وكتاب 'الأحكام' وكتاب 'الإمامة'. توفي ﵀ في شعبان سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة.
موقفه من المبتدعة:
جاء في ذم الكلام: عن محمد بن عبد الله الحافظ قال: سمعت أحمد بن إسحاق بن أيوب الفقيه الصبغي يناظر رجلاً فقال: حدثنا فلان، قال له الرجل: دعنا من حدثنا إلى متى حدثنا؟ فقال له الشيخ: قم يا كافر، فلا يحل لك أن تدخل داري بعد. ثم التفت إلينا فقال: ما قلت لأحد قط لا تدخل داري غير هذا. (١)
- وفي السير: قال الحاكم: وقد سمعته يخاطب كهلا من أهل (٢) فقال: حدثونا عن سليمان بن حرب فقال له: دعنا من حدثنا إلى متى حدثنا وأخبرنا؟ فقال: يا هذا لست أشم من كلامك رائحة الإيمان، ولا يحل لك أن تدخل هذه الدار ثم هجره حتى مات. (٣)
" التعليق:
هذه غيرة الأئمة ﵏ على سنة رسول الله ﷺ فإذا كان أهل الضلال بلغت بهم الوقاحة وقلة الحياء إلى قولهم: "دعنا من حدثنا وأخبرنا"، ودين الأمة كله قائم على سلسلة حدثنا وأخبرنا فلا دين إلا بها ولا عقيدة إلا على طريقها ولا عبادة تصح إلا منها، فكتب السنة كلها والقرآن بكل
стр. 2312
رواياته لا طريق له إلا حدثنا وأخبرنا، فإنكار حدثنا وأخبرنا إنكار لدين الله، فلهذا أغلظ له هذا الإمام القول ووصفه بوصف الكفر. وإطلاق الكفر على الإنسان فيه تفصيل، فمن جحد أو كذب أو رد أو كره أو ذم أو سب أو شتم وكل ما فيه قدح للإسلام أو النبوة أو الرسالة أو القرآن أو السنة مع العلم وإقامة الحجة فكفر مخرج عن الملة.
موقفه من الجهمية:
- جاء في الفتح: ومن طريق أبي بكر الصبغي قال: مذهب أهل السنة في قوله ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (١) قال بلا كيف والآثار فيه عن السلف كثيرة، وهذه طريقة الشافعي وأحمد بن حنبل. (٢)
- وفيه: وقد أملى أبو بكر الصبغي الفقيه أحد الأئمة من تلامذته ابن خزيمة اعتقاده وفيه لم يزل الله متكلماً ولا مثل لكلامه لأنه نفى المثل عن صفاته كما نفى المثل عن ذاته، ونفى النفاد عن كلامه كما نفى الهلاك عن نفسه، فقال: ﴿لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي﴾ (٣) وقال: ﴿كل شَيْءٍ هَالِكٌ إِلًّا وَجْهَهُ﴾ (٤) فاستصوب ذلك ابن خزيمة ورضي به. (٥)
- قال البيهقي: ما جاء في قول الله : ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ في
стр. 2313
السَّمَاءِ﴾ (١) قال أبو عبد الله الحافظ قال الشيخ أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب الفقيه قد تضع العرب (في) بموضع (على) قال الله : ﴿فسيحوا في الأرض﴾ (٢) وقال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ في جذوع النخل﴾ (٣) ومعناه: على الأرض وعلى النخل، فكذلك قوله ﴿في السَّمَاءِ﴾ أي: على العرش فوق السماء، كما صحت الأخبار عن النبي ﷺ . قلت: يريد ما مضى من الروايات. (٤)
موقفه من القدرية:
له كتاب 'القدر' وهو رد على القدرية. (٥)
أبو محمد عبد الرحمن بن حَمْدَان (٦) (٣٤٢ هـ)
الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن حمدان بن المرزبان الهمذاني الجلاب، أحد أركان السنة بهمذان. سمع أبا حاتم الرازي، وإبراهيم بن نصر وأبا بكر ابن أبي الدنيا، وهلال بن العلاء وطبقتهم. وعنه صالح بن أحمد وعبد الرحمن
стр. 2314
الأنماطي، وابن منده والحاكم والقاضي عبد الجبار بن أحمد، وآخرون. قال شيرويه الديلمي: كان صدوقاً قدوة، له أتباع. توفي ﵀ سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة.
موقفه من الجهمية:
عن عبد الرحمن بن حمدان قال: كان معي رفيق بطرسوس وهو أبو علي ابن خالويه، وكان معي في البيت، وكان قد أقبل على كتب الصوري والأنطاكي وأصحاب الكلام في الرقة، وكنت أنهاه فلا ينتهي، حتى كان ذات يوم جاءني فقال: أنا تائب. فقلت: أحدث شيء؟ قال: نعم، رأيت في هذه الليلة كأني دخلت البيت الذي نحن فيه، فوجدت رائحة مسك، فجعلت أتتبع الرائحة حتى وجدته يفوح من المحبرة! فقلت: إن الخير في الحديث. (١)
بكر بن محمد القُشَيْرِي البصري (٢) (٣٤٤ هـ)
العلامة أبو الفضل، بكر بن محمد بن العلاء القشيري البصري المالكي. ولي القضاء بناحية العراق، وصنف في المذهب كتباً جليلة. وسمع من أبي مسلم الكجي، وحكى عن سهل التستري. وروى عنه الحسن بن رشيق وعبد الله بن محمد بن أسد الأندلسي. قال الفرغاني: كان بكر من كبار الفقهاء المالكيين بمصر، وتقلد أعمالاً للقضاء، وكان راوية للحديث، وأوله
стр. 2315
من البصرة، ثم خرج من العراق لأمر اضطره، فنزل مصر قبل الثلاثين والثلاثمائة، وأدرك فيها رياسة عظيمة وكان قد ولي القضاء ببعض نواحي العراق. توفي ﵀ سنة أربع وأربعين وثلاثمائة وقد جاوز الثمانين، ودفن بالمقطم.
موقفه من القدرية:
له مؤلف في الرد على القدرية. ذكره الذهبي في السير (١) والصفدي في الوافي بالوفيات. (٢)
محمد بن عبد الواحد أبو عمر (٣) (٣٤٥ هـ)
الإمام محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم البغدادي أبو عمر الزاهد غلام ثعلب اللغوي المشهور. سمع أحمد بن سعيد الجمال، وأحمد بن عبيد الله النرسي والحارث بن أبي أسامة وإبراهيم بن الهيثم البلدي، ولازم ثعلباً فأكثر عنه. وحدث عنه ابن منده، وأبو عبد الله الحاكم، وأبو علي بن شاذان وأبو الحسن بن رزقويه، وجماعة. قال أبو علي التنوخي: من الرواة الذين لم ير قط أحفظ منهم أبو عمر غلام ثعلب، أملى من حفظه ثلاثين ألف ورقة فيما بلغني، حتى اتهموه لسعة حفظه. وقال عبد الواحد بن علي بن برهان: لم
стр. 2316
يتكلم في اللغة أحد أحسن من كلام أبي عمر الزاهد. وقال الذهبي: كان ثقة، آية في الحفظ والذكاء. وقال ابن كثير: كان كثير العلم والزهد، حافظاً مطيقاً يملي من حفظه شيئاً كثيراً، ضابطاً لما يحفظه. أثنى عليه اليشكري في قصيدته منها:
فلو أنني أقسمت ما كنت كاذباً ... بأن لم ير الراؤون حبراً يعادله
إذا قلت شارفنا أواخر علمه ... تفجر حتى قلت هذا أوائله
توفي ﵀ سنة خمس وأربعين وثلاثمائة.
موقفه من الرافضة:
جاء في التذكرة أنه كان له جزء قد جمع فيه فضائل معاوية، وكان لا يترك واحداً منهم يقرأ عليه شيئاً حتى يبتدئ بقراءة ذلك الجزء. (١)
محمد بن يعقوب بن الأَصَمّ (٢) (٣٤٦ هـ)
الإمام، المحدث، محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان، أبو العباس الأموي النيسابوري الأصم، ولد المحدث أبي الفضل الوراق. ولد سنة سبع وأربعين ومائتين. سمع من أحمد بن الأزهر والربيع بن سليمان وبحر بن نصر ومحمد بن إسحاق الصغاني، ويحيى بن جعفر وعباس الدوري، وغيرهم. وحدث عنه أبو عبد الله الحاكم وأبو عبد الله بن منده، وأبو عبد الرحمن
стр. 2317
السلمي، والحافظ أبو علي النيسابوري والإمام أبو بكر الإسماعيلي، وآخرون. وقال الحاكم: كان أبو العباس محدث عصره بلا مدافعة، فإنه حدث في الإسلام ستاً وسبعين سنة، ولم يختلف في صدقه وصحة سماعاته، وضبط أبيه يعقوب الوراق لها، وكان مع ذلك يرجع إلى حسن المذهب والدين، يصلي خمس صلوات في الجماعة، وبلغني أنه أذن سبعين سنة في مسجده، وكان حسن الخلق، سخي النفس، لا يبخل بكل ما يقدر عليه. وقال أيضاً: ما رأينا الرحلة في بلد من بلاد الإسلام أكثر منها إليه يعني أبا العباس الأصم، فقد رأيت جماعة من أهل الأندلس والقيروان وبلاد المغرب على بابه. توفي ﵀ سنة ست وأربعين وثلاثمائة.
موقفه من الخوارج:
عن أبي العباس محمد بن يعقوب بن الأصم قال: طاف خارجيان بالبيت فقال أحدهما لصاحبه: لا يدخل الجنة من هذا الخلق غيري وغيرك، فقال له صاحبه: جنة عرضها كعرض السماء والأرض بنيت لي ولك؟! فقال: نعم. فقال: هي لك. وترك رأيه. (١)
عبد المؤمن بن خَلَف النَّسَفِي (٢) (٣٤٦ هـ)
هو عبد المؤمن بن خلف بن طفيل، الإمام الحافظ القدوة، أبو يعلى
стр. 2318
التميمي النسفي. سمع من جده الطفيل بن زيد، وأبي حاتم الرازي، وإسحاق ابن إبراهيم الدبري. وحدث عنه عبد الملك بن مروان الميداني، وأحمد بن عمار ابن عصمة، ويعقوب بن إسحاق وغيرهم. قال الذهبي: وكان أثرياً سُنياً، ظاهري المذهب، شديداً على أهل القياس، يتبع كثيراً أحمد بن حنبل وإسحاق ابن راهويه. توفي في جمادى الآخرة سنة ست وأربعين وثلاثمائة بنسف.
موقفه من الجهمية:
جاء في تذكرة الحفاظ: وبلغنا ولما دخل أبو القاسم الكعبي شيخ المعتزلة نسف أكرموه إلا عبد المؤمن الحافظ فلم يأت إليه قال الكعبي: نحن نأتيه فلما دخل لم يقم الحافظ ولا التفت من محرابه، فكسر الكعبي خجله بأن قال: بالله عليك أيها الشيخ لا تقم. (١)
ابن الحَجَّام عبد الله بن أبي هاشم (٢) (٣٤٦ هـ)
الفقيه أبو محمد عبد الله بن أبي هاشم مسرور التجيبي، المعروف بابن الحجام المالكي المغربي. ولد سنة ثلاث وستين ومائتين. سمع عيسى بن مسكين وابن أبي سليمان وأبي عياش وحمديس القطان وغيرهم، وسمع منه أبو محمد بن أبي زيد والقابسي ومحمد بن إدريس وأبو عبد الله الصدفي وغيرهم.
стр. 2319
قال أبو عبد الله الخراط: كان أبو محمد ورعاً مسمتاً خاشعاً، رقيق القلب، غزير الدمعة، مهيباً في نفسه، لا يكاد ينطق أحد في مجلسه بغير الصواب، يشبه في أموره كلها يحيى بن عمر وحمديساً القطان، حسن التقييد، صحيح الكتب، وكانت كتبه كلها بخطه، وكان كثير التصنيف في أنواع العلوم، كثير الكتب. قال القابسي: ترك أبو محمد هذا سبعة قناطير كلها بخطه إلا كتابين، فكان لا يحتمل أن يراهما، لأجل أنهما ليسا بخطه. وكان سبب موته أنه اصطلى، فنعس، فالتهبت النار ثيابه واحترق، وذلك سنة ست وأربعين وثلاثمائة، رحمه الله تعالى.
موقفه من المبتدعة:
جاء في معالم الإيمان: كان عالماً صالحاً ورعاً ذا سمت وخشية غزير الدمعة فاضلاً مجانباً لأهل الهوى والبدع لا يرد السلام عليهم مُهاباً في نفسه لا يكاد أحد ينطق في مجلسه بغير الصواب امتحن في شبيبته على يد محمد بن عمر المرودي ثلاث سنين وأراد قتله فنجاه الله منه وذلك لصرامته في الحق. (١)
أبو محمد بن عبد البصري المالكي (٣٤٧ ه ـ)
موقفه من الجهمية:
قال أبو محمد في كتابه هذا الذي صنفه في أصول السنة والتوحيد، قال: وكان إجماع السلف والخلف، وأئمة الدين وفقهاء المسلمين، من شرق
стр. 2320
وغرب، وسهل وجبل، وسائر أقاليم الإسلام، من مغرب ومصر وشام وعراق وحجاز ويمن وبحر وخراسان مجتمعين على أن عقيدة السنة أربع عشرة خصلة: سبعة متعلقة بالشهادة، وهي مما يدان بها في الدنيا، وسبعة متعلقة بالغيب وهي مما يؤمن بها من أحكام الآخرة. فالتي في دار الدنيا: القول مع الاعتقاد بأن الإيمان: قول وعمل ونية، والإيمان بالقدر خيره وشره، وأن القرآن غير مخلوق، وتخيير الأربعة على الترتيب، وإثبات الإمامة، وترك الخروج على أحد منهم، والصلاة على من مات من أهل القبلة، وترك المراء والجدل. والمتعلقة بالآخرة: الإيمان بأحكام البرزخ، والآيات التي بين يدي الساعة، والبعث بعد الموت، ورؤية الله تعالى، والإيمان بالحوض والشفاعة والصراط والميزان، وخلود الدارين، فمن خالف شيئاً من هذا فقد خالف اعتقاد السنة والجماعة، وهذا مما لا شبهة فيه بين أصحاب الحديث والفقهاء والعلماء من سائر الأقاليم. (١)
أحمد النَّجَّاد (٢) (٣٤٨ هـ)
هو الإمام المحدث الحافظ الفقيه المفتي، أبو بكر أحمد بن سلمان بن الحسن، البغدادي الحنبلي النجاد، شيخ العراق. سمع أبا داود السجستاني، وإسماعيل القاضي ومحمد بن إسماعيل الترمذي وخلقاً كثيراً. وحدث عنه أبو
стр. 2321
بكر القطيعي والدارقطني وابن منده وعدد كثير. وصنف ديواناً كبيراً في السنن. قال أبو بكر الخطيب: كان النجاد صدوقاً عارفاً، صنف السنن، وكان له بجامع المنصور حلقة قبل الجمعة للفتوى، وحلقة بعد الجمعة للإملاء. مات في ذي الحجة سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة.
موقفه من الجهمية:
له من الآثار السلفية:
'الرد على من يقول: القرآن مخلوق'؛ وقد حقق رسالة علمية في المرحلة الجامعية للأخ الفاضل رضي الله الهندي وقد طبع الكتاب.
أبو أحمد العَسَّال (١) (٣٤٩ هـ)
هو محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان، القاضي أبو أحمد الأصبهاني الحافظ، المعروف بالعسال. سمع من والده وهو من قدماء شيوخه، وسمع من محمد بن أيوب الرازي وأبي مسلم الكجي، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة، وأمثالهم. وحدث عنه أولاده، وأبو أحمد بن عبد الله بن عدي وأبو عبد الله بن منده، وأبو بكر بن مردويه، وأبو سعيد النقاش وغيرهم. قال ابن مردويه: كان أبو أحمد العسال المعدل يتولى القضاء خليفة لعبد الرحمن بن أحمد الطبري، هو أحد الأئمة في الحديث، فهماً، وإتقاناً وأمانة. وقال أبو نعيم: أبو أحمد من كبار الناس في المعرفة والإتقان والحفظ، صنف الشيوخ،
стр. 2322
والتفسير، وعامة المسند، ولي القضاء بأصبهان، مقبول القول. صنف: تفسير القرآن، والتاريخ وتاريخ النساء، وكتاب السنة وكتاب الأمثال وكتاب الرؤية وكتاب الرقائق وأشياء كثيرة. توفي في شهر رمضان من سنة تسع وأربعين وثلاثمائة.
موقفه من الجهمية:
له من الآثار السلفية:
١ - المعرفة: قال فيه الذهبي في العرش (ص.٥٧): من أجل ما صنف في صفات الرب ، إذا نظر فيه البصير بهذا الشأن علم منزلة مصنفه وجلالته.
٢ - السنة: ذكرها الذهبي في السير. (١)
٣ - الرؤية. (٢)
أحمد بن كامل القاضي (٣) (٣٥٠ هـ)
الإمام أحمد بن كامل بن خلف بن شجرة، أبو بكر البغدادي القاضي، أحد أصحاب محمد بن جرير الطبري. حدث عن محمد بن سعد العوفي وأبي قلابة الرقاشي، والحسن بن سلام، ومحمد بن مسلمة الواسطي، وطبقتهم.
стр. 2323
وحدث عنه الدارقطني، وابن رزقويه، وأبو الحسن الحمامي، وأبو العلاء محمد ابن الحسن الوراق. قال الخطيب: كان من العلماء بالأحكام، وعلوم القرآن، والنحو والشعر، وأيام الناس، وتواريخ أصحاب الحديث، وله مصنفات في أكثر ذلك. وقال ابن رزقويه: لم تر عيناي مثله. وقال الذهبي: كان من بحور العلم. توفي ﵀ سنة خمسين وثلاثمائة، وله تسعون سنة.
موقفه من الجهمية:
وأخبرنا عبيد الله قال أخبرنا أحمد بن كامل قال حدثني أبو عبد الله الوراق جواز قال: كنت أورق على داود الأصبهاني فكنت عنده يوماً في دهليز مع جماعة من الغرباء فسئل عن القرآن؟ فقال: القرآن الذي قال الله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (١) وقال: ﴿في كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ (٢) غير مخلوق. وأما ما بين أظهرنا يمسه الجنب والحائض فهو مخلوق. قال القاضي أحمد بن كامل: وهذا مذهب الناشئ وهو كفر بالله العظيم. صح الخبر عن رسول الله ﷺ أنه: "نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو" (٣) فجعل رسول الله ﷺ ما كتب في الصحف والمصاحف قرآناً. فالقرآن على أي وجه تلي وقرئ فهو واحد وهو غير مخلوق. (٤)
стр. 2324
أبو بكر الفارسي (١) (٣٥٠ هـ)
أبو بكر أحمد بن الحسين بن سهل الفارسي. أحد أئمة الشافعية أصحاب الوجوه والمصنفات الزاهرة الأنيقة. وهو أول من درس مذهب الشافعي ببلخ. إمام جليل، تفقه على أبي العباس بن سريج. قال النووي: من أئمة أصحابنا وكبارهم ومتقدميهم وأعلامهم. صنف كتاب: 'العيون على مسائل الربيع'، و'الانتقاد على المزني' و'الخلاف' و'الإجماع'. مات في حدود سنة خمسين وثلاثمائة.
موقفه من المشركين:
قال ابن تيمية: وقد حكى أبو بكر الفارسي من أصحاب الشافعي إجماع المسلمين على أن حد من سب النبي ﷺ القتل، كما أن حد من سب غيره الجلد. (٢)
موقف السلف من ابن سالم الصوفي (٣٥٠ ه ـ)
بيان ضلاله:
جاء في السير: وله أصحاب يسمون السالمية، هجرهم الناس لألفاظ هجنة أطلقوها وذكروها. (٣)
стр. 2325
الوزير أبو محمد المُهَلَّبِي (١) (٣٥٢ هـ)
أبو محمد الحسن بن محمد الأزدي، من ولد المهلب بن أبي صفرة، الوزير المهلبي، استوزره معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه، مكث وزيراً له ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر. وكان كريماً فاضلاً، ذا عقل ومروءة، من رجال الدهر حزماً وعزماً، وكان مع ذلك أديباً وشاعراً، كامل السؤدد، مقرباً للعلماء، قال هلال بن المحسن: كان المهلبي نهاية في سعة الصدر، وبعد الهمة، وكمال المروءة، والإقبال على أهل الأدب، وله نظم مليح، وكان يملأ العيون منظره، والمسامع منطقه، والصدور هيبته، وتقبل النفوس تفصيله وجملته. توفي من علة اشتدت به وهو عائد إلى بغداد، في شعبان سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة.
موقفه من المشركين:
جاء في البداية والنهاية: رفع إلى الوزير أبي محمد المهلبي رجل من أصحاب أبي جعفر بن أبي العزاقر (٢) الذي كان قتل على الزندقة كما قتل الحلاج. فكان هذا الرجل يدعي ما كان يدعيه ابن أبي العز وقد اتبعه جماعة من الجهلة من أهل بغداد وصدقوه في دعواه الربوبية وأن أرواح الأنبياء والصديقين تنتقل إليهم ووجد في منزله كتب تدل على ذلك، فلما تحقق أنه هالك ادعى أنه شيعي ليحضر عند معز الدولة بن بويه وقد كان معز الدولة
стр. 2326
ابن بويه يحب الرافضة قبحه الله، فلما اشتهر عنه ذلك لم يتمكن الوزير منه خوفاً على نفسه من معز الدولة وأن تقوم عليه الشيعة، إنا لله وإنا إليه راجعون. ولكنه احتاط على شيء من أموالهم فكان يسميها أموال الزنادقة. (١)
موقف السلف من ابن أبي دارم الرافضي (٣٥٢ ه ـ)
بيان رفضه:
- جاء في السير: كان موصوفاً بالحفظ والمعرفة إلا أنه يترفض، قد ألف في الحط على بعض الصحابة، وهو مع ذلك ليس بثقة في النقل. (٢)
- وفيها: قال محمد بن حماد الحافظ، كان مستقيم الأمر عامة دهره، ثم في آخر أيامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب، حضرته ورجل يقرأ عليه أن عمر رفس فاطمة حتى أسقطت محسناً. وفي خبر آخر قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ فرعون﴾: عمر، ﴿وَمَنْ قبله﴾: أبو بكر، ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾: عائشة، وحفصة. فوافقته، وتركت حديثه.
قلت -أي الذهبي-: شيخ ضال معثر. (٣)
стр. 2327
موقف السلف من ابن الداعي الشيعي (٣٥٣ ه ـ)
بيان تشيعه:
- جاء في السير: برع في الرأي على الإمام أبي الحسن الكرخي، وأخذ علم الكلام عن حسين بن علي البصري، وأفتى ودرس، وولي نقابة الطالبيين في دولة بني بويه، فعدل وحمد، وكان معز الدولة يبالغ في تعظيمه، وتقبيل يده، لعبادته وهيبته، وكان فيه تشيع بلا غلوّ. (١)
- وفيها: قال أبو علي التنوخي: حدثنا أبو الحسن بن الأزرق، قال: كنت بحضرة الإمام أبي عبد الله بن الداعي، فسأله أبو الحسن المعتزلي عما يقوله في طلحة والزبير؟ فقال: أعتقد أنهما من أهل الجنة، قال: ما الحجة؟ قال: قد رويت توبتهما، والذي هو عمدتي أن الله بشرهما بالجنة، قال: فما تنكر على من زعم أنه ﵇ قال: إنهما من أهل الجنة ومقالته: فلو ماتا لكانا في الجنة، فلما أحدثا زال ذلك، قال: هذا لا يلزم، وذلك أن نقل المسلمين أن بشارة النبي ﷺ سبقت لهما، فوجب أن تكون موافاتهما القيامة على عمل يوجب لهما الجنة، وإلا لم يكن ذلك بشارة، فدعا له المعتزلي واستحسن ذلك، ثم قال: ومحال أن يعتقد هذا فيهما، ولا يعتقد مثله في أبي بكر وعمر، إذ البشارة للعشرة. (٢)
- ثم قال أبو علي التنوخي: رأيت في مجلس أبي عبد الله وقد جاءه
стр. 2328
رجل بفتوى فيمن حلف فطلق امرأته ثلاثاً معاً، فقال له: تريد أن أفتيك بما عندي وعند أهل البيت أو بما يحكيه غيرنا عن أهل البيت؟ فقال: أريد الجميع، قال: أما عندي وعندهم فقد بانت، ولا تحل لك حتى تنكح زوجاً غيرك. (١)
- ثم قال التنوخي: ولم يزل أبو عبد الله ببغداد، وبايعه جماعة على الإمامة، فلم يقدر على الخروج، فلما كان في سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة سار معز الدولة إلى الموصل لحرب ابن حمدان، فوجد أبو عبد الله فرصة، فركب يوماً إلى عز الدولة، فخوطب في مجلسه بسبب خلاف بين شريفين خطاباً ظاهراً استقصاء لفعله، فتألم وخرج مغضباً، ثم أصلح أمره، ورتب قوماً بخيل خارج بغداد، وأظهر أنه عليل، وحجب عنه الناس، ثم تسحب خفية بابنه الكبير وعليه جبة صوف، وفي صدره مصحف وسيف، فلحق بهوسم من بلاد الديلم، فأطاعته الديلم، وكان أعجمي اللسان، وأمه منهم وتلقب بالمهدي، وكانت أعلامه من حرير أبيض، فيها: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأذنابها خضر، فأقام العدل وتقشف، وقنع بالقوت، وقيل: إنه قال لقواده: أنا على ما ترون، فمتى غيرت أو ادخرت درهماً، فأنتم في حل من بيعتي، وكان يعظ ويعلمهم، ويحث على الجهاد، ويكتب إلى الأطراف ليبايعوه، وكاتب ركن الدولة، ومعز الدولة في ذلك، فأجابه ركن الدولة بالإمامة، واعتذر من ترك نصرته، ولم يتلقب بإمرة المؤمنين، بل بالإمام المهدي.
стр. 2329
قال الذهبي: كان يمتنع من الترحم على معاوية ﵁، ولا يشتم الصحابة. (١)
مَسْلَمَة بن القاسم (٢) (٣٥٣ هـ)
مسلمة بن القاسم بن إبراهيم، أبو القاسم الأندلسي القرطبي. سمع محمد بن عمر بن لبابة، وأحمد بن موسى التمار، وأبا جعفر الطحاوي، وأبا بكر بن زياد وصالح بن الحافظ أحمد بن عبد الله العجلي وغيرهم. قال ابن الفرضي: انصرف إلى الأندلس وقد جمع حديثاً كثيراً، وكف بصره بعد قدومه من المشرق وسمع الناس منه كثيراً، وسمعت من ينسبه إلى الكذب. وقال ابن حزم: كان أحد المكثرين من الرواية والحديث. قال ابن الفرضي: قال لي محمد بن يحيى بن مفرج: لم يكن كذاباً. وكان ضعيف العقل، وحفظ عليه كلام سوء في التشبيه. وقال الحافظ ابن حجر متعقباً: هذا رجل كبير القدر ما نسبه إلى التشبيه إلا من عاداه، وله تصانيف في الفن وكانت له رحلة لقي فيها الأكابر.
توفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، وهو ابن ستين سنة.
موقفه من الجهمية:
قال ﵀: كلام الله منزل مفروق ليس بخالق ولا مخلوق،
стр. 2330
لا تدخل فيه ألفاظنا وإن تلاوتنا له غير مخلوقة لأن التلاوة هي القرآن بعينه، فمن زعم أن التلاوة مخلوقة فقد زعم القرآن مخلوق، ومن زعم أن القرآن مخلوق، فقد زعم أن علم الله مخلوق، ومن زعم أن علم الله مخلوق فهو كافر. (١)
موقف السلف من المتنبي (٣٥٤ ه ـ)
بيان ادعائه:
قال ابن كثير: وقد كان المتنبي جعفي النسب صليبة منهم، وقد ادعى حين كان مع بني كلب بأرض السماوة قريباً من حمص أنه علوي، ثم ادعى أنه نبي يوحى إليه، فاتبعه جماعة من جهلتهم وسفلتهم، وزعم أنه أنزل عليه قرآن فمن ذلك قوله: "والنجم السيار، والفلك الدوار، والليل والنهار، إن الكافر لفي خسار، امض على سنتك واقف أثر من كان قبلك من المرسلين، فإن الله قامع بك من ألحد في دينه، وضل عن سبيله" وهذا من خذلانه وكثرة هذيانه وفشاره، ولو لزم قافية مدحه النافق بالنفاق، والهجاء بالكذب والشقاق، لكان أشعر الشعراء، وأفصح الفصحاء. ولكن أراد بجهله وقلة عقله أن يقول ما يشبه كلام رب العالمين الذي لو اجتمعت الجن والإنس والخلائق أجمعون على أن يأتوا بسورة مثل سورة من أقصر سوره لما
стр. 2331
استطاعوا. ولما اشتهر خبره بأرض السماوة وأنه قد التف عليه جماعة من أهل الغباوة، خرج إليه نائب حمص من جهة بني الأخشيد وهو الأمير لؤلؤ بيض الله وجهه، فقاتله وشرد شمله، وأسر مذموماً مدحوراً، وسجن دهراً طويلاً، فمرض في السجن وأشرف على التلف، فاستحضره واستتابه وكتب عليه كتاباً اعترف فيه ببطلان ما ادعاه من النبوة، وأنه قد تاب من ذلك ورجع إلى دين الإسلام، فأطلق الأمير سراحه فكان بعد ذلك إذا ذكر له هذا يجحده إن أمكنه وإلا اعتذر منه واستحيى، وقد اشتهر بلفظة تدل على كذبه فيما كان ادعاه من الإفك والبهتان، وهي لفظة المتنبي، الدالة على الكذب ولله الحمد والمنة. (١)
منذر بن سعيد البَلُّوطي (٢) (٣٥٥ هـ)
منذر بن سعيد بن عبد الله بن عبد الرحمن، أبو الحكم البلوطي الكُزْنِي، قاضي القضاة بقرطبة. سمع من عبيد الله بن يحيى الليثي وأبي المنذر وابن النحاس. وكان يميل إلى رأي داود الظاهري ويحتج له، وولي القضاء في الثغور الشرقية، ثم قضاء الجماعة بقرطبة. قال ابن بشكوال: منذر بن سعيد خطيب بليغ مصقع، لم يكن بالأندلس أخطب منه، مع العلم البارع والمعرفة الكاملة واليقين في العلوم والدين والورع وكثرة الصيام والتهجد والصدع
стр. 2332
بالحق، كان لا تأخذه في الله لومة لائم. وقال الزبيدي: كان ذا علم بالقرآن، حافظاً لما قالت العلماء في تفسيره وأحكامه ووجوهه في حلاله وحرامه كثير التلاوة له، حاضر الشاهد بآياته. وجاء في النفح: وله كتب مؤلفة في القرآن والسنة والورع، والرد على أهل الأهواء والبدع.
ومن جميل أفعاله: أنه خطب يوماً فأعجبته نفسه، فقال: حتى متى أعظ ولا أتعظ، وأزجر ولا أزدجر، أدل على الطريق المستدلين، وأبقى مع الحائرين، كلا إن هذا لهو البلاء المبين. توفي ﵀ سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وله اثنتان وثمانون سنة.
موقفه من القدرية:
جاء في السير: وقال ابن عبد البر: حدثت أن رجلاً وجد القاضي منذر ابن سعيد في بعض الأسحار على دكان المسجد، فعرفه، فجلس إليه، وقال: يا سيدي إنك لتغرر بخروجك، وأنت أعظم الحكام، وفي الناس المحكوم عليه والرقيق الدين، فقال: يا أخي وأنى لي بمثل هذه المنزلة؟ وأنى لي بالشهادة، ما أخرج تعرضاً للتغرر، بل أخرج متوكلاً على الله إذ أنا في ذمته. فأعلم أن قدره لا محيد عنه، ولا وزر دونه. (١)
стр. 2333
ابن شَعْبَان (١) (٣٥٥ هـ)
اسمه محمد بن القاسم بن شعبان، أبو إسحاق العماري، المصري، من ولد عمار بن ياسر، يعرف بابن القرطي نسبة إلى بيع القرط. روى عنه محمد ابن أحمد الخلاص وخلف بن القاسم، وعبد الرحمن بن يحيى العطار. قال الذهبي: كان صاحب سنة واتباع وباع مديد في الفقه مع بصر بالأخبار وأيام الناس مع الورع والتقوى وسعة الرواية. قال ابن حجر: وكان سلفي المذهب. توفي سنة خمس وخمسين وثلاثمائة.
موقفه من الجهمية:
كما قدمنا غير ما مرة، أن دعاة العقيدة السلفية كانوا ينتهزون جميع الفرص لنشر هذه العقيدة المباركة، فكان هذا الإمام منهم، قال الذهبي في السير: وكان صاحب سنة واتباع وباع مديد في الفقه، مع بصر بالأخبار وأيام الناس، مع الورع والتقوى وسعة الرواية. رأيت له تأليفاً في تسمية الرواة عن مالك، أوله: الحمد لله الحميد، ذي الرشد والتسديد، والحمد لله أحق ما بدي، وأولى من شكر الواحد الصمد، جل عن المثل فلا شبه له ولا عدل، عال على عرشه، فهو دان بعلمه، وذكر باقي الخطبة، ولم يكن له عمل طائل في الرواية. (٢)
стр. 2334
موقف السلف من ابن الجعابي (٣٥٥ ه ـ)
بيان رفضه:
- جاء في السير: قال أبو عبد الرحمن السلمي: سألت الدارقطني عن ابن الجعابي، فقال: خلط، وذكر مذهبه في التشيع، وكذا نقل أبو عبد الله الحاكم، عن الدارقطني قال: وحدثني ثقة أنه خلى ابن الجعابي نائماً وكتب على رجله، قال: فكنت أراه ثلاثة أيام لم يمسه الماء. (١)
- وفيها: وقال محمد بن عبيد الله المسبحي: كان ابن الجعابي المحدث قد صحب قوماً من المتكلمين، فسقط عند كثير من أصحاب الحديث. وصل إلى مصر، ودخل إلى الإخشيد، ثم مضى إلى دمشق، فوقفوا على مذهبه، فشردوه، فخرج هارباً. (٢)
أبو نصر القاضي (٣) (٣٥٦ هـ)
يوسف بن عمر بن أبي عمر محمد المالكي ثم الداوودي البغدادي. ولد سنة خمس وثلاثمائة. ولي بعد أبيه وكان من أجود القضاة، ورعاً حاذقاً بالأحكام، متفنناً بارع الأدب. وقال طلحة بن محمد بن جعفر: ما زال أبو نصر منذ نشأ فتىً نبيلاً نظيفاً جميلاً عفيفاً، متوسطاً في علمه بالفقه حاذقاً
стр. 2335
بصناعة القضاء، بارعاً في الأدب والكتابة حسن الفصاحة واسع العلم باللغة والشعر، تام الهيئة. توفي سنة ست وخمسين وثلاثمائة.
موقفه من المبتدعة:
جاء في السير: وهو القائل في رسالة: ولسنا نجعل من تصديره في كتبه ومسائله: يقول ابن المسيب والزهري وربيعة كمن تصديره في كتبه: يقول الله ورسوله والإجماع .. هيهات! (١)
محمد بن أحمد بن حَمْدان (٢) (٣٥٦ هـ)
محمد بن أحمد بن حمدان الحافظ أبو العباس الحيري النيسابوري الخوارزمي. ولد سنة ثلاث وسبعين ومائتين. سمع محمد بن أيوب الرازي، ومحمد بن إبراهيم البوشنجي، ومحمد بن عمرو قشمرد. روى عنه أبو بكر البرقاني، وأحمد بن محمد بن عيسى، ومحمد بن إبراهيم بن قطن.
وكان حافظاً للقرآن، عارفاً بالحديث والتاريخ والرجال والفقه، كافاً عن الفتوى. وكان مؤتمناً عند الأمراء والكبراء، وكان ورعاً في معاملاته، كبير القدر، جعل ناظراً للجامع فعمره. توفي سنة ست وخمسين وثلاثمائة.
موقفه من المبتدعة:
جاء في السير: وكان إذا صحّ عنده حديث عمل به ولم يلتفت إلى مذهب. (٣)
стр. 2336
معز الدولة (١) (٣٥٦ هـ)
السلطان، أبو الحسين أحمد بن أبي شجاع بويه، الديلمي الفارسي. دخل بغداد سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة فتملكها، ثم دانت له العراق وكانت مدة ملكه العراق اثنتين وعشرين سنة. توفي سنة ست وخمسين وثلاثمائة.
موقفه من الرافضة:
- جاء في السير أنه كان يتشيع، فقيل: تاب في مرضه، وترضى عن الصحابة، وتصدق، وأعتق، وأراق الخمور، وندم على ما ظلم، ورد المواريث إلى ذوي الأرحام. (٢)
- قال ابن كثير: أظهر الرفض، فلما أحس بالموت أظهر التوبة وأناب إلى الله ، ورد كثيراً من المظالم، وتصدق بكثير من ماله، وأعتق طائفة كثيرة من مماليكه، وأراق الخمور، وندم على ما ظلم. وقد اجتمع ببعض العلماء فكلمه في السنة وأخبره أن عليّاً زوج ابنته أم كلثوم من عمر ابن الخطاب فقال: "والله ما سمعت بهذا قط"، ورجع إلى السنة ومتابعتها. (٣)
حامد بن محمد الرَّفَّاء (٤) (٣٥٦ هـ)
الشيخ الإمام أبو عليّ، حامد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن معاذ
стр. 2337
الهروي الرفاء. سمع من الفضل بن عبد الله اليشكري وعثمان بن سعيد الدارمي وإبراهيم الحربي وعلي بن عبد العزيز البغوي وخلق كثير. وحدث عنه الحاكم وأبو علي بن شاذان وسعيد بن عثمان بن عمار وأبو عثمان سعيد بن العباس القرشي وآخرون. وثقه الخطيب وابن الجوزي وغيرهما، وقال الحافظ أبو بشر الهروي: ثقة صالح. قال الذهبي: واشتهر اسمه، وانتشر حديثه، وكان ذا معرفة وفهم وسعة علم، وغيره أحفظ منه وأحذق بالفن. وانتهى إليه علو الإسناد بهراة. توفي ﵀ بهراة في شهر رمضان سنة ست وخمسين وثلاثمائة.
موقفه من المبتدعة:
قال يحيى بن عمار: كان حامد بن محمد الرفاء يحرج على أهل الرأي أن يرووا عنه، ولا يأذن لهم في داره ليسمعوا منه، فأتاه إنسان من رؤساء بلخ، فألحوا عليه، فأذن له، فلما أذن له، دخل عليه لم يرفع به رأساً، وقال: من أين أنت؟ قال: من بلخ، قال: دار المرجئة! ثم قال لي الرفاء خذ من رد الحميدي، فقرأت له عليه منه شيئاً كثيراً. (١)
إبراهيم السبائي (٢) (٣٥٦ هـ)
أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد السبائي. مولده سنة سبعين ومئتين. صحب أبا جعفر أحمد بن نصر، وأبا البشر مطر بن يسار، وأبا جعفر
стр. 2338
القصري، وغيرهم من أهل العلم. وأخذ عنهم علماً كثيراً. وكان العلماء يتذاكرون بحضرته وبمجلسه، كأبي محمد بن أبي زيد وهو الملقي عليهم، وأبي القاسم بن شبلون، والقابسي، وغيرهم. فإذا تنازعوا فصل ما بينهم، فيرجعون إليه، ويستشيرونه في جميع أمورهم. قال المالكي: كان رجلاً صالحاً فاضلاً مشهوراً بالعبادة والاجتهاد كثير الورع وقافاً عن الشبهات ... مجافياً لأهل البدع، شديد الغلظة عليهم، قليل المداراة لهم. وقال ابن سعدون: ... كان مما شغل به نفسه، ذكر فضل الصحابة والثناء عليهم، لانتشار أمر المشارقة، فما كان أحد يذكر الصحابة إلا في داره. توفي الشيخ أبو إسحاق رحمه الله تعالى لثمان بقين من رجب سنة ست وخمسين وثلاثمائة.
موقفه من المبتدعة:
جاء في معالم الإيمان: كان مبايناً لأهل البدع شديد الغلظة عليهم قليل المداراة لهم. (١)
موقفه من الرافضة:
- جاء في المعالم: وكان رحمه الله تعالى شديد العداوة لبني عبيد مجاهراً لهم بالسب والتكفير وسكناه بخارج باب الريح ليس بينه وبين الفحص إلا نصف طوبة وقصب ويبلغ بني عبيد عنه ذلك فلا يقدرون له على شيء وكان ممن خرج عليهم بالوادي المالح وعصمه الله منهم. (٢)
- وفيه: وذكره معد يوماً فقال: أعد لنا السلاح وتربص بنا الدوائر
стр. 2339
وكفرنا وشتمنا، وعلم الناس الجرأة علينا، حتى تناكر الكبير والصغير. (١)
حمزة بن محمد بن علي (٢) (٣٥٧ هـ)
أبو القاسم حمزة بن محمد بن علي الكِنَانِي الإمام الحافظ، محدث الديار المصرية. ولد سنة خمس وسبعين ومائتين. سمع عمران بن موسى الطيب، ومحمد بن سعيد السراج، وأبا عبد الرحمن النسائي. وحدث عنه الدارقطني، وابن منده، وتمام بن محمد الرازي. وقد أثنى عليه غير واحد من أهل العلم. قال الذهبي: وكان متقناً مجوداً، ذا تأله وتعبد. وقال أبو عبد الله الحاكم: حمزة المصري هو على تقدمه في معرفة الحديث؛ أحد من يذكر بالزهد والورع والعبادة. وقال الصوري: كان حمزة حافظاً ثبتاً. توفي سنة سبع وخمسين وثلاثمائة.
موقفه من الرافضة:
روى الذهبي في السير بسنده إلى علي بن عمر الحراني، سمعت حمزة بن محمد الحافظ وجاءه غريب فقال: إن عسكر أبي تميم -يعني المغاربة- قد وصلوا إلى الإسكندرية، فقال: اللهم لا تحيني حتى تريني الرايات الصفر. فمات حمزة، ودخل عسكرهم بعد موته بثلاثة أيام.
قال الذهبي: هؤلاء عسكر المعز العبيدي الإسماعيلية، تملكوا مصر في هذا الوقت، وبنوا في الحال مدينة القاهرة المعزية، فأماتوا السنة، وأظهروا
стр. 2340
الرفض، ودامت دولتهم أزيد من مائتي عام، حتى أبادهم السلطان صلاح الدين، ونسبهم إلى علي ﵁ غير صحيح. (١)
محارب المُحَارِبِي (٢) (٣٥٩ هـ)
محارب بن محمد بن محارب أبو العلاء القاضي الشافعي المحاربي السدوسي من ولد محارب بن دثار من أهل بغداد. حدث عن جعفر بن محمد ابن الحسن الفريابي وعلي بن إسحاق بن زاطيا وأحمد بن الحسن بن عبد الجبار. روى عنه عبد الله بن محمد بن إسحاق بن أبي سعد الجواربي. وكان ثقة عالماً. له مصنف في الرد على المخالفين من القدرية والجهمية والرافضة. توفي سنة تسع وخمسين وثلاثمائة.
موقفه من المبتدعة:
له كتاب: 'الرد على المخالفين من القدرية والجهمية والرافضة'. (٣)
محمد بن أحمد الفارسي (٤) (٣٥٩ هـ)
محمد بن أحمد بن محمد الفارسي يكنى أبا عبد الله ويعرف بابن الخراز. سمع من أحمد بن زياد وأحمد بن محمد القصري وعلي بن عبد الله بن أبي
стр. 2341
مطر. روى عنه إسماعيل بن إسحاق وعبيد الله بن الوليد وسليمان بن عبد الرحمن. كان خيراً فاضلاً متمسكاً بالسنة شديد الإنكار على أهل البدع صلباً وامتحن في ذلك.
توفي سنة تسع وخمسين وثلاثمائة.
موقفه من المبتدعة:
جاء في تاريخ ابن الفرضي: وكان خيراً فاضلاً متمسكاً بالسنة شديد الإنكار على أهل البدع صلباً، وامتحن في ذلك. (١)
أبو بكر الآجُرِّي (٢) (٣٦٠ هـ)
أبو بكر الآجري محمد بن الحسين بن عبد الله البغدادي الآجري الإمام المحدث القدوة شيخ الحرم الشريف. مصنف كتاب 'الشريعة' سمع أبا مسلم الكجي وجعفر بن محمد الفريابي ومحمد بن صالح العكبري وغيرهم. حدث عنه عبد الرحمن بن عمر بن النحاس. والمقرئ أبو الحسن الحمامي وأبو نعيم الحافظ. وكان صدوقاً خيراً عابداً صاحب سنة واتباع. قال الخطيب: كان ديناً ثقة. وقال السيوطي: كان عالماً عاملاً، صاحب سنة، ديناً، ثقة. وثناء الأئمة عليه أكثر. توفي سنة ستين وثلاثمائة.
стр. 2342
موقفه من المبتدعة:
آثار الشيخ السلفية:
١ - كتاب الشريعة: وهو من أعظم المصادر السلفية التي غاظت المبتدعة، فذكروه في كتبهم بأوصاف قبيحة كلها كذب وتدليس وغش، والبادي بذلك الجويني، وتبعه الأشاعرة بعده، كما فعل ذلك القرطبي في الأسنى، وقد رددت عليه وبينت بطلان تأويلاته لصفات الله في كتابي: 'المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات'. (١)
هذا، وقد لقي كتاب 'الشريعة' عناية فائقة؛ فحقق تحقيقات عدة ولله الحمد والمنة.
وهو كتاب عظيم فيه علوم نافعة اغتاظ به منافقو الجهمية وأذنابهم.
٢ - التصديق بالنظر إلى الله تعالى في الآخرة، وقد حقق رسالة علمية بالجامعة الإسلامية.
- قال محمد بن الحسين ﵀: باب ذكر الأمر بلزوم الجماعة والنهي عن الفرقة، بل الاتباع وترك الابتداع: إن الله بمنه وفضله أخبرنا في كتابه عمن تقدم من أهل الكتابين اليهود والنصارى، أنهم إنما هلكوا لما افترقوا في دينهم وأعلمنا مولانا الكريم، أن الذي حملهم على الفرقة عن الجماعة، والميل إلى الباطل، الذي نهوا عنه إنما هو البغي والحسد بعد أن علموا ما لم يعلم غيرهم، فحملهم شدة البغي والحسد إلى أن صاروا فرقاً فهلكوا، فحذرنا مولانا الكريم أن نكون مثلهم فنهلك كما هلكوا بل أمرنا
стр. 2343
عز وجل بلزوم الجماعة، ونهانا عن الفرقة، وكذلك حذرنا النبي ﷺ من الفرقة وأمرنا بالجماعة، وكذلك حذرنا أئمتنا ممن سلف من علماء المسلمين، كلهم يأمرون بلزوم الجماعة، وينهون عن الفرقة.
فإن قال قائل: فاذكر لنا ذلك لنحذر ما تقوله. والله الموفق لنا إلى سبيل الرشاد.
قيل له: سأذكر من ذلك ما حضرني ذكره مبلغ علمي، الذي علمني الله ، نصيحة لإخواني من أهل القرآن، وأهل الحديث، وأهل الفقه، وغيرهم من سائر المسلمين. والله الموفق لما قصدت له، والمعين عليه، إن شاء الله.
قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١) وقال : ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ
стр. 2344
وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ (١) وقال تعالى في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٢) وقال تعالى في سورة الأنعام: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٣) وقال تعالى في سورة يونس: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٤) وقال تعالى في سورة حم عسق: ﴿مَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ
стр. 2345
مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ (١) وقال تعالى في سورة (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب) قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٢).
قال محمد بن الحسين ﵀: فأعلمنا مولانا الكريم أنهم أوتوا علماً، فبغى بعضهم على بعض، وحسد بعضهم بعضاً، حتى أخرجهم ذلك إلى أن تفرقوا فهلكوا.
فإن قال قائل: فأين المواضع من القرآن التي فيها نهانا الله تعالى أن نكون مثلهم، حتى نحذر ما حذرنا مولانا الكريم من الفرقة، بل نلزم الجماعة؟
قيل له: قال الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ
أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (١).
قال محمد بن الحسين ﵀: فهل يكون من البيان أشفى من هذا عند من عقل عن الله تعالى، وتدبر ما به حذره مولاه الكريم من الفرقة؟
ثم اعلموا رحمنا الله تعالى وإياكم: أن الله تعالى قد أعلمنا وإياكم في كتابه، أنه لا بد من أن يكون الاختلاف بين خلقه، ليضل من يشاء، ويهدي من يشاء، جعل الله ذلك موعظة يتذكر بها المؤمنون، فيحذرون الفرقة، ويلزمون الجماعة، ويدعون المراء والخصومات في الدين، ويتبعون ولا يبتدعون. فإن قال قائل: أين هذا من كتاب الله تعالى؟ قيل له: قال الله تعالى في سورة هود: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) ثم إن الله تعالى أمر نبيه ﷺ أن يتبع ما أنزله إليه، ولا يتبع أهواء من تقدم من الأمم فيما اختلفوا فيه. ففعل ﷺ ، وحذر أمته الاختلاف والإعجاب، واتباع الهوى.
قال الله تعالى في سورة حم الجاثية:
стр. 2348
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٦) وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١).اهـ (٢)
- وقال محمد بن الحسين: علامة من أراد الله به خيراً: سلوك هذا الطريق: كتاب الله، وسنن رسول الله ﷺ ، وسنن أصحابه ﵃ ومن تبعهم بإحسان، وما كان عليه أئمة المسلمين في كل بلد إلى آخر ما كان من العلماء، مثل الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والشافعي، وأحمد بن حنبل، والقاسم بن سلام، ومن كان على مثل طريقتهم، ومجانبة كل مذهب يذمه هؤلاء العلماء. (٣)
стр. 2349
- وقال ﵀:
باب ذكر افتراق الأمم في دينهم وعلى كم تفترق هذه الأمة:
أخبرنا النبي ﷺ عن أمة موسى ﵇: "أنهم اختلفوا على إحدى وسبعين ملة، كلها في النار إلا واحدة". وأخبرنا عن أمة عيسى ﵇: "أنهم اختلفوا عليه على اثنتين وسبعين ملة، إحدى وسبعون منها في النار وواحدة في الجنة". قال ﷺ : "وتعلو أمتي الفريقين جميعاً، تزيد عليهم فرقة واحدة، ثنتان وسبعون منها في النار وواحدة في الجنة".
ثم إنه سئل ﷺ : من الناجية؟ فقال في حديث: "ما أنا عليه وأصحابي" (١).
وفي حديث قال: "السواد الأعظم" (٢).
وفي حديث قال: "واحدة في الجنة، وهي الجماعة" (٣).
قلت أنا: ومعانيها واحدة إن شاء الله تعالى. (٤)
стр. 2350
- وقال ﵀: رحم الله عبداً حذر هذه الفرق، وجانب البدع ولم يبتدع، ولزم الأثر فطلب الطريق المستقيم، واستعان بمولاه الكريم. (١)
وقال: ينبغي لأهل العلم والعقل إذا سمعوا قائلا يقول: قال رسول الله ﷺ في شيء قد ثبت عند العلماء، فعارض إنسان جاهل، فقال: لا أقبل إلا ما كان في كتاب الله تعالى، قيل له: أنت رجل سوء، وأنت ممن يحذرناك النبي ﷺ ، وحذر منك العلماء.
وقيل له: يا جاهل، إن الله أنزل فرائضه جملة، وأمر نبيه ﷺ أن يبين للناس ما أنزل إليهم، قال الله : ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢) فأقام الله تعالى نبيه ﵇ مقام البيان عنه، وأمر الخلق بطاعته، ونهاهم عن معصيته، وأمرهم بالانتهاء عما نهاهم عنه، فقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣)، ثم حذرهم أن يخالفوا أمر رسول الله ﷺ فقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤) وقال : ﴿فلا