← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

كذلك إذ أتاني رجل فقال: أجب أمير المؤمنين. فخرجت، فإذا هو بالباب ينتظرني، فأخذ بيدي، فخلا بي، وقال: ما الذي كرهت؟ قلت: يا أمير المؤمنين، متى يتسارعوا هذه المسارعة، يحتقوا، ومتى ما يحتقوا يختصموا، ومتى ما يختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا. قال: لله أبوك، والله إن كنت لأكتمها الناس حتى جئت بها. وروي عن جابر، قال: كان النبي ﷺ يعرض نفسه على الناس بالموقف، فيقول: "هل من رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي" (١). وروي عن جبير بن نفير، قال رسول الله ﷺ : "إنكم لن ترجعوا إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه" (٢)، يعني: القرآن. وروي عن ابن مسعود، قال: جردوا القرآن، لا تكتبوا فيه شيئا إلا كلام الله. وروي عن عمر أنه قال: هذا القرآن كلام الله، فضعوه مواضعه. وقال رجل للحسن: يا أبا سعيد، إني إذا قرأت كتاب الله، وتدبرته، كدت أن آيس، وينقطع رجائي، فقال: إن القرآن كلام الله، وأعمال ابن آدم إلى الضعف والتقصير، فاعمل وأبشر. وقال فروة بن نوفل الأشجعي: كنت جارا لخباب، فخرجت يوما معه إلى المسجد، وهو آخذ بيدي، فقال: يا هناه، تقرب إلى الله بما استطعت، فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه. وقال رجل للحكم: ما حمل أهل الأهواء على هذا؟ قال: الخصومات. وقال معاوية بن قرة: إياكم وهذه الخصومات، فإنها تحبط الأعمال. وقال أبو قلابة: لا

стр. 1682

تجالسوا أهل الأهواء، أو قال: أصحاب الخصومات. فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، ويلبسوا عليكم بعض ما تعرفون. ودخل رجلان من أصحاب الأهواء على محمد بن سيرين، فقالا: يا أبا بكر، نحدثك بحديث؟ قال: لا. قالا: فنقرأ عليك آية؟ قال: لا. لتقومان عني، أو لأقومنه، فقاما. وقال: خشيت أن يقرآ آية فيحرفانها، فيقر ذلك في قلبي. وقال رجل من أهل البدع لأيوب: يا أبا بكر أسألك عن كلمة؟ فولى، وهو يقول بيده: لا، ولا نصف كلمة. وقال ابن طاووس لابن له يكلمه رجل من أهل البدع: يا بني أدخل أصبعيك في أذنيك حتى لا تسمع ما يقول. ثم قال: اشدد اشدد. وقال عمر ابن عبد العزيز: من جعل دينه غرضا للخصومات، أكثر التنقل. وقال إبراهيم النخعي: إن القوم لم يدخر عنهم شيء خبئ لكم لفضل عندكم. وكان الحسن يقول: شر داء خالط قلبا، يعني: الأهواء. وقال حذيفة: اتقوا الله، وخذوا طريق من كان قبلكم، والله لئن استقمتم، لقد سبقتم سبقا بعيدا، ولئن تركتموه يمينا وشمالا، لقد ضللتم ضلالا بعيدا، أو قال: مبينا. قال أبي: وإنما تركت الأسانيد لما تقدم من اليمين التي حلفت بها مما قد علمه أمير المؤمنين، ولولا ذاك، ذكرتها بأسانيدها. وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (١). وقال: ﴿ألا لَهُ

стр. 1683

الخلق وَالْأَمْرُ﴾ (١) فأخبر أن الأمر غير الخلق. وقال: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (٢). فأخبر أن القرآن من علمه. وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (٣). وقال: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ (٤) إلى قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٥). فالقرآن من علم الله. وفي الآيات دليل على أن الذي جاءه هو القرآن. وقد روي عن السلف أنهم كانوا يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، وهو الذي أذهب إليه، لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا إلا ما كان في كتاب الله، أو في حديث عن النبي ﷺ ، أو عن أصحابه، أو عن التابعين. فأما غير ذلك، فإن الكلام فيه غير محمود.

стр. 1684

قال الذهبي: فهذه الرسالة إسنادها كالشمس، فانظر إلى هذا النفس النوراني. لا كرسالة الإصطخري، ولا كالرد على الجهمية الموضوع على أبي عبد الله، فإن الرجل كان تقيا ورعا لا يتفوه بمثل ذلك. ولعله قاله، وكذلك رسالة المسيء في الصلاة باطلة. وما ثبت عنه أصلا وفرعا ففيه كفاية. (١) - وفيها: وقال إسحاق بن إبراهيم البغوي: سمعت أحمد يقول: من قال: القرآن مخلوق، فهو كافر. وسمع سلمة بن شبيب أحمد يقول ذلك، وهذا متواتر عنه. وقال أبو إسماعيل الترمذي: سمعت أحمد بن حنبل، يقول: من قال: القرآن محدث، فهو كافر. وقال إسماعيل بن الحسن السراج: سألت أحمد عمن يقول: القرآن مخلوق، قال: كافر، وعمن يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، فقال: جهمي. (٢) - ونقل الإمام البغوي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، فيمن قال بخلق القرآن: أنه لا يصلى خلفه الجمعة، ولا غيرها، إلا أنه لا يدع إتيانها، فإن صلى أعاد الصلاة. (٣) - وجاء في الإبانة عن أبي توبة الطرسوسي -الربيع بن نافع- قال: قلت لأحمد بن حنبل وهو عندنا ها هنا بطرسوس -يعني حين حمل في المحنة: ما ترى في هؤلاء الذين يقولون: القرآن مخلوق؟ فقال: "كفار". قلت: ما يصنع بهم؟ قال: فقال: يستتابون، فإن تابوا، وإلا ضربت أعناقهم. قال:

стр. 1685

فقلت: قد جئت تضعف أهل العراق، لا بل يقتلون ولا يستتابون. قال أبو بكر الأثرم: فقال أبو إسحاق العباداني يوما لأبي عبد الله ونحن عنده: يا أبا عبد الله: حكى عنك أبو توبة كذا وكذا، فابتسم ثم قال: عافى الله أبا توبة. (١) - وفيها عن بكر بن محمد بن الحكم عن أبيه عن أبي عبد الله، قال: سألته عمااحتج به حين دخل على هؤلاء، فقال: احتجوا علي بهذه الآية: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ (٢) أي: أن القرآن محدث، فاحتججت عليهم بهذه الآية: ﴿ص وَالْقُرْآَنِ ذي الذِّكْرِ﴾ (٣) قلت: فهو سماه الذكر، وقلت: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ فهذا يمكن أن يكون غير القرآن محدث، ولكن ﴿ص وَالْقُرْآَنِ ذي الذِّكْرِ﴾ فهو القرآن، ليس هو محدثا، قال: فبهذا احتججت عليهم، واحتجوا علي: ما خلق الله من سماء ولا أرض ولا كذا أعظم من آية الكرسي (٤)، قال: فقلت له: إنه لم يجعل آية الكرسي مخلوقة، إنما هذا مثل ضربه، أي: هي أعظم من

стр. 1686

أن تخلق، ولو كانت مخلوقة لكانت السماء أعظم منها، أي: فليست بمخلوقة. قال: واحتجوا علي بقول: ﴿الله خالق كل شيءٍ﴾ (١) فقلت: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زوجين﴾ (٢) فخلق من القرآن زوجين، ﴿وأوتيت مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٣) فأوتيت القرآن؟ فأوتيت النبوة أوتيت كذا وكذا؟ وقال الله تعالى: ﴿تدمر كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٤) فدمرت كل شيء، إنما دمرت ما أراد الله من شيء، قال: وقال لي ابن أبي دؤاد: أين تجد أن القرآن كلام الله؟ قلت: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ (٥) فسكت. وقلت له بين يدي الرئيس، وجرى كلام بيني وبينه، فقلت له: اجتمعت أنا وأنت أنه كلام وقلت: إنه مخلوق، فهاتوا الحجة من كتاب الله أو من السنة، فما أنكر ابن أبي دؤاد ولا أصحابه أنه كلام. قال: وكانوا يكرهون أن يظهروا أنه ليس بكلام فيشنع عليهم. (٦) - وفيها: عن حنبل قال: قال أبو عبد الله: وكان إذا كلمني ابن أبي دؤاد لم أجبه ولم ألتفت إلى كلامه، فإذا كلمني أبو إسحاق، ألنت له القول والكلام. قال: فقال لي أبو إسحاق: لئن أجبتني لآتينك في حشمي وموالي،

стр. 1687

ولأطأن بساطك، ولا نوهن باسمك، يا أحمد اتق الله في نفسك، يا أحمد الله الله. قال أبو عبد الله: وكان لا يعلم ولا يعرف، ويظن أن القول قولهم، فيقول: يا أحمد إني عليك شفيق. فقلت: يا أمير المؤمنين هذا القرآن وأحاديث رسول الله ﷺ وأخباره، فما وضح من حجة صرت إليها. قال: فيتكلم هذا وهذا. قال: فقال ابن أبي دؤاد لما انقطع وانقطع أصحابه: والذي لا إله إلا هو، لئن أجابك لهو أحب إلي من مئة ألف ومئة ألف عددا مرارا كثيرة. قال أبو عبد الله: وكان فيما احتججت عليهم يومئذ، قلت لهم: قال الله عزوجل: ﴿ألا له الخلق وَالْأَمْرُ﴾ (١)، وذلك أنهم قالوا لي: أليس كل ما دون الله مخلوق؟ فقلت لهم: فرق بين الخلق والأمر، فما دون الله مخلوقا، فأما القرآن، فكلامه ليس بمخلوق. فقالوا: قال الله : ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٢) فقلت لهم: قال الله تعالى: ﴿أتى أَمْرُ اللَّهِ﴾ (٣) فأمره كلامه واستطاعته ليس بمخلوق، فلا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، فقد نهينا عن ذلك. (٤) - وفيها عن محمد بن يوسف المروزي -المعروف بابن سرية، قال: دخلت على أبي عبد الله والجبائر على ظهره، قال لي: يا أبا جعفر، أشاط

стр. 1688

القوم بدمي فقالوا له -يعني المعتصم-: يا أمير المؤمنين سله عن القرآن، أشيء هو أو غير شيء؟ قال: فقال لي المعتصم: يا أحمد أجبهم. قال: فقلت له: يا أمير المؤمنين إن هؤلاء لا علم لهم بالقرآن، ولا بالناسخ والمنسوخ، ولا بالعام والخاص، قد قال الله في قصة موسى: ﴿وكتبنا لَهُ في الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) فما كتب له القرآن. وقال في قصة سبأ: ﴿وأوتيت مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢) وما أوتيت القرآن، فأخرسوا. (٣) - روى الآجري في الشريعة بسنده إلى أبي داود السجستاني قال: سمعت أحمد يسأل: هل لهم رخصة أن يقول الرجل: القرآن كلام الله، ثم يسكت؟ فقال: ولم يسكت؟ لولا ما وقع فيه الناس كان يسعه السكوت، ولكن حيث تكلموا فيما تكلموا، لأي شيء لا يتكلمون؟. (٤) - وله بسنده إلى أبي داود، قال: سمعت أحمد -وذكر رجلين كانا وقفا في القرآن، ودعوا إليه، فجعل يدعو عليهما- وقال لي: هؤلاء فتنة عظيمة، وجعل يذكرهما بالمكروه. قال أبو داود: ورأيت أحمد سلم عليه رجل من أهل بغداد، ممن وقف فيما بلغني، فقال له: اغرب، لا أراك تجيء إلى بابي. في كلام غليظ، ولم يرد ﵇، وقال له: ما أحوجك أن يصنع بك ما

стр. 1689

صنع عمر بن الخطاب بصبيغ. ودخل بيته، ورد الباب. (١) - قال عبد الله: سمعت أبي سئل عن الواقفة فقال أبي: من كان منهم يخاصم ويعرف بالكلام فهو جهمي، ومن لم يكن يعرف بالكلام يجانب حتى يرجع، ومن لم يكن له علم يسأل يتعلم. (٢) - وجاء في أصول الاعتقاد عن سلمة بن شبيب قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الواقفي لا تشك في كفره. (٣) - وجاء في السنة للخلال عن حنبل قال: قلت لأبي عبد الله: إن يعقوب بن شيبة وزكريا الشركي ابن عمار أنهما إنما أخذا عنك هذا الأمر الوقف. فقال أبو عبد الله: كنا نأمر بالسكوت ونترك الخوض في الكلام وفي القرآن، فلما دعينا إلى أمر ما كان بدا لنا من أن ندفع ذاك ونبين من أمره ما ينبغي. قلت لأبي عبد الله: فمن وقف، فقال: لا أقول مخلوق ولا غير مخلوق؟ فقال: كلام سوء، هو ذا موضع السوء، وقوفه، كيف لا يعلم إما حلال وإما حرام، إما هكذا وإما هكذا، قد نزه الله القرآن عن أن يكون مخلوقا، وإنما يرجعون هؤلاء إلى أن يقولوا إنه مخلوق، فاستحسنوا لأنفسهم فأظهروا الوقف. القرآن كلام الله غير مخلوق بكل جهة وعلى كل تصريف. قلت: رضي الله عنك، لقد بينت من هذا الأمر ما قد كان تلبس على الناس.

стр. 1690

قال: لا تجالسهم ولا تكلم أحدا منهم. (١) - وفيها: عن أبي الحارث قال: سألت أبا عبد الله قلت: إن بعض الناس يقول: إن هؤلاء الواقفة هم شر من الجهمية. قال: هم أشد على الناس تزيينا من الجهمية، هم يشككون الناس وذلك أن الجهمية قد بان أمرهم، وهؤلاء إذا قالوا إنا لا نتكلم استمالوا العامة، إنما هذا يصير إلى قول الجهمية. قال: وسمعته يسأل عن من قال: أقول القرآن كلام الله وأسكت. قال: لا، هذا شاك، لا، حتى يقول غير مخلوق. (٢) - وفيها: عن إبراهيم بن الحارث العبادي، قال: قمت من عند أبي عبد الله، فأتيت عباس العنبري، فأخبرته بما تكلم أبو عبد الله في أمر ابن معذل، فسر به ولبس ثيابه ومعه أبو بكر بن هاني، فدخل على أبي عبد الله، فابتدأ عباس فقال: يا أبا عبد الله قوم هاهنا حدثوا يقولون: لا نقول مخلوق ولا غير مخلوق. قال: هؤلاء أضر من الجهمية على الناس، ويلكم، فإن لم تقولوا ليس بمخلوق، فقولوا مخلوق. فقال أبو عبد الله: كلام سوء. فقال العباس: ما تقول يا أبا عبد الله؟ فقال: الذي أعتقده وأذهب إليه، ولا أشك فيه أن القرآن غير مخلوق. ثم قال: سبحان الله، ومن يشك في هذا؟ ثم تكلم أبو عبد الله استعظاما للشك في ذلك، فقال: سبحان الله! في هذا شك؟ قال الله : ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ (٣) ففرق بين الخلق والأمر. قال أبو عبد الله:

стр. 1691

فالقرآن من علم الله، ألا تراه يقول: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآَنَ﴾ (١) والقرآن فيه أسماء الله ، أي شيء تقولون؟ ألا تقولون أن أسماء الله غير مخلوقة؟ من زعم أن أسماء الله مخلوقة، فقد كفر، لم يزل الله قديرا، عليما، عزيزا، حكيما، سميعا، بصيرا، لسنا نشك أن أسماء الله ليست بمخلوقة، ولسنا نشك أن علم الله ﵎ ليس بمخلوق، وهو كلام الله ، ولم يزل الله حكيما، ثم قال أبو عبد الله: وأي كفر أبين من هذا، وأي كفر أكفر من هذا؟ إذا زعموا أن القرآن مخلوق، فقد زعموا أن أسماء الله مخلوقة، وأن علم الله مخلوق، ولكن الناس يتهاونون بهذا ويقولون: إنما يقولون القرآن مخلوق، فيتهاونون ويظنون أنه هين، ولا يدرون ما فيه من الكفر. قال: فأنا أكره أن أبوح بهذا لكل أحد، وهم يسألوني، فأقول: إني أكره الكلام في هذا، فبلغني أنهم يدعون علي أني أمسك. قلت لأبي عبد الله: فمن قال القرآن مخلوق، فقال: لا أقول أسماء الله مخلوقة ولا علمه ولم يزد على هذا، أقول هو كافر؟ فقال: هكذا هو عندنا. قال أبو عبد الله: نحن نحتاج أن نشك في هذا؟ القرآن عندنا فيه أسماء الله وهو من علم الله، من قال مخلوق، فهو عندنا كافر. ثم قال أبو عبد الله: بلغني أن أبا خالد وموسى بن منصور وغيرهم يجلسون في ذلك الجانب، فيعيبون قولنا، ويدعون إلى هذا القول أن لا يقال: مخلوق ولا غير مخلوق، ويعيبون من يكفر، ويزعمون أنا نقول بقول الخوارج. ثم تبسم أبو عبد الله

стр. 1692

كالمغتاظ، ثم قال: هؤلاء قوم سوء. ثم قال أبو عبد الله للعباس: وذاك السجستاني الذي عندكم بالبصرة، ذاك خبيث، بلغني أنه قد وضع في هذا يوما يقول: لا أقول مخلوق ولا غير مخلوق، وذاك خبيثا ذاك الأحول. فقال العباس: كان يقول مرة بقول جهم. ثم صار إلى أن يقول هذا القول. فقال أبو عبد الله: ما يعني أنه كان يقول بقول جهم إلا الشفاعة. (١) - وفيها: عن أبي بكر المروذي، قال: سألت أبا عبد الله عن الصلاة على الواقفي (يعني: إذا مات)؟ قال: لا تصل عليه. (٢) - وفيها: عن محمد بن النقيب بن أبي حرب الجرجرائي قال: سألت أبا عبد الله عن رجل له والد واقفي، فقال: يأمره ويرفق به. قلت: فإن أبى، يقطع لسانه عنه؟ قال: نعم. (٣) - وفيها: عن محمد بن أبي حرب، قال: سألت أبا عبد الله عن رجل له أخت أو عمة ولها زوج واقفي، قال: يلتقي بها ويسلم عليها. قلت: فإن كانت الدار له؟ قال: يقف على الباب ولا يدخل. (٤) - وجاء في الإبانة: قال أبو طالب: وجاء رجل إلى أبي عبد الله وأنا عنده، فقال: إن لي قرابة يقول بالشك، قال: فقال وهو شديد الغضب: من شك فهو كافر. (٥)

стр. 1693

- وفيها: عن إسحاق بن داود: قال: سمعت جعفر بن أحمد يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: اللفظية والواقفة زنادقة عتق. (١) - وفيها: قال المروذي: وسألت أبا عبد الله عن من وقف لا يقول غير مخلوق. وقال: أنا أقول: القرآن كلام الله، قال: يقال له: إن العلماء يقولون: غير مخلوق، فإن أبى، فهو جهمي. (٢) - وفيها: قال أبو بكر المروذي: وقدم رجل من ناحية الثغر، فأدخلته عليه فقال: ابن عم لي يقف وقد زوجته ابنتي، وقد أخذتها وحولتها إلي على أن أفرق بينهما، فقال: لا ترض منه حتى يقول: غير مخلوق، فإن أبى ففرق بينهما. (٣) - وفيها عن محمد بن عبد الملك الدقيقي الواسطي قال: سمعت سلمة ابن شبيب بمكة أمله علينا في المسجد الحرام، قال: دخلت على أحمد بن حنبل فقلت: يا أبا عبد الله ما تقول فيمن يقول: القرآن كلام الله؟ فقال أحمد: من لم يقل القرآن كلام الله غير مخلوق، فهو كافر، ثم قال لي: لا تشكن في كفرهم، فإنه من لم يقل: القرآن كلام الله غير مخلوق، فهو يقول: مخلوق، فهو كافر. وقال لنا سلمة بن شبيب: وقلت -يعني: لابن حنبل- الواقفة؟ فقال: كفار. (٤)

стр. 1694

- وفيها: عن مهنا بن يحيى، قال: قلت لأحمد بن حنبل: أي شيء تقول في القرآن قال: كلام الله وهو غير مخلوق. قلت: إن بعض الناس يحكي عنك أنك تقول: القرآن كلام الله وتسكت. قال: من قال علي ذا، فقد أبطل. (١) - وجاء في الشريعة عن أبي طالب، قال: سألت أبا عبد الله عمن أمسك، فقال: لا أقول: ليس هو مخلوقا، إذا لقيني في الطريق، وسلم علي، أسلم عليه؟ قال: لا تسلم عليه ولا تكلمه، كيف يعرفه الناس إذا سلمت عليه؟ وكيف يعرف هو أنك منكر عليه؟ فإذا لم تسلم عليه عرف الذل، وعرف أنك أنكرت عليه، وعرفه الناس. (٢) - وفي فتاوى شيخ الإسلام: ونقل الخلال أخباره في كتاب السنة ما يوضح الأمر فقال: أخبرني الحسين بن عبد الله قال: سألت أبا بكر المروذي عن قصة ابن الثلاج. فقال: قال لي أبو عبد الله جاءني هارون الحمال فقال: إن ابن الثلاج تاب من صحبة المريسي فأجيء به إليك. قال: قلت: لا ما أريد أن يراه أحد على بابي، قال: أحب أن أجيء به بين المغرب والعشاء، فلم يزل يطلب إلى أن قال: قلت هو ذا يقول: أجب، فأي شيء أقول لك. قال: فجاء به فقلت له: اذهب حتى تصح توبتك وأظهرها ثم ارجع قال: فبلغنا أنه أظهر الوقف. قال أبو بكر المروذي فمضيت ومعي نفسان من أصحابنا، فقلت له:

стр. 1695

قد بلغني عنك شيء ولم أصدق به. قال: وما هو؟ قلت: تقف في القرآن، فقال: أنا أقول كلام الله فجعل يحتج بيحيى بن آدم وغيره أنهم وقفوا، فقلت له: هذا من الكتاب الذي أوصى لكم به عبيد بن نعيم. فقال: لا تذكر الناس، فقلت له: أليس أجمع المسلمون جميعا أنه من حلف بمخلوق أنه لا كفارة عليه؟ قال: نعم. قلت: فمن حلف بالقرآن أليس قد أوجبوا عليه كفارة لأنه حلف بغير مخلوق؟ فقال: هذا متاع أصحاب الكلام، ثم قال: إنما أقول كلام الله كما أقول أسماء الله فإنه من الله، ثم قال وأي شيء قام به أحمد بن حنبل، ثم قال: علموكم الكلام وأومأ إلى ناحية الكرخ يريد أبا ثور وغيره، فقمنا من عنده فما كلمناه حتى مات. وروى الخلال من وجهين عن زياد بن أيوب قال: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، وعلماء الواقفة جهمية؟ قال: نعم مثل ابن الثلجي وأصحابه الذين يجادلون. (١) - وجاء في أصول الاعتقاد: قال محمد بن مسلم بن وارة قال لي أبو مصعب: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر. ومن قال لا أدري -يعني مخلوق أو غير مخلوق- فهو مثله ثم قال: بل هو شر منه. فذكرت رجلا كان يظهر مذهب مالك فقلت إنه أظهر الوقف. فقال: لعنه الله، ينتحل مذهبنا وهو بريء منه. فذكرت ذلك لأحمد بن حنبل فأعجبه وسر به. (٢) - وفي الإبانة: قال أبو بكر المروذي: قال لي أبو عبد الله: أول من

стр. 1696

سألني عن الوقف علي الأشقر، فقلت له: القرآن غير مخلوق. (١) - وجاء في السير: قال أبو الحسن عبد الملك الميموني: قال رجل لأبي عبد الله: ذهبت إلى خلف البزار أعظه، بلغني أنه حدث بحديث عن الأحوص عن عبد الله قال: ما خلق الله شيئا أعظم .. وذكر الحديث، فقال أبو عبد الله: ما كان ينبغي له أن يحدث بهذا في هذه الأيام -يريد زمن المحنة- والمتن: "ما خلق الله من سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي" (٢) وقد قال أحمد بن حنبل لما أوردوا عليه هذا يوم المحنة: إن الخلق واقع ها هنا على السماء والأرض وهذه الأشياء، لا على القرآن. (٣) - قال شيخ الإسلام: بل المنصوص عن الإمام أحمد وعامة أصحابه تبديع من قال لفظي بالقرآن غير مخلوق، كما جهموا من قال لفظي بالقرآن مخلوق، وقد صنف أبو بكر المروذي -أخص أصحاب الإمام أحمد به- في ذلك رسالة كبيرة مبسوطة، ونقلها عنه أبو بكر الخلال في كتاب 'السنة' الذي جمع فيه كلام الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة في أبواب الاعتقاد، وكان بعض أهل الحديث إذ ذاك أطلق القول بأن لفظي بالقرآن غير مخلوق معارضة لمن قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فبلغ ذلك الإمام أحمد، فأنكر ذلك إنكارا شديدا، وبدع من قال ذلك وأخبر أن أحدا من العلماء لم يقل ذلك، فكيف بمن يزعم أن صوت العبد قديم. وأقبح من ذلك من يحكي عن بعض

стр. 1697

العلماء أن المداد الذي في المصحف قديم، وجميع أئمة أصحاب الإمام أحمد وغيرهم أنكروا ذلك، وما علمت أن عالما يقول ذلك إلا ما يبلغنا عن بعض الجهال: من الأكراد ونحوهم. (١) - قال عبد الله: سألت أبي ﵀، قلت: ما تقول في رجل قال التلاوة مخلوقة، وألفاظنا بالقرآن مخلوقة، والقرآن كلام الله وليس بمخلوق. وما ترى في مجانبته وهل يسمى مبتدعا؟ فقال هذا يجانب وهو قول المبتدع، وهذا كلام الجهمية، ليس القرآن مخلوقا. (٢) - قال عبد الله: سمعت أبي سئل عن اللفظية فقال: هم جهمية وهو قول جهم. ثم قال: لا تجالسوهم. سئل أبي وأنا أسمع عن اللفظية والواقفة فقال: من كان منهم جاهلا فليسأل وليتعلم. سئل أبي وأنا أسمع عن اللفظية والواقفة فقال: من كان منهم يحسن الكلام فهو جهمي. وقال مرة هم شر من الجهمية وقال مرة أخرى هم جهمية. سمعت أبي يقول: من قال لفظي بالقرآن مخلوق هذا كلام سوء رديء وهو كلام الجهمية. قلت له إن الكرابيسي يقول هذا. قال كذب هتكه الله الخبيث، وقال: قد خلف هذا بشرا المريسي وكان أبي يكره أن يتكلم في اللفظ بشيء أو يقال مخلوق أو غير مخلوق. (٣) - وجاء في أصول الاعتقاد: عن محمد بن جرير الطبري قال: وأما

стр. 1698

القول في ألفاظ العباد بالقرآن فلا أثر فيه نعلمه عن صحابي مضى، ولا عن تابعي قفا، إلا عن من في قوله الشفا والغناء، وفي اتباعه الرشد والهدى، ومن يقوم لدينا مقام الأئمة الأولى: أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل فإن أبا إسماعيل الترمذي حدثني قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل يقول: اللفظية جهمية قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يسمع كَلَامَ اللَّهِ﴾ (١) ممن يسمع؟ قال ابن جرير: وسمعت جماعة من أصحابنا لا أحفظ أسماءهم يحكون عنه أنه كان يقول: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع. قال ابن جرير: ولا قول عندنا في ذلك يجوز أن نقوله غير قوله إذ لم يكن لنا إمام نأتم به سواه، وفيه الكفاية والمقنع وهو الإمام المتبع. (٢) - وفي السنة للخلال: عن أحمد بن حسين بن حسان أن أبا عبد الله سأله الطالقاني عن اللفظية، فقال أحمد: لا يجالسون ولا يكلمون. (٣) وجاء في السير قال صالح بن أحمد: تناهى إلى أبي أن أبا طالب يحكي أنه يقول: لفظي بالقرآن غير مخلوق. فأخبرت بذلك أبي، فقال: من حدثك؟ قلت: فلان، قال: ابعث إلى أبي طالب، فوجهت إليه، فجاء، وجاء فوران، فقال له أبي: أنا قلت لك: لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ وغضب، وجعل يرعد، فقال: قرأت عليك: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد﴾ (٤). فقلت لي: ليس هذا مخلوق.

стр. 1699

قال: فلم حكيت عني أني قلت: لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ وبلغني أنك كتبت بذلك إلى قوم، فامحه، واكتب إليه أني لم أقله لك. فجعل فوران يعتذر إليه. فعاد أبو طالب، وذكر أنه حكى ذلك، وكتب إلى القوم، يقول: وهمت على أبي عبد الله. قال الذهبي: قلت: الذي استقر الحال عليه، أن أبا عبد الله كان يقول: من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فهو مبتدع. وأنه قال: من قال لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي. فكان ﵀ لا يقول هذا ولا هذا. وربما أوضح ذلك، فقال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، يريد به القرآن فهو جهمي (١). - قال أحمد بن زنجويه: سمعت أحمد يقول: اللفظية شر من الجهمية. وقال صالح: سمعت أبي يقول: الجهمية ثلاث فرق: فرقة قالت: القرآن مخلوق، وفرقة قالوا: كلام الله وسكتوا، وفرقة قالوا: لفظنا به مخلوق. ثم قال أبي لا يصلى خلف واقفي، ولا لفظي. وقال الذهبي: لأبي عبد الله في مسألة اللفظ نقول عدة، فأول من أظهر مسألة اللفظ حسين بن علي الكرابيسي، وكان من أوعية العلم. ووضع كتابا في المدلسين، يحط على جماعة فيه أن ابن الزبير من الخوارج. وفيه أحاديث يقوي به الرافضة. فأعلم أحمد، فحذر منه، فبلغ الكرابيسي، فتنمر، وقال: لأقولن مقالة حتى يقول ابن حنبل بخلافها فيكفر. فقال: لفظي بالقرآن

стр. 1700

مخلوق. فقال المروذي في كتاب 'القصص': فذكرت ذلك لأبي عبد الله أن الكرابيسي، قال: لفظي بالقرآن مخلوق، وأنه قال: أقول: إن القرآن كلام الله غير مخلوق من كل الجهات، إلا أن لفظي به مخلوق. ومن لم يقل: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو كافر. فقال أبو عبد الله: بل هو الكافر، قاتله الله، وأي شيء قالت الجهمية إلا هذا؟ وما ينفعه وقد نقض كلامه الأخير كلامه الأول؟ ثم قال: إيش خبر أبي ثور، أوافقه على هذا؟ قلت: قد هجره. قال: أحسن، لن يفلح أصحاب الكلام. (١) - وفيها: وقال أبو بكر المروذي في كتاب 'القصص': ورد علينا كتاب من دمشق: سل لنا أبا عبد الله، فإن هشاما، قال: لفظ جبريل ﵇، ومحمد ﷺ بالقرآن مخلوق. فسألت أبا عبد الله، فقال: أعرفه طَيَّاشًا، لم يجتر الكرابيسي أن يذكر جبريل ولا محمدا. هذا قد تجهم في كلام غير هذا. (٢) - وجاء في الإبانة عن أبي الحارث، قال: ذهبت أنا وأبو موسى إلى أبي عبد الله، فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الله هذا الأمر الذي قد أحدثوه تشمئز منه القلوب، والناس يسألوننا عنه، يقولون: لفظنا بالقرآن مخلوق؟ قال أبو عبد الله بالانتهار منه: هذا كلام سوء رديء خبيث، لا خير فيه. قال له أبو موسى: أليس تقول: القرآن كلام الله ليس مخلوقا على كل حال وبجميع الجهات والمعاني؟ قال: نعم، وكلما تشعب من هذا، فهو رديء خبيث. (٣)

стр. 1701

- وفيها عن أبي طالب، قال: قلت: يا أبا عبد الله إني قد احتججت عليهم بالقرآن والحديث وأحب أن أعرضه عليك، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (١)، أليس من محمد يسمع كلام الله؟ قال الله : ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٣) وقال: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ﴾ (٤) وقال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ (٥) وقال: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ (٦) وقال: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآَنَ فَمَنِ اهتدى﴾ (٧) أليس يتلو القرآن؟ وقال : ﴿فَاقْرَءُوا مَا تيسر مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ (٨)، فعلى كل حال، فهو قرآن، وقال النبي ﷺ في حديث

стр. 1702

جابر: "إن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي" (١) وقال النبي ﷺ لمعاوية بن الحكم: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إلا القرآن" (٢) فالقرآن غير كلام الناس. وقال أبو بكر ﵁: لا والله ولكنه كلام الله. فقال لي: ما أحسن ما احتججت به، جبريل جاء إلى النبي ﷺ بمخلوق، والنبي ﷺ جاء إلى الناس بمخلوق. (٣) - ونقل الإمام ابن بطة بسنده إلى أبي إسحاق الهاشمي قال: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، فقلت: إذا قالوا لنا: القرآن بألفاظنا مخلوق، نقول لهم: ليس هو بمخلوق بألفاظنا أو نسكت؟ فقال: اسمع ما أقول لك: القرآن في جميع الوجوه ليس بمخلوق. ثم قال أبو عبد الله: جبريل حين قاله للنبي ﷺ كان منه مخلوقا؟ والنبي حين قاله كان منه مخلوقا؟ هذا من أخبث قول وأشره. ثم قال أبو عبد الله: بلغني عن جهم أنه قال بهذا في بدء أمره. (٤) - وجاء في الإبانة عن أبي طالب عن أبي عبد الله، قال: قلت له: كتب إلي من طرسوس أن الشراك يزعم أن القرآن كلام الله، فإذا تلوته فتلاوته مخلوقة. قال: قاتله الله، هذا كلام جهم بعينه. قلت: رجل قال في القرآن:

стр. 1703

كلام الله ليس بمخلوق ولكن لفظي هذا به مخلوق؟ قال: هذا كلام سوء، من قال هذا فقد جاء بالأمر كله. قلت: الحجة فيه حديث أبي بكر لما قرأ: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الروم﴾ (٢) (١) فقالوا: هذا جاء به صاحبك؟ قال: لا، ولكنه كلام الله، قال: نعم، هذا وغيره إنما هو كلام الله، إن لم يرجع عن هذا، فاجتنبه ولا تكلمه، هذا مثل ما قال الشراك. قلت: كذا بلغني، قال: أخزاه الله، تدري من كان خاله؟ قلت: لا. قال: كان خاله عبدك الصوفي، وكان صاحب كلام ورأي سوء، وكل من كان صاحب كلام، فليس ينزع إلى خير واستعظم ذلك واسترجع وقال: إلى ما صار أمر الناس؟. (٢) - وفيها: قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: إن رجلا من أصحابنا زوج أخته من رجل، فإذا هو من هؤلاء اللفظية، يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، وقد كتب الحديث، فقال أبو عبد الله: هذا شر من جهمي. قلت: فتفرق بينهما؟ قال: نعم. قلت: فإن أخاه يفرق بينهما؟ قال: قد أحسن. وقال: أظهروا الجهمية، هذا كلام ينقض آخره أوله. (٣) - وفيها: عن أبي طالب عن أبي عبد الله قال: سأله يعقوب بن الدورقي عن من قال: لفظنا بالقرآن مخلوق، كيف تقول في هذا؟ قال: لا يكلم هؤلاء ولا يكلم هذا، القرآن كلام الله غير مخلوق على كل جهة، وعلى كل وجه

стр. 1704

تصرف، وعلى أي حال كان. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (١) وقول النبي ﷺ : "لا يصلح في الصلاة شيء من كلام الناس" (٢) وقال ﷺ : "حتى أبلغ كلام ربي" (٣) هذا قول جهم، على من جاء بهذا غضب الله. (٤) - وفيها أيضا: عن أبي الحسن علي بن مسلم قال: القرآن كلام الله غير مخلوق، هذا قول أبي عبد الله، فبه نقتدي إذ كنا لم ندرك في عصره أحدا تقدمه في العلم والمعرفة والديانة، وكان مقدما عند من أدركنا من علمائنا، فما علمت أن أحدا بلي بمثل ما بلي به فصبر، فهو قدوة وحجة لأهل هذا العصر، ولمن يجيء بعدهم، فنحن متبعون لمقالته وموافقون له، فمن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فقد أبدع، وليس هو من كلام العلماء، وهذا مما أحدثه أصحاب الكلام المبتدعة وقد صح عندنا أن أبا عبد الله أنكر على من قال ذلك، وغضب منه الغضب الشديد، وقال: ما سمعت عالما قال هذا، فمن خالف أبا عبد الله فيما نهى عنه فنحن غير موافقين له منكرون عليه، وقد أدركنا من علمائنا مثل عبد الله بن المبارك، وهشيم بن بشير، وإسماعيل بن علية، وسفيان بن عيينة، وعباد بن عباد، وعباد بن العوام، وأبي بكر بن عياش، وعبد الله بن إدريس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ويحيى بن زائدة، ويوسف

стр. 1705

ابن يعقوب بن الماجشون، ووكيع، ويزيد بن هارون وأبي أسامة، وقد أدركوا هؤلاء كلهم التابعين، وسمعوا عنهم ورووا عنهم، ما منهم أحد قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فنحن لهم متبعون، ولما أحدث بعدهم مخالفون. (١) - وجاء في طبقات الحنابلة: حدثنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن هارون بن بدينا قال: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ﵁، فقلت له: يا أبا عبد الله، أنا رجل من أهل الموصل، والغالب على أهل بلدنا الجهمية، ومنهم أهل سنة، نفر يسير يحبونك، وقد وقعت مسألة الكرابيسي، ففتنهم قول الكرابيسي: لفظي بالقرآن مخلوق، فقال لي أبو عبد الله: إياك وإياك وهذا الكرابيسي، لا تكلمه ولا تكلم من يكلمه، أربع مرار أو خمسا إلا أن في كتابي أربعا، فقلت يا أبا عبد الله فهذا القول عندك، وما شاعت منه يرجع إلى قول جهم قال: هذا كله من قول جهم. (٢) " التعليق: انظر كيف طغت الجهمية وبدعتها على أهل الموصل، حتى لم يبق منهم إلا نفر يسير من أهل السنة، يحبون الإمام أحمد ﵁. وانظر كذلك شدة بغض الإمام للمبتدعة حيث كرر مقاطعة الكرابيسي أربع مرات. وقد أصبح العالم الإسلامي منذ قرون بعيدة إلى الآن موصلا، وأهل السنة لا يكادون يذكرون. - وجاء في الإبانة: عن أبي طالب أحمد بن حميد، قال: قلت لأبي

стр. 1706

عبد الله: أخبرني ساكني أن رجلا بالرميلة كان يقول بقول الكرابيسي: لفظه بالقرآن مخلوق، ومنعوه يصلي بهم، فجاء فسألك عن الرجل يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، يصلى خلفه؟ فقلت له: لا، فرجع إليهم فأخبرهم بقولك، وقال: إني تائب وأستغفر الله مما قلت. فقالوا له: صل بنا فصلى بهم، قال: هو كان نفسه سألني رجل طويل اللحية بعدما صليت الظهر، فقلت له: لم تكلمون فيما قد نهيتم عنه، لا يصلى خلفه ولا يجالس. (١) - وفيها: عن أبي داود، قال: كتبت رقعة فأرسلت بها إلى أبي عبد الله وهو يومئذ متوار، فأخرج إلي جوابه مكتوبا فيه: قلت: رجل يقول: التلاوة مخلوقة وألفاظنا بالقرآن مخلوقة، والقرآن ليس بمخلوق، وما ترى في مجانبته؟ وهل يسمى مبتدعا؟ وعلى ما يكون عقد القلب في التلاوة والألفاظ؟ وكيف الجواب فيه؟ قال: هذا يجانب، وهو قول المبتدع وما أراه إلا جهميا، وهذا كلام الجهمية، القرآن ليس بمخلوق. قالت عائشة: تلا رسول الله ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ (٢) .. الآية، قالت: فقال رسول الله ﷺ : "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فاحذروهم، فإنهم هم الذين عنى الله " (٣)، فالقرآن ليس بمخلوق. (٤)

стр. 1707

- جاء في جامع بيان العلم وفضله عنه قال: لا يفلح صاحب كلام أبدا، ولا تكاد ترى أحدا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل. (١) - وفي الإبانة: بالسند إلى أبي بكر المروذي: سمعت أبا عبد الله ﵀ يقول: من تعاطى الكلام لم يفلح، ومن تعاطى الكلام لا يخلو من أن يتجهم. (٢) - وفي تلبيس إبليس: قال السلمي: وتكلم الحارث المحاسبي في شيء من الكلام والصفات، فهجره أحمد بن حنبل، فاختفى إلى أن مات. (٣) - وجاء في تلبيس إبليس: قال المصنف: وقد ذكر أبو بكر الخلال في كتاب السنة عن أحمد بن حنبل أنه قال: حذروا من الحارث أشد التحذير، الحارث أصل البلية -يعني في حوادث كلام جهم- ذاك جالسه فلان وفلان وأخرجهم إلى رأي جهم، ما زال مأوى أصحاب الكلام حارث بمنزلة الأسد المرابط، انظر أي يوم يثب على الناس. وفي طبقات الحنابلة زيادة: قال المروذي: إن قوما يختلفون إليه؟ قال: نتقدم إليهم لعلهم لايعرفون بدعته. فإن قبلوا وإلا هجروا. ليس للحارث توبة، يشهد عليه ويجحد. إنما التوبة لمن اعترف. (٤) " التعليق: انظر رحمك الله هذا التعبير البليغ الجامع المانع، وهذه الفراسة القوية،

стр. 1708

وكيف لا وقد جمع الله له من السنة ما لم يجمع لغيره في زمنه وبعده. فلا أدري ماذا يقول محبو الحارث الآن في مثل هذه العبارة، هل سيرفضونها أم يقولون: إن الحارث بن أسد تراجع، ونرجو الله له ولغيره ذلك. والمهم عندنا، أن السلف حذروا من جميع البدع، سواء كانت صوفية أو كلامية أو قدرية أو أشعرية أو إرجائية فجزاهم الله خيرا. - جاء في المنهاج قال أحمد بن حنبل: علماء الكلام زنادقة. (١) - وجاء في الإبانة: عن أحمد بن حنبل قال: عليكم بالسنة والحديث وما ينفعكم الله به، وإياكم والخوض والجدال والمراء فإنه لا يفلح من أحب الكلام، وكل من أحدث كلاما لم يكن آخر أمره إلا إلى بدعة لأن الكلام لا يدعو إلى خير ولا أحب الكلام ولا الخوض ولا الجدال، وعليكم بالسنن والآثار والفقه الذي تنتفعون به ودعوا الجدال وكلام أهل الزيغ والمراء، أدركنا الناس ولا يعرفون هذا ويجانبون أهل الكلام، وعاقبة الكلام لا تؤول إلى خير أعاذنا الله وإياكم من الفتن وسلمنا وإياكم من كل هلكة. (٢) - وفيها: قال أبو الحارث: وسمعت أبا عبد الله يقول: إذا رأيت الرجل يحب الكلام فاحذره، وأخبرت عن أبي عمران الأصبهاني، قال: سمعت أحمد ابن حنبل يقول: لا تجالس صاحب كلام وإن ذب عن السنة فإنه لا يؤول

стр. 1709

أمره إلى خير. (١) - وفيها أيضا: عن أبي طالب -أحمد بن حميد- عن أبي عبد الله قلت: قد جاءت جهمية رابعة، قال: ما هي؟، قلت: زعموا أن إنسانا أنت تعرفه، قال: من زعم أن القرآن في صدره، فقد زعم أن في صدره من الإلهية شيئا، قال: ومن قال هذا، فقد قال مثل ما قالت النصارى في عيسى أن كلمة الله فيه. فقال: ما سمعت بمثل هذا قط. قلت: هذه الجهمية. قال: أكثر من الجهمية. من قال هذا؟، قلت: إنسان. قال: لا تكتم علي مثل هذا. قلت: موسى بن عقبة، وأقرأته الكتاب فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقال: ليس هذا صاحب حديث، وإنما هو صاحب كلام، لا يفلح صاحب كلام، واستعظم ذلك وقال: هذا أكثر من الجهمية، قال النبي ﷺ : "ينزع القرآن من صدوركم" (٢) وقال: في صدورنا وأبنائنا. هذا أكثر من الجهمية. ثم قلت: إنه قد أقر بما كتب به وقال: أستغفر الله، فقال: لا يقبل منه ولا كرامة، يجحد ويحلف ثم يقر، ليته بعد كذا وكذا سنة إذا عرف من الله التوبة يقبل منه، لا يكلم ويجفى، ومن كلمه وقد علم، فلا يكلم. (٣) موقفه من الخوارج: - جاء في السنة للخلال عن يوسف بن موسى: أن أبا عبد الله قيل له:

стр. 1710

صلاة الجمعة والعيدين جائزة خلف الأئمة البر والفاجر ما داموا يقيمونها؟ قال: نعم. (١) - وفيها عنه قال: الخوارج قوم سوء، لا أعلم في الأرض قوما شرا منهم وقال: صح الحديث فيهم عن النبي ﷺ ومن عشرة وجوه. (٢) - وفيها عنه أنه قيل له: أكفر الخوارج؟ قال: هم مارقة. قيل: أكفار هم؟ قال: هم مارقة مرقوا من الدين. (٣) - وفيها عنه أنه سئل عن الحرورية والمارقة: يكفرون؟ قال: اعفني من هذا، وقل كما جاء فيهم الحديث. (٤) - وفيها عن الأثرم قال: ذكر لأبي عبد الله هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون، فرأوا أن يهدر كل دم أصيب على تأويل القرآن؟ قيل له: مثل الحرورية؟ قال: نعم، قال أبو عبد الله: فأما قاطع طريق فلا. (٥) - وفيها: عن حرب بن إسماعيل الكرماني قال: قلت لأحمد بن حنبل: الرجل يبيع غلامه من الخوارج؟ قال: لا، قلت، فيبيع منهم الطعام والثياب؟ قال: لا، قلت: فإن أكرهوه؟ فكره ذلك كله، قلت فيشتري منهم؟ قال: لا يشتري ولا يبيع. (٦)

стр. 1711

- وفيها: عن الحسن بن محمد بن الحارث السجستاني أنه سأل أبا عبد الله عن أمر الخوارج عندنا قال: قلت: إنا في المدينة نظهر خلافهم ونصلي في جماعة ونجمع، غير أنهم إن كتبوا إلى الوالي بأمر لم يجد الوالي بدا من أن ينفذه، فقال: يظهرون مخالفتهم؟ قلت: نعم، قال: أكره مجاورتهم، قلت: إذا كانت معيشته فيها؟ يعني في البلد الذي هم فيه، قال: أرجو أن لا يكون به بأس، وإن وجدت محيصا فتخلص. (١) - وفيها عن أحمد بن الحسين: أن أبا عبد الله سئل عن الخوارج؟ فقال: لا تكلمهم ولا تصل عليهم. (٢) - وقال حنبل: اجتمع فقهاء بغداد إلى أبي عبد الله في ولاية الواثق. وشاوروه في ترك الرضا بإمرته وسلطانه. فقال لهم: عليكم بالنكرة في قلوبكم. ولا تخلعوا يدا من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين، وذكر الحديث عن النبي ﷺ "إن ضربك فاصبر" (٣) أمر بالصبر. (٤) موقفه من المرجئة: - عن أبي بكر المروذي أن أبا عبد الله قيل له: من المرجئي؟ قال: المرجئي الذي يقول الإيمان قول. (٥)

стр. 1712

- عن أبي داود السجستاني، قال: سمعت أحمد بن حنبل ﵀ يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. قال أحمد: وبلغني أن مالك بن أنس وابن جريج وفضيل بن عياض قالوا: الإيمان قول وعمل. (١) - وعن المروذي: سمعت أبا عبد الله سئل عن الإيمان، فقال: قول وعمل يزيد وينقص. قال الله : ﴿وأقيموا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزكاة﴾ (٢) وقال: قال الله : ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزكاة فَإِخْوَانُكُمْ في الدين﴾ (٣) ثم قال: هذا من الإيمان، وسمعته يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وقال: الزيادة من العمل وذكر النقصان إذا زنا وسرق. (٤) - عن الفضل بن زياد، قال: سمعت أبا عبد الله يقول غير مرة: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. قال الفضل: وسمعت أبا عبد الله يقول: إنما الزيادة والنقصان في العمل، كيف تكون حاله إذا قتل النفس، أليس قد أوجب له النار؟ كيف حاله إذا ارتكب الموبقات؟. (٥) - وعنه أيضا قال: سمعت أبا عبد الله يقول: إذا قال إني مؤمن إن شاء الله، ليس هو بشاك. قيل له: إن شاء الله، ليس هو شكا. قال معاذ الله أليس

стр. 1713

قد قال الله : ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (١) وفي علمه أنهم يدخلون، وصاحب القبر إذا قال عليه أبعث إن شاء الله، فأي شك ها هنا. وقال النبي ﷺ : "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون". (٢) - وعن أبي بكر أحمد بن محمد بن هانىء الأثرم، قال: سمعت أبا عبد الله، سئل عن الاستثناء إذا كان يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، فاستثنى مخافة واحتياطا ليس كما يقولون على الشك إنما يستثني للعمل. (٣) - وعن محمد بن داود في مسائل المروذي، قال: فقيل لأبي عبد الله: إن استثنيت في إيماني، أكن شاكا، قال: لا، ثم قال لأبي عبد الله: الحجاج بن يوسف يكون إيمانه مثل إيمان أبي بكر؟ قال: لا، قال: فيكون إيمانه مثل إيمان النبي ﷺ ؟ قال: لا، قال: فالمرجئة يقولون الإيمان قول. (٤) - قال حنبل: حدثنا الحميدي قال: وأخبرت أن ناسا يقولون: من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئا حتى يموت، ويصلي مستدبر القبلة حتى يموت؛ فهو مؤمن ما لم يكن جاحدا، إذا علم أن تركه ذلك فيه إيمانه إذا كان مقرا بالفرائض واستقبال القبلة، فقلت: هذا الكفر الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله وعلماء المسلمين. قال الله تعالى:

стр. 1714

﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (١) الآية. وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: من قال هذا فقد كفر بالله ورد على أمره وعلى الرسول ما جاء به عن الله. (٢) - وقال أحمد: وأما من زعم أن الإيمان الإقرار، فما يقول في المعرفة؟ هل يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار؟ وهل يحتاج أن يكون مصدقا بما عرف؟ فإن زعم أنه يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار فقد زعم أنه من شيئين، وإن زعم أنه يحتاج أن يكون مقرا ومصدقا بما عرف فهو من ثلاثة أشياء؛ وإن جحد وقال: لا يحتاج إلى المعرفة والتصديق، فقد قال قولا عظيما، ولا أحسب أحدا يدفع المعرفة والتصديق وكذلك العمل مع هذه الأشياء. (٣) - ودخل عليه شيخ فسأله عن الإيمان، فقال له: قول وعمل، يزيد وينقص. فقال له: أقول: مؤمن إن شاء الله؟ قال: نعم. فقال له: إنهم يقولون لي أنك شاك؛ قال: بئس ما قالوا، ثم خرج فقال: ردوه فقال: أليس يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص؟ قال: نعم، قال: هؤلاء يستثنون. قال له: كيف يا أبا عبد الله؟ قال: قل لهم: زعمتم أن الإيمان قول وعمل، فالقول قد أتيتم به، والعمل لم تأتوا به، فهذا الاستثناء لهذا العمل، قيل له: يستثني في الإيمان؟ قال: نعم، أقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أستثني على اليقين لا على

стр. 1715

الشك؛ ثم قال: قال الله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (١) فقد أخبر الله تعالى أنهم داخلون المسجد الحرام. (٢) - وجاء في السير: قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل، يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، البر كله من الإيمان، والمعاصي تنقص الإيمان. (٣) - وقال حنبل سمعت أبا عبد الله أحمد سئل عن الإيمان فقال: قول وعمل ونية. قيل له: فإذا قال الرجل مؤمن أنت؟ قال: هذا بدعة. قيل له: فما يرد عليه؟ قال: يقول: مؤمن إن شاء الله، إلا أن يستثني في هذا الموضع. ثم قال أبو عبد الله: والإيمان يزيد وينقص، فزيادته بالعمل ونقصانه بترك العمل. قال الله : ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (٤) فهو يزيد وينقص. وقال النبي ﷺ لأهل القبور لما أشرف عليهم: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" (٥)، فاستثنى، وقد علم النبي ﷺ أنه ميت فاستثناه. (٦) - وفي السنة لعبد الله قال: سمعت أبي سئل عن الإرجاء فقال: نحن نقول الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، إذا زنا وشرب الخمر نقص إيمانه.

стр. 1716

سألت أبي عن رجل يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ولكن لا يستثني. أمرجئ؟ قال أرجو أن لا يكون مرجئا سمعت أبي يقول: الحجة على من لا يستثني قول رسول الله لأهل القبور: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" (١). (٢) - وفي السنة للخلال: عن المروذي قال: قال لي أبو عبد الله في ابن أبي رزمة المروذي: بلغني أنهم سألوه بمكة عن الإيمان؟ فأبى أن يقول: الإيمان قول وعمل، ولو علمت هذا عنه، ما أذنت له بالدخول علي. وقال لي بعد يومين أو ثلاثة: أي شيء حال ابن أبي رزمة؟ قلت: ليس عندي من خبره شيء، قلت لي: لا أحب أن يذهب إليه أحد من ناحيتي، فلم أذهب إليه، فلما كان بعد، وصلينا عشاء الآخرة، قال: اذهب إليه، فإنه قد كان بيننا وبينه حرمة فقيل له: إن ابن المبارك كان يقول: الإيمان يتفاضل، فذهبت إليه، فقال: قد قلت لهم: إذا قدمت العراق، لقيت أبا عبد الله، فما أمرني من شيء، صرت إليه. ثم جاء، فقال لأبي عبد الله: أعطني حجة إذا قدمت على أهل مرو، أخبرتهم. فعلم أبو عبد الله على هذه الأحاديث، وقال لي: ادفعها إليه. (٣) - وعن عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي هذا الحديث؛ قال: ولكن المرجئة يكذبون الله . (٤) - وعن حرب بن إسماعيل قال: سمعت أحمد يقول: لا يصلى خلف من

стр. 1717

زعم أن الإيمان قول إذا كان داعية. (١) - وقال الخلال: أخبرني علي بن عيسى أن حنبلا حدثهم، قال: قلت لأبي عبد الله رجل زوج ابنته رجلا، وهو لا يعلم، فإذا هو يقول بمقالة رديئة من الإرجاء. فقال: إذا كان يغلي في ذلك، ويدعو إليه، رأيت أن يخلع ابنته ولا يقيم عنده. قلت: فيحرج الأب إذا فعل ذلك؟ قال: أرجو أن لا يحرج إذا علم ذلك منه وتبين له. (٢) - وعن إسحاق بن منصور، أنه قال لأبي عبد الله: المرجئ إذا كان داعيا، قال: إي والله، يجفى ويقصى. (٣) - وعن سليمان بن الأشعث، قال: قلت لأبي عبد الله: لنا أقارب بخراسان يرون الإرجاء، فنكتب إلى خراسان نقرئهم السلام؟ قال: سبحان الله، لم لا تقرئهم؟ قلت لأبي عبد الله: فنكلمهم؟ قال: نعم، إلا أن يكون داعيا ويخاصم فيه. (٤) - عن حمدان بن علي حدثهم قال: سمعت أحمد يقول: الجهمية تقول: إذا عرف ربه بقلبه وإن لم تعمل جوارحه يعني، فهو مؤمن، وهذا كفر إبليس، قد عرف ربه بقلبه، فقال: ﴿رب بما أغويتني﴾ (٥). (٦)

стр. 1718

موقفه من القدرية: - جاء في أصول الاعتقاد عن حنبل قال: سمعت أبا عبد الله يقول: علم الله تعالى في العباد قبل أن يخلقهم سابق، وقدرته ومشيئته في العباد. قال: قد خلق الله آدم وعلم منه قبل أن يخلقه، وكذا علمه سابق محيط بأفاعيل العباد وكل ما هم عاملون. (١) - وفيه عن بكر بن محمد عن أبيه عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل قال: -وسألته عن القدري يستتاب- وقلت: إن عمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس يريان أن يستتيبوه، فإن تاب وإلا ضربت عنقه. قال أبو عبد الله: أرى أن يستتيبه إذا جحد العلم. قلت: فكيف يجحد علم الله؟ قال: إذا قال لم يكن هذا في علم الله استتبته، فإن تاب وإلا ضربت عنقه. (٢) - وفيه عن الأثرم عن أحمد قيل له: رجل قدري أعوده؟ قال: إذا كان داعية إلى الهوى فلا. قيل له: أصلي عليه؟ فلم يجب. فقال له إبراهيم بن الحارث العبادي -وأبو عبد الله يسمع-: إذا كان صاحب بدعة فلا تسلم عليه ولا تصل خلفه ولا تصل عليه قال أبو عبد الله: كافأك الله يا أبا إسحاق وجزاك خيرا. (٣) - وفيه عن محمد بن أحمد المروزي صاحب أحمد بن حنبل قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل في قوله : ﴿وإذ أخذنا من النبيين

стр. 1719

ميثاقهم﴾ (١) هو حجة على القدرية قال: ﴿ومنك ومن نوحٍ﴾ قدمه على نوح، هذه حجة عليهم. (٢) - وجاء في مجموع الفتاوى: قال الخلال: أنبأنا الميموني قال سمعت أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- يناظر خالد بن خداش يعني في القدر- فذكروا رجلا فقال أبو عبد الله: إنما أكره من هذا أن يقول أجبر الله. وقال أنبأنا المروذي قلت لأبي عبد الله: رجل يقول إن الله أجبر العباد، فقال: هكذا لا تقل. وأنكر هذا، وقال: يضل من يشاء ويهدي من يشاء. وقال أنبأنا المروذي قال: كتب إلى عبد الوهاب في أمر حسن بن خلف العكبري، وقال: إنه تنزه عن ميراث أبيه، فقال رجل قدري: إن الله لم يجبر العباد على المعاصي، فرد عليه أحمد بن رجاء فقال: إن الله جبر العباد على ما أراد، أراد بذلك إثبات القدر، فوضع أحمد بن علي كتابا: يحتج فيه، فأدخلته على أبي عبد الله، فأخبرته بالقصة فقال: ويضع كتابا وأنكر عليهما جميعا: على ابن رجاء حين قال جبر العباد، وعلى القدري الذي قال لم يجبر، وأنكر على أحمد بن علي في وضعه الكتاب واحتجاجه، وأمر بهجرانه لوضعه الكتاب، وقال لي: يجب على ابن رجاء أن يستغفر ربه لما قال جبر العباد. فقلت لأبي عبد الله فما الجواب في هذه المسئلة؟ قال: يضل الله من يشاء، ويهدي من يشاء. قال المروذي في هذه المسئلة إنه سمع أبا عبد الله لما أنكر على الذي

стр. 1720

قال لم يجبر، وعلى من رد عليه جبر، فقال أبو عبد الله: كلما ابتدع رجل بدعة اتسعوا في جوابها، وقال: يستغفر ربه الذي رد عليهم بمحدثة، وأنكر على من رد بشيء من جنس الكلام إذا لم يكن له فيها إمام مقدم. قال المروذي فما كان بأسرع من أن قدم أحمد بن علي من عكبر ومعه مشيخة، وكتاب من أهل عكبر، فأدخلت أحمد بن علي على أبي عبد الله: فقال: يا أبا عبد الله هو ذا الكتاب ادفعه إلى أبي بكر حتى يقطعه، وأنا أقوم على منبر عكبر وأستغفر الله . فقال أبو عبد الله لي: ينبغي أن تقبلوا منه فرجعوا إليه. (١) - وجاء في السنة للخلال: عن عصمة بن عصام قال: حدثنا حنبل قال: سألت أبا عبد الله قلت: أفاعيل العباد مخلوقة؟ قال: نعم مقدرة عليهم بالشقاء والسعادة، قلت له: الشقاء والسعادة مكتوبان على العبد؟ قال: نعم، سابق في علم الله. وهما في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقه والشقاء والسعادة من الله ، قال عبد الله: الشقي من شقي في بطن أمه. وقال في موضع آخر الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد بغيره، قال: وكتب الله على آدم أنه يصيب الخطيئة قبل أن يخلقه، قلت: فأمر الله العباد بالطاعة؟ قال: نعم وكتب عليهم المعصية لإثبات الحجة عليهم ويعذب الله العباد وهو غير ظالم لهم. وقال: قال ليس شيء أشد على القدرية من
следующие страницы →