← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

وجه بني آدم كما سمى الله وجهه وجهاً؟ ولو كان تشبيهاً من علمائنا لكان كل قائل إن لبني آدم وجها، وللخنازير والقردة والكلاب والسباع والحمير والبغال والحيات والعقارب وجوها قد شبه وجوه بني آدم بوجوه الخنازير والقردة والكلاب وغيرها مما ذكرت، ولست أحسب أن أعقل الجهمية المعطلة عند نفسه لو قال له أكرم الناس عليه: وجهك يشبه وجه الخنزير والقرد والدُّب والكلب والحمار والبغل ونحو هذا إلا غضب؛ وإلا خرج من سوء الأدب في الفحش من المنطق من الشتم للمشبه وجهه بوجه ما ذكرنا، ولعله بعد يقذفه ويقذف أبويه. ولست أحسب أن عاقلاً يسمع هذا القائل المشبه وجه ابن آدم بوجه ما ذكرنا إلا ويرميه بالكذب والزور والبهت، أو بالعته والخبل، أو يحكم عليه بزوال العقل ورفع القلم عنه؛ لتشبيه وجه ابن آدم بوجه ما ذكرنا. فتفكروا يا ذوي الألباب أَوُجوهُ ما ذكرنا أقرب شبهاً بوجوه بني آدم أو وجه خالقنا بوجوه بني آدم؟ فإذا لم تطلق العرب تشبيه وجوه بني آدم بوجوه ما ذكرنا من السباع، واسم الوجه قد يقع على جميع وجوهها كما يقع اسم الوجه على وجوه بني آدم؛ فكيف يلزمنا أن يقال لنا: أنتم مشبهة، ووجوه بني آدم ووجوه ما ذكرنا من السباع والبهائم محدثة كلها مخلوقة قد قضى الله فناءها وهلاكها وقد كانت عدما؛ فكونها الله وخلقها وأحدثها وجميع ما ذكرنا من السباع والبهائم لوجوهها أبصار وخدود وجباه وأنوف وألسنة وأفواه وأسنان وشفاه، ولا يقول مركب فيه العقل لأحد من بني آدم وجهك شبيه بوجه خنزير، ولا عينك شبيهة بعين قرد، ولا فمك فم دب،

стр. 2172

ولا شفتاك كشفتي كلب، ولا خدك خد ذئب، إلا على المشاتمة كما يرمي الرامي الإنسان بما ليس فيه؛ فإذ كان ما ذكرنا على ما وصفنا ثبت عند العقلاء وأهل التمييز أن من رمى أهل الآثار القائلين بكتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ بالتشبيه؛ فقد قال الباطل والكذب والزور والبهتان، وخالف الكتاب والسنة، وخرج من لسان العرب. وزعمت المعطلة من الجهمية أن معنى الوجه الذي ذكر الله في الآي التي تلونا من كتاب الله وفي الأخبار التي رويناها عن النبي ﷺ كما تقول العرب: وجه الكلام ووجه الثوب ووجه الدار، فزعمت -لجهلها- أن معنى قوله: وجه الله كقول العرب وجه الكلام ووجه الدار ووجه الثوب، وزعمت أن الوجوه من صفات المخلوقين؛ وهذه فضيحة في الدعوى، ووقوع في أقبح ما زعموا أنهم يهربون منه؛ فيقال لهم: أفليس كلام بني آدم والثياب والدور مخلوقة؟ فمن زعم منكم أن معنى قوله وجه الله كقول العرب وجه الكلام ووجه الثوب ووجه الدار، أليس قد شبه على أصلكم وجه الله بوجه الموتان؟ لزعمكم -يا جهلة- أن من قال من أهل السنة والآثار القائلين بكتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ : لله وجه وعينان ونفس، وأن الله يبصر ويرى ويسمع؛ أنه مشبه عندكم خالقه بالمخلوقين، حاش لله أن يكون أحد من أهل السنة والأثر شبه خالقه بأحد من المخلوقين؛ فإن كان على ما زعمتم بجهلكم فأنتم قد شبهتم معبودكم بالموتان. نحن نثبت لخالقنا جل وعلا صفاته التي وصف الله بها نفسه في محكم تنزيله أو على لسان نبيه المصطفى ﷺ مما ثبت بنقل العدل عن العدل موصولاً إليه، ونقول كلاماً مفهوماً موزوناً يفهمه كل

стр. 2173

عاقل يقول: ليس إيقاع اسم الوجه للخالق البارئ بموجب عند ذوي الحجا والنهى أنه يشبه وجه الخالق بوجوه بني آدم. قد أعلمنا الله جل وعلا في الآي التي تلوناها قبل أن لله وجهاً ذواه بالجلال والإكرام ونفى الهلاك عنه. وخبرنا في محكم تنزيله أنه يسمع ويرى؛ فقال جل وعلا لكليمه موسى ولأخيه هارون صلوات الله عليهما: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وأرى﴾ (١) وما لا يسمع ولا يبصر كالأصنام التي هي من الموتان، ألم تسمع مخاطبة خليل الله صلوات الله عليه أباه؟ ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ (٢)، أو لا يعقل -يا ذوي الحجا- من فهم عن الله ﵎ هذا أن خليل الله صلوات الله عليه يوبخ أباه على عبادة ما لا يسمع ولا يبصر، ولو قال الخليل صلوات الله عليه لأبيه: أدعوك إلى ربي الذي لا يسمع ولا يبصر، لأشبه أن يقول: فما الفرق بين معبودك ومعبودي؟ والله قد أثبت لنفسه أنه يسمع ويرى. والمعطلة من الجهمية تنكر كل صفة لله جل وعلا وصف بها نفسه في محكم تنزيله، أو على لسان نبيه ﷺ لجهلهم بالعلم، وقال : ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ

стр. 2174

أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ (١) الآية؛ فأعلم الله أن من لا يسمع ولا يعقل كالأنعام؛ بل هم أضل سبيلاً، فمعبود الجهمية عليهم لعائن الله كالأنعام التي لا تسمع ولا تبصر، والله قد ثبت لنفسه أنه يسمع ويرى. والمعطلة من الجهمية تنكر كل صفة لله وصف بها نفسه في محكم تنزيله أو على لسان نبيه ﷺ لجهلهم بالعلم وذلك أنهم وجدوا في القرآن أن الله قد أوقع أسماء من أسماء صفاته على بعض خلقه فتوهموا لجهلهم بالعلم أن من وصف الله بتلك الصفة التي وصف الله بها نفسه قد شبهه بخلقه؛ فاسمعوا -يا ذوي الحجا- ما أبين جهل هؤلاء المعطلة، أقول: وجدت الله وصف نفسه في غير موضع من كتابه فأعلم عباده المؤمنين أنه سميع بصير فقال: ﴿وَهُوَ السميع البصير﴾ (٢) وذكر الإنسان قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سميعًا بصيرًا﴾ (٣). وأعلمنا جل وعلا أنه يرى فقال: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فسيرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ ورسوله﴾ (٤) وقال لموسى وهارون ﵉: ﴿قَالَ لا تخافا إِنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وأرى﴾ (٥)، فأعلم أنه يرى

стр. 2175

أعمال بني آدم وأن رسوله وهو بشر يرى أعمالهم أيضاً، وقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾ (١) وبنو آدم يرون أيضاً الطير مسخرات في جو السماء، وقال : ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بأعيننا﴾ (٢) وقال: ﴿تجري بأعيننا﴾ (٣) وقال: ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ (٤) فثبت ربنا لنفسه عيناً وثبت لبني آدم أعيناً فقال: ﴿ترى أعينهم تفيض من الدَّمْعِ﴾ (٥)؛ فقد خبرنا ربنا أن له عيناً وأعلمنا أن لبني آدم أعيناً، وقال لإبليس عليه لعنة الله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تسجد لما خَلَقْتُ بيدي﴾ (٦) وقال: ﴿بَلْ يداه مَبْسُوطَتَانِ ينفق كيف يشاء﴾ (٧) وقال: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (٨) فثبت ربنا جل وعلا لنفسه يدين، وخبرنا أن لبني آدم يدين

стр. 2176

فقال: ﴿ذلك بما قدمت أيديكم﴾ (١)، وقال: ﴿ذلك بما قدمت يداك﴾ (٢) وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (٣) وقال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (٤) وخبرنا أن ركبان الدواب يستوون على ظهورها. وقال في ذكر سفينة نوح: ﴿واستوت على الجودي﴾ (٥)، أفيلزم -يا ذوي الحجا- عند هؤلاء الفسقة أن من ثبت لله ما ثبت الله في هذه الآي أن يكون مشبهاً خالقه بخلقه؟ حاش لله أن يكون هذا تشبيه كما ادعوا لجهلهم بالعلم، نحن نقول: إن الله سميع بصير كما أعلمنا خالقنا وبارئنا، ونقول من له سمع وبصر من بني آدم فهو سميع بصير، ولا نقول: إن هذا تشبيه المخلوق بالخالق، ونقول: إن لله يدين يمينين لا شمال فيهما، قد أعلمنا الله ﵎ أن له يدين، وخبرنا نبينا ﷺ أنهما يمينان لا شمال فيهما، ونقول إن من كان من بني آدم سليم الجوارح والأعضاء فله يدان يمين وشمال، لا نقول: إن يد المخلوقين كيد الخالق عز ربنا عن أن تكون يده كيد خلقه. قد سمى الله لنا نفسه عزيزاً وسمى بعض الملوك عزيزاً فقال: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ

стр. 2177

فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ (١)، وسمى إخوة يوسف أخاهم يوسف عزيزاً فقالوا: ﴿يا أيها العزيز إِنَّ لَهُ أَبًا شيخًا كبيرًا﴾ (٢) وقالوا: ﴿يا أيها العزيز مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضر﴾ (٣)، فليست عزة خالقنا العزة التي هي صفة من صفات ذاته؛ كعزة المخلوقين الذين أعزهم الله بها، ولو كان كل اسم سمى الله لنا به نفسه، وأوقع ذلك الاسم على بعض خلقه، كان ذلك تشبيه الخالق بالمخلوق على ما توهم هؤلاء الجهلة من الجهمية؛ لكان كل من قرأ القرآن وصدقه بقلبه أنه قرآن ووحي وتنزيل قد شبه خالقه بخلقه، وقد أعلمنا ربنا ﵎ أنه الملك، وسمى بعض عبيده ملكاً فقال: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائتوني بِهِ﴾ (٤) وأعلمنا ﷻ أنه العظيم، وسمى بعض عبيده عظيماً فقال: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (٥) وسمى الله بعض خلقه عظيماً فقال: ﴿وَهُوَ رب الْعَرْشِ العظيم﴾ (٦) فالله العظيم، وأوقع اسم العظيم على عرشه؛ والعرش مخلوق، وربنا الجبار المتكبر فقال: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ

стр. 2178

المهيمن العزيز الجبار المتكبر﴾ (١)، وسمى بعض الكفار متكبراً جباراً فقال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (٢). وبارئنا جل وعز الحفيظ العليم، وخبرنا أن يوسف ﵇ قال للملك: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عليم﴾ (٤) وقال: ﴿بِغُلَامٍ حليم﴾ (٥) قال: الحليم والعليم اسمان لمعبودنا جل وعلا قد سمى الله بهما بعض بني آدم، ولو لزم -يا ذوي الحجا- أهل السنة والآثار إذ أثبتوا لمعبودهم يدين كما ثبتهما الله لنفسه، وثبتوا له نفساً عز ربنا وجل، والله سميع بصير يسمع ويرى؛ ما ادعى هؤلاء الجهلة عليهم أنهم مشبهة؛ للزم كل من سمى الله ملكاً أو عزيزاً أو عظيماً ورؤوفاً ورحيماً وجباراً ومتكبراً أنه قد شبه خالقه بخلقه، حاش لله أن يكون من وصف الله جل وعلا بما وصف الله نفسه في كتابه، أو على لسان نبيه المصطفى ﷺ مشبهاً خالقه بخلقه. فأما احتجاج الجهمية على أهل السنة والآثار في هذا النحو بقوله ﴿ليس كمثل شيءٌ وهو السميع البصير﴾ (٦) فمن القائل: إن

стр. 2179

لخالقنا مثلاً أو إن له شبهاً؟ وهذا من التمويه على الرعاع والسفل يموهون بمثل هذا على الجهال يوهمونهم أن من وصف الله بما وصف به نفسه في محكم تنزيله أو على لسان نبيه ﷺ ، فقد شبه الخالق بالمخلوق، وكيف يكون خلقه مثله -يا ذوي الحجا-؟ يقول الله القديم لم يزل والخلق محدث مربوب، والله الرزاق والخلق مرزوقون، والله الدائم الباقي وخلقه هالك غير باقٍ، والله الغني عن جميع خلقه والخلق كلهم فقراء إلى خالقهم، وليس في تسميتنا بعض الخلق ببعض أسامي الله بموجب عند العقلاء الذين يعقلون عن الله خطابه أن يقال: إنكم شبهتم الله بخلقه؛ إذ أوقعتم بعض أسامي الله على بعض خلقه. وهل يمكن عند هؤلاء الجهال حل هذه الأسامي من المصاحف، أو محوها من صدور أهل القرآن، أو ترك تلاوتها في المحاريب والكتاتيب، وفي الجدور والبيوت؟ أليس قد أعلمنا منزل القرآن على نبيه ﷺ أنه الملك، وسمى بعض عبيده ملكاً، وخبرنا أنه السلام وسمى تحية المؤمنين بينهم سلاماً في الدنيا وفي الجنة؛ فقال: ﴿تحيتهم يوم يلقونه سلام﴾ (١) ونبينا المصطفى ﷺ قد كان يقول بعد فراغه من تسليم الصلاة: "اللهم أنت السلام ومنك السلام" (٢)، وقال : ﴿ولا تَقُولُوا لِمَنْ ألقى إليكم السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (٣)؛ فثبت بخبر الله أن الله هو السلام كما في قوله: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ

стр. 2180

المهيمن﴾ (١)، وأوقع هذا الاسم على غير الخالق البارئ. وأعلمنا أنه المؤمن، وسمى بعض عباده المؤمنين فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٢) وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ ورسوله﴾ (٣) الآية، وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (٤) وقال: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٥)، وقد ذكرنا قبل أن الله خبر أنه سميع بصير، وقد أعلمنا أنه جعل الإنسان سميعاً بصيراً فقال: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ إلى قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٦). والله الحكم العدل، وخبرنا نبينا ﷺ أن عيسى بن مريم ينزل قبل قيام الساعة "حكماً عدلاً، وإماماً مقسطاً" (٧)، والمقسط أيضاً اسم من أسامي الله في خبر أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في أسامي الرب

стр. 2181

منه: "والمقسط" (١)، وقال في ذكر الشقاق بين الزوجين: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٢)؛ فأوقع اسم الحكم على حكمي الشقاق، والله العدل، وأمر عباده بالعدل والإحسان، والنبي ﷺ قد خبر "أن المقسطين في الدنيا على منابر من لؤلؤ، أو من نور يوم القيامة" (٣)؛ فاسم المقسط قد أوقعه النبي ﷺ على بعض أوليائه الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا، وفي خبر عياض بن حمار أن النبي ﷺ قال: "أهل الجنة ثلاثة عفيف متصدق، وذو سلطان مقسط، ورجل رحيم

стр. 2182

رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم" (١)، حدثناه أبو موسى قال حدثنا محمد بن أبي عدي قال حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن مطرف عن عياض بن حمار المجاشعي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول، قال أبو بكر: وإن المقسط اسم من أسامي ربنا جل وعلا، وبارئنا الحكيم أواه منيب، وأعلمنا أن نبينا المصطفى محمداً ﷺ رؤوف رحيم؛ فقال في وصفه: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) والله الشكور، وسمى بعض عباده الشكور، والله العلي وقال في مواضع من كتابه يذكر نفسه : ﴿إِنَّهُ عليٌّ حكيمٌ﴾ (٣)،وقد يسمى بهذا الاسم كثير من الآدميين لم نسمع عالماً ورعاً زاهداً فاضلاً فقيهاً ولا جاهلاً أنكر على أحد من الآدميين تسمية ابنه عليّاً، ولا كره أحد منهم هذا الاسم للآدميين، قد دعا النبي المصطفى ﷺ علي بن أبي طالب باسمه حين وجه إليه قال: "ادع لي عليّاً" (٤). والله الكبير وجميع المسلمين يوقعون اسم الكبير على أشياء ذوات عدد من المخلوقين يوقعون اسم الكبير على الشيخ الكبير وعلى الرئيس وعلى كل عظيم وكبير

стр. 2183

من الحيوان وغيرها، ذكر الله قول إخوة يوسف للملك ﴿إِنَّ لَهُ أَبًا شيخًا كبيرًا﴾ (١)، وقالت الخثعمية للنبي ﷺ : "إن فريضة الله على عباده أدركت أبي شيخاً كبيراً" (٢) فلم ينكر النبي ﷺ عليها تسميتها أباها كبيراً ولا قال لها: إن الكبير اسم من أسامي الله، وفي قصة شعيب ﴿وَأَبُونَا شيخٌ كبيرٌ﴾ (٣) وربنا الكريم والنبي ﷺ قد أوقع اسم الكريم على جماعة من الأنبياء فقال: "إن الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم" (٤)، وقال : ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ (٥) فسمى النبي ﷺ كل واحد من هؤلاء الأنبياء كريماً والله الحكيم، وسمى كتابه حكيماً فقال: ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ (٦)، وأهل القبلة يسمون لقمان الحكيم إذ الله أعلم أنه آتاه الحكمة فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ (٧)، وكذلك العلماء يقولون: قال الحكيم من الحكماء،

стр. 2184

ويقولون: فلان حكيم من الحكماء. والله جل وعلا الشهيد، وسمى الشهود الذين يشهدون على الحقوق شهوداً فقال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (١) وقال أيضاً: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (٢)، وسمى الله ثم نبيه المصطفى ﷺ وجميع أهل الصلاة المقتول في سبيل الله شهيداً. والله الحق فقال : ﴿فالحق وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ (٣) وقال: ﴿فتعالى اللَّهُ الْمَلِكُ الحق﴾ (٤) وقال : ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ (٥) وقال: ﴿وَبِالْحَقِّ أنزلناه وَبِالْحَقِّ نزل﴾ (٦) وقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (٧) وقال: ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (٨) وقال:

стр. 2185

﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ (١) وقال: ﴿الْمُلْكُ يومئذٍ الحق لِلرَّحْمَنِ﴾ (٢) وقال: ﴿ولا يأتونك بِمَثَلٍ إِلًّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ (٣) وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ (٤) وقال جل وعلا لنبيه ﷺ : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (٥)؛ فكل صواب وعدل في حكم وفعل ونطق؛ فاسم الحق واقع عليه، وإن كان اسم الحق اسماً من أسامي ربنا لا يمنع أحد من أهل القبلة من العلماء من إيقاع اسم الحق على كل عدل وصواب. والله الوكيل كما قال : ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٦)، والعرب لا تمانع بينها من إيقاع اسم الوكيل على من يتوكل لبعض بني آدم، والنبي ﷺ في خبر جابر قد قال له: "اذهب إلى وكيلي بخيبر" (٧)، وفي أخبار فاطمة بنت قيس في مخاطبتها النبي ﷺ لما أعلمته أن زوجها طلقها قالت: "وأمر

стр. 2186

وكيله أن يعطي شيئاً، وأنها استقلت ما أعطاها وكيل زوجها" (١)، والعجم أيضاً يوقعون اسم الوكيل على من يتوكل لبعض الآدميين كإيقاع العرب سواء. وأعلم الله أنه مولى الذين آمنوا في قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ (٢) وقال : ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ (٣) فأوقع اسم الموالي على العصبة، وقال النبي ﷺ : "من كنت مولاه فعلي مولاه" (٤)، وقد أمليت هذه الأخبار في فضائل علي ابن أبي طالب. وقال ﷺ لزيد بن حارثة لما اشتجر جعفر وعلي بن أبي طالب وزيد بن حارثة في ابنة حمزة قال لزيد: "أنت أخونا ومولانا" (٥) فأوقع اسم المولى أيضاً على مولى من أسفل كما يقع اسم المولى على المولى من أعلى؛ فكل معتق قد يقع عليه اسم مولى، ويقع على المعتق اسم مولى، وقال ﷺ في خبر عائشة: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها

стр. 2187

فنكاحها باطل" (١)؛ فقد أوقع الله ثم رسوله ثم جميع العرب والعجم اسم المولى على بعض المخلوقين، والله جل وعلا الوليّ، وقد سمى الله نبيه ﷺ وليّاً فقال: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ (٢) الآية، فسمى الله هؤلاء المؤمنين أيضاً الذين وصفهم في هذه الآية أولياء المؤمنين، وأعلمنا أيضاً ربنا أن بعض المؤمنين أولياء بعض في قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أولياء بَعْضٍ﴾ (٣) وقال : ﴿النَّبِيُّ أولى بالمؤمنين من أَنْفُسِهِمْ﴾ (٤). والله جل وعلا الحي، واسم الحي قد يقع أيضاً على كل ذي روح قبل قبض النفس وخروج الروح منه قبل الموت قال الله ﵎: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ (٥) واسم الحي قد يقع أيضاً على الموتان قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (٦) وقال الله تعالى:

стр. 2188

﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (١) وقال ﷺ : "من أحيا أرضاً ميتة فهي له" (٢). والله الواحد وكل ما له عدد من الحيوان والموتان فاسم الواحد قد يقع على كل واحد من جنس منه إذا عد قيل واحد واثنان وثلاثة إلى أن ينتهي العدد إلى ما انتهى إليه وإذا كان واحد من ذلك الجنس قيل: هذا واحد، وكذلك يقال هذا الواحد صفته كذا وكذا، لا تمانع العرب في إيقاع اسم الواحد على ما بينت، وربنا جل وعلا الوالي، وكل من له ولاية من أمر المسلمين فاسم الوالي واقع عليه عند جميع أهل الصلاة من العرب. وخالقنا التواب قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (٣) وقد سمى الله جميع من تاب من الذنوب توّاباً فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٤)، ومعقول عند كل مؤمن أن هذا الاسم الذي هو اسم الله ليس هو على معنى ما سمى الله التائبين به؛ لأن الله إنما أخبر أنه يحب التوابين أي من الذنوب والخطايا، وجل ربنا وعز أن يكون اسم التواب له على المعنى الذي خبر أنه يحب التوابين من المؤمنين. ومعبودنا ﷻ

стр. 2189

الغنيّ قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ (١) واسم الغني قد يقع على كل من قد أغناه الله تعالى بالمال وقال جل وعلا ذكره: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٢) وقال: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ (٣)، وقال النبي ﷺ عند بعثه معاذاً إلى اليمن: "أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم" (٤)، وقال ضمام ابن ثعلبة للنبي ﷺ : "آلله أمرك أن تأخذ الصدقة من أغنيائنا فتردها على فقرائنا؟ قال: نعم" (٥). وربنا جل وعلا النور، وقد سمى الله بعض خلقه نوراً فقال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ وقال: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٦) وقال: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ

стр. 2190

وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ (١) وقال: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ (٢)، قال أبو بكر: قد كنت خبرت منذ دهر طويل أن بعض من كان يدعي العلم ممن كان لا يفهم هذا الباب يزعم أنه غير جائز أن يقرأ ﴿اللهُ نَوَّرَ السمواتِ والأرضَ﴾ (٣) وكان يقرأ ((اللهُ نَوَّرَ السمواتِ والأرضَ)) فبعثت إليه بعض أصحابي، وقلت له: قل له: ما الذي تنكر أن يكون لله اسم يسمي الله بذلك الاسم بعض خلقه؟ فقد وجدنا الله قد سمى بعض خلقه بأسماء هي له أسامي. وبعثت له بعض ما قد أمليته في هذا الفصل، وقلت للرسول: قل له: قد روي عن النبي ﷺ بالإسناد الذي لا يدفعه عالم بالأخبار ما يثبت أن الله نُور السموات والأرض، قلت: في خبر طاوس عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يدعو: "اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن" الحديث بتمامه (٤) قد أمليته في كتاب الدعوات وفي كتاب الصلاة أيضاً، فرجع الرسول فقال: لست أنكر أن يكون الله تعالى نوراً، كما قد بلغني بعد أنه رجع. قال أبو بكر: وكل من فهم عن الله خطابه يعلم أن هذه الأسامي التي

стр. 2191

هي لله تعالى أسامي، بين الله ذلك في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ مما قد أوقع تلك الأسامي على بعض المخلوقين ليس على معنى تشبيه المخلوق بالخالق؛ لأن الأسامي قد تتفق وتختلف المعاني؛ فالنور وإن كان اسماً لله فقد يقع اسم النور على بعض المخلوقين، فليس معنى النور الذي هو اسم الله في المعنى مثل النور الذي هو خلق لله، قال الله جل وعلا: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (١)، واعلم أيضاً أن لأهل الجنة نوراً يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، وقد أوقع الله اسم النور على معان. وربنا جل وعلا الهادي وقد سمى بعض خلقه هادياً فقال لنبيه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (٢) فسمى نبيه ﷺ هادياً وإن كان الهادي اسماً لله ، والله الوارث قال الله تعالى: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ (٣) وقد سمى الله من يرث من الميت ماله وارثاً فقال : ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (٤). فتفهّموا يا ذوي الحجا ما يثبت في هذا الفصل تعلموا وتستيقنوا أن لخالقنا أسامي قد تقع تلك الأسامي على بعض خلقه في اللفظ لا على المعنى على ما قد ثبت في هذا الفصل من الكتاب والسنة ولغة العرب؛ فإن كان علماء الآثار الذين يصفون الله بما وصف به نفسه وعلى لسان نبيه

стр. 2192

- ﷺ مشبهة على ما يزعم الجهمية المعطلة؛ فكل أهل القبلة إذا قرؤوا كتاب الله فآمنوا به بإقرار باللسان وتصديق بالقلب، وسموا الله بهذه الأسامي التي سماهم الله بها هم مشبهة، فعود مقالتهم هذه توجب أن على أهل التوحيد الكفر بالقرآن وترك الإيمان به، وتكذيب القرآن بالقلوب، والإنكار بالألسن؛ فأقذر بهذا من مذهب! وأقبح بهذه الوجوه عندهم عليهم لعائن الله، وعلى من ينكر جميع ما وصف الله به نفسه في محكم تنزيله، والكفر بجميع ما ثبت عن نبينا المصطفى ﷺ بنقل أهل العدالة موصولاً إليه في صفات الخالق جل وعلا! (١) موقفه من المرجئة: جاء في كتاب الأباطيل: فخرج من ناحية سجستان بأصحابه -يعني: محمد بن كرّام-، وامتد إلى أرض نيسابور، فاستقبله أهلها بالرحب، وتمسحوا به!! وقبلوه أحسن قبول، وعظمت الفتنة على الخاصة، وأهل العلم به، وأعياهم أمره، فاجتمعوا إلى أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وكان شيخ الوقت غير مدافع، وإماماً في سائر العلوم الدينية، وكان الساماني ملك الشرق، يكتب إليه: "إمام الأئمة وحبر هذه الأمة" فحين استفحل أمر ابن كرام، وانتشر قوله في أعمال نيسابور، كاتب محمد بن إسحاق السلطان، وأن البلية قد عظمت على العامة بهذا الرجل، وأمره يزداد كل يوم انتشاراً، فكتب السلطان إلى نائبه بنيسابور: أن يمتثل جميع ما يأمره به الشيخ محمد بن إسحاق، ولا يخالفه في شيء يشير إليه، فجمع أهل العلم واستشارهم،

стр. 2193

فقالوا: ليس نجد رأياً أرشد من رأي الأمير إبراهيم بن الحصين في إخراجه من الناحية. فأمر الأمير بإخراجه، فخرج معه من أماثل نيسابور خلق كثير، قيل: ثمان مائة كنيسة من جلة الناس غير التبع، وامتد على حاله إلى بيت المقدس، وسكن هناك إلى أن مات. (١) أبو إسحاق الزَّجَّاج (٢) (٣١١ هـ) هو إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج، البغدادي نحوي زمانه. كان يخرط الزجاج، ثم مال إلى النحو، فلزم المبرد وأخذ عنه، وكان المبرد يقدم الزجاج على جميع أصحابه، ثم أدب القاسم بن عبيد الله الوزير، فكان سبب غناه، ثم كان من ندماء المعتضد. وروى عنه علي بن عبد الله بن المغيرة وغيره. قال الخطيب: كان من أهل الفضل والدين، حسن الاعتقاد، جميل المذهب وله مصنفات حسان في الأدب. توفي ﵀ في جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة. وكان آخر ما سمع منه قوله: اللهم احشرني على مذهب أحمد بن حنبل ﵁. موقفه من الجهمية: قال أبو إسحاق الزجاج: أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان ويميل بالأعمال،

стр. 2194

وأنكرت المعتزلة الميزان وقالوا: هو عبارة عن العدل، فخالفوا الكتاب والسنة لأن الله أخبر أنه يضع الموازين لوزن الأعمال ليرى العباد أعمالهم ممثلة ليكونوا على أنفسهم شاهدين. (١) السَّرَّاج (٢) (٣١٣ هـ) محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران الإمام الحافظ الثقة محدث خراسان، أبو العباس الثقفي مولاهم الخراساني، مولده سنة ثماني عشرة ومائتين وقيل غير ذلك. سمع من إسحاق بن سعيد ومحمد بن بكار بن الريان وخلق سواهم. وحدث عنه البخاري، ومسلم خارج الصحيحين، وأبو حاتم الرازي أحد شيوخه، وأبو بكر بن أبي الدنيا وخلق كثير. قال الخطيب: كان من الثقات الأثبات، عني بالحديث وصنف كتبا كثيرة، وهي معروفة. قال الصعلوكي: كنا نقول: السَّرَّاج كالسِّراج، وكان يقول: حدثنا أبو العباس الأوحد في فنه، الأكمل في وزنه. وقال ابن أبي حاتم: أبو العباس السراج صدوق ثقة. توفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة. موقفه من الجهمية: - جاء في السير: قال أبو عبد الله الحاكم: سمعت أبي يقول: لما ورد

стр. 2195

الزعفراني، وأظهر خلق القرآن، سمعت السراج يقول: العنوا الزعفراني. فيضج الناس بلعنته. فنزح إلى بخارى. (١) - وفيها: قال الحاكم: وسمعت أبا سعيد بن أبي بكر يقول: لما وقع من أمر الكلابية ما وقع بنيسابور، كان أبو العباس السراج، يمتحن أولاد الناس، فلا يحدث أولاد الكلابية، فأقامني في المجلس مرة فقال: قل: أنا أبرأ إلى الله تعالى من الكلابية. فقلت: إن قلت هذا لا يطعمني أبي الخبز، فضحك وقال: دعوا هذا. (٢) - عن أحمد بن محمد الخفاف، حدثنا أبو العباس السراج إملاء قال: من لم يقر بأن الله تعالى يعجب، ويضحك، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، فيقول: "من يسألني فأعطيه" (٣) فهو زنديق كافر، يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين. أبو علي السِّنْجِي (٤) (٣١٥ هـ) الحافظ أبو علي الحسين بن محمد بن مصعب السنجي المروزي. حدث عن علي بن خشرم، ويحيى بن حكيم المقوم وأبي سعيد الأشج. حدث عنه أبو حاتم البستي في كتبه، وزاهر بن أحمد السرخسي، وأحمد بن عبد الله

стр. 2196

النعيمي. قال عنه ابن ماكولا: ما كان بخراسان أحد أكثر حديثاً منه. توفي سنة خمس عشرة وثلاثمائة. موقفه من المبتدعة: جاء في السير: وكان لا يكاد يحدث أهل الرأي؛ لأنهم يسمعون الحديث، ويعدلون عنه إلى القياس. (١) أبو بكر بن أبي داود (٢) (٣١٦ هـ) عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث، الإمام العلامة الحافظ شيخ بغداد، أبو بكر الحافظ ابن الحافظ السِّجِسْتَاني. ولد بسجستان سنة ثلاثين ومائتين، ونشأ بنيسابور وغيرها. سمع من محمد بن أسلم الطوسي وهو أول شيخ سمع منه. وروى عن أبيه وعمه وعيسى بن حماد زغبة، وأحمد بن صالح وخلق كثير بخراسان والحجاز والعراق ومصر والشام وأصبهان وفارس. وحدث عنه خلق كثير منهم: ابن حبان، وأبو أحمد الحاكم، وأبو الحسن الدارقطني وآخرون. كان أبو بكر من بحور العلم، بحيث إن بعضهم فضله على أبيه، صنف 'السنن' و'المصاحف' و'شريعة المقارئ' و'الناسخ والمنسوخ' و'البعث' وأشياء. كذبه أبوه، وعلق الذهبي قائلا: لعل قول أبيه فيه -إن صح- أراد الكذب في لهجته، لا في الحديث. فإنه حجة فيما ينقله، أو كان

стр. 2197

يكذب ويوري في كلامه، ومن زعم أنه لا يكذب أبدا فهو أرعن، نسأل الله السلامة من عثرة الشباب، ثم إنه شاخ وارعوى، ولزم الصدق والتقى. مات أبو بكر وهو ابن ست وثمانين سنة. وصلى عليه مطلب الهاشمي، ثم أبو عمر حمزة بن القاسم الهاشمي، ودفنوه يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة من سنة ست عشرة وثلاثمائة في مقبرة باب البستان. موقفه من المبتدعة: قال أبو بكر بن أبي داود: أهل الرأي هم أهل البدع. وهو القائل في قصيدته في السنة: تمسك بحبل الله واتبع الهدى ... ولا تك بدعيّاً لعلك تفلح وَدِنْ بكتاب الله والسنن التي ... أتت عن رسول الله تنجو وتربح إلى أن قال: ودع عنك آراء الرجال وقولهم ... فقول رسول الله أزكى وأشرح ولا تك من قوم تلهوا بدينهم ... فتطعن في أهل الحديث وتقدح إذا ما اعتقدت الدهر يا صاح هذه ... فأنت على خير تبيت وتصبح تنبيه: سنورد المنظومة كاملة -بإذن الله- ضمن مواقفه ﵀ من الجهمية. وهي متضمنة الرد على جميع الفرق المنحرفة عن سبيل السلف الصالح فنجد فيها:

стр. 2198

موقفه من الرافضة والجهمية والخوارج والمرجئة والقدرية: قال الآجري في الشريعة: وقد كان أبو بكر بن أبي داود ﵀ أنشدنا قصيدة قالها في السنة وهذا موضعها وأنا أذكرها ليزداد بها أهل الحق بصيرة وقوة إن شاء الله: أملى علينا أبو بكر بن أبي داود في مسجد الرصافة في يوم الجمعة لخمس بقين من شعبان سنة تسع وثلاثمائة فقال تجاوز الله عنه: تمسك بحبل الله واتبع الهدى ... ولا تك بدعياً لعلك تفلح وَدِنْ بكتاب الله والسنن التي ... أتت عن رسول الله تنجو وتربح وقل: غيرُ مخلوق كلام مليكنا ... بذلك دان الأتقياء وأفصحوا ولا تغلُ في القرآن بالوقف قائلاً ... كما قال أتباع لجهم وأسجحوا ولا تقل: القرآن خلقٌ قراءته ... وقل يتجلى الله للخلق جهرة ... كما البدر لا يخفى وربك أوضح وليس بمولود وليس بوالد ... وليس له شبه تعالى المسبَّح وقد ينكر الجهمي هذا وعندنا ... بمصداق ما قلنا حديث مصرح رواه جرير عن مقال محمد ... فقل مثل ما قد قال في ذاك تنجح وقد ينكر الجهمي أيضاً يمينه ... وكلتا يديه بالفواضل تنضح وقل: ينزل الجبار في كل ليلة ... بلا كيف جل الواحد المتمدح إلى طبق الدنيا يمنّ بفضله ... فتفرج أبواب السماء وتفتح يقول: ألا مستغفرٌ يلقَ غافراً ... ومستمنحٌ خيراً ورزقاً فيمنح روى ذاك قوم لا يرد حديثهم ... ألا خاب قوم كذبوهم وقبحوا

стр. 2199

وقل: إن خير الناس بعد محمد ... وزيراه قِدْماً ثم عثمان الأرجَحُ ورابعهم خير البرية بعدهم ... علي حليف الخير بالخير مُنْجِحُ وإنهم والرهط لا ريب فيهم ... على نُجُبِ الفردوس في الخلد سعيد وسعد وابن عوف وطلحةٌ ... تسرح وعامرُ فهرٍ والزبير الممدح وقل خيرَ قولٍ في الصحابة كلهم ... ولا تك طعاناً تعيب وتجرح فقد نطق الوحي المبين بفضلهم ... وفي الفتح آيٌ في الصحابة تمدح وبالقدر المقدور أيقن فإنه ... دعامة عقد الدين والدين أفيح ولا تُنكِرَنْ جهلاً نكيراً ومنكراً ... ولا الحوض والميزان إنك تنصح وقل: يخرج الله العظيم بفضله ... من النار أجساداً من الفحم تطرح على النهر في الفردوس تحيا بمائه ... كحبة حمل السيل إذ جاء يطفح وإن رسول الله للخلق شافعٌ ... وقل في عذاب القبر: حق موضَّحُ ولا تُكْفِرَنْ أهل الصلاة وإن عصوا ... فكلهم يعصي وذو العرش يصفح ولا تعتقد رأي الخوارج إنه ... مقال لمن يهواه يردي ويفضح ولا تك مرجيّاً لعوباً بدينه ... ألا إنما المرجيّ بالدين يمزح وقل: إنما الإيمان قول ونية ... وفعل على قول النبي مصرح وينقص طوراً بالمعاصي وتارة ... بطاعته ينمى وفي الوزن يرجح ودع عنك آراء الرجال وقولهم ... فقول رسول الله أزكى وأشرح ولا تك من قوم تلهّوا بدينهم إذا ... فتطعن في أهل الحديث وتقدح ما اعتقدت الدّهرَ، يا صاحِ، هذه .... فأنت على خير تبيت وتصبح ثم قال لنا أبو بكر بن أبي داود: هذا قولي وقول أبي وقول أحمد بن

стр. 2200

حنبل وقول من أدركنا من أهل العلم ومن لم ندرك ممن بلغنا عنه، فمن قال عليّ غير هذا فقد كذب. (١) أبو الفضل الجَارُودي الهَرَوِيّ (٢) (٣١٧ هـ) الحافظ، الإمام محمد بن أبي الحسين أحمد بن محمد بن عمار الجارودي الهروي، سمع أحمد بن نجدة، والحسين بن إدريس، ومعاذ بن المثنى، ومحمد بن المظفر البغدادي، وآخرين. وسمع منه أبو علي الحافظ، وأبو الحسين الحجاجي، وعبد الله بن سعد، ومحمد بن أحمد بن حماد الكوفي، وغيرهم. إمام كبير عارف بعلل الحديث له جزء فيه بضعة وثلاثون حديثاً من الأحاديث التي بين عللها في صحيح مسلم. قتل شهيداً رحمه الله تعالى على يد القرامطة لعنهم الله وذلك سنة سبع عشرة وثلاثمائة. موقفه من الرافضة: قال الحاكم: سمعت بكير بن أحمد الحداد بمكة يقول: كأني أنظر إلى الحافظ أبي الفضل محمد بن الحسين وقد أخذته السيوف وهو متعلق بيديه جميعا بحلقتي الباب حتى سقط رأسه على عتبة الكعبة سنة ثلاث وعشرين. كذا أرخ، وإنما كان ذلك في سنة سبع عشرة وثلاث مائة، أرخه جماعة، قتلته القرامطة لعنهم الله وأخاه أحمد وقتلوا حول الحرم ألوفاً من الحجيج

стр. 2201

واقتلعوا الحجر وأخذوه معهم. (١) محمد بن محمد بن خالد المعروف بالطرزي (٢) (٣١٧ هـ) أبو القاسم محمد بن محمد بن خالد القيسي المعروف بالطرزي، القاضي الزاهد مولى بني معبد. سمع من محمد بن سحنون كثيراً. ولاّه عيسى بن مسكين على مظالم القيروان، وولاّه حماس بعده عشر سنين، ثم ولي قضاء صقلية. وكان شديد الضبط مغيراً للمنكر. قال ابن حارث الحافظ: صحبناه وقد هرم، وقرأنا عليه بعض كتاب ابن سحنون في خفية، وتوارى لما كنا فيه، يعني خوفاً من بني عبيد الرافضة. وكان كثيراً ما يتمثل بهذين البيتين: إذا خان الأمير وكاتباه ... وقاضي الأرض داهن في القضاء فويل للأمير وكاتبيه ... وقاضي الأرض من قاضي السماء وكان قليل ذات اليد. امتحن على يد قاضي الشيعة، ضربه في الجامع على رأس الناس، وحبسه مع أهل الجرائم. مات ﵀ ولم يكن له كفن!! وذلك سنة سبع عشرة وثلاثمائة في شهر رمضان. موقفه من الرافضة: جاء في المعالم: كانت له محنة؛ ضربه القاضي المروزي هو وابن بطريقة بالسياط عند الجامع، بغضاً منه في أهل السنة وعداوة لعلماء المسلمين!! قلت -أي التنوخي-: وزاد غيره وضربه أيضاً هو وابن سلمون القطان

стр. 2202

والخلافي المحتسب وقوماً مرابطين من أهل تونس وكان قتل المروزي بسببهم، وذلك أن عبيد الله إمام الشيعة لما أتى إلى القيروان من سجلماسة وجده قاضياً ووجد في سجنه من ذكر، وأظهر أن سببه القدح في الدولة فعزله وعذبه ثم قتله. (١) محمد بن الفضل البلخي (٢) (٣١٧ هـ) أبو عبد الله محمد بن الفضل بن العباس البلخي نزيل سمرقند. قال أبو نعيم الحافظ: سمع الكثير من قتيبة بن سعيد. من مشايخه أبو بشر محمد بن مهدي وإسماعيل بن نجيد وإبراهيم بن محمد بن عمرويه. روى عنه أبو بكر محمد بن عبد الله الرازي وأبو بكر بن المقرئ. من أقواله: ست خصال يعرف بها الجاهل: الغضب من غير شيء والكلام في غير نفع والعطية في غير موضعها وإفشاء السر والثقة بكل أحد ولا يعرف صديقه من عدوه. وقال: من ذاق حلاوة العلم لم يصبر عنه. مات سنة سبع عشرة وثلاث مئة. موقفه من المبتدعة: - قال محمد بن الفضل البلخي: أعرفهم بالله أشدهم مجاهدة في أوامره، وأتبعهم لسنة نبيه. (٣)

стр. 2203

- وقال أيضا: ذهاب الإسلام من أربعة: لا يعملون بما يعلمون، ويعملون بما لا يعلمون، ولا يتعلمون ما لا يعلمون، ويمنعون الناس من التعلم. (١) " التعليق: قال الشاطبي عقبه: هذا ما قال، وهو وصف صوفيتنا اليوم، عياذاً بالله. وقال الذهبي: هذه نعوت رؤوس العرب والترك، وخلق من جهلة العامة، فلو عملوا بيسير ما عرفوا، لأفلحوا، ولو وقفوا عن العمل بالبدع لوفقوا، ولو فتشوا عن دينهم وسألوا أهل الذكر -لا أهل الحيل والمكر- لسعدوا، بل يعرضون عن التعلم تيهاً وكسلاً، فواحدة من هذه الخلال مردية، فكيف بها إذا اجتمعت؟ فما ظنك إذا انضم إليها كبر وفجور، وإجرام، وتجهرم على الله؟ نسأل الله العافية. (٢) موقف السلف من ابن أبي العزاقر (٣١٩ ه ـ) بيان زندقته: - جاء في السير: الزنديق المعثر، أبو جعفر، محمد بن علي، الشلمغاني الرافضي قال بالتناسخ، وبحلول الإلهية فيه، وأن الله يحل في كل شيء بقدر ما يحتمله، وأنه خلق الشيء وضده، فحل في آدم وفي إبليسه، وكل منهما ضد

стр. 2204

للآخر. وقال: إن الضد أقرب إلى الشيء من شبهه، وإن الله يحل في جسد من يأتي بالكرامات ليدل على أنه هو، وإن الإلهية اجتمعت في نوح وإبليسه، وفي صالح وعاقر الناقة، وفي إبراهيم ونمرود، وعلي وإبليسه. وقال: من احتاج الناس إليه، فهو إله. وسمى موسى ومحمداً الخائنين، لأن هارون أرسل موسى، وعلياً أرسل محمداً، فخاناهما. وإن علياً أمهل محمداً ثلاث مئة سنة ثم تذهب شريعته. ومن رأيه ترك الصلاة والصوم، وإباحة كل فرج، وأنه لا بد للفاضل أن يَنِيكَ المفضول ليولج فيه النور، ومن امتنع مسخ في الدور الثاني فربط الجهلة وتخرق، وأضل طائفة، فأظهر أمره أبو القاسم الحسين بن روح -رأس الشيعة، الملقب بالباب- إلى صاحب الزمان، فطلب ابن أبي العزاقر، فاختفى، وتسحب إلى الموصل، فأقام هناك سنين، ورجع، فظهر عنه ادعاء الربوبية، واتبعه الوزير حسين بن الوزير القاسم بن عبيد الله بن وهب - وزير المقتدر فيما قيل، وابنا بسطام، وإبراهيم بن أبي عون، فطلبوا، فتغيبوا، فلما كان في شوال من سنة اثنتين وعشرين ظفر الوزير ابن مقلة بهذا، فسجنه، وكبس داره، فوجد فيها رقاعاً وكتباً مما يدعى عليه، وفيها خطابه بما لا يخاطب به بشر، فعرضت عليه، فأقر أنها خطوطهم، وتنصل مما يقال فيها، وتبرأ منهم، فمد ابن عبدوس يده، فصفعه. وأما ابن أبي عون فمد يده إليه، فارتعدت يده، ثم قبل لحيته ورأسه وقال: إلهي، ورازقي، وسيدي. فقال له الراضي بالله: قد زعمت أنك لا تدعي الإلهية، فما هذا؟ قال: وما علي من قول هذا؟ والله يعلم أنني ما قلت له: إنني إله قط. فقال ابن عبدوس: إنه لم يدع إلهية، إنما ادعى أنه الباب إلى الإمام المنتظر. ثم إنهم أحضروا مرات

стр. 2205

بمحضر الفقهاء والقضاة، ثم في آخر الأمر أفتى العلماء بإباحة دمه، فأحرق في ذي القعدة من السنة، وضرب ابن أبي عون بالسياط، ثم ضربت عنقه وأحرق. (١) - وفيها أيضاً: وذكرنا في الحوادث: أن في هذا العام ظهر الشلمغاني. وشلمغان: قرية من قرى واسط. فشاع عنه ادعاء الربوبية، وأنه يحيى الموتى، فأحضره ابن مقلة عند الراضي، فسمع كلامه، وأنكر ما قيل عنه. وقال: لتنزلن العقوبة على الذي باهلني بعد ثلاث، وأكثره تسعة أيام، وإلا فدمي حلال. فضرب ثمانين سوطاً، ثم قتل وصلب. وقتل بسببه وزير المقتدر، الحسين، اتهم بالزندقة. وقتل أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن هلال بن أبي عون الأنباري الكاتب. وقد كان أبو علي الحسين -ويقال: الجمال- وزر للمقتدر في سنة تسع عشرة وثلاث مائة، ولقبوه عميد الدولة، وعزل بعد سبعة أشهر، وسجن، وعقد له مجلس في كائنة الشلمغاني، ونوظر، فظهرت رِقَاعُهُ يخاطب الشلمغاني فيها بالإلهية، وأنه يحييه ويميته، ويسأله أن يغفر له ذنوبه. فأخرجت تلك الرقاع، وشهد جماعة أنه خطه، فضربت عنقه، وطيف برأسه في ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة، وعاش ثمانياً وسبعين سنة. (٢)

стр. 2206

موقف السلف من ابن مسرة (٣١٩ ه ـ) بيان زندقته: - جاء في تاريخ ابن الفرضي: اتهم بالزندقة فخرج فاراً وتردد بالمشرق مدة فاشتغل بملاقاة أهل الجدل وأصحاب الكلام والمعتزلة، ثم انصرف إلى الأندلس فأظهر نسكاً وورعاً واغتر الناس بظاهره، فاختلفوا إليه وسمعوا منه، ثم ظهر الناس على سوء معتقده وقبح (١) مذهبه، فانقبض من كان له إدراك وعلم وتمادى في صحبته آخرون غلب عليهم الجهل فدانوا بنحلته، وكان يقول بالاستطاعة وإنفاذ الوعيد ويحرف التأويل في كثير من القرآن ... وقال عنه ابن حارث: الناس في ابن مسرة فرقتان: فرقة تبلغ به مبلغ الإمامة في العلم والزهد وفرقة تطعن عليه بالبدع لما ظهر من كلامه في الوعد والوعيد وبخروجه عن العلوم المعلومة بأرض الأندلس الجارية على مذهب التقليد والتسليم. (٢) " التعليق: ما ذكره ابن الفرضي، يدل على محاربة الأندلس للباطنية الزنادقة الذين يعيثون في الأرض فساداً، وهكذا ينبغي أن يكون العلماء في كل زمان ومكان، وقول ابن الحارث: إن أهل الأندلس كانوا على مذهب التسليم والتقليد، فيقصد بذلك أنهم كانوا على مذهب السلف، وما طرأ من ذلك

стр. 2207

فهو دخيل، قصده نسف الإسلام من أصله. المقتدر بالله (١) (٣٢٠ هـ) جعفر بن المعتضد بالله أحمد بن أبي أحمد طلحة بن المتوكل على الله الهاشمي العباسي البغدادي أبو الفضل أمير المؤمنين. مولده في ليلة الجمعة لثمان بقين من رمضان سنة اثنتين وثمانين ومائتين، بويع له بالخلافة بعد أخيه المكتفي سنة خمس وتسعين ومائتين وهو ابن ثلاث عشرة سنة وشهر وأيام. كان جيد العقل صحيح الرأي ولكنه كان مؤثراً للشهوات وكان سمحاً متلافاً للأموال، محق ما لا يعد ولا يحصى. وقتل لثلاث بقين من شوال سنة عشرين وثلاثمائة. وله ثمان وثلاثون سنة. موقفه من الرافضة: تقدم ما فعله المقتدر بالله بالزنديق الحلاج، والآن نحن مع موقف له مع الرافضة إخوان القرامطة: جاء في البداية والنهاية: وفي صفر منها -أي سنة ثلاثة عشر وثلاثمائة- بلغ الخليفة أن جماعة من الرافضة يجتمعون في مسجد براثي، فينالون من الصحابة ولا يصلون الجمعة ويكاتبون القرامطة ويدعون إلى محمد بن إسماعيل، الذي ظهر بين الكوفة وبغداد ويدعون أنه المهدي ويتبرأون من المقتدر ومن تبعه، فأمر بالاحتياط عليهم واستفتى العلماء بالمسجد فأفتوا بأنه

стр. 2208

مسجد ضرار، فضرب من قدر عليه منهم الضرب المبرح ونودي عليهم وأمر بهدم ذلك المسجد المذكور فهدم، هدمه مازوك وأمر الوزير الخاقاني فجعل مكانه مقبرة فدفن فيها جماعة من الموالي. (١) " التعليق: جزى الله خيراً خليفة المسلمين وأثابه على غيرته في عقيدته، وأثاب الفقهاء معه، وما أحسن ما عمله من جعل المسجد مقبرة فهكذا ينبغي الآن للمسلمين أن يهدموا جميع الأوثان التي تعبد من دون الله، ويوضع مكانها حمامات أو مقابر حتى تنسى نسياناً كليّاً، ويباد الشرك ومظاهره وتختفي، لا التشجيع والتشييد، وإقامة المواسم والذبائح عندها، ولا حول ولا قوة إلا بالله اللهم اهد أمراءنا وعلماءنا. موقف السلف من الحكيم الترمذي الصوفي (٣٢٠ ه ـ) بيان تصوفه: - موقف أهل ترمذ منه: قال أبو عبد الرحمن السلمي: أخرجوا الحكيم من ترمذ، وشهدوا عليه بالكفر، وذلك بسبب تصنيفه كتاب: 'ختم الولاية'، وكتاب 'علل الشريعة'، وقالوا: إنه يقول: إن للأولياء خاتماً كالأنبياء لهم خاتم. وإنه يفضل الولاية

стр. 2209

على النبوة، واحتج بحديث: "يغبطهم النبيون والشهداء" (١). فقدم بلخ، فقبلوه لموافقته لهم في المذهب. (٢) " التعليق: ما كفر من أجله، وما أخرج من أجله الحكيم الترمذي فهو اليوم يعد من الولاية والصلاح، وكتابه الذي ألفه وملأه بالكفر والضلال هو مصدر كثير من الطرق الصوفية في دعواهم أن شيخهم هو خاتم الأولياء. وقال السلمي: هجر لتصنيفه كتاب: 'ختم الولاية'، و'علل الشريعة'، وليس فيه ما يوجب ذلك، ولكن لبعد فهمهم عنه. قال الذهبي: كذا تكلم في السلمي من أجل تأليفه كتاب: 'حقائق التفسير'، فيا ليته لم يؤلفه، فنعوذ بالله من الإشارات الحلاجية، والشطحات البسطامية، وتصوف الاتحادية، فواحزناه على غربة الإسلام والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٢). اهـ (٤)

стр. 2210

أبو جعفر الطحاوي (١) (٣٢١ هـ) الإمام العلامة الحافظ الكبير صاحب التصانيف البديعة. محدث الديار المصرية وفقيهها، أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك، الأزدي الحجري المصري الطحاوي الحنفي. مولده في سنة تسع وثلاثين ومائتين. سمع من عبد الغني بن رفاعة وهارون الأَيلي، ويونس بن عبد الأعلى، والربيع بن سليمان المرادي ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم وطبقتهم. وبرز في علم الحديث وفي الفقه وتفقه بالقاضي أحمد بن أبي عمران الحنفي وجمع وصنف. روى عنه أحمد بن القاسم الخشاب وأبو القاسم الطبراني وأبو بكر ابن المقرئ ومحمد بن المظفر الحافظ وخلق سواهم. قال ابن يونس: وكان ثقة ثبتاً فقيهاً لم يُخَلِّفْ مثله. صنف ﵀ 'الآثار' و'معاني الآثار' و'اختلاف العلماء' و'الشروط' و'أحكام القرآن' و'العقيدة الطحاوية' وغيرها. صحب أولاً المزني الشافعي ثم تحول إلى ابن أبي عمران. توفي رحمه الله تعالى في مستهل ذي القعدة سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة. موقفه من المبتدعة: - جاء في لسان الميزان: قال ابن زولاق: وسمعت أبا الحسن علي بن أبي جعفر الطحاوي يقول: سمعت أبي يقول: وذكر فضل أبي عبيد بن جرثومة وفقهه فقال: كان يذاكرني بالمسائل فأجبته يوماً في مسألة فقال لي: ما هذا قول أبي حنيفة، فقلت له: أيها القاضي أو كل ما قاله أبو حنيفة أقول
следующие страницы →