذل الطاقة فبذلك يكون العبد من الذين جاءوا بالصدق، وبحسب كمال هذه الأمور وقيامها بها تكون صديقيته. ا. هـ
حسن الظن بالله تعالى
- ما هو مفهوم حسن الظن بالله تعالى: هو ظنّ ما يليق بالله تعالى واعتقاد ما يحق بجلاله وما تقتضيه أسماؤه الحسنى وصفاته العليا مما يؤثر في حياة المؤمن على الوجه الذي يرضي الله تعالى. قال علي بن طالب ﵁: حسن الظنّ بالله ألا ترجو إلا الله، ولا تخاف إلا ذنبك.
стр. 11
- لا تقنطوا من رحمة الله: لا يعظم الذنب عندك عظمة تصدك عن حسن الظن بالله وتوقعك في القنوط من رحمته فإن من عرف ربه وكرمه وجوده استصغر في جنب كرمه وعفوه ذنبه. وقال الله جل وعلا: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا).
- حسن الظن عند الموت:
- قال الإشبيلي: وأما حسن الظن بالله تعالى عند الموت فواجب قال ﵊:] لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى [رواه مسلم.
- قال عبد الله بن عباس: إذا رأيتم الرجل قد نزل به الموت فبشروه حتى يلقى ربه وهو حسن الظن بالله تعالى وإذا كان حيا فخوفوه بربه واذكروا له شدة عقابه.
- من علامة حسن الظن بالله: شدة الاجتهاد في طاعة الله.
- راحة القلوب: قيل: قتل القنوط صاحبه، وفي حسن الظن بالله راحة القلوب.
- ثمرات حسن الظن بالله:
- قال عبد الله بن مسعود: والذي لا إله غيره لا يحسن أحدكم الظن بالله إلا أعطاه الله ظنه وذلك أن الخير بيده.
- قال سهيل: رأيت مالك بن دينار بعد موته فقلت: يا أبا يحيى ليت شعري ماذا قدمت به على الله قال: قدمت بذنوب كثيرة محاها عني حسن الظن بالله .
- قال ابن القيم: وكلما كان العبد حسن الظن بالله حسن الرجاء له صادق التوكل عليه: فإن الله لا يخيب أمله فيه ألبتة فإنه سبحانه لا يخيب أمل آمل ولا يضيع عمل عامل.
- حسن الظن بالله يقوي القلب على العمل، لأنك تعلم أنه يقوي ضعفك وأنه محيط بعبيده، وأنه ذو القوة المتين.
- حسن الظن بالله من أسباب حسن الخاتمة، وسوء الظن بالله من أسباب سوء الخاتمة، فينبغي للعبد أن يعلم أن الله لا يظلم مثقال ذرة، ولا يظلم الناس شيئا، وهو عند ظن عبده به؛ قال النبي ﷺ :] يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني [.متفق عليه
стр. 12
- قال بعض الصالحين: استعمل في كل بلية تطرقك حسن الظن بالله في كشفها؛ فإن ذلك أقرب إلى الفرج.
- إن المؤمن حين يحسن الظن بربه لا يزال قلبه مطمئناً ونفسه آمنة تغمرها سعادة الرضى بقضاء الله وقدره وخضوعه لربه سبحانه.
- فقلب المؤمن حَسَنُ الظن بربه يَتوقّع منه الخير دائماً، يتوقع منه الخير في السراء والضراء، ويؤمن بأن الله يريد به الخير في الحالين؛ وسر ذلك أن قلبه موصول بالله، وفيض الخير من الله لا ينقطع أبداً؛ فمتى اتصل القلب به لمس هذه الحقيقة الأصيلة وأحسها إحساس مباشرة وتذوّق.
- خطأ قبيح وجهل فضيح:
- قال السفاريني: ظن كثير من الجهال أن حسن الظن بالله والاعتماد على سعة عفوه ورحمته مع تعطيل الأوامر والنواهي كاف , وهذا خطأ قبيح وجهل فضيح , فإن رجاءك لمرحمة من لا تطيعه من الخذلان والحمق.
- ومصداق هذا قوله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ)
- كيف يجتمع في قلب العبد؟: قال ابن القيم: وكيف يجتمع في قلب العبد تيقنه بأنه ملاق الله، وأن الله يسمع كلامه ويرى مكانه، ويعلم سره وعلانيته، ولا يخفى عيه خافية من أمره، وأنه موقوف بين يديه ومسئول عن كل عمل وهو مقيم على مساخطه مضيع لأوامره معطل لحقوقه، وهو مع هذا يحسن الظن به وهل هذا إلا من خدع النفوس وغرور الأماني.
- هل التوكل هو حسن الظن بالله: قال ابن القيم: فسر بعضهم التوكل بحسن الظن بالله. والتحقيق: أن حسن الظن به يدعوه إلى التوكل عليه إذ لا يتصور التوكل على من ساء ظنك به ولا التوكل على من لا ترجوه.
стр. 13
- كيف تستشعر حسن الظن بالله:
- وذلك بأن تستشعر أن الله تعالى فارجٌ لهمك كاشفٌ لغمك، فإنه متى ما أحسن العبد ظنه بربه، فتح الله عليه من بركاته من حيث لا يحتسب، فعليك يا عبد الله بحسن الظن بربك ترى من الله ما يسرك، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله:] قال الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن خيراً فله، وإن ظنّ شراً فله [رواه أحمد.
- فأحسن ظنك بالله، وعلِّق رجاءك به، وإياك وسوء الظن بالله، فإنه من الموبقات المهلكات، قال تعالى: (الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا).
- الفرق بين ظن المؤمن وظن المنافق:
- قال الحسن البصري: إنَّ المؤمنَ أحسنَ الظنَّ بربِّهِ فأحسنَ العملَ، وإنَّ المنافقَ أساءَ الظنَّ فأساءَ العمل.
- ما الذي يحملك على حسن العمل ؟:
- قال أبو هريرة ﵁: إن حسن الظن بالله من حسن عبادة الله.
- اعلم أن حسن الظن بالله هو حسن العمل نفسه؛ فإن العبد إنما يحمله على حسن العمل ظنه بربه أن يجازيه على أعماله ويثيبه عليها ويتقبلها منه؛ فالذي حمله على العمل حسن الظن، فكلما حسن ظنه بربه؛ حَسُنَ عمله، وإلا فحسن الظن مع اتباع الهوى عجز.
- وبالجملة فحسن الظن إنما يكون مع انعقاد أسباب النجاة، وأما مع انعقاد أسباب الهلاك؛ فلا يتأتى إحسان الظن.
- الرجاء المذموم: وأما حسن الظن بالله مع ترك الواجبات وفعل المحرمات، فهو الرجاء المذموم وهو الأمن من مكر الله.
- حال أكثر الناس في الظن بالله: قال ابن القيم: فأكثر الخلق بل كلهم إلا من شاء الله يظنون بالله غير الحق ظن السوء؛ فإن غالب بني آدم يعتقد أنه مبخوس الحق، ناقص الحظ، وأنه يستحق فوق ما أعطاه الله.
ولسان حاله يقول: (ظلمني ربي ومنعني ما أستحق) ونفسه تشهد عليه لذلك، وهو بلسانه ينكره ولا يتجاسر على التصريح به.
стр. 14
- سوء الظن بالله خطير: لأن حسن الظن بالله من واجبات التوحيد مبني على العلم برحمة الله وإحسانه وعزته وحكمته وكافة أسمائه وصفاته، وسوء الظن به سبحانه ينافي التوحيد.
- صور من سوء الظن بالله: قال ابن القيم:
- من ظن أن الله لا ينصرُ رسولَه، ولا يُتِمُّ أمرَه، ولا يؤيِّده، ويؤيدُ حزبه، ويُعليهم، ويُظفرهم بأعدائه، ويُظهرهم عليهم، وأنه لا ينصرُ دينه وكتابه فقد ظن بالله ظن السوء.
- مَن جوَّز عليه أن يعذِّبَ أولياءه مع إحسانهم وإخلاصهم، ويُسوِّى بينهم وبين أعدائه فقد ظن بالله ظن السوء.
- مَن ظنَّ به أن يترُكَ خلقه سُدى، معطَّلينَ عن الأمر والنهي، ولا يُرسل إليهم رسله، ولا ينزِّل عليهم كتبه، بل يتركهم هَمَلاً كالأنعام فقد ظن بالله ظن السوء.
- من ظنَّ أنه يُضَيِّعُ عليه عملَه الصالحَ الذى عملَه خالصاً لوجهه الكريمِ على امتثال أمره، ويُبطِلَه عليه بلا سبب من العبد، أو أنه يُعاقِبُه بما لا صُنعَ فيه فقد ظن بالله ظن السوء.
- مَن ظنَّ به خِلاَفَ ما وصف به نَفسه ووصفه به رسله، أو عطَّل حقائقَ ما وصف به نفسه، ووصفته به رُسله فقد ظن بالله ظن السوء.
- ومَن ظنَّ به أنه إذا ترك لأجله شيئاً لم يُعوِّضه خيراً منه، أو مَن فعل لأجله شيئاً لم يُعطه أفضلَ منه فقد ظن بالله ظن السوء.
- مَن ظنَّ به أنه يغضبُ على عبده، ويُعاقبه ويحرمه بغير جُرم. فقد ظن بالله ظن السوء.
- ومن ظنَّ به أنه إذا صدقه في الرغبة والرهبة، وتضرَّع إليه، وسأله، واستعان به، وتوكَّل عليه أنه يُخيِّبُه ولا يُعطيه ما سأله، فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوءِ، وظنَّ به خلافَ ما هو أهلُه.
стр. 15
- نصيحة مشفق: فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا الموضع وليتب إلى الله تعالى وليستغفره كل وقت من ظنه بربه ظن السوء وليظن السوء بنفسه التي هي مأوى كل سوء ومنبع كل شر المركبة على الجهل والظلم فهي أولى بظن السوء من أحكم الحاكمين وأعدل العادلين وأرحم الراحمين الغني. ا. هـ
(استعينوا بالله واصبروا)
- تعريف الاستعانة بالله: وهي الاستعانة المتضمنة كمال الذُّل من العبد لربه مع الثقة به والاعتماد عليه، وهذه لا تكون إلا لله فهي تتضمن ثلاثة أشياء:
- الأول: الخضوع والتذلل لله تعالى.
- الثاني: الثقة بالله جل وعلا.
- الثالث: الاعتماد على الله ، وهذه لا تكون إلا لله، فمن استعان بغير الله محققًا هذه المعاني الثلاثة فقد أشرك مع الله غيره.
- أهمية الاستعانة بالله في زمن الفتن والشهوات:
- وأعظم الاستعانة هي بالله ، فإن هذا الزمان زمان فتن، وإن هذا الزمان زمان شهوات ومغريات، وزمان صار فيه شياطين الإنس أعظم كيداً ومكراً من شياطين الجن، وحاول الأبالسة أن يصرفوا الناس عن دينهم وعن عفتهم وعن أخلاقهم، حتى جاءوا بما لا يتصوره العقل من الفحش والرذائل
- فلابد للإنسان من أن يستعين بالله ، وأن يكثر الدعاء، وأن يكثر الالتجاء إلى الله حتى يعف نفسه عما حرم الله، وحتى يقوي عزمه في مواجهة هذه المغريات والمثيرات، وحتى يسهل له ما يعف به نفسه. وفي الحديث: [تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن] رواه أحمد، ومسلم.
- ثمرات الاستعانة بالله:
- قال شيخ الإسلام: ... فإذا حصل الاستعانة بالله واستهداؤه ودعاؤه والافتقار إليه أو سلوك الطريق الذي أمر بسلوكها هدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
стр. 16
- إذا علم المسلم أن الغني القادر الذي بيده الخير كله هو الله، تربى على الأنفة والاستغناء عن المخلوقين، وعلم أن السبيل الوحيد إلى ذلك هو التعلق بالله تعالى والتوكل عليه، وعبادته والالتجاء إليه، مع الأخذ بأسباب الجد والعمل، وبذلك يحفظ المسلم ماء وجهه من التذلل والسؤال، وخفض الأكف والانكسار للأشخاص مهما كانوا، فيحفظ كرامته، وتبقى له عزته ومكانته.
- قال ابن القيم: فلا نجاة من مصايد الشيطان ومكايده إلا بدوام الاستعانة بالله، والتعرض لأسباب مرضاته.
- عند الاستعانة بالله تعالى لأداء طاعة، كما في قول لا حول ولا قوة إلا بالله عند سماع " حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح " فإنها استعانة بالله تعالى لأداء الصلاة.
- ستبقى الاستعانة بالله واللجوء إليه سبحانه الوسيلة الأهم للنجاح والتفوق فعطايا الرحمن ليس لها حد ولا حساب.
كما قال الشاعر:
إذَا لمَ يَكُنْ عَوْنٌ مِنَ الله للفَتَى ... فَأَوَّلُ مَا يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهَادُهُ
- روي عن بعض السلف أنه قال لتلميذه: ماذا تصنع إذا سول لك الشيطان الخطايا؟ قال أجاهده، قال هذا يطول، أرأيت إن مررت بغنم فنبحك كلبها، ومنعك من العبور ماذا تصنع؟ قال: أكابده وأرده جهدي قال: هذا يطول عليك، لكن استعن بصاحب الغنم يكفه عنك، إذا أردت التخلص من الشيطان ووسوسته، فاستعن بخالقه يكفه عنك ويحميك.
- ومما يكشف الكربة: الاستعانة بالله، والاتكال عليه، والرضا بقضائه، والتسليم لقدره.
- ضرورة الاستعانة بالله في كل وقت:
- قال شيخ الإسلام: إن العبد محتاج في كل وقت إلى الاستعانة بالله على طاعته وتثبيت قلبه ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 17
- يبين قوة حاجة العبد إلى الاستعانة بالله والتوكل عليه واللجأ إليه في أن يستعمله في طاعته ويجنبه معصيته وأنه لا يملك ذلك إلا بفضل الله عليه وإعانته له فإن من ذاق مرارة الإبتلاء وعجزه عن دفعه إلا بفضل الله ورحمته كان شهود قلبه وفقره إلى ربه واحتياجه إليه في أن يعينه على طاعته ويجنبه معصيته أعظم ممن لم يكن كذلك.
- تجب الاستعانة بالله تعالى على:
١ - فعل الطاعات.
٢ - وترك المنهيات.
٣ - والصبر على المقدورات.
- العبد عاجز: إن العبد عاجز عن الاستقلال بنفسه في الإتيان بهذه الأمور، ولا بد له من طلب الإعانة من ربه، ولا معين للعبد على مصالح دينه ودنياه إلا الله.
- حكمة بليغة: من أعانه الله فهو المعان، ومن فرط في حق الله تعالى، لم يعنه الله، وهو المخذول.
- خطأ فاحش: يُشْغَل كثير من العباد بصورة العمل وحسن القصد عن الاستعانة بالله تعالى وإظهار الافتقار والحاجة إليه، وهذا خطأ فاحش. أجمع العالمون بالله تعالى على أن كل خير يحصل للعبد فأصله بتوفيق الله له، وما استُجلب التوفيق بمثل المبالغة في الدعاء والمسألة وطلب المعونة، والاستكثار من إظهار الافتقار ومسيس الحاجة، ولا فات إلا بإهمال ذلك.
- متى تقوى إعانة الله لك: قال ابن القيم: كلما كان العبد أتم عبودية كانت الإعانة له من الله أعظم.
- الاستعاذة متضمنة الاستعانة بالله: من الاستعانة بالله في حصول تدبر القرآن ما شرع لقارئ القرآن من الاستعاذة بالله تعالى من الشيطان الرجيم، ومن البسملة في أوائل السور ففيها طلب العون من الله تعالى على تدبر القرآن عامة والسورة التي يريد قراءتها خاصة.
стр. 18
- الدعاء متضمن الاستعانة بالله: ومما يدخل في باب الدعاء الاستعانة بالله تعالى، وهي مطلوبة في كل أمر وفي كل حين، ولأهميتها فإننا نكررها في كل ركعة من صلاتنا (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). ولا يمكن للعبد أن يفعل شيئا إلا بعونه تعالى، فإن حرم من ذلك خاب وخسر.
الحرص على العمل بالسُّنة
قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)
قال السعدي: الأسوة نوعان: أسوة حسنة، وأسوة سيئة.
- فالأسوة الحسنة في الرسول ﷺ ، فإن المتأسِّي به، سالك الطريق الموصل إلى كرامة الله، وهو الصراط المستقيم.
وهذه الأسوة الحسنة، إنما يسلكها ويوفق لها، من كان يرجو الله، واليوم الآخر، فإن ما معه من الإيمان، وخوف الله، ورجاء ثوابه، وخوف عقابه، يحثه على التأسي بالرسول ﷺ .
- وأما الأسوة بغيره، إذا خالفه، فهو الأسوة السيئة، كقول الكفار حين دعتهم الرسل للتأسِّي بهم (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ).
- على ماذا يدل التمسك بالسنة ؟ إن التمسك بالسنة مع كثرة المخالفين لها دليل على صدق الإيمان وقوة العزيمة وعدم الخوف في الله لومة لائم ومن استبانت له سنة الرسول ﷺ لم يكن له أن يدعها لأجل الناس.
إن التمسك بالسنة، دليل النجاة والصلاح، وعنوان السعادة والفلاح، وأمارة التوفيق والتسديد والنجاح، وعلامة الفوز والنصر والخير، قال تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا).
- العمل بالسنة نجاة:
- قال الإمام الزهري: كان من مضى من علمائنا يقولون الاعتصام بالسنة نجاة.
- قال الإمام مالك: السنة سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق.
стр. 19
- أجر من عمل بالسنة:
١ - محبة الله لعبده المؤمن كما في الحديث القدسي الذي رواه البخاري وفيه ( ... وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به .. ) الحديث. رواه البخاري.
٢ - أن المحافظة على النوافل تجبر كسر الفرائض.
٣ - إن للعامل بالسنة مثل أجر من تبعه لا ينقص ذلك من أجرهم شيئاً وفي ذلك الحديث في مسلم وفيه قال الرسول ﷺ : (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء .. ).رواه أحمد، ومسلم
- همة عالية في تطبيق السنة:
- قال الإمام أحمد: ما كتبتُ حديثاً عن النبي ﷺ إلا وقد عملتُ به.
- اختفى الإمام أحمد عند إبراهيم بن هانئ أيام المحنة ثلاثة أيام، ثم أصر على الخروج إلى موضع آخر ليختبئ فيه، وقال: اختفى رسول الله ﷺ في الغار ثلاثة أيام، ثم تحوّل. وليس ينبغي أن نتبع رسول الله ﵊ في الرخاء، ونتركه في الشدة.
- مثال في المحافظة على السنة: حدّث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي بن أبي طالب أن فاطمة ﵍ أتت النبي ﷺ تسأله خادما فقال ألا أخبرك ما هو خير لك منه تسبحين الله عند منامك ثلاثا وثلاثين وتحمدين الله ثلاثا وثلاثين وتكبرين الله أربعا وثلاثين ثم قال سفيان إحداهن أربع وثلاثون فما تركتها بعد قيل ولا ليلة صفين قال ولا ليلة صفين. "رواه البخاري"
- ثمرات اتباع السنة:
١ - الاتباع شرط لقبول العبادات.
قال سفيان: لا يقبل قول إلا بعمل، ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية، ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بمتابعة السنة.
٢ - الاتباع أحد أصلي الإسلام الأساسين:
- الإخلاص وإفراد الله بالعبادة هو حقيقة إيمان العبد وشهادته بأن لا إله إلا الله،
- والاتباع والتأسي برسول الله ﷺ هو حقيقة إيمان العبد وشهادته بأن محمداً رسول الله ﷺ .
стр. 20
٣ - الاتباع سبب لدخول الجنة: ويدل لذلك قوله ﷺ :] كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى [. رواه البخاري
٤ - الاتباع دليل محبة الله تعالى: ويدل لذلك قول الله تعالى: (قُلْ إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
٥ - الاتباع من علامات التقوى، قال تعالى: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ).
وشعائر الله: أوامره وأعلام دينه الظاهرة، ومن أبرزها وأعلاها طاعة النبي ﷺ واتباع شرعه.
(فاذكروني أذكركم)
- قال الطبري: فاذكروني أيها المؤمنون بطاعتكم إياي فيما آمركم به وفيما أنهاكم عنه، أذكرْكم برحمتي إياكم ومغفرَتي لكم
- قال السعدي: أمر تعالى بذكره، ووعد عليه أفضل جزاء، وهو ذكره لمن ذكره، كما قال تعالى على لسان رسوله:] من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم [.
- وذكر الله تعالى أفضله ما تواطأ عليه القلب واللسان، وهو الذكر الذي يثمر معرفة الله ومحبته، وكثرة ثوابه، والذكر هو رأس الشكر، فلهذا أمر به خصوصا، ثم من بعده أمر بالشكر عموما فقال: (وَاشْكُرُوا لِي).اهـ
- قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا الله ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا).
- كان النبي يذكر الله على كل أحيانه.
- عن عيسى ﵇ أنه قال: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسوا قلوبكم.
- اجعل بيتك مكانا لذكر الله تعالى: قال ﷺ :] مثل البيت الذي يذكر الله فيه، والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت [رواه مسلم.
стр. 21
- فلابد من جعل البيت مكانا للذكر بأنواعه؛ سواء ذكر القلب، وذكر اللسان، أو الصلوات وقراءة القرآن، أو مذاكرة العلم الشرعي وقراءة كتبه، وسماع الأشرطة النافعة والمفيدة.
- وكم من بيوت المسلمين اليوم هي ميتة بعدم ذكر الله فيها، بل ما هو حالها وهي لايذكر فيها إلا ألحان الشيطان من المزامير والغناء، والغيبة والبهتان والنميمة والله المستعان وعليه التكلان؟!
- وكيف حالها وهي مليئة بالمعاصي والمنكرات، كالاختلاط المحرم والتبرج بين الأقارب من غير المحارم، أو الجيران الذين يدخلون البيت.
- كيف تدخل الملائكة بيتا هذا حاله؟! فأحيوا بيوتكم رحمكم الله بأنواع الذكر.
- السلام متضمن لذكر الله تعالى: قال مجاهد: كان عبد الله بن عمر ﵄ يأخذ بيدي فيخرج إلى السوق يقول إني لأخرج وما لي حاجة إلا لأسلم ويسلم علي، فأعطى واحدة وآخذ عشراً، يا مجاهد إن السلام من أسماء الله تعالى: فمن أكثر السلام أكثر ذكر الله تعالى.
- فهل أستشعرت وأنت تسلم على إخوانك المسلمين أنك تذكر الله تعالى؟
- فائدة عظيمة النفع: قال بعض العلماء: ذكر الله تعالى في ابتداء الأقوال والأفعال أنسة من الوحشة وهداية من الضلال.
- في ذكر الله مائة فائدة: قال ابن القيم: وفي ذكر الله أكثر من مائة فائدة يرضي الرحمن ويطرد الشيطان ويزيل الهم ويجلب الرزق ويكسب المهابة والحلاوة ويورث محبة الله التي هي روح الإسلام .. الخ.
- كيف تُبنى دور الجنة: قال ابن القيم: أن دور الجنة تبني بالذكر، فإذا أمسك الذاكر عن الذكر أمسكت الملائكة عن البناء.
- أمان من النفاق: قال ابن القيم: وأن كثرة ذكر الله أمان من النفاق، فإن المنافقين قليلو الذكر لله .
стр. 22
سلامة الصدر
قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ).
- تعريف سلامة الصدر: المراد به عدم الحقد والغل والبغضاء.
- من هو مخموم القلب ؟: قال الرسول ﷺ :] أفضل الناس كل مخموم القلب صدوق اللسان. قالوا: صدوق اللسان نعرفه؛ فما مخموم القلب؟ قال: التقي النقي؛ لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد [. رواه ابن ماجه.
- أفضل طرق الجنة: قال قاسم الجوعي: أفضل طرق الجنة سلامة الصدر.
- الدعاء بسلامة الصدر: كان من دعائه ﵌:] واسلل سخيمة قلبي [وعند الترمذي:] واسلل سخيمة صدري [. وهذه منقبة وخلة عظيمة الشأن قليل هم الذين يتحلون بها؛ لأنه عسيرٌ على النفس أن تتجرد من حظوظها، وتتنازل عن حقوقها لغيرها، هذا مع ما يقع من كثير من الناس من التعدي والظلم، فإذا قابل المرء ظلم الناس وجهلهم وتعديهم بسلامة صدر، ولم يقابل إساءتهم بإساءة، ولم يحقد عليهم، نال مرتبة عالية من الأخلاق الرفيعة والسجايا النبيلة. وهو عزيز ونادر في الناس، ولكنه يسير على من يسره الله عليه. وما يلقاها إلاالذين صبروا ومايلقاها إلا ذو حظ عظيم.
- من صفات أهل الجنة: فلا بد للمسلم من تربية نفسه على سلامة الصدر ونقاء السريرة التي هي صفة من صفات أهل الجنة: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ).
- مما يعين على سلامة الصدر:
١ - الإخلاص وهو الرغبة فيما عند الله تعالى والزهد في الدنيا وزخرفها.
стр. 23
٢ - رضا العبد بما قسمه الله تعالى: قال ابن القيم: إن الرضى يفتح له باب السلامة فيجعل قلبه سليما نقيا من الغش والدغل والغل ولا ينجو من عذاب الله إلا من أتى الله بقلب سليم كذلك وتستحيل سلامة القلب مع السخط وعدم الرضى وكلما كان العبد أشد رضى كان قلبه أسلم. ا. هـ فمن تدبر كتاب الله تعالى علم ما أعده الله تعالى لمن سلمت صدورهم وقد وصف الله التابعين بإحسان بأن من دعائهم أن لايجعل في قلوبهم غلا للذين آمنوا.
٣ - قراءة القرآن وتدبره: فهو الدواء لكل داء، والمحروم من لم يتداو بكتاب الله، قال تعالى: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ).
٤ - تذكر الحساب والعقاب: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، فمن أيقن أنه محاسب ومسئول عن كل شيء هانت الدنيا عليه وزهد بما فيها وفعل ما ينفعه عند الله تعالى.
٥ - الدعاء: فعلى المسلم أن يلتزم هذا الدعاء لنفسه وأن يدعو به لإخوانه المسلمين (وَالذِّينَ جَآءُو مِن بَعدِهِم يَقُولُونَ رَبَنَا اغفِر لَنَا وَلإخوَانِنَا الّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَان وَلاَ تَجعَل في قُلُوبِنَا غِلاً لِلّذِينَءَامَنُوا رَبَنَا إنّكَ رَءُوفٌ رّحِيم).
٦ - حُسن الظن وحمل الكلمات والمواقف على أحسن المحامل: قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ).قال عمر ﵁: لا تحمل أخاك على المحمل السيئ وأنت تجد له في الخير سبعين محملاً.
٧ - إفشاء السلام: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ :] لاَ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا. أَوَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلاَمَ بَينَكُمْ [رواه مسلم.
стр. 24
قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: ثلاث يصفين لك ود أخيك تبدؤه بالسلام إذا لقيته وتوسع له في المجلس وتدعوه بأحب أسمائه إليه.
٨ - محبة الخير للمسلمين: عَنْ أَنَسٍ ﵁ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:] وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِجَارِهِ - أَوْ قَالَ لأَخِيهِ - مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ [رواه مسلم.
ومن محبة الخير للمسلمين الدعاء لهم.
- قال ابن القيم: فكما يحب أن يستغفر له أخوه المسلم كذلك هو أيضا ينبغي أن يستغفر لأخيه المسلم فيصير هجيراه - أي ديدنه - ... (رب اغفر لي ولوالدي وللمسلمين والمسلمات وللمؤمنين والمؤمنات) وقد كان بعض السلف يستحب لكل أحد أن يداوم على هذا الدعاء.
- وسمعت شيخنا-ابن تيمية- يذكره وذكر فيه فضلا عظيما لا أحفظه وربما كان من جملة أوراده التي لا يخل بها وسمعته يقول أن جعله بين السجدتين جائز. ا. هـ
- القلب السليم:
- قال ابن العربي: لا يكون القلب سليماً إذا كان حقوداً حسوداً معجباً متكبراً وقد شرط النبي ﷺ في الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. ا. هـ.
- وسئل ابن سيرين رحمه الله تعالى ما القلب السليم؟ فقال: الناصح لله في خلقه.
- قال شيخ الإسلام: فالقلب السليم المحمود هو الذي يريد الخير لا الشر، وكمال ذلك بأن يعرف الخير والشر، فأما من لا يعرف الشر فذاك نقص فيه لا يمدح به.
٩ - ترك الاستماع للغيبة والنميمة والإنكار على مرتكبهما، حتى يبقى قلب الإنسان سليماً.
- صور رائعة من سلامة الصدر:
- قال الفضل بن أبي عياش: كنت جالسا مع وهب بن منبه فأتاه رجل فقال: إني مررت بفلان وهو يشتمك. فغضب فقال: ما وجد الشيطان رسولا غيرك؟ فما برحت من عنده حتى جاءه ذلك الرجل الشاتم فسلم على وهب فرد عليه ومد يده وصافحه وأجلسه إلى جنبه.
стр. 25
- قال سفيان بن دينار: قلت لأبي بشير وكان من أصحاب علي: أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟ قال: كانوا يعملون يسيرا ويؤجرون كثيرا. قلت: ولم ذاك؟ قال: لسلامة صدورهم.
- قال زيد بن أسلم: دُخل على أبي دجانة ﵁ وهو مريض وكان وجهه يتهلل فقيل له: ما لوجهك يتهلل؟ فقال: ما من عملي شيء أوثق عندي من اثنتين.
أما إحداهما: فكنت لا أتكلم فيما لا يعنيني. وأما الأخرى: فكان قلبي للمسلمين سليما.
حي على الجهاد
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).
- الجهاد طريق مختصر للجنة: قال الحسن البصري: إن لكل طريق مختصراً ومختصر طريق الجنة الجهاد.
- دليل المحبة الواجبة: قال شيخ الإسلام: فمن لم يكن فيه داع إلى الجهاد فلم يأت بالمحبة الواجبة قطعا كان فيه نفاق كما قال تعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون).
- الجهاد فيه خير الدنيا والآخرة: قال شيخ الإسلام: واعلموا أن الجهاد فيه خير الدنيا والآخرة وفي تركه خسارة الدنيا والآخرة قال الله تعالى في كتابه: (قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين) يعني إما النصر والظفر وإما الشهادة والجنة فمن عاش من المجاهدين كان كريما له ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ومن مات منهم أو قتل فإلي الجنة.
стр. 26
- خصال عظيمة للشهيد: قال النبي ﷺ : [للشهيد عند الله ست خصال يغفر له في أول دفعة ويرى مقعده من الجنة ويجار من عذاب القبر ويأمن من الفزع الأكبر ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها ويزوج اثنتين وسبعين من الحور العين ويشفع في سبعين من أقاربه] رواه الترمذي.
- أعظم كرامة للشهيد: قال الرسول ﷺ :] ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد، يتمنى أن يرجع إلى الدنيا، فيقتل عشر مرات؛ لما يرى من الكرامة [. متفق عليه.
- الحياة الحقيقية في الجهاد: قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)
- قال ابن القيم: الجهاد من أعظم ما يحييهم به في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة.
- أما في الدنيا: فإن قوتهم وقهرهم لعدوهم بالجهاد.
- وأما في البرزخ: فقد قال تعالى (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون).
- وأما في الآخرة: فإن حظ المجاهدين والشهداء من حياتها ونعيمها أعظم من حظ غيرهم.
- عِظم أجر المجاهد: قال ﷺ :] ... فَإنَّ مُقامَ أَحَدِكُمْ في سَبيلِ الله أفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهِ في بَيْتِهِ سَبْعِينَ عَاماً، أَلاَ تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ الله لَكُمْ، وَيُدْخِلَكُمُ الجَنَّةَ؟ اغْزُوا في سَبيلِ الله، من قَاتَلَ في سَبِيلِ الله فُوَاقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ [رواه الترمذي.
- الجهاد لا يعدله شيء من العبادات: [ قيل: يا رسول الله، ما يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال: لا تستطيعونه فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول: لا تستطيعونه، ثم قال: مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام، ولا صلاة، حتى يرجع المجاهد في سبيل الله] متفق عليه.
стр. 27
التوبة وظيفة العمر
قال تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى الله جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). قال السعدي: لأن المؤمن يدعوه إيمانه إلى التوبة ثم علق على ذلك الفلاح، فقال: (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) فلا سبيل إلى الفلاح إلا بالتوبة، وهي الرجوع مما يكرهه الله، ظاهرا وباطنا، إلى: ما يحبه ظاهرا وباطنا، ودل هذا، أن كل مؤمن محتاج إلى التوبة، لأن الله خاطب المؤمنين جميعا، وفيه الحث على الإخلاص بالتوبة في قوله: (وَتُوبُوا إِلَى الله) أي: لا لمقصد غير وجهه، من سلامة من آفات الدنيا، أو رياء وسمعة، أو نحو ذلك من المقاصد الفاسدة. ا. هـ
- أهمية التوبة في حياة النبي ﷺ : عن الأغر المزني ﵁: أن رسول الله ﷺ قال:] إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة [. رواه مسلم
قوله:" ليغان "، الغين: الغيم، والمراد ما يغشاه من السهو الذي لا يسلم منه البشر. .
- حاجتنا إلى التوبة: إن التوبة وظيفة العمر، وبداية العبد ونهايته، وأول منازل العبودية، وأوسطها، وآخرها.
وحاجتنا إلى التوبة ماسة، بل إن ضرورتنا إليها مُلِحَّة؛ فنحن نذنب كثيراً، ونفرط في جنب الله ليلاً ونهاراً؛ فنحتاج إلى ما يصقل القلوب، وينقيها من رين الذنوب.
ثم إن كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون؛ فالعبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات.
- الإكثار من الاستغفار في جميع الأحوال: قال الحسن البصري: أكثروا من الاستغفار في بيوتكم وعلى موائدكم وفي طرقكم وفي أسواقكم وفي مجالسكم وأينما كنتم فإنّكم لا تدرون متى تنزل المغفرة).
стр. 28
- الإكثار من الاستغفار: مما يتأكد عليك من الأذكار الإكثار من الاستغفار فإن فضائله كثيرة، وبركاته غزيرة، وقد أمر الله به في كتابه في قوله تعالى: (واستغفروا الله إن الله غفور رحيم) وأثنى على قوم استغفروه من فعلهم المنكر بقوله: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم).
- كيف تنفك من المعاصي: المعاصي سلسلة في عنق العاصي لا يفكه منها إلا الاستغفار والتوبة.
قال الله تعالى: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون).
- قال الإمام ابن القيم: الاستغفار الذي يمنع العذاب هو الاستغفار بالإقلاع عن كل ذنب، وأما من أصر على الذنب وطلب من الله المغفرة فاستغفاره لا يمنع العذاب؛ لأن المغفرة هي محو الذنب وإزالة أثره ووقاية شره.
- هل يكفي في التوبة من الغيبة الاستغفار للمغتاب أم لا بد من إعلامه ؟ قال ابن القيم: وهذه المسألة فيها قولان للعلماء , وهما روايتان عن الإمام أحمد , وهما هل يكفي في التوبة من الغيبة الاستغفار للمغتاب أم لا بد من إعلامه وتحلله. قال والصحيح أنه لا يحتاج إلى إعلامه بل يكفيه الاستغفار وذكره بمحاسن ما فيه في المواطن التي اغتابه فيها.
- الاستغفار حل لكثير من المشكلات:
- قال تعالى: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ).
- وقال تعالى على لسان نوح ﵇: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا)
- قال بن بشر: سمعت ابن عيينة يقول: غضب الله داء لا دواء له.
стр. 29
قلت: دواؤه كثرة الاستغفار بالأسحار، والتوبة النصوح.
- قال شيخ الإسلام: من ابتلي ببلاء قلب أزعجه فأعظم دواء له قوة الالتجاء إلى الله ودوام التضرع والدعاء بأن يتعلم الأدعية المأثورة ويتوخى الدعاء في مظان الإجابة مثل آخر الليل، وأوقات الآذان والإقامة وفي السجود وأدبار الصلوات، ويضم إلى ذلك الاستغفار.
- قال جعفر بن محمد: يا سفيان إذا أنعم الله عليك بنعمة فأحببت بقاءها ودوامها فأكثر من الحمد والشكر عليها، فإن الله قال في كتابه: (لئن شكرتم لأزيدنكم)
- وإذا استبطأت الرزق، فأكثر من الاستغفار، فإن الله قال في كتابه: (استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا).
- شروط التوبة:
كلمة التوبة كلمة عظيمة، لها مدلولات عميقة، لا كما يظنها الكثيرون، ألفاظ باللسان ثم الاستمرار على الذنب، ولأن الأمر العظيم لابد له من شروط، فقد ذكر العلماء شروطاً للتوبة مأخوذة من الآيات والأحاديث، وهذا ذكر بعضها:
الأول: الإقلاع عن الذنب فوراً.
الثاني: الندم على ما فات.
الثالث: العزم على عدم العودة.
الرابع: إرجاع حقوق من ظلمهم، أو طلب البراءة منهم.
وزاد بعضهم: الإخلاص فيها لله تعالى.
- الاستغفار نوع من الدعاء:
- قال ابن رجب: ومجرّد قول القائل: اللهمّ اغفر لي طلب للمغفرة ودعاء بها، فيكون حكمه حكم سائر الدّعاء إن شاء أجابه وغفر لصاحبه، لا سيّما إذا خرج من قلب منكسر بالذّنب وصادف ساعة من ساعات الإجابة كالأسحار وأدبار الصّلوات.
- ويُروى عن لقمان ﵇ أنّه قال لابنه: يا بنيّ عوّد لسانك: اللهمّ اغفر لي فإنّ لله ساعات لا يردّ فيها سائلاً.
- ما هي الأمور التي تعين على التوبة:
١ - الإخلاص لله والإقبال عليه: فإذا أخلص الإنسان لله، وصدق في طلب التوبة أعانه الله عليها، ويسره لها.
стр. 30
٢ - قِصَر الأمل وتَذَكُّر الآخرة: فإذا تذكر المرء قِصَرَ الدنيا، وسرعة زوالها، وأدرك أنها مزرعة للآخرة، وفرصة لكسب الأعمال الصالحة، وتذكر ما في الجنة من النعيم المقيم، وما في النار من النكال والعذاب الأليم_أقصر عن الاسترسال في الشهوات، وانبعث إلى التوبة النصوح وتدارك ما فات بالأعمال الصالحات.
٣ - البعد عن المثيرات وما يذكر بالمعصية: فيبتعد عن كل ما يثير فيه دواعي المعصية، ونوازع الشر، ويبتعد عن كل ما يثير شهوته، ويحرك غريزته من مشاهدة الأفلام الخليعة، وسماع الأغاني الماجنة، وقراءة الكتب السيئة، والمجلات الداعرة.
٤ - مصاحبة الأخيار ومجانبة الأشرار: فجليس الخير ينصح لك، ويُبَصّرك بعيوبك، ورفيق السوء يفسد على المرء دينه، ويخفي على صاحبه عيوبه، ويصله بالأشرار، ويقطعه عن الأخيار، ويقوده إلى الفضيحة والخزي والعار.
أولياء الله
- قال الله تعالى: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الذين آمنوا وكانوا يتقون. لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم).
- قال الطبري: يقول تعالى ذكره: ألا إن أنصار الله لا خوف عليهم في الآخرة من عقاب الله، لأن الله رضي عنهم فآمنهم من عقابه ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا.
- من هو الولي ؟:
- قال شيخ الإسلام: فكل من كان مؤمنا تقيا كان لله وليا.
- قال الحافظ ابن حجر: المراد بولي الله العالم بالله تعالى المواظب على طاعته المخلص في عبادته.
- كيف يكون التفاضل بين أولياء الله ؟: قال شيخ الإسلام: وإذا كان أولياء الله هم المؤمنين المتقين فبحسب إيمان العبد وتقواه تكون ولايته لله تعالى، فمن كان أكمل إيمانا وتقوى كان أكمل ولاية لله. فالناس متفاضلون في ولاية الله بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى.
стр. 31
قال شيخ الإسلام: وإذا كان أولياء الله هم المؤمنين المتقين فبحسب إيمان العبد وتقواه تكون ولايته لله تعالى، فمن كان أكمل إيمانا وتقوى كان أكمل ولاية لله. فالناس متفاضلون في ولاية الله بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى.
- صفات أولياء الله: قال شيخ الإسلام: ومن كان حبه لله وبغضه لله لا يحب إلا لله ولا يبغض إلا لله ولا يعطي إلا لله ولا يمنع إلا لله فهذه حال السابقين من أولياء الله.
والولي لا يكون وليا لله حتى يبغض أعداء الله ويعاديهم، وينكر عليهم، فمعاداتهم والإنكار عليهم هو من تمام ولايته، ومما تترتب صحتها عليه.
- طبقات أولياء الله: قال شيخ الإسلام: وأولياء الله على طبقتين: سابقون مقربون، وأبرار أصحاب يمين مقتصدون. ذكرهم الله سبحانه في عدة مواضع من كتابه، في أول الواقعة، وآخرها.
قال تعالى: (وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم ثلة من الأولين وقليل من الآخرين)
- أقسام الولاية: قال الشيخ بن عثيمين: والولاية تنقسم إلى:
١ - ولاية من الله للعبد.
٢ - وولاية من العبد لله.
فمن الأولى قوله تعالى (الله ولي الذين آمنوا)، ومن الثانية قوله تعالى: (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا ... )
والولاية التي من الله للعبد تنقسم إلى:
- عامة.
- وخاصة.
فالولاية العامة هي: الولاية على العباد بالتدبير والتصريف، وهذه تشمل المؤمن والكافر وجميع الخلق، فالله هو الذي يتولى عباده بالتدبير والتصريف والسلطان وغير ذلك، ومنه قوله تعالى. (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق آلا له الحكم وهو أسرع الحاسبين)
стр. 32
والولاية الخاصة: أن يتولى الله العبد بعنايته وتوفيقه وهدايته، وهذه خاصة بالمؤمنين، قال تعالى: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات)، وقال: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون).
- كيف تُنال ولاية الله: ولاية الله لا تنال إلا بالعبودية.
قال ابن القيم: من أراد السعادة الأبدية فليلازم عتبة العبودية، ولا تنال الولاية إلا بطاعة الله.
- مقتضيات ولاية الله:
١ - اتخاذ الله حكماً: قال تعالى: (أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِي حَكَماً)، لا يمكن أن أتخذ غير الله حكماً يحكم في الأمور.
٢ - إفراد الله بالنسك: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ) فالذي يشرك مع الله في العبادة ليس يوالي الله مطلقاً، إذ كيف يشرك معه وهو يواليه.
٣ - تولية الله في جميع الشئون والأحوال: إذا كانت ولايتك لله صحيحة فلا بد أن تتمسك بدين الله، وتترك ما أحدث الناس في الدين من البدع.
٤ - محبة أحباب الله: أن تحب أحباب الله أن تحب أولياء الله ، وتعادي من عادى الله، ومن أبغض الله.
٥ - تحمل الأذى في سبيل الله: لأن هذه الولاية ستكلفك أشياء عظيمة؛ قد تكلفك حياتك قد تكلفك مالك وابتعادك عن أرضك.
٦ - عدم اتخاذ أعداء الله أولياء: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)،وهناك كثير من المسلمين اليوم يسارعون في موالاة الكفار ومصادقتهم وعقد الأحلاف للنصرة فكيف يجتمعان في قلب عبد؟
- احذر كل الحذر: قال بعض السلف: لا تكن وليا لله في العلانية وعدوه في السر.
стр. 33
هل تحمل هم الآخرة ؟
- قال تعالى: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)
- قال البغوي: اللهو هو: الاستمتاع بلذات الدنيا، واللعب: العبث، سميت بهما لأنها فانية. (وإن الدار الآخرة لهي الحيوان) أي: الحياة الدائمة الباقية، و"الحيوان": بمعنى الحياة، أي: فيها الحياة الدائمة، (لو كانوا يعلمون) فناء الدنيا وبقاء الآخرة.
- أقسام الهموم: لا يخلو الإنسان من الهموم: والهم همان: هم الدنيا، وهم الآخرة. فمن سلم من أحدهما لم يسلم من الآخر، والغافل من كانت همه الدنيا، أما العاقل فهو من كانت همه الآخرة، فالإنسان بين هذين الهمين ولا ثالث.
- آثار هم الدنيا والآخرة: قال النبي ﷺ :] من كان همه الآخرة، جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته الدنيا، فرق الله عليه ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له [.رواه أحمد
- ثمرة هم الآخرة: فعن همّ الآخرة يتولد ويتفرع هم الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإصلاح الناس، إذ من شغلته آخرته بالرغبة في الجنة والرهبة من النار، وتعلم من دينه محبة الخير.
- قال ﷺ : (ما رأيت مثل الجنة نام طالبها، وما رأيت مثل النار نام هاربها) رواه الترمذي.
- حال السلف مع الدنيا: كان السلف ﵃ يملكون أشياء من الدنيا ويبيعون ويشترون ولكن الدنيا بين أيدهم والآخرة في قلوبهم، وهذا على خلاف كثير منا اليوم الذين ملئوا قلوبهم بأعراض هذه الحياة ومشاكلها وشهواتها وأطماعها فأصبح هم الآخرة في قلوبهم ضعيفاً وأثر العبادات على سلوكهم ضعيفاً وأصبحت محبة الله في القلوب ضعيفة وجعلوا لله فضول الأوقات والاهتمامات والأموال.
стр. 34
- متى يخرج هم الآخرة من قلبك:
- قال الإمام مالك: بقدر ما تحزن للدنيا كذلك يخرج هم الآخرة من قلبك، وبقدر ما تحزن للآخرة كذلك يخرج هم الدنيا من قلبك.
- فإن القلب إذا امتلأ من الدنيا والاهتمام بها، وضعف فيه هم الآخرة والاستعداد لها، لم يكن فيه محل لتدبر كلام الله . فالتعلق بالآخرة وعدم الانشغال بالدنيا هو رأس كل خير.
- قال ابن القيم: اعلم أن القلب إذا خلى من الاهتمام بالدنيا والتعلق بما فيها من مال أو رياسة أو صورة، وتعلقَ بالآخرة والاهتمام بها من تحصيل العُدَّة.
- والتأهب للقدوم على الله : فذلك أول فتوحه، وتباشير فجره. فعند ذلك يتحرك قلبه لمعرفة ما يرضى به ربه منه، فيفعله ويتقرب به إليه، وما يسخطه منه فيجتنبه. وهذا عنوان صدق إرادته.
- صور من هموم الآخرة عند السلف:
- قال سفيان الثوري: كنت أرمق سفيان في الليلة بعد الليلة، ينهض مرعوباً ينادي: النار النار، شغلني ذكر النار عن النوم والشهوات.
- مر ابن مسعود على نافخ كير فوقع من خوفه في هذه النار، وكان يمر على الحدادين فيبصر الحديدة وقد أحميت فيبكي ﵁ من تذكر الآخرة، وهكذا كان الصحابة والسلف على مثل هذا الأمر.
- يغتنم كل دقيقة في حياته: قال بعض الزهاد: ما علمت أن أَحَدا سمَعَ بالْجَنَّة والنار تأتي عَلَيْهِ ساعة لا يطيع الله فيها بذكر أو صلاة أو قراءة أو إحسان. فَقَالَ لَهُ رجل إني أكثر البُكَاء فَقَالَ: إنك إن تضحك وأَنْتَ مقر بخطيئتك خَيْر من أن تبكي وأَنْتَ مدل بعملك، وأن المدل لا يصعد عمله فوق رأسه.
فَقَالَ: أوصني فَقَالَ: دع الدُّنْيَا لأهلها كما تركوا هم الآخرة لأهلها، وكن فِي الدُّنْيَا كالنحلة، إن أكلت أكلت طيباً، وإن أطعمت أطعمت طيباً، وإن سقطت عَلَى شَيْء لم تكسره ولم تخدشه.
- هم لقاء الله تعالى:
- اجعلِ الهم هما واحدا هم الآخرةِ، وهو هم لقاء الله ، وهم الوقوفِ بين يديه.
стр. 35
- أن يتذكر العبد أنه إلى الله صائر، أن يتذكر أن لكل بدايةٍ نهاية، وأنه ما بعد الموت من مستعتب، وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، فإذا تذكر الإنسان أن الحياة زائلة، وأن المتاع فانٍ وأنها غرورٌ حائل، دعاه والله ذلك إلى أن يحتقر الدنيا ويقبل على ربها إقبال المنيب الصادق وعندها يرق قلبه، ومن نظر إلى القبور، ونظر إلى أحوال أهلها انكسر قلبه، وكان قلبه أبرأ ما يكون من القسوة ومن الغرور والعياذ بالله.
- هل يشغل قلبك هم الدار الآخرة أم أنك نسيت ؟ حتى صرت من الذين يصلون ولم يصلوا، ينقرها ولا يدري ماذا صلى، وبم قرأ الإمام، ولم يتذكر يوماً خشع فيه من قراءة القرآن.
- صفات من يحمل هم الآخرة:
١ - إصلاح النفس: هذه مهمتهم في الدنيا العبادة لله وحده لا شريك له هم يعلمون أن الله يرحم ويغفر ويعفوا إلا أنهم لم يتكلوا على ذلك بل يندموا على كل تفريط وتقصير وذنب يقترفونه في جنب الله مهما صغر لأنهم علموا أن الذي يُعصى هو الله العظيم الجليل جل في علاه وتراهم يحزنون لمصاب المسلمين وما يقع عليهم من ظلم وجور وما يصيبهم من بلاء. إنها نفوس ملئت رحمة ورأفة بسبب حملهم هم الآخرة الذي غلب على قلوبهم.
٢ - المحاسبة الدائمة للنفس: فترى صاحب الهم الأخروي دائماً محاسباً لنفسه على كل قول أو فعل.
قال الحسن البصري في تفسير قوله تعالى: (وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) هي والله نفس المؤمن، ما يرى المؤمن إلا يلوم نفسه ما أردت بكلامي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ والفاجر لا يحاسب نفسه.
وهذا الحزن وتلك المراقبة، لم تكن قيداً يكبلهم في زوايا المساجد أو البيوت يبكون على أنفسهم ويتركون أهل الباطل والضلال دون إصلاح وإنكار لأنفسهم ولمن حولهم كلا بل الحزن الذي في قلوبهم هو المحرك لهذا العمل فيصلحون أنفسهم ويصلحون غيرهم ويصبرون على البلاء والأذى الذي يلاقونه.
стр. 36
٣ - تأثرهم بمشاهد الموتى وحالاتهم: فهم بسبب حياة قلوبهم يربطون كل أمر في الدنيا بالآخرة فالموت يذكرهم بدنو الأجل مما يجعلهم يدأبون في العمل للآخرة حتى يقدموا لأنفسهم عملاً صالحاً يرفعهم إلى أعلى الدرجات في الجنات.
الافتقار إلى الله تعالى
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى الله والله هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ).قال الشوكاني: أي: المحتاجون إليه في جميع أمور الدين والدنيا، فهم الفقراء إليه على الإطلاق.
- ما هو الفقر الحقيقي ؟: قال ابن القيم: الفقر الحقيقي: دوام الافتقار إلى الله في كل حال وأن يشهد العبد في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة إلى الله تعالى من كل وجه.
- حال أكثر الناس:
- جميع الخلق مفتقرون إلى الله في كل شئونهم وأحوالهم، وفي كل كبيرة وصغيرة، وفي هذا العصر تعلق الناس بالناس، وشكا الناس إلى الناس، ولا بأس أن يستعان بالناس فيما يقدرون عليه، لكن أن يكون المعتمد عليهم والسؤال إليهم والتعلق بهم فهذا هو الهلاك بعينه، فإن من تعلق بشيء وُكِل إليه.
- نعتمد على أنفسنا وذكائنا بكل غرور وعجب!، أما أن نسأل الله العون والتوفيق، ونلح عليه بالدعاء، ونحرص على دوام الصلة بالله في كل الأشياء وفي الشدة والرخاء، فهذا آخر ما يفكر به بعض الناس.
- لذة الافتقار إلى الله:
- إن في الانكسار بين يدي الرب ومناداته ودعائه لذة لا توصف.
- قال بعض العارفين: إنه لتكون لي حاجة إلى الله، فأسأله إياها، فيفتح علي من مناجاته ومعرفته، والتذلل له، والتملق بين يديه: ما أحب أن يؤخر عني قضاءها وتدوم لي تلك الحال.
- أقرب الطرق إلى الله: قال سهل التستري: ليس بين العبد وبين ربه طريق أقرب إليه من الافتقار.
стр. 37
- متى تُفتح أبواب الرحمة: قال شيح الإسلام: وإذا توجه إلى الله بصدق الافتقار إليه واستغاث به مخلصا له الدين أجاب دعاءه وأزال ضرره وفتح له أبواب الرحمة فمثل هذا قد ذاق من حقيقة التوكل والدعاء لله ما لم يذقه غيره.
- أحسن ما يُتوسل به إلى الله: قال أبو حفص: أحسن ما يتوسل به العبد إلى الله: دوام الافتقار إليه على جميع الأحوال وملازمة السنة في جميع الأفعال وطلب القوت من وجه حلال.
- كيف تظفر بحاجتك ؟:
- قال ابن القيم: وما أتي من أتي إلا من قبل إضاعة الشكر وإهمال الافتقار والدعاء ولا ظفر من ظفر بمشيئة الله وعونه إلا بقيامة بالشكر وصدق الافتقار والدعاء.
- مثال واقعي: قال ابن القيم: وشهدت شيخ الإسلام إذا أعيته المسائل واستصعبت عليه فر منها إلى التوبة والاستغفار والاستغاثة بالله واللجوء إليه واستنزال الصواب من عنده والاستفتاح من خزائن رحمته فقلما يلبث المدد الإلهي أن يتتابع عليه مدا وتزدلف الفتوحات الإلهية إليه بأيتهن يبدأ.
- الاستعاذة متضمنة للافتقار: الاستعاذة بالله تعالى وهي المتضمنة لكمال الافتقار إليه والاعتصام به واعتقاد كفايته وتمام حمايته من كل شيء حاضر أو مستقبل، صغير أو كبير، بشر أو غير بشر ودليلها قوله تعالى: (قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق) إلى آخر السورة وقوله تعالى: (قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس) إلى آخر السورة.
стр. 38
- وجوب الجزم في الدعاء وعدم تعليقه بالمشيئة: لأن ذلك يشعر بعدم اهتمامه بالمطلوب وضعف الافتقار إلى الله. مثاله: فلا تقل اللهم وفقني إن شئت أوتقول لغيرك جزاك الله خيرا إن شاء الله، أو الله يهدينا إن شاء الله .... ، بل تعزم في الدعاء ولا تأتي بكلمة "إن شاء الله" في الدعاء. قال النبي ﷺ : [لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لى إن شئت اللهم ارحمنى إن شئت اللهم ارزقنى إن شئت وليعزم المسألة فإنه يفعل ما يشاء لا مكره له] رواه البخاري، ومسلم.
- الصفة الجامعة لجميع العبادات: المتأمل في جميع أنواع العبادة القلبية والعملية يرى أن الافتقار فيها إلى الله
هي الصفة الجامعة لها، فبقدر افتقار العبد فيها إلى الله يكون أثرها في قلبه، ونفعها له في الدنيا والآخرة، وحسبك أن تتأمل في الصلاة أعظم الأركان العملية، فالعبد المؤمن يقف بين يدي ربه في سكينة، خاشعاً متذللاً، خافضاً رأسه، ينظر إلى موضع سجوده، يفتتحها بالتكبير.
- إظهار الافتقار إلى الله مما يقوي الإيمان بالله .
- كيف يتحقق الافتقار إلى الله: الافتقار حادٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍ يحدو العبد إلى ملازمة التقوى ومداومة الطاعة. ويتحقق ذلك بأمرين متلازمين؛ هما:
١ - إدراك عظمة الخالق وجبروته: فكلما كان العبد أعلم بالله تعالى وصفاته وأسمائه كان أعظم افتقاراً إليه وتذللاً بين يديه.
٢ - إدراك ضعف المخلوق وعجزه: فمن عرف قدر نفسه، وأنَّه مهما بلغ في الجاه والسلطان والمال؛ فهو عاجز ضعيف لا يملك لنفسه صرفاً ولا عدلاً؛ تصاغرت نفسه، وذهب كبرياؤه، وذلَّت جوارحه، وعظم افتقاره لمولاه، والتجاؤه إليه، وتضرعه بين يديه.
- علامات الافتقار إلى الله:
١ - غاية الذل لله تعالى مع غاية الحب.
٢ - التعلّق بالله تعالى وبمحبوباته.
٣ - مداومة الذكر والاستغفار في كل الأوقات وعلى جميع الأحوال.
٤ - الخوف من عدم قبول الأعمال الصالحة.
стр. 39
٥ - خشية الله في السرَّ (صح: السرِّ) والعلن.
٦ - تعظيم أوامر الله ونواهيه.
- استشعار لذة الانكسار بين يدي الله: ومن الأمور التي تجدد الإيمان استشعار لذة المناجاة والانكسار بين يدي الله ، فلماذا يقول الرسول ﷺ :] أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد؟ لأن حال السجود فيه ذلة ليست في بقية الأحوال، وفيه انكسار وخضوع ليست في بقية الأحوال، ولذلك أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد، لما ألصق جبهته بالأرض، وهي أعلى شيء فيه لمن وضعها؟ لله، صار أقرب شيء لله.
- ما أحلى هذه الكلمات في مناجاة الله: قال ابن القيم: " فلله ما أحلى قوله هذه الحال- أي حال الانكسار بين يدي الله والخضوع له سبحانه:
- أسألك بعزك وذلي إلا رحمتني، أسألك بقوتك وضعفي، وبغناك عني وفقري إليك، هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك، عبيدك سواي كثير، وليس لي سيدٌ سواك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضريع، سؤال من خضعت لك رقبته، ورغم لك أنفه، وفاضت لك عيناه، وذل لك قلبه.
كيف نعظم الله في قلوبنا
- فمن عظمته ما أخبر به عن نفسه المقدسة بقوله: (وَمَا قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).
- قال رسول الله ﷺ : (يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماوات بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض) رواه البخاري.
- حكمة بليغة: قال شيخ الإسلام: فإن عظمة الله تعالى وجلاله في قلب العبد يقتضي تعظيم حرماته وتعظيم حرماته يحول بينه وبين الذنوب والمتجرئون على معاصيه ما قدروه حق قدره
стр. 40
- تفكر في هذا الكون العظيم:
- وأنّ هذا الكون بسمائه وأرضه وجباله وشجره ومائه وثراه وجميع المخلوقات يجعلها الله يوم القيامة على أصابعه ويجمعها في كفيّه ، كمَا صحت بذلك الأدلة.
- فهذا يدلّ على عظمة الله ، وصغر هذه المخلوقات الهائلة بالنسبة إليه ويدلّ على عظمته وكبريائه وجَبَروته سبحانه، ولهذا قال جل وعلا: (وَمَا قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ) أي: ما عظّموه حقّ تعظيمِه ..
- ما أحوجنا إلى أن نتعرف على عظمة الله وعلى جلال الله، وعلى قوة الله، وقدرته وعظيم جبروته.
- وأنه يجب علينا أن نعرف عظمة الله ، وننزهه عن كل نقص، وإذا علمنا ذلك، ازدادت محبتنا واجلالنا وتعظيمنا له ولأمره.
- قال تعالى: (ما لكم لا ترجون لله وقارا).
- أي: لا تعاملونه معاملة من توقرونه والتوقير العظمة.
- قال الحسن البصري: ما لكم لا تعرفون لله حقا ولا تشكرونه.
- وقال مجاهد: لا تبالون عظمة ربكم.
- وقال ابن عباس: لا تعرفون حق عظمته.
قال ابن القيم: وهذه الأقوال ترجع إلى معنى واحد وهو أنهم لو عظموا الله وعرفوا حق عظمته وحدوه وأطاعوه وشكروه فطاعته سبحانه اجتناب معاصيه والحياء منه بحسب وقاره.
- من أعظم الجهل: قال ابن القيم: من أعظم الظلم والجهل أن تطلب التعظيم والتوقير من الناس وقلبك خال من تعظيم الله وتوقيره فإنك توقر المخلوق وتجله أن يراك في حال لا توقر الله أن يراك عليها.
- أنواع توقير الله في القلب:
١ - ومن وقاره أن لا تعدل به شيئا من خلقه لا في اللفظ بحيث تقول والله وحياتك مالي إلا الله وأنت وما شاء الله وشئت.
٢ - ولا في الحب والتعظيم والإجلال.
٣ - ولا في الطاعة فتطيع المخلوق في أمره ونهيه كما تطيع الله بل أعظم كما عليه أكثر الظلمة والفجرة.
٤ - ولا في الخوف والرجاء ويجعله أهون الناظرين إليه ولا يستهين بحقه ويقول هو مبني على المسامحة ولا يجعله على الفضلة ويقدم حق المخلوق عليه.
следующие страницы →