← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

موقف السلف من ابن مسرة (٣١٩ ه ـ) بيان زندقته: - جاء في تاريخ ابن الفرضي: اتهم بالزندقة فخرج فاراً وتردد بالمشرق مدة فاشتغل بملاقاة أهل الجدل وأصحاب الكلام والمعتزلة، ثم انصرف إلى الأندلس فأظهر نسكاً وورعاً واغتر الناس بظاهره، فاختلفوا إليه وسمعوا منه، ثم ظهر الناس على سوء معتقده وقبح (١) مذهبه، فانقبض من كان له إدراك وعلم وتمادى في صحبته آخرون غلب عليهم الجهل فدانوا بنحلته، وكان يقول بالاستطاعة وإنفاذ الوعيد ويحرف التأويل في كثير من القرآن ... وقال عنه ابن حارث: الناس في ابن مسرة فرقتان: فرقة تبلغ به مبلغ الإمامة في العلم والزهد وفرقة تطعن عليه بالبدع لما ظهر من كلامه في الوعد والوعيد وبخروجه عن العلوم المعلومة بأرض الأندلس الجارية على مذهب التقليد والتسليم. (٢) " التعليق: ما ذكره ابن الفرضي، يدل على محاربة الأندلس للباطنية الزنادقة الذين يعيثون في الأرض فساداً، وهكذا ينبغي أن يكون العلماء في كل زمان ومكان، وقول ابن الحارث: إن أهل الأندلس كانوا على مذهب التسليم والتقليد، فيقصد بذلك أنهم كانوا على مذهب السلف، وما طرأ من ذلك

стр. 2207

فهو دخيل، قصده نسف الإسلام من أصله. المقتدر بالله (١) (٣٢٠ هـ) جعفر بن المعتضد بالله أحمد بن أبي أحمد طلحة بن المتوكل على الله الهاشمي العباسي البغدادي أبو الفضل أمير المؤمنين. مولده في ليلة الجمعة لثمان بقين من رمضان سنة اثنتين وثمانين ومائتين، بويع له بالخلافة بعد أخيه المكتفي سنة خمس وتسعين ومائتين وهو ابن ثلاث عشرة سنة وشهر وأيام. كان جيد العقل صحيح الرأي ولكنه كان مؤثراً للشهوات وكان سمحاً متلافاً للأموال، محق ما لا يعد ولا يحصى. وقتل لثلاث بقين من شوال سنة عشرين وثلاثمائة. وله ثمان وثلاثون سنة. موقفه من الرافضة: تقدم ما فعله المقتدر بالله بالزنديق الحلاج، والآن نحن مع موقف له مع الرافضة إخوان القرامطة: جاء في البداية والنهاية: وفي صفر منها -أي سنة ثلاثة عشر وثلاثمائة- بلغ الخليفة أن جماعة من الرافضة يجتمعون في مسجد براثي، فينالون من الصحابة ولا يصلون الجمعة ويكاتبون القرامطة ويدعون إلى محمد بن إسماعيل، الذي ظهر بين الكوفة وبغداد ويدعون أنه المهدي ويتبرأون من المقتدر ومن تبعه، فأمر بالاحتياط عليهم واستفتى العلماء بالمسجد فأفتوا بأنه

стр. 2208

مسجد ضرار، فضرب من قدر عليه منهم الضرب المبرح ونودي عليهم وأمر بهدم ذلك المسجد المذكور فهدم، هدمه مازوك وأمر الوزير الخاقاني فجعل مكانه مقبرة فدفن فيها جماعة من الموالي. (١) " التعليق: جزى الله خيراً خليفة المسلمين وأثابه على غيرته في عقيدته، وأثاب الفقهاء معه، وما أحسن ما عمله من جعل المسجد مقبرة فهكذا ينبغي الآن للمسلمين أن يهدموا جميع الأوثان التي تعبد من دون الله، ويوضع مكانها حمامات أو مقابر حتى تنسى نسياناً كليّاً، ويباد الشرك ومظاهره وتختفي، لا التشجيع والتشييد، وإقامة المواسم والذبائح عندها، ولا حول ولا قوة إلا بالله اللهم اهد أمراءنا وعلماءنا. موقف السلف من الحكيم الترمذي الصوفي (٣٢٠ ه ـ) بيان تصوفه: - موقف أهل ترمذ منه: قال أبو عبد الرحمن السلمي: أخرجوا الحكيم من ترمذ، وشهدوا عليه بالكفر، وذلك بسبب تصنيفه كتاب: 'ختم الولاية'، وكتاب 'علل الشريعة'، وقالوا: إنه يقول: إن للأولياء خاتماً كالأنبياء لهم خاتم. وإنه يفضل الولاية

стр. 2209

على النبوة، واحتج بحديث: "يغبطهم النبيون والشهداء" (١). فقدم بلخ، فقبلوه لموافقته لهم في المذهب. (٢) " التعليق: ما كفر من أجله، وما أخرج من أجله الحكيم الترمذي فهو اليوم يعد من الولاية والصلاح، وكتابه الذي ألفه وملأه بالكفر والضلال هو مصدر كثير من الطرق الصوفية في دعواهم أن شيخهم هو خاتم الأولياء. وقال السلمي: هجر لتصنيفه كتاب: 'ختم الولاية'، و'علل الشريعة'، وليس فيه ما يوجب ذلك، ولكن لبعد فهمهم عنه. قال الذهبي: كذا تكلم في السلمي من أجل تأليفه كتاب: 'حقائق التفسير'، فيا ليته لم يؤلفه، فنعوذ بالله من الإشارات الحلاجية، والشطحات البسطامية، وتصوف الاتحادية، فواحزناه على غربة الإسلام والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٢). اهـ (٤)

стр. 2210

أبو جعفر الطحاوي (١) (٣٢١ هـ) الإمام العلامة الحافظ الكبير صاحب التصانيف البديعة. محدث الديار المصرية وفقيهها، أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك، الأزدي الحجري المصري الطحاوي الحنفي. مولده في سنة تسع وثلاثين ومائتين. سمع من عبد الغني بن رفاعة وهارون الأَيلي، ويونس بن عبد الأعلى، والربيع بن سليمان المرادي ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم وطبقتهم. وبرز في علم الحديث وفي الفقه وتفقه بالقاضي أحمد بن أبي عمران الحنفي وجمع وصنف. روى عنه أحمد بن القاسم الخشاب وأبو القاسم الطبراني وأبو بكر ابن المقرئ ومحمد بن المظفر الحافظ وخلق سواهم. قال ابن يونس: وكان ثقة ثبتاً فقيهاً لم يُخَلِّفْ مثله. صنف ﵀ 'الآثار' و'معاني الآثار' و'اختلاف العلماء' و'الشروط' و'أحكام القرآن' و'العقيدة الطحاوية' وغيرها. صحب أولاً المزني الشافعي ثم تحول إلى ابن أبي عمران. توفي رحمه الله تعالى في مستهل ذي القعدة سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة. موقفه من المبتدعة: - جاء في لسان الميزان: قال ابن زولاق: وسمعت أبا الحسن علي بن أبي جعفر الطحاوي يقول: سمعت أبي يقول: وذكر فضل أبي عبيد بن جرثومة وفقهه فقال: كان يذاكرني بالمسائل فأجبته يوماً في مسألة فقال لي: ما هذا قول أبي حنيفة، فقلت له: أيها القاضي أو كل ما قاله أبو حنيفة أقول

стр. 2211

به؟ فقال: ما ظننتك إلا مقلداً، فقلت له: وهل يقلد إلا عصبي؟! فقال لي: أو غبي. قال: فطارت هذه الكلمة بمصر حتى صارت مثلاً وحفظها الناس. (١) آثاره في العقيدة السلفية: 'عقيدة الإمام الطحاوي': كان لهذه العقيدة الأثر الطيب في المشرق والمغرب، وتناقلها طلبة العلم، وحظيت بعناية فائقة، فشرحت، وحقق شرحها لابن أبي العز، وكان من خير ما حققت به تحقيق الشيخ ناصر الألباني والشيخ شاكر رحمهما الله، وقد اتخذتها الجامعة الإسلامية منهجاً في جميع الكليات، ونفع الله بها الكثير من الطلاب، وقررناها ضمن المنهج العلمي لدور القرآن الكريم ببلادنا المغرب. ومما جاء فيها من الحث على السنة وذم البدعة: - قوله: ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه؛ حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان، فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوساً تائهاً شاكّاً، لا مؤمناً مصدقاً، ولا جاحداً مكذباً. - وقوله: ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة. - وقوله: وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل.

стр. 2212

- وقوله: ونرى الجماعة حقاً وصواباً، والفُرقة زيغاً وعذاباً. تنبيه: قال ﵀: والإيمان هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان. وهذا هو مذهب الحنفية والماتريدية كما نبه عليه شيخنا الألباني ﵀ فلا بد من زيادة العمل بالأركان. موقفه من الصوفية: قال ﵀ في عقيدته: ولا نفضل أحداً من الأولياء على أحد من الأنبياء ﵈، ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء. ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح من رواياتهم. (١) موقفه من الجهمية: قال أبو جعفر الطحاوي في الاعتقاد الذي قال في أوله: ذكر بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمد ابن الحسن الشيباني قال فيه: وأن القرآن كلام الله، منه بدأ بلا كيفية قولاً، وأنزله على رسوله وحياً، وصدقه المؤمنون على ذلك حقاً، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وعابه وأوعده بسقر حيث قال: ﴿سأصليه سقر﴾ (٢)

стр. 2213

فلمّا أوعد الله بسقر لمن قال: ﴿إِنْ هذا إلا قول البشر﴾ (١) علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر ولا يشبه قول البشر. (٢) موقفه من الخوارج: قال في بيان عقيدة أهل السنة: ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب، ما لم يستحله، ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله. ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته ولا نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئهم ونخاف عليهم ولا نقنطهم. (٣) وقال أيضاً: وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون، إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين، بعد أن لقوا الله عارفين مؤمنين، وهم في مشيئته وحكمه. إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، كما ذكر في كتابه: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (٤) وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يبعثهم إلى جنته، وذلك بأن الله تعالى تولى أهل معرفته، ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته، الذين خابوا من هدايته، ولم ينالوا من ولايته. اللهم يا ولي الإسلام وأهله، ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به. ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة وعلى من مات منهم.

стр. 2214

ولا ننزل أحداً منهم جنة ولا ناراً، ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق، ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى. ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد ﷺ إلا من وجب عليه السيف. ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا، وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة. ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة. ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة. (١) موقفه من القدرية: - قال ﵀: والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبداً ولا تبيدان، وأن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق. وخلق لهما أهلاً، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلاً منه. ومن شاء منهم إلى النار عدلاً منه، وكل يعمل لما قد فرغ له، وصائر إلى ما خلق له. والخير والشر مقدران على العباد. والاستطاعة التي يجب بها الفعل، من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به فهي مع الفعل. وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع، والتمكن وسلامة الآلات، فهي قبل الفعل، وبها يتعلق الخطاب، وهو كما قال تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ (٢).

стр. 2215

وأفعال العباد خلق الله، وكسب من العباد. ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم وهو تفسير: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، نقول لا حيلة لأحد، ولا حركة لأحد ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله. وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره. غلبت مشيئته المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما يشاء، وهو غير ظالم أبداً تقدس عن كل سوء وحين وتنزه عن كل عيب وشين، ﴿لا يسئل عما يفعل وهم يسألون﴾ (١). اهـ (٢) - وقال ﵀: ونؤمن باللوح والقلم وبجميع ما فيه قد رقم، فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن، ليجعلوه غير كائن -لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه، ليجعلوه كائناً- لم يقدروا عليه، جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه. وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، فقدر ذلك تقديراً محكماً مبرماً، ليس فيه ناقض. ولا معقب، ولا مزيل ولا مغير، ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه، وذلك من عقد

стр. 2216

الإيمان. وأصول المعرفة، والاعتراف بتوحيد الله تعالى وربوبيته، كما قال تعالى في كتابه، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فقدره تقديرًا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قدرًا مقدورًا﴾ (٢). فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيماً، وأحضر للنظر فيه قلباً سقيماً، لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرّاً كتيماً، وعاد بما قال فيه أفّاكاً أثيماً. (٣) - وقال: فهذا ديننا واعتقادنا ظاهراً وباطناً، ونحن براء إلى الله من كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه. ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان، ويختم لنا به، ويعصمنا من الأهواء المختلفة، والآراء المتفرقة، والمذاهب الردية، مثل المشبهة والمعتزلة والجهمية والجبرية والقدرية وغيرهم، من الذين خالفوا السنة والجماعة، وحالفوا الضلالة، ونحن منهم براء، وهم عندنا ضلال وأردياء وبالله العصمة والتوفيق. (٤) موقف السلف من المهدي الرافضي عبيد الله أبي محمد (٣٢٢ ه ـ) بيان رفضه: - قال الذهبي في سيره: عبيد الله أبو محمد، أول من قام من الخلفاء

стр. 2217

الخوارج العبيدية الباطنية الذين قلبوا الإسلام، وأعلنوا بالرفض، وأبطنوا مذهب الإسماعيلية، وبثوا الدعاة، يستغوون الجبلية والجهلة. وادعى هذا المدبر، أنه فاطمي من ذرية جعفر الصادق، فقال: أنا عبيد الله بن محمد بن عبد الله بن ميمون بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد. (١) - وفيها: قال أبو الحسن القابسي، صاحب الملخص: إن الذين قتلهم عبيد الله، وبنوه أربعة آلاف في دار النحر في العذاب من عالم وعابد ليردهم عن الترضي عن الصحابة، فاختاروا الموت. فقال سهل الشاعر: وأحل دار النحر في أغلاله ... من كان ذا تقوى وذا صلوات ودفن سائرهم في المنستير، وهو بلسان الفرنج: المعبد الكبير، وكانت دولة هذا بضعاً وعشرين سنة. (٢) - وفي أيام المهدي، عاثت القرامطة بالبحرين، وأخذوا الحجيج، وقتلوا وسبوا، واستباحوا حرم الله، وقلعوا الحجر الأسود. وكان عبيد الله يكاتبهم، ويحرضهم، قاتله الله. (٣) - وفيها: وحكى الوزير القفطي في سيرة بني عبيد، قال: كان أبو عبد الله الشيعي أحد الدواهي، وذلك أنه جمع مشايخ كتامة ليشككهم في الإمام، فقال: إن الإمام كان بلسمية قد نزل عند يهودي عطار يعرف بعبيد، فقام به وكتم أمره، ثم مات عبيد عن ولدين فأسلما هما وأمهما على يد

стр. 2218

الإمام، وتزوج بها، وبقي مختفياً. وبقي الأخوان في دكان العطر. فولدت للإمام ابنين، فعند اجتماعي به سألته أي الاثنين إمامي بعدك؟ فقال: من أتاك منهما فهو إمامك. فسيرت أخي لإحضارهما، فوجد أباهما قد مات هو وابنه الواحد. فأتى بهذا. وقد خفت أن يكون أحد ولدي عبيد. فقالوا: وما أنكرت منه؟ قال: إن الإمام يعلم الكائنات قبل وقوعها. وهذا قد دخل معه بولدين. ونص الأمر في الصغير بعده، ومات بعد عشرين يوماً، يعني: الولد. ولو كان إماماً لعلم بموته. قالوا: ثم ماذا؟ قال: والإمام لا يلبس الحرير والذهب. وهذا قد لبسهما. وليس له أن يطأ إلا ما تحقق أمره. وهذا قد وطئ نساء زيادة الله، يعني: متولي المغرب. قال: فشككت كتامة في أمره، وقالوا: فما ترى؟ قال: قبضه، ثم نسير من يكشف لنا عن أولاد الإمام على الحقيقة. فأجمعوا أمرهم. وخف كبير كتامة فواجه المهدي، وقال: قد شككنا فيك، فائت بآية. فأجابه بأجوبة، قبلها عقله. وقال: إنكم تيقنتم، واليقين لا يزول إلا بيقين لا بشك. وإن الطفل لم يمت، وإنه إمامك، وإنما الأئمة ينتقلون، وقد انتقل لإصلاح جهة أخرى. قال: آمنت، فما لبسك الحرير؟ قال: أنا نائب الشرع أحلل لنفسي ما أريد، وكل الأموال لي، وزيادة الله كان عاصياً. وأما عبد الله الشيعي وأخوه، فإنهما أخذا يخببان عليه فقتلهما. وخرج عليه خلق من كتامة، فظفر بحيلة وقتلهم. (١) - وفيها: فهذا قول، ونرجع إلى قول آخر هو أشهر. فسير -أعني: والد المهدي- أبا عبد الله الشيعي، فأقام باليمن أعواماً، ثم حج، فصادف

стр. 2219

طائفة من كتامة حجاجاً، فنفق عليهم، وأخذوه إلى المغرب، فأضلهم، وكان يقول: إن لظواهر الآيات والأحاديث بواطن، هي كاللب، والظاهر كالقشر، وقال: لكل آية ظهر وبطن!! فمن وقف على علم الباطن؛ فقد ارتقى عن رتبة التكاليف!!! وكان أبو عبد الله ذا مكر ودهاء وحيل وربط، وله يد في العلم، فاشتهر بالقيروان، وبايعته البربر، وتألهوه لزهده، فبعث إليه متولي إفريقية يخوفه ويهدده، فما ألوى عليه، فلما هم بقبضه، استنهض الذين تبعوه وحارب فانتصر مرات واستفحل أمره. (١) - وفيها: نقل القاضي عياض في ترجمة أبي محمد الكستراتي: أنه سئل عمن أكرهه بنو عبيد على الدخول في دعوتهم أو يقتل؟ فقال: يختار القتل ولا يعذر، ويجب الفرار، لأن المقام في موضع يطلب من أهله تعطيل الشرائع، لا يجوز. - قال القاضي عياض: أجمع العلماء بالقيروان؛ أن حال بني عبيد حال المرتدين والزنادقة. (٢) أبو علي الروذباري الصوفي (٣٢٢ ه ـ) موقفه من الصوفية: قيل: سئل أبو علي عمن يسمع الملاهي ويقول: هي حلال لي لأني قد

стр. 2220

وصلت إلى رتبة لا يؤثر فيه اختلاف الأحوال؟ فقال: نعم قد وصل، ولكن إلى سقر. (١) أبو الحسن الأشعري (٢) (٣٢٤ هـ) الإمام صاحب التصانيف الكثيرة في الرد على الملحدة وسائر أصناف المبتدعة، علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم بن إسماعيل أبو الحسن الأشعري البصري وسكن بغداد، ينتهي نسبه إلى أبي موسى الأشعري، مولده سنة ستين ومائتين وقيل سنة سبعين. أخذ عن أبي خليفة الجمحي وزكريا الساجي وسهل بن نوح وكان يجلس في حلقات أبي إسحاق المروزي الفقيه. وممن أخذ عنه ابن مجاهد وزاهر بن أحمد وأبو الحسن الباهلي. وكان عجبا في الذكاء، وقوة الفهم، ولما برع في معرفة الاعتزال كرهه وتبرأ منه وصعد للناس يوم الجمعة فتاب إلى الله تعالى منه ثم رد على المعتزلة. قال ابن كثير: وذكروا للشيخ أبي الحسن ﵀ ثلاثة أحوال: أولها حال الاعتزال التي رجع عنها لا محالة إليها والحال الثاني: إثبات الصفات العقلية السبعة وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام وتأويل الجبرية كالوجه واليدين والقدم والساق ونحو ذلك. والحال

стр. 2221

الثالثة: إثبات ذلك كله من غير تكييف ولا تشبيه جرياً على منوال السلف وهي طريقته في الإبانة التي صنفها آخِراً. قال بندار خادم الأشعري: كانت غلة أبي الحسن من ضيعة وقفها جدهم على عقبه فكانت نفقته في السنة سبعة عشرة درهماً. وله مؤلفات كثيرة أشهرها 'الإبانة' و'مقالات الإسلاميين' و'اللمع' وغيرها. توفي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة. موقفه من المشركين: من تصانيفه في الرد على الملاحدة: ١ - الفصول في الرد على الملحدين وهو اثنا عشر كتاباً. ٢ - كتاب جمل مقالات الملحدين. ٣ - كتاب الفنون في الرد على الملحدين. ٤ - كتاب في الرد على ابن الراوندي. ٥ - كتاب القامع في الرد على الخالدي. (١) موقفه من الرافضة: قال ابن كثير: والمقصود أن رسول الله ﷺ قدم أبا بكر الصديق إماماً للصحابة كلهم في الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام العملية. قال الشيخ أبو الحسن الأشعري: وتقديمه له أمر معلوم بالضرورة من دين الإسلام. قال: وتقديمه له دليل على أنه أعلم الصحابة وأقرؤهم لما ثبت في الخبر المتفق على صحته بين العلماء. أن رسول الله ﷺ قال: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله،

стр. 2222

فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأكبرهم سنّاً، فإن كانوا في السن سواء فأقدمهم مسلماً". (١) قلت -أي ابن كثير-: وهذا من كلام الأشعري ﵀ مما ينبغي أن يكتب بماء الذهب ثم قد اجتمعت هذه الصفات كلها في الصديق ﵁ وأرضاه. (٢) موقفه من الجهمية: لقد كتب الكثير من المتقدمين والمتأخرين عن أبي الحسن، ومن أشهرهم أبو القاسم بن عساكر في كتابه تبيين كذب المفتري فيما نسب لأبي الحسن الأشعري. والذي تبين لي أن أبا الحسن رجع عن مذهب الاعتزال، ورد عليه، وهذا أمر مجمع عليه، واعتنق مذهب أهل السنة، ولكن مع بقايا من علم الكلام والتأثر بمذهب المعتزلة، والرجل لم يكن له علم بالحديث ولا أهله، وإن ذكروا في ترجمته أنه تلقى بعض علم الحديث، عن زكريا بن يحيى الساجي، فلعل ذلك كان قليلاً. وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية أن أبا الحسن عنده علم بالسنة إجمالاً وعلم بالكلام علماً تفصيلياً، فإذا ذكر مذهب أهل الكلام ذكره على سبيل التفصيل، وإذا ذكر مذهب أهل الحديث ذكره على سبيل الإجمال.

стр. 2223

قال الإمام ابن القيم في اجتماع الجيوش: قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: ولما رجع الأشعري من مذهب المعتزلة سلك طريق ابن كلاب ومال في أهل السنة والحديث وانتسب إلى الإمام أحمد كما قد ذكر ذلك في كتبه كلها كالإبانة والموجز والمقالات وغيرها وكان القدماء من أصحاب أحمد كأبي بكر بن عبد العزيز وأبي الحسين التميمي وأمثالهما يذكرونه في كتبهم على طريق الموافق للسنة في الجملة ويذكرون رده على المعتزلة وأبدى تناقضهم ثم ذكر ما بين الأشعري وقدماء أصحابه وبين الحنابلة من التآلف لاسيما بين القاضي أبي بكر بن الباقلاني وبين أبي الفضل ابن التميمي حتى كان ابن الباقلاني يكتب في أجوبته في المسائل كتبه محمد ابن الطيب الحنبلي ويكتب أيضاً الأشعري قال: وعلى العقيدة التي صنفها أبو الفضل التميمي اعتمد البيهقي في الكتاب الذي صنفه في مناقب أحمد: لما ذكر عقيدة أحمد قال: وأما ابن حامد وابن بطة وغيرهما فإنهم مخالفون لأصل قول ابن كلاب قال: والأشعري وأئمة أصحابه كابن الحسن الطبري وأبي عبد الله بن مجاهد والقاضي أبي بكر متفقون على إثبات الصفات الخبرية التي ذكرت في القرآن كالاستواء والوجه واليدين وإبطال تأويلها ... (١) ويقول شيخ الإسلام في معرض الكلام على الأشعري ومحبيه ورافضيه: لكن كانت خبرته بالكلام خبرة مفصلة، وخبرته بالسنة خبرة مجملة، فلذلك وافق المعتزلة في بعض أصولهم التي التزموا لأجلها خلاف السنة، واعتقد أنه يمكن الجمع بين تلك الأصول، وبين الانتصار للسنة كما فعل في مسألة

стр. 2224

الرؤية والكلام، والصفات الخبرية وغير ذلك. والمخالفون له من أهل السنة والحديث ومن المعتزلة والفلاسفة يقولون: إنه متناقض وأن ما وافق فيه المعتزلة يناقض ما وافق فيه أهل السنة، كما أن المعتزلة يتناقضون فيما نصروا فيه دين الإسلام، فإنهم بنوا كثيراً من الحجج على أصول تناقض كثيراً من دين الإسلام. بل جمهور المخالفين للأشعري من المثبتة والنفاة يقولون: إنما قاله في مسألة الرؤية والكلام: معلوم الفساد بضرورة العقل. (١) وأما في مسألة الإيمان والقدر فقد صرح شيخ الإسلام ابن تيمية في غير ما موضع، أن أبا الحسن سلك مسلك المرجئة في مسألة الإيمان، وإن كان حكى عنه قولاً له أنه سلك مسلك السلف لكن الذي أكثر الشيخ من ترديده عن أبي الحسن هو الأول وقد تبناه أشهر أتباعه كالجويني وغيره. وأما مسألة القدر فسلك مسلك الجبرية وهذا لم يحك الشيخ فيه خلافاً. وهذا هو الموجود في كتب الأشاعرة ومسألة الكسب من أشهر ما روي عن الأشعري. قال شيخ الإسلام: وأبو الحسن سلك في مسألة الأسماء، والأحكام والقدر مسلك الجهم بن صفوان مسلك المجبرة ومسلك غلاة المرجئة. (٢) وقال في معرض الحديث على توبته من الاعتزال: ومال في مسائل

стр. 2225

العدل والأسماء والأحكام إلى مذهب جهم ونحوه. (١) وقال في معرض الكلام على الإيمان: وقال أبو عبد الله الصالحي، إن الإيمان مجرد تصديق القلب ومعرفته، لكن له لوازم فإذا ذهبت دل ذلك على عدم تصديق القلب. وإن كل قول أو عمل ظاهر دل الشرع على أنه كفر كان ذلك لأنه دليل على عدم تصديق القلب ومعرفته، وليس الكفر إلا تلك الخصلة الواحدة وليس الإيمان إلا مجرد التصديق الذي في القلب والمعرفة، وهذا أشهر قولي أبي الحسن الأشعري، وعليه أصحابه، كالقاضي أبي بكر وأبي المعالي وأمثالهما، ولهذا عدهم أهل المقالات من المرجئة، والقول الآخر عنه كقول السلف وأهل الحديث: إن الإيمان قول وعمل وهو اختيار طائفة من أصحابه ومع هذا فهو وجمهور أصحابه على قول أهل الحديث في الاستثناء في الإيمان. (٢) وأما كتاب الإبانة: فهو في الجملة يعتبر من الكتب التي وافقت العقيدة السلفية وبينتها لكن فيه بعض الإجمال وفيه طرق في الإثبات لم تنقل عن السلف فليتنبه عند قراءته، وهذا الكتاب هو عمدة من جعل أبا الحسن، من الذين تراجعوا تراجعاً كاملاً إلى مذهب السلف، وإن كان البعض لا يرى أن أبا الحسن كتب ذلك عن اقتناع كما فعل البربهاري لما دخل عليه أبو الحسن فذكر له أنه ألف الإبانة ورد على المعتزلة فقال له: لا نعرف إلا ما قاله أبو عبد الله أحمد بن حنبل.

стр. 2226

وأما غلاة الأشعرية فينكرون الكتاب، ويقولون إنما وضع على أبي الحسن وليس له، لكن أثبته من له خبرة بالتراجم والتواريخ ومذهب الأشعري، كابن عساكر والذهبي وشيخ الإسلام وابن القيم وغيرهم ممن لا يحصى كثرة، ويقول بعضهم إنما ألفه خوفاً من الحنابلة وهذا القول يردده الشيخ النجدي في كثير من كتبه ومقالاته: محمد زاهد الكوثري. وبقية كتب الأشعري، وإن كان فيها بعض الدفاع عن العقيدة عموماً، كالموجز والمقالات واللمع في الرد على أهل البدع، وغير ذلك، فليست خاصة بالعقيدة السلفية، فيستفاد منها ما يوافق الدفاع عن العقيدة السلفية ويترك ما لا يوافق ذلك، وهذا القدر فيه كفاية وإلا فالبحث عن الأشعري والأشعرية يحتاج إلى بسط أكثر. جاء في مجموع الفتاوى: وقال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المتكلم صاحب الطريقة المنسوبة إليه في الكلام في كتابه الذي صنفه في 'اختلاف المصلين ومقالات الإسلاميين' وذكر فرق الروافض والخوارج، والمرجئة والمعتزلة وغيرهم. ثم قال 'مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث' جملة. قول أصحاب الحديث وأهل السنة: الإقرار بالله وملائكته، وكتبه ورسله، وبما جاء عن الله تعالى، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، لا يردون شيئاً من ذلك وأن الله واحد أحد، فرد صمد، لا إله غيره لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الجنة حق وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله على عرشه كما

стр. 2227

قال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (١) وأن له يدين بلا كيف كما قال: ﴿خَلَقْتُ بيدي﴾ (٢) وكما قال: ﴿بَلْ يداه مَبْسُوطَتَانِ﴾ (٣) وأن له عينين بلا كيف كما قال: ﴿تجري بأعيننا﴾ (٤) وأن له وجهاً كما قال: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٢٧) (٥). وأن أسماء الله تعالى لا يقال: إنها غير الله كما قالت المعتزلة والخوارج. وأقروا أن لله علماً كما قال: ﴿أنزله بِعِلْمِهِ﴾ (٦) وكما قال: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى ولا تضع إِلًّا بِعِلْمِهِ﴾ (٧) وأثبتوا له السمع والبصر، ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة وأثبتوا لله القوة كما قال: ﴿أَوَلَمْ يروا أن اللَّهَ الذي خَلَقَهُمْ هُوَ أشد مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ (٨) وذكر مذهبهم في القدر. إلى أن قال: ويقولون: إن القرآن كلام الله غير مخلوق والكلام في اللفظ والوقف، ومن قال باللفظ وبالوقف فهو مبتدع عندهم، لا يقال اللفظ بالقرآن مخلوق ولا يقال غير مخلوق،

стр. 2228

ويقرون أن الله يرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون ولا يراه الكافرون، لأنهم عن الله محجوبون، قال : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ ربهم يومئذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (١٥) (١) وذكر قولهم في الإسلام والإيمان والحوض والشفاعة وأشياء إلى أن قال: ويقرون بأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص ولا يقولون مخلوق، ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار، إلى أن قال: وينكرون الجدال والمراء في الدين والخصومة والمناظرة فيما يتناظر فيه أهل الجدل، ويتنازعون فيه من دينهم، ويسلمون الروايات الصحيحة كما جاءت به الآثار الصحيحة التي جاءت بها الثقات عدل عن عدل حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ ، لا يقولون كيف ولا لم؟ لأن ذلك بدعة عندهم إلى أن قال: ويقرون أن الله يجيء يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ ربك وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (٢) وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء، كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إليه مِنْ حَبْلِ الوريد﴾ (٣) إلى أن قال: ويرون مجانبة كل داع إلى بدعة، والتشاغل بقراءة القرآن وكتابة الآثار والنظر في الآثار، والنظر في الفقه، مع الاستكانة والتواضع، وحسن الخلق مع بذل المعروف، وكف الأذى، وترك الغيبة والنميمة والشكاية وتفقد المآكل والمشارب. وقال: فهذه جملة ما يأمرون به ويستسلمون إليه ويرونه، وبكل ما ذكرنا من

стр. 2229

قولهم نقول وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله وهو المستعان. وقال الأشعري أيضاً في 'اختلاف أهل القبلة في العرش' فقال: قال أهل السنة وأصحاب الحديث: إن الله ليس بجسم، ولا يشبه الأشياء، وأنه استوى على العرش، كما قال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (١) ولا نتقدم بين يدي الله في القول، بل نقول استوى بلا كيف، وأن له وجهاً كما قال: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٢)، وأن له يدين كما قال: ﴿خَلَقْتُ بيدي﴾ (٣)، وأن له عينين كما قال: ﴿تجري بأعيننا﴾ (٤) وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال: ﴿وَجَاءَ ربك وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (٥)، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا كما جاء في الحديث (٦)، ولم يقولوا شيئاً إلا ما وجدوه في الكتاب، أو جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ . وقالت المعتزلة: إن الله استوى على العرش بمعنى استولى وذكر مقالات أخرى. وقال أيضاً أبو الحسن الأشعري في كتابه الذي سماه 'الإبانة في أصول الديانة' وقد ذكر أصحابه أنه آخر كتاب صنفه، وعليه يعتمدون في الذب عنه عند من يطعن عليه فقال: فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة: فإن قال

стр. 2230

قائل قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية، والجهمية، والحرورية، والرافضة، والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون. قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها التمسك بكلام ربنا وسنة نبينا، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن حنبل -نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته- قائلون، ولما خالف قوله مخالفون، لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفهم. وجملة قولنا أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبما جاءوا به من عند الله، وبما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، لا نرد من ذلك شيئاً، وأن الله واحد لا إله إلا هو، فرد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وأن "محمداً عبده ورسوله" أرسله بالهدى ودين الحق "ليظهره على الدين كله" وأن الجنة حق، والنار حق، وأن الساعة آتية، وأن الله يبعث من في القبور. وأن الله مستوٍ على عرشه كما قال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (١) وأن له وجهاً كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٢) وأن له يدين بلا كيف كما قال: ﴿خَلَقْتُ بيدي﴾ (٣) وكما قال: ﴿بَلْ يداه مَبْسُوطَتَانِ

стр. 2231

ينفق كيف يشاء﴾ (١) وأن له عينين بلا كيف كما قال: ﴿تجري بأعيننا﴾ (٢) وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالاًّ، وذكر نحواً مما ذكر في الفرق إلى أن قال: ونقول إن الإسلام أوسع من الإيمان، وليس كل إسلام إيماناً، وندين بأن الله يقلب القلوب بين أصبعين من أصابع الله (٣)، وأنه يضع السموات على أصبع، والأرضين على أصبع (٤)، كما جاءت الرواية الصحيحة عن رسول الله ﷺ . إلى أن قال: "وأن الإيمان" قول وعمل، يزيد وينقص، ونسلم الروايات الصحيحة عن رسول الله ﷺ ، التي رواها الثقات عدلا عن عدل، حتى ينتهي إلى رسول الله -إلى أن قال: ونصدق بجميع الروايات التي أثبتها أهل النقل من النزول إلى سماء الدنيا وأن الرب يقول: "هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ " (٥) وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافاً لما قال أهل الزيغ والتضليل: ونعول فيما اختلفنا فيه إلى كتاب ربنا، وسنة نبينا، وإجماع المسلمين وما كان في معناه، ولا نبتدع في دين الله ما لم يأذن لنا به، ولا نقول على الله ما لا نعلم. ونقول إن الله يجيء يوم القيامة كما قال: ﴿وَجَاءَ ربك وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (٦) وأن الله يقرب من عباده كيف شاء كما قال: ﴿وَنَحْنُ

стр. 2232

أَقْرَبُ إليه مِنْ حَبْلِ الوريد﴾ (١) وكما قال: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (٢). إلى أن قال: وسنحتج لما ذكرناه من قولنا وما بقي مما لم نذكره باباً باباً. ثم تكلم على أن الله يرى واستدل على ذلك ثم تكلم على أن القرآن غير مخلوق واستدل على ذلك ثم تكلم على من وقف في القرآن وقال لا أقول إنه مخلوق، ولا غير مخلوق، ورد عليه، ثم قال: باب ذكر الاستواء على العرش فقال: إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: نقول إن الله مستوٍ على عرشه كما قال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿بَلْ رفعه الله إليه﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ (٦) وقال تعالى حكاية من فرعون: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ

стр. 2233

مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ (١) كذب موسى في قوله إن الله فوق السموات، وقال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ (٢) فالسموات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السموات قال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ لأنه مستوٍ على العرش الذي هو فوق السموات، وكل ما علا فهو سماء فالعرش أعلى السموات وليس إذا قال ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ يعني جميع السموات وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السموات، ألا ترى أن الله ذكر السموات فقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ (٣) ولم يرد أن القمر يملؤهن وأنه فيهن جميعاً. ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأن الله على عرشه الذي هو فوق السموات، فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، كما لا يحطونها إذا دعوا إلى الأرض. ثم قال: وقد قال القائلون من المعتزلة، والجهمية، والحرورية أن معنى قوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (٤) أنه استولى وقهر وملك، وأن الله في كل مكان،

стр. 2234

وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق وذهبوا في الاستواء إلى القدرة، فلو كان كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة، لأن الله قادر على كل شيء، والأرض فالله قادر عليها وعلى الحشوش وعلى كل ما في العالم، فلو كان الله مستوياً على العرش بمعنى الاستيلاء -وهو مستولٍ على الأشياء كلها- لكان مستوياً على العرش وعلى الأرض، وعلى السماء وعلى الحشوش والأقذار، لأنه قادر على الأشياء مستولٍ عليها، وإذا كان قادراً على الأشياء كلها ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول: إن الله مستوٍ على الحشوش والأخلية لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص العرش، دون الأشياء كلها. وذكر دلالات من القرآن والحديث، والإجماع والعقل. ثم قال: (باب الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين). وذكر الآيات في ذلك ورد على المتأولين لها بكلام طويل لا يتسع هذا الموضع لحكايته: مثل قوله: فإن سئلنا أتقولون لله يدان؟ قيل نقول ذلك، وقد دل عليه قوله تعالى: ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بيدي﴾ (٢). وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله مسح ظهر آدم بيده فاستخرج

стр. 2235

منه ذريته" (١)، "وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده" (٢). وقد جاء في الخبر المذكور عن النبي ﷺ : "أن الله خلق آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده" (٣). وليس يجوز في لسان

стр. 2236

العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل عملت كذا بيدي ويريد بها النعمة، وإذا كان الله إنما خاطب العرب بلغتها، وما يجري مفهوماً في كلامها، ومعقولاً في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل البيان أن يقول القائل: فعلت كذا بيدي ويعني بها النعمة: بطل أن يكون معنى قوله تعالى ﴿بيدي﴾ النعمة. (١) - وجاء في السير: بلغنا أن أبا الحسن تاب وصعد منبر البصرة، وقال: إني كنت أقول: بخلق القرآن، وأن الله لا يرى بالأبصار، وأن الشر فعلي ليس بقدر، وإني تائب معتقد الرد على المعتزلة. (٢) - وقال أبو الحسن الأشعري في كتاب الإبانة: باب الرد على الجهمية في نفيهم علم الله وقدرته قال الله : ﴿أنزله بِعِلْمِهِ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى ولا تضع إِلًّا بِعِلْمِهِ﴾ (٤) وذكر العلم في خمسة مواضع من كتابه، وقال سبحانه: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ (٥) وقال سبحانه: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (٦) وذكر

стр. 2237

القوة فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ (١) وقال تعالى: ﴿ذو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بنيناها بأييد﴾ (٣) وزعمت الجهمية: أن الله لا علم له ولا قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر، وأرادوا أن ينفوا أن الله عالم قادر حي سميع بصير، فمنعهم ذلك خوف السيف من إظهارهم نفي ذلك، فأتوا بمعناه لأنهم إذا قالوا: لا علم لله ولا قدرة له، فقد قالوا: إنه ليس بعالم ولا قادر، ووجب ذلك عليهم. وهذا إنما أخذوه عن أهل الزندقة والتعطيل، لأن الزنادقة قد قال كثير منهم: إن الله تعالى ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير، فلم تقدر المعتزلة أن تفصح بذلك فأتت بمعناه وقالت: إن الله عالم قادر حي سميع بصير من طريق التسمية، من غير أن يثبتوا له حقيقة العلم والقدرة والسمع والبصر. فصل وقد قال رئيس من رؤسائهم -وهو أبو الهذيل العلاف- إن علم الله هو الله، فجعل الله علماً. وألزم، فقيل له: إذا قلت: إن علم الله هو الله فقل: يا علم الله اغفر لي وارحمني، فأبى ذلك، فلزمه المناقضة.

стр. 2238

واعلموا رحمكم الله أن من قال: عالم ولا علم كان مناقضاً، كما أن من قال علم ولا عالم كان مناقضاً، وكذلك القول في القدرة، والقادر، والحياة، والحي، والسمع، والبصر، والسميع، والبصير. جواب: ويقال لهم: خبرونا عمن زعم أن الله متكلم قائل آمر ناهٍ لا قول له ولا كلام، ولا أمر له ولا نهي، أليس هو مناقضاً خارجاً عن جملة المسلمين؟ فلا بد من نعم، فيقال لهم: فكذلك من قال: إن الله عالم ولا علم له كان ذلك مناقضاً خارجاً عن جملة المسلمين. وقد أجمع المسلمون قبل حدوث الجهمية والمعتزلة والحرورية على أن لله علما لم يزل، وقد قالوا: علم الله لم يزل، وعلم الله سابق في الأشياء ولا يمنعون أن يقولوا في كل حادثة تحدث، ونازلة تنزل: كل هذا سابق في علم الله، فمن جحد أن لله علماً، فقد خالف المسلمين، وخرج عن اتفاقهم. جواب: ويقال لهم: إذا كان الله مريداً أفله إرادة؟ فإن قالوا: لا، قيل لهم: فإذا أثبتم مريداً لا إرادة له، فأثبتوا قائلاً لا قول له، وإن أثبتوا الإرادة قيل لهم: فإذا كان المريد لا يكون مريداً إلا بإرادة فما أنكرتم أن لا يكون العالم عالماً إلا بعلم؟ وأن يكون لله علم كما أثبتم له إرادة. مسألة: وقد فرقوا بين العلم والكلام، فقالوا: إن الله علم موسى وفرعون، وكلم موسى ولم يكلم فرعون، فكذلك يقال: علم موسى الحكمة وفصل

стр. 2239

الخطاب، وآتاه النبوة، ولم يعلم ذلك فرعون، فإن كان لله كلام لأنه كلم موسى ولم يكلم فرعون، فكذلك لله علم، لأنه علم موسى، ولم يعلم فرعون. ثم يقال لهم: إذا وجب أن لله كلاماً به كلم موسى دون فرعون إذ كلم موسى دونه، فما أنكرتم إذا علمهما جميعاً؟ أن يكون له علم به علمهما جميعاً. ثم يقال: قد كلم الله الأشياء بأن قال لها: كوني، وقد أثبتم لله قولاً، فكذلك إن علم الأشياء كلها، فله علم. جواب: ثم يقال لهم: إذا أوجبتم أن لله كلاماً وليس له علم، لأن الكلام أخص من العلم والعلم أعم منه، فقولوا: إن لله قدرة، لأن العلم أعم عندكم من القدرة، لأن من مذاهب القدرية أنهم لا يقولون إن الله يقدر أن يخلق الكفر، فقد أثبتوا القدرة أخص من العلم، فينبغي لهم أن يقولوا على اعتلالهم إن لله قدرة. جواب: ثم قال: أليس الله عالماً، والوصف له بأنه عالم أعم من الوصف له بأنه متكلم مكلم؟ ثم لم يجب لأن الكلام أخص من أن يكون الله متكلماً غير عالم، فلم لا قلتم إن الكلام -وإن كان أخص من العلم- لا ينفي أن يكون لله علم، كما لم ينف بخصوص الكلام أن يكون الله عالماً. جواب: ويقال لهم: من أين علمتم أن الله عالم؟ فإن قالوا: بقوله : ﴿إِنَّهُ

стр. 2240

بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١٢) (١)، قيل لهم: ولذلك فقولوا: إن لله علماً بقوله: ﴿أنزله بِعِلْمِهِ﴾ (٢) وبقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى ولا تضع إِلًّا بِعِلْمِهِ﴾ (٣) وكذلك قولوا: إن له قوة لقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ (٤) وإن قالوا: قلنا: إن الله عالم لأنه صنع العالم على ما فيه من آثار الحكمة واتساق التدبير. قيل لهم: فلم لا قلتم: إن لله علماً بما ظهر في العالم من حكمه وآثار تدبيره؟ لأن الصنائع الحكمية لا تظهر إلا من ذي علم، كما لا تظهر إلا من عالم، وكذلك لا تظهر إلا من ذي قوة، كما لا تظهر إلا من قادر. جواب: ويقال لهم: إذا نفيتم علم الله فلم لا نفيتم أسماءه؟ فإن قالوا: كيف ننفي أسماءه وقد ذكرها في كتابه؟ قيل لهم: فلا تنفوا العلم والقوة، لأنه ﵎ ذكر ذلك في كتابه العزيز. جواب آخر: ويقال لهم: قد علم الله نبيه ﷺ الشرائع والأحكام، والحلال

стр. 2241

والحرام، ولا يجوز أن يعلمه ما لا يعلمه، فكذلك لا يجوز أن يعلم الله نبيه ما لا علم لله به، تعالى الله عن قول الجهمية علوّاً كبيراً. جواب: ويقال لهم: أليس إذا لعن الله الكافرين فلعنه لهم معنى، ولعن النبي ﷺ لهم معنى؟ فإن قالوا: نعم. فيقال لهم: فما أنكرتم من أن الله تعالى إذا علم نبيه ﷺ شيئاً فكان للنبي ﷺ علم ولله سبحانه علم، وإذا كنا متى أثبتناه غاضباً على الكافرين فلا بد من إثبات غضب، وكذلك إذا أثبتناه راضياً عن المؤمنين فلا بد من إثبات رضىً، وكذلك إذا أثبتناه حيّاً سميعاً بصيراً فلا بد من إثبات حياة وسمع وبصر. جواب: ويقال لهم: وجدنا اسم عالم اشتق من علم، واسم قادر اشتق من قدرة، وكذلك اسم حي اشتق من حياة، واسم سميع اشتق من سمع، واسم بصير اشتق من بصر، ولا تخلو أسماء الله من أن تكون مشتقة، إما لإفادة معنى، أو على طريق التلقيب، فلا يجوز أن يسمى الله على طريق التلقيب باسم ليس فيه إفادة معنىً، وليس مشتقاً من صفة. فإذا قلنا: إن الله عالم قادر فليس ذلك تلقيباً، كقولنا: زيد وعمرو، وعلى هذا إجماع المسلمين. وإذا لم يكن ذلك تلقيباً وكان مشتقاً من علم، فقد وجب إثبات

стр. 2242

العلم، وإن كان ذلك لإفادة معنى فلا يختلف ما هو كذا لإفادة معنى وجب. ووجب إذا كان معنى العالم منا أن له علماً أن يكون: كل عالم فهو ذو علم، كما إذا كان قولي: موجود مفيداً معنى الإثبات، كان الباري تعالى واجباً إثباته، لأنه موجود. جواب: ويقال للمعتزلة والجهمية والحرورية: أتقولون إن لله علماً بالأشياء سابقاً فيها، ولوضع كل حامل، وحمل كل أنثى، وبإنزال كل ما أنزل؟ فإن قالوا: نعم، فقد أثبتوا العلم، ووافقوا. وإن قالوا: لا، قيل لهم: هذا جحد منكم لقول الله : ﴿أنزله بعلمه﴾ (١) ولقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى ولا تضع إِلًّا بِعِلْمِهِ﴾ (٢) ولقوله: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ (٣) وإذا كان قول الله : ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢٩) (٤) ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ (٥) يوجب أنه عليم يعلم الأشياء كذلك، فما أنكرتم أن تكون هذه الآيات توجب أن لله علماً بالأشياء سبحانه وبحمده.

стр. 2243

جواب: ويقال لهم: أتقولون إن لله علماً بالتفرقة بين أوليائه وأعدائه وهل هو مريد لذلك؟ وهل له إرادة للإيمان إذا أراد الإيمان؟ فإن قالوا: نعم، فقد وافقوا. وإن قالوا: إذا أراد الإيمان فله إرادة. قيل لهم: وكذلك إذا فرق بين أوليائه وأعدائه فلا بد من أن يكون له علم بذلك، وكيف يجوز أن يكون للخلق علم بذلك، وليس للخالق علم بذلك؟ هذا يوجب أن للخلق مزية في العلم وفضيلة على الخالق، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. جواب: ويقال لهم: إذا كان من له علم من الخلق أولى بالمنزلة الرفيعة ممن لا علم له، فإذا زعمتم أن الله لا علم له لزمكم أن الخلق أعلى مرتبة من الخالق، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً. جواب: ويقال لهم: إذا كان من لا علم له من الخلق يلحقه الجهل والنقصان، فما أنكرتم من أنه لا بد من إثبات علم الله؟ وإلا ألحقتم به النقصان جل وعز عن قولكم وعلا، ألا ترون أن من لا يعلم من الخلق يلحقه الجهل والنقصان، ومن قال ذلك في الله وصف الله سبحانه بما لا يليق به، فكذلك إذا كان من قيل له من الخلق لا علم له لحقه الجهل والنقصان، وجب أن لا ينفي ذلك عن الله لأنه لا يلحقه جهل ولا نقصان.

стр. 2244

جواب: ويقال لهم: هل يجوز أن ينسق الصنائع الحكمية من ليس بعالم؟ فإن قالوا: ذلك محال ولا يجوز في وجود الصنائع التي تجري على ترتيب ونظام إلا من عالم قادر حي. قيل لهم: وكذلك لا يجوز وجود الصنائع الحكمية التي تجري على ترتيب ونظام إلا من ذي علم وقدرة وحياة، فإن جاز ظهورها لا من ذي علم فما أنكرتم من جواز ظهورها لا من عالم قادر حي؟ وكل مسألة سألناهم عنها في العلم فهي داخلة عليهم في القدرة والحياة والسمع والبصر. مسألة: وزعمت المعتزلة أن قول الله : ﴿سميع بصير﴾ (١) معناه عليم، قيل لهم: فإذا قال : ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وأرى﴾ (٢) وقال: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ (٣) فهل معنى ذلك عندكم علم. فإن قالوا: نعم. قيل لهم: فقد وجب عليكم أن تقولوا معنى قوله ﴿أسمع وأرى﴾:

стр. 2245

أعلم. وأعلم إذ كان معنى ذلك العلم. فصل ونفت المعتزلة صفات رب العالمين، وزعمت أن معنى سميع بصير، أي بمعنى عليم، كما زعمت النصارى أن سمع الله هو بصره وهو رؤيته، وهو كلامه، وهو علمه، وهو ابنه، عز الله وجل تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. فيقال للمعتزلة: إذا زعمتم أن معنى سميع وبصير معنى عالم، فهلا زعمتم أن معنى قادر معنى عالم، فإذا زعمتم أن معنى سميع وبصير معنى قادر، فهلا زعمتم أن معنى قادر معنى عالم، وإذا زعمتم أن معنى حي معنى قادر، فلم لا زعمتم أن معنى قادر معنى عالم؟ فإن قالوا: هذا يوجب أن يكون كل معلوم مقدوراً. قيل لهم: ولو كان معنى سميع بصير معنى عالم لكان كل معلوم مسموعاً، وإذا لم يجز ذلك بطل قولكم. (١) وكذلك قال في كتاب المقالات: الحمد لله الذي بصرنا خطأ المخطئين، وعمى العمين، وحيرة المتحيرين، الذين نفوا صفات رب العالمين، وقالوا إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه، لا صفات له، وأنه لا علم له، ولا قدرة ولا حياة له ولا سمع له ولا بصر له. ولا عزة له ولا جلال له ولا عظمة ولا كبرياء له وكذلك قالوا في سائر صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه قال: وهذا قول أخذوه عن إخوانهم من المتفلسفة، الذين يزعمون أن للعالم صانعاً لم يزل ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير ولا
следующие страницы →