ـ[موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية]ـ
(أكثر من ٩٠٠٠ موقف لأكثر من ١٠٠٠ عالم على مدى ١٥ قرنًا)
المؤلف: أبو سهل محمد بن عبد الرحمن المغراوي
الناشر: المكتبة الإسلامية للنشر والتوزيع، القاهرة - مصر، النبلاء للكتاب، مراكش - المغرب
الطبعة: الأولى
عدد الأجزاء: ١٠
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التراجم]
стр. 2
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ (١).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ (٣).
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار.
стр. 3
أما بعد: فإني لما تخرجت بالإجازة من كلية الشريعة بالمدينة النبوية سنة (ألف وثلاثمائة وخمسة وتسعين)، ودخلت إلى حقل الدعوة إلى الله، وأسست جمعية الدعوة إلى القرآن والسنة مع بعض الإخوة الفضلاء، رأيت هجمة شرسة من قبل أعداء الإسلام؛ كما هو الواقع الآن على الدعوة السلفية والتحذير منها، وأنها دعوة خطيرة على المجتمع.
والحق أن السلفية دعوة مباركة تهتم بتصحيح المعتقد، ونبذ الخرافات والشركيات، وتقويم العبادات على وفق السنة النبوية، وتصحيح السلوك وتهذيب الأخلاق وتزكيتها، وتربي الشباب على العناية بحفظ كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ علماً وعملاً، وفهماً وتطبيقاً، ودعوة وتأصيلاً، ولا ترى الحجية في غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، أو ما نتج عنهما من إجماع أو قياس صحيح، أو فهم سلفي منضبط، فمهما كان القائل فلا بد أن يُطلب منه الدليل من الكتاب أو السنة.
وقد أسست لذلك مدارس "دور القرآن" في كل أرجاء البلاد لنشر هذا المنهاج المبارك، وكان -ولله الحمد- الإقبال عليها من كل الشرائح الاجتماعية؛ الذكور والإناث، والصغار والكبار، والشباب والشابات، وها هم أهل المغرب الغيورون على الكتاب والسنة؛ يرفعون أكف الضراعة إلى الله أن يردّ عليهم مدارسهم، -أي: دور القرآن- التي خدمت البلاد والعباد بكلّ أنواع
стр. 4
الخدمات، فهذبت الشباب والشابات، وصرفتهم عن اللهو والعبث والفتن، والوقوع في حمأة الشرك والبدع والخرافات والإلحاد والرذائل والتكفير وفي كل ما يضرّ البلاد والعباد، وجعلتهم -ولله الحمد- مصابيح مضيئة بنور القرآن والسنة، في المساجد ودور القرآن وفي المؤسسات التعليمية بكل مراحلها الابتدائية والإعدادية، والثانوية والجامعية، وفي المناسبات من أعراس وعقائق وجنائز، وفي كل التجمعات التي تجتمع على الخير وعلى القرآن والسنة، وفي كل موقف يخدم الأهداف الصالحة لهذه البلاد الغالية من أمن وأمان، ويحاربون كل ما يؤدي إلى القلاقل والاضطراب؛ فإن هذا لا خير فيه للأمة بأجمعها، وكل من يقلق أمن هذه البلاد وغيرها من بلاد الإسلام؛ فلا يريد بالأمة خيراً. اللهم اهد ضالّ هذه الأمة.
هذا: وفي عام ثلاث وأربعمائة وألف، قدمت أطروحة لنيل الدكتوراه بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبويّة في قسم العقيدة. تحت عنوان: "العقيدة السلفية في مسيرتها التاريخية وقدرتها على مواجهة التحديات". وقد منّ الله تعالى بفضله وكرمه بنيلها وحيازتها بدرجة مشرِّفة جداً، وظلت حبيسة الرفوف مدة، وقد أعدت النظر فيها وزدت عليها أضعاف أضعافها من المباحث المنيفة، والفصول الشيقة، حتى غدا بعض فصولها مباحث مستقلة، وكتباً مفردة.
стр. 5
وقد ارتأيت اليوم أن تكون دراسة موضوع "العقيدة السلفية في مسيرتها التاريخية وقدرتها على مواجهة التحديات"؛ مقسمة إلى أقسام عديدة، مبرزة لمعالمها، وشاملة لمباحثها على النحو التالي:
* القسم الأول: إتحاف الأخيار بفضائل عقيدة السلف الأبرار.
* القسم الثاني: الاعتصام بالكتاب والسنة وفهم السلف عند ظهور الأهواء والبدع والفتن والاختلاف.
* القسم الثالث: الصحيح في تفصيل الاعتقاد من هدي خير العباد.
* القسم الرابع: أهل الأهواء والبدع والفتن والاختلاف.
* القسم الخامس: مغني العقلاء في بيان المواقف العقدية في دعوة الأنبياء.
* القسم السادس: المواقف العقدية والأساليب الدعوية في مواجهة تحديات الجاهلية من خلال صحيح سيرة خير البرية ﷺ .
* القسم السابع: موسوعة مواقف السلف الصالح في العقيدة والمنهج والتربية. وهو القسم الذي نخرجه للقراء في هذه الطبعة بإذن الله وتوفيقه.
* القسم الثامن: المصادر العلمية للعقيدة السلفية.
стр. 6
الأسباب البواعث على التأليف
إن المرء يظل أسير معتقداته وقناعاته الشخصية -إن كان صادقاً-؛ تتفتق بحسبها أفكاره وتنبعث على وِفقها أقواله وأفعاله، وإراداته، لا يحيد عنها ولا يزيغ، كان حبنا لسنة سيد المرسلين ﷺ ولنهج السلف الصالحين الذي غمر قلوبنا، وملأ أفئدتنا، باعثاً قوياً، وحافزاً مؤثراً في خط الصفحات وكتب هذه المجلدات، فنرجو الله أن نكون كذلك وأن يثبتنا، وأن لا يزيغ قلوبنا.
هذا الحب للنبي ﷺ تمخضت عنه أسباب دفعت لتأليف هذا الكتاب نجمل بعضها فيما يلي:
السبب الأول: النصح لله ورسوله والمسلمين:
فرض الله تعالى على لسان رسوله ﷺ النصح له ، ولكتابه، ورسوله، وللمسلمين عامتهم وخاصتهم، حيث حصر الناصح الأمين ﷺ الدين في التناصح على سبيل التنبيه على عظمة النصيحة، فقال: "الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، ثلاثاً. قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم" (١).
стр. 7
وقد يسر الله كتابة هذه الأسفار نصرة منا لله سبحانه، ولرسوله، ونصحاً لأنفسنا ولإخواننا ولعموم المسلمين الذين أوجب الله علينا النصح لهم، وإرشادهم لما فيه صلاحهم في الحال والمآل؛ وذلك بربطهم بمعتقد سلفهم الصالح رضوان الله عليهم؛ ولأن الخلف البارّ الذي يحرص على طلب الحق وتصفية المعتقد والمنهاج والمواقف، لا يجوز له بحال أن تنفك صلته عن السلف الصالح، في معرفة سيرهم ومناقبهم ومواقفهم العقدية والمنهجية، وهم قدوته في كل خير، وعلى نهجهم يسير، وبمواقفهم يقتدي، وهم -ولله الحمد- عدد كبير بلغ في هذا السجل المبارك أزيد من ألف إمام على مدى عصور الإسلام، ابتداء بعصر الصحابة والتابعين والتابعين لهم بإحسان، -لا كما يقوله بعض الجهال: إن السلفية بدأت بابن تيمية ثم ابن عبد الوهاب-، وتكون هذه الدراسة سجلاً مباركاً بيد كل سلفي يحتج به على كل مبطل ينكر هذا المنهاج ويتنكب عنه، ويطعن فيه، والطعن في هذا المنهج طعن في خيرة خلق الله، وهذا أمر عظيم وموبقة من الموبقات.
стр. 8
السبب الثاني: طعن الملاحدة وأعداء الإسلام في السلفية:
منذ قرابة ربع قرن تقريباً، حوالي سنة ١٣٩٥ هـ الموافق لسنة ١٩٧٥ م. -على ما يغلب على ظني-. عقد الملاحدة أعداء الإسلام ندوة كبيرة في بعض البلاد الإسلامية بخصوص الطعن في السلفية، وشارك فيها كبار القوم، وحضرها جمهور غفير من الناس، وشوهوا وافتروا كيف ما حلا لهم، ولم يقفوا عند عقد الندوة فقط، بل نشروها في جرائد لهم، يتكلمون بكلام لا يصدر إلا من عدو خبيث، يبينون للحضور والقراء خطورة العقيدة السلفية إن حصل انتشارها في مجتمعاتهم. وحينها انهالت علي الأسئلة للتعرف على السلفية، فمن الأسئلة: هل هناك كتاب يمكن أن نتعرف فيه على السلفيين ومواقفهم، فذكرت بأنني لا أعرف إلا كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵏ جميعاً. وبقيت تلك الأسئلة تراودني طيلة تلك المدة حتى كتب الله الرجوع إلى الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، والالتحاق بالدراسات العليا بها، ثم مرحلة الدكتوراه التي اغتنمتها فرصة لإخراجها من حيز التفكير إلى ساحة التطبيق العملي.
فكان هذا من أكبر الدوافع وأعظم المحفزات في تسجيل بحث نيل الدكتوراه في هذا الموضوع.
стр. 9
السبب الثالث: تقريب مواقف السلف للأمة:
لقد ظلت آثار السلف ومواقفهم العقدية في طيات كثير من المصنفات مطمورة، وبين أسطر أخرى مغمورة، لا يعرف الطلاب لها من سبيل، ولا يدلهم عليها دليل، إلا ما تيسر من كتاب "سير أعلام النبلاء" للإمام الذهبي ﵀، الذي ضم في تراجم أعلامه بعضها، وهو أحد المراجع التي استخلصنا فوائدها وفرائدها، وزدنا عليه عشرات من أمثاله التي استقرئت بكاملها، من مؤلفات العقائد، وأضعاف أضعافها مما انتقي من غيرها، كما سيأتي جرد أسماء بعض منها في محله إن شاء الله تعالى.
فتيسير الوقوف على مواقف السلف النيرة، وأقوالهم الزاهرة، وتراجمهم العطرة في كتاب مفرد، غاية في حد ذاتها.
هذا الكنز الثمين من الآثار السلفية الذي نقدمه اليوم للأمة لا يعلم قيمته ونفاسته إلا من أجهد نفسه للظفر بدرة من درره؛ وقطف ثمرة من ثمراته، وسل الغائص في بحر الكتب لاستخلاصها، والمسير طرفه بين الأسطر لالتقاط دررها، تعلم مدى الجهد والعناء الذي اختزل في ما بين يديك! ولا أدل على ذلك من أنا أمضينا زمناً طويلاً في استخراجها ونظم عقدها. والله الموفق، لا رب سواه.
стр. 10
السبب الرابع: التعريف بالسلف وإبراز مواقفهم:
هذه الموسوعة العظيمة الممهَّدة بين يدي الناظر فيها تيسر له التعرف على أئمة السلف والوقوف على تراجمهم، ومواقفهم العقدية في اتساق مرتب، واختصار مهذب؛ إذ معرفتها أنفع للمسلم في دينه ودنياه من معرفة أقوال غيرهم. كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
"ولهذا كان معرفة أقوالهم في العلم والدين وأعمالهم خيراً وأنفع من معرفة أقوال المتأخرين وأعمالهم في جميع علوم الدين وأعماله؛ كالتفسير وأصول الدين وفروعه والزهد والعبادة والأخلاق والجهاد وغير ذلك؛ فإنهم أفضل ممن بعدهم كما دل عليه الكتاب والسنة.
فالاقتداء بهم خير من الاقتداء بمن بعدهم، ومعرفة إجماعهم ونزاعهم في العلم والدين خير وأنفع من معرفة ما يذكر من إجماع غيرهم ونزاعهم؛ وذلك أن إجماعهم لا يكون إلا معصوماً، وإذا تنازعوا فالحق لا يخرج عنهم، فيمكن طلب الحق في بعض أقاويلهم، ولا يحكم بخطأ قول من أقوالهم حتى يعرف دلالة الكتاب والسنة على خلافه، قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
стр. 11
إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾. (١)
السبب الخامس: شد أزر السلفين وتثبيت قلوبهم:
قد يشعر المؤمن عموماً والسلفي خصوصاً بغربته في هذا الزمان وهو بين أهله، وبوحدته وهو بين أترابه، ليست غربة اتخذها اختياراً، ولا وحدة اصطفاها لنفسه استئثاراً، وإنما سيق لها اضطراراً، سنة اقتضتها حكمة رب عليم حكيم؛ قال النبي ﷺ : "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء" (٢).
قال الشاطبي: "وهذه سنة الله في الخلق، أن أهل الحق في جنب أهل الباطل قليل، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ (٤)، ولينجز الله ما وعد به نبيه ﷺ من عود وصف الغربة إليه؛ فإن الغربة لا تكون إلا مع فقد الأهل أو قلتهم، وذلك حين يصير المعروف منكراً والمنكر معروفاً، وتصير
стр. 12
السنة بدعة والبدعة سنة، فيقام على أهل السنة بالتثريب والتعنيف كما كان أولاً يقام على أهل البدعة، طمعاً من المبتدع أن تجتمع كلمة الضلال، ويأبى الله أن تجتمع حتى تقوم الساعة، فلا تجتمع الفرق كلها -على كثرتها- على مخالفة السنة عادة وسمعاً؛ بل لا بد أن تثبت جماعة أهل السنة حتى يأتي أمر الله، غير أنهم -لكثرة ما تناوشهم الفرق الضالة وتناصبهم العداوة والبغضاء، استدعاء إلى موافقتهم- لا يزالون في جهاد ونزاع، ومدافعة وقراع، آناء الليل والنهار، وبذلك يضاعف الله لهم الأجر الجزيل، ويثيبهم الثواب العظيم". (١)
فطوبى لهم في غربتهم، وطوبى لهم في استئناسهم بكلام ربهم، ومصاحبة أنفاس نبيهم ﷺ القولية والفعلية، وطوبى لمن جال بقلبه وفكره في كسر طوق هذه الغربة في رياض السنة النضرة، ومواقف السلف العطرة، ونأى بنفسه عن ورود حياض البدع الكدرة، ومستنقعاتها القذرة، وسقى نفسه من معين الكتاب والسنة ماء عذباً زلالاً، صافياً نقياً، لم تكدره الدلاء، ولم تخالطه الآراء.
وارتوى مما ارتوى منه أبو بكر وعمر ومن بعدهم من الخلفاء الراشدين، وبقية العشرة المبشرين، وسائر الصحابة المرضيين، ومن اقتفى أثرهم من الأئمة والمُحَدِّثِين، والعلماء المعتبرين، خلفاً عن سلف.
هذا المشرب الموحد الذي ورده سائر الأعلام على امتداد تاريخ هذه
стр. 13
الأمة المجيدة، طيلة أربعة عشر قرناً خلت، ولم يتخلف عنه أحد منهم، ولم يحد بصرهم عنه، رغم عواصف البدع الرعناء، وتيارات الإلحاد الهوجاء، ومحن من أشربها من القادة والسلاطين والغوغاء، فقاموا في وجهها محتسبين، وثبتوا في نزالها صابرين صامدين، جماعات ووحداناً؛ منهم الوحيد في زمانه، ومنهم المتقوي بإخوانه، فأضحو للأمة أعلاماً بها يهتدى، ونماذج تحتذى، ومصابيح تنير الطريق لسالك دربهم، فيحذو حذوهم. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١).
السبب السادس: إبراز معالم المنهج السلفي:
لقد أُثر عن السلف كثير من الأقوال الموضحة للمنهج السلفي، والمجلية لمعالمه، وهي منثورة في كتب عديدة كأصول السنة لللالكائي والاعتصام للشاطبي، وكتب شيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله، وغيرها من الكتب، وقد أودعنا ما وقفنا عليه منها في موسوعتنا هذه، إبرازاً لهذا المنهج العظيم، وتقريراً له بين عموم المسلمين، وأنه الحق الذي كان عليه السلف، وآب إليه من تاب من الخلف. وأكبر معالم هذا النهج القويم التي نازعنا فيها الخلفيون:
стр. 14
أ- وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة وفهم السلف:
إن أساس الدعوة السلفية الذي بنيت عليه، ومحورها الذي تدور في فلكه، والذي لا يجوز الخروج عنه أو القول بخلافه، والخارج عنه لا يعد سلفياً، هو: وجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة والتحاكم إليهما في كل المناحي العلمية والعملية، بفهم السلف رضوان الله عليهم أجمعين، امتثالاً لأمر ربنا جل وعلا في وجوب لزوم كتابه وسنة نبيه ﷺ ، واتباع سبيل خِيرة هذه الأمة الذين أنزل على النبي ﷺ وهو بين أظهرهم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (١).
ولا يتم عقد الإيمان إلا بتمام التسليم لله ولرسوله ﷺ ؛ والرضا بحكمه، وعدم الخروج عنه، كما قال تعالى في كتابه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (٢).
والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وقد أفردناها في قسم خاص
стр. 15
من هذه السلسة المباركة، سميته بـ: "الاعتصام بالكتاب والسنن وفهم السلف عند حدوث الأهواء والفتن والاختلاف" في ثلاث مجلدات لطيفة؛ أحدها في الآيات الدالة على الاعتصام بالكتاب والسنة مع توجيهها، والثاني في الأحاديث الواردة في الباب، والثالث في فهم السلف، وهو جرد وسرد لأقوالهم في الباب نفسه.
وفي موسوعتنا هذه قد أوردنا من أقوال السلف في تقرير هذا الأمر ضمن مواقفهم من المبتدعة ما يسر الناظر فيه، ويثلج صدر أحباب سنة رسول الله ﷺ والمتسننين بها.
ب- الرد على المخالف:
قد يستهجن بعض العوام وأشباه العلماء، وكثير من المثقفين والأدباء، والحزبيين، رد السلفيين على المخالفين من المبتدعة والمضلين والمميعين لأحكام الدين، حيث جندوا أنفسهم لكشف باطلهم وإبطال دعوتهم، فثارت ثائرة القوم بالإنكار والتنديد، والتبديع والتقريع، وأن هذا المسلك خلاف ما عليه السلف الذين يدعي السلفيون الانتساب إليهم!!
وما علم القوم أن الرد على المخالف لسنة المصطفى ﷺ هو محض النصح لله ولرسوله ﷺ كما سبق، وهو منهج السلف الأخيار لم يفارقوه برهة، ولم يتخلف أحد منهم عن القول به طوال تاريخ الإسلام.
стр. 16
وما أوردناه في هذا السفر من أقوال هذا الجم الغفير من الأعلام الذين يقارب عددهم المئتين والألف علَم، برهان ساطع في وجوب النصح للمسلمين، وتحذيرهم من المتقولين على الله بغير علم، الذين هم أعظم جرماً وأقبح جرأة في قيلهم وفعلهم، فالرد عليهم واجب، والتحذير منهم لازم.
قال ابن القيم ﵀: "وأما القول على الله بلا علم: فهو أشد هذه المحرمات تحريماً، وأعظمها إثماً؛ ولهذا ذكر في المرتبة الرابعة من المحرمات التي اتفقت عليها الشرائع والأديان، ولا تباح بحال؛ بل لا تكون إلا محرمة، وليست كالميتة والدم ولحم الخنزير الذي يباح في حال دون حال.
فإن المحرمات نوعان: محرم لذاته لا يباح بحال. ومحرم تحريماً عارضاً في وقت دون وقت. قال الله تعالى في المحرم لذاته: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ (١)، ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال: ﴿وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾.
فهذا أعظم المحرمات عند الله وأشدها إثماً؛ فإنه يتضمن الكذب على الله ونسبته إلى ما لا يليق به، وتغيير دينه وتبديله، ونفي ما أثبته، وإثبات ما نفاه،
стр. 17
وتحقيق ما أبطله، وإبطال ما حققه، وعداوة من والاه، وموالاة من عاداه، وحب ما أبغضه، وبغض ما أحبه، ووصفه بما لا يليق به في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله.
فليس في أجناس المحرمات أعظم عند الله منه ولا أشد إثماً. وهو أصل الشرك والكفر، وعليه أسست البدع والضلالات؛ فكل بدعة مضلة في الدين أساسها القول على الله بلا علم.
ولهذا اشتد نكير السلف والأئمة لها، وصاحوا بأهلها من أقطار الأرض، وحذروا فتنتهم أشد التحذير، وبالغوا في ذلك ما لم يبالغوا مثله في إنكار الفواحش والظلم والعدوان؛ إذ مضرة البدع وهدمها للدين ومنافاتها له أشد". (١)
ج- تحقيق الولاء والبراء:
إن كثيراً مما ألف في القديم والحديث من الكتب باسم: الفرق الإسلامية، أو الفكر الإسلامي، متضمن لكثير من الأخطاء العقدية والمنهجية التي ينسبها أصحابها لمعتقد أهل السنة وهم برآء منها، وكثير من القراء لا يعلم أن معظم ما كُتب فيها ما هو إلا أخطاء وانحرافات وبدع، حذر منها علماء السنة بحق وهم السلف، ودفعوها بقولهم وفعلهم ومواقفهم، طيلة العصور التاريخية.
فالإسلام هو الكتاب والسنة وفهم سلفي انبثق منهما، وما سوى ذلك
стр. 18
فلا يجوز أن ينسب إلى الإسلام لا من قريب ولا من بعيد، وإنما هي أخطاء وانحرافات عقدية ومنهجية يتحمل أصحابها تبعاتها في الدنيا وفي الآخرة؛ ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ (١). فنرجو الله تعالى أن يثيب محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم.
لذلك كان ولاء السلف للسنة وعلى السنة، والبراء من البدعة ودعاتها والقائمين عليها، لمناهضتهم السنة ومفارقتها وقيامهم بخلافها، ومخالفتهم نهجها، واختلافهم عليها.
"فعلى المرء المسلم إذا رأى رجلاً يتعاطى شيئاً من الأهواء والبدع معتقداً، أو يتهاون بشيء من السنن أن يهجره، ويتبرأ منه، ويتركه حياً وميتاً، فلا يسلم عليه إذا لقيه، ولا يجيبه إذا ابتدأ إلى أن يترك بدعته، ويراجع الحق. والنهي عن الهجران فوق الثلاث فيما يقع بين الرجلين من التقصير في حقوق الصحبة والعشرة دون ما كان ذلك في حق الدين؛ فإن هجرة أهل الأهواء والبدع دائمة إلى أن يتوبوا". قاله البغوي ﵀. (٢)
وقال أيضاً: "إن هجران أهل البدع على التأبيد، وكان رسول الله ﷺ
стр. 19
خاف على كعب وأصحابه النفاق حين تخلفوا عن الخروج معه، فأمر بهجرانهم إلى أن أنزل الله توبتهم، وعرف رسول الله ﷺ براءتهم، وقد مضت الصحابة والتابعون وأتباعهم، وعلماء السنة على هذا مجمعين متفقين على معاداة أهل البدعة، ومهاجرتهم.
قال ابن عمر ﵄ لمن سأله عن القوم الخائضين في القدر: "أخبرهم أني بريء منهم، وأنهم مني برآء". (١)
وقال أبو قلابة: لا تجالسوا أصحاب الأهواء، أو قال: أصحاب الخصومات، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، ويلبسوا عليكم بعض ما تعرفون.
وقال رجل من أهل البدع لأيوب السختياني: يا أبا بكر! أسألك عن كلمة. فولى وهو يقول بيده: ولا نصف كلمة.
وقال سفيان الثوري: من سمع بدعة، فلا يحكها لجلسائه، لا يلقيها في قلوبهم (٢).
قال الشيخ: "ثم هم مع هجرانهم كفوا عن إطلاق اسم الكفر على أحد من أهل القبلة؛ لأن النبي ﷺ جعلهم كلهم من أمته. وروي عن جماعة من السلف تكفير من قال بخلق القرآن، روي ذلك عن مالك، وابن عيينة، وابن
стр. 20
المبارك، والليث بن سعد، ووكيع بن الجراح، وغيرهم". (١)
السبب السابع: كشف عوار أهل البدع وبيان بطلان مذاهبهم:
هذا الجمع الذي نمهد له بهذه المقدمة قد ضم بين طياته مئات الأعلام الذين زاد عددهم عن الألف، وقرابة عشرة آلاف قول أو فعل مأثور عنهم في ذم الفرق المخالفة للسنة كلها.
بهذه المواقف الحميدة يتجلى بالدليل والبرهان الذي لا يبقى معه لمرتاب سبيل ارتياب، ولا لشاك متعلق تردد وحيرة، حيث اتفقت كلمة هذا الجمع الغفير من الأعلام، في شتى الأعصار، ومختلف الأمصار، وفيهم من الصحابة والتابعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين؛ مَنْ يعدل الواحد منهم أمة من الأمم، لا يعدل بعلمه وورعه تشكك شاك، وحيرة مرتاب غارق في وحل الجهل، مطمور في غيابات النسيان.
وما هذه الموسوعة إلا جرد وإبراز لهذا الإجماع السلفي في كشف عوار أهل البدع، وبيان بطلان مذاهبهم، فالحمد لله.
стр. 21
السبب الثامن: إبراز أن السلف هم المجددون حقا:
هذه المنحة الربانية التي خص الله تعالى بها أفراداً من هذه الأمة بأن جعلهم مجددين لأمر دينه في بريته، كما قال النبي ﷺ : "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها". (١)
وقد ادعى هذه الرتبة لنفسه كثير من المتعالمين، وناصرو البدعة وحاملو ألوية التعصب، ولم يدع هذه الرتبة أحد من العلماء الأجلاء، ولا فقيه من الفقهاء لنفسه؛ إذ لم تكن هذه الرتبة مطمحهم ولا غاية سعيهم، وإنما كان قصدهم الدعوة إلى الله وإلى سنة نبيه ﷺ .
جاء في عون المعبود: "إن المراد من التجديد إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة والأمر بمقتضاهما وإماتة ما ظهر من البدع والمحدثات، قال في مجالس الأبرار: والمراد من تجديد الدين للأمة إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة والأمر بمقتضاهما، وقال فيه: ولا يعلم ذلك المجدد إلا بغلبة الظن ممن عاصره من العلماء بقرائن أحواله والانتفاع بعلمه، إذ المجدد للدين لا بد أن يكون عالماً بالعلوم الدينية الظاهرة والباطنة ناصراً للسنة، قامعاً للبدعة،
стр. 22
وأن يعم علمه أهل زمانه، وإنما كان التجديد على رأس كل مائة سنة لانخرام العلماء فيه غالباً، واندراس السنن وظهور البدع، فيحتاج حينئذ إلى تجديد الدين، فيأتي الله تعالى من الخلق بعوض من السلف إما واحداً أو متعدداً انتهى. وقال القاري في المرقاة: أي يبين السنة من البدعة ويكثر العلم ويعز أهله ويقمع البدعة ويكسر أهلها. انتهى.
فظهر أن المجدد لا يكون إلا من كان عالماً بالعلوم الدينية، ومع ذلك من كان عزمه وهمته آناء الليل والنهار إحياء السنن ونشرها، ونصر صاحبها، وإماتة البدع ومحدثات الأمور ومحوها، وكسر أهلها باللسان أو تصنيف الكتب والتدريس أو غير ذلك، ومن لا يكون كذلك لا يكون مجدداً البتة وإن كان عالماً بالعلوم مشهوراً بين الناس، مرجعاً لهم.
فالعجب كل العجب من صاحب جامع الأصول أنه عد أبا جعفر الإمامي الشيعي والمرتضى أخا الرضا الإمامي الشيعي من المجددين ... ولا شبهة في أن عدهما من المجددين خطأ فاحش وغلط بين؛ لأن علماء الشيعة وإن وصلوا إلى مرتبة الاجتهاد وبلغوا أقصى المراتب من أنواع العلوم واشتهروا غاية الاشتهار، لكنهم لا يستأهلون المجددية. كيف وهم يخربون الدين فكيف يجددون؟ ويميتون السنن فكيف يحيونها؟ ويروجون البدع فكيف يمحونها؟ وليسوا إلا من الغالين المبطلين الجاهلين، وجل صناعتهم التحريف والانتحال
стр. 23
والتأويل، لا تجديد الدين ولا إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة.
هداهم الله تعالى إلى سواء السبيل". اهـ (١)
قلت: صدق ﵀؛ فإن التجديد المعتبر هو إحياء ما جاء به النبي ﷺ من الحق والهدى، وما ربى عليه أصحابه ﵃ أجمعين. وأما غير ذلك مما هو مخالف له فلا يعتبر تجديداً، بل هو إحداث في الدين، وتشويه لجماليته. فكم قوض أهل الكلام من جهمية ومعتزلة وأشاعرة من القواعد والأصول باسم التجديد؟! وهكذا لو تتبعت كل فرقة من الفرق لوجدت عندها الكثير من ذلك. فأحق الناس بالتجديد هم من كان أتبع للنبي ﷺ ، وأحفظ لسنته، وأشد تعظيماً لها، وهم السلف الصالح رضوان الله عليهم، ومن سار على منهجهم إلى يوم الدين.
السبب التاسع: إبطال دعوى التقريب بين الملل والنحل:
هذه الدعوى التي قام سوقها، واستوت على ساقها، في رواق منظمات أممية في التقريب بين الحضارات والأديان، وأخرى جهوية في التأليف بين الفرق والمذاهب الإسلامية، قد عقدت لأجلها ندوات ومؤتمرات، وأسست لها مجامع ومؤسسات تعنى بها وتروج لأفكارها ومبادئها، واتخذها المتزلفون
стр. 24
مطية للارتزاق، ووسيلة للوظائف السامية والمناصب العالية، بذلوا من أجل الدرهم دينهم، واستبدلوا بالدنيا أخراهم.
بهذه الموسوعة الميسَّرة للقارئين، بما ضمته من مواقف السلف الأخيار في البراءة من الشرك وأهله، والمبتدعة على اختلاف نحلهم ومشاربهم، وتنوع فرقهم، توضح بجلاء بطلان هذه الدعوى الزائفة الرامية إلى الانسلاخ من الدين، واعتبار القيم الإنسانية فوق كل شيء، حتى الشرائع بزعمهم، المقصود بهذه الدعوى أولاً وآخراً شريعتنا المحمدية التي نسخت الشرائع قبلها، وعفَّت آثارها، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ (١).
ثم إن ترويج الخلاف والاختلاف واعتباره أصلاً في الدين، وأن كل الفرق -الإسلامية زعموا- على اختلافها، وتضارب أفكارها، وتقاطع مساراتها، مجسَّم واحد لجسم واحد؛ وأنها كلها في تنوع متكامل، يجب أن تخضع لقول من قال "لنتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضها بعضاً فيما اختلفنا فيه".
هذا القول المحدث المبتور، لم يؤثر عن واحد من الأعلام الذين أوردنا أقوالهم في وجوب الالتزام بالسنة وموالاة القائمين بها، واجتناب الشرك والمشركين، والمبتدعة والمبتدعين.
стр. 25
وقد كشفنا أصول هذه الفرق كلها، والرد عليها، ومواقف السلف منها، وبينا خطرها على الأمة، بما لا يدع مجالاً للارتياب في أمرها، في كتابنا "أهل الأهواء والبدع والفتن والاختلاف"، الذي نعمل على إعداده للطبع وإتحاف القراء الكرام به قريباً إن شاء الله تعالى، يسر الله ذلك آمين.
стр. 26
منهج الكتاب
شرطنا في الأعلام:
هذه الموسوعة العظيمة الممهَّدة تُيَسِّرُ للناظر فيها التعرف على أئمة السلف والوقوف على تراجمهم ومواقفهم العقدية، خلا من تلبس ببدعة وعرف بها ودعا الناس إليها، وكانت له مواقف محمودة موافقة للحق أوردناها له، دون التعريف به، وهم بالمقارنة مع أعلام السنة في هذه الموسوعة نزر يسير وأقل من القليل.
ويهمنا من ذكره موقفه السلفي، من باب: (الحكمة ضالة المؤمن يأخذها حيث وجدها)، وقد رأيت المحدثين يروون أحياناً عن بعض المبتدعة فيما لا يخدم بدعهم، رغم تضييقهم الشرط في الرواية، وتبعهم الأئمة كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم والذهبي ﵏ جميعاً.
وأما أعلام السلف وهم أصل الكتاب ومعظم مادته، فنذكر اسمه ونسبه وسنة وفاته، وشيئاً من جميل أقواله، وبليغ حكمه إن تيسر. ثم نتبعه ما وقفنا عليه من مواقفه القولية أو العملية؛ المبطلة للبدع الردية، إلا إن كانت موفورة ومتعددة اصطفينا له أوضحها وأصرحها مما يمتع القارئ لها ويثلج صدره.
وقد حاولنا في جمعنا هذا إيراد أكبر عدد من الأعلام الذين مضوا إلى الله تعالى، وتيسر الوقوف على مواقفهم، غير أننا لا ندعي الإحاطة بالكل، ولا بما أثر عن كل واحد منهم.
стр. 27
هذا الجمع الذي وسع الكثير من الأعلام الذين زاد عددهم عن الألف، قد ضم بين دفتيه زبدة الكثير من كتب التراجم، والعقائد، والشروح الحديثية والفقهية، والمؤلفات الخاصة لكل إمام على حدة، كما هو مفصل في جرد تقريب المصادر المعتمدة، والذي سنذكره في بابه إن شاء الله تعالى.
منهجنا في إيراد المواقف:
إن مما يجدر التعريف به وتقريبه للقارئ الكريم المنهج الذي اتبعناه في انتقاء المواقف وإيرادها في الكتاب؛ إذ قد يلحظ الكل أنا قد أوردنا مواقف لأعلام من فرق ونحل لم تكن في زمانهم وإنما حدثت بعدهم بقرون. كما يلحظ أن المواقف متباينة بين تحذير صريح، وتوجيه وبيان للمعتقد الصحيح.
وبالجملة فالمواقف الواردة في كتابنا هذا هي على النحو التالي:
١) الرد الصريح على فرقة من الفرق بعينها، وإبطال دعوتها.
٢) الرد على أحد أفراد هذه الفرق.
٣) تقرير اعتقاد السلف في مسألة خالفت فيها فرقة من الفرق.
بهذا الاعتبار أوردنا أقوال كثير من الصحابة والتابعين وغيرهم من فرق لم تحدث في زمانهم؛ واعتبرناها مواقف منهم حيث استدل بها جلة العلماء في الرد على تلك الفرق أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهم ﵏ جميعاً.
стр. 28
ومن أمثلة ذلك ما جاء في السنة لعبد الله: عن ابن أبي مليكة قال: كان عكرمة بن أبي جهل يأخذ المصحف فيضعه على وجهه ويقول: "كلام ربي كلام ربي". (١) فاعتبرنا إثباته أن القرآن كلام الله رداً على الجهمية.
ومثله ما رواه ابن بطة بسنده إلى نيار بن مكرم الأسلمي -وكانت له صحبة-، قال: لما نزلت ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ (٢)، قالت قريش لأبي بكر ﵀: يا ابن أبي قحافة، لعل هذا من كلام صاحبك؟ قال: لا، ولكنه كلام الله . (٣)
واعتبرنا رداً على المرجئة وموقفاً منهم ما رواه الإمام أحمد واللالكائي عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت أبا بكر الصديق يقول: إياكم والكذب؛ فإن الكذب مجانب الإيمان. (٤)
وكذا اعتبرنا قول حنظلة الأسدي "نافق حنظلة" وقول أبي بكر له: "فوالله إنا لنلقى مثل هذا" رداً على الصوفية، حيث اعتبره أبو العباس القرطبي في المفهم (٥) رداً على غلاة الصوفية الذين يزعمون دوام مثل تلك الحال، ولا
стр. 29
يُعرجون بسببها على أهل ولا مال.
والأمثلة في هذا كثيرة خصوصاً في شطر من المجلد الأول، فليتنبه القارئ الكريم لهذا.
ترتيب المواقف:
وقد صنفنا هذه المواقف بحسب الفرق التي وجه سهم النقد إليها، -حسب الشرط الذي قدمناه- نظرنا لخطرها وضررها على الإسلام والمسلمين.
وهذه الفرق على التوالي هي: المبتدعة، ثم المشركون، ثم الرافضة، ثم الصوفية، ثم الجهمية، ثم القدرية، ثم الخوارج، ثم المرجئة.
وقد أفردت كتاباً ضخماً في أربع مجلدات، والموسوم بـ "أهل الأهواء والبدع والفتن والاختلاف". عرفت فيه بهذه الفرق وكشفت فساد مذاهبها، وألحقت بهم المقلدة مع بيان حالهم. وتفصيلُ ذلك كله سيجده القراء الكرام في هذا الكتاب قريباً إن شاء الله تعالى.
وموسوعتنا هذه التي زادت مواقف السلف فيها بمنِّ الله وكرمه على التسعة آلآف موقف، بدأت فيها بـ:
موقف السلف من المبتدعة:
والنكتة في ذلك أن سائر الفرق واقعة في البدعة لا محالة، وذلك أن البدع التي حدثت في الأمة منها ما يناقض التوحيد ويثلم الاعتقاد؛ وهي الأعمال
стр. 30
الشركية، ومنها ما يؤثر في الأفعال والأحكام والسلوك.
لذلك حسن البدء بها؛ لأنها تشمل كل النحل ولا تستثنى منها واحدة؛ إذ كل الفرق مخالفة في مناهجها ومذاهبها لكتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ .
وقد أوردنا في مواقف السلف من المبتدعة كل ما وقفنا عليه من أقوالهم وأفعالهم في ذم البدع عموماً، والحث على التمسك بالسنة وبفهم سلف الأمة خصوصاً.
ثم ثنينا بـ "موقف السلف من المشركين":
وقد أوردت فيه مواقف السلف الصالح من المشركين والزنادقة، طيلة تاريخ هذه الأمة المجيدة، وذلك بإبراز مواقف العلماء من الشرك والأعمال الشركية التي وقع فيها رجال من هذه الأمة، من الطواف بالأضرحة وسؤال المقبور، والاستعانة بهم دون الله تعالى، والتمسح بالأحجار والأشجار، والكهانة والسحر، وغيرها من الأعمال الشركية التي رُفعت أعلامها، وقامت مواسمها في بقاع عديدة من بلاد الإسلام.
وقد قام هؤلاء السلف الكرام مقام نبيهم ﵊ -وهم ورثته بحق- في تقرير التوحيد ونبذ الشرك، وطمس معالمه، وبذلوا في تحقيق ذلك كل غال ونفيس، واسترخصوا المهج والأموال والأولاد جهاداً في سبيل الله.
وفي مقدم هذه الكتيبة المباركة الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، ومن
стр. 31
جاء بعدهم من الأئمة والعلماء الأعلام، ومن سلك سبيلهم من الخلفاء والولاة والقضاة والملوك والحكام، في نماذج ساطعة في أفق هذه الأمة التي ستظل رايتها خفاقة بنصرة الله ودينه، والاستمساك بهدي رسوله ﷺ .
ثم أتبعتها بـ: "مواقف السلف من الرافضة":
هذه النحلة الدخيلة على الإسلام، اليهودية المنشأ، والفارسية المشرب، التي تبنت نشر الشرك والزندقة منذ تأسيسها، وطيلة تاريخها المشؤوم؛ هي التي شيدت المشاهد والأضرحة، وكانت أول من أحيا هذه الوثنية التي قضى عليها الرسول ﷺ في الجزيرة العربية، ثم صحابته في خارجها وكل الفاتحين من السلف الصالح رضوان الله عليهم.
ولذلك تسلطوا على الصحابة بذمهم وسبهم وتكفيرهم، بدعوى أن الصحابة حرفوا كتاب الله، وأنكروا ولاية علي ﵁. فتدثروا بولاية أهل البيت والنصرة لهم زعماً، في دعوى باهتة سيجد القارئ الكريم تفصيلها إن شاء الله في كتابنا: "أهل الأهواء والبدع والفتن والاختلاف".
ثم أتبعتها بـ: "مواقف السلف من الصوفية":
وذلك أن الصوفية هي امتداد طبيعي للرافضة في معظم أصولهم وطقوسهم، لا يخرجون عنها ولا يحيدون، وإنما يفارقونهم في المسميات فقط،
стр. 32
كما بينت ذلك بالبرهان القاطع والدليل الواضح، في كتابنا: "الأسباب الحقيقية لحرق إحياء علوم الدين". وكذلك كتابنا: "أهل الأهواء والبدع والفتن والاختلاف".
فلذلك أتبعت مواقف السلف من الرافضة مواقفهم من الصوفية للصلة الوثيقة بين الفرقتين، والتداخل بين النحلتين.
ثم أتبعتها بـ: "مواقف السلف من الجهمية"
والمراد بالجهمية ها هنا جنس المتكلمين على اختلاف مشاربهم وتعدد فرقهم، معتزلة كانوا أو جهمية أو أفراخهما من الأشاعرة، والماتريدية، والكلابية، وغيرهم من الآرائيين الخائضين في ذات الله تعالى وأسمائه وصفاته بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
وقد سلط هؤلاء معول التحريف والتعطيل والتأويل على النصوص وانتهكوا حرماتها، والحال كما قال العلامة ابن القيم ﵀: "فلو رأيتها وهم يلوكونها بأفواههم، وقد حلت بها المثلات، وتلاعبت بها أمواج التأويلات، وتقاذفت بها رياح الآراء، واحتوشتها رماح الأهواء، ونادى عليها أهل التأويل في سوق من يزيد، فبذل كل واحد في ثمنها من التأويلات ما يريد، فلو شاهدتها بينهم وقد تخطفتها أيدي الاحتمالات، ثم قيدت بعدما كانت مطلقة بأنواع الإشكالات، وعزلت عن سلطنة اليقين وجعلت تحت
стр. 33
حكم تأويل الجاهلين، هذا وطالما نصبت لها حبائل الإلحاد، وبقيت عرضة للمطاعن والإفساد، وقعد النفاة على صراطها المستقيم بالدفع في صدورها والأعجاز، وقالوا: لا طريق لك علينا؛ وإن كان لا بد فعلى سبيل المجاز، فنحن أهل المعقولات وأصحاب البراهين، وأنت أدلة لفظية وظواهر سمعية لا تفيد العلم ولا اليقين، فسندك آحاد وهو عرضة للطعن في الناقلين، وإن صح وتواتر ففهم مراد المتكلم منه موقوف على انتفاء عشرة أشياء لا سبيل إلى العلم بانتفائها عند الناظرين والباحثين.
فلا إله إلا الله والله أكبر، كم هدمت بهذه المعاول من معاقل الإيمان، وثلمت بها حصون حقائق السنة والقرآن، وكم أطلقت في نصوص الوحي من لسان كل جاهل أخرق، ومنافق أرعن، وطرقت لأعداء الدين الطريق، وفتحت الباب لكل مبتدع وزنديق.
ومن نظر في التأويلات المخالفة لحقائق النصوص؛ رأى من ذلك ما يُضْحِك عجباً، ويُبْكِي حزناً، ويثير حمية للنصوص وغضباً". اهـ (١)
هؤلاء القوم هم الذين أفسدوا على الناس أهم مطلوب لهم في معرفة خالقهم، والتعرف على بارئهم بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، وأوقعوهم في متاهة الاحتمال والجدال، والمقاييس الفاسدة.
стр. 34
لهذا أوردنا في الموقف منهم أفراداً وجماعات أقوال أئمة السلف المبطلة لمذاهبهم، والمفندة لآرائهم، وما فيه تقريع لهم، وتقرير لمذهب السلف في هذا الباب. والله الموفق.
ثم أتبعتها بـ: "مواقف السلف من الخوارج"
هذه النابتة المارقة التي خرجت على الأمة بالسيف، فكفرت وقتلت ونهبت، وفعلت بالمسلمين ما يعجز القلم عن تسطيره، واللسان عن اللفظ به.
وقد حذر منها رسول الله ﷺ في كثير من أحاديثه التي استقصينا صحيحها في الحديث عنهم وكشف حالهم وبيان بطلان مذهبهم في كتابنا: "أهل الأهواء والبدع والفتن والاختلاف".
وقد أوردنا ضمن المواقف من الخوارج نقولاً عن كثير من السلف، وفي مقدمهم الصحابة ﵃، والتابعين وبقية العلماء المعتبرين، الذين قاموا في وجوههم، وقاوموهم وجاهدوهم بالسيف واللسان، وأبطلوا مذهبهم بالحجة والبرهان، نصحاً للمسلمين، وتذكرة للغافلين وتنبيهاً لهم عن الانغماس في مسلك هؤلاء المارقين.
ثم أتبعتها بـ: "مواقف السلف من المرجئة"
والمرجئة عكس الخوارج ونقيضهم في كل شيء، أولئك كفروا الناس
стр. 35
بالكبائر، وهؤلاء جرؤوهم على الموبقات بله الصغائر، وأقعدوهم عن الفرائض والواجبات، ولم يبق لنصوص الوعيد عندهم حرمة، ولا للأحكام مكرمة.
وقد أبطل السلف مذهبهم، وقاموا على أهله بالنكير، وصاحوا على دعاته بالتحذير والتنفير والتشهير، حمية لدين الله من التضييع والتمييع الذي انتحلوه وأشربوه، وبثوه بين المسلمين.
ثم ختمت بـ: "مواقف السلف من القدرية"
هذه الفرقة المتقدمة الظهور التي أفسدت على الأمة عقيدتها، فأحيت مذاهب الباطل من الأعذار الإبليسية اللعينة، وعقائد المجوس والمشركين، المذمومة في كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ . وخطرهم على الأمة عظيم حيث منعت طائفة منهم تدخل قدرة الله ومشيئته في أفعال العباد، وأخرى جردت العبد من إرادته ومشيئته وجعلته مجبراً على أفعاله.
لهذا قام العلماء بالرد عليهم ودحض شبههم، والتحذير والتبرأ منهم، وكان صحابة رسول الله ﷺ أول من صدع بذلك وأعلنه، ثم تواردت أقوال السلف ممن بعدهم في ذمهم، وإبطال معتقدهم.
تنبيه: ومما ينبغي أن نلفت له نظر القارئ اللبيب الذي يعرف واقعه؛ أن هذه الفرق كلها موجودة علماً وعملاً، لها أتباع استهواهم مذهبها، وسلبهم
стр. 36
منهجها، وآخرون غُرِّرَ بهم فركبوا فلكها، وخاضوا بحرها، ورفعوا جهلاً أشرعتها.
فكم من المعالم الشركية المنتشرة اليوم بين المسلمين، والمنظمات التنصيرية والتهويدية الساعية بينهم؟! وكم من الصحفيين العلمانين والكتاب المتجهمين، والمنابر الصوفية، والمؤسسات الرافضية، والجماعات التكفيرية الخارجية العاملة في ساحتهم؟!
أما القدر فقد زلت فيه أقدام فئام من البشر، وأما الإرجاء فكاد أن يعم البلاد والعباد، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فهذه الفرق كلها لا تزال شاخصة في الوجود، وأفكارها ومبادئها ماثلة في كتب التفسير وشروح الحديث والعقيدة، وفي كتب الفرق، حتى في الصحف والجرائد، ودعاتها على الشاشات والقنوات، وفي المدارس والكليات، والمنتديات والندوات.
ومما يدل على ذلك: تصدي العلماء السلفيين خلال هذا القرن والذي سبقه لهذه الفرق كلها، وردهم على دعاتها بأعيانهم وأسمائهم. وكما قيل:
وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل
* وقد قسمت الكتاب -في هذه الطبعة- إلى عشرة مجلدات؛ حرصت على تناسبها بأن صدرت كل واحد منها بإمام عرف بمواقفه وجهاده ودعوته للسنة
стр. 37
والكتاب، حتى يكون قائداً وقدوة لمن جاء بعده، وقدوة الجميع إمام المتقين وسيد المرسلين محمد ﷺ .
فالمجلد الأول: مستهل بحمزة بن عبد المطلب المتوفى سنة (٣ هـ).
والثاني بـ: عمر بن عبد العزيز المتوفى سنة (١٠١ هـ).
والثالث بـ: مالك بن أنس المتوفى سنة (١٧٩ هـ).
والرابع بـ: أحمد بن حنبل المتوفى سنة (٢٤١ هـ).
والخامس بـ: محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة (٣١٠ هـ).
والسادس بـ: محمد بن إسحاق بن مَنْدَه المتوفى سنة (٣٩٥ هـ).
والسابع بـ: أبي محمد الحسين بن مسعود البَغَوِي توفي سنة (٥١٦ هـ).
والثامن بـ: شيخ الإسلام ابن تيمية المتوفى سنة (٧٢٨ هـ).
والتاسع بـ: محمد بن عبد الوهاب المتوفى سنة (١٢٠٦ هـ).
والعاشر بـ: محمد الأمين الشنقيطي المتوفى سنة (١٣٩٣ هـ).
وقد لاحظت في اختيار هؤلاء الأعلام نصرة الدين بالقول والعمل.
فأما حمزة بن عبد المطلب ﵁ فأول من انتصر لابن أخيه محمد بن عبد الله ﷺ ، لما أساء له الخبيث أبو جهل، فضرب حمزة ﵁ بقوسه فشجه بها شجة منكرة، فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله ﷺ قد عز وامتنع، وأن حمزة سيمنعه. فكفوا عن بعض ما كانوا يتناولون منه. وقد كتب الله
стр. 38
له الشهادة في أحد، ونال شرف "سيد الشهداء" (١) بشهادة النبي ﷺ له بذلك.
وأما عمر بن عبد العزيز ﵀ فهو الإمام الحبر الذي جمع بين العلم والعمل، والولاية العامة، ورغم قصر مدة ولايته ﵁ فقد سار في الأمة بسير جده لأمه عمر بن الخطاب ﵁، وقد كان هذا الإمام السيف البتار على كل مبتدع يرفع رأسه في زمانه، ومن حسناته العظيمة أمره محمد بن شهاب الزهري بجمع السنة النبوية حفظاً لها من الضياع والتضييع.
وأما الإمام مالك إمام دار الهجرة ﵀، فمن أوائل من وضع لبنة التأليف لإحياء السنة النبوية، وكتابه الموطأ هو أقدم وثيقة بين يدي المسلمين في جمع السنة.
ومن تتبع سيرة هذا الإمام ومواقفه العقدية -التي أثبتها في مؤلف خاص وفي هذه الموسوعة- يجده بحق من أعظم ناصري التوحيد والسنة، ومن المجددين المعتبرين في هذه الأمة، وفهمه الذي يظهر في كل النصوص التي يعلق عليها في كتابه الثمين الموطأ زيادة على فتاواه وأجوبته العظيمة في الكتاب المسمى بالمدونة.
وأما الإمام أحمد ﵀ فهو إمام أهل السنة في زمانه، إذا ذكر إمام
стр. 39
السنة فلا ينصرف هذا الوصف في عصره وبعده إلا له، كان أمة لوحده، ناهض التجهم ورجالاته، ولاقى بسبب ذلك محناً شديدة، ثبت فيها وثبت الناس بثباته على اعتقاد أهل السنة والجماعة الذي سعت الجهمية لمحوه، فجدد للأمة أمر دينها، فجازاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً، ورحمه الله وإخوانه السلفيين الذين ساروا على منواله.
وأما الإمام محمد بن جرير الطبري ﵀، فهو إمام المفسرين بلا منازع، وكل قائل في كتاب الله من بعده عالة عليه، جمع فيه الفنون كلها، الحديث والفقه والقراءات واللغة والمعرفة بالتاريخ. ودفاعه عن عقيدة السلف ونصرته لها، أمر لا نظير له ولا مثيل.
وأما الإمام محمد بن منده ﵀ فدفاعه عن السنة بأقواله وأفعاله أمر بارز لا خفاء فيه، وكتابه الإيمان معلمة في بابه، وكذا كتاب التوحيد فهو أكبر من ذلك وأجل، ذكر فيه من آي الكتاب والأحاديث المسندة -وعامتها في الصحيحين أو أحدهما-، الدالة على صحيح المعتقد في الربوبية الدالة على أفعاله سبحانه، وفي الأسماء والصفات.
وأما الإمام البغوي ﵀ فهو المفسر والمحدث، وكتابه شرح السنة مفخرة كبرى من مفاخر أهل السنة، نشر به السنة، وذب فيه عن المعتقد أحسن ذب، وكتابه التفسير فيه مميزات كثيرة يمتاز بها وإن كان له فيهما هنات في
стр. 40
التأويل، وقد بينتها في كتابي "المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات"، مع حمله للواء السنة ودفاعه عنها.
وأما الإمام ابن تيمية ﵀ فشيخ الإسلام الذي لا ينصرف هذا الإطلاق إلا إليه، الإمام المجدد المدرسة التي ارتوى منها كبار المحدثين والأئمة في زمانه ومن بعده.
فما من كتاب من كتبه إلا وهو في إحياء السنة والذب عن السلفية، ولو اجتمعت الآن المراكز العلمية لم تستطع أن تنتج مثل منهاج السنة، فكيف ببقية إرثه العظيم الذي أتحف الأمة به؟! وكل أعلام الأمة من بعده عالة عليه، وامتداد لمدرسته ﵀.
وأما محمد بن عبد الوهاب شيخ الإسلام المجدد للسنة باعتقادها الصحيح السليم بحق، بعد حقبة مظلمة اندرست فيها معالم السنة وطغت فيها البدعة والمبتدعة، وسيأتي الحديث عنها قريباً.
وهو مدرسة قائمة على نشر السنة وصحيح المعتقد، ودعوته اليوم بحمد الله تعالى وسعت العالم بأسره، فرحمة الله على هذا الإمام وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيراً.
وأما الشيخ محمد الأمين الشنقيطي فعلامة المغرب الإسلامي، وإمام المفسرين الذي أهدى للأمة "أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن" هذا