أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (١).
قال محمد بن الحسين ﵀: فهل يكون من البيان أشفى من هذا عند من عقل عن الله تعالى، وتدبر ما به حذره مولاه الكريم من الفرقة؟
ثم اعلموا رحمنا الله تعالى وإياكم: أن الله تعالى قد أعلمنا وإياكم في كتابه، أنه لا بد من أن يكون الاختلاف بين خلقه، ليضل من يشاء، ويهدي من يشاء، جعل الله ذلك موعظة يتذكر بها المؤمنون، فيحذرون الفرقة، ويلزمون الجماعة، ويدعون المراء والخصومات في الدين، ويتبعون ولا يبتدعون. فإن قال قائل: أين هذا من كتاب الله تعالى؟ قيل له: قال الله تعالى في سورة هود: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) ثم إن الله تعالى أمر نبيه ﷺ أن يتبع ما أنزله إليه، ولا يتبع أهواء من تقدم من الأمم فيما اختلفوا فيه. ففعل ﷺ ، وحذر أمته الاختلاف والإعجاب، واتباع الهوى.
قال الله تعالى في سورة حم الجاثية:
стр. 2348
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٦) وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١).اهـ (٢)
- وقال محمد بن الحسين: علامة من أراد الله به خيراً: سلوك هذا الطريق: كتاب الله، وسنن رسول الله ﷺ ، وسنن أصحابه ﵃ ومن تبعهم بإحسان، وما كان عليه أئمة المسلمين في كل بلد إلى آخر ما كان من العلماء، مثل الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والشافعي، وأحمد بن حنبل، والقاسم بن سلام، ومن كان على مثل طريقتهم، ومجانبة كل مذهب يذمه هؤلاء العلماء. (٣)
стр. 2349
- وقال ﵀:
باب ذكر افتراق الأمم في دينهم وعلى كم تفترق هذه الأمة:
أخبرنا النبي ﷺ عن أمة موسى ﵇: "أنهم اختلفوا على إحدى وسبعين ملة، كلها في النار إلا واحدة". وأخبرنا عن أمة عيسى ﵇: "أنهم اختلفوا عليه على اثنتين وسبعين ملة، إحدى وسبعون منها في النار وواحدة في الجنة". قال ﷺ : "وتعلو أمتي الفريقين جميعاً، تزيد عليهم فرقة واحدة، ثنتان وسبعون منها في النار وواحدة في الجنة".
ثم إنه سئل ﷺ : من الناجية؟ فقال في حديث: "ما أنا عليه وأصحابي" (١).
وفي حديث قال: "السواد الأعظم" (٢).
وفي حديث قال: "واحدة في الجنة، وهي الجماعة" (٣).
قلت أنا: ومعانيها واحدة إن شاء الله تعالى. (٤)
стр. 2350
- وقال ﵀: رحم الله عبداً حذر هذه الفرق، وجانب البدع ولم يبتدع، ولزم الأثر فطلب الطريق المستقيم، واستعان بمولاه الكريم. (١)
وقال: ينبغي لأهل العلم والعقل إذا سمعوا قائلا يقول: قال رسول الله ﷺ في شيء قد ثبت عند العلماء، فعارض إنسان جاهل، فقال: لا أقبل إلا ما كان في كتاب الله تعالى، قيل له: أنت رجل سوء، وأنت ممن يحذرناك النبي ﷺ ، وحذر منك العلماء.
وقيل له: يا جاهل، إن الله أنزل فرائضه جملة، وأمر نبيه ﷺ أن يبين للناس ما أنزل إليهم، قال الله : ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢) فأقام الله تعالى نبيه ﵇ مقام البيان عنه، وأمر الخلق بطاعته، ونهاهم عن معصيته، وأمرهم بالانتهاء عما نهاهم عنه، فقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣)، ثم حذرهم أن يخالفوا أمر رسول الله ﷺ فقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤) وقال : ﴿فلا
стр. 2351
وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١) ثم فرض على الخلق طاعته ﷺ في نيف وثلاثين موضعاً من كتابه تعالى.
وقيل لهذا المعارض لسنن رسول الله ﷺ : يا جاهل، قال الله تعالى: ﴿وأقيموا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزكاة﴾ (٢) أين تجد في كتاب الله تعالى أن الفجر ركعتان، وأن الظهر أربع، والعصر أربع، والمغرب ثلاث، وأن العشاء الآخرة أربع؟ أين تجد أحكام الصلاة ومواقيتها، وما يصلحها وما يبطلها إلا من سنن النبي ﷺ ؟ ومثله الزكاة، أين تجد في كتاب الله تعالى من مائتي درهم خمسة دراهم، ومن عشرين ديناراً نصف دينار، ومن أربعين شاة شاة، ومن خمس من الإبل شاة، ومن جميع أحكام الزكاة، أين تجد هذا في كتاب الله تعالى؟
وكذلك جميع فرائض الله، التي فرضها الله في كتابه، لا يعلم الحكم فيها، إلا بسنن رسول الله ﷺ .
هذا قول علماء المسلمين، من قال غير هذا خرج عن ملة الإسلام، ودخل في ملة الملحدين، نعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى. (٣)
- وقال ﵀: من كان له علم وعقل، فميز جميع ما تقدم ذكرى
стр. 2352
له من أول الكتاب إلى هذا الموضع علم أنه محتاج إلى العمل به، فإن أراد الله به خيراً لزم سنن رسول الله ﷺ ، وما كان عليه الصحابة ﵃ ومن تبعهم بإحسان من أئمة المسلمين في كل عصر، وتعلم العلم لنفسه، لينتفي عنه الجهل، وكان مراده أن يتعلمه لله تعالى ولم يكن مراده أن يتعلمه للمراء والجدال والخصومات، ولا للدنيا، ومن كان هذا مراده، سلم إن شاء الله تعالى من الأهواء والبدع والضلالة، واتبع ما كان عليه من تقدم من أئمة المسلمين الذين لا يستوحش من ذكرهم، وسأل الله تعالى أن يوفقه لذلك.
فإن قال قائل: فإن كان رجل قد علمه الله تعالى علماً، فجاءه رجل يسأله عن مسألة في الدين، ينازعه فيها ويخاصمه، ترى له أن يناظره، حتى تثبت عليه الحجة، ويرد عليه قوله؟
قيل له: هذا الذي نهينا عنه، وهو الذي حذرناه من تقدم من أئمة المسلمين.
فإن قال قائل: فماذا نصنع؟
قيل له: إن كان الذي يسألك مسألته، مسألة مسترشد إلى طريق الحق لا مناظرة، فأرشده بألطف ما يكون من البيان بالعلم من الكتاب والسنة، وقول الصحابة، وقول أئمة المسلمين، ﵃، وإن كان يريد مناظرتك، ومجادلتك، فهذا الذي كره لك العلماء، فلا تناظره، واحذره على دينك، كما قال من تقدم من أئمة المسلمين إن كنت لهم متبعاً.
فإن قال: فندعهم يتكلمون بالباطل، ونسكت عنهم؟
قيل له: سكوتك عنهم وهجرتك لما تكلموا به أشد عليهم من
стр. 2353
مناظرتك لهم كذا قال من تقدم من السلف الصالح من علماء المسلمين. (١)
- وقال: ألم تسمع، رحمك الله، إلى ما تقدم ذكرنا له من قول أبي قلابة: لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في الضلالة، أو يلبسوا عليكم في الدين بعض ما لبس عليهم.
أو لم تسمع إلى قول الحسن وقد سأله رجل عن مسألة فقال: ألا تناظرني في الدين؟ فقال له الحسن: أما أنا فقد أبصرت ديني، فإن كنت أنت أضللت دينك فالتمسه.
أو لم تسمع إلى قول عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه عرضاً للخصومات أكثر التنقل.
قال محمد بن الحسين ﵀: فمن اقتدى بهؤلاء الأئمة سلم له دينه إن شاء الله تعالى.
فإن قال قائل: فإن اضطرني في الأمر وقتا من الأوقات إلى مناظرتهم، وإثبات الحجة عليهم ألا أناظرهم؟
قيل له: الاضطرار إنما يكون مع إمام له مذهب سوء، فيمتحن الناس، ويدعوهم إلى مذهبه، كفعل من مضى في وقت أحمد بن حنبل: ثلاثة خلفاء امتحنوا الناس، ودعوهم إلى مذهبهم السوء، فلم يجد العلماء بدّاً من الذب عن الدين، وأرادوا بذلك معرفة العامة الحق من الباطل، فناظروهم ضرورة لا اختياراً، فأثبت الله تعالى الحق مع أحمد بن حنبل، ومن كان على طريقته، وأذل الله تعالى المعتزلة وفضحهم، وعرفت العامة أن الحق ما كان عليه أحمد
стр. 2354
ومن تابعه إلى يوم القيامة.
أرجو أن يعيذ الله الكريم أهل العلم من أهل السنة والجماعة من محنة تكون أبداً. (١)
- وقال: فإن قال قائل: هذا الذي ذكرته وبينته قد عرفناه، فإذا لم تكن مناظرتنا في شيء من الأهواء التي ينكرها أهل الحق، ونهينا عن الجدال والمراء والخصومة فيها، فإن كانت مسألة من الفقه في الأحكام مثل الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والنكاح والطلاق، وما أشبه ذلك من الأحكام، هل لنا مباح أن نناظر فيه ونجادل، أم هو محظور علينا، عرفنا ما يلزم فيه؟ كيف السلامة؟
قيل له: هذا الذي ذكرته ما أقل من يسلم من المناظرة فيه، حتى لا يلحقه فيه فتنة ولا مأثم، ولا يظفر فيه الشيطان فإن قال: كيف؟ ..
قيل له: هذا، قد كثر في الناس جدّاً في أهل العلم والفقه في كل بلد يناظر الرجل الرجل يريد مغالبته، ويعلو صوته، والاستظهار عليه بالاحتجاج، فيحمر لذلك وجهه، وتنتفخ أوداجه، ويعلو صوته وكل واحد منهما يحب أن يخطئ صاحبه، وهذا المراد من كل واحد منهما خطأ عظيم، لا يحمد عواقبه ولا يحمده العلماء من العقلاء لأن مرادك أن يخطئ مناظرك: خطأ منك، ومعصية عظيمة، ومراده أن تخطئ: خطأ منه، ومعصية، فمتى يسلم الجميع؟
فإن قال قائل: فإنما نناظر لتخرج لنا الفائدة؟
стр. 2355
قيل له: هذا كلام ظاهر، وفي الباطن غيره.
وقيل له: إذا أردت وجه السلامة في المناظرة لطلب الفائدة، كما ذكرت، فإذا كنت أنت حجازياً، والذي يناظرك عراقياً، وبينكما مسألة، تقول أنت: حلال. ويقول هو: بل حرام. فإن كنتما تريدان السلامة، وطلب الفائدة، فقل له: رحمك الله، هذه المسألة قد اختلف فيها من تقدم من الشيوخ، فتعال حتى نتناظر فيها مناصحة لا مغالبة فإن يكن الحق فيها معك، اتبعتك، وتركت قولي، وإن يكن الحق معي، اتبعتني، وتركت قولك، لا أريد أن تخطئ ولا أغالبك، ولا تريد أن أخطئ، ولا تغالبني.
فإن جرى الأمر على هذا فهو حسن جميل، وما أعز هذا في الناس.
فإذا قال كل واحد منهما: لا نطيق هذا، وصدقا عن أنفسهما.
قيل لكل واحد منهما: قد عرفت قولك وقول صاحبك وأصحابك واحتجاجهم، وأنت فلا ترجع عن قولك، وترى أن خصمك على الخطأ وقال خصمك كذلك، فما بكما إلى المجادلة والمراء والخصومة حاجة إذا كان كل واحد منكما ليس يريد الرجوع عن مذهبه، وإنما مراد كل واحد منكما أن يخطئ صاحبه، فأنتما آثمان بهذا المراد، أعاذ الله العلماء العقلاء عن مثل هذا المراد.
فإذا لم تجر المناظرة على المناصحة، فالسكوت أسلم، قد عرفت ما عندك وما عنده، وعرف ما عنده وما عندك. والسلام.
ثم لا نأمن أن يقول لك في مناظرته: قال رسول الله ﷺ ، فتقول له: هذا حديث ضعيف، أو تقول: لم يقله النبي ﷺ كل ذلك، لترد قوله، وهذا
стр. 2356
عظيم، وكذلك يقول لك أيضاً، فكل واحد منكما يرد حجة صاحبه بالمخارقة والمغالبة.
وهذا موجود في كثير ممن رأينا يناظر ويجادل ونتجادل، حتى ربما خرق بعضهم على بعض. هذا الذي خافه النبي ﷺ على أمته، وكرهه العلماء ممن تقدم والله أعلم. (١)
- وقال ﵀: ينبغي لكل من تمسك بما رسمناه في كتابنا هذا -وهو كتاب الشريعة- أن يهجر جميع أهل الأهواء من الخوارج والقدرية والمرجئة والجهمية، وكل من ينسب إلى المعتزلة، وجميع الروافض، وجميع النواصب، وكل من نسبه أئمة المسلمين أنه مبتدع بدعة ضلالة، وصح عنه ذلك، فلا ينبغي أن يكلم ولا يسلم عليه، ولا يجالس ولا يصلى خلفه، ولا يزوج ولا يتزوج إليه من عرفه، ولا يشاركه ولا يعامله ولا يناظره ولا يجادله، بل يذله بالهوان له، وإذا لقيته في طريق أخذت في غيرها إن أمكنك
وهذا الذي ذكرته لك فقول من تقدم من أئمة المسلمين، وموافق لسنة رسول الله ﷺ ، فأما الحجة في هجرتهم بالسنة فقصة هجره الثلاثة الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ في الخروج معه في غزاته بغير عذر، كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، رحمهم الله تعالى، فأمر النبي ﷺ
стр. 2357
بهجرتهم، وأن لا يكلموا، وطردهم حتى نزلت توبتهم من الله (١)، وهكذا قصة حاطب بن أبي بلتعة لما كتب إلى قريش يحذرهم خروج النبي ﷺ إليهم فأمر النبي ﷺ بهجرته وطرده، فلما أنزل الله توبته فعاتبه الله تعالى على فعله فتاب عليه (٢)، وقول النبي ﷺ : "أفضل العمل الحب في الله والبغض في الله" (٣). وضرب عمر بن الخطاب ﵁ لصبيغ، وبعث إلى أهل البصرة أن لا يجالسوه، قال: فلو جاء إلى حلقة ما هي قاموا وتركوه. (٤)
- وقال ﵀: ينبغي لإمام المسلمين ولأمرائه في كل بلد إذا صح عنده مذهب رجل من أهل الأهواء ممن قد أظهره أن يعاقبه العقوبة الشديدة، فمن استحق منهم أن يقتله قتله، ومن استحق أن يضربه ويحبسه وينكل به فعل به ذلك، ومن استحق أن ينفيه نفاه، وحذر منه الناس.
فإن قال قائل: وما الحجة فيما قلت؟
قيل: ما لا تدفعه العلماء ممن نفعه الله بالعلم، وذلك أن عمر ابن الخطاب ﵁ جلد صبيغاً التميمي، وكتب إلى عماله: أن
стр. 2358
يقيموه حتى ينادي على نفسه، وحرمه عطاءه، وأمر بهجرته، فلم يزل وضيعاً في الناس.
وهذا علي بن أبي طالب ﵁ قتل بالكوفة في صحراء أحد عشر جماعة ادعوا أنه إلههم، خد لهم في الأرض أخدوداً، وحرقهم بالنار، وقال:
لما سمعت القول قولاً منكرا ... أججت ناري ودعوت قنبرا
وهذا عمر بن عبد العزيز كتب إلى عدي بن أرطأة في شأن القدرية: تستتيبهم فإن تابوا وإلا فاضرب أعناقهم.
وقد ضرب هشام بن عبد الملك عنق غيلان وصلبه بعد أن قطع يده، ولم يزل الأمراء بعدهم في كل زمان يسيرون في أهل الأهواء إذا صح عندهم ذلك عاقبوه على حسب ما يرون، لا ينكره العلماء. (١)
موقفه من المشركين:
- قال محمد بن الحسين: من تصفح أمر هذه الأمة من عالم عاقل، علم أن أكثرهم -العام منهم- يجري أمورهم على سنن أهل الكتابين، كما قال النبي ﷺ (٢)، وعلى سنن كسرى وقيصر، وعلى سنن أهل الجاهلية، وذلك مثل السلطنة وأحكامهم وأحكام العمال والأمراء وغيرهم، وأمر المصائب والأفراح والمساكن واللباس والحلية، والأكل والشرب والولائم، والمراكب
стр. 2359
والخدم والمجالس والمجالسة، والبيع والشراء، والمكاسب من جهات كثيرة، وأشباه لما ذكرت يطول شرحها، تجري بينهم على خلاف السنة والكتاب، وإنما تجري بينهم على سنن من قبلنا، كما قال النبي ﷺ . والله المستعان.
قال الشيخ حامد الفقي -رحمه الله تعالى رحمة واسعة-: إذا كان هذا في زمان أبي بكر الآجري المتوفى سنة ٣٦٠ من الهجرة فكيف به لو رأى الناس اليوم، وما تتابعوا فيه من تقليد اليهود والنصارى والوثنيين وكل ملحد زنديق في فسوقهم وتمردهم على الله وكتبه ورسله وسننه وآياته، وما جر عليهم ذلك التقليد الأعمى من الانحلال والذلة والصغار، وذهاب ريحهم. وضياع كل ما خلفه لهم آباؤهم من أسباب القوة والسلطان. ولو أن الناس عقلوا عن ربهم وآمنوا بآياته ونعمه ورحمته وحكمته، وآمنوا بما أكرمهم به ربهم وما أعطاهم من هذا الكتاب الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وما حفظ لهم من هدى مختاره ومصطفاه إمام المهتدين عبد الله ورسوله محمد ﷺ لو أنهم عقلوا وآمنوا بهذا لانتفعوا بهدى الله، ولنفخ الله فيهم من روح العزة والقوة، ولمكن الله لهم دينهم الذي ارتضى لهم، ولبدلهم من بعد خوفهم أمناً، كما أعطى المسلمين الأولين، ولكن أكثر الناس لا يعقلون، فهم في تقليدهم الأعمى يتخبطون، وفي ضلالهم يعمهون، يجرون في كل شئون حياتهم ذيولاً للفرنجة أعدائهم. فلا ينالون منهم إلا كل ظلم وبغي واستعباد. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. (١)
- وقال الآجري ﵀: فإني أحذر إخواني المؤمنين مذهب الحلولية؛
стр. 2360
الذين لعب بهم الشيطان فخرجوا بسوء مذهبهم عن طريق أهل العلم، إلى مذاهب قبيحة، لا يكون إلا في كل مفتون هالك. زعموا أن الله حال في كل شيء، حتى أخرجهم سوء مذهبهم إلى أن تكلموا في الله بما ينكره العلماء العقلاء، لا يوافق قولهم كتاب ولا سنة. ولا قول الصحابة. ولا قول أئمة المسلمين، وإني لأستوحش أن أذكر قبيح أفعالهم تنزيهاً مني لجلال الله وعظمته، كما قال ابن المبارك ﵀: إنا لنستطيع أن نحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية. ثم إنهم إذا أنكر عليهم سوء مذهبهم قالوا: لنا حجة من كتاب الله . فإذا قيل لهم: ما الحجة؟ قالوا: قال الله : ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (١) وبقوله : ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٢) فلبسوا على السامع منهم بما تأولوا، وفسروا القرآن على ما تهوى نفوسهم. فضلوا وأضلوا، فمن سمعهم ممن جهل العلم ظن أن القول كما قالوه، وليس هو كما تأولوه عند أهل العلم.
والذي يذهب إليه أهل العلم: أن الله سبحانه على عرشه فوق سماواته، وعلمه محيط بكل شيء،
стр. 2361
قد أحاط علمه بجميع ما خلق في السماوات العلا، وبجميع ما في سبع أرضين وما بينهما وما تحت الثرى، يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم الخطرة والهمة، ويعلم ما توسوس به النفوس، يسمع ويرى، لا يعزب عن الله مثقال ذرة في السماوات والأرضين وما بينهن، إلا وقد أحاط علمه به، فهو على عرشه سبحانه العلي الأعلى ترفع إليه أعمال العباد، وهو أعلم بها من الملائكة الذين يرفعونها بالليل والنهار. فإن قال قائل: فإيش معنى قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ الآية ... التي بها يحتجون؟ قيل له: علمه ، والله على عرشه وعلمه محيط بهم، وبكل شيء من خلقه، كذا فسره أهل العلم. والآية يدل أولها وآخرها على أنه العلم. فإن قال قائل: كيف؟ قيل: قال الله : ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١).اهـ (٢)
- وقال محمد بن الحسين ﵀: ومما يحتج به الحلولية، مما يلبسون به على من لا علم معه يقول الله : ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ (٣) وقد فسر أهل العلم هذه الآية: هو الأول: قبل كل شيء؛ من
стр. 2362
حياة وموت، والآخر: بعد كل شيء؛ بعد الخلق، وهو الظاهر: فوق كل شيء -يعني ما في السموات- وهو الباطن: دون كل شيء يعلم ما تحت الأرضين، ودل على هذا آخر الآية ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١). (٢)
- وقال محمد بن الحسين ﵀: ومما يلبسون به على من لا علم معه احتجوا بقوله : ﴿وَهُوَ اللَّهُ في السَّمَاوَاتِ وفي الأرض﴾ (٣) وبقوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ (٤) وهذا كله إنما يطلبون به الفتنة، كما قال الله تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (٥). وعند أهل العلم من أهل الحق: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ (٦) فهو كما قال أهل العلم: مما جاءت به السنن: أن الله على عرشه. وعلمه محيط بجميع خلقه، يعلم ما يسرون وما يعلنون، يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون. وقوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي
стр. 2363
السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ (١) فمعناه: أنه جل ذكره إله من في السموات، وإله من في الأرض، إله يعبد في السموات، وإله يعبد في الأرض، هكذا فسره العلماء. (٢)
موقفه من الرافضة:
- قال الآجري في كتابه الشريعة: فمن صفة من أراد الله به خيراً، وسلم له دينه، ونفعه الله الكريم بالعلم، المحبة لجميع الصحابة، ولأهل بيت رسول الله ﷺ ولأزواج رسول الله ﷺ والإقتداء بهم، ولا يخرج بفعل ولا بقول عن مذاهبهم، ولا يرغب عن طريقتهم، وإذا اختلفوا في باب من العلم، فقال بعضهم: حلال. وقال الآخر: حرام. نظر أي القولين أشبه بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وسأل العلماء عن ذلك إذا قصر علمه، فأخذ به، ولم يخرج عن قول بعضهم، وسأل الله السلامة، وترحم على الجميع. (٣)
- قال محمد بن الحسين: فقد أثبت من بيان خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ ما إذا نظر فيها المؤمن سره، وزاده محبة للجميع، وإذا نظر فيها رافضي خبيث أو ناصبي ذليل مهين، أسخن الله الكريم بذلك أعينهما في الدنيا والآخرة، لأنهما خالفا الكتاب والسنة وما كان عليه الصحابة ﵃ واتبعا غير سبيل المؤمنين.
стр. 2364
قال الله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١).
وقال النبي ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ" (٢)، فهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ ومن اتبعهم بإحسان. (٣)
- قال محمد بن الحسين ﵀: من علامة من أراد الله به خيراً من المؤمنين وصحة إيمانهم محبتهم لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃. (٤)
- وقال ﵀ بعد أن ساق آثاراً في اتباع علي بن أبي طالب في خلافته لسنن أبي بكر وعمر رضي الله عن الجميع: هذا رد على الرافضة الذين خطئ بهم عن طريق الحق، وأسخن الله تعالى أعينهم، ونسبوا علي بن أبي طالب ﵁ إلى ما قد برأه الله مما ينحلونه إليه في أبي بكر وعمر ﵄ لو علم علي ﵁ أن الحق في غير ما حكم به أبو بكر لرده، ولم يأخذه في الله لومة لائم، ولكن علم أن الحق هو
стр. 2365
الذي فعله أبو بكر فأجراه على ما فعل أبو بكر ﵄، وكذا فعل عمر في أهل نجران، وكذا لما سن عمر بن الخطاب ﵁ قيام شهر رمضان، وجمع الناس عليه، أحيا بذلك سنة رسول الله ﷺ فصلاها الصحابة في جميع البلدان، وصلاها علي بن أبي طالب ﵁ فلما أفضت الخلافة إليه صلاها وأمر بالصلاة، وترحم على عمر ﵁ فقال: نور الله قبرك يا بن الخطاب، كما نورت مساجدنا، وقال: أنا أشرت على عمر بذلك ...
وهذا رد على الرافضة الذين لا يرون صلاتها، خلافاً على عمر وعثمان وعلي ﵃، وعلى جميع المسلمين. (١)
- وقال رحمه الله تعالى: ومن أصح الدلائل وأوضح الحجج على كل رافضي مخالف لعلي بن أبي طالب ﵁ أن عليا كرم الله وجهه لم يزل يقرأ بما في مصحف عثمان ﵁ ولم يغير منه حرفاً واحداً، ولا قدم حرفاً على حرف، ولا أخر ولا زاد فيه ولا نقص، ولا قال: إن عثمان فعل في هذا المصحف شيئاً لي أن أفعل غيره. ما يحفظ عنه شيء من هذا، ﵁، وهكذا ولده ﵁ لم يزالوا يقرءون بما في مصحف عثمان، ﵁، حتى فارقوا الدنيا، وهكذا أصحاب علي ﵁ لم يزالوا يقرئون المسلمين بما في مصحف عثمان ﵁، لا يجوز لقائل أن يقول غير هذا. من قال غير هذا فقد كذب، وأتى بخلاف ما عليه أهل الإسلام.
стр. 2366
قال محمد بن الحسين ﵀: مرادنا من هذا، أن علي بن أبي طالب ﵁ لم يزل متبعاً لما سنه أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ متبعاً لهم يكره ما كرهوا ويحب ما أحبوا، حتى قبضه الله شهيداً الذي لا يحبه إلا مؤمن تقي ولا يبغضه إلا منافق شقي. (١)
- وقال ﵀: فإن قال قائل: قد ذكرت عن النبي ﷺ أنه ذكر فتنة تكون من بعده، ثم قال في عثمان: "فاتبعوا هذا وأصحابه فإنهم يومئذ على هدي" (٢). فأخبرنا عن أصحابه من هم؟
قيل له: أصحابه أصحاب رسول الله ﷺ المشهود لهم بالجنة، المذكور نعتهم في التوراة والإنجيل، الذي من أحبهم سعد، ومن أبغضهم شقي.
فإن قال: فاذكرهم.
قيل له: علي بن أبي طالب، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد ﵃ وسائر الصحابة في وقتهم ﵃، كلهم كانوا على هدي كما قال النبي ﷺ ، وكلهم أنكر قتله، وكلهم استعظم ما جرى على عثمان ﵁، وشهدوا على قتلته أنهم في النار.
فإن قال قائل: فمن الذي قتله؟
قيل له: طوائف أشقاهم الله بقتله حسداً منهم له وبغياً،
стр. 2367
وأرادوا الفتنة وأن يوقعوا الضغائن بين أمة محمد ﷺ ، لما سبق عليهم من الشقوة في الدنيا، ومالهم في الآخرة أعظم.
فإن قال: فمن أين اجتمعوا على قتله؟
قيل له: أول ذلك وبدء شأنه أن بعض اليهود يقال له: ابن السوداء، ويعرف بعبد الله بن سبأ لعنة الله عليه زعم أنه أسلم، فأقام بالمدينة فحمله الحسد للنبي ﷺ ولصحابته، وللإسلام، فانغمس في المسلمين، كما انغمس ملك اليهود؛ بولس بن شاوذ، في النصارى حتى أضلهم، وفرقهم فرقاً، وصاروا أحزاباً، فلما تمكن فيهم البلاء والكفر تركهم، وقصته تطول، ثم عاد إلى التهود بعد ذلك، فهكذا عبد الله بن سبأ؛ أظهر الإسلام، وأظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصار له أصحاب في الأمصار، ثم أظهر الطعن على الأمراء، ثم أظهر الطعن على عثمان ﵁، ثم طعن على أبي بكر وعمر ﵄، ثم أظهر أنه يتولى علياً ﵁، وقد أعاذ الله الكريم علي بن أبي طالب وولده وذريته ﵃ من مذهب ابن سبأ وأصحابه السبئية، فلما تمكنت الفتنة والضلال في ابن سبأ وأصحابه، صار إلى الكوفة، فصار له بها أصحاب، ثم ورد إلى البصرة فصار له بها أصحاب ثم ورد إلى مصر، فصار له بها أصحاب، كلهم أهل ضلالة، ثم تواعدوا الوقت، وتكاتبوا ليجتمعوا في موضع، ثم يصيروا كلهم إلى المدينة، ليفتنوا المدينة وأهلها ففعلوا، ثم ساروا إلى المدينة، فقتلوا عثمان ﵁، ومع ذلك فأهل المدينة لا يعلمون حتى وردوا عليهم.
فإن قال: فلم لم يقاتل عنه أصحاب رسول الله ﷺ ؟
стр. 2368
قيل له: إن عثمان ﵁ وصحابته لم يعلموا حتى فاجأهم الأمر، ولم يكن بالمدينة جيش قد أعد لحرب، فلما فجأهم ذلك اجتهدوا ﵃ في نصرته والذب عنه، فما أطاقوا ذلك وقد عرضوا أنفسهم على نصرته ولو تلفت أنفسهم، فأبى عليهم وقال: أنتم في حل من بيعتي، وفي حرج من نصرتي، وإني لأرجو أن ألقى الله سالماً مظلوماً، وقد خاطب علي بن أبي طالب وطلحة والزبير ﵃ وكثير من الصحابة لهؤلاء القوم بمخاطبة شديدة، وغلظوا لهم في القول، فلما أحسوا أن أصحاب رسول الله ﷺ قد أنكروا عليهم؛ أظهرت كل فرقة منهم أنهم يتولون الصحابة، فلزمت فرقة منهم باب علي بن أبي طالب ﵁ وزعمت أنها تتولاه، وقد برأه الله منهم، فمنعوه الخروج ولزمت فرقة منهم باب طلحة وزعموا أنهم يتولونه وقد برأه الله منهم، ولزمت فرقة منهم باب الزبير وزعموا أنهم يتولونه وقد برأه الله منهم، وإنما أرادوا أن يشغلوا الصحابة عن الانتصار لعثمان ﵁، ولبسوا على أهل المدينة أمرهم للمقدور الذي قدره أن عثمان يقتل مظلوماً، فورد على الصحابة أمر لا طاقة لهم به، ومع ذلك فقد عرضوا أنفسهم على عثمان ﵁ ليأذن لهم بنصرته مع قلة عددهم، فأبى عليهم، ولو أذن لهم؛ لقاتلوا.
حدثنا العباس بن أحمد الختلي المعروف بابن أبي شحمة، قال: حدثنا دهثم بن الفضل أبو سعيد الرملي، قال: ثنا المؤمل بن إسماعيل، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب وهشام، عن محمد بن سيرين، قال: لقد كان في
стр. 2369
الدار جماعة من المهاجرين والأنصار وأبنائهم منهم: عبد الله بن عمر والحسن والحسين وعبد الله بن الزبير ومحمد بن طلحة، الرجل منهم خير من كذا وكذا. يقولون: يا أمير المؤمنين، خل بيننا وبين هؤلاء القوم، فقال: أعزم على كل رجل منكم وإن لي عليه حقا أن لا يهريق في دماً، وأحرج على كل رجل منكم لما كفاني اليوم نفسه.
فإن قال قائل: فقد علموا أنه مظلوم، وقد أشرف على القتل، فكان ينبغي لهم أن يقاتلوا عنه، وإن كان قد منعهم.
قيل له: ما أحسنت القول؛ لأنك تكلمت بغير تمييز.
فإن قال: ولم؟ قيل: لأن القوم كانوا أصحاب طاعة وفقهم الله تعالى للصواب من القول والعمل، فقد فعلوا ما يجب عليهم من الإنكار بقلوبهم وألسنتهم، وعرضوا أنفسهم لنصرته على حسب طاقتهم، فلما منعهم عثمان ﵁ من نصرته، علموا أن الواجب عليهم السمع والطاعة له، وأنهم إن خالفوه لم يسعهم ذلك، وكان الحق عندهم، فيما رآه عثمان ﵁ وعنهم.
فإن قال قائل: فلم منعهم عثمان من نصرته وهو مظلوم، وقد علم أن قتالهم عنه نهي عن منكر، وإقامة حق يقيمونه؟
قيل له: وهذا أيضاً غفلة منك.
فإن قال: وكيف؟ قيل له: منعه إياهم عن نصرته يحتمل وجوهاً، كلها محمودة.
أحدها: علمه بأنه مقتول مظلوم لا شك فيه؛ لأن النبي ﷺ قد أعلمه
стр. 2370
أنك تقتل مظلوماً، فاصبر. فقال: أصبر، فلما أحاطوا به علم أنه مقتول؛ وأن الذي قاله النبي ﷺ له حق كما قال لا بد من أن يكون، ثم علم أنه قد وعده من نفسه الصبر، فصبر كما وعد، وكان عنده أن من طلب الانتصار لنفسه والذب عنها فليس هذا بصابر، إذ وعد من نفسه الصبر فهذا وجه.
ووجه آخر: وهو أنه قد علم أن في الصحابة ﵃ قلة عدد، وأن الذين يريدون قتله كثير عددهم، فلو أذن لهم بالحرب لم يأمن أن يتلف من صحابة نبيه بسببه، فوقاهم بنفسه إشفاقاً منه عليهم، لأنه راع والراعي واجب عليه أن يحوط رعيته بكل ما أمكنه، ومع ذلك فقد علم أنه مقتول فصانهم بنفسه، وهذا وجه.
ووجه آخر: وهو أنه لما علم أنها فتنة، وأن الفتنة إذا سل فيها السيف لم يؤمن أن يقتل فيها من لا يستحق؛ فلم يختر لأصحابه أن يسلوا في الفتنة السيف، وهذا أيضا إشفاق منه عليهم، فتنة تعم؛ وتذهب فيها الأموال، وتهتك فيها الحريم، فصانهم عن جميع هذا.
ووجه آخر: يحتمل أن يصبر عن الانتصار لتكون الصحابة ﵃ شهوداً على من ظلمه وخالف أمره وسفك دمه بغير حق، لأن المؤمنين شهداء الله في أرضه، ومع ذلك فلم يحب أن يهراق بسببه دم مسلم، ولا يخلف النبي ﷺ في أمته بإهراقه دم مسلم، وكذا قال ﵁، فكان عثمان ﵁ بهذا الفعل موفقاً معذوراً رشيداً، وكان الصحابة ﵃ في عذر، وشقي قاتله. (١)
стр. 2371
- وقال ﵀: كفى به شقوة لمن سب عثمان أو أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ قوله: "من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" (١) وقوله ﷺ في أصحابه: "لا تتخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد أذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه" (٢). ولقوله ﷺ : "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم، ولا نصيفه". (٣)
وقال ﵀: قلت: والذي يسب عثمان ﵁ لا يضر عثمان، وإنما يضر نفسه. عثمان ﵁ قد شهد له النبي ﷺ بأنه يقتل شهيداً مظلوماً، وبشره النبي ﷺ بالجنة ﵁ في غير حديث، رواه علي بن أبي طالب ﵁، ورواه عنه سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵁، ورواه عبد الرحمن بن عوف، وجماعة من الصحابة ﵃: أن عثمان ﵁
стр. 2372
من أهل الجنة؛ على رغم أنف كل منافق ذليل مهين في الدنيا والآخرة. (١)
- وقال ﵀: على من قتل الحسين بن علي ﵄ لعنة الله، ولعنة اللاعنين، وعلى من أعان على قتله، وعلى من سب علي بن أبي طالب، وسب الحسن والحسين، أو آذى فاطمة في ولدها، أو آذى أهل بيت رسول الله ﷺ ، فعليه لعنة الله وغضبه، لا أقام الله الكريم له وزناً، ولا نالته شفاعة محمد ﷺ . (٢)
- وقال ﵀: والخلفاء الراشدون فهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، فمن كان لهم محباً راضياً بخلافتهم، متبعا لهم، فهو متبع لكتاب الله ، ولسنة رسوله ﷺ ، ومن أحب أهل بيت رسول الله ﷺ الطيبين، وتولاهم وتعلق بأخلاقهم، وتأدب بأدبهم، فهو على المحجة الواضحة، والطريق المستقيم والأمر الرشيد، ويرجى له النجاة ...
فإن قال قائل: فما تقول فيمن يزعم أنه محب لأبي بكر وعمر وعثمان، متخلف عن محبة علي بن أبي طالب، ﵃، وعن محبة الحسن والحسين ﵄، غير راض بخلافة علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه؟ هل تنفعه محبة أبي بكر وعمر وعثمان، ﵃؟
قيل له: معاذ الله، هذه صفة منافق، ليست بصفة مؤمن؛ قال النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁: "لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا
стр. 2373
منافق" (١). وقال ﵇: "من آذى عليا فقد آذاني" (٢). وشهد النبي ﷺ لعلي ﵁ بالخلافة وشهد له بالجنة، وبأنه شهيد، وأن علياً ﵁، محب لله ولرسوله، وأن الله ورسوله ﷺ محبان لعلي ﵁، وجميع ما شهد له به رسول الله ﷺ من الفضائل التي تقدم ذكرنا لها. وما أخبر النبي ﷺ من محبته للحسن والحسين، ﵄، مما تقدم ذكرنا له. فمن لم يحب هؤلاء ويتولهم فعليه لعنة الله في الدنيا والآخرة، وقد بريء منه أبو بكر وعمر وعثمان ﵃.
وكذا من زعم أنه يتولى علِيَّ بن أبي طالب، ﵁، ويحب أهل بيته، ويزعم أنه لا يرضى بخلافة أبي بكر وعمر ولا عثمان، ولا يحبهم ويبرأ منهم، ويطعن عليهم، فنشهد بالله يقيناً أن علي بن أبي طالب والحسن والحسين، ﵃، برآء منه لا تنفعه محبتهم حتى يحب أبا بكر وعمر وعثمان، ﵃، كما قال علي بن أبي طالب ﵁ فيما وصفهم به، وذكر فضلهم، وتبرأ ممن لم يحبهم.
فرضي الله عنه، وعن ذريته الطيبة، هذا طريق العقلاء من المسلمين،
стр. 2374
ونعوذ بالله ممن يقذف أهل بيت رسول الله ﷺ بالطعن على أبي بكر وعمر وعثمان، ﵃، لقد افترى على أهل البيت وقذفهم بما قد صانهم الله عنه.
وهل عرفت أكثر فضائل أبي بكر وعمر وعثمان؛ إلا مما رواه علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين؟ (١)
- وقال ﵀: أما بعد؛ فإن سائلاً سأل عن مذهب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ في أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ وكيف كانت منزلتهم عنده؟ وهل كان متبعا لهم في خلافته بعدهم؟ وهل حفظ عنه شيء من فضائلهم؟ وهل غير في خلافته شيئاً من سيرتهم؟ فأحب السائل أن يعلم من ذلك ما يزيده محبة لجميعهم ﵃ وعن جميع الصحابة ﵃، وعن جميع أزواجه أمهات المؤمنين، وعن جميع أهل البيت- فأجيب السائل إلى الجواب عنه مختصراً إن شاء الله، والله الموفق للصواب من القول والعمل.
اعلموا رحمنا الله وإياكم أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ لا يحفظ عنه الصحابة ومن تبعهم من التابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين إلا محبة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ في حياتهم وفي خلافتهم وبعد وفاتهم. فأما في خلافتهم فسامع لهم مطيع يحبهم ويحبونه، ويعظم قدرهم ويعظمون قدره، صادق في محبته لهم، مخلص في الطاعة لهم، يجاهد من يجاهدون، ويحب ما يحبون، ويكره ما يكرهون، يستشيرونه في
стр. 2375
النوازل؛ فيشير مشورة ناصح مشفق محب، فكثير من سيرتهم بمشورته جرت، فقبض أبو بكر ﵁ فحزن لفقده حزناً شديداً، وقتل عمر ﵁ فبكى عليه بكاءً طويلاً، وقتل عثمان ﵁ ظلماً؛ فبرأه الله من دمه، وكان قتله عنده ظلماً مبيناً.
ثم ولي الخلافة بعدهم، فعمل بسنتهم، وسار سيرتهم، واتبع آثارهم، وسلك طريقهم، وروى عن رسول الله ﷺ فضائلهم، وخطب الناس في غير وقت؛ فذكر شرفهم، وذم من خالفهم، وتبرأ من عدوهم، وأمر باتباع سنتهم وسيرتهم، فرضي الله عنه وعنهم
وقال ﵀: فلن يحبهم إلا مؤمن تقي، قد وفقه الله للحق ولن يتخلف عن محبتهم، أو عن محبة واحد منهم إلا شقي قد خطي به عن طريق الحق؛ ومذهبنا فيهم أنا نقول في الخلافة والتفضيل: أبو بكر؛ ثم عمر؛ ثم عثمان؛ ثم علي ﵃.
ويقال: رحمكم الله أنه لا يجتمع حب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي إلا في قلوب أتقياء هذه الأمة. (١)
- وقال ﵀: لقد خاب وخسر من أصبح وأمسى وفي قلبه بغض لعائشة ﵂ أو لأحد من أصحاب رسول الله ﷺ أو لأحد من أهل بيت رسول الله ﷺ فرضي الله عنهم أجمعين ونفعنا بحبهم. (٢)
- وقال ﵀: من جاء إلى أصحاب رسول الله ﷺ حتى يطعن في
стр. 2376
بعضهم، ويهوى بعضهم، ويذم بعضاً ويمدح بعضاً، فهذا رجل طالب فتنة، وفي الفتنة وقع؛ لأنه واجب عليه محبة الجميع والاستغفار للجميع ﵃ ونفعنا بحبهم، ونحن نزيدك في البيان ليسلم قلبك للجميع وتدع البحث والتنقير عما شجر بينهم. (١)
- وقال ﵀: لقد خاب وخسر من سب أصحاب رسول الله ﷺ لأنه خالف الله ورسوله، ولحقته اللعنة من الله ومن رسوله ومن الملائكة ومن جميع المؤمنين، ولا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، لا فريضة ولا تطوعاً، وهو ذليل في الدنيا، وضيع القدر، كثر الله بهم القبور، وأخلى منهم الدور. (٢)
باب ما جاء في الرافضة وسوء مذهبهم
- وقال ﵀: أول ما نبتدئ به من ذكرنا في هذا الباب أنا نجل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وفاطمة ﵂، والحسن والحسين ﵄، وعقيل بن أبي طالب ﵁، وأولادهم، وأولاد جعفر الطيار ﵃، وذريتهم الطيبة المباركة، عن مذاهب الرافضة الذين قد خُطيء بهم عن طريق الرشاد.
أهل بيت رسول الله ﷺ أعلى قدراً وأصوب رأياً وأعرف بالله وبرسوله ﷺ مما تنحلهم الرافضة إليه، من سبهم لأبي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وعائشة ﵃.
стр. 2377
قد صان الله الكريم علي بن أبي طالب ﵁ ومن ذكرنا من ذريته الطيبة المباركة عما ينحلونهم إليه بالدلائل والبراهين التي تقدمت من ذكرهم ﵃ من أبي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وعائشة وسائر الصحابة إلا بكل جميل، بل هم كلهم عندنا إخوان على سرر متقابلين في الجنة قد نزع الله الكريم من قلوبهم الغل كما قال الله : ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ (١) ﵃.
وقد تقدم ذكرنا لمذهب علي بن أبي طالب ﵁ في أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة ﵃، وما روي عن النبي ﷺ من فضائلهم وما ذكر من مناقب أبي بكر وعمر ﵁ عند وفاته، وما ذكر من مناقب عمر ﵁ عند وفاته، وما ذكر من عظم مصيبته بما جرى على عثمان ﵁ من قتله وتبرأ إلى الله من قتله، وكذا ولده وذريته الطيبة، ينكرون على الرافضة سوء مذاهبهم ويتبرؤون منهم ويأمرون بمحبة أبي بكر وعمر وعثمان وسائر الصحابة ﵃؛ لأن الرافضة لا يشهدون جمعة ولا جماعة، ويطعنون على السلف، ولا نكاحهم نكاح المسلمين، ولا طلاقهم طلاق المسلمين، وهم أصناف كثيرة.
منهم من يقول: إن علي بن أبي طالب ﵁ إله.
стр. 2378
ومنهم من يقول: بل علي كان أحق بالنبوة من محمد، وأن جبريل غلط بالوحي.
ومنهم من يقول: هو نبي بعد النبي ﷺ .
ومنهم من يشتم أبا بكر وعمر ويكفرون جميع الصحابة ويقولون: هم في النار إلا ستة.
ومنهم من يرى السيف على المسلمين فإن لم يقدروا خنقوهم حتى يقتلوهم.
وقد أجل الله الكريم أهل بيت رسول الله ﷺ عن مذاهبهم القذرة التي لا تشبه المسلمين.
وفيهم من يقول بالرجعة، نعوذ بالله ممن ينحل هذا إلى من قد أجلهم الله الكريم وصانهم عنها رضي الله عن أهل البيت وجزاهم عن جميع المسلمين خيراً. (١)
موقفه من الصوفية:
جاء في الاعتصام: قال الشاطبي بعد ما ذكر حديث: "وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب ... " الحديث (٢)، فقال الإمام الآجري العالم السني أبو بكر ﵁: ميزوا هذا الكلام، فإنه لم يقل صرخنا من موعظة، ولا زعقنا ولا طرقنا على
стр. 2379
رؤوسنا ولا ضربنا على صدورنا، ولا زفنا ولا رقصنا كما يفعل كثير من الجهال؛ يصرخون عند المواعظ ويزعقون ويتغاشون. قال: وهذا كله من الشيطان يلعب بهم، وهذا كله بدعة وضلالة، ويقال لمن فعل هذا: اعلم أن النبي ﷺ أصدق الناس موعظة وأنصح الناس لأمته وأرق الناس قلباً وخير الناس من جاء بعده، لا يشك في ذلك عاقل، ما صرخوا عند موعظته ولا زعقوا ولا رقصوا ولا زفنوا، ولو كان هذا صحيحاً لكانوا أحق الناس به أن يفعلوه بين يدي رسول الله ﷺ ، ولكنه بدعة وباطل ومنكر فاعلم ذلك. انتهى كلامه. (١)
موقفه من الجهمية:
- جاء في الشريعة:
باب: ذكر الإيمان بأن القرآن كلام الله تعالى وأن كلامه ليس بمخلوق ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر.
قال محمد بن الحسين: اعلموا رحمنا الله وإياكم: أن قول المسلمين الذين لم تزغ قلوبهم عن الحق، ووفقوا للرشاد قديماً وحديثاً: أن القرآن كلام الله تعالى ليس بمخلوق، لأن القرآن من علم الله وعلم الله لا يكون مخلوقاً، تعالى الله عن ذلك. دلّ على ذلك القرآن والسنة، وقول الصحابة ﵃ وقول أئمة المسلمين، لا ينكر هذا إلا جهمي خبيث، والجهمي فعند العلماء كافر، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ
стр. 2380
فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ (٢) وقال تعالى لنبيه ﵇: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ (٣) وهو القرآن، وقال لموسى ﵇: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ (٤) قال محمد بن الحسين: ومثل هذا في القرآن كثير. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٦). قال محمد بن الحسين ﵀: لم يزل الله عالماً متكلماً سميعاً بصيراً بصفاته قبل خلق الأشياء، من قال غير هذا كفر.
وسنذكر من السنن والآثار وقول العلماء الذين لا يستوحش من
стр. 2381
ذكرهم ما إذا سمعها من له علم وعقل، زاده علماً وفهماً، وإذا سمعها من في قلبه زيغ، فإن أراد الله هدايته إلى طريق الحق رجع عن مذهبه، وإن لم يرجع فالبلاء عليه أعظم. (١)
- وفيها:
باب: ذكر النهي عن مذاهب الواقفة:
قال محمد بن الحسين: وأما الذين قالوا: القرآن كلام الله، ووقفوا فيه وقالوا: لا نقول غير مخلوق، فهؤلاء عند كثير من العلماء ممن رد على من قال بخلق القرآن، قالوا: هؤلاء الواقفة مثل من قال: القرآن مخلوق وأشر، لأنهم شكوا في دينهم ونعوذ بالله ممن يشك في كلام الرب أنه غير مخلوق. (٢)
- وفيها:
باب: ذكر اللفظية ومن زعم أن هذا القرآن حكاية للقرآن
الذي في اللوح المحفوظ كذبوا.
قال محمد بن الحسين: احذروا رحمكم الله هؤلاء الذين يقولون: إن لفظه بالقرآن مخلوق، وهذا عند أحمد بن حنبل، ومن كان على طريقته: منكر عظيم، وقائل هذا مبتدع، خبيث ولا يكلم، ولا يجالس، ويحذر منه الناس، لا يعرف العلماء غير ما تقدم ذكرنا له، وهو: أن القرآن كلام الله غير مخلوق ومن قال: مخلوق، فقد كفر. ومن قال: القرآن كلام الله ووقف فهو جهمي ومن قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي أيضاً، كذا قال أحمد
стр. 2382
بن حنبل، وغلظ فيه القول جداً، وكذا من قال: إن هذا القرآن الذي يقرؤه الناس، وهو في المصاحف: حكاية لما في اللوح المحفوظ، فهذا قول منكر، ينكره العلماء. يقال لقائل هذه المقالة: القرآن يكذبك، ويرد قولك، والسنة تكذبك وترد قولك. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (١) فأخبر الله تعالى: أنه إنما يسمع الناس كلام الله، ولم يقل: حكاية كلام الله. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢٠٤)(٢) فأخبر أن السامع إنما يسمع القرآن، ولم يقل: حكاية القرآن. وقال تعالى: ﴿إِنَّ هذا الْقُرْآَنَ يهدي لِلَّتِي هي أَقْوَمُ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ
стр. 2383
فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ (١) ولم يقل يستمعون حكاية القرآن، ولا قالت الجن: إنا سمعنا حكاية القرآن، كما قال: من ابتدع بدعة ضلالة، وأتى بخلاف الكتاب والسنة وبخلاف قول المؤمنين. وقال تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تيسر مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ (٢) قال محمد بن الحسين: وهذا في القرآن كثير لمن تدبره. وقال النبي: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" (٣) وقال: "إن الرجل الذي ليس في جوفه من القرآن شيء، كالبيت الخرب" (٤) وقال: "مثل القرآن مثل الإبل المعقلة، إن تعاهدها صاحبها أمسكها، وإن تركها ذهبت" (٥)، وقال ﷺ : "لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو" (٦) وقال في حديث آخر: "لا تسافروا بالمصاحف إلى العدو، فإني أخاف أن ينالوها" (٧) وقال: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله -عز
стр. 2384
وجل- القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار" (١).اهـ (٢)
- وفيها: قال محمد بن الحسين: فينبغي للمسلمين أن يتقوا الله تعالى، ويتعلموا القرآن، ويتعلموا أحكامه، فيحلوا حلاله ويحرموا حرامه، ويعملوا بمحكمه، ويؤمنوا بمتشابهه، ولا يماروا فيه، ويعلموا أنه كلام الله تعالى غير مخلوق. فإن عارضهم إنسان جهمي فقال: مخلوق، أو قال: القرآن كلام الله ووقف، أو قال: لفظي بالقرآن مخلوق، أو قال: هذا القرآن حكاية لما في اللوح المحفوظ. فحكمه أن يهجر ولا يكلم، ولا يصلى خلفه، ويحذر منه. وعليكم بعد ذلك بالسنن عن رسول الله ﷺ ، وسنن أصحابه رضي الله تعالى عنهم، وقول التابعين، وقول أئمة المسلمين مع ترك المراء والخصومة والجدال في الدين. فمن كان على هذا الطريق رجوت له من الله تعالى كل خير. (٣)
- وفيها: قال محمد بن الحسين ﵀: اعلموا وفقنا الله وإياكم للرشاد من القول والعمل أن أهل الحق يصفون الله بما وصف به نفسه ، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، وبما وصفه به الصحابة ﵃. وهذا مذهب العلماء ممن اتبع ولم يبتدع، ولا يقال فيه: كيف؟ بل التسليم له، والإيمان به: أن الله يضحك، وكذا روي عن النبي ﷺ ، وعن صحابته ولا ينكر هذا إلا من لا يحمد حاله عند أهل الحق. (٤)
стр. 2385
- وفيها: فإن اعترض جاهل ممن لا علم معه، أو بعض هؤلاء الجهمية الذين لم يوفقوا للرشاد، ولعب بهم الشيطان وحرموا التوفيق فقال: المؤمنون يرون الله يوم القيامة؟ قيل له: نعم، والحمد لله تعالى على ذلك. فإن قال الجهمي: أنا لا أؤمن بهذا. قيل له: كفرت بالله العظيم. فإن قال: وما الحجة. قيل: لأنك رددت القرآن والسنة، وقول الصحابة ﵃، وقول علماء المسلمين، واتبعت غير سبيل المؤمنين، وكنت ممن قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١) فأما نص القرآن فقول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٢٣)(٢) وقال تعالى وقد أخبرنا عن الكفار أنهم محجوبون عن رؤيته فقال تعالى ذكره: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ (٣) فدل بهذه الآية: أن المؤمنين ينظرون إلى الله، وأنهم غير محجوبين عن رؤيته، كرامة منه لهم. وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وزيادة﴾ (٤) فروي أن "الزيادة" هي النظر