لهم: ﴿وأقيموا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزكاة﴾ (١) الإقرار بذلك؟ أو الإقرار والعمل؟ فإن قالت: إن الله أراد الإقرار ولم يرد العمل فقد كفرت عند أهل العلم، من قال: إن الله لم يرد من العباد أن يصلوا ولا يؤتوا الزكاة.
فإن قالت: أراد منهم الإقرار والعمل، قيل: فإذا أراد منهم الأمرين جميعا لم زعمتم أن يكون مؤمنا بأحدهما دون الآخر؟ وقد أرادهما جميعا.
أرأيتم لو أن رجلا قال: أعمل جميع ما أمر الله، ولا أقر به، أيكون مؤمنا؟ فإن قالوا لا، قيل لهم: فإن قال: أقر بجميع ما أمر الله به ولا أعمل منه شيئا أيكون مؤمنا؟ فإن قالوا: نعم. قيل: لهم ما الفرق؟ وقد زعمتم أن الله عزوجل أراد الأمرين جميعا؟ فإن جاز أن يكون بأحدهما مؤمنا إذا ترك الآخر، جاز أن يكون بالآخر إذا عمل ولم يقر مؤمنا. لا فرق بين ذلك. فان احتج فقال: لو أن رجلا أسلم، فأقر بجميع ما جاء به النبي ﷺ ، أيكون مؤمنا بهذا الإقرار قبل أن يجيء وقت عمل؟ قيل له: إنما نطلق له الاسم بتصديقه أن العمل عليه بقوله، أن يعمله في وقته إذا جاء وليس عليه في هذا الوقت الإقرار بجميع ما يكون به مؤمنا، وقال: أقر ولا أعمل لم نطلق له اسم الإيمان. (٢)
موقفه من القدرية:
جاء في أصول الاعتقاد: عن إدريس بن عبد الكريم، أرسل رجل من أهل خراسان بكتاب يسأل أبا ثور فأجاب، سألتم رحمكم الله عن القدرية
стр. 1542
من هم؟ فالقدرية من قال: إن الله لم يخلق أفاعيل العباد وإن المعاصي لم يقدرها على العباد، ولم يخلقها، فهؤلاء قدرية لا يصلى خلفهم، ولا يعاد مريضهم، ولا تشهد جنائزهم، ويستتابون من هذه المقالة، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم، وذلك أن الله خالق كل شيء، وقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بقدر﴾ (١) فمن زعم أن شيئا ليس بمخلوق من أفاعيل العباد كان ذلك ضالا، وذلك يزعم أنه يخلق فعله. والأشياء على معنيين: إما عرض وإما جسم، فمن زعم أنه يخلق جسما أو عرضا فقد كفر. (٢)
قُتَيْبَة بن سعيد (٣) (٢٤٠ هـ)
قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف شيخ الإسلام، المحدث الإمام الثقة الجوال راوية الإسلام، أبو رجاء الثقفي مولاهم البلخي البغلاني، قيل إن جده جميلا كان مولى للحجاج بن يوسف الثقفي. روى عن حماد بن زيد وحاتم ابن إسماعيل وإسماعيل بن جعفر وحميد بن عبد الرحمن الرؤاسي وداود بن عبد الرحمن العطار وخلق سواهم. روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والذهلي وأحمد بن حنبل وعدة. قال الخطيب: كان ثبتا
стр. 1543
فيما روى، صاحب سنة وجماعة. توفي سنة أربعين ومائتين.
موقفه من المبتدعة:
- جاء في شرف أصحاب الحديث عن قتيبة بن سعيد قال: إذا رأيت الرجل يحب أهل الحديث مثل يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه -وذكر قوما آخرين- فإنه على السنة، ومن خالف هذا فاعلم أنه مبتدع. (١)
- وقال: أحمد بن حنبل إمامنا، من لم يرض به فهو مبتدع. (٢)
" التعليق:
وكان من بعده شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ثم في هذا الزمان الشيخ حامد الفقي، والشيخ ناصر الألباني والشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز وغيرهم مما يكثر عده كثرهم الله وجعلنا من محبيهم.
موقفه من الجهمية:
- قال الخلال في السنة: أخبرنا سليمان، قال: سمعت قتيبة يقول: بشر المريسي كافر. (٣)
- وقال أيضا: أخبرنا أبو داود السجستاني قال: سمعت قتيبة قال:
стр. 1544
الواقفة جهمية. وسمعت قتيبة قيل له الواقفة؟ فقال: الواقفة شر من هؤلاء (يعني: ممن قال القرآن مخلوق). (١)
- وفي ذم الكلام عنه قال: إذا قال الرجل: المشبهة، فاحذروه، فإنه يرى رأي جهم. (٢)
" التعليق:
لقد تفطن السلف إلى حيل المبتدعة وعرفوها، فلذا حذروا منها وجعلوا لمن ينتحلها علامات إذا رأوها منه. وكما يقال: التاريخ يعيد نفسه، فمن قال الآن: وهابية أو أتباع ابن تيمية وابن القيم أو مجسمة وما أشبه ذلك، فاعلم أنه مبتدع ضال، قصده الطعن فيمن رد الناس إلى عقيدة السلف.
- وفي أصول الاعتقاد: عنه قال: قول الأئمة المأخوذ به في الإسلام والسنة، الإيمان بالرؤية والتصديق بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله ﷺ في الرؤية. (٣)
- وفي السير واجتماع الجيوش الإسلامية: عن أبي العباس السراج قال: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: هذا قول الأئمة في الإسلام وأهل السنة والجماعة، نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه. كما قال تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (٤). (٥)
стр. 1545
موقفه من المرجئة:
جاء في السير: وقيل: كان سبب نزوح قتيبة من مدينة بلخ، وانقطاعه بقرية بغلان، أنه حضر عنده مالك، وجاءه إبراهيم بن يوسف البلخي للسماع، فبرز قتيبة، وقال: هذا من المرجئة، فأخرجه مالك من مجلسه -وكان لإبراهيم صورة كبيرة ببلده- فعادى قتيبة، وأخرجه. (١)
سُحْنُون (٢) (٢٤٠ هـ)
عبد السلام بن سعيد بن حبيب بن حسان الإمام العلامة فقيه المغرب أبو سعيد التنوخي الحمصي الأصل، المغربي القيرواني، قاضي القيروان، وصاحب 'المدونة' ويلقب بـ "سحنون" بفتح السين وضمها، وهو اسم طائر بالمغرب، يوصف بالفطنة والتحرز. سمع من سفيان بن عيينة وعبد الله بن وهب وابن القاسم ووكيع بن الجراح وأشهب والوليد بن مسلم وطائفة. أخذ عنه ولده محمد فقيه القيروان وأصبغ بن خليل القرطبي وبقي بن مخلد وعيسى بن مسكين وسعيد بن نمر الغافقي وعدة. قال يونس بن عبد الأعلى: سحنون سيد أهل المغرب. وقال أشهب: ما قدم علينا مثل سحنون. من أقواله: أكل بالمسكنة، ولا أكل بالعلم. محب الدنيا أعمى لم ينوره العلم. ما أقبح بالعالم أن يأتي الأمراء، والله ما دخلت على السلطان إلا وإذا خرجت
стр. 1546
حاسبت نفسي، فوجدت عليها الدرك، وأنتم ترون مخالفتي لهواه، وما ألقاه به من الغلظة، والله ما أخذت ولا لبست لهم ثوبا. توفي سنة أربعين ومائتين.
موقفه من المبتدعة:
- وسئل سحنون: أيسع العالم أن يقول: لا أدري فيما يدري؟ قال: أما ما فيه كتاب أو سنة ثابتة فلا، وأما ما كان من هذا الرأي، فإنه يسعه ذلك لأنه لا يدري أمصيب هو أم مخطئ. (١)
- وعنه قال: إني لأخرج من الدنيا، ولا يسألني الله عن مسألة قلت فيها برأيي، وما أكثر ما لا أعرف. (٢)
- قال سحنون بن سعيد: ما أدري ما هذا الرأي؟ سُفكت به الدماء، واستحلت به الفروج، واستحقت به الحقوق، غير أنا رأينا رجلا صالحا فقلدناه. (٣)
- وعن يحيى بن عون: قال: دخلت مع سحنون على ابن القصار وهو مريض فقال: ما هذا القلق؟ قال له: الموت والقدوم على الله. قال له سحنون: ألست مصدقا بالرسل والبعث والحساب والجنة والنار، وأن أفضل هذه الأمة أبو بكر ثم عمر، والقرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله يرى يوم القيامة، وأنه على العرش استوى، ولا تخرج على الأئمة بالسيف، وإن جاروا. قال: إي والله، فقال: مت إذا شئت، مت إذا شئت. (٤)
стр. 1547
موقفه من الرافضة:
قال العتبي وسئل سحنون عمن قال: إن جبريل أخطأ بالوحي، وإنما كان لعلي ابن أبي طالب إلا أن جبريل أخطأ الوحي، هل يستتاب أو يقتل ولا يستتاب؟ قال: بل يستتاب، فإن تاب وإلا قتل: قيل: فإن شتم أحدا من أصحاب النبي ﷺ أبا بكر وعمر أو عثمان أو علي أو معاوية أو عمرو بن العاص؟ فقال لي: أما إذا شتمهم فقال إنهم كانوا على ضلال وكفر، قتل، وإن شتمهم بغير هذا كما يشتم الناس رأيت أن ينكل نكالا شديدا. (١)
موقفه من الجهمية:
لم تقف بدعة الجهمية في المشرق، بل تجاوزت إلى المغرب، وتبناها الكثير من ضعفاء العقول والجهلة بالأثر والفقه السلفي، وحكام مغرضون وافقت أهواءهم، وقاموا بنفس الامتحان الذي قام به حكام المشرق. ولكن وجدوا الجبال الراسيات، التي ثبتها الله، زيادة على مشربهم السلفي، فرحمة الله على الجميع. وقد ذكر القاضي عياض في 'ترتيب المدارك' جملة كبيرة من هذا النموذج، وكذلك الدباغ في 'معالم الإيمان في تاريخ القيروان' وأبو العرب والخشني وغيرهم، مما لو جمع لكان جيشا كبيرا سلفيا، وقد أخذت بعض النماذج في هذا البحث المبارك، ولعل الله يطيل في العمر ونكمل الباقي إن شاء الله. وإليكم الإمام الكبير سحنون بن سعيد.
- جاء في معالم الإيمان: قال غير واحد من العلماء بالأثر: كان
стр. 1548
سحنون قد حضر جنازة وهب -وكان أخاه من الرضاعة- فتقدم ابن أبي الجواد الذي كان قاضيا قبله -وكان يذهب إلى رأي الكوفيين، ويقول بالمخلوق- فصلى عليها، فرجع سحنون ولم يصل خلفه، فبلغ ذلك الأمير "زيادة الله"، فأمر أن يوجه إلى عامل القيروان أن يضرب سحنونا خمسمائة سوط، ويحلق رأسه ولحيته، فبلغ ذلك وزيره علي بن حميد فأمر الوزير أن يتوقف، وتلطف حتى دخل على الأمير وقت القائلة، وقد نام، فقال له: ما شيء بلغني في كذا؟ قال: نعم، قال: لا تفعل، فإن الغير إنما هلك بضربه البهلول بن راشد، فقال: وهذا مثل بهلول؟ قال: نعم، وقد حبست البريد شفقة على الأمير، فشكره ولم ينفذ أمره. وبينما سحنون يقرئ الناس إذ أتاه الخبر بما أراح الله منه، وقيل له: لو ذهبت إلى علي بن حميد فشكرته؟ قال: لا أفعل، قيل له: لو وجهت ابنك لذلك؟ فأبى، قال: ولكني أحمد الله الذي حرك ابن حميد لهذا، فهو أولى بالشكر، وأقبل على إسماعه، فقال له قوم من أصحابه: لهذا كتب والله اسمك بالحبر على الرقوق.
قال ابن وضاح: كنت عند سحنون فجاء إنسان فساره شيئا، فتغير لونه، ثم جاءه آخر فساره فرجعت إليه نفسه، ثم قال: لم أبلغ أنا مبلغ من ضرب، إنما يضرب مثل مالك وابن المسيب.
ولما ولي أحمد بن الأغلب الإمارة، وأخذ الناس بالمحنة بالقرآن، وخطب به بالقيروان، توجه سحنون إلى عبد الرحيم الزاهد بقصر زياد فارا، فكان عنده، فوجه في طلبه إلى هنالك رجلا يقال له:
стр. 1549
ابن السلطان، وكان مبغضا في سحنون بغضا عظيما، اختاره لذلك في خيل وجهها معه. فلما وصل إلى سحنون قال له ابن السلطان: وجهني الأمير إليك، وقصدني لبغضي فيك، لأبلغ منك، وقد حالت نيتي عن ذلك، وأنا أبذل دمي دون دمك، فاذهب حيث شئت من البلاد أو أقم، فأنا معك. فشكره سحنون وقال: ما كنت أعرضك لهذا، بل أذهب معك. فخرج وشيعه أصحابه، وقال عبد الرحيم للرسول: قل للأمير: أوحشتنا من صاحبنا وأخينا في هذا الشهر العظيم، -وكان شهر رمضان- سلبك الله ما أنت فيه وأوحشك. وفي رواية عارضتني في ضيفي، فوالله لأعرضنك على رب العالمين.
فلما وصل إلى الأمير، جمع له قواده وقاضيه ابن أبي الجواد وغيره، وسأله عن القرآن، فقال سحنون: أما شيء أبتدئه من نفسي فلا، ولكن سمعت من تعلمت منه وأخذت عنه كلهم يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، فقال ابن أبي الجواد: كفر اقتله، ودمه في عنقي، وقال غيره مثله ممن يرى رأيه وقال بعضهم: يقطع أرباعا ويجعل كل ربع بموضع من المدينة. ويقال هذا جزاء من لم يقل بكذا.
فقال الأمير لداود بن حمزة: ما تقول أنت؟ قال: قتله بالسيف راحة، ويقال إن قائل هذا علي بن حميد ومحمد بن أحمد الحضرمي ورجال السنة من أصحاب السلطان، ولكن اقتله قتل الحياة، تأخذ عليه الضمناء وينادى عليه بسماط القيروان أن لا يفتي ولا يسمع أحدا ويلزم داره ففعل ذلك وأخذ عليه عشرة حملاء، ويقال إن ابن أبي الجواد هو الذي أمر بأخذ الحملاء عليه.
قال سهل: فدخلت عليه ومعي دراهم أشتري بها ثيابي من الحرس إن أخذوني، فعافاني الله فقلت: البدعة فاشية، وأهلها أعزاء، فقال لي: أما علمت
стр. 1550
أن الله إذا أراد قطع بدعة أظهرها، وما كان إلا زمن قليل ومات الأمير. (١)
" التعليق:
هكذا يكرم الله عباده الصالحين بالنجاة من الظالمين، فيهيئ لذلك من الأسباب والأشخاص ما لا يدخل في حساب الناجي.
وهذا الإمام سحنون الذي خلد الله ذكره في الأولين والآخرين، يثبت على عقيدة السلف، ويقف سدا منيعا أمام دعاة الجهمية؛ حكام وعلماء سوء والكل يسبحون في بحر من الضلال والجهل، وسحنون هذا، كان في وقته بمنزلة الإمام أحمد وأمثاله، فلو أجاب إلى هذه البدعة لأجاب كل علماء السلف الذين بإفريقية، ولكن جعل نفسه فداء لعقيدة السلف كما سبقه إلى ذلك جبال راسيات من السلفيين الأخيار، ﵏، وجعلهم في أعلى عليين، وجعلنا وشباب العالم الإسلامي على منهاجهم، إنه سميع مجيب.
- وفي نقض المنطق للحافظ ابن تيمية: قال سحنون: من العلم بالله السكوت عن غير ما وصف به نفسه. (٢)
стр. 1551
عبد العزيز بن يحيى الكِنَاني (١) (٢٤٠ هـ)
عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز بن مسلم بن ميمون الكناني المكي الفقيه صاحب كتاب 'الحيدة' وكان يلقب بالغول لدمامة منظره. روى عن سفيان بن عيينة ومروان بن معاوية الفزاري وعبد الله بن معاذ الصنعاني والشافعي وهشام بن سليمان المخزومي. روى عنه أبو العيناء محمد بن القاسم والحسين بن الفضل البجلي وأبو بكر يعقوب بن إبراهيم التيمي. قال الخطيب: قدم بغداد زمن المأمون، وجرى بينه وبين بشر المريسي مناظرة في القرآن، وكان من أهل العلم والفضل. توفي سنة أربعين ومائتين.
موقفه من الجهمية:
- آثاره في العقيدة السلفية:
١ - كتاب الحيدة:
هذا شخص مبارك يعرفه من قرأ له كتابه 'الحيدة' وهو من أروع الكتب التي حملت قوة علم السلفيين، وشجاعتهم، وقوة ثباتهم وعدم مبالاتهم بالسلطان المبتدع الضال، ومن قرأ الكتاب يتبين له جهل المبتدعة بالمعقول والمنقول، وأن سلاحهم الوحيد في نشر بدعهم هو الحيلة والمكر والروغان المستمر، وعدم معرفتهم بباطلهم والرجوع إلى الحق. ولما لهذا الكتاب من مكانة في العقيدة السلفية، حاول أعداء هذه المدرسة الطعن في الشخص والكتاب، ولكن كما قال الشاعر:
стр. 1552
كناطح صخرة يوما ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
وكما قال آخر:
وهل حط قدر البدر عند طلوعه ... إذا ما الكلاب أنكرته فهرت
وما إن يضر البحر إن قام أحمق ... على شطه يرمي إليه بصخرة
٢ - الرد على الجهمية:
نقل منه الإمام ابن القيم في اجتماع الجيوش، وذكره شيخ الإسلام في درء التعارض وغيره.
وهذا نموذج منه: باب قول الجهمي في قوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (١)، زعمت الجهمية أن معنى استوى استولى، من قول العرب استوى فاطن على مصر، يريدون استولى عليها، قال: فيقال له: هل يكون خلق من خلق الله أتت عليه مدة ليس بمستول عليه؟ فإذا قال: لا، قيل له: فمن زعم ذلك فهو كافر، فيقال له: يلزمك أن تقول: إن العرش أتت عليه مدة ليس الله بمستول عليه، وذلك لأنه أخبر أنه سبحانه خلق العرش قبل السموات والأرض ثم استوى عليه بعد خلقهن، فيلزمك أن تقول المدة التي كان العرش قبل خلق السموات والأرض ليس الله تعالى بمستول عليه فيها، ثم ذكر كلاما طويلا في تقرير العلو والاحتجاج عليه. (٢)
стр. 1553
- مناظرته لبشر بن غياث المريسي:
عن عبد العزيز بن يحيى المكي الكناني: أرسل لي أمير المؤمنين المأمون فأحضرني، وأحضر بشر بن غياث المريسي فدخلنا عليه، فلما جلسنا بين يديه، قال: إن الناس قد أحبوا أن تجتمعا وتتناظرا، فأردت أن يكون ذلك بحضرتي، فَأَصِّلا فيما بينكما أصلا إن اختلفتما في فرع رجعتما إلى الأصل، فإن انقضى فيما بينكما أمره إلا كانت لكما عودة. قال عبد العزيز: قلت: يا أمير المؤمنين، إني رجل لم يسمع أمير المؤمنين كلامي قبل هذا اليوم، وقد سمع كلام بشر ودار في مسامعه، فصار دقيق كلامه جليلا عند أمير المؤمنين وفي بعض كلامي دقة، فإن رأى أمير المؤمنين أن أتكلم، فأقدم من كلامي شيئا يتبين به الكلمة التي تدق على سامعها ولا تغبى إذا طرت على أهل المجلس، قال: ونزهته أن أواجهه بها. فقال: قل يا عبد العزيز. قال: قلت: يا أمير المؤمنين، إنه من ألحد في كتاب الله جاحدا أو زائدا، لم يناظر بالتأويل ولا بالتفسير ولا بالحديث. قال: فبم يناظر؟ قلت له: بالتنزيل. قال الله عزوجل لنبيه محمد ﷺ : ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ (١) وقال: ﴿إِنَّمَا أنذركم بِالْوَحْيِ﴾ (٢) وقال لليهود حين ادعت تحريم أشياء لم
стр. 1554
يحرمها: ﴿قُلْ فَأْتُوا بالتوراة فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صادقين﴾ (١) وإنما يكون التأويل والتفسير لمن قرأ التنزيل، فأما من ألحد في تنزيل القرآن وخالفه، لم يناظر بتأويله ولا بالحديث. قال عبد العزيز: فقال المأمون: أو يخالفك في التنزيل؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، يخالفني في التنزيل، أو ليتركن قوله.
قال: فقال: سله. قلت له: يا بشر: ما حجتك بأن القرآن مخلوق؟ انظر أَحَدَّ سهم في كنانتك فارمني به، ولا تكن بك حاجة إلى معاودة، فقال: قوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢). قال: فقلت للمأمون: يا أمير المؤمنين من أخذ بمكيال فعليه أن يعطي به. فقال لي: ذاك يلزمه. فقلت له: أخبرني عن قوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٣)، هل بقي شيء لم يأت عليه هذا الخبر؟ فقال لي: لا. قلت له: أخبرني عن علم الله الذي أخبر عنه في خمسة مواضع، فقال في البقرة: ﴿ولا يحيطون بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ (٤) وقال في النساء: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يشهد بما أنزل إليك أنزله بِعِلْمِهِ﴾ (٥) وقال: ﴿فَإِنْ لَمْ يستجيبوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أنزل بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ (٦) وقال في فاطر: ﴿وما
стр. 1555
تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى ولا تضع إِلًّا بِعِلْمِهِ﴾ (١) وقال في سجدة المؤمن: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى ولا تضع إِلًّا بِعِلْمِهِ﴾ (٢) أفمقر أنت أن لله علما كما أخبر عن علمه أو تخالف التنزيل؟
قال عبد العزيز: فحاد بشر عن جوابي وأبى أن يصرح بالكفر، فيقول: ليس لله علم، فأرجع بالمسئلة وعلم ما يلزمه فأقول له: أخبرني عن علم الله داخل في قوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شيءٍ﴾، فلزم الحيدة واجتلب كلاما لم أسأله عنه، فقال: معنى ذلك لا يجهل، فقلت: يا أمير المؤمنين، فلا يكون الخبر عن المعنى قبل الإقرار بالشيء يقر أن لله علما، فإن سألته ما معنى العلم، وليس هذا مما أسأله عنه، فيجيب بهذا إن كان هذا جوابا حاد عن الجواب ولزم سبيل الكفار. فقال لي بشر: وتعرف الحيدة؟ قال: قلت: نعم، إني لأعرف الحيدة من كتاب الله وهي سبيل الكفار التي اتبعتها. فقال لي المأمون: والحيدة نجدها في كتاب الله؟ قلت: نعم، وفي سنة المسلمين وفي اللغة. فقال لي: فأين هي من كتاب الله؟
قال عبد العزيز: قلت: إن إبراهيم ﵇ قال لقومه: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ (٣) فكانوا بين أمرين: أن يقولوا: يسمعوننا حين ندعوا أو ينفعوننا أو يضروننا، فيشهد
стр. 1556
عليهم من يسمع قولهم أنهم قد كذبوا، أو يقولوا: لا يسمعوننا حين ندعوا ولا يضروننا ولا ينفعوننا، فينفوا عن آلهتهم المقدرة، فبأي الخبرين أجابوا كانت الحجة عليهم لإبراهيم ﵇ فحادوا عن جوابه واجتلبوا كلاما من غير فن كلامه، فقالوا: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (١)، ولم يكن هذا جوابا عن مسألة إبراهيم. ويروى أن عمر بن الخطاب قال لمعاوية وقد قدم عليه فنظر إليه يكاد يتفقأ شحما، فقال: ما هذه الشحمة يا معاوية، لعلها من نومة الضحى ورد الخصم؟ فقال (٢): يا أمير المؤمنين، إذا تصونني يرحمك الله، فقد صدق بشر أن الله لا يجهل، إنما سألته أن يقر بالعلم الذي أخبر الله عنه، فأبى أن يقر به وحاد عن جوابي إلى نفي الجهل، فليقل أن لله علما وأن الله لا يجهل، ثم التفت إلي بشر فقلت: يا بشر أنا وأنت نقول أن الله لا يجهل، وأنا أقول أن لله علما وأنت تأبى أن تقوله، فدع ما تقول وأقول، وما لا تقول ولا أقول، وإنما مناظرتي إياك فيما أقول ولا تقول، أو تقول ولا أقول، قال: وهو في ذلك يأبى أن يقر أن لله علما، ويقول: إن الله لا يجهل، فلما أكثر، قلت: يا أمير المؤمنين، إن نفي السوء لا يثبت المدحة، وكنت متكئا على أسطوانة، قلت: هذه الأسطوانة لا تجهل ولا تعلم، فليس نفي الجهل بإثبات للعلم، فإثباته ما أثبت الله أولى به، لأن على الناس أن يثبتوا ما أثبت الله، وينفوا ما نفى الله، ويمسكوا حيث أمسك الله.
ثم قلت: يا أمير المؤمنين: لم يمدح الله ملكا ولا نبيا ولا مؤمنا بنفي
стр. 1557
الجهل، بل دل على إثبات العلم، فقال تعالى للملائكة: ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يعلمون مَا تَفْعَلُونَ﴾ (١)، ولم يقل: لا يجهلون. وقال للنبي ﷺ : ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ (٢) وقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٣)، ولم يقل: الذين لا يجهلون، فمن أثبت العلم، نفى الجهل، ومن نفى الجهل، لم يثبت العلم، فما اختار بشر لله من حيث اختار الله لنفسه، ولا من حيث اختار لملائكته ولرسله وللمؤمنين.
فقال لي أمير المؤمنين: فإذا أقر أن لله علما يكون ماذا؟ قلت: يا أمير المؤمنين أسأله عن علم الله، أداخل هو في جملة الأشياء المخلوقة حين احتج بقوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٤)، وزعم أنه لم يبق شيء إلا وقد أتى عليه هذا الخبر، فإن قال: نعم، فقد شبه الله بخلقه الذين أخرجهم الله من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا، وكل من تقدم وجوده علمه فقد دخل عليه الجهل فيما بين وجوده إلى حدوث علمه، وهذه صفة المخلوقين الذين أخرجهم الله من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا، فيكون بِشر قد شبه الله بخلقه. فقال لي أمير المؤمنين: أحسنت أحسنت يا عبد العزيز، ثم التفت إلى بشر، فقال: يأبى
стр. 1558
عليك عبد العزيز إلا أن تقر أن لله علما، ثم قال لي أمير المؤمنين: تقول إن الله عالم؟ قلت: نعم. قال: وتقول أن لله علما؟ قلت: نعم. قال: تقول إن الله سميع بصير؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: فتقول أن لله سمعا وبصرا كما قلت أن لله علما؟ قال: قلت: لا يا أمير المؤمنين. فقال لي: فرق بين هذين. قال: فأقبل بشر، فقال: يا أمير المؤمنين يا أفقه الناس يا أعلم الناس يقول الله : ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (١٨)(١) قال: قلت: قد قدمت إلى أمير المؤمنين فيما احتججت به أن على المؤمنين أن يثبتوا ما أثبت الله وينفوا ما نفى الله، ويمسكوا عن ما أمسك الله، فأخبرني الله أنه عالم، فقلت: إنه عالم بقوله: ﴿عَالِمُ الغيب والشهادة﴾ (٢) وأخبرني أن له علما بقوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أنزل بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ (٣)، وأخبرني أنه سميع بصير، فقلت بالخبر ولم يخبرني أن له سمعا وبصرا، فأمسكت.
فقال المأمون: ما هو مشبها فلا تكذبوا عليه. فقال لي بشر: فما معنى العلم، لو أن رجلين وردا عليك فقالا ما معنى العلم؟ فحلف أحدهما بالطلاق أن العلم هو الله، وقال الآخر: أن العلم غير الله، ما كان جوابك؟ قلت: أما مسألتك إياي ما معنى العلم، فإنك تسألني عما لم يخبرني الله به ولم يخبر
стр. 1559
أحدا، فأمرتني أن أقول على الله ما لم أعلم كما أمر الشيطان، فأولى الأمرين بي أن أمسك عما حرم الله علي أن أقول به، وأمرني الشيطان أن أقوله. قال الله عزوجل: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) وقال: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢) ثم أقبلت على المأمون، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن بشرا قد علم أنه قد أفحم فلم يكن عنده جواب، فيسأل عما لم يكن له أن يسأل عنه ولا يكون لي أن أجيب عنه، فأراد أن يقول إن عبد العزيز سأل بشرا عن مسألة فلم يجبه، وسأل بشر عبد العزيز فلم يجبه، فأنا وبشر يا أمير المؤمنين من مسألتي ومسألته على غير السواء، سألته عما أعلمه الله به ووقعه عليه بالإعلام وتعبده بالإيمان به لقوله: ﴿وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أنزل اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ (٣)
فأبى أن يقر به، وسألني عن معنى العلم وقد ستر الله ذلك عني وعنه، وإنما يدخل النقص علي لو كان بشر يعلم أو أحد العلماء ما العلم، فأما ما نجتمع أنا وبشر والخلق في الجهل بمعرفته، فلم يكن الضرر داخلا علي
стр. 1560
دونه، وهذه مسألة لا يحل لمؤمن أن يسأل عنها ولمؤمن أن يجيب فيها، لأن الله أمسك عن أن يخبر كيف علمه، فلم يكن لأحد أن يتكلفه ولا يخبر عنه ولا لسائل أن يسأل عنه، فلما كان علينا أن نقول سميعا بصيرا، قلنا، وليس لنا أن نقول: سمع وبصر.
قال عبد العزيز: وقلت لبشر: حين تسألني ما معنى العلم وتشير علي أن أقول على الله ما لم يقله، هل تجوز هذه المسألة في خلق من خلق الله؟ قد قال الله : ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ (١)، فلو ورد علي ثلاثة نفر فحلف أحدهم أن الأقلام خشب، وحلف الآخر أنها قصب، وحلف الآخر أنها خوص، كان علي أن أميز بين قول هؤلاء؟ وقال الله : ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ (٢)، فلو ورد علي رجلان فحلف أحدهما أنه الزهرة، وحلف الآخر أنه المشتري، أكان علي أن أنظر بين هذين أيهما المصيب من المخطئ؟ وقال : ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (٣)، فلو أن ثلاثة نفر حلفوا فقال أحدهم: المؤذن ملك، وقال الآخر: هو إنسي، وقال الآخر: هو جني، كان علي أو على أحد من الناس أن يقضي بينهم إلا أن يكون الله أخبر في كتابه كيف ذلك وعلى لسان نبيه ﷺ ؟ وإذا لم يوجد شيء من هذا عن الله ولا عن
стр. 1561
رسوله، لم يكن لأحد أن يصل الخبر بتفسير من تلقاء نفسه، فإذا كان هذا لا يجوز في خلق من خلق الله، فكيف تجوز المسألة في الله، وقد حرم الله على الناس أن يقولوا على الله ما لا يعلمون؟
قال عبد العزيز: ورأيته قد حار في يدي، فقلت: يا أمير المؤمنين احتج بشر بقوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) فليعط بالمكيال الذي أراد أن يأخذ به إن كان صادقا. قال الله : ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ (٢)، ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (٣) وقال: ﴿ويحذركم اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (٤) وقال: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ (٥) فأخبر أن له نفسا. وقال: ﴿كل نَفْسٍ ذائقة الْمَوْتِ﴾ (٦) فلو أن ملحدا ألحد علي وعلى بشر، فقال: قد أخبر الله أن كل نفس ذائقة الموت، وأن له نفسا، ما كانت الحجة لي وله عليه.
قال: فقال بشر: إن كنت تريد نفس ضمير أو توهم جارحة. فقلت: كم ألقي إليك أني أقول بالخبر وأمسك عن علم ما ستر عني، وإنما أقول: إن
стр. 1562
لله نفسا كما قال، فليكن معناها عندك ما شئت، أهي داخلة في قوله: ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾؟ إلى كم تفر إلى المعاني؟ انظر هل أجري معك حيث تجري؟ قال: فقال المأمون: ويحك يا عبد العزيز كيف هذا؟ قلت: يا أمير المؤمنين إن الله أنزل القرآن بأخبار خاصة وعامة، ففيها ما يكون مخرجها مخرج العموم ومعناها معنى العموم، ومنه خبر مخرج لفظه مخرج خاص ومعناه معنى خاص، منهما خبران محكمان لا ينصرفان بإلحاد ملحد، ومن القرآن خبر مخرج لفظه خاص ومعناه عام، وخبر مخرج لفظه عام ومعناه خاص، وفي هذه دخلت الشبه على من لم يعرف خاص القرآن وعامه، فأما الخبر الذي مخرجه عام ومعناه عام، فقوله: ﴿وَلَهُ كل شَيْءٍ﴾ (١) فجمع هذا الخبر الخلق والأمر فلم يبق شيء إلا وقد أخبر أنه له، فمخرجه عام ومعناه عام، وأما الخبر الذي مخرجه خاص ومعناه خاص فما قدم في عيسى ﵇ أنه خلق من غير أب، وفي آدم ﵇. وقال: ﴿يا أيها النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذكرٍ وَأُنْثَى﴾ (٢)، فلم يتوهم مؤمن أن الله عنى آدم وعيسى. وأما الخبر الذي مخرجه خاص ومعناه عام، فهو قوله: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رب الشِّعْرَى﴾ (٣) فهو رب الشعرى وغير الشعرى.
стр. 1563
وأما الخبر الذي معناه خاص، فهو قوله: ﴿إِلَّا آَلَ لُوطٍ نجيناهم بِسَحَرٍ﴾ (١) إنما كان معناه خاصا، لأن امرأة لوط لم تعن، ولما أنزل الله القرآن على معاني هذه الأخبار، لم يتركها أشباها على الناس، ولكن بيانها خاص لقوم يفقهون، وإذا أنزل الله خبرا مخرج لفظه خاص ومعناه عام، بين في أكثر ذلك ما بينه بأحد بيانين: إما أن يستثني من الجملة شيئا فيكون بيانا للناس أكملهم، أو يقدم فيهم خبرا خاصا فلا يعينه، فإذا أنزل خبرا عاما لم يتوهم عالم أنه عنى في خبره العام خلاف ما خصه ونصه.
وأما الخبر الذي بين له على العموم ثم يستثني ما لم يعنه، فهو قوله: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ (٢) فعقل المؤمنون أن الألف السنة لم يستكملها نوح في قومه قبل الطوفان بقول الله : ﴿إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾، فكان ابتداء لفظه عاما ومعناه خاصا بالاستثناء.
وأما الخبر الخاص الذي لا يجري عليه الخبر العام، فهو كقوله في إبليس: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٣)، وقال: ﴿ورحمتي وسعت كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٤)، فعقل أهل العلم عن الله أنه لم يعن إبليس
стр. 1564
بقوله: ﴿ورحمتي وسعت كُلَّ شَيْءٍ﴾ لما قدم فيه من الخبر الخاص باليأس من رحمة الله لأن من سنته أن لا يترك الذي لا يعني حتى يخرجه بالاستثناء أو محاشاة، فيقدم فيه خبرا كقوله: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ (١) قال إبراهيم ﵇: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (٢)، فاستثنى لوطا من أهل القرية، واستثنى امرأة لوط من آل لوط.
وقال في موضع آخر: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (٣) وقال: ﴿مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ (٤)، فخص المرأة بالهلاك، وأنزل خبرا مخرجه مخرج عام، ومعناه خاص، فقال: ﴿إِلَّا آَلَ لُوطٍ نجيناهم بِسَحَرٍ﴾ (٥) فعقل المؤمنون عن الله أنه لم يعن امرأة لوط بالنجاة، لما قدم فيها من الخبر الخاص بالهلكة، وكذلك حين قدم في نفسه خبرا خاصا، فقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ (٦) ثم قال: ﴿كل نَفْسٍ
стр. 1565
ذائقة الْمَوْتِ﴾ (١)، فلم يكن لأحد أن يتوهم على الله أنه عنى نفسه، وكذلك حين قدم في قوله خبرا خاصا، فقال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٢)، فدل على قوله باسم معرفة وعلى الشيء باسم نكرة فكانا شيئين متفرقين، فقال: ﴿إذا أردناه﴾ ولم يقل إذا أردناهما ولم يقل أن نقول لهما ثم قال: ﴿كُنْ فيكون﴾، ففرق بين القول والشيء المخلوق. ثم قال: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٣)، فعقل أهل العلم عن الله أنه لم يعن قوله في جملة الأشياء المخلوقة حين قدم فيه خبرا أنه خلق الأشياء بقوله، وإنما غلط بشر يا أمير المؤمنين ومن قال بقوله بخاص القرآن وعامه.
قال عبد العزيز: ثم أقبلت على المأمون، فقلت: يا أمير المؤمنين إن بشرا خالف كتاب الله وسنة رسوله، وإجماع أصحاب محمد ﷺ . فقال: أو فعل ذلك؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، أوقفك عليه الساعة. فقال لي كيف؟ قلت: إن اليهود ادعت تحريم أشياء في التوراة، فقال الله : ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٤) فإذا تليت التوراة فلم يوجد ما ادعوا، كان إمساك التوراة مسقطا لدعواهم، وكذلك يقال لبشر:
стр. 1566
اتل بما قلت قرآنا وإلا فإن إمساك القرآن بما تدعي مسقط لدعواك، وكذلك تنظر في سنة رسول الله ﷺ ، فإن كانت معه سنة من رسول الله، وإلا كان إمساك سنة رسول الله مسقطا لدعواه، وأما خلافه أصحاب محمد ﷺ ، فإن أصحاب محمد اختلفوا في الحلال والحرام ومخارج الأحكام، فلم يخطئ بعضهم بعضا، فهم من أن يبدع بعضهم بعضا أبعد، وهم من أن يكفر بعضهم بعضا بالتأويل أبعد، وبشر ادعى على الأمة كلها كلمة تأولها، ثم زعم أن من خالفه كافر، فهو خارج من إجماع أصحاب محمد ﷺ . قال بشر: ما ادعيت إلا نص التنزيل.
قال: قلت له: هات، فأنا أول من يقول بقولك إن كان معك تنزيل، ومن خالف فكافر. قال: فقال محمد بن الجهم: أولا تقبل منه إلا نص القرآن؟ قلت: لا، لأنه إذا تأول فلخصمه أن يتأول معه. قال: فقال لي محمد بن الجهم: ومن أين لك من القرآن أن هذا الحصير مخلوق؟ قلت: هو في القرآن من حيث لا تعلم، وقد أخبر الله أنه خلق الأنعام وخلق الشجر، وهذا الحصير من الشجر ومن جلود الأنعام، فمعك أنت شيء تخبرني أن القرآن من ذلك الشيء الذي خلقه الله؟ قال بشر: معي نص القرآن.
قال: فقلت: فكيف لم تأتني به أولا حين قلت لك ارمني بأحدّ سهم في كنانتك؟ قال: فقال نعم، قول الله : ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (١) قلت: لا أعلم أحدا من المؤمنين لا يقول إن الله قد جعل القرآن عربيا وكل
стр. 1567
المؤمنين يقولون: إن الله قد جعل القرآن عربيا، فقد قالوا معك بالتنزيل ولم يخالفوا التنزيل، وأنت إنما كفرت القوم بمعنى جعل لأن معنى جعل عندك معنى خلق. قال بشر: ما بين جعل وخلق فرق. قلت لبشر: أخبرني عن جعل عندك حرف محكم لا يحتمل إلا معنى خلق؟ قال: نعم، لا يعقل جعل في لغة من اللغات إلا معنى خلق.
قلت: فأخبرني عن قول الله : ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ (١) معناه معنى خلقتم؟ أخبرني عن قول الله : ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ (٢) معناه: لا تخلقوا؟ أخبرني عن قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (٣) معناه: لا تخلقوا؟ قال: فقال لي المأمون: فما معناه؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين هذا رجل جاهل بلغة قومك، إن "جعل" في كتاب الله يحتمل معنيين: معنى خلق، ومعنى تصيير غير خلق، فلما كان خلق حرفا محكما لا يحتمل معنيين، ولم يكن من صناعة العباد، لم يتعبد الله الخلق به، فيقول: اخلقوا أولا تخلقوا، إذ لم يكن الخلق من صناعة المخلوقين، ولما كان جعل يحتمل معنيين: معنى خلق، وهو معنى تفرد الله به دون الخلق، ويحتمل معنى غير الخلق، خاطب الخلق بالأمر به والنهي عنه، أفقال: اجعلوا ولا تجعلوا؟ ألم تسمع إلى قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ
стр. 1568
الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (١)، وقوله: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ (٢)، ولما كان جعل يحتمل معنيين من الله: معنى خلق، ومعنى تصيير غير خلق، لم يدع ذلك لبسا على المؤمنين حتى جعل على كل كلمة علما ودليلا، ففرق بين معنى جعل الذي يكون على معنى خلق، وبين جعل الذي معناه غير معنى خلق، فأما معنى جعل الذي هو على معنى خلق، فإن الله أنزل القرآن به مفصلا وهو بيان لقوم يفقهون، وأنزل القول مفصلا يستغني السامع إذا أخبر عنه أن يوصل الكلمة بكلمة أخرى، من ذلك قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ (٣) فسواء قال: جعل أو خلق. وقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ (٤) وقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ (٥)، فهذا وما كان على مثاله على معنى خلق. وأما جعل الذي معناه على غير معنى الخلق، فهذا من القول الموصل. ألم تسمع إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٦)، كقوله: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي
стр. 1569
الأرض﴾ (١)، فلما قال: ﴿جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾، لم يدع الكلمة إذ لم تكن على معنى خلق حتى وصلها بقوله: ﴿خَلِيفَةً﴾. وقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ (٢)، فلم يأمرها أن تلقيه في اليم إلا وهو مخلوق، ثم قال: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣) فقد كان في وقت مخلوقا ولم يكن مرسلا حتى جعله مرسلا. وقوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ (٤)، وقد كان الجبل مخلوقا قبل أن يجعله دكا، فهذا وما على مثاله من القول الموصل، فنرجع أنا وبشر -يا أمير المؤمنين- فيما اختلفنا فيه من قول الله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (٥)، فما كان من القول الموصل، فهو كما قلت أنا: إن الله جعله عربيا، بأن صيره عربيا، وأنزله بلغة العرب، ولم يصيره أعجميا، فينزله بلغة العجم.
وإن كان الموصل كقوله: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ (٦) فهو كما
стр. 1570
قال بشر. وإنما دخل عليه الجهل لقلة معرفته بلغة أهل اللسان، فلو أن رجلا قال: اللهم اجعل لي ولدا، لكان يعقل من بحضرته أنه سأل ربه أن يخلق له ولدا، إذ لم يصل الكلمة بكلمة ثانية، ولو قال: اللهم اجعل ولدي، كان هذا الكلام لا يتم بهذا الإخبار عنه، حتى يقول: اجعله صالحا، اجعله بارا، اجعله تقيا، فيعقل عنه أنه إنما أراد أن يصيره بارا، ولم يرد أن يخلقه، لأن الله قد خلقه. ألم تسمع إلى قول الله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ (١)، ولم يرفعا القواعد إلا وهما مخلوقان، وحين قالا: ﴿وَاجْعَلْنَا﴾، لم يدركا المسألة حتى قال: ﴿مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ فهذا وما كان على أمثاله في القرآن على غير معنى الخلق. ثم أقبل المأمون على بشر، فقال: كلم عبد العزيز، فقال: يا أمير المؤمنين لم أكلمه؟ هذا رجل يقول بالأخبار وأنا أقول بالقياس.
فقال له المأمون: وهل ديننا إلا الأخبار؟ قال: فأردت أن أعلمه أن الكلام في القياس لم يفتني في الموضع الذي يجب لي القول به، وكان جلس أمير المؤمنين مجلس الحاكم من الخصم، فقلت: يا أمير المؤمنين، لو كان لبشر غلامان، وأنا لا آخذ علمهما عن أحد من الناس إلا عنه، يقال لأحدهما خالد والآخر يزيد، فكتب إلي ثمانية عشر كتابا يقول في كل كتاب منها:
стр. 1571
ادفع هذا الكتاب إلى خالد غلامي، وكتب إلي مئة وأربعة وخمسين كتابا يقول في كل كتاب منها: ادفع هذا الكتاب إلى يزيد، ولا يقول: غلامي، وكتب إليَّ كتابا، فقال: ادفع هذا الكتاب إلى يزيد وإلى خالد غلامي، وكتب إلي كتابا واحدا يقول فيه: خالد غلامي ويزيد، ولم يقل: غلامي، فكتبت إليه: إني قد دفعت الكتاب إلى يزيد، وإلى خالد غلامك، فلقيني فقال: لم لم تكتب إلي أنك دفعت الكتاب إلى خالد ويزيد غلامي، فقلت له: قد كتبت إلي مئة كتاب وأربعة وخمسين كتابا تقول: ادفع هذا الكتاب إلى يزيد، ولا تقول فيها: غلامي، وكتبت إلي ثمانية عشر كتابا تقول فيها: إلى خالد غلامي. فقال لي بشر: فرطت، فحلفت أنا: إن بشرا فرط وحلف بشر أني فرطت، أينا كان المفرط يا أمير المؤمنين؟
فقال المأمون: إذا كان هكذا فبشر المفرط. فقلت: يا أمير المؤمنين إن الله أخبرنا عن القرآن في أربعة وخمسين ومئة موضع، فلم يخبر عن خلقه في موضوع واحد، ثم جمع بين القرآن والإنسان في موضع واحد، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (١) ففرق بين القرآن والإنسان وزعم بشر أن الله فرط في الكتاب، إذ كان القرآن مخلوقا، وعليه أن يخبر بخلق القرآن. قال عبد العزيز: فأخبرني أبو كامل الخادم أن المأمون كان يقول: ما مر بكم مثل المكي قط في خالد ويزيد. فأمر له -يعني: لعبد العزيز- بعشرة آلاف درهم، وأمر أن تجرى له
стр. 1572
الأرزاق، وجرت بينه وبين المأمون بعد أشياء لم تذكر في هذا الكتاب. (١)
- قال أبو أيوب -عبد الوهاب بن عمرو-: وأخبرني العطاف بن مسلم عن هؤلاء المسلمين في صدر هذا الكتاب، وعن غيرهم من أصحاب المكي: أن عبد العزيز قال: اجتمعت مع أمير المؤمنين بعد هذا المجلس، فجرت بيني وبينه مناظرات كثيرة، فقال لي بعدما جرى بيننا: ويحك يا عبد العزيز، قل القرآن مخلوق، فوالله لأوطئن الرجال عقبك، ولا نوهن باسمك، فإن لم تقل، فانظر ما ينزل بك مني. فقلت: يا أمير المؤمنين، إن القلوب لا ترد بالرغبة ولا بالرهبة، ترغبني فتقول: قل حتى أفعل لك، وإن لم تفعل، انظر ماذا ينزل بك مني، فيميل إليك لساني ولا ينطق لك قلبي، فأكون قد نافقتك يا أمير المؤمنين. فقال: ويحك فبماذا ترد القلوب؟ قال: قلت: بالبصائر يا أمير المؤمنين، بصرني من أين القرآن مخلوق؟ فقال لي: صدقت. (٢)
موقف السلف من أحمد بن أبي دؤاد (٢٤٠ ه ـ)
ابتداعه وضلاله وتجهمه:
للسلف مواقف كثيرة من هذا الضال المبتدع ذكرت في ثنايا هذه المسيرة المباركة هذه بعضها:
- قال الذهبي في السير: قال عون بن محمد الكندي: لعهدي بالكرخ،
стр. 1573
ولو أن رجلا قال: ابن أبي دؤاد مسلم، لقتل. ثم وقع الحريق في الكرخ، فلم يكن مثله قط. فكلم ابن أبي دُؤاد المعتصم في الناس، ورققه إلى أن أطلق له خمسة آلاف ألف درهم، فقسمها على الناس، وغرم من ماله جملة. فلعهدي بالكرخ، ولو أن إنسانا، قال: زر أحمد بن أبي دُؤاد وسخ، لقتل. (١)
- وقال: وقد كان ابن أبي دؤاد يوم المحنة إلبا على الإمام أحمد، يقول: يا أمير المؤمنين، اقتله، هو ضال مضل. قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي سمعت بشر بن الوليد يقول: استتبت أحمد بن أبي دؤاد من قوله: القرآن مخلوق في ليلة ثلاث مرات، ثم يرجع. (٢)
- وقد كان ابن أبي دؤاد محسنا إلى علي بن المديني بالمال، لأنه بلديه ولشيء آخر، وقد شاخ ورمي بالفالج، وعاده عبد العزيز الكناني، وقال: لم آتك عائدا، بل لأحمد الله على أن سجنك في جلدك. (٣)
- وفي تاريخ بغداد عن أحمد بن المعدل أنه قال: كتب ابن أبي دؤاد إلى رجل من أهل المدينة -يتوهم أنه عبد الله بن موسى بن جعفر بن محمد-: إن بايعت أمير المؤمنين في مقالته استوجبت منه حسن المكافأة، وإن امتنعت لم تأمن مكروهه. فكتب إليه: عصمنا الله وإياك من الفتنة، وكأنه إن يفعل فأعظم بها نعمة، وإلا فهي الهلكة، نحن نرى الكلام في القرآن بدعة، يشترك فيها السائل والمجيب، فتعاطى السائل ما ليس له، وتكلف المجيب ما ليس
стр. 1574
عليه، ولا يعلم خالقا إلا الله، وما سواه مخلوق، والقرآن كلام الله، فانته بنفسك ومخافتك إلى اسمه الذي سماه الله به، وذر الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون، ولا تسم القرآن باسم من عندك فتكون من الضالين. فلما وقف على جوابه أعرض عنه فلم يذكره. (١)
- وفيه أيضا: من شعر أبي الحجاج الأعرابي:
نكست الدين يا ابن أبي دؤاد ... فأصبح من أطاعك في ارتداد
زعمت كلام ربك كان خلقا ... أما لك عند ربك من معاد
كلام الله أنزله بعلم ... وأنزله على خير العباد
ومن أمسى ببابك مستضيفا ... كمن حل الفلاة بغير زاد
لقد أظرفت يا ابن أبي دؤاد ... بقولك أنني رجل إيادي (٢)
أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمد الجزري (٣) (من الطبقة العاشرة)
عبد الله بن محمد بن إسحاق الجزري أبو عبد الرحمن الأذرمي الموصلي، روى عن إسحاق بن يوسف الأزرق، وحكام بن سلم الرازي وداود بن عطاء المديني وسفيان بن عيينة وغيرهم. وروى عنه أبو داود والنسائي وأبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي، وأبو حاتم الرازي وخلق. قال أبو حاتم والنسائي: ثقة. وقال الحافظ أبو بكر الخطيب: كان الواثق بالله أشخص
стр. 1575
شيخا من أهل أذنة للمحنة وناظر ابن أبي دؤاد بحضرته واستعلى عليه الشيخ بحجته فأطلقه الواثق ورده إلى وطنه، ويقال إنه كان أبا عبد الرحمن الأذرمي. قال ابن حجر: ثقة من العاشرة.
موقفه من الجهمية:
عن أبي الفضل صالح بن علي بن يعقوب بن المنصور الهاشمي، وكان من وجوه هاشم وأهل الجلالة والسن منهم، قال: حضرت المهتدي بالله -أمير المؤمنين- رحمة الله عليه وقد جلس ينظر في أمور المسلمين في دار العامة، فنظرت إلى قصص الناس تقرأ عليه من أولها إلى آخرها فيأمرنا بالتوقيع فيها وإنشاء الكتب لأصحابها، وتختم وتدفع إلى صاحبه بين يديه، فيسرني ذلك، وجعلت أنظر إليه ففطن ونظر إلي، فغضضت عنه حتى كان ذلك مني ومنه مرارا ثلاثا، إذا نظر إلي غضضت وإذا اشتغل نظرت، فقال لي: يا صالح، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، وقمت قائما، فقال: في نفسك منا شيء تريد (١) أن تقوله، أو قال: تحب أن تقوله؟ قلت: نعم يا سيدي يا أمير المؤمنين، فقال: عد إلى موضعك، فعدت. وعاد في النظر حتى إذا قام قال للحاجب: لا يبرح صالح.
فانصرف الناس، ثم أذن لي وقد همتني نفسي، فدخلت فدعوت له، فقال لي: اجلس فجلست. فقال: يا صالح تقول لي ما دار في نفسك أو أقول أنا ما دار في نفسك أنه دار في نفسك؟ قلت: يا أمير المؤمنين ما تعزم عليه وما تأمر به؟ فقال: وأقول أنا كأني بك وقد استحسنت ما رأيت منا،
стр. 1576
فقلت: أي خليفة خليفتنا إن لم يكن يقول: القرآن مخلوق، فورد على قلبي أمر عظيم، وهمتني نفسي ثم قلت: يا نفس هل تموتين إلا مرة واحدة، وهل تموتين قبل أجلك، وهل يجوز الكذب في جد أو هزل؟ فقلت: والله يا أمير المؤمنين ما دار في نفسي إلا ما قلت. أطرق مليا، ثم قال: ويحك، اسمع مني ما أقول لك، فوالله لتسمعن الحق، فسري عني وقلت: يا سيدي ومن أولى بالحق منك وأنت خليفة رب العالمين، وابن عم سيد المرسلين من الأولين والآخرين؟ فقال لي: ما زلت أقول إن القرآن مخلوق صدرا من خلافة الواثق حتى أقدم علينا ابن أبي دؤاد شيخا من أهل الشام -من أهل أذنة- فأدخل الشيخ على الواثق وهو جميل الوجه، تام القامة، حسن الشيبة، فرأيت الواثق قد استحيا منه ورق له، فمازال يدنيه (١) ويقربه حتى قرب منه، فسلم الشيخ فأحسن السلام، ودعا فأبلغ وأوجز، فقال له الواثق: اجلس، ثم قال له: يا شيخ ناظر ابن أبي دؤاد على ما يناظرك عليه، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين ابن أبي دؤاد يقل ويضعف عن المناظرة، فغضب الواثق وعاد مكان الرقة له غضبا عليه، فقال أبو عبد الله: ابن أبي دؤاد يصبو ويقل ويضعف عن مناظرتك أنت؟
فقال الشيخ: هون عليك يا أمير المؤمنين ما بك، وائذن لي في مناظرته. فقال الواثق: ما دعوتك إلا لمناظرته. فقال الشيخ: يا أحمد إلى ما دعوت الناس ودعوتني إليه؟ فقال: إلى أن تقول القرآن مخلوق. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تحفظ علي وعليه ما نقول. قال: أفعل. فقال الشيخ: يا
стр. 1577
أحمد أخبرني عن مقالتك هذه، واجبة داخلة في عقدة الدين، فلا يكون الدين كاملا حتى يقال فيه ما قلت؟ قال: نعم. قال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن رسول الله ﷺ حين بعثه الله إلى عباده، هل ستر رسول الله ﷺ مما أمره الله به في دينه؟
قال: لا. قال الشيخ: فدعا رسول الله ﷺ الأمة إلى مقالتك هذه؟ فسكت ابن أبي دؤاد. فقال الشيخ: تكلم. فسكت، فالتفت الشيخ إلى الواثق، فقال: يا أمير المؤمنين واحدة. فقال الواثق: واحدة. فقال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن الله سبحانه حين أنزل القرآن على رسول الله ﷺ فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١) كان الله الصادق في إكمال دينه أم أنت الصادق في نقصانه، فلا يكون الدين كاملا حتى يقال فيه بمقالتك هذه؟ فسكت ابن أبي دؤاد، فقال الشيخ: أجب يا أحمد فلم يجبه.
فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين اثنتان. فقال الواثق: اثنتان. فقال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن مقالتك هذه، علمها رسول الله ﷺ أم جهلها؟ فقال ابن أبي دؤاد: علمها. قال الشيخ: فدعا الناس إليها؟ فسكت ابن أبي دؤاد. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين ثلاث. فقال الواثق: ثلاث. فقال الشيخ: يا أحمد فاتسع لرسول الله ﷺ إذ علمها كما زعمت، ولم يطالب أمته بها؟ قال: نعم. قال الشيخ: واتسع لأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان،
стр. 1578
وعلي بن أبي طالب ﵃؟ فقال ابن أبي دؤاد: نعم. فأعرض الشيخ عنه، فأقبل على الواثق، فقال: يا أمير المؤمنين قدمت القول أن أحمد يصبو ويقل ويضعف عن المناظرة، يا أمير المؤمنين إن لم يتسع لك من الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع لرسول الله ﷺ ولأبي بكر وعمر وعثمان ﵃، فلا وسع الله على من لم يتسع له ما اتسع لهم من ذلك.
فقال الواثق: نعم، إن لم يتسع لنا من الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع لرسول الله ﷺ ولأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فلا وسع الله علينا، اقطعوا قيد الشيخ. فلما قطع، ضرب الشيخ بيده إلى القيد ليأخذه، فجاذبه الحداد عليه، فقال الواثق: دع الشيخ ليأخذه، فأخذه الشيخ فوضعه في كمه، فقال الواثق: لم جاذبته عليه؟ قال الشيخ: لأني نويت أن أتقدم إلى من أوصي إليه إذا أنا مت أن يجعله بيني وبين كفني حتى أخاصم به هذا الظالم عند الله يوم القيامة، وأقول: يا رب سل عبدك هذا لم قيدني؟ وروع أهلي وولدي وإخواني بلا حق أوجب ذلك علي؟ وبكى الشيخ، فبكى الواثق فبكينا، ثم سأله الواثق أن يجعله في حل وسعة مما ناله، فقال الشيخ: والله يا أمير المؤمنين لقد جعلتك في حل وسعة من أول يوم إكراما لرسول الله ﷺ ، إذ كنت رجلا من أهله.
فقال الواثق: لي إليك حاجة، فقال الشيخ: إن كانت ممكنة فعلت. فقال الواثق: تقيم قبلنا، فينتفع بك فتياننا. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين إن ردك إياي إلى الموضع الذي أخرجني منه هذا الظالم أنفع لك من مقامي عليك، وأخبرك بما في ذلك أصير إلى أهلي وولدي، فأكف دعاءهم، فقد
стр. 1579
خلفتهم على ذلك. فقال الواثق: فتقبل منا صلة تستعين بها على دهرك. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين لا تحل لي أنا عنها غني، وذو مرة سوي، قال: فاسأل حاجتك. قال: أو تقضيها يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم. قال: تخلي سبيلي الساعة وتأذن لي فيه. قال: لقد أذنت لك. فسلم عليه الشيخ وخرج. قال صالح: قال المهتدي بالله: فرجعت عن هذه المقالة من ذلك اليوم، وأظن الواثق بالله كان رجع عنها من ذلك الوقت. (١)
- قال ابن بطة في الإبانة: رأيت في كتب بعض شيوخنا بخطه: حدثنا أبو موسى -محمد بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن عيسى بن منصور- قال: أخبرنا صالح بن علي بن يعقوب بن المنصور، قال: كنت يوما بين يدي أمير المؤمنين المهتدي بالله رحمة الله عليه، وقد جلس للنظر في المظالم للعامة، فجعلت أنظر إليه، فذكر نحو القصة الأولى أو شبيها بها حتى بلغ منها قوله: يا أحمد أخبرني عن الله حين نزل على رسوله في القرآن: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٢)، وقلت أنت: الدين لا يكون كاملا حتى يقال بمقالتك، أكان الله الصادق في إكماله، أم أنت الصادق في نقصانه؟ فسكت أحمد، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين هذه ثنتان.
ثم قال الشيخ: يا أحمد الكلمة التي يكون الله تعالى بها الأشياء من أي شيء خلقها؟ فسكت أحمد، فقال الشيخ: ثلاث يا أمير المؤمنين. ثم قال
стр. 1580
الشيخ: يا أحمد أخبرني حيث كان الله في وحدانيته قبل أن يخلق الخلق كان تاما أو ناقصا؟ قال: بل تاما. قال: فكيف يكون تاما من لا كلام له؟ فسكت أحمد فقال: أربع يا أمير المؤمنين. قال الشيخ: يا أحمد أكان الله عالما تام العلم، أم كان جاهلا؟ فسكت أحمد. فقال: خمس يا أمير المؤمنين. ثم قال الشيخ: يا أحمد قوله: ﴿ولكن حق القول مني﴾ (١) الكلمة منه أم خلقها من غيره؟ فأمسك أحمد، فقال: ست يا أمير المؤمنين.
وذكر من القصة في القيد وغيرها شبيها بما مضى في الخبر الأول وزاد فيه: قال الواثق: يا شيخ زد أحمد من هذه الحجج لعله يرجع عن هذه المقالة. قال: يا أمير المؤمنين عليكم نزل العلم، ومنكم اقتبسناه، ثم قال الشيخ: يا أحمد قد علمنا وعلمت أن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٢) أليس ما أنزل الله على رسوله؟ قال: نعم. قال: فهل تقدر أن تقول: إن رسول الله ﷺ بلغنا هذا الذي تدعونا إليه؟ أم هذه المقالة في كتاب الله أو سنة نبيه ﷺ حتى نتابعك عليها، وإن قلت: إنه لم يبلغنا، فقد نسبت رسول الله إلى التقصير في أمر الله، وأنه كتم أمرا أمره الله إبلاغنا إياه، فسكت أحمد فلم يجبه بشيء. قال الشيخ: يا أحمد قول الله : يا