← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

فقلت: أي خليفة خليفتنا إن لم يكن يقول: القرآن مخلوق، فورد على قلبي أمر عظيم، وهمتني نفسي ثم قلت: يا نفس هل تموتين إلا مرة واحدة، وهل تموتين قبل أجلك، وهل يجوز الكذب في جد أو هزل؟ فقلت: والله يا أمير المؤمنين ما دار في نفسي إلا ما قلت. أطرق مليا، ثم قال: ويحك، اسمع مني ما أقول لك، فوالله لتسمعن الحق، فسري عني وقلت: يا سيدي ومن أولى بالحق منك وأنت خليفة رب العالمين، وابن عم سيد المرسلين من الأولين والآخرين؟ فقال لي: ما زلت أقول إن القرآن مخلوق صدرا من خلافة الواثق حتى أقدم علينا ابن أبي دؤاد شيخا من أهل الشام -من أهل أذنة- فأدخل الشيخ على الواثق وهو جميل الوجه، تام القامة، حسن الشيبة، فرأيت الواثق قد استحيا منه ورق له، فمازال يدنيه (١) ويقربه حتى قرب منه، فسلم الشيخ فأحسن السلام، ودعا فأبلغ وأوجز، فقال له الواثق: اجلس، ثم قال له: يا شيخ ناظر ابن أبي دؤاد على ما يناظرك عليه، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين ابن أبي دؤاد يقل ويضعف عن المناظرة، فغضب الواثق وعاد مكان الرقة له غضبا عليه، فقال أبو عبد الله: ابن أبي دؤاد يصبو ويقل ويضعف عن مناظرتك أنت؟ فقال الشيخ: هون عليك يا أمير المؤمنين ما بك، وائذن لي في مناظرته. فقال الواثق: ما دعوتك إلا لمناظرته. فقال الشيخ: يا أحمد إلى ما دعوت الناس ودعوتني إليه؟ فقال: إلى أن تقول القرآن مخلوق. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تحفظ علي وعليه ما نقول. قال: أفعل. فقال الشيخ: يا

стр. 1577

أحمد أخبرني عن مقالتك هذه، واجبة داخلة في عقدة الدين، فلا يكون الدين كاملا حتى يقال فيه ما قلت؟ قال: نعم. قال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن رسول الله ﷺ حين بعثه الله إلى عباده، هل ستر رسول الله ﷺ مما أمره الله به في دينه؟ قال: لا. قال الشيخ: فدعا رسول الله ﷺ الأمة إلى مقالتك هذه؟ فسكت ابن أبي دؤاد. فقال الشيخ: تكلم. فسكت، فالتفت الشيخ إلى الواثق، فقال: يا أمير المؤمنين واحدة. فقال الواثق: واحدة. فقال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن الله سبحانه حين أنزل القرآن على رسول الله ﷺ فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١) كان الله الصادق في إكمال دينه أم أنت الصادق في نقصانه، فلا يكون الدين كاملا حتى يقال فيه بمقالتك هذه؟ فسكت ابن أبي دؤاد، فقال الشيخ: أجب يا أحمد فلم يجبه. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين اثنتان. فقال الواثق: اثنتان. فقال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن مقالتك هذه، علمها رسول الله ﷺ أم جهلها؟ فقال ابن أبي دؤاد: علمها. قال الشيخ: فدعا الناس إليها؟ فسكت ابن أبي دؤاد. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين ثلاث. فقال الواثق: ثلاث. فقال الشيخ: يا أحمد فاتسع لرسول الله ﷺ إذ علمها كما زعمت، ولم يطالب أمته بها؟ قال: نعم. قال الشيخ: واتسع لأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان،

стр. 1578

وعلي بن أبي طالب ﵃؟ فقال ابن أبي دؤاد: نعم. فأعرض الشيخ عنه، فأقبل على الواثق، فقال: يا أمير المؤمنين قدمت القول أن أحمد يصبو ويقل ويضعف عن المناظرة، يا أمير المؤمنين إن لم يتسع لك من الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع لرسول الله ﷺ ولأبي بكر وعمر وعثمان ﵃، فلا وسع الله على من لم يتسع له ما اتسع لهم من ذلك. فقال الواثق: نعم، إن لم يتسع لنا من الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع لرسول الله ﷺ ولأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فلا وسع الله علينا، اقطعوا قيد الشيخ. فلما قطع، ضرب الشيخ بيده إلى القيد ليأخذه، فجاذبه الحداد عليه، فقال الواثق: دع الشيخ ليأخذه، فأخذه الشيخ فوضعه في كمه، فقال الواثق: لم جاذبته عليه؟ قال الشيخ: لأني نويت أن أتقدم إلى من أوصي إليه إذا أنا مت أن يجعله بيني وبين كفني حتى أخاصم به هذا الظالم عند الله يوم القيامة، وأقول: يا رب سل عبدك هذا لم قيدني؟ وروع أهلي وولدي وإخواني بلا حق أوجب ذلك علي؟ وبكى الشيخ، فبكى الواثق فبكينا، ثم سأله الواثق أن يجعله في حل وسعة مما ناله، فقال الشيخ: والله يا أمير المؤمنين لقد جعلتك في حل وسعة من أول يوم إكراما لرسول الله ﷺ ، إذ كنت رجلا من أهله. فقال الواثق: لي إليك حاجة، فقال الشيخ: إن كانت ممكنة فعلت. فقال الواثق: تقيم قبلنا، فينتفع بك فتياننا. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين إن ردك إياي إلى الموضع الذي أخرجني منه هذا الظالم أنفع لك من مقامي عليك، وأخبرك بما في ذلك أصير إلى أهلي وولدي، فأكف دعاءهم، فقد

стр. 1579

خلفتهم على ذلك. فقال الواثق: فتقبل منا صلة تستعين بها على دهرك. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين لا تحل لي أنا عنها غني، وذو مرة سوي، قال: فاسأل حاجتك. قال: أو تقضيها يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم. قال: تخلي سبيلي الساعة وتأذن لي فيه. قال: لقد أذنت لك. فسلم عليه الشيخ وخرج. قال صالح: قال المهتدي بالله: فرجعت عن هذه المقالة من ذلك اليوم، وأظن الواثق بالله كان رجع عنها من ذلك الوقت. (١) - قال ابن بطة في الإبانة: رأيت في كتب بعض شيوخنا بخطه: حدثنا أبو موسى -محمد بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن عيسى بن منصور- قال: أخبرنا صالح بن علي بن يعقوب بن المنصور، قال: كنت يوما بين يدي أمير المؤمنين المهتدي بالله رحمة الله عليه، وقد جلس للنظر في المظالم للعامة، فجعلت أنظر إليه، فذكر نحو القصة الأولى أو شبيها بها حتى بلغ منها قوله: يا أحمد أخبرني عن الله حين نزل على رسوله في القرآن: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٢)، وقلت أنت: الدين لا يكون كاملا حتى يقال بمقالتك، أكان الله الصادق في إكماله، أم أنت الصادق في نقصانه؟ فسكت أحمد، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين هذه ثنتان. ثم قال الشيخ: يا أحمد الكلمة التي يكون الله تعالى بها الأشياء من أي شيء خلقها؟ فسكت أحمد، فقال الشيخ: ثلاث يا أمير المؤمنين. ثم قال

стр. 1580

الشيخ: يا أحمد أخبرني حيث كان الله في وحدانيته قبل أن يخلق الخلق كان تاما أو ناقصا؟ قال: بل تاما. قال: فكيف يكون تاما من لا كلام له؟ فسكت أحمد فقال: أربع يا أمير المؤمنين. قال الشيخ: يا أحمد أكان الله عالما تام العلم، أم كان جاهلا؟ فسكت أحمد. فقال: خمس يا أمير المؤمنين. ثم قال الشيخ: يا أحمد قوله: ﴿ولكن حق القول مني﴾ (١) الكلمة منه أم خلقها من غيره؟ فأمسك أحمد، فقال: ست يا أمير المؤمنين. وذكر من القصة في القيد وغيرها شبيها بما مضى في الخبر الأول وزاد فيه: قال الواثق: يا شيخ زد أحمد من هذه الحجج لعله يرجع عن هذه المقالة. قال: يا أمير المؤمنين عليكم نزل العلم، ومنكم اقتبسناه، ثم قال الشيخ: يا أحمد قد علمنا وعلمت أن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٢) أليس ما أنزل الله على رسوله؟ قال: نعم. قال: فهل تقدر أن تقول: إن رسول الله ﷺ بلغنا هذا الذي تدعونا إليه؟ أم هذه المقالة في كتاب الله أو سنة نبيه ﷺ حتى نتابعك عليها، وإن قلت: إنه لم يبلغنا، فقد نسبت رسول الله إلى التقصير في أمر الله، وأنه كتم أمرا أمره الله إبلاغنا إياه، فسكت أحمد فلم يجبه بشيء. قال الشيخ: يا أحمد قول الله : يا

стр. 1581

موسى ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ (١) أفيجوز أن يكون هذا مخلوقا؟ فسكت أحمد. قال الواثق: يا شيخ سلني حاجة. قال: حاجتي أن تردني الساعة إلى منزلي الذي أخرجت عنه، فأمر برده مكرما. قال صالح: فقال أمير المؤمنين المهتدي بالله: فرجعت في ذلك اليوم عن تلك المقالة، ورجع أمير المؤمنين الواثق، ولم نسمعه يناظر في شيء من ذلك القول حتى مات. (٢)

стр. 1582

أحمد بن حنبل (١) (٢٤١ هـ) أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الإمام حقا وشيخ الإسلام صدقا أبو عبد الله الذهلي الشيباني المروزي ثم البغدادي أحد الأئمة الأعلام. روى عن الشافعي ومعتمر بن سليمان ومحمد بن جعفر وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الرزاق بن همام ووكيع بن الجراح وعدة. روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود وإبراهيم الحربي وابناه صالح وعبد الله وأبو حاتم وأبو زرعة وطائفة. قال أبو عبيد: إني لأتدين بذكر أحمد، ما رأيت رجلا أعلم بالسنة منه. قال المزني: أحمد بن حنبل يوم المحنة، وأبو بكر يوم الردة، وعمر يوم السقيفة، وعثمان يوم الدار، وعلي يوم الجمل وصفين. وقال الشافعي: خرجت من العراق، فما تركت رجلا أفضل ولا أعلم ولا أورع ولا أتقى من أحمد بن حنبل. وقال أبو الحسن الطرخاباذي الهمداني: أحمد ابن حنبل محنة به يعرف المسلم من الزنديق. ومناقبه كثيرة، قد أفردها العلماء بالتأليف كابن الجوزي والبيهقي وغيرهما. توفي ﵀ سنة إحدى وأربعين ومائتين. موقفه من المبتدعة: - عن إبراهيم بن محمد بن الحسن قال: حدثت عن أحمد بن حنبل، وذكر حديث النبي ﷺ : "تفترق الأمة على نيف وسبعين فرقة، كلها في النار

стр. 1583

إلا فرقة" (١)، فقال: إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم. (٢) - جاء في طبقات الحنابلة: عن أحمد بن حنبل -في تفسير حديث النبي ﷺ : "لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسا " (٣)؟ - قال: هم أصحاب الحديث. (٤) - وفيها: رأى أحمد بن حنبل أصحاب الحديث، وقد خرجوا من عند محدث والمحابر بأيديهم. فقال أحمد: إن لم يكن هؤلاء الناس، فلا أدري من الناس؟. (٥) - وفيها: حدثنا أحمد بن مروان الخزاعي، حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يقول: ما الناس إلا من يقول: حدثنا، وأخبرنا، وسائر الناس لا خير فيهم. (٦) - وفيها بالسند إلى أبي إسماعيل الترمذي قال: كنت أنا وأحمد بن الحسن الترمذي عند أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، فقال له أحمد بن

стр. 1584

الحسن: يا أبا عبد الله ذكروا لابن أبي قتيلة بمكة أصحاب الحديث فقال: أصحاب الحديث قوم سوء، فقام أبو عبد الله وهو ينفض ثوبه ويقول: زنديق زنديق زنديق فدخل البيت. (١) - وفيها قال أحمد: من كذَّب بالرواية فهو زنديق. (٢) - وفيها: قال المروذي سئل أحمد: أمر في الطريق فأسمع الإقامة: ترى أن أصلي؟ فقال: قد كنت أسهل، فأما إذ كثرت البدع (٣) فلا تصل إلا خلف من تعرف. (٤) - وفيها: حدثنا الفضل قال: سمعت أبا عبد الله وسئل عن الرجل يسأل عن الشيء من المسائل، فيرشد صاحب المسألة إلى رجل يسأله عنها، هل عليه شيء في ذلك؟ فقال: إذا كان الرجل متبعا أرشده إليه فلا بأس، قيل له فيفتي بقول مالك وهؤلاء؟ قال: لا، إلا بسنة رسول الله ﷺ وآثاره وما روي عن أصحابه، فإن لم يكن روي عن أصحابه شيء فعن التابعين. (٥) " التعليق: لله در هذا الإمام ما أعظم حرصه على السنة، ماذا يقول مقلدة الحنابلة وغيرهم في هذا إذا ظهر لهم الدليل؟ فهذا الإمام يشترط في الفتوى

стр. 1585

أن تكون مصحوبة بسنة عن الرسول ﷺ أو آثار عن الصحابة أو التابعين. أما الذي يفتي الفتوى مجردة عن الدليل فلم يأذن الإمام في استفتائه. - وفي فتح الباري: عن أحمد: يؤخذ العلم عن النبي ﷺ ثم عن الصحابة فإن لم يكن فهو في التابعين مخير. (١) - وفي طبقات الحنابلة: قال أبو عبد الله: إنما على الناس اتباع الآثار عن رسول الله ﷺ ومعرفة صحيحها من سقيمها ثم يتبعها إذا لم يكن لها مخالف، ثم بعد ذلك قول أصحاب رسول الله ﷺ الأكابر وأئمة الهدى يتبعون على ما قالوا وأصحاب النبي ﷺ كذلك لا يخالفون إذا لم يكن قول بعضهم لبعض مخالفا، فإذا اختلفوا نظر في الكتاب بأي قولهم كان أشبه بالكتاب أخذ به أو كان أشبه بقول رسول الله ﷺ أخذ به، فإن لم يأت عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحاب النبي ﷺ ، نظر في قول التابعين فأي قولهم كان أشبه بالكتاب والسنة أخذ به وترك ما أحدث الناس بعدهم. (٢) - وقال قتيبة: خير أهل زماننا ابن المبارك، ثم هذا الشاب، يعني: أحمد ابن حنبل، وإذا رأيت رجلا يحب أحمد، فاعلم أنه صاحب سنة. ولو أدرك عصر الثوري، والأوزاعي، والليث، لكان هو المقدم عليهم. فقيل لقتيبة: يضم أحمد إلى التابعين؟ قال: إلى كبار التابعين. وقال قتيبة: لولا الثوري،

стр. 1586

لمات الورع، ولولا أحمد لأحدثوا في الدين، أحمد إمام الدنيا. (١) - قال حنبل صليت بأبي عبد الله العصر، فصلى معنا رجل يقال له محمد بن سعيد الختلي، وكان يعرفه بالسنة. فقعد أبو عبد الله بعد الصلاة، وبقيت أنا وهو والختلي في المسجد ما معنا رابع. فقال لأبي عبد الله: نهيت عن زيد بن خلف أن لا يكلم؟ قال: كتب إلي أهل الثغر يسألوني عن أمره، فكتبت إليهم، فأخبرتهم بمذهبه وما أحدث، وأمرتهم أن لا يجالسوه، فاندفع الختلي على أبي عبد الله، فقال: والله لأردنك إلى محبسك، ولأدقن أضلاعك ... في كلام كثير. فقال لي أبو عبد الله: لا تكلمه ولا تجبه. وأخذ أبو عبد الله نعليه وقام فدخل وقال: مر السكان أن لا يكلموه ولا يردوا عليه. فما زال يصيح، ثم خرج. فلما كان بعد ذلك، ذهب هذا الختلي إلى شعيب، وكان قد ولي على قضاء بغداد، وكانت له في يديه وصية، فسأله عنها، ثم قال له شعيب: يا عدو الله، وثبت على أحمد بالأمس، ثم جئت تطلب الوصية، إنما أردت أن تتقرب إلي بذا، فزبره، ثم أقامه. فخرج بعد إلى حسبة العسكر. (٢) - عن أحمد بن شهاب الإسفراييني: سمعت أحمد بن حنبل، وسئل عمن نكتب في طريقنا؟ فقال: عليكم بهناد، وبسفيان بن وكيع، وبمكة ابن أبي عمر، وإياكم أن تكتبوا، يعني: عن أحد من أصحاب الأهواء، قليلا ولا

стр. 1587

كثيرا. عليكم بأصحاب الآثار والسنن. (١) - جاء في سير أعلام النبلاء: ثم إن رافعا رفع إلى المتوكل: إن أحمد رَبَّص علويا في منزله، يريد أن يخرجه ويبايع عليه. قال: ولم يكن عندنا علم، فبينا نحن ذات ليلة نيام في الصيف، سمعنا الجلبة، ورأينا النيران في دار أبي عبد الله، فأسرعنا، وإذا به قاعد في إزار، ومظفر بن الكلبي صاحب الخبر، وجماعة معهم، فقرأ صاحب الخبر كتاب المتوكل: ورد على أمير المؤمنين أن عندكم علويا ربصته لتبايع له، وتظهره، في كلام طويل. ثم قال له مظفر: ما تقول؟ قال: ما أعرف من هذا شيئا، وإني لأرى له السمع والطاعة في عسري ويسري، ومنشطي ومكرهي، وأثرة علي، وإني لأدعو الله له بالتسديد والتوفيق في الليل والنهار، في كلام كثير. فقال مظفر: قد أمرني أمير المؤمنين أن أحلفك، قال: فأحلفه بالطلاق ثلاثا، أن ما عنده طلبة أمير المؤمنين. ثم فتشوا منزل أبي عبد الله والسرب والغرف والسطوح، وفتشوا تابوت الكتب، وفتشوا النساء والمنازل، فلم يروا شيئا، ولم يحسوا بشيء، ورد الله الذين كفروا بغيظهم، وكتب بذلك إلى المتوكل، فوقع منه موقعا حسنا، وعلم أن أبا عبد الله مكذوب عليه. وكان الذي دس عليه رجل من أهل البدع. ولم يمت حتى بين الله أمره للمسلمين، وهو ابن الثلجي. (٢) - قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: من مات على الإسلام والسنة،

стр. 1588

مات على الخير؟ فقال: اسكت، بل مات على الخير كله. (١) - قال أبو مزاحم الخاقاني: قال لي عمي عبد الرحمن بن يحيى بن خاقان: أمر المتوكل بمسألة أحمد عمن يقلد القضاء، فسألت عمي أن يخرج إلي جوابه، فوجه إلي نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم نسخة الرقعة التي عرضتها على أحمد بن محمد ابن حنبل بعد أن سألته، فأجابني بما قد كتبته. سألته عن أحمد بن رباح، فقال فيه: جهمي معروف، وإنه إن قلد شيئا من أمور المسلمين، كان فيه ضرر عليهم. وسألته عن الخلنجي، فقال فيه: كذلك. وسألته عن شعيب بن سهل، فقال: جهمي معروف بذلك. وسألته عن عبيد الله بن أحمد، فقال: كذلك. وسألته عن المعروف بأبي شعيب، فقال: كذلك. وسألته عن محمد ابن منصور قاضي الأهواز، فقال: كان مع ابن أبي دؤاد، وفي ناحيته وأعماله، إلا أنه كان من أمثلهم. وسألته عن علي بن الجعد، فقال: كان معروفا بالتجهم، ثم بلغني أنه رجع. وسألته عن الفتح بن سهل، فقال: جهمي من أصحاب المريسي. وسألته عن الثلجي، فقال: مبتدع صاحب هوى. وسألته عن إبراهيم بن عتاب، فقال: لا أعرفه إلا أنه كان من أصحاب بشر المريسي، وفي الجملة أن أهل البدع والأهواء، لا ينبغي أن يستعان بهم في شيء من أمور المسلمين مع ما عليه رأي أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه، من التمسك بالسنة والمخالفة لأهل البدع. يقول أحمد بن محمد بن

стр. 1589

حنبل: قد سألني عبد الرحمن بن يحيى عن جميع من في هذا الكتاب، وأجبته بما كتب، وكنت عليل العين ضعيفا في بدني، فلم أقدر أن أكتب بخطي، فوقع هذا التوقيع في أسفل القرطاس عبد الله ابني بأمري، وبين يدي. (١) - قال الخلال: بلينا بقوم جهال، يظنون أنهم علماء. فإذا ذكرنا فضائل أبي عبد الله، يخرجهم الحسد، إلى أن قال بعضهم فيما أخبرني ثقة عنه: أحمد ابن حنبل نبيهم. (٢) - قال صالح ابن الإمام أحمد: وجاء جار لنا قد خضب، فقال أبي: إني لأرى الرجل يحيي شيئا من السنة فأفرح به. (٣) - قال السلمي: حضرت جنازة أبي الفتح القواس مع الدارقطني، فلما نظر إلى الجمع، قال: سمعت أبا سهل بن زياد، يقول: سمعت عبد الله بن أحمد، يقول: سمعت أبي يقول: قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز. (٤) - عن الخلال: سمعت عبد الوهاب الوراق: يقول: أظهر الناس في جنازة أحمد بن حنبل السنة والطعن على أهل البدع، فسر الله المسلمين بذلك على ما عندهم من المصيبة لما رأوا من العز وعلو الإسلام، وكبت أهل الزيغ. (٥) - عن أبي العباس الفضل بن زياد قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن

стр. 1590

محمد بن حنبل يقول: نظرت في المصحف فوجدت فيه طاعة رسول الله ﷺ في ثلاثة وثلاثين موضعا ثم جعل يتلو: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١). وجعل يكررها ويقول: وما الفتنة؟ الشرك لعله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيزيغ قلبه فيهلكه. وجعل يتلو هذه الآية: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (٢). (٣) - قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: من رد حديث النبي ﷺ فهو على شفا هلكة. (٤) " التعليق: قال ابن بطة: فالله الله إخواني، احذروا مجالسة من قد أصابته الفتنة فزاغ قلبه وعشيت بصيرته واستحكمت للباطل نصرته، فهو يخبط في عشواء ويعشو في ظلمة أن يصيبكم ما أصابهم، فافزعوا إلى مولاكم الكريم فيما أمركم به من دعوته وحضكم عليه من مسألته فقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ

стр. 1591

الْوَهَّابُ﴾ (١).اهـ (٢) - قال أبو علي حنبل بن إسحاق بن حنبل: كتب رجل إلى أبي عبد الله ﵀ كتابا يستأذنه فيه أن يضع كتابا يشرح فيه الرد على أهل البدع، وأن يحضر مع أهل الكلام فيناظرهم ويحتج عليهم، فكتب إليه أبو عبد الله: بسم الله الرحمن الرحيم، أحسن الله عاقبتك ودفع عنك كل مكروه ومحذور، الذي كنا نسمع وأدركنا عليه من أدركنا من أهل العلم أنهم كانوا يكرهون الكلام والجلوس مع أهل الزيغ، وإنما الأمور في التسليم والانتهاء إلى ما كان في كتاب الله أو سنة رسول الله، لا في الجلوس مع أهل البدع والزيغ لترد عليهم، فإنهم يلبسون عليك وهم لا يرجعون. فالسلامة إن شاء الله في ترك مجالستهم والخوض معهم في بدعتهم وضلالتهم، فليتق الله امرؤ وليصر إلى ما يعود عليه نفعه غدا من عمل صالح يقدمه لنفسه، ولا يكن ممن يحدث أمرا فإذا هو خرج منه أراد الحجة فيحمل نفسه على المحال فيه وطلب الحجة لما خرج منه، بحق أو بباطل ليزين به بدعته وما أحدث، وأشد من ذلك أن يكون قد وضعه في كتاب قد حمل عنه، فهو يريد أن يزين ذلك بالحق والباطل وإن وضح له الحق في غيره ونسأل الله التوفيق لنا ولك والسلام عليك. (٣) - عن إسحاق بن إبراهيم بن هانيء قال: سألت أبا عبد الله عن رجل

стр. 1592

مبتدع داعية يدعو إلى بدعته يجالس؟ قال أبو عبد الله: لا يجالس ولا يكلم لعله يتوب. (١) - عن حنبل بن إسحاق قال: سمعت أبا عبد الله يقول: أهل البدع ما ينبغي لأحد أن يجالسهم ولا يخالطهم ولا يأنس بهم. (٢) - عن أبي بكر المروذي، قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ينكر على أصحاب القياس ويتكلم فيهم بكلام شديد. (٣) - عن أبي بكر الأثرم، قال: سمعت أبا عبد الله: أحمد بن حنبل، يقول: إنما هو السنة والاتباع، وإنما القياس أن نقيس على أصل، فأما أن تجيء إلى الأصل فتهدمه، ثم تقول هذا قياس، فعلى أي شيء كان هذا القياس؟. قيل لأبي عبد الله، فلا ينبغي أن يقيس إلا رجل عالم كبير، يعرف كيف يشبه الشيء بالشيء. فقال: أجل، لا ينبغي. (٤) - عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: قلت لأبي: رجل وقعت له مسألة وفي البلد رجل من أهل الحديث فيه ضعف، وفقيه من أهل الرأي، أيهما يسأل، قال: لا تسأل أهل الرأي، ضعيف الحديث خير من قوي الرأي. (٥) - وكتب إلى أبي سليمان الجوزجاني: إن أمسكت عن كتب الرأي

стр. 1593

سمعنا منك كتب الحديث. وأرسل إلى يحيى بن صالح الوحاظي الحمصي، إن تركت الرأي أتيناك فسمعنا منك. (١) - وسئل أحمد بن حنبل عن النظر في الرأي فكرهه ونهى عنه. (٢) - وحكي عن أحمد بن حنبل: أنه قال: إذا رأيت الرجل يبغض مالكا، فاعلم أنه مبتدع. (٣) - قال أحمد: من دل على صاحب رأي ليفتنه، فقد أعان على هدم الإسلام. (٤) - قال زياد بن أيوب: سألت أحمد بن حنبل عن أبي ثور؟ فقال: لا يجالس. (٥) - قال أبو داود السجستاني: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: أرى رجلا من أهل السنة مع رجل من أهل البدعة، أَتْرُكُ كلامَه؟ قال: لا، أو تُعلِمَه أن الرجل الذي رأيته معه صاحب بدعة. فإِنْ تَركَ كلامه فكلمه، وإلا فألحقه به. قال ابن مسعود: المرء بخدنه. (٦) - عن عبد الله بن أحمد حدثنا أبي قال: قبور أهل السنة من أهل الكبائر روضة. وقبور أهل البدعة من الزهاد حفرة، فساق أهل السنة أولياء الله.

стр. 1594

وزهاد أهل البدعة أعداء الله. (١) - عن عبد الله بن محمد بن الفضل الصيداوي قال: قال لي أحمد: إذا سلم الرجل على المبتدع فهو يحبه. قال النبي ﷺ : "ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم (٢) ". (٣) - عن عبد السلام قال: قلت لأبي عبد الله: إن بطرسوس رجلا قد سمع رأي عبد الله بن المبارك يفتي به. قال: هذا من ضيق علم الرجل، يقلد دينه رجلا، لا يكون واسعا في العلم. (٤) - عن علي بن أبي خالد قال: قلت لأحمد: إن هذا الشيخ -لشيخ حضر معنا- هو جاري وقد نهيته عن رجل، ويحب أن يسمع قولك فيه: حرث القصير -يعني حارثا المحاسبي- وكنت رأيتني معه منذ سنين كثيرة، فقلت لي: لا تجالسه، ولا تكلمه. فلم أكلمه حتى الساعة. وهذا الشيخ يجالسه، فما تقول فيه؟ فرأيت أحمد قد احمر لونه، وانتفخت أوداجه وعيناه. وما رأيته هكذا قط. ثم جعل ينتفض، ويقول: ذاك؟ فعل الله به وفعل. ليس يعرف ذاك إلا من خبره وعرفه، أويه، أويه، أويه. ذاك لا يعرفه إلا من قد خبره وعرفه. ذاك جالسه المغازلي ويعقوب وفلان. فأخرجهم إلى رأي جهم. هلكوا بسببه. فقال له الشيخ: يا أبا عبد الله، يروي الحديث، ساكن خاشع،

стр. 1595

من قصته ومن قصته؟ فغضب أبو عبد الله، وجعل يقول: لا يغرك خشوعه ولينه، ويقول: لا تغتر بتنكيس رأسه. فإنه رجل سوء، ذاك لا يعرفه إلا من قد خبره. لا تكلمه، ولا كرامة له. كل من حدث بأحاديث رسول الله ﷺ وكان مبتدعا تجلس إليه؟ لا، ولا كرامة، ولا نعمى عين. وجعل يقول: ذاك. ذاك. (١) - عن الفضل بن مهران أبي العباس قال: سألت أحمد، قلت: إن عندنا قوما يجتمعون فيدعون، ويقرءون القرآن، ويذكرون الله. فما ترى فيهم؟ فقال لي أحمد: يقرأ في المصحف، ويذكر الله في نفسه، ويطلب حديث رسول الله ﷺ . قلت: فأخ لي يفعل هذا، فأنهاه؟ قال: نعم. قلت: فإن لم يقبل؟ قال: بلى، إن شاء الله. فإن هذا محدث: الاجتماع والذي تصف. (٢) - عن الفضل بن نوح قال: قلت لأحمد: أريد الخروج إلى الثغر، وإني أسأل عن هذين الرجلين: عن الكرابيسي، وأبي ثور؟ فقال: احذرهما. (٣) - عن محمد بن بندار السباك الجرجاني قال: قلت لأحمد بن حنبل ﵁: إني ليشتد علي أن أقول: فلان ضعيف، فلان كذاب. قال أحمد: إذا سكت أنت وسكت أنا، فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم؟ (٤)

стр. 1596

- عن محمد بن يسر بن بشر بن أبي طاهر البلدي أحد الأصحاب قال أبو بكر الخلال: سمعته يقول: سألت أبا عبد الله عن النظر في الرأي؟ فقال: عليك بالسنة. فقلت له: يا أبا عبد الله، صاحب حديث ينظر في الرأي إنما يريد أن يعرف رأي من خالفه؟ فقال: عليك بالسنة. (١) - قال أبو طالب: أخبروني عن الكرابيسي أنه ذكر قول الله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢) قال: لو أكمل لنا ديننا ما كان هذا الاختلاف. فقال: -يعني أحمد بن حنبل- هذا الكفر صراحا. (٣) - سألت أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- عن الكرابيسي، وما أظهر، فكلح وجهه، ثم قال: إنما جاء بلاؤهم من هذه الكتب التي وضعوها، تركوا آثار رسول الله ﷺ وأصحابه، وأقبلوا على هذه الكتب. (٤) - وجاء في طبقات الحنابلة: قرأت في كتاب أبي جعفر محمد بن أحمد ابن صالح بن أحمد بن محمد بن حنبل حدثني عمي زهير بن صالح قال: قرأ علي أبي صالح بن أحمد هذا الكتاب وقال: هذا كتاب عمله أبي ﵁ في مجلسه، ردا على من احتج بظاهر القرآن، وترك ما فسره رسول الله ﷺ ودل على معناه، وما يلزم من اتباعه ﷺ وأصحابه رحمة الله عليهم. قال

стр. 1597

أبو عبد الله: إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه بعث محمدا نبيه ﷺ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. وأنزل عليه كتابه الهدى والنور لمن اتبعه. وجعل رسوله ﷺ الدال على معنى ما أراد من ظاهره وبالسنة، وخاصه وعامه، وناسخه ومنسوخه، وما قصد له الكتاب. فكان رسول الله ﷺ هو المعبر عن كتاب الله، الدال على معانيه. شاهده في ذلك أصحابه، من ارتضاه الله لنبيه واصطفاه له. ونقلوا ذلك عنه. فكانوا هم أعلم الناس برسول الله ﷺ . وبما أخبر عن معنى ما أراه الله من ذلك بمشاهدتهم ما قصد له الكتاب. فكانوا هم المعبرين عن ذلك بعد رسول الله ﷺ . وقال جابر بن عبد الله: ورسول الله ﷺ بين أظهرنا عليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا. فقال قوم: بل نستعمل الظاهر، وتركوا الاستدلال برسول الله ﷺ ، ولم يقبلوا أخبار أصحابه. وقال ابن عباس للخوارج: أتيتكم من عند أصحاب رسول الله ﷺ المهاجرين والأنصار، ومن عند ابن عم رسول الله ﷺ وصهره، وعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بتأويله منكم. وليس فيكم منهم أحد. وذكر تمام الكتاب بطوله. (١) - قال المروذي: قلت لأبي عبد الله -يعني إمامنا أحمد- ترى للرجل أن يشتغل بالصوم والصلاة، ويسكت عن الكلام في أهل البدع؟ فكلح وجهه، وقال: إذا هو صام وصلى واعتزل الناس، أليس إنما هو لنفسه؟ قلت: بلى. قال: فإذا تكلم كان له ولغيره. يتكلم أفضل. (٢)

стр. 1598

- عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: قلت لأبي: ما تقول في أصحاب الحديث يأتون الشيخ لعله أن يكون مرجئا أو شيعيا أو فيه شيء من خلاف السنة، أيسعني أن أسكت عنه أم أحذر عنه؟ فقال أبي: إن كان يدعو إلى بدعة وهو إمام فيها ويدعو إليها قال: نعم تحذر عنه. (١) - عن محمد بن أحمد بن أبي الثلج، قال حدثني جدي قال: سألت أحمد ابن حنبل، قلت: يا أبا عبد الله أيهما أحب إليك: الرجل يكتب الحديث أو يصوم ويصلي؟ قال: يكتب الحديث. قلت: فمن أين فضلت كتابة الحديث على الصوم والصلاة؟ قال: لئلا يقول قائل: إني رأيت قوما على شيء فاتبعتهم. " التعليق: قال الخطيب قلت: طلب الحديث في هذا الزمان أفضل من سائر أنواع التطوع لأجل دروس السنن وخمولها، وظهور البدع واستعلاء أهلها. (٢) هذا التعليق من إمام المحدثين الخطيب البغدادي يدل على حراسة كبيرة لسنة رسول الله ﷺ ، ومراقبة لسيرها وانتشارها وكثرة وقلة حملتها وبروز أئمة في علومها، وظهور ما يضادها من مخالفين ومدافعين لها ومزاحمين لها بمناهج ضالة واسعة تستغرق الأعمار والأجيال، ويرى في ظاهرها اللمعان والانجذاب، ويرى ﵀ أن الغفلة عن هذا التصوير الصحيح يعرض الإسلام تماما للزوال، إلا أن الله ضمن بقاءه على يد الطائفة المنصورة،

стр. 1599

ويعرض الإسلام إلى كثير من التلبيسات والتحريفات المقصودة وذوبانه باسمه وتحت شعاره هذا في زمن الخطيب، فكيف بزماننا نحن الذي انتشرت فيه كل المذاهب الهدامة الكفرية الخارجة عن دائرة الإسلام، ولها أنصار ودول تعضدها وتنفق عليها وتخصص لها أعظم الميزانيات المالية. وأما المخالفون في دائرة الإسلام، فلا تسأل عن تمردهم عن سنة رسول الله ﷺ وازدراء أهلها واحتقارهم ووصفهم بكل الأوصاف المشينة ومتابعتهم في كل خطواتهم للزج في كل متاهة سوء لعلهم ينحرفون عن منهاجهم ويرتدون عن أصولهم، ويوافقون كل منافق وناعق في كل ما يريده من انحراف وتحريف. اللهم هيئ للأمة الإسلامية أمر رشد يعز فيها أهل السنة ويذل فيها أهل البدعة والضلالة. - قال يحيى بن منده في مناقب الإمام: وجدت بخط المؤتمن البغدادي الشيخ الصالح الثقة المتدين ﵀، قال: قال أبو يعلى الحنبلي البغدادي: أخرج إلي أبو الفتح عبد الوهاب بن أحمد الحراني صاحبنا هذه الأبيات، قال: وجدتها في كتاب المصباح، قال: أنشدني أبو منصور الفقيه لأحمد بن محمد ابن حنبل ﵀: يا طالب العلم، صارم كل بطال ... وكل غاد إلى الأهواء ميال واعمل بعلمك سرا أو علانية ... ينفعك يوما على حال من الحال ولا تميلن -يا هذا- إلى بدع ... تضل أصحابها بالقيل والقال خذ ما أتاك به ما جاء من أثر ... شبها بشبه وأمثالا بأمثال

стр. 1600

ألا فكن أثريا خالصا فهما ... تعش حميدا ودع آراء ضلال (١) - عن أحمد بن حنبل قال: أصول الإيمان ثلاثة: دال، ودليل، ومستدل. فالدال: الله ﵎، والدليل: القرآن، والمستدل: المؤمن. فمن طعن على حرف من القرآن فقد طعن على الله تعالى وعلى كتابه وعلى رسوله ﷺ . (٢) - وقال أبو عمر بن عبد البر: أنشدني عبد الرحمن بن يحيى قال: أنشدني أبو علي الحسن بن الخضر الأسيوطي بمكة قال: أنشدنا أبو القاسم محمد بن جعفر الأخباري قال: أنشدنا عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: دين النبي محمد أخبار ... نعم المطية للفتى الآثار لا ترغبن عن الحديث وأهله ... فالرأي ليل والحديث نهار ولربما جهل الفتى أثر الهدى ... والشمس بازغة لها أنوار (٣) - قال الإمام أحمد في خطبته فيما صنفه من 'الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله'، قال: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس

стр. 1601

عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدع، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مخالفون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله، وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن الضالين. (١) - عن أبي عبد الرحمن عبيد الله بن أحمد الحلبي قال: سألت أحمد بن حنبل عن محدث كذب في حديث واحد ثم تاب ورجع، قال توبته فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يكتب حديثه أبدا. (٢) - عن الحسين بن منصورقال: سئل أحمد بن حنبل عمن يكتب العلم؟ فقال عن الناس كلهم، إلا عن ثلاثة، صاحب هوى يدعو إليه، أو كذاب فإنه لا يكتب عنه قليل ولا كثير، أو عن رجل يغلط فيرد عليه فلا يقبل. (٣) - قال أحمد: أصول السنة عندنا هي التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ والاقتداء بهم وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة، وترك الخصومات، والجلوس مع أصحاب الأهواء، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين والسنة عندنا آثار ... وترك الهوى. (٤) - وكان يقول: لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكا ولا الشافعي ولا الثوري،

стр. 1602

وتعلموا كما تعلمنا. وكان يقول: من قلة علم الرجل أن يقلد دينه الرجال، وقال: لا تقلد دينك الرجال فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا. (١) موقفه من المشركين: - قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: كل من شتم النبي ﷺ أو تنقصه -مسلما كان أو كافرا- فعليه القتل، وأرى أن يقتل ولا يستتاب. قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: كل من نقض العهد وأحدث في الإسلام حدثا مثل هذا رأيت عليه القتل، ليس على هذا أعطوا العهد والذمة، وكذلك قال أبو الصفراء: سألت أبا عبد الله عن رجل من أهل الذمة شتم النبي ﷺ ، ماذا عليه؟ قال: إذا قامت البينة عليه يقتل من شتم النبي ﷺ ، مسلما كان أو كافرا. رواهما الخلال. (٢) - عن علي بن عبد الله الطيالسي قال: مسحت يدي على أحمد بن حنبل، ثم مسحت يدي على بدني وهو ينظر، فغضب غضبا شديدا، وجعل ينفض نفسه، ويقول: عمن أخذتم هذا؟ وأنكره إنكارا شديدا. (٣) - جاء في غاية الأماني ردا على القبورية: وأما الإمام أحمد، فذكر الثناء عليه بلفظ الشهادة له بذلك مع الدعاء له بغير الصلاة، ومع دعاء الداعي لنفسه أيضا لم يذكر أن يطلب منه شيئا ولا يقرأ عند القبر: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إذ

стр. 1603

﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (١). (٢) - جاء في طبقات الحنابلة: وكان أحمد إذا نظر إلى نصراني غمض عينيه، فقيل له في ذلك؟ فقال: لا أقدر أنظر إلى من افترى على الله وكذب عليه. (٣) موقفه من الرافضة: - قال الإمام أحمد: أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ . إلى أن قال: ومن ولي الخلافة فأجمع عليه الناس ورضوا به، ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين، فدفع الصدقات إليه جائز برا كان أو فاجرا. (٤) - وجاء في البداية والنهاية: قال أحمد حين اجتاز بحمص وقد حمل إلى المأمون في زمن المحنة، ودخل عليه عمرو بن عثمان الحمصي فقال له: ما تقول في الخلافة؟ فقال: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ومن قدم عليا على عثمان فقد أزرى بأصحاب الشورى لأنهم قدموا عثمان ﵁. (٥)

стр. 1604

- وجاء في أصول الاعتقاد: عن حنبل قال: سمعت أبا عبد الله يعني أحمد أيضا سئل عن التفضيل فقال: أبو بكر وعمر وعثمان وأما الخلافة فأبو بكر وعمر وعثمان وعلي لأن النبي ﷺ قال: الخلافة في أمتي ثلاثون سنة وقال ابن عمر: كنا نفاضل على عهد رسول الله ﷺ فنقول أبو بكر ثم عمر ثم عثمان. قال أبو عبد الله: ولا نتعدى الأثر والاتباع، فالاتباع لرسول الله ﷺ ومن بعده لأصحابه إذا رضي أصحابه بذلك، وكانوا هم يفاضلون بعضهم على بعض، هو ذا فلا يعيب بعضهم على بعض فعلينا أن نتبع ما مضى عليه سلفنا ونقتدي بهم ﵃. (١) - وفيه عن محمد بن يزيد المستملي قال: كنت أسأل أحمد بن حنبل عن الخلفاء الراشدين، فيقول: دع هذا، فلززته يوما إلى حائط فسألته عن الخلفاء الراشدين المهديين كأنه جزم عليه فقال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز رحمة الله عليهم. (٢) - وعن إبراهيم بن سويد الأرمني قال: قلت: لأحمد بن حنبل: من الخلفاء؟ قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃. قلت: فمعاوية؟ قال: لم يكن أحد أحق بالخلافة في زمن علي من علي ﵁. ورحم الله معاوية. (٣) - روى ابن عبد البر بسنده إلى أبي علي الحسن بن أحمد بن الليث

стр. 1605

الرازي قال: سألت أحمد بن حنبل فقلت: يا أبا عبد الله. من تفضل؟ فقال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وهم الخلفاء، فقال: يا أبا عبد الله. إنما أسألك عن التفضيل من تفضل؟ قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وهم الخلفاء الراشدون المهديون، ورد الباب في وجهي. (١) - وفي السنة للخلال عن أحمد بن حنبل قال: من قال: أبو بكر وعمر وعثمان فهو صاحب سنة، ومن قال: أبو بكر وعمر وعلي وعثمان فهو رافضي، أو قال: مبتدع. (٢) - وفي السنة لعبد الله أنه قال: سمعت أبي يقول: السنة في التفضيل الذي نذهب إليه إلى ما روي عن ابن عمر يقول: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، وأما الخلافة فنذهب إلى حديث سفينة فيقول: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي في الخلفاء، نستعمل الحديثين جميعا ولا نعيب من ربع بعلي، لقرابته وصهره وإسلامه القديم وعدله. (٣) - وفي السنة للخلال عن محمد بن أبي حسان قال: قلت يا أبا عبد الله كان علي إماما، قال: نعم كان إماما عدلا ﵀، وكان عمه حاضرا فقال لي عمه -بحضرة أبي عبد الله وأبو عبد الله يسمع-: هؤلاء الفساق الفجار الذين لا يثبتون إمامة علي: رجل كان يقسم الفيء ويرجم ويقيم الحدود ويسمى أمير المؤمنين فكان خارجي يكذب؟ وأصحاب رسول الله

стр. 1606

- ﷺ يكذبون، وأبو عبد الله ساكت يتبسم. (١) - وفي السنة لعبد الله قال: قلت لأبي إن قوما يقولون إنه ليس بخليفة -يعني علي- قال: هذا قول سوء رديء وقال أصحاب رسول الله ﷺ يقولون له: يا أمير المؤمنين، أفنكذبهم؟ وقد حج بالناس وقطع ورجم فيكون هذا إلا خليفة. قلت لأبي: من احتج بحديث عبيدة أنه قال لعلي: رأيك في الجماعة أحب إلي من رأيك في الفرقة، فقال أبي: إنما أراد أمير المؤمنين بذلك أن يضع نفسه بتواضع. قوله -أي علي ﵁: خبطتنا فتنة، تواضع بذلك. (٢) - وفي أصول الاعتقاد: عن محمد بن سليمان بن داود قال: نا وزيره ابن محمد قال: دخلت إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل حين أظهر التربيع بعلي، فقلت يا أبا عبد الله إن هذه اللفظة توجب الطعن على طلحة والزبير فقال لي: بين ما قلت وما نحن وحرب القوم نذكرها؟ فقلت أصلحك الله إنما ذكرناها حين ربعت وأوجبت له الخلافة وما يجب للأئمة قبله قال: وما يمنعني من ذلك؟ قال: قلت حديث ابن عمر فقال لي: عمر حين طعن، قد رضي عليا للخلافة على المسلمين وأدخله في الشورى وعلي بن أبي طالب قد سمى نفسه أمير المؤمنين فأقول أنا ليس للمؤمنين بأمير! فانصرف عنه. (٣) - قال شيخ الإسلام في المنهاج: وقال أحمد: من لم يربع بعلي في

стр. 1607

الخلافة فهو أضل من حمار أهله. (١) - جاء في طبقات الحنابلة: عنه قال: من لم يربع بعلي بن أبي طالب في الخلافة فلا تكلموه ولا تناكحوه. (٢) - وفي المنهاج أنه ﵀ قال: السيد الحليم (يعني معاوية (، وكان معاوية كريما حليما. (٣) - وفي السنة للخلال عن عبد الملك بن عبد الحميد الميموني قال: قلت لأحمد ابن حنبل: أليس قال النبي ﷺ : "كل صهر ونسب ينقطع إلا صهري ونسبي" (٤)؟ قال: بلى، قلت: وهذه لمعاوية؟ قال: نعم له صهر ونسب، قال: وسمعت ابن حنبل يقول: ما لهم ولمعاوية، نسأل الله العافية. (٥) - وفيها عن هارون بن عبد الله قال: قلت لأبي عبد الله: جاءني كتاب من الرقة أن قوما قالوا: لا نقول معاوية خال المؤمنين، فغضب وقال: ما اعتراضهم في هذا الموضع، يجفون حتى يتوبوا. (٦) - وفيها عن محمد بن جعفر أن أبا الحارث حدثهم قال: وجهنا رقعة إلى أبي عبد الله: ما تقول رحمك الله فيمن قال: لا أقول إن معاوية كاتب

стр. 1608

الوحي ولا أقول إنه خال المؤمنين، فإنه أخذها بالسيف غصبا؟ قال أبو عبد الله: هذا قول سوء رديء، يجانبون هؤلاء القوم ولا يجالسون ونبين أمرهم للناس. (١) - وفيها: عن أبي بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد الله: أيما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز فقال: معاوية أفضل، لسنا نقيس بأصحاب رسول الله ﷺ أحدا، قال النبي ﷺ : "خير الناس قرني الذي بعثت فيهم". (٢) - وفيها عن الفضل بن زياد حدثهم قال: سمعت أبا عبد الله وسئل عن رجل انتقص معاوية وعمرو بن العاص، أيقال له رافضي؟ فقال: إنه لم يجترئ عليهما إلا وله خبيئة سوء، ما انتقص أحد أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ إلا له داخلة سوء. قال رسول الله ﷺ : "خير الناس قرني" (٣). (٤) - وفيها عن يوسف بن موسى أن أبا عبد الله سئل عن رجل شتم معاوية، يصيره إلى السلطان؟ قال: أخلق أن يتعدى عليه. (٥) - وفيها عن أبي بكر بن سندي قال: كنت أو حضرت أو سمعت أبا عبد الله وسأله رجل: يا أبا عبد الله لي خال ذكر أنه ينتقص معاوية وربما

стр. 1609

أكلت معه، فقال أبو عبد الله مبادرا: لا تأكل معه. (١) - وفيها عن أبي بكر المروذي قال: قيل لأبي عبد الله ونحن بالعسكر وقد جاء بعض رسل الخليفة وهو يعقوب فقال: يا أبا عبد الله ما تقول فيما كان من علي ومعاوية رحمهما الله؟ فقال أبو عبد الله: ما أقول فيهما إلا الحسنى ﵏ أجمعين. (٢) - وفيها عن أحمد بن الحسن الترمذي قال: سألت أبا عبد الله قلت: ما تقول فيما كان من أمر طلحة والزبير وعلي وعائشة وأظن ذكر معاوية؟ فقال: من أنا، أقول في أصحاب رسول الله ﷺ كان بينهم شيء الله أعلم. (٣) - وفيها عن إسحاق بن منصور حدثهم أنه قال لأبي عبد الله: قول النبي ﷺ لعمار: "تقتلك الفئة الباغية" (٤)، قال: لا أتكلم فيه. زاد الطيالسي: تركه أسلم. (٥) - وفيها: سئل أحمد عن أبي بكر وعمر فقال: ترحم عليهما، وتبرأ ممن يبغضهما. (٦) - وفيها: أن الفضل حدثهم: سمع أبا عبد الله وذكر نوح بن حبيب فقال: إن كان الذي قيل في نوح بن حبيب أنه يقدم عليا على عثمان، فهذا

стр. 1610

أيضا بلاء أو نحو هذا، ثم قال: كيف يقدم عليا على عثمان؟ وهل كانت بيعة أوثق من بيعته ولا أصح منها؟ وخليفة قتل ظلما لم يبهش إليهم بقصبه، فجعل يقول هذا الكلام، وهو مغضب شديد الغضب. (١) - وفيها عن محمد بن عوف الحمصي قال: سمعت أحمد بن حنبل وسئل عن التفضيل فقال: من قدم عليا على أبي بكر فقد طعن على رسول الله ﷺ ، ومن قدمه على عمر، فقد طعن على رسول الله وعلى أبي بكر، ومن قدمه على عثمان فقد طعن على أبي بكر وعلى عمر وعلى أهل الشورى وعلى المهاجرين والأنصار. (٢) - وفيها عن أبي عبد الله قال: من زعم أن عليا أفضل من أبي بكر فهو رجل سوء، لا نخالطه ولا نجالسه. (٣) - وفيها عن إسحاق بن إبراهيم أنه حدثهم قال سألت أبا عبد الله عمن قدم عليا على عثمان؟ فقال: هذا رجل سوء، نبدأ بما قال -أصحاب- النبي ﷺ ، ومن فضله النبي ﷺ . (٤) - جاء في أصول الاعتقاد عن عبد الملك بن عبد الحميد الميموني قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما لهم ولنا، اسأل الله العافية. وقال لي: يا أبا الحسن إذا رأيت أحدا يذكر أصحاب رسول الله ﷺ بسوء فاتهمه على

стр. 1611

الإسلام. (١) - وفيه عن عبد الله بن أحمد قال: سألت أبي عن رجل سب رجلا من أصحاب النبي ﷺ ، قال: أرى أن يضرب. فقلت له: حد. فلم يقف على الحد إلا أنه قال: يضرب وما أراه على الإسلام. (٢) - وجاء في طبقات الحنابلة: عن أبي القاسم إسحاق بن إبراهيم بن آزر الفقيه، قال حدثني أبي قال: حضرت أحمد بن حنبل وسأله رجل عما جرى بين علي ومعاوية فأعرض عنه. فقيل له: يا أبا عبد الله، هو رجل من بني هاشم؟ فأقبل عليه، وقال: اقرأ ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قد خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ (٣). (٤) - وفيها عن إسحاق بن إبراهيم قال: سمعت أبا عبد الله يسأل عن الذي يشتم معاوية، نصلي خلفه؟ قال: لا، ولا كرامة. (٥) - وفيها عن سعيد بن أبي سعيد أبي نصر الأرطائي قال: سمعت أحمد ابن حنبل، وسئل عن الصلاة خلف المبتدعة؟ فقال: أما الجهمية: فلا، وأما الرافضة الذين يردون الحديث: فلا. (٦) - وفي السنة للخلال عن أبي يعقوب ابن العباس قال: كنا عند أبي عبد الله سنة سبع وعشرين أنا وأبو جعفر ابن إبراهيم فقال له أبو جعفر:

стр. 1612

أليس نترحم على أصحاب رسول الله ﷺ كلهم: معاوية، وعمرو بن العاص، وعلى أبي موسى الأشعري، والمغيرة؟ قال: نعم كلهم وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] (١). اهـ (٢) - وفيها عن إسحاق أنه حدثهم قال سألت أبا عبد الله: قلت: الشراة يأخذون رجلا فيقولون له: تبرأ من علي وعثمان وإلا قتلناك، كيف ترى له أن يفعل؟ قال أبو عبد الله: إذا عذب وضرب فليصر إلى ما أرادوا، والله يعلم منه خلافه. (٣) - وفيها عن أبي طالب قال: سألت أبا عبد الله: البراءة بدعة، والولاية بدعة، والشهادة بدعة؟ قال: البراءة أن تتبرأ من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، والولاية أن تتولى بعضا وتترك بعضا، والشهادة أن تشهد على أحد أنه في النار. (٤) - وفيها عن عبد الملك بن عبد الحميد قال: سمعت أبا عبد الله قال: من شتم، أخاف عليه الكفر مثل الروافض، ثم قال: من شتم أصحاب النبي ﷺ لا نأمن أن يكون قد مرق عن الدين. (٥) - وفيها عن أبي بكر المروذي قال: سألت أبا عبد الله عن من يشتم أبا

стр. 1613

بكر وعمر وعائشة؟ قال: ما أراه على الإسلام. (١) - وفيها عن أبي طالب أنه قال لأبي عبد الله: الرجل يشتم عثمان؟ فأخبروني أن رجلا تكلم فيه فقال: هذه زندقة. (٢) - وفيها عن إسماعيل بن إسحاق الثقفي النيسابوري أن أبا عبد الله سئل عن رجل له جار رافضي يسلم عليه؟ قال: لا وإذا سلم عليه لا يرد عليه. (٣) - وفيها عن الحسن بن علي بن الحسن أنه سأل أبا عبد الله عن صاحب بدعة يسلم عليه؟ قال: إذا كان جهميا أو قدريا أو رافضيا داعية، فلا يصلي عليه ولا يسلم عليه. (٤) - وفي السنة لعبد الله قال: سألت أبي من الرافضة؟ فقال الذين يسبون أو يشتمون أبا بكر وعمر. (٥) - وجاء في الصارم المسلول: قال أبو طالب: سألت أحمد عمن شتم أصحاب النبي ﷺ ، قال: القتل أجبن عنه، ولكن أضربه ضربا نكالا. (٦) - وفيه قال في الرسالة التي رواها أبو العباس أحمد بن يعقوب الإصطخري وغيره: وخير الأمة بعد النبي ﷺ أبو بكر، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان بعد عمر وعلي بعد عثمان، ووقف قوم، وهم خلفاء راشدون

стр. 1614

مهديون، ثم أصحاب رسول الله ﷺ بعد هؤلاء الأربعة خير الناس، لا يجوز لأحد أن يذكر شيئا من مساويهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا نقص، فمن فعل ذلك فقد وجب تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبه، فإن تاب قبل منه، وإن ثبت أعاد عليه العقوبة وخلده في الحبس حتى يموت أو يراجع. (١) - وفيه قال أحمد في رواية أبي طالب في الرجل الذي يشتم عثمان: هذا زندقة. (٢) موقفه من الصوفية: - جاء في السير: عن إسماعيل (٣) بن إسحاق السراج قال: قال أحمد بن حنبل يوما: يبلغني أن الحارث هذا -يعني: المحاسبي- يكثر الكون عندك، فلو أحضرته، وأجلستني من حيث لا يراني، فأسمع كلامه. قلت: السمع والطاعة. وسرني هذا الابتداء من أبي عبد الله، فقصدت الحارث، وسألته أن يحضر، وقلت: تسأل أصحابك أن يحضروا. فقال: يا إسماعيل، فيهم كثرة فلا تزدهم على الكسب (٤) والتمر، وأكثر منهما ما استطعت. ففعلت ما أمرني، وأعلمت أبا عبد الله فحضر بعد المغرب، وصعد غرفة، واجتهد في ورده، وحضر الحارث وأصحابه، فأكلوا ثم قاموا إلى الصلاة، ولم يصلوا بعدها،

стр. 1615

وقعدوا بين يدي الحارث وهم سكوت إلى قريب من نصف الليل، وابتدأ واحد منهم، وسأل عن مسألة، فأخذ الحارث في الكلام وهم يسمعون. وكأن على رؤوسهم الطير، فمنهم من يبكي، ومنهم من يزعق. فصعدت لأتعرف حال أبي عبد الله، وهو متغير الحال، فقلت: كيف رأيت؟ قال: ما أعلم أني رأيت مثل هؤلاء القوم، ولا سمعت في علم الحقائق مثل كلام هذا، وعلى ما وصفت، فلا أرى لك صحبتهم، ثم قام وخرج. (١) - وجاء في التلبيس عن أحمد بن حنبل أنه قال: حذروا من الحارث أشد التحذير، الحارث أصل البلية -يعني في حوادث كلام جهم- ذاك جالسه فلان وفلان، وأخرجهم إلى رأي جهم، ما زال مأوى أصحاب الكلام، حارث بمنزلة الأسد المرابط، انظر أي يوم يثب على الناس. (٢) - وقد حكي لأحمد بن حنبل أن بعض الغلاة الجهال بحقيقة التوكل، كان إذا وضع له الطعام لم يمد يده حتى يوضع في فمه، وإذا وضع يطبق فمه حتى يفتحوه ويدخلوا فيه الطعام، فأنكر ذلك أشد الإنكار، ومن هؤلاء من حرم المكاسب. (٣) - وقال الإمام أحمد: ليست السياحة من الإسلام في شيء، ولا من فعل النبيئين ولا الصالحين. (٤)
следующие страницы →