← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

ومائتين. موقفه من الجهمية: - قال اللالكائي في أصول الاعتقاد: وجدت بخط أبي الحسن الدارقطني ﵀ عن إسحاق الهادي قال: سمعت أبا العباس ثعلب يقول: استوى أقبل عليه وإن لم يكن معوجا. ﴿ثُمَّ استوى إلى السَّمَاءِ﴾ (١): أقبل. ﴿ثُمَّ استوى على الْعَرْشِ﴾ (٢): علا. واستوى وجهه: اتصل. واستوى القمر: امتلأ. واستوى زيد وعمرو: تشابها واستوى فعلهما وإن لم تتشابه شخوصهما. هذا الذي يعرف من كلام العرب. (٣) موقفه من القدرية: - جاء في أصول الاعتقاد: قال أحمد بن يحيى بن ثعلب: القدرية من يزعم أنه يقدر. ونحن نقول: لا نقدر إلا بقدر الله وبعون الله وتوفيق الله وإن لم يفعل ذلك بنا لم نقدر فكيف يكون القدري من زعم أنه لا يقدر؟ هذا محال ضد. قال: ولا أعلم عربيا قدريا. فقيل له: يقع في قلوب العرب القدر؟ قال: معاذ الله ما في العرب إلا مثبت القدر خيره وشره أهل الجاهلية والإسلام ذلك في أشعارهم وكلامهم كثير بين ثم أنشد: تجري المقادير على غرز الإبر ... ما تنفذ الإبرة إلا بقدر

стр. 2032

قال وأنشد لامرئ القيس: إن الشقاء على الأشقين مكتوب ... ............................. ثم ذكر الشيخ أبو القاسم الحافظ شواهد ذلك فقال: وقال ذو الأصبع العدواني: وليس المرء في الشيء من الإبرام والنقض ... إذا يقضي أمر إخاله يقضى ولا يقضى وقال لبيد: إن تقوى ربنا خير نفل ... وبإذن الله ريثي وعجل من هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال ومن شاء أضل أحمد الله ولا ند له ... بيده الخير ما شاء فعل وقال بعض رجاز الجاهلية: هي المقادير فلمني أو فذر ... إن كنت أخطأت فما أخطا القدر (١) إبراهيم الخواص الصوفي (٢) (٢٩١ هـ) إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل الخواص أبو إسحاق. أحد شيوخ الصوفية له كتب مصنفة، صاحب أبا عبيد الله المغربي، وروى عنه أبو جعفر الخالدي وغيره. كان أحد المذكورين بالتوكل والسياحات. مات سنة إحدى وتسعين ومائتين. موقفه من المبتدعة: - قال إبراهيم الخواص: ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العالم من اتبع

стр. 2033

العلم، واستعمله، واقتدى بالسنن، وإن كان قليل العلم. (١) - وسئل عن العافية فقال: العافية أربعة أشياء: دين بلا بدعة، وعمل بلا آفة، وقلب بلا شغل، ونفس بلا شهوة. وقال: الصبر: الثبات على أحكام القرآن والسنة. (٢) موقفه من الجهمية: - جاء في ذم الكلام: عنه قال: ما كانت زندقة ولا كفر ولا بدعة ولا جرأة في الدين، إلا من قبل الكلام، والجدال والمراء والعجب، فكيف يجترئ الرجل على الجدال والمراء والله تعالى يقول: ﴿مَا يجادل في آيات اللَّهِ إِلًّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٣).اهـ (٤) " التعليق: وكيف يجترأ على سلوك وأسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان لم يعرفها الشرع ولا فتحت اللغة لها قاموسا؟ وإنما هو التمحل في إلحاق اشتقاق لها، كابن الزنا، كل واحد يتبرأ منه ولا يلصقه به إلا العقيم الذي يريد أن يتستر به، على أنه ذو ولد، والواقع أنه عقيم. وكذلك اسم الصوفية، لا تجد له اشتقاقا ولا جامدا أي لا مشتق له ولا جامد. وإنما هي وسوسة الهند ورهبنة النصارى.

стр. 2034

موقف السلف من القاسم بن عبيد الله الوزير الزنديق (٢٩١ ه ـ) بيان زندقته: - قال النوفلي: كنت أبغضه لكفره، ولمكروه نالني منه. (١) - قال ابن النجار: كان جوادا ممدحا، إلا أنه كان زنديقا. (٢) - جاء في السير: قال الصولي: حدثنا شادي المغني قال: كنت عند القاسم وهو يشرب، فقرأ عليه ابن فراس من عهد أردشير، فأعجبه، فقال له ابن فراس: هذا والله -وأومأ إلي- أحسن من بقرة هؤلاء وآل عمرانهم. وجعلا يتضاحكان. قال الصولي: وأخبرنا ابن عبدون: حدثني الوزير عباس ابن الحسن قال: كنت عند القاسم بن عبيد الله، فقرأ قارئ: ﴿كُنْتُمْ خير أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ﴾ (٣) فقال ابن فراس: بنقصان ياء، فوثبت فزعا، فردني القاسم وغمزه، فسكت. الصولي: أخبرنا علي بن العباس النوبختي قال: انصرف ابن الرومي الشاعر من عند القاسم بن عبيد الله، فقال لي: ما رأيت مثل حجة أوردها اليوم الوزير في قدم العالم، وذكر أبياتا. قال الذهبي: هذه أمور مؤذنة بشقاوة هذا المعثر، نسأل الله خاتمة

стр. 2035

خير. (١) عمرو بن عثمان الصوفي (٢) (٢٩١ هـ) عمرو بن عثمان بن كرب بن غصص شيخ الصوفية أبو عبد الله المكي. لقي أبا عبد الله النباجي وأبا سعيد الخراز. وروى الحديث عن محمد بن إسماعيل البخاري ويونس بن عبد الأعلى ومن في طبقتهما. وروى عنه محمد بن أحمد الأصبهاني وأبو الشيخ وجعفر الخلدي. قيل كان من أئمة الفقه، ولما ولي قضاء جدة هجره الجنيد، وكان ينكر عن الحلاج ويذمه. ومن كلامه: اعلم أن العلم قائد، والخوف سائق، والنفس بين ذلك حرون جموح خداعة رواغة، فاحذرها وراعها بسياسة العلم، وتتبعها بتهديد الخوف يتم لك ما تريد. توفي سنة إحدى وتسعين ومائتين ببغداد. موقفه من المشركين: فضحه للحلاج الزنديق: جاء في تلبيس إبليس: عن محمد بن يحيى الرازي قال: سمعت عمرو بن عثمان يلعن الحلاج ويقول: لو قدرت عليه لقتلته بيدي، فقلت: بأي شيء وجد عليه الشيخ؟ فقال: قرأت آية من كتاب الله ، فقال: يمكنني أن أقول أو أؤلف مثله وأتكلم به. (٣)

стр. 2036

موقفه من الجهمية: - قال عمرو بن عثمان المكي في كتابه الذي سماه 'التعرف بأحوال العباد والمتعبدين' قال: (باب ما يجيء به الشيطان للتائبين) وذكر أنه يوقعهم في القنوط، ثم في الغرور وطول الأمل ثم في التوحيد. فقال: من أعظم ما يوسوس في "التوحيد" بالتشكيل أو في صفات الرب بالتمثيل والتشبيه، أو بالجحد لها والتعطيل وقال بعد ذكر حديث الوسوسة: واعلم رحمك الله أن كلما توهمه قلبك، أو سنح في مجاري فكرك، أو خطر في معارضات قلبك، من حسن أو بهاء، أو ضياء أو إشراق أو إجمال، أو سنح مسائل أو شخص متمثل: فالله تعالى بغير ذلك، بل هو تعالى أعظم وأجل، وأكبر ألا تسمع لقوله:﴾ ﴿ليس كمثله شيءٌ﴾ (١) وقوله: ﴿وَلَمْ يكن لَهُ كُفُوًا أحدٌ﴾ (٢) أي لا شبيه ولا نظير ولا مساوي ولا مثل، أو لم تعلم أنه لما تجلى للجبل تدكدك لعظم هيبته؟ وشامخ سلطانه؟ فكما لا يتجلى لشيء إلا اندك، كذلك لا يتوهمه أحد إلا هلك. فرد بما بين الله في كتابه من نفسه عن نفسه التشبيه والمثل، والنظير والكفؤ. فإن اعتصمت بها وامتنعت منه أتاك من قبل التعطيل لصفات الرب -تعالى وتقدس- في كتابه وسنة رسوله محمد ﷺ ، فقال لك: إذا كان موصوفا بكذا أو وصفته أوجب له التشبيه فأكذبه، لأنه اللعين إنما يريد أن يستزلك ويغويك، ويدخلك في صفات الملحدين،

стр. 2037

الزائغين، الجاحدين لصفة الرب تعالى. واعلم -رحمك الله- أن الله تعالى واحد، لا كالآحاد، فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد -إلى أن قال- خلصت له الأسماء السنية فكانت واقعة في تقديم الأزل بصدق الحقائق، لم يستحدث تعالى صفة كان منها خليا، واسما كان منه بريا، ﵎، فكان هاديا سيهدي، وخالقا سيخلق ورازقا سيرزق، وغافرا سيغفر، وفاعلا سيفعل، ولم يحدث له الاستواء إلا وقد كان في صفة أنه سيكون ذلك الفعل، فهو يسمى به في جملة فعله. كذلك قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ ربك وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (١) بمعنى أنه سيجيء، فلم يستحدث الاسم بالمجيء، وتخلف الفعل لوقت المجيء، فهو جاء سيجيء، ويكون المجيء منه موجودا بصفة لا تلحقه الكيفية ولا التشبيه، لأن ذلك فعل الربوبية، فيستحسر العقل، وتنقطع النفس عند إرادة الدخول في تحصيل كيفية المعبود، فلا تذهب في أحد الجانبين، لا معطلا ولا مشبها، وارض لله بما رضي به لنفسه، وقف عند خبره لنفسه مسلما، مستسلما، مصدقا، بلا مباحثة التنفير ولا مناسبة التنقير. إلى أن قال: فهو ﵎ القائل: أنا الله لا الشجرة، الجائي قبل أن يكون جائيا، لا أمره، المتجلي لأوليائه في المعاد، فتبيض به وجوههم، وتفلج به على الجاحدين حجتهم، المستوي على عرشه بعظمة جلاله فوق كل مكان ﵎ الذي كلم موسى تكليما. وأراه من آياته، فسمع موسى كلام الله لأنه قربه نجيا. تقدس أن يكون كلامه مخلوقا

стр. 2038

أو محدثا أو مربوبا، الوارث بخلقه لخلقه، السميع لأصواتهم، الناظر بعينه إلى أجسامهم، يداه مبسوطتان، وهما غير نعمته، خلق آدم ونفخ فيه من روحه -وهو أمره- تعالى وتقدس أن يحل بجسم أو يمازج أو يلاصق به، تعالى عن ذلك علوا كبيرا، الشائي، له المشيئة، العالم، له العلم، الباسط يديه بالرحمة، النازل كل ليلة إلى سماء الدنيا ليتقرب إليه خلقه بالعبادة، وليرغبوا إليه بالوسيلة، القريب في قربه من حبل الوريد، البعيد في علوه من كل مكان بعيد، ولا يشبه بالناس. إلى أن قال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (١) القائل: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ (٢) تعالى وتقدس أن يكون في الأرض كما هو في السماء جل عن ذلك علوا كبيرا. (٣) صالح بن محمد جَزَرَة (٤) (٢٩٣ هـ) صالح بن محمد بن عمرو بن حبيب بن حسان بن المنذر بن أبي

стр. 2039

الأشرس، الإمام الحافظ، أبو علي الأسدي البغدادي، الملقب بجزرة. ولد سنة خمس ومائتين ببغداد. سمع من سعيد بن سليمان وعلي بن الجعد وأحمد بن حنبل وأبي خيثمة وأبي نصر التمار ويحيى بن معين، وطبقتهم. وحدث عنه مسلم بن الحجاج خارج الصحيح، وأحمد بن سهل والهيثم بن كليب وأبو النضر محمد بن محمد الفقيه وآخرون. قال الدارقطني: كان ثقة حافظا عارفا. وقال الخطيب: وكان حافظا عارفا من أئمة الحديث، وممن يرجع إليه في علم الآثار ومعرفة نقلة الأخبار. وقال أبو سعيد الإدريسي: الحافظ صالح بن محمد جزرة ما أعلم في عصره بالعراق وخراسان في الحفظ مثله، دخل ما وراء النهر، فحدث مدة من حفظه، وما أعلم أخذ عليه مما حدث خطأ، ورأيت أبا أحمد بن عدي يضخم أمره ويعظمه. توفي ﵀ سنة ثلاث وتسعين ومائتين، وله بضع وثمانون سنة. موقفه من الرافضة: - جاء في السير: قال بكر بن محمد الصيرفي: سمعت صالحا يقول: كان عبد الله بن عمر بن أبان يمتحن أصحاب الحديث، وكان غاليا في التشيع، فقال لي: من حفر بئر زمزم؟ قلت: معاوية، قال: فمن نقل ترابها؟ قلت: عمرو بن العاص، فصاح في وقام. (١) - وفيها: قال علي بن محمد المروزي: حدثنا صالح بن محمد: سمعت عباد بن يعقوب -هو الرواجني الخبيث- يقول: الله أعدل من أن يدخل

стр. 2040

طلحة والزبير الجنة. قلت: ويلك. ولم؟ قال: لأنهما قاتلا عليا بعد أن بايعاه. (١) محمد بن نصر المروزي (٢) (٢٩٤ هـ) الإمام الحافظ محمد بن نصر بن الحجاج، أبو عبد الله المروزي. ولد ببغداد سنة اثنتين ومائتين، ونشأ بنيسابور، ومسكنه سمرقند. سمع من يحيى بن يحيى وإسحاق بن راهويه وعلي بن حجر ومحمد بن عبد الله بن نمير وهدبة ومحمد بن مهران، وجماعة. وحدث عنه ولده إسماعيل بن محمد بن نصر ومحمد بن إسحاق السمرقندي وأبو العباس السراج وأبو عبد الله محمد بن الأخرم، وخلق كثير. قال الحاكم: هو الفقيه العابد العالم، إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة. وقال الخطيب: كان من أعلم الناس باختلاف الصحابة ومن بعدهم. وقال ابن حزم: أعلم الناس من كان أجمعهم للسنن، وأضبطهم لها وأذكرهم لمعانيها ولأحوال الصحابة، ولا نعلم هذه الصفة أتم منها في محمد بن نصر المروزي. فلو قال قائل: ليس لرسول الله ﷺ حديث ولا لأصحابه إلا وهو عند محمد بن نصر، لما بعد عن الصدق. وقال الحافظ ابن حجر: ثقة حافظ، إمام جبل. توفي ﵀ بسمرقند في المحرم سنة أربع وتسعين ومائتين. موقفه من المبتدعة:

стр. 2041

- قال ﵀ معلقا على حديث أبي رقية تميم بن أوس الداري أن النبي ﷺ قال: "الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" (١): وأما النصيحة لكتاب الله: فشدة حبه، وتعظيم قدره إذ هو كلام الخالق، وشدة الرغبة في فهمه، ثم شدة العناية في تدبره، والوقوف عند تلاوته لطلب معاني ما أحب مولاه أن يفهمه عنه، ويقوم له به بعد ما يفهمه، وكذلك الناصح من القلب، يتفهم وصية من ينصحه، وإن ورد عليه كتاب منه عُنِيَ بفهمه، ليقوم عليه بما كتب به فيه إليه، فكذلك الناصح لكتاب الله يعني يفهمه ليقوم لله بما أمر به كما يحب ويرضى، ثم ينشر ما فهم من العباد، ويديم دراسته بالمحبة له، والتخلق بأخلاقه، والتأدب بآدابه. وأما النصيحة للرسول ﷺ في حياته: فبذل المجهود في طاعته، ونصرته، ومعاونته، وبذل المال إذا أراده، والمسارعة إلى محبته. وأما بعد وفاته فالعناية بطلب سنته، والبحث عن أخلاقه، وآدابه وتعظيم أمره، ولزوم القيام به، وشدة الغضب والإعراض عن من يدين بخلاف سنته، والغضب على من ضيعها لأثرة دنيا، وإن كان متدينا بها، وحب من كان منه بسبيل من قرابة أو صهر أو هجرة، أو نصرة أو صحبة ساعة من ليل أو نهار على الإسلام والتشبه به في زيه، ولباسه. (٢) - وقال ﵀ في كتابه 'السنة' في معرض كلامه عن مسألة النسخ،

стр. 2042

وذكر أقوال أهل العلم: فقالت هذه الطائفة: بين الله ﵎ أنه أمر نبيه ﷺ أن يعلم الناس الكتاب والحكمة، فالحكمة غير الكتاب، وهي: ما سن رسول الله ﷺ مما لم يذكر في الكتاب، وكل فرض لا افتراق بينهما، لأن مجيئهما واحد، وكل أمر الله نبيه بتعليمه الخلق، فأوجب عليه الأخذ بالسنة والعمل بها، كما أوجب عليهم العمل بالكتاب فكان معنى كل واحد منهما معنى الآخر، وقد أوجب الله طاعة رسوله ﷺ ، فجعلها مفترضة على خلقه كافتراض طاعته عليهم لا فرقان بينهما في الوجوب، فما أنكرتم أن ينسخ أحدهما بالآخر، لأنه إذا نسخ القرآن بالقرآن، فإنما نسخ ما أمر به بأمره، وكذلك إذا نسخ حكما في القرآن بالسنة، فإنما ينسخ ما أمر به في كتابه بأمره على لسان نبيه ﷺ . ومن فرق بين ذلك، فقد قصر علمه فإن كان إنما يحملهم على ذلك تعظيم القرآن أن ينسخ أحكامه بالسنة، فالقرآن عظيم أعظم من كل شيء، لأنه كلام الله، وليس ينسخ الله كلامه فيبطله، جل عن ذلك، وإنما ينسخ المأمور به بكلامه بمأمور به في سنة نبيه ﷺ ، فالمأمور بهما متساويان، لأنهما حكمان، والقرآن أعظم من السنة، ولو جاز لمن عظم القرآن، وهو أهل أن يعظم، أن ينكر أن ينسخ الله حكما فيه بحكم في سنة نبيه ﷺ ، لجاز له أن ينكر أن يفسر القرآن بالسنة، ويوجب أنه لا يجوز أن يترجم القرآن إلا بقرآن منزل مثله، فإن جاز هذا جاز هذا، ففي إقرارهم أن النبي ﷺ ترجم القرآن وفسره بسنته، حجة عليهم أنهم ساووا بين القرآن والسنة في هذا المعنى، بل جعلوا السنة أعلى منه وأرفع في قياسهم، إذ كان القرآن لا يعلم بنفسه، وإنما يعلم بالسنة، لأن السنة لا تحتاج أن تفسر

стр. 2043

بالقرآن، واحتاج العباد في القرآن إلى أن فسره لهم النبي ﷺ بسنته، فقد أقروا بمثل ما أنكروا، لأنهم زعموا أنه لو كان القرآن تنسخه السنة لكان ليس بحجة، إذ كان غيره ينسخه، وإن الله عظم شأنه فقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جميعًا ولا تَفَرَّقُوا﴾ (١) وجعله شفاء لما في الصدور، فأنكروا إذ عظمه الله أن تنسخه سنة نبيه ﷺ ، ثم أقروا أن عامة أحكام الله فيه وأخباره ومدحه لا تعرف إلا بالسنة. قالوا: وأما قول من خالفنا: إنه لو جاز أن ينسخ القرآن بالسنة، لجاز أن ينسخ كل أحكامه، فلا يكون لله فيه حكم يلزم، فإنه يلزمه أعظم من ذلك إذا أقر أنه لم يعرف جمل فرائض الله إلا بتفسير السنة، فكان جائزا أن يجمل الله كل فرض فيه، فلا ينقص منه شيئا حتى يجعل الله النبي ﷺ هو المفسر لكل فرض فيه، فلا يكون لله فيه حكم يعرف إلا بالسنة، فقد أقروا بمثل ما قاسوا على من خالفهم، وزادوا معنى هو أكثر، قالوا: لأنا قلنا: إنما ينسخ الله بسنة نبيه ﷺ بعض أحكام القرآن، ولا تنسخ أخباره ولا مدحه، وأقروا أن كثيرا من أخبار الله ومدحه فسرها النبي ﷺ بسنته، فهذا أكثر في المعنى مما قلنا. (٢) موقفه من المرجئة: - حدثنا إسحاق بن منصور، ثنا أحمد بن حنبل، ثنا أبو سلمة الحراني، قال: قال مالك وشريك وأبو بكر بن عياش وعبد العزيز بن أبي سلمة وحماد

стр. 2044

ابن سلمة وحماد بن زيد: الإيمان المعرفة والإقرار والعمل، إلا أن حماد بن زيد يفرق بين الإيمان والإسلام، يجعل الإيمان خاصا والإسلام عاما. قال أبو عبد الله: قالوا: فلنا في هؤلاء أسوة وبهم قدوة، مع ما يثبت ذلك من النظر، وذلك أن الله جعل اسم المؤمن اسم ثناء وتزكية ومدحة أوجب عليه الجنة، فقال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ (١) وقال: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (٢) وقال: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ الآية (٣) وقال: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ (٤) وقال: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (٥) وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٦). قال: ثم أوجب الله النار على الكبائر، فدل بذلك على أن اسم الإيمان

стр. 2045

زائل عن من أتى كبيرة، قالوا: ولم نجد الله أوجب الجنة باسم الإسلام، فثبت أن اسم الإسلام له ثابت على حاله، واسم الإيمان زائل عنه. فإن قيل لهم في قولهم هذا: ليس الإيمان ضد الكفر. قالوا: الكفر ضد لأصل الإيمان، لأن للإيمان أصلا وفرعا، فلا يثبت الكفر حتى يزول أصل الإيمان الذي هو ضد الكفر. فإن قيل لهم: فالذي زعمتم أن النبي ﷺ أزال عنه اسم الإيمان، هل فيه من الإيمان شيء؟!. قالوا: نعم، أصله ثابت، ولولا ذلك لكفر، ألم تسمع إلى ابن مسعود أنكر على الذي شهد أنه مؤمن، ثم قال: لكنا نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، يخبرك أنه قد آمن من جهة أنه قد صدق، وأنه لا يستحق اسم المؤمن إذ كان يعلم أنه مقصر، لأنه لا يستحق هذا الاسم عنده إلا من أدى ما وجب، وانتهى عما حرم عليه من الموجبات للنار التي هي الكبائر. قالوا: فلما أبان الله أن هذا الاسم يستحقه من قد استحق الجنة، وأن الله قد أوجب الجنة عليه، وعلمنا أنا قد آمنا وصدقنا، لأنه لا يخرج من التكذيب إلا بالتصديق، ولسنا بشاكين ولا مكذبين، وعلمنا أنا له عاصون مستوجبون للعذاب، وهو ضد الثواب الذي حكم الله به للمؤمنين على اسم الإيمان، علمنا أنا قد آمنا، وأمسكنا عن الاسم الذي أثبت الله عليه الحكم بالجنة، وهو من الله اسم ثناء وتزكية، وقد نهانا الله أن نزكي أنفسنا، وأمرنا بالخوف على أنفسنا، وأوجب لنا العذاب بعصياننا، فعلمنا أنا لسنا بمستحقين بأن نتسمى مؤمنين، إذ أوجب الله على اسم الإيمان الثناء والتزكية

стр. 2046

والرحمة والرأفة والمغفرة والجنة، وأوجب على الكبائر النار، وهذان حكمان يتضادان. فإن قيل: فكيف أمسكتم عن اسم الإيمان أن تسموا به، وأنتم تزعمون أن أصل الإيمان في قلوبكم، وهو التصديق بأن الله حق، وما قاله صدق؟!. قالوا: إن الله ورسوله وجماعة المسلمين سموا الأشياء بما غلب عليها من الأسماء، فسموا الزاني فاسقا، والقاذف فاسقا، وشارب الخمر فاسقا، ولم يسموا واحدا من هؤلاء متقيا، ولا ورعا، وقد أجمع المسلمون أن فيه أصل التقى والورع، وذلك أنه يتقي أن يكفر أو يشرك بالله شيئا، وكذلك يتقي الله أن يترك الغسل من الجنابة أو الصلاة، ويتقي أن يأتي أمه، فهو في جميع ذلك متق، وقد أجمع المسلمون من المخالفين والموافقين أنهم لا يسمونه متقيا، ولا ورعا، إذا كان يأتي بالفجور، فلما أجمعوا أن أصل التقى والورع ثابت فيه، وأنه قد يزيد فيه فروعا بعد الأصل كتورعه عن إتيان المحارم، ثم لا يسمونه متقيا ولا ورعا مع إتيانه بعض الكبائر، وسموه فاسقا وفاجرا مع علمهم أنه قد أتى بعض التقى والورع، فمنعهم من ذلك أن اسم التقى اسم ثناء وتزكية، وأن الله قد أوجب عليه المغفرة والجنة. قالوا: فكذلك لا نسميه مؤمنا ونسميه فاسقا زانيا، وإن كان أصل في قلبه اسم الإيمان، لأن الإيمان اسم أثنى الله به على المؤمنين وزكاهم به، فأوجب عليه الجنة، فمن ثم قلنا: "مسلم" ولم نقل: "مؤمن". قالوا: ولو كان أحد من المسلمين الموحدين يستحق أن لا يكون في قلبه إيمان، ولا إسلام من الموحدين، لكان أحق الناس بذلك أهل النار الذين

стр. 2047

دخلوها، فلما وجدنا النبي ﷺ يخبر أن الله يقول: "أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان" ثبت أن شر المسلمين في قلبه إيمان، ولما وجدنا الأمة يحكم عليهم بالأحكام التي ألزمها الله المسلمين، ولا يكفرونهم ولا يشهدون لهم بالجنة، ثبت أنهم مسلمون، إذ أجمعوا أن يمضوا عليهم أحكام المسلمين، وأنهم لا يستحقون أن يسموا مؤمنين، إذ كان الإسلام ثبتا للملة التي يخرج بها المسلم من جميع الملل، فتزول عنه أسماء الملل، إلا اسم الإسلام، وتثبت أحكام الإسلام عليه، وتزول عنه أحكام جميع الملل. فإن قال لهم قائل: لم لم تقولوا: كافرون إن شاء الله، تريدون به كمال الكفر، كما قلتم: مؤمنين ان شاء الله، تريدون به كمال الإيمان؟!. قالوا: لأن الكافر منكر للحق، والمؤمن أصلي الإقرار، والإنكار لا أول له ولا آخر، فينتظر به الحقائق. والإيمان أصله التصديق، والإقرار ينتظر به حقائق الأداء لما أقر، والتحقيق لما صدق، ومثل ذلك كمثل رجلين عليهما حق لرجل، فسأل أحدهما حقه، فقال: ليس لك عندي حق، فأنكر وجحد، فلم تبق له منزلة يحقق بها ما قال إذ جحد وأنكر. وسأل الآخر حقه، فقال: نعم، لك علي كذا وكذا، فليس إقراره بالذي يصل إليه بذلك حقه دون أن يوفيه وهو منتظر له أن يحقق ما قال إلا بأداءه، ويصدق إقراره بالوفاء ولو أقر، ثم لم يؤد حقه كان كمن جحده في المعنى، إذا استويا في الترك للأداء، فتحقيق ما قال: أن يؤدي إليه حقه، فإن أدى جزءا منه حقق بعض ما قال، ووفى ببعض ما أقر به، وكلما أدى جزءا ازداد تحقيقا لما أقر به، وعلى المؤمن الأداء أبدا لما

стр. 2048

أقر به حتى يموت، فمن ثم قلنا مؤمن إن شاء الله ولم يقل كافر إن شاء الله (١). موقف السلف من زكرويه القرمطي (٢٩٤ ه ـ) بيان فضائحه وتسلطه: - قال ابن كثير: ثم دخلت سنة أربع وتسعين ومائتين. في المحرم من هذه السنة اعترض زكرويه في أصحابه إلى الحجاج من أهل خراسان وهم قافلون من مكة فقتلهم عن آخرهم وأخذ أموالهم وسبى نساءهم فكان قيمة ما أخذه منهم ألفي ألف دينار، وعدة من قتل عشرين ألف إنسان، وكانت نساء القرامطة يطفن بين القتلى من الحجاج وفي أيديهن الآنية من الماء يزعمن أنهن يسقين الجريح العطشان، فمن كلمهن من الجرحى قتلنه وأجهزن عليه، لعنهن الله ولعن أزواجهن. ذكر مقتل زكرويه لعنه الله: لما بلغ الخليفة خبر الحجيج وما أوقع بهم الخبيث جهز إليه جيشا كثيفا فالتقوا معه فاقتتلوا قتالا شديدا جدا، قتل من القرامطة خلق كثير ولم يبق منهم إلا القليل، وذلك في أول ربيع الأول منها. وضرب رجل زكرويه بالسيف في رأسه فوصلت الضربة إلى دماغه، وأخذ أسيرا فمات بعد خمسة أيام، فشقوا بطنه وصبروه وحملوه في جماعة من رؤوس أصحابه إلى بغداد، واحتوى عسكر الخليفة على ما كان بأيدي القرامطة من الأموال والحواصل،

стр. 2049

وأمر الخليفة بقتل أصحاب القرمطي، وأن يطاف برأسه في سائر بلاد خراسان، لئلا يمتنع الناس عن الحج. وأطلق من كان بأيدي القرامطة من النساء والصبيان الذين أسروهم. (١) المكتفي بالله (٢) (٢٩٥ هـ) الخليفة، أبو محمد علي بن المعتضد بالله أبي العباس أحمد بن الموفق طلحة بن المتوكل العباسي. ولد سنة أربع وستين ومائتين، وكان يضرب المثل بحسنه في زمانه، وكان رجلا ربعة ليس بالطويل ولا بالقصير، معتدل الجسم، حسن الخلق، جميل الوجه، أسود الشعر، وافر اللحية عريضها. بويع بالخلافة عند موت والده سنة تسع وثمانين، فاستخلف ستة أعوام ونصفا. قال الصولي: سمعت المكتفي يقول في علته: والله ما آسى إلا على سبعمائة ألف دينار صرفتها من مال المسلمين في أبنية ما احتجت إليها، وكنت مستغنيا عنها، أخاف أن أسأل عنها، وإني أستغفر الله منها. مات المكتفي شابا في ذي القعدة سنة خمس وتسعين ومائتين. موقفه من المشركين: - قال ابن كثير: فيها -أي سنة إحدى وتسعين ومائتين-: جرت وقعة عظيمة بين القرامطة وجند الخليفة فهزموا القرامطة وأسروا رئيسهم الحسين

стр. 2050

ابن زكرويه، ذا الشامة، فلما أسر حمل إلى الخليفة في جماعة كثيرة من أصحابه من رؤوسهم، وأدخل بغداد على فيل مشهور، وأمر الخليفة بعمل دفة مرتفعة فأجلس عليها وجيء بأصحابه فجعل يضرب أعناقهم بين يديه وهو ينظر، وقد جعل في فمه خشبة معرتضة مشدودة إلى قفاه، ثم أنزل فضرب مائتي سوط ثم قطعت يداه ورجلاه، وكوي، ثم أحرق وحمل رأسه على خشبة وطيف به في أرجاء بغداد، وذلك في ربيع الأول منها. (١) - جاء في السير: وسار يحيى بن زكرويه القرمطي، وحاصر دمشق، وبها طغج، فضعف عن القرامطة، فقتل يحيى في الحصار، وقام بعده أخوه الحسين، وسار المكتفي بجيوشه إلى الموصل، وتقدمه إلى حلب أبو الأغر، فبيتهم القرمطي، فقتل من المسلمين تسعة آلاف، ووصل المكتفي إلى الرقة، وعظم البلاء بالقرامطة، ثم أوقع بهم العسكر، وهربوا إلى البادية يعيثون وينهبون، وتبعهم الحسين بن حمدان وعدة أمراء يطردونهم، وكان يحيى المقتول يدعي أنه حسيني. رماه بربري بحربة، ثم قتل أخوه الحسين صاحب الشامة. (٢) - وقال ابن كثير في حوادث سنة ثلاث وتسعين ومائتين فيها التف على أخي الحسين القرمطي المعروف بذي الشامة الذي قتل في التي قبلها خلائق من القرامطة بطريق الفرات، فعاث بهم في الأرض فسادا، ثم قصد طبرية فامتنعوا منه فدخلها قهرا فقتل بها خلقا كثيرا من الرجال، وأخذ شيئا

стр. 2051

كثيرا من الأموال، ثم كر راجعا إلى البادية، ودخلت فرقة أخرى منهم إلى هيت فقتلوا أهلها إلا القليل، وأخذوا منها أموالا جزيلة حملوها على ثلاثة آلاف بعير، فبعث إليهم المكتفي جيشا فقاتلوهم وأخذوا رئيسهم فضربت عنقه. ونبغ رجل من القرامطة يقال له الداعية باليمن، فحاصر صنعاء فدخلها قهرا وقتل خلقا من أهلها، ثم سار إلى بقية مدن اليمن فأكثر الفساد وقتل خلقا من العباد، ثم قاتله أهل صنعاء فظفروا به وهزموه، فأغار على بعض مدنها، وبعث الخليفة إليها مظفر بن حجاج نائبا، فسار إليها فلم يزل بها حتى مات. وفي يوم عيد الأضحى دخلت طائفة من القرامطة إلى الكوفة فنادوا: يا ثارات الحسين -يعنون المصلوب في التي قبلها ببغداد- وشعارهم: يا أحمد يا محمد -يعنون الذين قتلوا معه- فبادر الناس الدخول من المصلى إلى الكوفة فدخلوا خلفهم فرمتهم العامة بالحجارة فقتلوا منهم نحو العشرين رجلا، ورجع الباقون خاسئين. (١) الحَكَم الخُزَاعِي (٢) (٢٩٥ هـ) الحكم بن معبد بن أحمد الخزاعي، الحنفي، أبو عبد الله، فقيه محدث، من أهل أصبهان، صنف كتاب السنة. روى عن محمد بن حميد الرازي، ومحمد ابن المثنى، ونصر بن علي الجهضمي ومحمد بن يحيى بن أبي عمر العدني.

стр. 2052

وروى عنه أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر المعروف بأبي الشيخ، وأبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الحافظ. تفقه على مذهب الكوفيين، صاحب أدب وغريب، ثقة. توفي سنة خمس وتسعين ومائتين. موقفه من المبتدعة: - له من الآثار السلفية كتاب السنة ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض وغيره من كتبه. (١) وهذا الإمام من أهل أصبهان، وأهل أصبهان كانت لهم مواقف مشرفة من المبتدعة. محمد بن أحمد الترمذي (٢) (٢٩٥ هـ) هو الإمام العلامة شيخ الشافعية بالعراق في وقته، أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر الترمذي. ولد سنة إحدى ومائتين. سكن بغداد وحدث بها عن يحيى بن بكير المصري وغيره، وكان من أهل العلم والزهد، وسمع أيضا يوسف بن عدي وإبراهيم ابن المنذر وعبيد الله القواريري. وحدث عنه أحمد ابن كامل، وأبو القاسم الطبراني، وأبو بكر بن خلاد وغيرهم. قال الدارقطني: ثقة مأمون ناسك. وكان قد اختلط في آخر عمره اختلاطا عظيما

стр. 2053

ولم يكن للشافعية فقيه بالعراق أرأس منه، ولا أشد ورعا، وكان من التقلل على حالة عظيمة يعني في المطعم، فقرا وورعا وصبرا على الفقر، وكان لا يسأل أحدا شيئا. توفي لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم سنة خمس وتسعين ومائتين. موقفه من الرافضة: - جاء في طبقات الشافعية: له في المقالات كتاب سماه: 'كتاب اختلاف أهل الصلاة في الأصول' وقف عليه ابن الصلاح وانتقى منه فقال: ومن خطه نقلت أن أبا جعفر قال: ما تعرض في هذا الكتاب لما يختار هو وأنه روى في أوله حديث: تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة (١)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأنه بالغ في الرد على من فضل الغنى على الفقر، وأنه نقل أن فرقة من الشيعة قالوا: أبو بكر وعمر أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ ، غير أن عليا أحب إلينا. قال أبو جعفر: فلحقوا بأهل البدع، حيث ابتدعوا خلاف من مضى. (٢) موقفه من الجهمية: - قال والد أبي حفص بن شاهين: حضرت أبا جعفر، فسئل عن

стр. 2054

حديث النزول (١)، فقال: النزول معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. (٢) عبد الله بن المعتز (٣) (٢٩٦ هـ) الأمير الهاشمي العباسي عبد الله بن المعتز بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي، أبو العباس البغدادي الأديب الشاعر. ولد سنة تسع وأربعين ومائتين، وتأدب بالمبرد وثعلب وغيرهما، وروى عنه مؤدبه ومحمد بن يحيى الصولي. قال ابن خلكان: كان أديبا بليغا شاعرا مطبوعا مقتدرا على الشعر قريب المأخذ سهل اللفظ جيد القريحة، حسن الإبداع للمعاني، مخالطا للعلماء والأدباء معدودا من جملتهم. وقال صلاح الدين الصفدي: وكان سني العقيدة منحرفا عن العلويين. وفي سنة ست وتسعين خلع المقتدر بالله وبويع لعبد الله بن المعتز، فقال: على شرط أن لا يقتل بسببي رجل مسلم، وكان حول المقتدر خواصه، فلبسوا السلاح، فتفرق عن ابن المعتز جمعه، وخاف، فاختفى، ثم قبض عليه، وقتل سرا في ربيع الآخر سنة ست وتسعين ومائتين، ودفن في خرابة بإزاء داره ﵀. ومن شعره: يا نفس صبرا لعل الخير عقباك مرت بنا سحرا طير، فقلت لها لكن هو الدهر فألقيه على حذر ... خانتك من بعد طول الأمن دنياك

стр. 2055

طوباك يا ليتني إياك، طوباك فرب مثلك تنزو بين أشراك ومن كلامه: "العلماء غرباء لكثرة الجهال بينهم". "النصح بين الملإ تقريع". "لا تستبطئ الإجابة للدعاء وقد سددت طريقه بالذنوب". موقفه من المبتدعة: قال عبد الله بن المعتز: لا فرق بين بهيمة تقاد وإنسان يقلد. (١) محمد بن داود (٢) (٢٩٧ هـ) محمد بن داود بن علي الظاهري أبو بكر الفقيه البغدادي. حدث عن أبيه وعباس الدوري وأبي قلابة الرقاشي وأحمد بن أبي خيثمة وطبقتهم. وحدث عنه نفطويه والقاضي أبو عمر محمد بن يوسف وجماعة. كان عالما بارعا أديبا شاعرا فقيها ماهرا وله بصر تام بالحديث، وبأقوال الصحابة كان يجتهد ولا يقلد أحدا. توفي في شهر رمضان سنة سبع وتسعين ومائتين رحمه الله تعالى. موقفه من الصوفية: جاء في تلبيس إبليس: عن أبي القاسم يوسف بن يعقوب النعماني قال: سمعت والدي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن داود الفقيه الأصبهاني يقول: إن

стр. 2056

كان ما أنزل الله عزوجل على نبيه ﷺ حقا، فما يقوله الحلاج باطل وكان شديدا عليه. (١) محمد بن أبي شَيْبَة (٢) (٢٩٧ هـ) محمد بن عثمان بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان، أبو جعفر مولى بني عبس من أهل الكوفة. سكن بغداد، وحدث بها عن أبيه وعميه أبي بكر والقاسم، وعن أحمد بن يونس اليربوعي، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، ونحوهم. وكان كثير الحديث واسع الرواية ذا معرفة وفهم، وجمع وصنف وله تاريخ كبير، ولم يرزق حظا، بل نالوا منه. روى عنه محمد بن محمد الباغندي، ويحيى بن محمد بن صاعد، وابن السماك، وأبو القاسم الطبراني، والإسماعيلي، وغيرهم. قال أبو الحسين بن المنادي: كنا نسمع الشيوخ يقولون: مات حديث الكوفة لموت محمد بن أبي شيبة ومطين وموسى بن إسحاق وعبيد بن غنام. وقال الذهبي: اتفق موت الأربعة في عام. مات ابن أبي شيبة في جمادى الأولى سنة سبع وتسعين ومائتين وقد قارب التسعين. موقفه من الجهمية: وهو غير أبي بكر صاحب المصنف وله كتاب 'العرش' وهو من خيرة الكتب التي في هذا الباب، وقد أخذ منه شيخ الإسلام الشيء الكثير، وشن

стр. 2057

عليه حملة شعواء حامل راية الجهمية الشيخ النجدي الشعوبي الجركسي المسمى "زاهد الكوثري" وهو زاهد في السنة والسلف الصالح، في كثير من مقالاته وتعاليقه. وقد حقق الكتاب رسالة علمية في الجامعة الإسلامية. - قال في كتاب العرش: ذكروا أن الجهمية يقولون ليس بين الله وبين خلقه حجاب وأنكروا العرش وأن يكون الله هو فوقه، وفوق السموات، وقالوا: إن الله في كل مكان، وإنه لا يتخلص من خلقه، ولا يتخلص الخلق منه إلا أن يفنيهم أجمع، فلا يبقى من خلقه شيء، وهو مع الآخر، والآخر من خلقه ممتزج به، فإذا أفنى خلقه تخلص منهم وتخلصوا منه ﵎ عما يقولون علوا كبيرا. ومن قال بهذه المقالة فإلى التعطيل يرجع قولهم. وقد علم العالمون أن الله قبل أن يخلق خلقه قد كان متخلصا من خلقه بائنا منهم، فكيف دخل فيهم؟ ﵎ أن يوصف بهذه الصفة. بل هو فوق العرش كما قال، محيط بالعرش، متخلص من خلقه، بائن منه. علمه في خلقه لا يخرجون من علمه، وقد أخبرنا أن العرش كان قبل خلق السموات والأرض على الماء، وأخبرنا أنه صار من الأرض إلى السماء ومن السماء إلى العرش فاستوى على العرش، قال : ﴿وكان عَرْشُهُ على الْمَاءِ﴾ (١)، وقال: ﴿قُلْ أئنكم لَتَكْفُرُونَ

стр. 2058

بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (١). ثم قال جل وعز: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ (٢). وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ (٣). ففسرت العلماء قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ يعني: علمه. وقال : ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (٤)، فالله تعالى استوى على العرش يرى كل شيء في السموات والأرضين، ويعلم ويسمع كل ذلك بعينه وهو فوق العرش، لا الحجب التي احتجب بها عن خلقه

стр. 2059

تحجبه من أن يرى ويسمع ما في الأرض السفلى، ولكنه خلق الحجب وخلق العرش كما خلق الخلق لما شاء كيف شاء ما يحمله إلا عظمته فقال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (١)، وقال جل وعز: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٢)، وقال : ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٣)، وقال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (٤). وأجمع الخلق جميعا أنهم إذا دعوا الله جميعا رفعوا أيديهم إلى السماء، فلو كان الله في الأرض السفلى ما كانوا يرفعون أيديهم إلى السماء وهو معهم على الأرض. ثم توافرت الأخبار على أن الله تعالى خلق العرش فاستوى عليه بذاته ثم خلق الأرض والسماوات، فصار من الأرض إلى السماء، ومن السماء إلى العرش. فهو فوق السماوات وفوق العرش بذاته متخلصا من خلقه بائنا منهم،

стр. 2060

علمه في خلقه لا يخرجون من علمه. (١) محمد بن يحيى المروزي (٢) (٢٩٨ هـ) محمد بن يحيى بن سليمان المروزي ثم البغدادي أبو بكر الشيخ المحدث. سمع عاصم بن علي وأبا عبيد القاسم بن سلام وعلي بن الجعد وغيرهم. وروى عنه النجاد وأبو بكر الشافعي والطبراني وآخرون. قال عنه ابن الجزري: مقرئ محدث مشهور روى القراءة عرضا عن محمد بن سعدان وغيره. وقال الدارقطني: صدوق. مات في شوال سنة ثمان وتسعين ومائتين. موقفه من الجهمية: قال الذهبي في السير في ترجمة مصعب بن عبد الله بن مصعب: وثقه الدارقطني. ومنهم من تكلم فيه لأجل وقفه في مسألة القرآن. قال أبو بكر المروزي: كان من الواقفة، فقلت له: قد كان وكيع وأبو بكر بن عياش، يقولان: القرآن غير مخلوق، قال: أخطأ وكيع وأبو بكر. قلت: فعندنا عن مالك أنه قال: غير مخلوق، قال: أنا لم أسمعه، قلت: يحكيه إسماعيل بن أبي أويس. قال الحسين بن قهم: كان مصعب إذا سئل عن القرآن، يقف ويعيب من لا يقف. (٣)

стр. 2061

أبو عثمان الحيري الصوفي (١) (٢٩٨ هـ) الشيخ المحدث أبو عثمان سعيد بن إسماعيل بن سعيد النيسابوري الحيري الصوفي. ولد سنة ثلاثين ومائتين بالري فسمع بها من محمد بن مقاتل الرازي وموسى بن نصر وبالعراق من حميد بن الربيع ومحمد بن إسماعيل الأحمسي وعدة. سمع من أبي جعفر بن حمدان صحيحه المخرج على مسلم بلفظه وكان إذا بلغ سنة لم يستعملها وقف عندها حتى يستعملها. حدث عنه أبو عمرو أحمد بن نصر وأبو عمرو بن مطر وإسماعيل بن نجيد وعدة. قال أبو الحسين أحمد بن أبي عثمان توفي أبي لعشر بقين من ربيع الاخر سنة ثمان وتسعين ومائتين وصلى عليه الأمير أبو صالح. موقفه من المبتدعة: قال أبو عمرو بن حمدان: سمعته يقول: من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه، نطق بالبدعة، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تطيعوه تهتدوا﴾ (٢). اهـ (٣) قال الذهبي عقبه: وقال تعالى: ﴿ولا تَتَّبِعِ الهوى فيضلك عن

стр. 2062

سبيل اللَّهِ﴾ (١). موقف السلف من ابن الراوندي الزنديق الكبير (٢٩٨ ه ـ) بيان زندقته: -جاء في البداية والنهاية: أحد مشاهير الزنادقة، كان أبوه يهوديا فأظهر الإسلام، ويقال إنه حرف التوراة كما عادى ابنه القرآن بالقرآن، وألحد فيه، وصنف كتابا في الرد على القرآن سماه 'الدامغ'. وكتابا في الرد على الشريعة والاعتراض عليها سماه 'الزمردة'، وكتابا يقال له 'التاج' في معنى ذلك وله كتاب 'الفريد' وكتاب 'إمامة المفضول الفاضل' وقد انتصب للرد على كتبه هذه جماعة منهم: الشيخ أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي، شيخ المعتزلة في زمانه وقد أجاد في ذلك وكذلك ولده أبو هاشم عبد السلام ابن أبي علي، قال الشيخ أبو علي: قرأت كتاب هذا الملحد الجاهل السفيه ابن الراوندي، فلم أجد فيه إلا السفه والكذب والافتراء قال: وقد وضع كتابا في قدم العالم ونفي الصانع وتصحيح مذهب الدهرية والرد على أهل التوحيد، ووضع كتابا في الرد على محمد رسول الله ﷺ في سبعة عشر موضعا، ونسبه إلى الكذب يعني النبي ﷺ وطعن على القرآن ووضع كتابا لليهود والنصارى وفضل دينهم على المسلمين والإسلام، يحتج لهم فيها على إبطال نبوة محمد ﷺ ، إلى غير ذلك من الكتب التي تبين خروجه عن

стр. 2063

الإسلام. نقل ذلك ابن الجوزي عنه. وقد أورد ابن الجوزي في منتظمه طرفا من كلامه وزندقته، وطعنه على الآيات والشريعة، ورد عليه في ذلك وهو أقل وأخس وأذل من أن يلتفت إليه وإلى جهله وكلامه وهذيانه وسفهه وتمويهه. وقد أسند إليه حكايات من المسخرة والاستهتار والكفر والكبائر، منها ما هو صحيح عنه ومنها ما هو مفتعل عليه ممن هو مثله، وعلى طريقه ومسلكه في الكفر والتستر في المسخرة يخرجونها في قوالب مسخرة وقلوبهم مشحونة بالكفر والزندقة، وهذا كثير موجود فيمن يدعي الإسلام وهو منافق، يتمسخرون بالرسول ودينه وكتابه، وهؤلاء ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (١). وقد كان أبو عيسى الوراق مصاحبا لابن الراوندي قبحهما الله، فلما علم الناس بأمرهما طلب السلطان أبا عيسى فأودع السجن حتى مات، وأما ابن الراوندي فهرب، فلجأ إلى ابن لاوي اليهودي، وصنف له في مدة مقامه عنده كتابه الذي سماه 'الدامغ للقرآن' فلم يلبث بعده إلا أياما يسيرة حتى مات لعنه الله. ويقال إنه أخذ وصلب. قال أبو الوفاء بن عقيل: ورأيت في كتاب محقق أنه عاش ستا وثلاثين سنة مع ما انتهى إليه من التوغل في

стр. 2064

المخازي في هذا العمر القصير لعنه الله وقبحه، ولا رحم عظامه. (١) جاء في السير في ترجمته: الملحد، عدو الدين، أبو الحسين أحمد بن يحيى ابن إسحاق الريوندي، صاحب التصانيف في الحط على الملة، وكان يلازم الرافضة والملاحدة، فإذا عوتب قال: إنما أريد أن أعرف أقوالهم. ثم إنه كاشف وناظر، وأبرز الشبه والشكوك. (٢) قال ابن الجوزي: وقد كنت أسمع عنه بالعظائم حتى رأيت ما لم يخطر مثله على قلب أن يقوله عاقل، ووقعت على كتبه فمنها: كتاب 'نعت الحكمة'، وكتاب 'قضيب الذهب'، وكتاب 'الزمرد' وكتاب 'التاج'، وكتاب 'الدامغ'، وكتاب 'الفريد'، وكتاب 'إمامة المفضول'. وقد نقض عليه هذه الكتب جماعة فأما كتاب نعت الحكمة، وكتاب قضيب الذهب، وكتاب التاج، وكتاب الزمرد والدامغ فنقضها عليه أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي، وقد نقض عليه أيضا كتاب الزمرد أبو الحسين عبد الرحيم بن محمد الخياط، ونقض عليه أيضا كتاب إمامة المفضول. (٣) - قال ابن عقيل: عجبي كيف لم يقتل وقد صنف الدامغ يدمغ به القرآن، والزمردة يزري فيه على النبوات. (٤) - قال ابن الجوزي: وقد نظرت في كتاب الزمرد فرأيت فيه من

стр. 2065

الهذيان البارد الذي لا يتعلق بشبهه، حتى أنه لعنه الله قال فيه: نجد في كلام أكثم بن صيفي أحسن من ﴿إِنَّا أعطيناك الْكَوْثَرَ﴾ (١) في نظائر لهذا. وفيه أن الأنبياء وقعوا بطلسمات. (٢) - قال أبو العباس ابن القاص الفقيه: كان ابن الراوندي لا يستقر على مذهب ولا نحلة، حتى صنف لليهود كتاب النصرة على المسلمين لدراهم أعطيها من يهود. فلما أخذ المال، رام نقضها، فأعطوه مئتي درهم حتى سكت. (٣) قال البلخي: لم يكن في نظراء ابن الراوندي مثله في المعقول، وكان أول أمره حسن السيرة، كثير الحياء، ثم انسلخ من ذلك لأسباب، وكان علمه فوق عقله. (٤) قال ابن الجوزي: وقد ذكر في كتاب 'الدامغ' من الكفر أشياء تقشعر منها الجلود، غير أني آثرت أن أذكر منها طرفا ليعرف مكان هذا الملحد من الكفر، ويستعاذ بالله سبحانه من الخذلان فمن ذلك أنه قال عن الخالق تعالى عن ذلك: من ليس عنده من الدواء إلا القتل فعل العدو الحنق الغضوب، فما حاجته إلى كتاب ورسول؟ وهذا قول جاهل بالله سبحانه لأنه لا يوصف بالحنق ولا بالحاجة وما عاقب حتى أنذر. وقال لعنه الله ووجدناه يزعم أنه

стр. 2066

يعلم الغيب، فيقول: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ ورقةٍ إِلًّا يعلمها﴾ (١) ثم يقول: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عليها إِلًّا لِنَعْلَمَ﴾ (٢). وهذا جهل منه بالتفسير ولغة العرب، وإنما المعنى ليظهر ما علمناه، ومثله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ﴾ (٣) أي نعلم ذلك واقعا. وقال بعض العلماء: حتى يعلم أنبياؤنا والمؤمنون به. وقال في قوله: ﴿إِنَّ كيد الشيطان كَانَ ضعيفًا﴾ (٤) أي أضعف له، وقد أخرج آدم وأزل خلقا. وهذا تغفل منه، لأن كيد إبليس تسويل بلا حجة والحجج ترده، ولهذا كان ضعيفا، فلما مالت الطباع إليه آثر وفعل. وقال: من لم يقم بحساب ستة تكلم بها في الجملة فلما صار إلى التفاريق وجدناه قد غلط فيها باثنين وهو قوله: ﴿خَلَقَ الأرض في يومين﴾ (٥) ثم قال: ﴿وقدر فيها أَقْوَاتَهَا في أربعة أيامٍ﴾ (٦) ثم قال: ﴿فقضاهن سبع سموات في يومين﴾ (٧)، فعدها هذا المغفل ثمانية ولو نظر في أقوال العلماء لعلم أن المعنى في تتمة أربعة أيام. وقال: في قوله: ﴿إِنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ ولا تعرى﴾ (٨) وقد جاع

стр. 2067

وعري وهذا المغفل الملعون ما فهم أن الأمر مشروط بالوفاء بما عوهد عليه من قوله: ﴿ولا تَقْرَبَا هذه الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (١) وقال في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يفقهوه﴾ (٢) ثم قال: ﴿وربك الغفور ذو الرحمة﴾ (٣) فأعظم الخطوب ذكره الرحمة مضموما إلى إهلاكهم. وهذا الأبله الملعون ما علم أنه لما وصف نفسه بالمعاقبة للمذنبين فانزعجت القلوب ضم إلى ذلك ذكر الرحمة بالحلم عن العصاة والإمهال والمسامحة في أكثر الكسب ... قال الملعون: ومن الكذب قوله: ﴿ولقد خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صورناكم ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسجدوا لأدم﴾ (٤) وهذا كان قبل تصوير آدم. وهذا الأحمق الملعون لو طالع أقوال العلماء وفهم سعة اللغة علم أن المعنى خلقنا آدم وصورناه كقوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ﴾ (٥). وقال: من فاحش ظلمه قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها﴾ (٦) فعذب جلودا لم تعصه. وهذا الأحمق الملعون لا يفهم أن الجلد آلة للتعذيب، فهو كالحطب يحرق لانضاج غيره، ولا يقال أنه معذب، وقد قال العلماء:

стр. 2068

إن الجلود الثانية هي الأولى أعيدت كما يعاد الميت بعد البلى. قال: وقوله: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أشياء إِنْ تبد لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (١) وإنما يكره السؤال رديء السلعة لئلا تقع عليه عين التاجر فيفتضح. فانظروا إلى عامية هذا الأحمق الملعون وجهله، أتراه قال: لا تسألوا عن الدليل على صحة قولي؟ إنما كانوا يسألون فيقول قائلهم: من أبي؟ فقال: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أشياء﴾ يعني من هذا الجنس، فربما قيل للرجل أبوك فلان وهو غير أبيه الذي يعرف فيفتضح. قال: ولما وصف الجنة، قال: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ (٢) وهو الحليب، ولا يكاد يشتهيه إلا الجياع، وذكر العسل ولا يطلب صرفا، والزنجبيل وليس من لذيذ الأشربة، والسندس يفرش ولا يلبس، وكذلك الاستبرق الغليظ، قال: ومن تخايل أنه في الجنة يلبس هذا الغليظ ويشرب الحليب والزنجبيل صار كعروس الأكراد والنبط. فانظروا إلى لعب هذا الملعون المستهزئ وجهله ومعلوم أن الخطاب إنما هو للعرب وهم يؤثرون ما وصف، كما قال: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ (٣)، ثم إنما وصف أصول الأشياء المتلذذ بها، فالقدرة قد تكون من اللبن أشياء كالمطبوخات وغيرها ومن العسل أشياء يتحلى بها، ثم قال : ﴿وفيها

стр. 2069

ما تشتهيه الأنفس وتلذ الْأَعْيُنُ﴾ (١) وقال: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" (٢) فوصف ما يعرف ويشتهى وضمن ما لا يعرف؛ وقال: إنما أهلك ثمودا لأجل ناقة، وما قدر ناقة؟ وهذا جهل منه الملعون. فإنه إنما أهلكهم لعنادهم وكفرهم في مقابلة المعجزة، لا لإهلاك ناقة. قال: وقال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (٣) ثم قال: ﴿لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (٤). ولو فهم أن الإسراف الأول في الخطايا دون الشرك، والثاني في الشرك، وما يتعلق بكل آية يكشف معناها. قال: ووجدناه يفتخر بالفتنة التي ألقاها بينهم كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ (٥) ﴿ولقد فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٦)، ثم أوجب للذين فتنوا المؤمنين عذاب الأبد. وهذا الجاهل الملعون لا يدري أن الفتنة كلمة يختلف معناها في القرآن، فالفتنة معناها: الابتلاء، كالآية الأولى، والفتنة الإحراق كقوله: ﴿فَتَنُوا

стр. 2070

الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). وقال: وقوله: ﴿وَلَهُ أسلم مَنْ في السَّمَاوَاتِ والأرض﴾ (٢) خبر محال، لأنه ليس كل الناس مسلمين، وكذلك قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلًّا يسبح بحمده﴾ (٣) وقوله: ﴿وَلِلَّهِ يسجد ما في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الأرض﴾ (٤) ولو أن هذا الزنديق الملعون طالع التفسير وكلام العرب لما قال هذا، إنما يتكلم بعاميته وحمقه، وإنما المعنى وله أسلم استسلم والكل منقاد لما قضى به وكل ذليل لأمره، وهو معنى السجود؛ ثم قد تطلق العرب لفظ الكل وتريد البعض كقوله: ﴿تدمر كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٥) وقد ذكر الملعون أشياء من هذا الجنس مزجها بسوء الأدب، والانبساط القبيح، والذكر للخالق بما لا يصلح أن يذكر به أحد العوام، وما سمعنا أن أحدا عاب الخالق وانبسط كانبساط هذا اللعين قبله ويلومه، لو جحد الخالق كان أصلح له من أن يثبت وجوده، ثم يخاصمه ويعيبه وليس له في شيء مما قاله شبهة، فضلا عن حجة فتذكر ويجاب عنها، وإنما هو خذلان فضحه الله تعالى به في الدنيا، والله تعالى يقابله يوم القيامة مقابلة تزيد على مقابلة إبليس، وإن خالف، لكنه
следующие страницы →