العبد أن يبحث عن القدر فيكذب بمقادير الله الجارية على العباد، فيضل عن طريق الحق، قال النبي ﷺ : «ما هلكت أمة قط إلا بالشرك بالله ، وما أشركت أمة حتى يكون بدو أمرها وشركها التكذيب بالقدر» (١) قال محمد بن الحسين ﵀: ولولا أن الصحابة ﵃ لما بلغهم عن قوم ضلال شردوا عن طريق الحق، وكذبوا بالقدر، فردوا عليهم قولهم، وسبوهم وكفروهم، وكذلك التابعون لهم بإحسان سبوا من تكلم بالقدر وكذب به ولعنوهم ونهوا عن مجالستهم، وكذلك أئمة المسلمين ينهون عن مجالسة القدرية وعن مناظرتهم. وبينوا للمسلمين قبيح مذاهبهم. فلولا أن هؤلاء ردوا على القدرية لم يسع من بعدهم الكلام على القدر، بل الإيمان بالقدر: خيره وشره، واجب قضاء وقدر، وما قدر يكن، وما لم يقدر لم يكن، فإذا عمل العبد بطاعة الله ، علم أنها بتوفيق الله له فيشكره على ذاك. وإن عمل بمعصيته ندم على ذلك، وعلم أنها بمقدور جرى عليه، فذم نفسه واستغفر الله . هذا مذهب المسلمين.
وليس لأحد على الله حجة، بل لله الحجة على خلقه. قال الله : ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ (٢) ثم اعلموا رحمنا الله وإياكم: أن مذهبنا في القدر أن القدر أن نقول: إن الله عز
стр. 2417
وجل خلق الجنة وخلق النار، ولكل واحدة منهما أهلاً، وأقسم بعزته أنه يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين، ثم خلق آدم ﵇، واستخرج من ظهره كل ذرية هو خالقها إلى يوم القيامة. ثم جعلهم فريقين: فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير. وخلق إبليس، وأمره بالسجود لآدم ﵇، وقد علم أنه لا يسجد للمقدور، الذي قد جرى عليه من الشقوة التي قد سبقت في العلم من الله ، لا معارض لله الكريم في حكمه، يفعل في خلقه ما يريد، عدلاً من ربنا قضاؤه وقدره، وخلق آدم وحواء ﵉، للأرض خلقهما، أسكنهما الجنة، وأمرهما أن يأكلا منها رغداً ما شاءا، ونهاهما عن شجرة واحدة أن لا يقرباها، وقد جرى مقدوره أنهما سيعصيانه بأكلهما من الشجرة. فهو ﵎ في الظاهر ينهاهما، وفي الباطن من علمه: قد قدر عليهما أنهما يأكلان منها: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ (١) لم يكن لهما بد من أكلهما، سبباً للمعصية، وسبباً لخروجهما من الجنة، إذ كانا للأرض خلقا، وأنه سيغفر لهما بعد المعصية، كل ذلك سابق في علمه، لا يجوز أن يكون شيء يحدث في جميع خلقه، إلا وقد جرى مقدوره به، وأحاط به علماً قبل كونه أنه سيكون.
خلق الخلق كما شاء لما شاء، فجعلهم شقياً وسعيداً قبل أن يخرجهم إلى الدنيا، وهم في بطون أمهاتهم، وكتب آجالهم، وكتب أرزاقهم، وكتب أعمالهم، ثم أخرجهم إلى الدنيا، وكل إنسان يسعى فيما كتب له وعليه، ثم بعث رسله،
стр. 2418
وأنزل عليهم وحيه، وأمرهم بالبلاغ لخلقه، فبلغوا رسالات ربهم، ونصحوا قومهم، فمن جرى في مقدور الله أن يؤمن آمن، ومن جرى في مقدوره أن يكفر كفر؛ قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)﴾ (١) أحب من أراد من عباده، فشرح صدره للإيمان والإسلام، ومقت آخرين، فختم على قلوبهم، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم فلن يهتدوا إذاً أبداً، يضل من يشاء ويهدي من يشاء: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ (٢)
الخلق كلهم له، يفعل في خلقه ما يريد، غير ظالم لهم، جل ذكره أن ينسب ربنا إلى الظلم من يأخذ ما ليس له بملك، وأما ربنا تعالى فله ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما، وما تحت الثرى، وله الدنيا والآخرة، جل ذكره، وتقدست أسماؤه، أحب الطاعة من عباده وأمر بها، فجرت ممن أطاعه بتوفيقه لهم، ونهى عن المعاصي، وأراد كونها من غير محبة منه لها، ولا للأمر بها، تعالى عن أن يأمر بالفحشاء، أو يحبها وجل ربنا وعز من أن يجري في ملكه ما لم يرد أن يجري، أو شيء لم يحط به علمه قبل كونه، قد علم ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم، وبعد أن يخلقهم، قبل أن يعملوا قضاءً وقدراً، قد جرى القلم بأمره تعالى في اللوح المحفوظ بما يكون، من بر أو فجور، يثني على من عمل بطاعته من عبيده، ويضيف العمل إلى العباد، ويعدهم عليه الجزاء العظيم،
стр. 2419
ولولا توفيقه لهم ما عملوا بما استوجبوا به منه الجزاء ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ (١) وكذا ذم قوماً عملوا بمعصيته، وتوعدهم على العمل بها وأضاف العمل إليهم بما عملوا، وذلك بمقدور جرى عليهم، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء. (٢)
وقال ﵀: ثم نذكر ما قالته الأنبياء ﵈ خلاف ما قالته القدرية، قال نوح ﵇ لقومه، لما قالوا: ﴿يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)﴾ (٣) وقال شعيب لقومه: قال الله تعالى: ﴿* قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى
стр. 2420
اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا﴾ (١) الآية. وقال شعيب أيضاً لقومه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ (٢). وقال تعالى في قصة يوسف ﵇: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ (٣)،
وقال يوسف ﵇: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣)﴾ (٤) قال الله : ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾ (٥).
وقال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾ (٦) وقال موسى ﵇ لما دعا على قومه
стр. 2421
فقال: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ (١). وقال تعالى فيما أخبر عن أهل النار: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)﴾ (٢). قال محمد بن الحسين: فقد أقر أهل النار: أن الهداية من الله لا من أنفسهم. قال محمد بن الحسين: اعتبروا رحمكم الله قول الأنبياء ﵈، وقول أهل النار، كل ذلك حجة على القدرية. واعلموا رحمكم الله: أن الله بعث رسله، وأمرهم بالبلاغ، حجة على من أرسلوا إليهم، فلم يجبهم إلى الإيمان إلا من سبقت له من الله تعالى الهداية. ومن لم يسبق له من الله الهداية، وفي مقدوره أنه شقي من أهل النار، لم يجبهم، وثبت على كفره، وقد أخبركم الله تعالى يا مسلمون بذلك. نعم، وقد حرص نبينا ﷺ ، والأنبياء من قبله، على هداية أممهم، فما يقع حرصهم، إذا كان في مقدور الله أنهم لا يؤمنون.
стр. 2422
فإن قال قائل: بين لنا هذا الفصل من كتاب الله تعالى، فإنا نحتاج إلى معرفته. قيل له: قال الله تعالى في سورة النحل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ (١) ثم قال لنبيه ﷺ : ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧)﴾ (٢). ثم قال لنبيه ﷺ ، وقد أحب هداية بعض من يحبه، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ (٣) وقال لنبيه ﷺ أيضاً: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ
стр. 2423
يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)﴾ (١).
قال محمد بن الحسين ﵀: كل هذا بين لكم الرب تعالى به أن الأنبياء إنما بعثوا مبشرين ومنذرين، وحجة على الخلق، فمن شاء الله تعالى له الإيمان آمن، ومن لم يشأ له الإيمان لم يؤمن، قد فرغ الله تعالى من كل شيء، قد كتب الطاعة لقوم، وكتب المعصية على قوم، ويرحم أقواماً بعد معصيتهم إياه، ويتوب عليهم، وقوم لا يرحمهم، ولا يتوب عليهم ﴿لَا يُسئل عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ (٢).اهـ (٣)
- وقال ﵀: هكذا القدري يقال له: قال الله كذا، وقال: كذا وقال النبي ﷺ : كذا، وقال: كذا، وقالت الأنبياء: كذا، وقالت صحابة نبينا: كذا، وقالت أئمة المسلمين: كذا، فلا يسمع ولا يعقل إلا ما هو عليه من مذهبه الخبيث، أعاذنا الله وإياكم من سوء مذهبهم، ورزقنا وإياكم التمسك بالحق، وثبت قلوبنا على شريعة الحق، إنه ذو فضل عظيم، وأعاذنا من زيغ القلوب، فإن المؤمنين قد علموا أن قلوبهم بيد الله، يزيغها إذا شاء عن الحق، ويهديها إذا شاء إلى الحق، من لم يؤمن بهذا كفر. قال الله تعالى فيما أرشد أنبياءه إليه والمؤمنين من الدعاء، أرشدهم في كتابه أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ (٤).اهـ (٥)
стр. 2424
- وقال ﵀: لقد شقي من خالف هذه الطريقة، وهم القدرية. فإن قال قائل: هم عندك أشقياء؟ قلت: نعم فإن قال قائل: بم ذا؟ قلت: كذا قال رسول الله ﷺ ، وسماهم مجوس هذه الأمة، وقال: «إن مرضوا، فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم» (١).
اهـ (٢)
- وقال ﵀: هذه حجتنا على القدرية: كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، وسنة أصحابه والتابعين لهم بإحسان، وقول أئمة المسلمين، مع تركنا للجدال والمراء والبحث عن القدر، فإنا قد نهينا عنه، وأمرنا بترك مجالسة القدرية، وأن لا نناظرهم، ولا نفاتحهم على سبيل الجدل، بل يهجرون ويهانون ويذلون، ولا يصلى خلف واحد منهم، ولا تقبل شهادتهم ولا يزوج، وإن مرض لم يعد وإن مات لم يحضر جنازته، ولم تجب دعوته في وليمة إن كانت له، فإن جاء مسترشداً أرشد على معنى النصيحة له، فإن رجع فالحمد لله، وإن عاد إلى باب الجدل والمراء لم نلتفت عليه، وطرد وحذر منه، ولم يكلم ولم يسلم عليه. (٣)
- وقال: يقال للقدري: يا من لعب به الشيطان، يا من ينكر أن الله
стр. 2425
تعالى خلق الشر، أليس إبليس أصل كل شر؟ أليس الله خلقه؟ أليس الله تعالى خلق الشياطين وأرسلهم على من أراد ليضلوهم عن طريق الرشد؟ فأي حجة لك يا قدري؟ يا من قد حرم التوفيق، أليس الله تعالى قال: ﴿* وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (٢٥)﴾ (١)؟ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ (٣)؟.اهـ (٤)
- وقال: فإن اعترض بعض هؤلاء القدرية بتأويله الخطأ، فقال: قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (٥) فيزعم أن السيئة من نفسه، دون أن يكون الله تعالى قضاها وقدرها عليه. قيل له: يا جاهل، إن الذي أنزلت عليه هذه الآية هو أعلم بتأويلها منك، وهو الذي بين لنا جميع ما تقدم ذكرنا له من إثبات القدر، وكذلك
стр. 2426
الصحابة الذين شاهدوا التنزيل، ﵃، هم الذين بينوا لنا ولك إثبات المقادير بكل ما هو كائن من خير وشر. وقيل: لو عقلت تأويلها لم تعارض بها، ولعلمت أن الحجة عليك لا لك، فإن قال: كيف؟ قيل له: قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أليس الله تعالى أصابه بها: خيراً كان أو شراً؟ فاعقل يا جاهل. أليس قال الله تعالى: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ (٣) وهذا في القرآن كثير.
ألا ترى أن الله تعالى يخبرنا أن كل مصيبة تكون بالعباد من خير أو شر فالله يصيبهم بها، وقد كتب مصابهم في علم قد سبق، وجرى به القلم على حسب ما تقدم ذكرنا له. فاعقلوه يا مسلمون فإن القدري محروم من التوفيق.
وقد روي: أن هذه الآية التي يحتج بها القدري في قراءة عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب: ((ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من
стр. 2427
سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك)) (١).اهـ (٢)
- وقال ﵀: اعلموا رحمنا الله وإياكم أن الله تعالى ذكره أمر العباد باتباع صراطه المستقيم، وأن لا يعوجوا عنه يميناً ولا شمالاً، فقال تعالى ذكره: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ (٣)، ثم قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)﴾ (٤) ففي الظاهر: أنه جل ذكره أمرهم بالاستقامة واتباع سبيله وجعل في الظاهر إليهم المشيئة، ثم أعلمهم بعد ذلك: أنكم لن تشاؤوا إلا أن أشاء أنا لكم ما فيه هدايتكم، وأن مشيئتكم تبع لمشيئتي، فقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ (٥). فأعلمهم أن مشيئتهم تبع لمشيئته .
وقال : ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾ (٦) وقال : ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ
стр. 2428
اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ (١).اهـ (٢)
محمد القَصَّاب (٣) (٣٦٠ هـ)
محمد بن عليّ بن محمد القصاب الإمام الحافظ المجاهد أبو أحمد الكرجي. وعرف بالقصاب لكثرة ما قتل من الكفار في مغازيه. حدث عن أبيه أحد أصحاب علي بن حرب، وعن محمد بن العباس، ومحمد بن إبراهيم الطيالسي. وحدث عنه ابناه علي وأبو الفرج عمار، وأبو المنصور مظفر بن محمد بن حسين. وله مصنفات منها: 'ثواب الأعمال' و'السنة' وغيرهما. ومن ثناء العلماء عليه قول بعضهم:
وفي الكرج الغراء أوحد عصره ... أبو أحمد القصاب غير مغالب
تصانيفه تبدي فنون علومه ... فلست ترى علماً له غير شارب
موقفه من الجهمية:
جاء في السير: وهو القائل في كتاب السنة: كل صفة وصف الله بها
стр. 2429
نفسه أو وصفه بها رسوله ﷺ فليست صفة مجاز ولو كانت صفة مجاز لتحتم تأويلها ولقيل معنى البصر كذا ومعنى السمع كذا وفسرت بغير السابق إلى الأفهام. فلما كان مذهب السلف إقرارها بلا تأويل، علم أنها غير محملة على المجاز وإنما هي حق بين.
التعليق:
فهذا العالم الكبير يفسر لنا مذهب السلف في الإثبات ويبطل مزاعم المؤولة والمفوضة الجهلة.
وله كتاب السنة، ذكره الذهبي في السير. (١)
أبو القاسم الطَّبَرَانِي (٢) (٣٦٠ هـ)
أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الشامي الطبراني. الإمام الحافظ الثقة الرحال الجوال محدث الإسلام علم المعمرين. ولد بمدينة عكا سنة ستين ومائتين. قال الذهبي: فأول ارتحاله كان في سنة خمس وسبعين فبقي في الارتحال ولقي الرجال ستة عشر عاماً وكتب عمن أقبل وأدبر وبرع في هذا الشأن وجمع وصنف وعمر دهراً طويلاً وازدحم عليه المحدثون ورحلوا إليه من الأقطار. روى عن أبي زرعة الدمشقي وعلي بن عبد العزيز البغوي وعبد الله بن أحمد بن حنبل وغيرهم. روى عنه ابن منده وأبو بكر بن
стр. 2430
مردويه وأبو نعيم الأصبهاني. قال ابن الجوزي: كان سليمان من الحفاظ والأشداء في دين الله تعالى وله الحفظ القوي والتصانيف الحسان. وقال أبو بكر محمد بن أبي علي المعدل: الطبراني أشهر من أن يدل على فضله وعلمه، كان واسع العلم كثير التصانيف. توفي سنة ستين وثلاثمائة.
موقفه من المبتدعة:
قال ابن الجوزي في المنتظم: كان سليمان من الحفاظ والأشداء في دين الله تعالى. (١)
له من الآثار السلفية كتاب السنة ذكره غير واحد ممن ترجم له.
موقفه من الرافضة:
قال ابن منده: ووجدت عن أحمد بن جعفر الفقيه أخبرنا أبو عمر بن عبد الوهاب السلمي، قال: سمعت الطبراني يقول: لما قدم أبو علي بن رستم ابن فارس، دخلت عليه، فدخل عليه بعض الكتاب، فصب على رجله خمس مائة درهم، فلما خرج الكاتب أعطانيها، فلما دخلت بنته أم عدنان، صبت على رجله، خمس مائة، فقمت، فقال: إلى أين؟ قلت: قمت لئلا يقول: جلست لهذا، فقال: ارفع هذه أيضاً، فلما كان آخر أمره، تكلم في أبي بكر وعمر ﵄ ببعض الشيء، فخرجت ولم أعد إليه بعد. (٢)
стр. 2431
أبو بكر عبد العزيز غُلاَم الخَلاَّل (١) (٣٦٣ هـ)
عبد العزيز بن جعفر بن أحمد، أبو بكر المعروف بغلام الخلال. ولد سنة خمس وثمانين ومائتين. سمع من محمد بن عثمان بن أبي شيبة، وموسى بن هارون، والحسين بن عبد الله الخرقي. وحدث عنه أحمد بن الجنيد، وبشرى ابن عبد الله، وتفقه به ابن بطة، وأبو حفص العكبرى.
وكان أحد أهل الفهم، موثوقاً به في العلم، متسع الرواية، مشهوراً بالديانة، موصوفاً بالأمانة مذكوراً بالعبادة، وله مصنفات في العلوم المختلفات. وذكر أبو يعلى أنه كان معظماً في النفوس، متقدماً عند الدولة، بارعاً في مذهب الإمام أحمد.
توفي سنة ثلاث وستين وثلاثمائة.
موقفه من المبتدعة:
هذا الإمام رحمه الله تعالى هاجر من داره لما ظهر سب السلف إلى غيرها، وهذا يدل على قوة دينه وصحة عقيدته، ﵀. (٢)
موقفه من الرافضة:
قال أبو بكر عبد العزيز في 'المقنع': فأما الرافضي فإن كان يسب فقد كفر فلا يزوج. (٣)
стр. 2432
محمد بن أحمد النَّابُلْسِي (١) (٣٦٣ هـ)
أبو بكر محمد بن أحمد بن سهل الرملي ويعرف بابن النابلسي، الإمام القدوة. حدث عن سعيد بن هاشم الطبراني ومحمد بن الحسن بن قتيبة ومحمد ابن أحمد بن شيبان الرملي. روى عنه تمام الرازي، وعبد الوهاب الميداني وعلي بن عمر الحلبي. كان عابداً صالحاً زاهداً قوّالاً بالحق، سلخه صاحب مصر المعز. توفي ﵀ سنة ثلاث وستين وثلاثمائة.
موقفه من الرافضة:
جاء في السير: قال أبو ذر الحافظ: سجنه بنو عبيد وصلبوه على السنة سمعت الدارقطني يذكره ويبكي ويقول: كان يقول وهو يسلخ: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٥٨)﴾ (٢).اهـ (٣)
قال أبو الفرج بن الجوزي: أقام جوهر القائد لأبي تميم صاحب مصر أبا بكر النابلسي وكان ينزل الأكواخ فقال له: بلغنا أنك قلت: إذا كان مع الرجل عشرة أسهم، وجب أن يرمي في الروم سهماً وفينا تسعة قال: ما قلت هذا بل قلت: إذا كان معه عشرة أسهم وجب أن يرميكم بتسعة وأن يرمي العاشر فيكم أيضاً، فإنكم غيرتم الملة، وقتلتم الصالحين، وادعيتم نور
стр. 2433
الإلهية، فشهره ثم ضربه ثم أمر يهودياً فسلخه. (١)
التعليق:
ما أحسن هذه المواقف وما أفقه أصحابها، وأعلمهم بخبث الروافض ومكائدهم للإسلام والمسلمين، لا كدعاة التقارب بين السنة والشيعة بل المباركين للروافض في كل صغيرة وكبيرة بل دعاة لهم. يشيدون بضلالهم ويدافعون عنهم في جرائدهم ومجلاتهم وحواراتهم، ويناظرون عليهم ويدافعون، على أنه من لو قرأ ما كتبناه في هذه المسيرة لتبينت له مواقف علماء المسلمين ضد هؤلاء اليهود عليهم لعائن الله.
موقف السلف من النعمان الباطني العبيدي (٣٦٣ ه ـ)
بيان زندقته:
قال الذهبي في سيره: العلامة المارق، قاضي الدولة العبيدية، أبو حنيفة، النعمان بن محمد بن منصور المغربي.
كان مالكياً، فارتد إلى مذهب الباطنية، وصنف له أس الدعوة، ونبذ الدين وراء ظهره، وألف في المناقب والمثالب، ورد على أئمة الدين، وانسلخ من الإسلام، فسحقاً له وبعداً. ونافق الدولة لا بل وافقهم. وكان ملازماً للمعز أبي تميم منشئ القاهرة. وله يد طولى في فنون العلوم والفقه
стр. 2434
والاختلاف، ونفس طويل في البحث، فكان علمه وبالاً عليه. (١)
موقف السلف من المعز العبيدي المهدوي (٣٦٥ ه ـ)
بيان رفضه:
- جاء في السير: وضربت السكة على الدينار بمصر) وهي: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي خير الوصيين (والوجه الآخر اسم المعز والتاريخ. وأعلن الأذان بحي على خير العمل، ونودي: من مات عن بنت وأخ أو أخت فالمال كله للبنت. فهذا رأي هؤلاء. (٢)
- وفيها: قيل: إن المنجمين أخبروا المعز أن عليك قطعاً، فأشاروا أن يتخذ سرباً يتوارى فيه سنة ففعل. فلما طالت الغيبة ظن جنده المغاربة أنه رفع، فكان الفارس منهم إذا رأى غمامة، ترجل، ويقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين، ثم إنه خرج بعد سنة فخرج فما عاش بعدها إلا يسيراً. (٣)
- وفيها: قال الذهبي: ظهر هذا الوقت الرفض، وأبدى صفحته، وشمخ بأنفه في مصر والشام والحجاز والغرب بالدولة العبيدية، وبالعراق والجزيرة والعجم ببني بويه، وكان الخليفة المطيع ضعيف الدست والرتبة مع بني بويه. ثم ضعف بدنه، وأصابه فالج وخرس فعزلوه، وأقاموا ابنه الطائع لله. وله
стр. 2435
السكة والخطبة، وقليل من الأمور، فكانت مملكة هذا المعز أعظم وأمكن. وكذلك دولة صاحب الأندلس المستنصر بالله المرواني، كانت موطدة مستقلة كوالده الناصر لدين الله الذي ولي خمسين عاماً. وأعلن الأذان بالشام ومصر بحي على خير العمل. فلله الأمر كله. (١)
- وفيها: وقد جرى على دمشق وغيرها من عساكر المغاربة كل قبيح من القتل والنهب. وفعلوا ما لا يفعله الفرنج. ولولا خوف الإطالة لسقت ما يبكي الأعين. (٢)
موقف السلف من النصرآبادي (٣٦٧ ه ـ)
بيان زندقته:
جاء في السير: كم من مرة قد ضرب وأهين، وكم حبس فقيل له: إنك تقول: الروح غير مخلوقة، فقال: لا أقول ذا، ولا أقول إنها مخلوقة بل أقول: الروح من أمر ربي، فجهدوا به، فقال: ما أقول إلا ما قال الله. (٣)
التعليق:
ما ضرب وأهين إلا من أجل ضلاله وترهاته التي دنس بها علمه وإسلامه، ومن ترهاته الثناء على الذين أجمع أهل العلم على زندقتهم.
стр. 2436
- وجاء في السير: وقال الحاكم: وسمعته يقول وعوتب في الروح، فقال: إن كان بعد الصديقين موحد فهو الحلاج. (١)
- ومن ترهاته: قال السلمي: وقيل له: إنك ذهبت إلى الناووس وطفت به وقلت: هذا طوافي فتنقصت بهذا الكعبة قال: لا، ولكنهما مخلوقان، لكن بها فضل ليس هنا، وهذا كمن يكرم كلباً، لأنه خلق الله، فعوتب في ذلك سنين. (٢)
التعليق:
ألا يستحق من يقول هذا الضرب والإهانة بل القتل؟ وهل في الزندقة أعظم من هذا؟! مَنْ مِنَ المسلمين يجيز الطواف بغير بيت الله؟! فهذا القائل لا يشك من له علم بعقيدة التوحيد أنه كافر والله المستعان.
بيان تصوفه:
جاء في السير: عن أبي الأسعد بن القشيري قال: ألبسني الخرقة جدي أبو القاسم القشيري ولبسها من الأستاذ أبي علي الدقاق عن أبي القاسم النصرآباذي عن أبي بكر الشبلي عن الجنيد عن سري السقطي عن معروف الكرخي رحمهم الله تعالى.
قال الذهبي: وما بعد معروف فمنقطع، زعموا أنه أخذ عن داود الطائي وصحب حبيباً العجمي وصحب الحسن البصري وصحب علياً رضي
стр. 2437
الله عنه وصحب النبي ﷺ . (١)
جاء في المقاصد الحسنة: حديث لبس الخرقة الصوفية وكون الحسن البصري لبسها من علي قال ابن دحية وابن الصلاح: إنه باطل، وكذا قال شيخنا -وهو الحافظ ابن حجر- إنه ليس في شيء من طرقها ما يثبت، ولم يرد في خبر صحيح ولا حسن ولا ضعيف، أن النبي ﷺ ألبس الخرقة على الصورة المتعارفة بين الصوفية لأحد من أصحابه، ولا أمر أحداً من أصحابه بفعل ذلك، وكل ما يروى في ذلك صريحاً فباطل، قال: ثم إن من الكذب المفترى قول من قال: إن علياً ألبس الخرقة الحسن البصري، فإن أئمة الحديث لم يثبتوا للحسن من علي سماعاً فضلاً عن أن يلبسه الخرقة ولم يتفرد شيخنا بهذا بل سبقه إليه جماعة حتى من لبسها وألبسها، كالدمياطي والذهبي والهكاري وأبي حيان والعلائي ومغلطاي والعراقي وابن الملقن والأبناسي والبرهان الحلبي وابن ناصر الدين وتكلم عليها في جزء مفرد ... اهـ. (٢)
أبو سعيد السِّيرَافي (٣) (٣٦٨ هـ)
الحسن بن عبد الله بن المرزبان أبو سعيد السيرافي. حدث عن أبي بكر ابن دريد، وابن زياد النيسابوري، ومحمد بن أبي الأزهر. حدث عنه الحسين
стр. 2438
ابن محمد بن جعفر الجامع، ومحمد بن عبد الواحد، وعلي بن أيوب القمي.
سكن بغداد وكان من أعيان الحنفية، رأساً في نحو البصريين، وقرأ القرآن على ابن مجاهد. قال عنه الذهبي: وكان ديناً متورعاً، لا يأكل إلا من كسب يده. وكان وافر الجلالة، كثير التلامذة وكان إماماً في العربية.
توفي سنة ثمان وستين وثلاثمائة.
موقفه من المشركين:
قال ابن تيمية: وهذا -أي تعلم اللغة لا تعلم علم المنطق- مما احتج به أبو سعيد السيرافي في مناظرته المشهورة "لمتى" الفيلسوف، لما أخذ "متى" يمدح المنطق ويزعم احتياج العقلاء إليه. ورد عليه أبو سعيد بعدم الحاجة إليه، وأن الحاجة إنما تدعو إلى تعلم العربية، لأن المعاني فطرية عقلية لا تحتاج إلى اصطلاح خاص، بخلاف اللغة المتقدمة التي يحتاج إليها في معرفة ما يجب معرفته من المعاني، فإنه لا بد فيها من التعلم، ولهذا كان تعلم العربية التي يتوقف فهم القرآن والحديث عليها فرضاً على الكفاية بخلاف المنطق. (١)
أبو الشَّيخ (٢) (٣٦٩ هـ)
أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر المعروف بأبي الشيخ، الإمام الحافظ الصادق محدث أصبهان. ولد سنة أربع وسبعين ومائتين. سمع من أبي بكر
стр. 2439
أحمد بن عمرو البزار وأبي يعلى الموصلي وجعفر الفريابي وغيرهم. وروى عنه ابن منده وابن مردويه وأبو نعيم الحافظ.
كان أبو الشيخ من العلماء العاملين، حافظاً عارفاً بالرجال، كثير الحديث، صاحب سنة واتباع. قال أبو بكر الخطيب: كان أبو الشيخ حافظاً ثبتاً متقناً. وقال أبو القاسم السوذرجاني: هو أحد عباد الله الصالحين، ثقة مأمون. يروى عنه أنه قال: ما عملت فيه حديثاً إلا بعد أن استعملته (يعني كتابه ثواب الأعمال).
توفي سنة تسع وستين وثلاثمائة.
موقفه من المبتدعة:
له من الآثار السلفية:
١ - السنة: قال الشيخ رضا في مقدمة دراسته على كتاب العظمة: وهو في حكم المفقود، ويبدو مما ذكره السمعاني أن له كتابين باسم السنة أحدهما: السنة الكبيرة والثاني: السنة الصغيرة المعروفة بالواضحة.
وقد ذكره شيخ الإسلام في غير ما موضع من كتبه، ونقل منه جملة. (١)
٢ - العظمة: وهو كتاب في المخلوقات وعجائبها، ذكر منها العرش والاستواء. ونقل منه ابن القيم في اجتماع الجيوش. وقد حقق وطبع والحمد لله.
٣ - التفسير: ذكره شيخ الإسلام من ضمن التفاسير السلفية. (٢)
стр. 2440
إبراهيم بن أحمد بن شَاقْلاَ (١) (٣٦٩ هـ)
أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عمر، البغدادي البزاز المعروف بابن شاقلا. سمع من دعلج السجزي وأبي بكر الشافعي وابن مالك. وروى عنه أبو حفص العكبري وأحمد بن عثمان الكبشي وعبد العزيز غلام الزجاج وكان رأساً في الأصول والفروع.
قال الخطيب: قال لي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء: كان رجلاً جليل القدر حسن الهيئة كثير الرواية حسن الكلام في الفقه، غير أنه لم يطل له العمر.
توفي سنة تسع وستين وثلاثمائة، وله أربع وخمسون سنة.
موقفه من الجهمية:
مناظرته القيمة ودفاعه عن العقيدة السلفية:
جاء في طبقات الحنابلة: قرأت بخط الوالد السعيد قال: نقلت من خط أبي بكر بن شاقلا قال: أخبرنا أبو إسحاق بن شاقلا -قراءة عليه- قال: قلت لأبي سليمان الدمشقي: بلغنا أنك حكيت فضيلة الرسول ﷺ في ليلة المعراج، وقوله في الخبر «وضع يده بين كتفي فوجدت بردها» فذكر الحديث (٢).
стр. 2441
فقال لي: هذا إيمان ونية، لأنه أريد مني روايته. وله عندي معنى غير الظاهر قال: وأنا لا أقول مسه.
فقلت له: وكذا تقول في آدم لما خلقه بيده؟
قال: كذا أقول. إن الله لا يمس الأشياء.
فقلت له: سويت بين آدم وسواه فأسقطت فضيلته، وقد قال تعالى: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (١). قلت له: هذا رويته لأنه أريد منك -على رغمك- وله عندك معنى غير ظاهره، وإلا سلمت الأحاديث التي جاءت في الصفات، ويكون لها معاني غير ظاهرها أو ترد جميعها؟
فقال لي: مثل أي شيء؟
فقلت له: مثل الأصابع والساق، والرجل، والسمع والبصر، وجميع الصفات التي جاءت في الأخبار الصحاح حتى إذا سلمتها كلمناك على ما ادعيته من معانيها التي هي غير ظاهرها.
فقال لي منكرا لقولي: من يقول رجل؟
فقلت: أبو هريرة عن النبي ﷺ (٢).
فقال: من عن أبي هريرة؟
فقلت: همام. فقال: من عن همام؟
стр. 2442
فقلت: معمر. فقال: من عن معمر؟
فقلت: عبد الرزاق. فقال لي: من عن عبد الرزاق؟
فقلت له: أحمد بن حنبل. فقال لي؟ عبد الرزاق كان رافضياً.
فقلت له: من ذكر هذا عن عبد الرزاق؟ فقال لي: يحيى بن معين.
فقلت له: هذا تخرص على يحيى، إنما قال يحيى: كان يتشيع، ولم يقل رافضياً. فقال لي: الأعرج عن أبي هريرة بخلاف ما قاله همام.
قلت له: كيف؟ قال: لأن الأعرج قال: «يضع قدمه».
فقلت له: ليس هذا ضد ما رواه همام. وإنما قال هذا «قدم» (١) وقال هذا «رجل» وكلاهما واحد. ويحتمل أن يكون أبو هريرة سمع من النبي ﷺ مرتين. وحدث به أبو هريرة مرتين فسمع الأعرج منه في إحدى المرتين ذكر «القدم» وسمع منه همام ذكر «الرجل» فقال لي: همام غلط.
فقلت له: هذا قول من لا يدري.
ثم قال لي: والأصابع في حديث ابن مسعود تقول به؟
فقلت له: حديث ابن مسعود صحيح من جهة النقل. ورواه الناس ورواه الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله. فقال لي: هذا قاله اليهودي.
فقلت له: لم ينكر رسول الله ﷺ قوله، قد ضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقاً لقوله. فأنكر أن يكون هذا اللفظ مروياً من أخبار ابن مسعود.
فقلت له: بلى، هذا رواه منصور والأعمش جميعاً عن إبراهيم عن أبي عبيدة «أن يهودياً أتى النبي ﷺ ، فقال: يا محمد، إن الله يمسك
стр. 2443
السماوات على إصبع والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والخلائق على إصبع، والشجر على إصبع -وروي: والثرى على إصبع- ثم يقول: أنا الملك. فضحك رسول الله ﷺ ، تصديقاً لما قال الحبر» (١) هكذا رواه الثوري والفضيل بن عياض. فقال لي: قد نزل القرآن بالتكذيب لا بالتصديق. فقال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (٢).
فقلت له: قد نزل القرآن بالتصديق لا بالتكذيب بدلالة قوله تعالى في سياق الآية: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (٣) ثم نزه نفسه عما يشرك به من كذب بصفاته فقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ (٤) وقوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ لا يمنع من إثبات الأصابع صفة له، كما ثبتت صفاته التي لا أختلف أنا وأنت فيها ومع هذا: فما قدروا الله حق قدره كذلك أيضاً نثبت الأصابع صفة لذاته ﵎ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ فلما رأى ما لزمه قال: هذا ظن من ابن مسعود أخطأ فيه.
فقلت له: هذا قول من يروم هدم الإسلام والطعن على الشرع، لأن
стр. 2444
من زعم أن ابن مسعود ظن ولم يستيقن، فحكى عن النبي ﷺ على ظنه فقد جعل إلى هدم الإسلام مقالته هذه، بأن يتجاهل أهل الزيغ فيتهجم على كل خبر جاء عن النبي ﷺ لا يوافق مذهبهم فيسقطونه، بأن يقولوا: هذا ظن من الصحابة على رسول الله ﷺ إذ لا فرق بين ابن مسعود وسائر الصحابة ﵃. وهذا ضد ما أجمع عليه المسلمون، وقد أكذب القرآن مقالة هذا القائل في الآية التي شهد فيها لابن مسعود بالصدق في جملة الصحابة.
ثم قلت له: والأصابع قد رواها عن النبي ﷺ أيضاً أصحابه منهم أنس ابن مالك في حديث الأعمش عن أبي سفيان عن أنس ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك قال قلنا: يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به. فهل تخاف علينا؟ قال: نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها» (١). ثم قال لي: تروي حديث أبي هريرة «خلق آدم على صورته» (٢) ويومئ إلى أنه مخلوق على صورة آدم.
فقلت له: قال أحمد بن حنبل: من قال إن آدم خلقه الله على صورة آدم فهو جهمي وأي صورة كانت لآدم قبل خلقه؟ فقال لي: قد جاء الحديث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «إن الله خلق آدم على صورة آدم».
فقلت له: هذا كذب على النبي ﷺ . فقال لي: بلى، قد جاء في الحديث «طوله ستون ذراعاً» على أنه آدم.
стр. 2445
فقلت له: قد رد هذا، وليس هو الذي ادعيت على رسول الله ﷺ ، لأنك قلت عن النبي ﷺ : «إن الله خلق آدم على صورة آدم» ثم استدللت بقوله: «ستون ذراعاً» على أنه آدم وهذا خبر جاء عن النبي ﷺ من وجهين:
فأبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ «إن الله خلق آدم على صورته». وروى جرير عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «لا تقبحوا الوجوه، فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن» (١)
قال أبو إسحاق: وهذا الحديث يذكر عن إسحاق بن راهويه: أنه صحيح مرفوع، وأما أحمد بن حنبل فذكر أن الثوري
стр. 2446
أوقفه على ابن عمر. فكلاهما الحجة فيه على من خالفه فإن كان رفعه صحيحاً إلى النبي ﷺ ، فقد سقط العذر، وإن كان ابن عمر القائل له فقد اندحض بقول ابن عمر تأويل من حمل قوله «على صورته». قال أبو إسحاق: وهذا لم يجر بيني وبينه وإنما بينته لأصحابي ليفهموه.
ثم قلت له: قوله «خلق آدم على صورته» لا يتأول لآدم على صورة آدم لما قاله أحمد: وأي صورة كانت لآدم قبل خلقه؟ فقد فسد تأويلك من هذا الوجه. وفسد أيضاً بقول ابن عمر عن النبي ﷺ : «إن الله خلق آدم على صور الرحمن ﵎».
وأما الاستدلال بقوله ﷺ : «طوله ستون ذراعاً» فإن كانت هذه اللفظة محفوظة فكان قوله «خلق آدم على صورته» فتم الكلام. ثم قال: «طوله ستون ذراعاً» إخباراً عن آدم بذلك، على حديث الثوري عن أبي الزناد عن موسى بن أبي عثمان عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله خلق آدم على صورته» ذكرت بدلالة حديث ابن عمر ﵄ وما ذكرته عن أحمد، فقال لي جواباً عن حديث أنس: «إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها» إنما هما نعمتان.
فقلت له: هذا الخبر يقول: إن الإصبعين نعمتان؟ واليدين صفة للذات. ولم يتقدمك بهذا أحد إلا عبد الله بن كلاب القطان، الذي انتحلت مذهبه ولا عبرة في التسليم للأصابع والتأويل لها على ما ذكرت أن القلوب بين نعمتين من نعم الله . ثم قال لي: وهذا مثل روايتكم عن ابن مسعود في قوله يوم يكشف عن ساق أن الله يكشف عن ساقه يوم القيامة؟
стр. 2447
فقلت له: هذا رواه ابن مسعود عن النبي ﷺ . فأنكره عن النبي ﷺ وقال: هذا من كلام ابن مسعود. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: «الشدة». (١)
فقلت له: إنما نذكر ما جاء عن الصحابة إذا لم نجد عن النبي ﷺ فقال لي: تحفظه عن النبي ﷺ ؟
قلت: نعم، هذا رواه المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة بن عبد الله عن مسروق بن الأجدع حدثنا عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ : «يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم، وينزل الله في ظلل من الغمام -وذكر الحديث بطوله- وقال فيه: فيأتيهم الله ﵎ فيقول لهم: ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس؟ فيقولون: لنا إله. فيقول: هل تعرفونه إن رأيتموه؟ فيقولون: نعم، بيننا وبينه علامة، إن رأيناها عرفناه قال: فيقول: ما هي؟ فيقولون: يكشف عن ساقه. قال: فعند ذلك يكشف عن ساقه قال: فيخر من كان بظهره طبق ويبقى قوم ظهورهم كأنها صياصي البقر، يريدون السجود فلا يستطيعون. وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون». في حديث فيه طول (٢)،
وقد روي
стр. 2448
أيضاً من طريق أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ .
فقال: أبو هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري؟ فقلت له: هذا في صحيح البخاري فليس من شرطه أبو هارون العبدي لضعفه عنده، وعند أئمة أهل العلم ولم يحضرني إسناده في وقت كلامي له. وأخرجته من صحيح البخاري كما ذكرته -وساقه بسنده- إلى أبي سعيد الخدري قال: سمعت النبي ﷺ : «يكشف ربنا ﵎ عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ويبقى من كان يسجد له في الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً» (١) ثم قال لي: وتقول بحديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ «رأيت ربي» (٢)؟ فقلت له: رواه حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ . فقال لي: حماد بن سلمة ضعيف فقلت: من ضعفه؟ فقال لي: يحيى القطان. وقلت له: هذا تخرص على يحيى، لم يقل يحيى هذا، وإلا فمن حدثك؟ فلم يقل من حدثه. وقال لي: أيما أثبت عندك؟ حماد بن سلمة أو سماك؟ قلت: حماد بن سلمة أثبت وسماك مضطرب الحديث. فنازعني في هذا. والذي أجبته به بأن حماد بن سلمة ثقة وسماك مضطرب الحديث هو جواب أحمد فيهما، ولم أدر ما أراد بسماك؟ وخرجنا من ذلك ولم أسأله.
ثم قلت له: هذه الأحاديث تلقاها العلماء بالقبول. فليس لأحد أن يمنعها ولا يتأولها ولا يسقطها. لأن الرسول ﷺ لو كان لها معنى عنده غير ظاهرها لبينه. ولكان الصحابة -حين سمعوا ذلك من الرسول ﷺ سألوه عن معنى غير
стр. 2449
ظاهرها. فلما سكتوا وجب علينا أن نسكت حيث سكتوا ونقبل طوعاً ما قبلوا.
فقال لي: أنتم المشبهة. فقلت: حاشا لله، المشبه الذي يقول: وجه كوجهي ويد كيدي. فأما نحن فنقول: له وجه كما أثبت لنفسه وجهاً. وله يد كما أثبت لنفسه يداً. وليس كمثله شيء وهو السميع البصير. ومن قال هذا فقد سلم ثم قلت له: أنت مذهبك أن كلام الله ليس بأمر ولا نهي ولا متشابه ولا ناسخ ولا منسوخ ولا كلامه مسمع. لأن عندك الله لا يتكلم بصوت، وأن موسى لم يسمع كلام الله بسمعه. وإنما خلق الله في موسى فهماً فهم به. فلما رأى ما عليه في هذا من الشناعة قال: فلعلي أخالف ابن كلاب القطان في هذه المسألة من سائر مذهبه.
ثم قلت له: ومن خالف الأخبار التي نقلها العدل عن العدل موصولة بلا قطع في سندها ولا جرح في ناقليها، وتجرأ على ردها، فقد تهجم على رد الإسلام لأن الإسلام وأحكامه منقولة إلينا بمثل ما ذكرت.
فقال لي: الأخبار لا توجب عندي علما. فقلت له: يلزمك على قود مقالتك: أنك لو سمعت أبا بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعداً وسعيداً وعبد الرحمن بن عوف وأبا عبيدة بن الجراح يقولون: سمعنا رسول الله ﷺ يقول كذا وكذا أنك لا تعلم أن النبي ﷺ قال من ذلك شيئاً، لقولهم سمعنا فلم ينكر من ذلك شيئاً غير الشناعة.
ثم قال لي: أخبار الآحاد في الصفات اغسلها، وهي عندي والتراب سواء، ولا أقول منها إلا بما قام في العقل تصديقه. قلت له: فلم أتعبت نفسك في كتبها وسعيت إلى الشيوخ فيها، وأنصبت نفسك وأتعبتها،
стр. 2450
وأسهرت ليلك بما لا تدين الله به، ولا تزداد به علماً؟ فأجابني بأن قال: كتبته حتى أتمم به الأبواب إذا أردت تخريجها. فقلت له: تخرج للمسلمين ما لا تدين به؟ فقال نعم لأعرفه فقلت له: تُعنِّي المسلمين على قود مقالتك والحق في غير ما ذكرت؟ ثم قلت له خرقت الإجماع لأن الأمة بأسرها، اتفقت على نقلها، ولم يكن نقل ذلك عبثاً ولا لعباً، ولو كان نقلهم لها كترك نقلهم لها لكانوا عابثين وحاشا لله من ذلك. ومن كانت هذه مقالته فقد دخل تحت الوعيد في قوله : ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (١).
ولما كانت أخبار الآحاد في الصفات لا توجب عملاً دلّ على أنها موجبة للعلم، فسقط بهذا ما ادعاه من لم ينتفع بعلمه، وتهجم على إسقاط كلام الرسول ﷺ بنقل العدل عن العدل موصولاً إليه، برأيه وظنه.
ثم ذكرت حساب الكفار فقال لي: قد روي عن النبي ﷺ حديث أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ : «إن الكافر ليحاسب حتى يقول: أرحني ولو إلى النار» (٢)
فهلا قلت به؟ فقلت له: ليس
стр. 2451
يحل ما روي صحيحاً أو سقيماً أن نقول به. وإنما تعبدنا بالصحيح دون السقيم. والصحيح معلوم عند أهل النقل بعدالة ناقليه، متصلاً إلى المخبر عنه، والسقيم معلوم بجرح ناقليه وهذا الخبر الذي رويته ورواه إبراهيم بن مهاجر ابن مسمار - يعني: وهو متروك الحديث ضعيف عند أهل العلم، وليس مثل هذا مما تقوم به حجة.
فقال لي: فأي شيء معك في أنهم لا يحاسبون؟ فقلت له: إن شئت من كتاب الله وإن شئت من سنة رسول الله ﷺ ، وإن شئت من قول صحابته ﵃. فقال لي منكراً لقولي في الصحابة من قال هذا؟ فقلت: نعم. قرأت على أبي عيسى إلى أن ذكر الحديث: «من حوسب دخل الجنة».
يقول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)﴾ (١) ويقول للآخرين يعني الكفار: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ (٢) ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١)﴾ (٣).
فقال لي: قد سمعت هذا الحديث من أبي علي الصواف، فساق سنده إلى عائشة بمثل معناه يعني «من حوسب دخل الجنة» فقال لي: هو المسلم المجرم. فقلت له: جمعت بين ما فرق الله ، لأن الله يقول:
стр. 2452
﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ (١).
قال أبو إسحاق: وكان عندنا أن أبا سليمان يقول: إن الكافر والمؤمن يحاسبان. فعلى قوله: إن المؤمن لا يحاسب وإن الكافر يحاسب. وهذه عصبية للكافر، خرج بها عن جملة أهل العلم. قلت له: أنت تتكلم على المسلمين فتحشو أسماعهم بكلام الكلبي الكذاب فيما يخبر عن مراد الله تعالى عن الأمم الخالية، التي لم يشاهدها، ولا يكون عندك هذيان. ثم تجيء إلى مثل حديث إبراهيم النخعي عن علقمة عن عبد الله -حديث الخبر- فتقول هذا هذيان. وهذا قول من تقلده خرج عندي من الدين وسلك غير طريق المسلمين.
وهذا ما جرى بيننا إلا ما أخللت به فلم أتيقن حفظه، والله سبحانه الموفق لإدراك الصواب. (٢)
التعليق:
من قرأ هذه المناظرة المباركة علم قوة السلفيين، وحفظهم لميراث الرسول ﷺ وصحابته الكرام، وعلم خبث المبتدعة وضعفهم العلمي وتلاعبهم بدين الله على حسب أهوائهم. وعلم ما علق به المبتدع المسمى عبد الله بن الصديق على كتاب التمهيد لابن عبد البر الجزء السابع على حديث أبي هريرة ﵁ في النزول «ينزل ربنا ... » الحديث (٣) الذي نجسه بتعاليقه الباردة الممقوتة، ينقل أقوال المبتدعة في أحاديث الصفات،
стр. 2453
ويجتر ما قاله المبتدعة قبله. وهذه المناظرة تكفي في الرد عليه وعلى أمثاله ممن يريدون إحياء مذهب ابن صفوان الترمذي بين المسلمين، والله المستعان. ويكفي المسلمين شره وشر أمثاله من المبتدعة.
بشر بن أحمد الإِسْفَرَاييني (١) (٣٧٠ هـ)
بشر بن أحمد بن بشر بن محمود الإسفراييني أبو سهل الإمام المحدث الثقة الجوال مسند وقته وأحد الموصوفين بالشهامة والشجاعة. سمع إبراهيم ابن علي الذهلي ومحمد بن محمد بن رجاء وأحمد بن سهل وغيرهم. وعمر وأملى مدة حدث عنه الحاكم والعلاء بن محمد ومحمد بن حميم الفقيه وغيرهم.
توفي في شوال سنة سبعين وثلاثمائة. وقد عاش نيفاً وتسعين سنة.
موقفه من الجهمية:
جاء في ذم الكلام: عن الأشعث قال: قال رجل لبشر بن أحمد الإسفرايني: إنما أتعلم الكلام لأعرف به الدين. فغضب. وسمعته قال: أو كان السلف من علمائنا كفاراً. (٢)
стр. 2454
موقف السلف من أبي بكر الرازي المعتزلي (٣٧٠ ه ـ)
بيان اعتزاله:
جاء في السير: وقيل كان ميله إلى الاعتزال في مصنفاته: وقيل كان يميل إلى الاعتزال، وفي تواليفه ما يدل على ذلك في رؤية الله وغيرها، نسأل الله السلامة. (١)
الإسماعيلي (٢) (٣٧١ هـ)
أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس أبو بكر، الإمام الحافظ الحجة الفقيه، شيخ الإسلام الإسماعيلي، ولد سنة سبع وسبعين ومائتين. وكتب الحديث بخطه وهو صبي مميز. روى عن إبراهيم بن زهير الحلواني، وحمزة بن محمد الكاتب، ويوسف بن يعقوب القاضي، وعدة. حدث عنه الحاكم، وأبو بكر البرقاني، وحمزة السهمي، وخلق سواهم. وصنف تصانيف تشهد له بالإمامة في الفقه والحديث، فهو الحبر الإمام الجامع. قال الحاكم: كان الإسماعيلي واحد عصره، وشيخ المحدثين والفقهاء، وأجلهم في الرئاسة والمروءة والسخاء، ولا خلاف بين العلماء من الفريقين وعقلائهم في أبي بكر. وكان مقدما في جميع المجالس. كان إذا حضر مجلساً لا يقرأ غيره لجودة قراءته.
стр. 2455
مات في غرة رجب سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة.
موقفه من المبتدعة:
جاء في كتاب اعتقاد أئمة الحديث (١): ويرون مجانبة البدعة والآثام، والفخر، والتكبر، والعجب، والخيانة، والدغل، والسعاية، ويرون كف الأذى وترك الغيبة إلا لمن أظهر بدعة وهوى يدعو إليها، فالقول فيه ليس بغيبة عندهم.
موقفه من الجهمية:
له من الآثار السلفية:
'اعتقاد أئمة الحديث': ذكر الذهبي أوله في السير: أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن بن الفراء أخبرنا الشيخ موفق الدين عبد الله، أخبرنا مسعود بن عبد الواحد، أخبرنا صاعد بن سيار، أخبرنا علي بن محمد الجرجاني، أخبرنا حمزة بن يوسف أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي قال: اعلموا -رحمكم الله- أن مذاهب أهل الحديث: الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وقبول ما نطق به كتاب الله وما صحت به الرواية عن رسول الله ﷺ لا معدل عن ذلك. ويعتقدون بأن الله مدعو بأسمائه الحسنى وموصوف بصفاته التي وصف بها نفسه ووصفه بها نبيه. خلق آدم بيده ويداه مبسوطتان بلا اعتقاد كيف. واستوى على العرش بلا كيف. وذكر سائر الاعتقاد. (٢)