يعلم الغيب، فيقول: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ ورقةٍ إِلًّا يعلمها﴾ (١) ثم يقول: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عليها إِلًّا لِنَعْلَمَ﴾ (٢). وهذا جهل منه بالتفسير ولغة العرب، وإنما المعنى ليظهر ما علمناه، ومثله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ﴾ (٣) أي نعلم ذلك واقعا. وقال بعض العلماء: حتى يعلم أنبياؤنا والمؤمنون به. وقال في قوله: ﴿إِنَّ كيد الشيطان كَانَ ضعيفًا﴾ (٤) أي أضعف له، وقد أخرج آدم وأزل خلقا. وهذا تغفل منه، لأن كيد إبليس تسويل بلا حجة والحجج ترده، ولهذا كان ضعيفا، فلما مالت الطباع إليه آثر وفعل. وقال: من لم يقم بحساب ستة تكلم بها في الجملة فلما صار إلى التفاريق وجدناه قد غلط فيها باثنين وهو قوله: ﴿خَلَقَ الأرض في يومين﴾ (٥) ثم قال: ﴿وقدر فيها أَقْوَاتَهَا في أربعة أيامٍ﴾ (٦) ثم قال: ﴿فقضاهن سبع سموات في يومين﴾ (٧)، فعدها هذا المغفل ثمانية ولو نظر في أقوال العلماء لعلم أن المعنى في تتمة أربعة أيام. وقال: في قوله: ﴿إِنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ ولا تعرى﴾ (٨) وقد جاع
стр. 2067
وعري وهذا المغفل الملعون ما فهم أن الأمر مشروط بالوفاء بما عوهد عليه من قوله: ﴿ولا تَقْرَبَا هذه الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (١) وقال في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يفقهوه﴾ (٢) ثم قال: ﴿وربك الغفور ذو الرحمة﴾ (٣) فأعظم الخطوب ذكره الرحمة مضموما إلى إهلاكهم. وهذا الأبله الملعون ما علم أنه لما وصف نفسه بالمعاقبة للمذنبين فانزعجت القلوب ضم إلى ذلك ذكر الرحمة بالحلم عن العصاة والإمهال والمسامحة في أكثر الكسب ... قال الملعون: ومن الكذب قوله: ﴿ولقد خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صورناكم ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسجدوا لأدم﴾ (٤) وهذا كان قبل تصوير آدم. وهذا الأحمق الملعون لو طالع أقوال العلماء وفهم سعة اللغة علم أن المعنى خلقنا آدم وصورناه كقوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ﴾ (٥). وقال: من فاحش ظلمه قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها﴾ (٦) فعذب جلودا لم تعصه. وهذا الأحمق الملعون لا يفهم أن الجلد آلة للتعذيب، فهو كالحطب يحرق لانضاج غيره، ولا يقال أنه معذب، وقد قال العلماء:
стр. 2068
إن الجلود الثانية هي الأولى أعيدت كما يعاد الميت بعد البلى. قال: وقوله: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أشياء إِنْ تبد لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (١) وإنما يكره السؤال رديء السلعة لئلا تقع عليه عين التاجر فيفتضح.
فانظروا إلى عامية هذا الأحمق الملعون وجهله، أتراه قال: لا تسألوا عن الدليل على صحة قولي؟ إنما كانوا يسألون فيقول قائلهم: من أبي؟ فقال: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أشياء﴾ يعني من هذا الجنس، فربما قيل للرجل أبوك فلان وهو غير أبيه الذي يعرف فيفتضح. قال: ولما وصف الجنة، قال: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ (٢) وهو الحليب، ولا يكاد يشتهيه إلا الجياع، وذكر العسل ولا يطلب صرفا، والزنجبيل وليس من لذيذ الأشربة، والسندس يفرش ولا يلبس، وكذلك الاستبرق الغليظ، قال: ومن تخايل أنه في الجنة يلبس هذا الغليظ ويشرب الحليب والزنجبيل صار كعروس الأكراد والنبط. فانظروا إلى لعب هذا الملعون المستهزئ وجهله ومعلوم أن الخطاب إنما هو للعرب وهم يؤثرون ما وصف، كما قال: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ (٣)، ثم إنما وصف أصول الأشياء المتلذذ بها، فالقدرة قد تكون من اللبن أشياء كالمطبوخات وغيرها ومن العسل أشياء يتحلى بها، ثم قال : ﴿وفيها
стр. 2069
ما تشتهيه الأنفس وتلذ الْأَعْيُنُ﴾ (١) وقال: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" (٢) فوصف ما يعرف ويشتهى وضمن ما لا يعرف؛ وقال: إنما أهلك ثمودا لأجل ناقة، وما قدر ناقة؟ وهذا جهل منه الملعون. فإنه إنما أهلكهم لعنادهم وكفرهم في مقابلة المعجزة، لا لإهلاك ناقة. قال: وقال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (٣) ثم قال: ﴿لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (٤). ولو فهم أن الإسراف الأول في الخطايا دون الشرك، والثاني في الشرك، وما يتعلق بكل آية يكشف معناها. قال: ووجدناه يفتخر بالفتنة التي ألقاها بينهم كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ (٥) ﴿ولقد فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٦)، ثم أوجب للذين فتنوا المؤمنين عذاب الأبد. وهذا الجاهل الملعون لا يدري أن الفتنة كلمة يختلف معناها في القرآن، فالفتنة معناها: الابتلاء، كالآية الأولى، والفتنة الإحراق كقوله: ﴿فَتَنُوا
стр. 2070
الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). وقال: وقوله: ﴿وَلَهُ أسلم مَنْ في السَّمَاوَاتِ والأرض﴾ (٢) خبر محال، لأنه ليس كل الناس مسلمين، وكذلك قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلًّا يسبح بحمده﴾ (٣) وقوله: ﴿وَلِلَّهِ يسجد ما في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الأرض﴾ (٤) ولو أن هذا الزنديق الملعون طالع التفسير وكلام العرب لما قال هذا، إنما يتكلم بعاميته وحمقه، وإنما المعنى وله أسلم استسلم والكل منقاد لما قضى به وكل ذليل لأمره، وهو معنى السجود؛ ثم قد تطلق العرب لفظ الكل وتريد البعض كقوله: ﴿تدمر كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٥)
وقد ذكر الملعون أشياء من هذا الجنس مزجها بسوء الأدب، والانبساط القبيح، والذكر للخالق بما لا يصلح أن يذكر به أحد العوام، وما سمعنا أن أحدا عاب الخالق وانبسط كانبساط هذا اللعين قبله ويلومه، لو جحد الخالق كان أصلح له من أن يثبت وجوده، ثم يخاصمه ويعيبه وليس له في شيء مما قاله شبهة، فضلا عن حجة فتذكر ويجاب عنها، وإنما هو خذلان فضحه الله تعالى به في الدنيا، والله تعالى يقابله يوم القيامة مقابلة تزيد على مقابلة إبليس، وإن خالف، لكنه
стр. 2071
احترم في الخطاب كقوله: ﴿فبعزتك﴾ (١) ولم يواجه بسوء أدب كما واجه هذا اللعين، جمع الله بينهما، وزاد هذا من العذاب. وقد حكينا عن الجبائي أن ابن الريوندي مرض ومات، ورأيت بخط ابن عقيل أنه صلبه بعض السلاطين والله أعلم. (٢)
فائدة:
قال الحافظ ابن كثير: وقد ذكره ابن خلكان في الوفيات وقلس عليه ولم يجرحه بشيء، ولا كأن الكلب أكل له عجينا، على عادته في العلماء والشعراء، فالشعراء يطيل تراجمهم، والعلماء يذكر لهم ترجمة يسيرة، والزنادقة يترك ذكر زندقتهم. (٣)
" التعليق:
وهذا الذي يبكي عليه الإمام ابن كثير وابن الجوزي وابن عقيل، وما فعله هذا السلطان الذي لم نحظ باسمه، وكان التقصير مني في التنقيب عليه، ولعل الله يوفق لذلك في فسحة من العمر. نحن الآن نعايشه وأصبح أهله أكثر من الذباب والحشرات المؤذية، وأكثرها من نوع الأفاعي الصحراوية المسمومة سما خاصا بطيئا فيها. ومعاملة أكثر أهل هذا الزمان -الذين يدعون أنهم حماة الإسلام- لهؤلاء الزنادقة من أحسن ما يكون، المساعدة المادية واللقاءات الشخصية المصحوبة بالابتسامة وتهليل سرائر الوجه، كأنه مذهبة
стр. 2072
وإعطاؤهم كل ما يحتاجون إليه من رخص لفتح أي مشروع يريدونه لنشر زندقتهم وإلحادهم -جرائد مجلات مطبعات نوادي وكل ما يريدون- فليقارن العاقل اللبيب بين الأمس واليوم، يجد الفرق واضحا والله المستعان.
ابن كَيْسَان (١) (٢٩٩ هـ)
هو أبو الحسن البغدادي محمد بن أحمد بن كيسان النحوي أحد حفاظه والمكثرين منه كان يحفظ طريقة البصريين والكوفيين معا، قال ابن مجاهد: كان ابن كيسان أنحى من الشيخين المبرد وثعلب، وهما من شيوخه له تصانيف في القراءات والغريب والنحو. وكان من جلة النحويين. توفي سنة تسع وتسعين ومائتين.
موقفه من الجهمية:
- قال أبو عمر: وسمعت ابن كيسان وسأله رجل، فقال له: ما تقول في القرآن؟ فقال له ابن كيسان: أقول: إن الله أمر وهو الخالق، وأقول: إن العبد مأمور وهو مخلوق، وأقول: إن القرآن أمره لا خالق ولا مخلوق. ثم قال ابن كيسان: هذا مذهب العلماء أهل الإسلام وهو مذهب أحمد بن حنبل وثعلب وأصحاب الحديث. (٢)
стр. 2073
ابن البرذون (١) (٢٩٩ هـ)
إبراهيم بن محمد بن البرذون الضبي أبو إسحاق الإمام المفتي. روى عن أبي عثمان ابن الحداد وعيسى بن مسكين ويحيى بن عمر وجماعة. قال القاضي عياض: كان يقول: إني أتكلم في تسعة عشر فنا من العلم، قال الخراط: كان ابن البرذون بارعا في العلم يذهب مذهب النظر لم يكن في شباب عصره أقوى على الجدل وإقامة الحجة منه. لما جرد للقتل قيل: أترجع عن مذهبك؟ قال: أعن الإسلام أرجع؟ ثم صلب من طرف الشيعة في سنة تسع وتسعين ومائتين.
موقفه من الرافضة:
- جاء في السير: وكان مناقضا للعراقيين، فدارت عليه دوائر في أيام عبيد الله، وضرب بالسياط، ثم سعوا به عند دخول الشيعي إلى القيروان، وكانت الشيعة تميل إلى العراقيين لموافقتهم لهم في مسألة التفضيل ورخصة مذهبهم، فرفعوا إلى أبي عبد الله الشيعي: أن ابن البرذون وأبا بكر بن هذيل يطعنان في دولتهم، ولا يفضلان عليا. فحبسهما، ثم أمر متولي القيروان أن يضرب ابن هذيل خمس مئة سوط، ويضرب عنق ابن البرذون، فغلط المتولي فقتل ابن هذيل، وضرب ابن البرذون، ثم قتله من الغد. وقيل لابن البرذون لما جرد للقتل: أترجع عن مذهبك؟ قال: أعن الإسلام أرجع؟ ثم صلبا في سنة تسع وتسعين ومئتين. وأمر الشيعي الخبيث أن لا يفتى بمذهب مالك، ولا
стр. 2074
يفتى إلا بمذهب أهل البيت، ويرون إسقاط طلاق البتة، فبقي من يتفقه لمالك إنما يتفقه خفية. (١)
موقفه من الجهمية:
- جاء في 'معالم الإيمان' للدباغ: وكان فقيها بارعا في العلم، يذهب مذهب النظر من رجال أبي عثمان سعيد بن الحداد، لم يكن في شباب عصره أقوى على الجدل والمناظرة وإقامة الحجة على المخالفين منه. قلت: ما ذكر هو لفظ المالكي، وكان يقول: نتكلم في تسعة عشر فنا من العلم، وكان شديد التحنك للعراقيين والمناظرة، فدارت عليه بذلك دوائر في دولتهم، ضربه مرة بالسياط محمد بن أسود الصديني إذ كان قاضيا وكان الصديني يصرح بخلق القرآن، ثم سعى عليه العراقيون عند دخول الشيعي القيروان لموافقتهم إياه في مسألة التفضيل ورخصة مذهبهم. (٢)
" التعليق:
هذه البدعة المشئومة لم تترك مكانا إلا ودخلته، وأفسدت أهله، ووجدت من ينصرها ويتعاون مع سلالة اليهود في ضرب علماء المسلمين، فلذا المبتدعة على جميع أنواعهم يؤمنون بالتعاون مع أي إنسان أو فرقة ضالة أو ديانة خارج الإسلام ففي هذه المواقف عبرة لمن اعتبر.
стр. 2075
أبو بكر بن هُذَيْل (١) (٢٩٩ هـ)
الفقيه أبو بكر بن هذيل. سمع من عيسى بن مسكين ويحيى بن عمر وجبلة بن حمود وغيرهم. كان فقيها زاهدا صالحا متقشفا.
قال أبو الحسن القابسي: كان أبو بكر بن هذيل من المتورعين، وإنما كان عيشه من غزل امرأته، كانت تشتري الكتان، فتغزله، وتنسج منه أبدانا، فتبيعها، فما كان فيها من فضل تقوتا به، واشتريا برأس المال كتانا، فمن ذلك كان عيشهما.
قتل ابن أبي خنزير أبا بكر بن هذيل بأمر من أبي عبد الله الشيعي مع أبي إسحاق ابن البرذون، وذلك سنة تسع وتسعين ومائتين.
موقفه من الرافضة:
- جاء في معالم الإيمان: قال المالكي: قال أبو عبد الله محمد بن خراسان: لما وصل عبد الله إلى رقادة أرسل إلى القيروان من أتاه بابن البرذون وابن هذيل فلما وصلا إليه وجداه على سرير ملكه جالسا وعن يمينه أبو عبد الله الشيعي وعن يساره أبو العباس أخوه، فلما وقفا بين يديه قال لهما أبو عبد الله وأبو العباس: أشهد أن هذا رسول الله وأشار إلى عبيد الله، فقالا جميعا بلفظ واحد: والله الذي لا إله إلا هو لو جاءنا هذا والشمس عن يمينه والقمر عن يساره، يقولان إنه رسول الله ما قلنا إنه رسول الله ﷺ ، فأمر عبيد الله بذبحهما حينئذ جميعا وأمر بربطهما إلى أذناب البغال. (٢)
стр. 2076
وفيها: قتل ابن أبي خنزير أبا بكر بن هذيل بأمر أبي عبد الله الشيعي مع أبي إسحاق ابن البرذون، وذلك أنه أشاع الحجة التي احتج بها ابن البرذون في الناس، من أن عليا كان يقيم الحدود بين يدي عمر ﵄ حتى فهم منه الشيعي أنه قصد نقص علي بذلك هو وابن البرذون، ومذهب أبي العباس الشيعي، مذهب الإمامية، تفضيل علي على سائر الصحابة ويرى أن من تنقصه أو أحدا من نسل فاطمة ﵂ فإنه مباح الدم، فلأجل ذلك قتلهما معا وربطهما إلى أذناب البغال سنة تسع وتسعين كما تقدم. (١)
جبلة بن حمود بن عبد الرحمن (٢) (٢٩٩ هـ)
جبلة بن حمود بن عبد الرحمن الكوفي أبو يوسف. أسلم جده على يد عثمان بن عفان رضي الله.
سمع من سحنون وعون وأبي إسحاق البرقي وغيرهم من الإفريقيين والمصريين. وروى عن سحنون المدونة والموطأ والمختلطة. روى عنه أبو العرب وهبة الله بن أبي عقبة وعبد الله بن سعد. وكان من أهل الخير البين والعبادة الظاهرة والورع والزهد. وقال فيه سحنون: إن عاش هذا الشاب فسيكون له نبأ.
وتوفي سنة تسع وتسعين ومائتين وصلى عليه محمد بن محمد بن سحنون في مصلى العيد لكثرة من اجتمع من الناس، ومولده ﵀ سنة
стр. 2077
عشر ومائتين.
موقفه من الرافضة:
- جاء في معالم الايمان: كان ﵀ لا تأخذه في الله تعالى لومة لائم، ولما دخل عبيد الله الشيعي إفرقية ونزل "رقادة" ترك جبلة سكن الرباط ونزل القيروان فكلم في ذلك فقال: كنا نحرس عدوا بيننا وبينه البحر والآن حل هذا العدو بساحتنا وهو أشد علينا من ذلك فكان إذا أصبح وصلى الصبح خرج إلى طرف القيروان من ناحية "رقادة" معه سيفه وترسه وفرسه وسهامه وجلس محاذيا لرقادة إلى غروب الشمس ثم يرجع إلى داره ويقول: احرس عورات المسلمين منهم فإن رأيت شيئا حركت المسلمين عليهم.
وكان ينكر على من يخرج من القيروان إلى سوسة ونحوها من الثغور ويقول: جهاد هؤلاء أفضل من جهاد الشرك. قال المالكي: ولم يكن في وقته ﵀ أكثر اجتهادا منه في مجاهدة عبيد الله وشيعته فسلمه الله منهم. قال: واتصل به أن بعض أهل القيروان خرجوا ليتلقوا عبيد الله الشيعي تقية من شره ومداراة له فقال جبلة: اللهم لا تسلم من خرج يسلم عليه، واغتم لذلك غما شديدا، فلما انتهوا إلى وادي أبي كريب جردوا وأخذت ثيابهم، فلما عرفوا جبلة بذلك قال: ما غمني فيهم إلا رجل واحد فيه خير لا دنيا له، والرجل هو حماس بن مروان القاضي.
ولما دخل عبيد الله القيروان وخطب أول جمعة وجبلة جالس عند المنبر، فلما سمع كفرهم قام قائما وكشف عن رأسه حتى رآه الناس، وخرج يمشي إلى آخر الجامع وهو يقول: قطعوها قطعهم الله، فما حضرها أحد من أهل
стр. 2078
العلم بعد ذلك. (١)
" التعليق:
رحمك الله يا عالم القيروان، ما أطيب نفسك وأغزر علمك بهؤلاء الأخباث الذين عثوا في الأرض الفساد في وقتكم الذي كان يزخر بمثلك من العلماء، وأما الآن فلا علماء ولا عامة ولا غيرة على العقيدة والذين يمثلون اتجاه الإصلاح يغنون للشيعة ويطبلون ويرون إمامة طاغوتهم واجبة على المسلمين. ويعقدون التجمعات والندوات في ما سمي بالتقريب بين السنة والشيعة وهو أجدر بأن يسمى بالتخريب العقائدي لعقيدة السنة عموما والسلفية خصوصا، ومن كان له همة في تتبع الجرائد والمجلات يعلم ما قلته حق اليقين ومن يعش في بحار الغفلة والجهل فلا نكترث به والله المستعان.
إبراهيم بن الحارث العُبَادِي (٢) (الطبقة الثانية عشرة)
الشيخ الإمام إبراهيم بن الحارث بن مصعب بن الوليد بن عبادة بن الصامت الأنصاري العبادي، أبو إسحاق البغدادي، نزيل طَرْسُوس.
روى عن إبراهيم بن نصر وأحمد الدورقي وعاصم بن علي الواسطي ويحيى بن معين ومصعب الزبيري بن الصباح، وغيرهم. وروى عنه أبو داود في كتاب المسائل وأبو بكر الأثرم وحرب بن إسماعيل الكرماني وأبو حاتم
стр. 2079
الرازي وأبو بكر بن أبي داود.
قال أبو بكر الخلال: إبراهيم بن الحارث العبادي، رجل من كبار أصحاب أبي عبد الله أحمد بن حنبل، روى عنه أبو بكر الأثرم، وحرب بن إسماعيل، وجماعة من الشيوخ المتقدمين، وكان أبو عبد الله يعظمه ويرفع قدره، ويحتمله في أشياء لايحتمل فيها غيره، يبسطه في الكلام بحضرته، ويتوقف أبو عبد الله عن الجواب في الشيء، فيجيب بحضرة أبي عبد الله، فيعجب أبو عبد الله، ويقول: جزاك الله خيرا يا أبا إسحاق. قال ابن حجر: صدوق من الثانية عشرة.
" موقفه من القدرية:
روى الخلال بالسند إلى أبي بكر الأثرم قال: قيل لأبي عبد الله أصلي عليه يعني على القدري؟ فلم يجب، فقال العبادي وأبو عبد الله يسمع إذا كان صاحب بدعة فلا يسلم عليه، ولا يصلى خلفه، ولا عليه، فقال أبو عبد الله: عافاك الله يا أبا إسحاق وجزاك خيرا، كالمعجب بقوله. (١)
عبد الله بن محمّد صاحب الأندلس (٢) (٣٠٠ هـ)
عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأمير أبو محمد صاحب الأندلس وابن ملوكها تملك بعد أخيه المنذر سنة خمس وسبعين، وامتدت دولته وكان من أمراء العدل مثابراً على الجهاد ملازماً للصلوات في الجامع، له مواقف
стр. 2080
مشهودة. وكان ﵀ ذا فقه وأدب. مات في أول ربيع الآخر سنة ثلاثمائة.
موقفه من المشركين:
ونقل ابن حزم أن الأمير عبد الله استفتى بقي بن مخلد في الزنديق، فأفتى أنه لا يقتل حتى يستتاب، وذكر حديثاً في ذلك. (١)
موقفه من الخوارج:
جاء في السير: له مواقف مشهودة منها ملحمة "بلي" كان ابن حفصون قد حاصر حصن بلي ومعه ثلاثون ألفاً فسار عبد الله في أربعة عشر ألفاً فالتقوا فانهزم ابن حفصون واستحر بجمعه القتل فقل من نجا وكانوا على رأي الخوارج. (٢)
ابن خَيْرُون (٣) (٣٠١ هـ)
محمد بن خيرون المعافري الإمام أبو جعفر الأندلسي الفرضي، رحل إلى العراق، وأخذ عن محمد بن نصر، ثم عاد إلى القيروان. جاء في معالم الإيمان: وكان فقيهاً صالحاً عابداً من خيار المسلمين، وكان سبب قتله أنه سعى به القاضي محمد بن عمرو المروذي -قاضي الشيعة- إلى عبيد الله المهدي، فأمر الحسين بن أبي خنزير بقتله، فعذبه إلى أن مات ﵀ سنة
стр. 2081
إحدى وثلاثمائة.
موقفه من الرافضة:
حكى الشيخ أبو الحسن القابسي رحمه الله تعالى قال: أخبرني من أثق به أنه كان جالساً -عند ابن أبي خنزير- إذ دخل عليه شيخ ذو هيئة جميلة- وقد علاه اصفرار مع حسن سمت وخشوع، فلما رآه ابن أبي خنزير بكى، فقال له: ما الذي يبكيك؟ قال: السلطان -يعني عبيد الله- وجه إلي يأمرني بدوس هذا الشيخ حتى يموت -يعني ابن خيرون- ثم أمر به فأدخل إلى مجلس، وبطح على ظهره، وطلع السودان فوق سرير، فقفزوا عليه بأرجلهم حتى مات، وذلك من أجل جهاده على دين الله تعالى، وبغضه لبني عبيد. (١)
ابن الأخرم (٢) (٣٠١ هـ)
الإمام الكبير، الحافظ الأثري، أبو جعفر، محمد بن العباس بن أيوب بن الأخرم الأصبهاني الفقيه. ارتحل، وأخذ عن أبي كريب، والمفضل بن غسان الغلابي، وعلي بن حرب وعمار بن خالد وعدة. وعنه أبو أحمد العسال، وأبو الشيخ وأحمد بن إبراهيم بن أفرجة، وغيرهم. كان من الحفاظ مقدما فيهم شديداً على أهل الزيغ والبدعة، كان ممن يتفقه في الحديث ويفتي به، قطع عن التحديث سنة ست وتسعين لاختلاطه. توفي سنة إحدى وثلاثمائة.
стр. 2082
موقفه من الجهمية:
جاء في سير أعلام النبلاء: وله وصية أكثرها على قواعد السلف يقول فيها: من زعم أن لفظه بالقرآن مخلوق فهو كافر. (١)
محمد بن مَنْدَه (٢) (٣٠١ هـ)
الإمام الحافظ محمد بن يحيى بن منده، أبو عبد الله العبدي الأصبهاني، جد صاحب التصانيف الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسحاق. ولد في حدود العشرين ومائتين في حياة جدهم منده. سمع أبا كريب وعبد الله بن معاوية الجمحي وسفيان بن وكيع وموسى بن عبد الرحمن بن مهدي وغيرهم. وحدث عنه أبو أحمد العسال وأبو القاسم الطبراني وأبو الشيخ وخلق كثير. قال أبو الشيخ: هو أستاذ شيوخنا وإمامهم. وقال عنه ابن خلكان: كان أحد الحفاظ الثقات، وهم أهل بيت كبير، خرج منه جماعة من العلماء. وقال الذهبي: كان محمد بن يحيى من أوعية العلم. توفي ﵀ في رجب سنة إحدى وثلاثمائة.
موقفه من الجهمية:
جاء في ذم الكلام بالسند إليه قال: ليتق امرؤ، وليعتبر بمن تقدم ممن كان القول باللفظ مذهبه ومقالته، كيف خرج من الدنيا مهجوراً مذموماً
стр. 2083
مطروداً من المجالس والبلدان، لاعتقاده القبيح وقوله الشنيع المخالف لدين الله مثل الكرابيسي والشراطي وابن كلاب وابن الأشعري وأمثالهم ممن كان الجدال والكلام طريقه في دين الله . (١)
" التعليق:
هؤلاء الذين ذكرهم هذا الإمام هم عمدة العقيدة عند القوم وهم المصدر الأساسي، وإن كان فيهم من فيه سنة ووافق أهل السنة في إثبات الصفات على العموم كابن كلاب وخالف في إثبات الصفات الاختيارية، ونقل عنه أنه أول من أنكرها، وتبعه الأشعري بعد خروجه من الاعتزال، وهذا الأخير صرح بعض أهل العلم أنه رجع إلى مذهب السلف، وهذا فيه تسامح كما بين ذلك ابن تيمية في كثير من كتبه أن معرفته بالسنة معرفة إجمالية، ومعرفته بالكلام وأهله معرفة تفصيلية، فكلام الشيخ فيه أقعد وأضبط على خلاف ما نقل عن ابن كثير كما نقله المرتضى في شرح الإحياء.
وأما الكرابيسي فتقدم ما قاله الإمام أحمد فيه وفي كتبه وإن كان تاب كما روى ذلك الخطيب في 'شرف أصحاب الحديث' كما تقدم. والحاصل أن هذا الإمام لعله أخذ من الاثنين الجانب السلبي وهو الجانب الكلامي وما اعتبر ما لهم من الميل إلى السنة والله أعلم. وعلى كل حال فهذا موقف شريف يحتفظ به لهذا الإمام فجزاه الله أحسن الجزاء.
стр. 2084
ابن الحداد المغربي (١) (٣٠٢ هـ)
الإمام شيخ المالكية، أبو عثمان، سعيد بن محمد بن صبيح بن الحداد المغربي، صاحب سحنون، وهو أحد المجتهدين، وكان بحراً في الفروع ورأساً في لسان العرب بصيراً بالسنن. كان يذم التقليد، ويقول: هو من نقص العقول، أو دناءة الهمم وكان من رؤوس السنة. قال عنه المالكي: كان عالماً في الفقه والكلام والذب عن الدين والرد على فرق المخالفين للجماعة، من أذهن الناس وأعلمهم بما قاله الناس. وله مع شيخ المعتزلة الفراء مناظرات بالقيروان، رجع بها عدد من المبتدعة. مال إلى مذهب الشافعي من غير تقليد، وأخذ يسمي المدونة "المدودة" فهجره المالكية ثم أحبوه لما قام على أبي عبد الله الشيعي وناظره ونصر السنة. قال موسى بن عبد الرحمن القطان: لو سمعتم سعيد بن الحداد في تلك المحافل -يعني مناظرته للشيعي- وقد اجتمع له جهارة الصوت، وفخامة المنطق وفصاحة اللسان، وصواب المعاني، لتمنيتم أن لا يسكت. ومن كلامه: قال: من طالت صحبته للدنيا وللناس فقد ثقل ظهره، خاب السالون عن الله المتنعمون بالدنيا، من تحبب إلى العباد بالمعاصي بغضه الله إليهم. وقال: ما صد عن الله مثل طلب المحامد، وطلب الرفعة.
مات سنة اثنتين وثلاثمائة. وله ثلاث وثمانون سنة ﵀.
موقفه من المبتدعة:
- هذا الإمام الكبير كانت له مواقف مشرفة مع أكثر المبتدعة الذين
стр. 2085
كانوا في عصره، واجههم مواجهة العالم الشجاع بالحجة القاطعة الدامغة، ولم يكن بالضعيف الخائر الخائف، بل كان لا يخاف في الله لومة لائم. وقد ذكر ترجمته ومواقفه غير واحد من المؤرخين والمترجمين، كالقاضي عياض في المدارك وابن خلكان في الوفيات وابن فرحون في الديباج والدباغ في معالم الإيمان والذهبي في كتبه عامة والسير خاصة، فمواقفه من المبتدعة والمقلدة -الذين عششت العنكبوت على عقولهم وفكروا برأي غيرهم- مشرفة نموذجية وإليك بعض ذلك:
- مع المقلدة:
قال الذهبي: وكان يذم التقليد ويقول: هو من نقص العقول أو دناءة الهمم، وقيل إنه صنف في الرد على المدونة. (١)
- كلمة عن الشيخ في محاربة البدع في معالم الإيمان:
قال: كان يرد على أهل البدع المخالفين للسنة، وله في ذلك مقامات مشهورة وآثار محمودة، ناب عن المسلمين فيها أحسن مناب حتى مثله أهل القيروان بأحمد بن حنبل أيام المحنة، وذلك أن بني عبيد لما ملكوا القيروان أظهروا تبديل مذهب أهل البلد وأجبروا الناس على مذهبهم بطريق المناظرة وإقامة الحجة، وقتلوا رجلين من أصحاب سحنون، فارتاع أهل البلد من ذلك ولجؤوا إلى أبي سعيد (٢) وسألوه التقية فأبى من التقية وقال: قد أربيت على التسعين ومالي في العيش من حاجة، وقتيل الخوراج خير قتيل، ولا بد
стр. 2086
لي من المناظرة والمناضلة عن الدين وأن أبلغ في ذلك عذراً. ففعل ذلك وصدق وكان هو المعتمد عليه في مناظرة الشيعي. (١)
موقفه من الرافضة:
- جاء في السير: قال أبو بكر بن اللباد: بينا سعيد بن الحداد جالس أتاه رسول عبيد الله، يعني المهدي، قال: فأتيته وأبو جعفر البغدادي واقف فتكلمت بما حضرني فقال: اجلس. فجلست فإذا بكتاب لطيف فقال لأبي جعفر: اعرض الكتاب على الشيخ فإذا حديث غدير خم (٢) قلت: وهو صحيح وقد رويناه فقال عبيد الله: فما للناس لا يكونون عبيدنا؟ قلت أعز الله السيد لم يرد ولاية الرق، بل ولاية الدين قال: هل من شاهد؟ قلت: قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٣). فلما لم يكن لنبي لم يكن لغيره قال: انصرف لا ينالك الحر. فتبعني البغدادي فقال: اكتم هذا المجلس ...
وقيل: إنه سار لتلقي أبي عبد الله الشيعي فقال له: يا شيخ بم كنت تقضي؟ فقال إبراهيم بن يونس: بالكتاب والسنة. قال: فما السنة؟ قال: السنة السنة. قال ابن الحداد: فقلت للشيعي المجلس مشترك أم خاص؟ قال مشترك. فقلت: أصل السنة في كلام العرب المثال، قال الشاعر:
стр. 2087
تريك سنة وجه غير مقرفة ... ملساء ليس بها خال ولا ندب
أي صورة وجه ومثاله، والسنة محصورة في ثلاث: الائتمار بما أمر به النبي ﷺ والانتهاء عما نهى عنه والائتساء بما فعل. فقال الشيعي: فإن اختلف عليك النقل وجاءت السنة من طرق؟ قلت: أنظر إلى أصح الخبرين كشهود عدول اختلفوا في شهادة قال: فلو استووا في الثبات؟ قلت: يكون أحدهما ناسخاً للآخر قال: فمن أين قلتم بالقياس؟ قلت: من كتاب الله ﴿يحكم به ذوا عدلٍ مِنْكُمْ﴾ (١). فالصيد معلومة عينه، فالجزاء أمرنا أن نمثله بشيء من النعم ومثله في تثبيت القياس: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يستنبطونه﴾ (٢). والاستنباط غير منصوص ثم عطف على موسى القطان فقال: أين وجدتم حد الخمر في كتاب الله تقول: اضربوه بالأردية وبالأيدي ثم بالجريد؟ فقلت أنا: إنما حد قياساً على حد القاذف لأنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى فأوجب عليه ما يؤول إليه أمره. قال: أو لم يقل رسول الله ﷺ : وأقضاكم علي فساق له موسى تمامه وهو: وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ وأرأفكم أبو بكر وأشدكم في دين الله عمر (٣) قال: كيف يكون أشدهم وقد هرب بالراية يوم خيبر؟ قال موسى: ما سمعنا بهذا فقلت: إنما تحيز إلى فئة
стр. 2088
فليس بفار.
وقال في ﴿لا تحزن إن اللَّهَ مَعَنَا﴾ (١): إنما نهاه النبي ﷺ عن حزنه لأنه كان مسخوطاً قلت: لم يكن قوله إلا تبشيراً بأنه آمن على رسول الله ﷺ وعلى نفسه فقال: أين نظير ما قلت؟ قلت: قوله لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (٢). فلم يكن خوفهما من فرعون خوفاً بسخط الله.
ثم قال: يا أهل البلدة: إنكم تبغضون عليا قلت: على مبغضه لعنة الله. فقال: صلى الله عليه. قلت: نعم ورفعت صوتي: ﷺ لأن الصلاة في خطاب العرب الرحمة والدعاء قال: ألم يقل رسول الله ﷺ : "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" (٣) قلت: نعم إلا أنه قال: إلا أنه لا نبي بعدي. وهارون كان حجة في حياة موسى، وعلي لم يكن حجة في حياة النبي، وهارون فكان شريكاً أفكان علي شريكاً للنبي ﷺ في النبوة؟ وإنما أراد التقريب والوزارة والولاية. قال: أو ليس هو أفضل؟ قلت: أليس الحق متفقاً عليه؟ قال: نعم. قلت: قد ملكت مدائن قبل مدينتنا وهي أعظم مدينة واستفاض عنك أنك لم تكره أحداً على مذهبك فاسلك بنا مسلك غيرنا، ونهضنا. قال ابن الحداد: ودخلت يوماً على أبي العباس فأجلسني معه في مكانه وهو يقول لرجل:
стр. 2089
أليس المتعلم محتاجاً إلى المعلم أبداً؟ فعرفت أنه يريد الطعن على الصديق في سؤاله عن فرض الجدة فبدرت وقلت: المتعلم قد يكون أعلم من المعلم وأفقه وأفضل لقوله ﵇: رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه (١). ثم معلم الصغار القرآن يكبر أحدهم ثم يصير أعلم من المعلم قال: فاذكر من عام القرآن وخاصه شيئاً؟ قلت قال تعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا المشركات﴾ (٢).
فاحتمل المراد بها العام فقال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٣). فعلمنا أن مراده بالآية الأولى خاص أراد: ولا تنكحوا المشركات غير الكتابيات من قبلكم حتى يؤمن قال: ومنهن المحصنات؟ قلت: العفائف قال: بل المتزوجات قلت: الإحصان في اللغة: الإحراز فمن أحرز شيئا فقد أحصنه والعتق يحصن المملوك لأنه يحرزه عن أن يجري عليه ما على المماليك والتزويج يحصن الفرج لأنه أحرزه عن أن يكون مباحاً والعفاف إحصان للفرج. قال: ما عندي الإحصان إلا التزويج، قلت له: منزل القرآن يأبى ذلك قال: ﴿ومريم ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ (٤) أي: أعفته،
стр. 2090
وقال: ﴿مُحْصَنَاتٍ غير مُسَافِحَاتٍ﴾ (١). عفائف: قال فقد قال في الإماء: ﴿فإذا أُحْصِنَّ﴾ وهن عندك قد يكن عفائف. قلت: سماهن بمتقدم إحصانهن قبل زناهن قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أزواجكم﴾ (٢). وقد انقطعت العصمة بالموت يريد اللاتي كن أزواجكم قال: يا شيخ، أنت تلوذ قلت: لست ألوذ أنا المجيب لك وأنت الذي تلوذ بمسألة أخرى وصحت: ألا أحد يكتب ما أقول وتقول. قال: فوقى الله شره. وقال: كأنك تقول: أنا أعلم الناس. قلت: أما بديني فنعم. قال: فما تحتاج إلى زيادة فيه؟ قلت: لا قال: فأنت إذا أعلم من موسى: إذ يقول: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ (٣). قال: هذا طعن على نبوة موسى، موسى ما كان محتاجاً إليه في دينه كلا إنما كان العلم الذي عند الخضر دنياوياً: سفينة خرقها وغلاماً قتله وجداراً أقامه وذلك كله لا يزيد في دين موسى قال: فأنا أسألك.
قلت: أورد علي الإصدار بالحق بلا مثنوية قال: ما تفسير الله؟ قلت: ذو الإلهية قال: وما هي؟ قلت: الربوبية قال: وما الربوبية؟ قلت المالك الأشياء كلها قال: فقريش في جاهليتها كانت تعرف الله؟ قلت: لا قال: فقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ (٤). قلت: لما أشركوا معه غيره
стр. 2091
قالوا وإنما يعرف الله من قال: إنه لا شريك له. وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ (١). فلو كانوا يعبدونه ما قال لا أعبد ما تعبدون إلى أن قال: فقلت: المشركون عبدة الأصنام الذين بعث النبي ﷺ إليهم عليا ليقرأ عليهم سورة براءة قال: وما الأصنام قلت: الحجارة قال: والحجارة أتعبد؟ قلت: نعم والعزى كانت تعبد وهي شجرة والشعرى كانت تعبد وهي نجم قال: فالله يقول: ﴿أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ (٢). فكيف تقول: إنها الحجارة؟ والحجارة لا تهتدي إذا هديت لأنها ليست من ذوات العقول قلت: أخبرنا الله أن الجلود تنطق وليست بذوات عقول قال: نسب إليها النطق مجازاً. قلت: منزل القرآن يأبى ذلك فقال: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾ (٣). إلى أن قال: ﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٤). وما الفرق بين جسمنا والحجارة؟ ولو لم يعقلنا لم نعقل وكذا الحجارة إذا شاء أن تعقل عقلت. (٥)
- وجاء في المعالم: روى أبو محمد: عبد الله بن إسحاق بن التبان ﵀ قال: لما اجتمع أبو عثمان: سعيد بن الحداد بأبي عبد الله الشيعي في مجلس
стр. 2092
المناظرة -قال له أبو عبد الله: أنتم تفضلون على الخمسة أصحاب الكساء غيرهم- يعني بأصحاب الكساء محمداً ﷺ تسليماً، والحسن، والحسين، وعلياً، وفاطمة، ويعني بغيرهم أبا بكر. فقال أبو عثمان: أيما أفضل؟ خمسة سادسهم جبريل؟ أو اثنان الله ثالثهما؟ فبهت الشيعي. (١)
موقفه من الجهمية:
قال الذهبي: وله مع شيخ المعتزلة الفراء مناظرات بالقيروان رجع بها عدد من المبتدعة. (٢)
أبو زُرْعَة القاضي (٣) (٣٠٢ هـ)
الإمام الكبير القاضي أبو زرعة محمد بن عثمان بن إبراهيم بن زرعة. قل ما روى، أخذ عنه أبو علي الحصائري وغيره. وكان حسن المذهب عفيفاً متثبتاً، ولي قضاء الديار المصرية سنة أربع وثمانين ومائتين، ووليَ قضاء دمشق وقد كان قام مع الملك أحمد بن طولون وخلع من العهد أبا أحمد الموفق. قام عند المنبر بدمشق قبل الجمعة، وقال: أيها الناس أشهدكم أني قد خلعت أبا أحمق كما يخلع الخاتم من الأصبع فالعنوه. وكان له مال كثير وضياع كبار بالشام وكان يوفي عن الغرماء الضعفى. بقي على قضاء مصر ثمان سنين
стр. 2093
فصرف. توفي بدمشق سنة اثنتين وثلاثمائة.
موقفه من الخوارج:
جاء في السير: عن منصور الفقيه قال: كنت عند القاضي أبي زرعة، فذكر الخلفاء، فقلت: أيجوز أن يكون السفيه وكيلاً؟ قال: لا. قلت: فولياً لامرأة؟ قال: لا. قلت: فخليفة؟ قال: يا أبا الحسن. هذه من مسائل الخوارج. (١)
النَّسَائي (٢) (٣٠٣ هـ)
الإمام الحافظ، الثبت أحمد بن شعيب بن علي النسائي أبو عبد الرحمن، شيخ الإسلام ناقد الحديث، صاحب السنن. ولد بنسا سنة خمس عشرة ومائتين، وطلب العلم في صغره. روى عن إسحاق بن راهويه، وهشام بن عمار، وسويد بن نصر وخلق كثير. روى عنه أبو بشر الدولابي، وأبو جعفر الطحاوي، وأبو علي النيسابوري وعدة. قال الذهبي: كان شيخاً مهيباً. وكان أفقه مشايخ مصر في عصره. قال الدارقطني: كان ابن الحداد أبو بكر كثير الحديث، ولم يحدث عن غير النسائي، وقال: رضيت به حجة بيني وبين الله تعالى. قال ابن يونس: كان النسائي إماماً حافظاً ثبتاً. قال أبو عليّ
стр. 2094
النيسابوريّ الحافظ: ثنا الإمام في الحديث بلا مدافعة أبو عبد الرحمن النسائيّ. وقال الدارقطني: أبو عبد الرحمن مقدّم على كلّ من يذكر بهذا العلم من أهل عصره. وقال: إنه خرج حاجّاً فامتحن بدمشق، وأدرك الشهادة، فقال: احملوني إلى مكة، فحمل وتوفي بها. وقال محمد بن المظفر: استشهد بدمشق من جهة الخوارج. وقال أبو سعيد يونس: توفي بفلسطين. قال الذهبي: هذا هو الصحيح. وذلك سنة ثلاث وثلاثمائة.
موقفه من الرافضة:
قال عنه محمد بن موسى الماموني: سمعت قوماً ينكرون على أبي عبد الرحمن كتاب الخصائص لعلي ﵁ وتركه تصنيف فضائل الشيخين، فذكرت له ذلك فقال: دخلت دمشق والمنحرف عن علي بها كثير فصنفت كتاب الخصائص رجوت أن يهديهم الله، ثم إنه صنف بعد ذلك فضائل الصحابة. (١)
موقفه من الجهمية:
قال قاضي مصر أبو القاسم عبد الله بن محمد بن أبي العوام السعدي: حدثنا أحمد بن شعيب النسائي، أخبرنا إسحاق بن راهويه، حدثنا محمد بن أعين، قال: قلت لابن المبارك: إن فلاناً يقول: من زعم أن قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فاعبدني﴾ (٢) مخلوق، فهو كافر. فقال ابن المبارك:
стр. 2095
صدق، قال النسائي: بهذا أقول. (١)
موقفه من الخوارج:
- قال محمد بن المظفر الحافظ سمعت مشايخنا بمصر يصفون اجتهاد النسائي في العبادة بالليل والنهار وأنه خرج إلى الغزو مع أمير مصر فوصف من شهامته وإقامته السنن المأثورة في فداء المسلمين واحترازه عن مجالس السلطان الذي خرج معه والانبساط في المأكل وأنه لم يزل ذلك دأبه إلى أن استشهد بدمشق من جهة الخوارج. (٢)
موقفه من المرجئة:
له تبويبات ضمن كتاب الإيمان وشرائعه من المجتبى، منها:
- ذكر شعب الإيمان (٨/ ٤٨٣).
- تفاضل أهل الإيمان (٨/ ٤٨٥).
- زيادة الإيمان (٨/ ٤٨٦).
- علامة الإيمان (٨/ ٤٨٨).
أبو نصر بن سلاَّم (٣) (٣٠٥ هـ)
محمد بن سلاّم أبو نصر البلخي الحنفي. كان فقيهاً مهيباً زاهداً معظماً. له فتاوى واختيارات في الأحكام. توفي ﵀ سنة خمس
стр. 2096
وثلاثمائة.
موقفه من المشركين:
روى الخطيب بسنده إلى أبي نصر أحمد بن سهل قال: سمعت أبا نصر ابن سلام الفقيه يقول: ليس شيء أثقل على أهل الإلحاد، ولا أبغض إليهم من سماع الحديث وروايته بإسناده. (١)
موقف السلف من الجبائي المعتزلي (٣٠٣ ه ـ)
بيان اعتزاله:
موقف أبي الحسن الأشعري منه:
قال الذهبي: وأخذ عنه فن الكلام أيضاً أبو الحسن الأشعري، ثم خالفه ونابذه وتسنن. (٢)
أبو خَليفة الفضل بن الحُبَاب (٣) (٣٠٥ هـ)
الفضل بن الحُبَاب واسم الحباب عمرو بن محمد بن شعيب الجمحي أبو خليفة، الإمام العلامة المحدث الأديب الأخباري، ولد سنة ست
стр. 2097
ومائتين. وعني بهذا الشأن وهو مراهق، فسمع في سنة عشرين ومائتين ولقي الأعلام وكتب علماً جماً. روى عن القعنبي ومسلم بن إبراهيم وسليمان بن حرب وخلق. وروى عنه أبو عوانة، وأبو حاتم بن حبان وأبو القاسم الطبراني وآخرون. وكان ثقة صادقاً مأموناً أديباً فصيحاً مفوهاً رحل إليه من الآفاق. توفي أبو خليفة سنة خمس وثلاثمائة بالبصرة.
موقفه من الجهمية:
- قال أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الإسفراييني ابن أخت أبي عوانة سمعت أبي يقول لأبي علي النيسابوري الحافظ: دخلت أنا وأبو عوانة البصرة، فقيل: إن أبا خليفة قد هجر، ويدعى عليه أنه قال: القرآن مخلوق. فقال لي أبو عوانة: يا بني لابد أن ندخل عليه. قال: فقال له أبو عوانة: ما تقول في القرآن؟ فاحمر وجهه وسكت، ثم قال: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال: مخلوق، فهو كافر، وأنا تائب إلى الله من كل ذنب إلا الكذب، فإني لم أكذب قط، أستغفر الله. قال: فقام أبو علي إلى أبي، فقبل رأسه. ثم قال أبي: قام أبو عوانة إلى أبي خليفة، فقبل كتفه. (١)
- وجاء في الطبقات عن علي بن أحمد بن جعفر قال: حضر رجل مجلس أبي خليفة الفضل ابن الحباب الجمحي، فذكر أبا عبد الله أحمد بن محمد ابن حنبل ﵁، فقال أبو خليفة: على أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رضوان الله. فهو إمامنا ومن يقتدى به، ونقول بقوله، الواعي للعلم
стр. 2098
المتقن لروايته، الصادق في حكايته، القيم بدين الله ، المستن بسنة رسول الله ﷺ ، إمام المسلمين، والناصح لإخوانه من المؤمنين، فقال له الرجل: يا أبا خليفة، ما تقول في قوله: القرآن كلام الله غير مخلوق؟ فقال: صدق والله في مقالته. وقمع كل بدعي بمعرفته. قوله الصواب، ومذهبه السداد. هو المأمون على كل الأحوال، والمقتدى به في جميع الفعال. فقال له الرجل: يا أبا خليفة، فمن قال القرآن مخلوق؟ قال: ذاك الرجل ضال مبتدع ألعنه ديانة، وأهجره تقرباً إلى الله ، بذلك قام أبو عبد الله أحمد بن حنبل ﵁، مقاما لم يقمه أحد من المتقدمين، ولا من المتأخرين. فجزاه الله عن الإسلام وعن أهله أفضل الجزاء. (١)
قاسم بن زكريا المُطَرِّز (٢) (٣٠٥ هـ)
هو الإمام العلامة المقرئ المحدث الثقة، أبو بكر القاسم بن زكريا بن يحيى البغدادي، المعروف بالمُطَرِّز. حدث عن سويد بن سعيد، ومحمد بن الصباح الجرجرائي، وإسحاق بن موسى الأنصاري وطبقتهم. وحدث عنه أبو حفص الزيات وعبد العزيز بن جعفر الخرقي، ومحمد بن المظفر وعدد كثير. صنف المسند والأبواب، وتصدر للإقراء. توفي ﵀ في صفر سنة خمس وثلاثمائة وهو في عشر التسعين. وكان ثقة مأموناً، أثنى عليه الدارقطني وغيره.
стр. 2099
موقفه من الرافضة:
سمعت قاسم بن زكريا المطرز يقول: وردت الكوفة وكتبت عن شيوخها كلهم غير عباد بن يعقوب فلما فرغت ممن سواه دخلت عليه وكان يمتحن من يسمع منه فقال لي: من حفر البحر؟ فقلت: الله خلق البحر فقال: هو كذلك، ولكن من حفره؟ فقلت: يذكر الشيخ فقال: حفره علي بن أبي طالب ﵁ ثم قال: من أجراه؟ فقلت: الله مجري الأنهار ومنبع العيون، فقال: هو كذلك ولكن من أجرى البحر؟ فقلت: يفيدني الشيخ فقال: أجراه الحسين بن علي، قال: وكان عباد مكفوفاً ورأيت في داره سيفاً معلقاً وحجفة، فقلت: أيها الشيخ لمن هذا السيف؟ فقال: هذا لي أعددته لأقاتل به مع المهدي، قال: فلما فرغت من سماع ما أردت أن أسمعه منه وعزمت على الخروج من البلد دخلت عليه فسألني كما كان يسألني وقال: من حفر البحر؟ فقلت: حفره معاوية وأجراه عمرو بن العاص ثم وليت من بين يديه وجعلت أعدو وجعل يصيح أدركوا الفاسق عدو الله فاقتلوه أو كما قال. (١)
ابن مُجَاشِع (٢) (٣٠٥ هـ)
هو عمران بن موسى بن مجاشع الجرجاني السختياني، أبو إسحاق، الإمام المحدث الحجة الحافظ. سمع من هدبة بن خالد، وشيبان بن فروخ،
стр. 2100
وإبراهيم ابن المنذر الحزامي، وابني أبي شيبة، وسويد بن سعيد وطبقتهم. وحدث عنه رفيقه إبراهيم بن يوسف الهسنجاني، والحافظ أبو علي النيسابوري، وأبو بكر الإسماعيلي، وخلق كثير. قال الحاكم: هو محدث ثبت مقبول، كثير التصنيف والرحلة. مات ﵀ بجرجان في شهر رجب سنة خمس وثلاثمائة، وهو في عشر المائة.
موقفه من الجهمية:
سمعت يحيى بن محمد العنبري يقول: سمعت عمران بن موسى الجرجاني يقول: سمعت سويد بن سعيد يقول: سمعت مالكاً، وشريكاً، وحماد بن زيد، وابن عيينة، والفضيل بن عياض، ومسلم بن خالد، وابن إدريس، وجميع من حملت عنه العلم يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. والقرآن كلام الله من صفة ذاته، غير مخلوق، من قال: إنه مخلوق، فهو كافر. قال عمران: بهذا أدين، وما رأيت محدثاً إلا وهو يقوله. (١)
عَبْدَان عبد الله بن أحمد بن موسى (٢) (٣٠٦ هـ)
عبدان عبد الله بن أحمد بن موسى، الحافظ الحجة أبو محمد الأهوازي الجواليقي. سمع محمد بن بكار، وأبا بكر بن أبي شيبة، وشيبان بن فروخ. حدث عنه ابن قانع، والطبراني، وأبو بكر الإسماعيلي. قال الحاكم: سمعت أبا
стр. 2101
علي الحافظ يقول: ما رأيت في المشايخ أحفظ من عبدان. وقال حمزة الكناني: سمعت عبدان يقول: دخلت البصرة ثمان عشرة مرة من أجل حديث أيوب السختياني، وجمعت ما يجمعه أصحاب الحديث -يعني من حديث الكبار-.
توفي سنة ست وثلاثمائة.
موقفه من المبتدعة:
أخرج الخطيب: عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود كما بدأ". قيل: يا رسول الله ومن الغرباء؟ قال: "النزاع من القبائل" (١).
قال عبدان: هم أصحاب الحديث الأوائل. (٢)
ابن سُرَيْج (٣) (٣٠٦ هـ)
الإمام، شيخ الإسلام، فقيه العراقين، أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج البغدادي، القاضي الشافعي، صاحب المصنفات. تفقه على أبي القاسم
стр. 2102
عثمان ابن بشار الأنماطي الشافعي صاحب المزني. سمع من الحسن بن محمد الزعفراني تلميذ الشافعي، ومن علي بن إشكاب وأحمد بن منصور الرمادي وأبي داود السجستاني وغيرهم. وحدث عنه أبو القاسم الطبراني، وأبو الوليد حسان بن محمد الفقيه وأبو أحمد بن الغطريف الجرجاني وغيرهم. قال أبو الوليد الفقيه: سمعت ابن سريج يقول: قل ما رأيت من المتفقهة من اشتغل بالكلام فأفلح، يفوته الفقه ولا يصل إلى معرفة الكلام. كان ابن سريج يلقب بالباز الأشهب، ولي قضاء شيراز وله من المصنفات أربعمائة مصنف. كان يناظر أبا بكر محمد بن داود الظاهري، وحكي أنه قال له أبو بكر يوماً: أبلعني ريقي. فقال له: أبلعتك دجلة، وقال له يوماً: أمهلني ساعة. قال: أمهلتك من الساعة إلى قيام الساعة. وقال له يوماً: أكلمك من الرجل فتجيبني من الرأس. فقال له: هكذا البقر إذا جفت أظلافها دهنت قرونها. توفي سنة ست وثلاث مائة، وله سبع وخمسون سنة وستة أشهر.
موقفه من الجهمية:
هذا الإمام وأمثاله من الأئمة الذين تشرفوا بنسبتهم إلى الدفاع عن العقيدة السلفية، كان ينبغي أن يكون الاقتداء بهم في هذا الطريق لا بالمتأخرين الذين بعدوا عن السنة، وأصبحت عقائدهم مبنية على طرق كلامية فلسفية وبهؤلاء اقتدى السبكي وابنه عبد الوهاب، حتى أعماهم هذا التقليد العفن وجعلهم يتوهمون ما هم عليه أنه عقيدة أهل الحديث والسلف. ولذا أبرز عبد الوهاب أسنانه في طبقاته وحاول أن يجعل كل سلفي خلفياً كما فعل في ترجمة الإمام الكرجي وغيره وحملاته على الإمام الذهبي في كثير
стр. 2103
من المواضع. ونحن بصدد الحديث على هذا الإمام، فنذكر مواقفه:
- جاء في ذم الكلام: قيل لأبي العباس بن سريج: ما التوحيد؟ فقال: توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتوحيد أهل الباطل: الخوض في الأعراض والأجسام وإنما بعث النبي ﷺ بإنكار ذلك. (١)
" التعليق:
رحمك الله يا إمام الشافعية في وقته فهذا الذي تقوله أن النبي ﷺ بعث لمحاربته هو التوحيد الذي يعترف به علماء اليوم ويَدْرُسُونَه ويُدَرِّسُونَه في مدارسهم والله المستعان.
- وجاء في اجتماع الجيوش: ذكر أبو القاسم سعد بن علي بن محمد الزنجاني في جوابات المسائل التي سئل عنها بمكة فقال: الحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً وعلى كل حال وصلى الله على محمد المصطفى وعلى الأخيار الطيبين من الأصحاب والآل، سألت أيدك الله تعالى بتوفيقه بيان ما صح لدي، وتأدى حقيقته إلى من سلك مذهب السلف وصالحي الخلف في الصفات الواردة في الكتاب المنزل والسنة المنقولة بالطرق الصحيحة برواية الثقات الأثبات عن النبي ﷺ بوجيز من القول واقتصار في الجواب.
فاستخرت الله وأجبت عنه بجواب بعض الأئمة الفقهاء
стр. 2104
وهو: أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج رحمه الله تعالى. وقد سئل عن مثل هذا السؤال فقال:
أقول وبالله التوفيق: حرام على العقول أن تمثل الله وعلى الأوهام أن تحده وعلى الظنون أن تقع وعلى الضمائر أن تعمق وعلى النفوس أن تفكر وعلى الأفكار أن تحيط وعلى الألباب أن تصف إلا ما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ . وقد صح وتقرر واتضح عند جميع أهل الديانة والسنة والجماعة من السلف الماضين والصحابة والتابعين من الأئمة المهتدين الراشدين المشهورين، إلى زماننا هذا، أن جميع الآي الواردة عن الله تعالى في ذاته وصفاته، والأخبار الصادقة الصادرة عن رسول الله ﷺ في الله وفي صفاته التي صححها أهل النقل، وقبلها النقاد الأثبات؛ يجب على المرء المسلم المؤمن الموفق الإيمان بكل واحد منه كما ورد، وتسليم أمره إلى الله كما أمر، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ ربك وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿والأرض جميعًا
стр. 2105
قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (١)،ونظائرها مما نطق به القرآن كالفوقية والنفس واليدين والسمع والبصر والكلام والعين والنظر والإرادة والرضا والغضب والمحبة والكرامة والعناية والقرب والبعد والسخط والاستحياء، والدنوّ كقاب قوسين أو أدنى وصعود الكلام الطيب إليه، وعروج الملائكة والروح إليه، ونزول القرآن منه، وندائه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقوله للملائكة، وقبضه وبسطه وعلمه ووحدانيته وقدرته ومشيئته وصمدانيته وفردانيته وأوليته وآخريته وظاهريته وباطنيته وحياته وبقائه وأزليته وأبديته ونوره وتجليه والوجه، وخلق آدم ﵇ بيده ونحو قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ (٣)، وسماعه من غيره وسماع غيره منه وغير ذلك من صفاته المتعلقة به المذكورة في الكتاب المنزل على نبيه ﷺ وجميع ما لفظ به المصطفى ﷺ من صفاته، كغرسه جنته الفردوس بيده، وشجرة طوبى بيده، وخط التوراة بيده، والضحك والتعجب ووضعه القدم على النار فتقول قط قط، وذكر الأصابع والنزول كل ليلة إلى سماء الدنيا، وليلة الجمعة وليلة النصف من شعبان وليلة القدر، وغيرته وفرحه بتوبة العبد واحتجابه بالنور وبرداء الكبرياء، وأنه ليس